← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

من الأمة، وهو قول المذاهب الأربعة (١) حاشا بعض فقهاء الشافعية فإن لهم وجها في تحريمه .. أما ما عداه من الصبغ ففعله مسنون. ومن طريف ما قيل في معركة الشيب والخضاب ما أورده السمعاني قال: أنشدنا هبة الله بن طاوس: أنشدنا رزق الله التميمي لنفسه: وما شنأن الشيب من أجل لونه … ولكنه حاد إلى البين مسرع إذا ما دبت منه الطليعة آذنت … بأن المنايا خلفها تتطلع فإن قصها المقراض صاحت بأختها … فتظهر تتلوها ثلاث وأربع وإن خضبت حال الخضاب لأنه … يغالب صنع الله والله أصنع إذا ما بلغت الأربعين فقل لمن … يودك فيما تشتهيه ويسرع هلموا لنبكي قبل فرقة بيننا … فما بعدها عيس لذيد ومجمع وخل التصابي والخلاعة والهوى … وأم طريق الخير فالخير أنفع وخذ جنة تنجي وزادا من التقى … وصحبة مأموم فقصدك مفزع • أحكام اللباس: • قال المصنف رحمه الله تعالى: ﴿ونهى الرسول ﵇ الذكور عن لباس الحرير وتختم الذهب وعن التختم بالحديد، ولا بأس بالفضة في حلية الخاتم، والسيف، والمصحف، ولا يجعل ذلك في لجام ولا سرج ولا سكين ولا في غير ذلك﴾. ويتختم النساء بالذهب. ونهي عن التختم بالحديد، والاختيار مما روي في التختم والتختم في اليسار لأن تناول الشيء باليمين فهو يأخذه بيمينه ويجعله في يساره.

стр. 1437

واختلف في لباس الخز فأجيز وكره وكذلك العلم في الثوب من الحرير إلا الخط الرقيق. ولا يلبس النساء من الرقيق ما يصفهن إذا خرجن. ولا يجر الرجل إزاره بطرا ولا ثوبه من الخيلاء، وليكن إلى الكعبين فهو أنظف لثوبه وأتقى لربه. وينهى عن اشتمال الصماء وهي على غير ثوب يرفع ذلك من جهة واحدة ويسدل الأخرى وذلك إذا لم يكن تحت اشتمالك ثوب واختلف فيه على ثوب. ويؤمر بستر العورة. وإزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه. والفخذ عورة وليس كالعورة نفسها. ولا يدخل الرجل الحمام إلا بمثزر. ولا تدخله المرأة إلا من علة. ولا يتلاصق رجلان ولا امرأتان في لحاف واحد. ولا تخرج امرأة إلا مستترة فيما لا بد لها منه من شهود موت أبويها أو ذي قرابتها أو نحو ذلك مما يباح لها، ولا تحضر من ذلك ما فيه نوح نائحة أو لهو من مزمار أو عود أو شبهه من الملاهي الملهية إلا الدف في النكاح وقد اختلف في الكبر. ولا يخلو رجل بامرأة ليست منه بمحرم، ولا بأس أن يراها لعذر من شهادة عليها أو نحو ذلك أو إذا خطبها، وأما المتجالة فله أن يرى وجهها على كل حال. وينهى النساء عن وصل الشعر وعن الوشم. ومن لبس خفا أو نعلا بدأ بيمينه وإذا نزع بدأ بشماله. ولا بأس بالانتعال قائما. ويكره المشي في نعل واحدة.

стр. 1438

وتكره التماثيل في الأسرة والقباب والجدران والخاتم وليس الرقم في الثوب من ذلك وتركه أحسن). الشرح • حكم لباس الحرير والذهب للجنسين: ونهى الرسول ﵊ نهي تحريم الذكر (عن لباس)؛ أي: لبس (الحرير)؛ أي: والجلوس عليه والأدلة عليه كثيرة، ومنها: حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة» (١). ويجوز عند الحاجة، كالأمراض الجلدية لنحو حكة كما سيأتي في كلام المصنف الحديث: «رخص النبي ﷺ للزبير وعبد الرحمن في لبس الحرير لحكة بهما» (٢). ويجوز أيضا إذا كان قليلا: كرقعة في الثوب أو تطريز، أو في أطراف الثوب. ونحو ذلك، بشرط ألا يزيد عرضه عن أربع أصابع، فعن سويد بن غفلة أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب بالجابية (٣)، فقال: «نهى نبي الله عن لبس الحرير، إلا موضع أصبعين، أو ثلاث، أو أربع» (٤). (و) عن (تختم الذهب)؛ أي: ويحرم على الذكر لبس الخاتم إن كانت من ذهب، فعن علي ﵁ قال: «أخذ رسول الله ﷺ ذهبا بيمينه، وحريرا بشماله، ثم رفع بهما يديه فقال: هذان حرام على ذكور أمتي» (٥). وقد وردت النصوص الشرعية بالوعيد الشديد لمن لبس الذهب من الرجال، ولكن مع الأسف فهناك ثلة من المسلمين لم يرتدعوا بل

стр. 1439

عصوا الله ، وتمردوا على أوامر نبيه ﷺ ، فما أصبرهم على النار. ومما يجب ذكره إلحاقا للفائدة، أن الخاتم لو كان فضة، وجعل فيه جزء يسير جدا من الذهب فهو غير جائز، بل محرم، وهذا يعني أن خاتم الرجال يجب أن يخلو تماما من الذهب، ولو رش بماء الذهب، أو كان مموها بالذهب، فكل ذلك حرام، ومثله الساعة الملبسة بالذهب أو المطلية به، وكذا النظارة، والأقلام الذهبية فالرجل فحولته تأبى الخنوثة. • ما يباح لبسه وتلبيسه، وما يحرم من الخواتم وغيرها: (و) نهى ﵊ (عن التختم بالحديد) فعن بريدة ﵁، أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ وعليه خاتم من حديد فقال: «ما لي أرى عليك حلية أهل النار» فطرحه، ثم جاءه وعليه خاتم من شبه (نحاس أصفر) - فقال: «ما لي أجد منك ريح الأصنام فطرحه، قال يا رسول الله: من أي شيء أتخذه؟ قال: من ورق، ولا تتمه مثقالا» (١)، قال الخطابي (٢): إنما قال في خاتم الشبه النحاس الأصفر «أجد منك ريح الأصنام» لأن الأصنام كانت تتخذ من الشبه اه. والنهي عن لبس خاتم الحديد ينبغي أن يحمل على ما إذا كان حديدا صرفا، لخبر معيقيب قال: «كان خاتم النبي ﷺ من حديد ملوي عليه فضة، قال: فربما كان في يده، وكان المعيقيب على خاتم النبي ﷺ » (٣). ومما يكره لبسه من الخواتم للرجال والنساء، خاتم الحديد والصفر

стр. 1440

والنحاس والرصاص، لأن الحديد حلية أهل النار، قال تعالى: ﴿ولهم مقامع من حديد﴾ [الحج: ٢١]. (ولا بأس بالفضة في حلية الخاتم) أراد بحلية الخاتم أن يكون الخاتم من فضة، لما في «الصحيحين» «أنه اتخذ خاتما من ورق فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر من بعد، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان ﵃ أجمعين، حتى وقع في بئر أريس» (١) كجليس قريبة من مسجد قباء وقد بالغ عثمان في التفتيش عليه ونزح البئر ثلاثة أيام وأخرج جميع ما فيه فلم يجده ولعل في ذلك حكمة، ولما مر من الأحاديث المبيحة للفضة، ورأى المالكية أن الخاتم المأذون فيه شرعا لا يجوز له أن يتعدى وزنه وزن درهمين شرعيين أو أقل، وهو ما يعادل = ٢، ٩٧٥ جراما، فإن زاد عن درهمين فهو حرام (٢)، وليس ثمت دليل صحيح يحرم ما زاد والله أعلم. (و) لا بأس بتحلية (السيف) لحديث أنس ﵁: «كان نعل سيف رسول الله ﷺ من فضة، وقبيعة (٣) سيفه فضة، وما بين ذلك حلق فضة» (٤). (و) لا بأس بتحلية (المصحف) لوجوب تعظيمه واحترامه الذي يدل عليه حرمة مسه للمحدث، وعدم السفر به إلى أرض العدو الثابت في السنة كما سبق في موضعه، (ولا يجعل ذلك) المذكور من التحلية بالفضة (في لجام ولا سرج ولا سكين) ولا في غير ذلك من آلات الحرب اقتصارا على ما ورد الشرع به.

стр. 1441

ويجوز لبس أنف من ذهب لمن قطعت أنفه كما وقع لعرفجة بن أسعد قال: «أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية، فاتخذت أنفا من ورق (أي: فضة) فأنتن علي فأمرني رسول الله ﷺ ، أن أتخذ أنفا من ذهب» (١). ونحو سن، كتضبيب الأسنان ففي «مسند أحمد»: «أن عثمان بن عفان ﵁ ضبب أسنانه بذهب» (٢)، وذلك لأن الذهب لا يبليه الثرى، ولا يصدئه الندى، ولا تنقصه الأرض، ولا تأكله النار ولا يصدأ، بخلاف الفضة (٣)؛ وكذلك يجوز اتخاذ النقود من ذهب، وقد جمع صاحب الكفاف (٤) فقال: وإنما للمرء أن يستعملا … من النقود مصحفا به حلا والسيف والأنف وسنا مطلقا … وخاتما حيث يكون ورقا والخلف في نحو مضبب جرى … وجائز لباسه الجواهرا وللنساء لبس كل زينة … وبين القرآن ما يبدينه (ويتختم النساء بالذهب) وأولى بالفضة لما في حديث علي ﵁ في «الصحيحين» (٥) (ونهي عن التختم بالحديد) للنساء. وتقدم النهي عن ذلك للرجال فالتختم بالحديد منهي عنه مطلقا للرجال والنساء (والاختيار مما)؛ أي: من الذي (روي) عن النبي ﷺ (في التختم في اليسار) عند الجمهور" (٦) منهم مالك ويكون في الخنصر، فأما الوسطى والسبابة فمنهي عنها لحديث علي ﵁ عند أبي داود: «ونهاني أن أضع الخاتم في هذه أو في هذه - للسبابة، والوسطى، … شك عاصم» (٧) ويجعل فصه مما يلي الكف،

стр. 1442

لما في حديث أنس ﵁: أن فص الخاتم يكون مما يلي باطن اليد، وهذا فعل النبي ﷺ ، وفعله لا يدل على الوجوب، فيبقى الأمر على الجواز، فمن أراد أن يجعل فص الخاتم إلى أعلى فله ذلك، ومن أراد أن يجعله مما يلي باطن كفه فله ذلك، وهذا هو الاقتداء والاتباع لهدي النبي ﷺ . فإذا أراد الاستنجاء خلعه، كما يخلعه عند إرادة الخلاء إن كان فيه اسم الله تعالى، وإنما جعل في اليسار (لأن تناول الشيء) الصادق بالخاتم وغيره (باليمين فهو يأخذه بيمينه ويجعله في يساره) ولأن كونه في اليسار أبعد عن الإعجاب وهو اختيار الشيخ رحمه الله تعالى وقيل: أن التختم في اليمين أو اليسار كله جائز، لورود الأحاديث بهذا وبهذا، يقول النووي رحمه الله تعالى: (وأما الحكم في المسألة عند الفقهاء، فأجمعوا على جواز التختم في اليمين، وعلى جوازه في اليسار، ولا كراهة في واحدة منهما، واختلفوا أيتهما أفضل؟ (١). وقال البيهقي ﵀: « … وأن أبا بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وحسنا وحسينا ﵃، كانوا يتختمون في يسارهم» (٢). واختلف في لبس الخز) بخاء وزاي معجمتين وهو ما سداه حرير، ولحمته صوف أو قطن أو كتان على أقوال. فأشار إلى اثنين منها بقوله: (فأجيز، وكره) صحح في القبس لابن العربي الأول (٣) واستظهر ابن رشد الثاني (٤)، والثالث يحرم لبسه، قال القرافي: وهو ظاهر مذهب مالك لقوله ﵊ في حلة عطارد (٥)، وكان يخالطها الحرير: «إنما يلبس هذه من لا خلاق له

стр. 1443

في الآخرة» (١). ولحديث معاوية ﵁ قال: «إن رسول الله ﷺ نهى عن تسع وأنا أنهى عنهن: عن النوح (والشعر)، والغناء، والتبرج، والتصاوير، والجلوس على جلود السباع، والذهب، والحرير، والخز» (٢). وأما الجواز فلحديث عبد الله بن سعد عن أبيه قال: رأيت رجلا ببخارى على بغلة بيضاء عليه عمامة خز سوداء فقال: «كسانيها رسول الله ﷺ » (٣)، وقال أبو داود في السنن: عشرون من أصحاب رسول الله ﷺ لبسوا الخز منهم أنس والبراء بن عازب (٤). (وكذلك العلم في الثوب من الحرير إلا الخط الرقيق) وهو ما كان أقل من أصبع فإنه جائز. كما تقدم. • حجاب المرأة المسلمة خارج بيتها ومع غير المحارم: (ولا يلبس النساء) على جهة المنع (من الرقيق ما يصفهن)؛ أي: الذي يوصفن فيه. فإسناد الوصف للثياب استعارة؛ أي: الذي يظهر منه أعالي الجسد كالثديين والردف ومحل المنع (إذا خرجن) من بيوتهن أما إذا لبسنه في بيوتهن مع أزواجهن فيجوز، ولذلك يجب على المرأة إذا خرجت من بيتها أن تتقي الله في نفسها فإنها عورة وإذا خرجت استشرفها الشيطان كما جاء عن خير ولد عدنان ﷺ قال: «المرأة عورة» (٥)؛ يعني: يجب سترها. قال تعالي: ﴿يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ [الأحزاب: ٥٩].

стр. 1444

الشروط الواجب توفرها مجتمعة حتى يكون الحجاب شرعيا. الأول: ستر جميع بدن المرأة على الراجح. الثاني: أن لا يكون الحجاب في نفسه زينة. الثالث: أن يكون صفيقا ثخينا لا يشف. الرابع: أن يكون فضفاضا واسعا غير ضيق. الخامس: أن لا يكون مبخرا مطيبا. السادس: أن لا يشبه ملابس الكافرات السابع: أن لا يشبه ملابس الرجال. الثامن: أن لا يقصد به الشهرة بين الناس. • حد الأزرة والثوب للرجل: (ولا يجر الرجل إزاره بطرا) لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرا» (١)، (ولا ثوبه من الخيلاء)، لحديث ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» قال أبو بكر: يا رسول الله، إن أحد شقي إزاري يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه؟ فقال النبي ﷺ : «لست ممن يصنعه خيلاء» (٢)، وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعا: «إزرة المؤمن إلى نصف الساق، فما كان إلى الكعب فلا بأس، وما كان تحت الكعب ففي النار» (٣). وهي التي أشار إليها المصنف رحمه الله تعالى (ولكن إلى الكعبين) ولحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار» (٤)، وحديث أنس قال: قال: يعني: النبي ﷺ : «الإزار إلى نصف

стр. 1445

الساق، فشق عليهم، فقال: «أو إلى الكعبين، ولا خير في أسفل من ذلك» (١). (فهو أنظف لثوبه فلا تعلق به الأقذار وأتقى لربه) فيسلم من الذنوب والأوزار فعن الأشعث بن سليم قال: سمعت عمتي تحدث عن عمها قال: كنت أمشي وعلي بردة لي أجرها فقال رجل: «ارفع ثوبك فإنه أتقى وأبقى» فنظرت فإذا هو النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنما هي بردة ملحاء فقال: «أما لك في أسوة؟» فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقه» (٢). لأنه يتقى العجب والكبر، والأول: يرجع إلى ملاحظة الشخص لنفسه بعين الكمال مع نسيان نعمة الله، والثاني: يرجع إلى ذلك مع احتقار غيره. فإذا الكبر أخص من العجب. (وينهى) بمعنى ونهي (عن اشتمال الصماء) نهي تحريم (وهي)؛ أي: صفة اشتمال الصماء أن تكون على غير ثوب؛ أي: إزار مثلا (يرفع ذلك)؛ أي: طرف ما يشتمل به (من جهة واحدة ويسدل الأخرى) لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن اشتمال الصماء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد، ليس على فرجه منه شيء» (٣) - والصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب - وأصله عند الجماعة إلا الترمذي بلفظ النهي عن اشتمال الصماء، والاحتباء في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء، قد فسرت في حديث أبي سعيد بجعل الرجل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه (٤)، وفسرها اللغويون: بأن يلبس الرجل ثوبا يلتف فيه، ولا يجعل ليديه مخرجا فإذا أراد أن يخرج يديه بدت عورته. إذا تقرر هذا فقوله: اشتمال الصماء، الإضافة للبيان؛ أي: اشتمال هو الصماء. وقوله:

стр. 1446

(وذلك إذا لم يكن تحت اشتمالك)؛ أي: تحت ما تشتمل به (ثوب) تكرار كرره ليرتب عليه قوله: (واختلف فيه)؛ أي: في حكم الاشتمال المذكور (على ثوب)؛ أي: إزار مثلا على قولين لمالك بالمنع اتباعا لظاهر الحديث، والإباحة لانتفاء العلة المذكورة وهي كشف العورة (١). وجوب ستر العورة: (ويؤمر) المكلف (بستر العورة) عن أعين الناس وجوبا إجماعا (٢)، وفي الخلوة استحبابا على المشهور (٣). ومقابله أنه فرض عين في الخلوة أيضا، أما دليل سترها في الكتاب فقوله تعالى: ﴿يبني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١]. والمراد: ستر العورة بدليل سبب النزول. قال ابن عباس: كانوا في الجاهلية يطوفون عراة: الرجال بالنهار والنساء بالليل وكانت المرأة [تطوف بالبيت وهي عريانة] [تخرج صدرها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله] فقال الله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١] وهذا الحديث أخرجه مسلم (٤) وغيره. وقوله ﷺ : «احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ما ملكت يمينك» (٥) وأما المرأة فكلها عورة إلا وجهها وكفيها وقد تقدم البحث في ذلك، وأما ستر العورة في الخلوة فمستحب وقد كان ﷺ إذا اغتسل استتر بثوب ففي «الصحيح»: «أن فاطمة ابنته كانت تستر النبي ﷺ عام الفتح بثوب وهو يغتسل، ثم صلى ثماني ركعات» (٦)، ورأى رجلا يغتسل بالبراز بلا إزار،

стр. 1447

فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر فإذا اغتسل أحدكم فليستتر» (١)، والبراز بفتح الباء والراء (اسم للفضاء الواسع). (وإزرة) الرجل (المؤمن) بكسر الهمزة لأن المراد الهيئة (إلى أنصاف ساقيه) ولفظ «الموطأ» من قوله ﵊: «إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، ما أسفل من ذلك ففي النار، ما أسفل من ذلك ففي النار، لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا» (٢). تنبيه: الأزرة مشتقة من الإزار وهو الذي نص عليها إلى أنصاف الساق لأنه الإزار عادة يثبت في الحقو ولا يتقلص من الخلف، بخلاف القميص والثوب لو كان إلى أنصاف الساق لتقلص ويصير صاحبه ضحكة للناس ولذلك يراعى في الثوب غير ما يراعى في الإزار، وقد أفرد العلامة الفقيه بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى رسالة ماتعة بعنوان: حد الثوب والأزرة، وتحريم الإسبال ولباس الشهرة (٣). (والفخذ) وهو ما بين الساق والورك (عورة وليس) هو في التحريم (كالعورة) المغلظة وهي السوءتان، ولما انتفى كونه كالعورة خف أمره فغاية ما يقال إنه يكره مع غير الخاصة، وهو قول جمهور السلف أنها ليست عورة (٤) لحديث أنس ﵁: «أن رسول الله ﷺ غزا خيبر، فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب نبي الله ﷺ وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى نبي الله ﷺ في زفاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله، ثم حسر

стр. 1448

الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله ﷺ … » الحديث (١)، قال الحافظ: «يمكن الاستدلال على أن الفخذ ليست بعورة من جهة استمراره على ذلك لأنه وإن جاز وقوعه من غير قصد لكن لو كانت عورة لم يقر على ذلك لمكان عصمته ﷺ ولو فرض أن ذلك وقع لبيان التشريع لغير المختار لكان ممكنا لكن فيه نظر من جهة أنه كان حينئذ البيان عقبه كما في قضية السهو في الصلاة، وسياقه عند أبي عوانة والجوزقي من طريق عبد الوارث عن عبد العزيز ظاهر في استمرار ذلك ولفظه: «فأجرى رسول الله ﷺ في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله ﷺ وإني لأرى بياض فخذيه» (٢). قال: (وظاهر قول أنس هذا أن المس كان بدون الحائل ومس العورة بدون الحائل لا يجوز) (٣). (ولا يدخل الرجل الحمام إلا بمئزر) بكسر الميم والهمز وتركه ما يؤتزر به لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿إنها ستفتح لكم أرض العجم وستجدون فيها بيوتا يقال لها الحمامات، فلا يدخلنها الرجال إلا بالإزر، وامنعوها النساء إلا مريضة أو نفساء﴾ (٤)، (ولا تدخله المرأة إلا من علة) من مرض أو نفاس لا من حيض أو جنابة للحديث السابق، وكذلك جاء الوعيد في المرأة التي تخلع ثيابها في غير بيت زوجها ففي حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ : «ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت ما بينها وبين الله تعالى» (٥). (ولا يتلاصق رجلان ولا امرأتان في لحاف) أو ثوب (واحد) غير

стр. 1449

مستوري العورة وهذا على جهة المنع سواء كانت بينهما قرابة أم لا. لما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قوله ﵊: «لا ينظر الرجل إلى عرية الرجل، ولا المرأة إلى عرية المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب» (١)، ومن حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يفضين رجل إلى رجل، ولا امرأة إلى امرأة، إلا ولدا أو والدا» (٢). (ولا تخرج امرأة إلا مستترة فيما لا بد؛ أي: لا غنى لها منه من شهود موت أبويها أو ذي قرابتها) كالأخ (أو نحو ذلك مما يباح لها) الخروج لأجله كجنازة من ذكر، وحضور عرسه، وفي رواية عند الطبراني عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنما النساء عورة، وإن المرأة لتخرج من بيتها، وما بها من بأس فيستشرف لها الشيطان، فيقول: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبته، وإن المرأة لتلبس ثيابها، فيقال: أين تريدين؟ فتقول: أعود مريضا، أو أشهد جنازة، أو أصلي في مسجد، وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها» وإسناد هذه الرواية حسن (٣)، وعن أبي هريرة ﵁ أنه لما رجع النبي ﷺ من حجة الوداع وكان معه نساؤه قال لهن: «هذه ثم ظهور الحصر» (٤). (ولا تحضر) المرأة (من ذلك)؛ أي: مما أبيح لها الخروج إليه (ما فيه نوح نائحة) لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ «النائحة والمستمعة» (٥)، والنياحة وهي أمر زائد على البكاء. قال ابن العربي:

стр. 1450

«النوح ما كانت الجاهلية تفعل، كان النساء يقفن متقابلات يصحن، ويحثين التراب على رؤوسهن ويضربن وجوههن» نقله الأبي على مسلم. وفيها أحاديث كثيرة اقتصر على ذكر أحدها وهي: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة» وقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب»، رواه مسلم والبيهقي من حديث أبي مالك الأشعري ﵁ (١). (أو لهو من مزمار أو عود أو شبهه من الملاهي الملهية) فيمتنع حضور شيء من ذلك وقد تقدم الكلام عن الغناء وما يصاحبه من لهو حرام أو مباح، واستثنى المصنف من الآلات ما يجوز استعماله في الأعراس فقال: (إلا الدف) بضم الدال وهو الذي لا جلاجل فيه، فإنه يجوز (في النكاح) لحديث محمد بن حاطب مرفوعا: «فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح» (٢) للنساء في ظاهر قول مالك رحمه الله تعالى قال: «ولا بأس بالدف في العرس، قال أصبغ: وهو الغربال المكشوف من ناحية» (٣)، (وقد اختلف في الكبر) بفتحتين وهو طبل ذو وجهين (٤) فأجازه ابن القاسم ومنعه غيره، قال المصنف في كتاب «الجامع»: «وفي الكبر في العرس بعض الرخصة» (٥). (ولا يخلو رجل بامرأة) شابة ليست بذي محرم منه لنهيه ﵊، كما في حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها، فإن ثالثهما

стр. 1451

«الشيطان» (١)، (ولا بأس أن يراها) بمعنى يجوز للرجل أن يرى ما ليست بذي محرم منه (ل) أجل (عذر من شهادة عليها، أو) لها (ونحو ذلك) كنظر الطبيب (أو إذا خطبها) لنفسه وهذا في غير المتجالة (وأما المتجالة) وهي التي لا أرب للرجال فيها فله أن يرى وجهها على كل حال لعذر وغيره وقد تقدم الكلام على هذا. (وينهى النساء) نهي تحريم (عن وصل الشعر وعن الوشم) والنمص (٢)، قال الله تعالى - حكاية عن إبليس - ﴿ولأمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا﴾ [النساء: ١١٩] قال القرطبي ﵀ (٣) في تفسير هذه الآية: «وقالت طائفة: الإشارة بالتغيير إلى الوشم وما جرى مجراه من التصنع للحسن، قاله ابن مسعود والحسن». اه. وفي قول القرطبي إشارة إلى قول ابن مسعود ﵁: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله تعالى. ما لي لا ألعن من لعن النبي ﷺ ، وهو في كتاب الله ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [الحشر: ٧] (٤). ولحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ : «لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة» (٥)، وحديث ابن عباس ﵄ قال: «لعن الله الواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة والواشمة والمستوشمة من غير داء» (٦).

стр. 1452

قلت: «ما يجمعه اليوم العاملون في محلات الحلاقة (الكوافيرات) من مال هو سحت حرام كل ما تعلق منه بمنهي شرعي كالنمص، والوصل، والوشر، والوشم وغير ذلك، كحلق لحى الرجال، وقال ذلك غير واحد من أهل العلم، قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى نقلا عن ابن سيرين أنه حينما سأله رجل عن حكم الأكل من المال الذي تحصله الواصلة للشعر» (١). (ومن لبس خفا أو نعلا؛ أي: أراد أن يلبسهما بدأ بيمينه) على جهة الاستحباب (وإذا أراد نزعهما بدأ بشماله) على جهة الندب لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ بالشمال، ليكن اليمنى أولهما تنعل وآخرهما تنزع» (٢). (ولا بأس بالانتعال قائما)؛ أي: كما يجوز جالسا، فلا بأس للجواز المستوي الطرفين، ولأن النهي الوارد عنه محمول على النعل العربي الذي يشق لبسها من قيام وهو حديث جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ : «أن ينتعل الرجل قائما» (٣)، وقلت لبعض من سألني عن الحكمة من الانتعال جالسا: لعل أن يكون في النعل حشرة تؤذي، والجلوس مدعاة لخص النعل وخروج ما يؤذيه والله أعلم، (ويكره المشي في نعل واحدة) لنهيه ﵊ عن ذلك كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمش أحدكم في نعل واحدة، ليحفهما أو لينعلهما جميعا» (٤). وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا انقطع شسع أحدكم»، أو «من انقطع شسع نعله، فلا يمش في نعل واحدة حتى يصلح شسعه، ولا يمش في خف واحد، ولا يأكل بشماله، ولا يحتبي بالثوب الواحد، ولا يلتحف الصماء» (٥)

стр. 1453

(وتكره التماثيل)؛ أي: عملها وهي الصور التي تصنع على هيئة الحيوان (في الأسرة) بكسر المهملة جمع سرير وهو معلوم (و) في (القباب) جمع قبة وهي ما يجعل من الثياب على الهودج مثلا، أو في المرط الذي تلبسه النساء. (و) تكره في (الخاتم) بكسر التاء وفتحها قال الحافظ: وأما ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل أنه أخرج لهما خاتما فزعم أن رسول الله ﷺ كان يلبسه فيه تمثال أسد، قال معمر: فغسله بعض أصحابنا فشربه، ففيه مع إرساله ضعف، لأن ابن عقيل مختلف في الاحتجاج به إذا انفرد فكيف إذا خالف، وعلى تقدير ثبوته فلعله لبسه مرة قبل النهي (١). (وليس الرقم في الثوب من ذلك)؛ أي: من التماثيل المكروهة، لجواز ذلك واستثنائه من النبي ﷺ بقوله كما في حديث أبي طلحة صاحب رسول الله ﷺ قال: إن رسول الله ﷺ قال: ﴿إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه الصورة﴾ قال بسر: ثم اشتكى زيد فعدناه، فإذا على بابه ستر فيه صورة، فقلت لعبيد الله ربيب ميمونة زوج النبي ﷺ : ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول فقال عبيد الله ألم تسمعه حين قال: «إلا رقما في ثوب». قال الحافظ: قال ابن العربي: حاصل ما في اتخاذ الصور أنها إن كانت ذات أجسام حرم بالإجماع، وإن كانت رقما فأربعة أقوال الأول: يجوز مطلقا على ظاهر قوله في حديث الباب إلا رقما في ثوب الثاني: المنع مطلقا حتى الرقم الثالث: إن كانت الصورة باقية الهيئة قائمة الشكل حرم، وإن قطعت الرأس أو تفرقت الأجزاء جاز، قال: وهذا هو الأصح، الرابع: إن كان مما يمتهن جاز وإن كان معلقا لم يجز. اه (٢). (وتركه)؛ أي: الرقم في الثوب وفي نسخة وغيره (أحسن) مراعاة لمن يقول بتحريمه. والله أعلم.

стр. 1454

باب في الطعام والشراب • قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب في الطعام والشراب: وإذا أكلت أو شربت فواجب عليك أن تقول بسم الله. وتتناول بيمينك. فإذا فرغت فلتقل الحمد لله. وحسن أن تلعق يدك قبل مسجها. ومن آداب الأكل أن تجعل بطنك ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للنفس. وإذا أكلت مع غيرك أكلت مما يليك. ولا تأخذ لقمة حتى تفرغ الأخرى. ولا تتنفس في الإناء عند شربك ولتبن القدح عن فيك ثم تعاوده إن شئت. ولا تعب الماء عبا ولتمصه مصا. وتلوك طعامك وتنعمه مضغا قبل بلعه. وتنظف فاك بعد طعامك وإن غسلت يدك من الغمر واللبن فحسن. وتخلل ما تعلق بأسنانك من الطعام. ونهى الرسول ﵇ عن الأكل والشرب بالشمال وتناول إذا شربت من على يمينك. وينهى عن النفخ في الطعام والشراب والكتاب. وعن الشرب في آنية الذهب والفضة.

стр. 1455

ولا بأس بالشرب قائما. ولا ينبغي لمن أكل الكراث أو الثوم أو البصل نيئا أن يدخل المسجد. ويكره أن يأكل متكئا. ويكره الأكل من رأس الشريد. ونهي عن القران في التمر وقيل: إن ذلك مع الأصحاب الشركاء فيه ولا بأس بذلك مع أهلك أو مع قوم تكون أنت أطعمتهم. ولا بأس في التمر وشبهه أن تجول يدك في الإناء لتأكل ما تريد منه. وليس غسل اليد قبل الطعام من السنة إلا أن يكون بها أذى وليغسل يده وفاه بعد الطعام من الغمر. وليمضمض فاه من اللبن وكره غسل اليد بالطعام أو بشيء من القطاني وكذلك بالنخالة وقد اختلف في ذلك. ولتجب إذا دعيت إلى وليمة المعرس إن لم يكن هناك لهو مشهور ولا منكر بين. وأنت في الأكل بالخيار. وقد أرخص مالك في التخلف لكثرة رحام الناس فيها). الشرح (باب في) بيان (آداب الطعام والشراب)؛ أي: الأكل والشرب والآداب منها سوابق، ومقارنة، ولواحق، فمن الأول قوله: (وإذا أكلت أو شربت)؛ أي: إذا أردتهما (فواجب عليك) وجوب السنن؛ أي: سنة عين (أن تقول: بسم الله) جهرا ولا تزيد الرحمن الرحيم (وتتناوله)؛ أي: تأخذ ما تأكله أو تشربه (بيمينك) على جهة الاستحباب لحديث أبي حفص عمر بن أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد ربيب رسول الله ﷺ قال: «كنت غلاما في حجر رسول الله ﷺ ، وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله ﷺ : «يا

стр. 1456

غلام، سم الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك» فما زالت تلك طعمتي بعد.». (١) فإذا نسيت أن تسمي الله في أوله فمتى ذكرت، لحديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر الله على طعامه، فليقل بسم الله أوله وآخره» (٢). وقوله: (فإذا فرغت) من الأكل أو الشرب (فلتقل الحمد لله) لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها» (٣). ولحديث سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام، ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» قال الألباني: حسن دون زيادة وما تأخر (٤). (وحسن)؛ أي: مستحب (أن تلعق يدك) وفي رواية أصابعك وهي مفسرة للأولى (قبل مسحها) لحديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: «إنكم لا تدرون في أيه البركة» (٥)، وفي رواية له: «إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها، فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أي طعامه البركة» (٦). (ومن آداب الأكل أن تجعل بطنك ثلثا للطعام، وثلثا للشراب، وثلثا للنفس) ووجه ذلك أنه إذا أكثر من الطعام لم يبق موضع للنفس إلا على وجه

стр. 1457

يضر به. لحديث المقدام بن معد يكرب عن النبي ﷺ : «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» (١). (و) من آداب الأكل إذا أكلت مع غيرك ممن ليس من أهلك (أكلت مما يليك) لأمره ﵊ بذلك كما تقدم في الحديث، أما أهلك، وأولادك فجائز أن تأكل مما يليهم، قال المهلب: «وإذا كان الإنسان يأكل أو يشرب وحده أو مع أهله أو مع من يعلم أنه لا يقذر شيئا مما يأكل منه، فلا بأس بالتنفس في الإناء، كما فعل النبي ﷺ مع عمر بن أبي سلمة أمره أن يأكل مما يليه، وكان هو ﵇، يتتبع الدباء في الصحفة، علما منه أنه لا يقذر منه شيء ﵇» (٢). (و) من آدابه أيضا أنك لا تأخذ لقمة حتى تفرغ الأخرى بالبلع لئلا تنسب إلى الشره؛ أي: الحرص على الأكل، ولئلا تشرق فيحصل لك الخجل. ومن الآداب أيضا أن تأكل كما يأكلون من تصغير اللقمة والترسل في الأكل، وإن خالف ذلك عادتك. (و) من آداب الشرب أنك (لا تتنفس في الإناء عند شربك) لنهيه ﵊ عن ذلك كما في حديث أنس ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثا»، وحديث أبي قتادة عن أبيه: «أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء، … » (٣). ويؤخذ من قوله: (ولتبن القدح عن فيك، ثم تعاوده إن شئت) جواز الشرب من نفس واحد، وهو قول لمالك (٤)؛ وقيل: يكره لما ثبت عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ يتنفس في الشراب ثلاثا،

стр. 1458

ويقول: «إنه أروى وأبرأ وأمرأ»، قال أنس: «فأنا أتنفس في الشراب ثلاثا» (١)، وعن أبي المثنى الجهني، أنه قال: كنت عند مروان بن الحكم، فدخل عليه أبو سعيد الخدري، فقال له مروان بن الحكم: أسمعت من رسول الله ﷺ أنه نهى عن النفخ في الشراب؟ فقال له أبو سعيد: نعم، فقال له رجل: يا رسول الله، إني لا أروى من نفس واحد، فقال له رسول الله ﷺ : «فأبن القدح عن فيك، ثم تنفس»، قال: فإني أرى القذاة فيه، قال: «فأهرقها» (٢)، (ولا تعب الماء عبا) قال في «المصباح»: عب الرجل الماء عبا من باب قتل شربه من غير تنفس، وعب الحمام شرب من غير مص، كما تشرب الدواب، وأما باقي الطيور فإنه يحسوه جرعة بعد جرعة. انتهى. (ولتمصه مصا) بفتح الميم في ولتمصه مضارع مصص بالكسر، والمص بلع الماء برفق شيئا بعد شيء، لحديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: «إذا شرب أحدكم فليمص مصا، ولا يعب عبا، فإن الكباد من العب» (٣)، وعن عطاء بن أبي رباح مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: «إذا شربتم فاشربوا مصا، وإذا استكتم فاستاكوا عرضا» (٤). (وتلوك)؛ أي: تمضغ (طعامك وتنعمه مضغا)؛ أي: تبالغ في مضغه (قبل بلعه) لأن ذلك أبلغ في اللذة وأسهل على المعدة. (وتنظف فاك بعد) الفراغ من (طعامك) بالمضمضة والسواك لدفع ما يتقى من تغير طعم الفم.

стр. 1459

لحث النبي ﷺ على ذلك بالسواك كما صح عنه من طريق التواتر كما قدمناه ولأن النبي ﷺ شرب لبنا فتمضمض وقال: «إن له دسما» من حديث ابن عباس ﵄ (١). (وإن غسلت يدك) بعد المسح الواقع بعد اللعق (من الغمر) بفتح الغين المعجمة وفتح الميم الودك وهو دسم اللحم والشحم (و) من (اللبن فحسن)؛ أي: مستحب لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من نام وفي يده غمر، ولم يغسله، فأصابه شيء، فلا يلومن إلا نفسه» (٢). (وتخلل)؛ أي: تزيل (ما تعلق بأسنانك)؛ أي: تداخل بينها (من الطعام) لأمره ﵊ بذلك كما في حديث أبي أيوب ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «حبذا المتخللون»، قالوا: وما المتخللون يا رسول الله؟ قال: «المتخللون بالوضوء، والمتخللون من الطعام، أما تخليل الوضوء: فالمضمضة، والاستنشاق، وبين الأصابع، وأما تخليل الطعام: فمن الطعام، إنه ليس شيء أشد على الملكين من أن يريا بين أسنان صاحبهما شيئا وهو قائم يصلي» وفي رواية مختصرا بلفظ: «حبذا المتخللون في الوضوء والطعام» (٣). (ونهى الرسول ﵊ عن الأكل والشرب بالشمال) فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله. فعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لا يأكلن أحد منكم بشماله، ولا يشربن بها، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بها»، قال: وكان نافع يزيد فيها: «ولا يأخذ بها، ولا يعطي بها» (٤)،

стр. 1460

قال النووي: «فيه استحباب الأكل والشرب باليمين وكراهتهما بالشمال وقد زاد نافع الأخذ والإعطاء وهذا إذا لم يكن عذر فإن كان عذر يمنع الأكل والشرب باليمين من مرض أو جراحة أو غير ذلك فلا كراهة في الشمال، وفيه أنه ينبغي اجتناب الأفعال التي تشبه أفعال الشياطين وأن للشياطين يدين» (١). (و) من آداب الشرب إذا كنت بحضرة جماعة أنك تناول إذا شربت من على يمينك أولا لما في حديث أنس ﵁ قال: حلبت لرسول الله ﷺ شاة داجن وشيب (أي: خلط) لبنها بماء من البئر التي في دار أنس فأعطي رسول الله ﷺ القدح فشرب وعلى يساره أبو بكر وعن يمينه أعرابي فقال عمر: أعط أبا بكر يا رسول الله، فأعطى الأعرابي الذي عن يمينه ثم قال: «الأيمن فالأيمن» وفي رواية: «الأيمنون الأيمنون ألا فيمنوا» (٢). (وينهى عن النفخ في الطعام والشراب والكتاب) الظاهر أن المراد مطلق الكتاب فقها أو حديثا وهو في الأولين لما يتقى من القذر لنهيه ﷺ عن ذلك فعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ «نهى عن النفخ في الطعام والشراب» (٣). والنهي عن النفخ في الكتاب لحرمته، قال الغماري: إجلالا له خشية أن يخرج مع النفخ ريق فيمحي، قال يوسف بن عمر: وهذا مما انفرد به المؤلف وتعقبه بعض الشراح بأن البزار خرج حديث النهي عن النفخ في الطعام والشراب والكتاب … إلى أن قال … والذي سلك التحقيق في المسألة ابن ناجي: فقال: وفي البزار أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الطعام والشراب، وأما الكتاب فإجلالا له وخيفة أن يخرج الريق فيمحي. اه. فظن أيضا أن البزار لم يخرج حديثا في النهي عنهما معا والأمر خلاف ذلك كله فالبزار خرج حديثا في النهي عن النفخ في الطعام والشراب

стр. 1461

ولا ذكر للنهي عن النفخ في الكتاب لا في حديثه كما سبق ولا في حديث غيره على ما أعلم وكأن المصنف فهم ذلك من حديث الترمذي عن جابر مرفوعا إذا كتب أحدكم كتابا فليتربه فإنه أنجح للحاجة فعلق النجاح بالتتريب فدل على كراهية النفخ أو لأن الأمر بالتتريب مع تعذره في كثير من الأحيان وسهولة النفخ يدل على ذلك فإن كان هذا مأخذ المصنف فحديث التتريب منكر ساقط بل حكم بوضعه بعض الحفاظ والله أعلم، قلت: وهو تقويل لما لم يقله (١). (و) كذلك نهى نهي تحريم (عن الشرب في آنية الذهب والفضة) لقوله ﷺ كما في «الصحيحين»: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة» (٢) لهم؛ أي: الكفار، أو المترفين والمتكبرين، وعن أم سلمة ﵂ قالت: قال ﵊: «من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه نارا من جهنم» (٣)، زاد الطبراني: «إلا أن يتوب» (٤). ويدخل في هذا أيضا كل ما يستعمل في الأكل والاستعمال من شوك أو سكاكين أو ملاعق وأقلام وساعات رجالية وأزرار ومشابيك (المساك) وغير ذلك مما هو منتشر بين الشباب اليوم. (ولا بأس بالشرب قائما) لما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه ﷺ : «كان يشرب قائما وقاعدا» (٥)، ولحديث ابن عباس ﵄ قال:

стр. 1462

«سقيت رسول الله ﷺ من زمزم فشرب وهو قائم» (١) .. ثم قال: إن ناسا يكرهون الشرب قائما وإن رسول الله ﷺ صنع مثل ما صنعت؛ وذكر مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان ﵃ كانوا يشربون قياما (٢)، وعليه جماعة الفقهاء، وقوله: لا بأس إشارة إلى الجواز المستوي الطرفين. قال في «المفهم»: لم يذهب أحد إلى أن النهي فيه للتحريم ولا التفات لابن حزم، وإنما حمل على الكراهة والجمهور على عدمها فمن السلف الخلفاء الأربعة ثم مالك تمسكا بشربه من زمزم قائما وكأنهم رأوه متأخرا عن النهي فإنه في حجة الوداع فهو ناسخ وحقق ذلك فعل خلفائه، بخلاف النهي ويبعد خفاؤه عليهم مع شدة ملازمتهم له، وتشديدهم في الدين، وهذا وإن لم يصلح دليلا للنسخ يصلح لترجيح أحد الحديثين. انتهى (٣). (ولا ينبغي لمن أكل الكراث أو الثوم أو البصل نيئا) بكسر النون والمد والهمز، ويروى بتشديد الياء (أن يدخل المسجد) [ال] فيه للجنس من حيث وجوده في جميع أفراده، وسواء كان مسجد جمعة أم لا؛ أي: يكره له ذلك، كما في سماع ابن القاسم من مالك، إلا أن غير واحد رجح الحرمة (٤). وحمل ابن عمر كلام المصنف عليه لحديث جابر أن رسول الله ﷺ قال: «من أكل من هذه البقلة - الثوم - وقال مرة: من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» (٥)، وهو في «صحيح البخاري» بلفظ: «من أكل ثوما أو بصلا، فليعتزلنا - أو قال: فليعتزل مسجدنا - وليقعد في بيته» (٦). قلت: وأشد منهما أذى ونتنا ما ابتلي به كثير من أهل الإسلام من شرب

стр. 1463

السجائر المحرمة شرعا، والمستقبحة عقلا وطبعا، ولكن النفوس إذا فسدت استحلت ما ترعى فيه من الخبائث، والسجائر محرمة بإجماع الأطباء وهم أهل الاختصاص في تحديد ضرر وخطورة الأشياء، فلذلك قرر الفقهاء المعاصرون بتحريمه. (ويكره أن يأكل متكئا) وصفة الاتكاء أن يميل على مرفقه الأيسر؛ أي: بأن يبسط الفخذ اليسرى ويركز فيها المرفق اليسرى، ويعتمد عليها والفخذ اليمنى قائمة، وفسر الاتكاء بالتربع، وفسر بالاتكاء على الشيء (١)، فعن شعيب بن عبد الله بن عمرو عن أبيه ﵁ «ما رئي رسول الله ﷺ يأكل متكئا قط، ولا يطأ عقبه رجلان» (٢)، وحديث [ابن] أبي إهاب قال: قال رسول الله ﷺ أو قال: «نهانا رسول الله ﷺ أن نأكل متكئين» (٣)، وفي حديث أبي جحيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا آكل متكئا» (٤). ويكره الأكل منبطحا لما في حديث ابن عمر ﵄: «أنه ﷺ نهى أن يأكل الرجل وهو منبطح على وجهه» (٥). (ويكره الأكل من رأس الثريد) بفتح المثلثة وكسر الراء معروف وهو أن يشرد الخبز بمرق اللحم، وقد يكون معه اللحم، ومن أمثالهم الشريد أحد اللحمين (٦)، والأكل من رأسه لما صح أن رسول الله ﷺ أتي بقصعة فقال رسول الله ﷺ : «كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يبارك فيها» (٧). ونهى عن

стр. 1464

(القران في التمر)؛ أي: الازدواج؛ أي: بأن يجمع بين التمرتين في المرة الواحدة، لحديث جبلة بن سحيم قال: كان ابن الزبير يرزقنا التمر - قال - وقد كان أصاب الناس يومئذ جهد، وكنا نأكل فيمر علينا ابن عمر ونحن نأكل فيقول: لا تقارنوا فإن رسول الله ﷺ نهى عن الإقران إلا أن يستأذن الرجل أخاه، قال شعبة: لا أرى هذه الكلمة إلا من كلمة ابن عمر - يعني: الاستنذان (١)، (وقيل: إن ذلك) النهي عن القرآن في التمر إنما هو (مع الأصحاب الشركاء فيه) وعليه فإن النهي نهي كراهة إن عللنا بسوء الأدب، وإن عللنا بالاستبداد وكان القوم شركاء كان النهي نهي تحريم. (ولا بأس بذلك مع أهلك) لأنه يجوز لك أن تستبد بشيء دونهم (أو مع قوم تكون أنت أطعمتهم وهذا على التعليل بالاستبداد، وأما على التعليل بسوء الأدب فالعلة موجودة، والكراهة باقية. ولا بأس في التمر وشبهه) كالزبيب وأنواع الفاكهة (أن تجول بيدك في الإناء الذي يكون فيه المأكول؛ أي: ترسلها يمينا وشمالا لتأكل ما؛ أي: الذي تريد منه) وذلك لعدم تساويها في الطعم وقد وردت السنة بذلك، لحديث عكراش بن ذؤيب ﵁ قال: أتي النبي ﷺ بجفنة كثيرة الثريد والودك، فأقبلنا نأكل منها، فخبطت يدي في نواحيها، فقال: «يا عكراس كل من موضع واحد، فإنه طعام واحد» ثم أتينا بطبق فيه ألوان من الرطب، فجالت يد رسول الله ﷺ في الطبق، وقال: «يا عكراس كل من حيث شئت، فإنه غير لون واحد» (٢)، وكان الأنسب ذكر هذه المسألة عقب قوله فيما سبق: «وإذا أكلت مع غيرك أكلت مما يليك». • حكم غسل اليدين قبل وبعد الطعام: (وليس غسل اليد قبل أكل الطعام) من السنة لحديث ابن عباس ﵄.

стр. 1465

أن رسول الله ﷺ خرج من الخلاء فقرب إليه طعام فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ قال: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة» (١)، وقال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: كان سفيان الثوري يكره غسل اليد قبل الطعام (٢). (إلا أن يكون بها)؛ أي: اليد (أذى)؛ أي: قذر فيجب غسلها إكراما للطعام. وفي قوله: (وليغسل يده وفاه بعد الطعام من الغمر) تكرار بالنسبة لليد مع قوله: وإن غسلت يدك من الغمر إلخ، لأنه لا فرق بين قوله: فحسن، وقوله: وليغسل. (وليمضمض فاه من اللبن) ظاهره مطلق اللبن. لأمره ﷺ بذلك فعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مضمضوا من اللبن؛ فإن له دسما» (٣)، وقال يوسف بن عمر: إنه خاص بالحليب لأن له دسما ويقويه الحديث، قلت: والحليب يطلق عليه لبن وهو واضح من الحديث. (وكره غسل اليد ب) شيء من (الطعام) كدقيق الحنطة (أو بشيء) من دقيق (القطاني) من عطف الخاص على العام وأفردها بالذكر، لأن دقيقها لا يؤكل إلا في المسغبة فربما يتوهم خفة الأمر في دقيقها وأنه لا حذر فيه، (وكذلك بالنخالة) وهي ما يتخلص بالغربال من قشور الحنطة، (وقد اختلف في ذلك)؛ أي: في غسل اليد بجميع ما تقدم بالجواز والكراهة. قال المصنف في كتاب «الجامع»: «قيل؛ أي: لمالك: أيغسل يده بالدقيق؟ قال: غيره أحب إلي منه! ولو فعل لم أر به بأسا، وقد تمندل عمر ﵁ بباطن قدمه»، وروى ابن وهب في الجلبان والفول وشبه ذلك أنه لا بأس أن يتوضأ به ويتدلك به في الحمام، وقد يدهن جسده بالسمن والزيت من الشقاق، وفي رواية أشهب: وسئل عن الوضوء بالدقيق والنخالة والفول، قال: لا علم لي به! (٤) وهذا

стр. 1466

آخر الكلام على ما ترجم له ثم انتقل يتكلم على ما تبرع به فقال: • حكم الاستجابة إلى طعام الوليمة: (ولتجب) بضم التاء وكسر الجيم قيل وجوبا وقيل استحبابا (إذا دعيت إلى وليمة المعرس) فوجوب الإجابة مشروط بالدعوة وبتعيين المدعو، لحديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها»، وفي رواية: «إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها» (١)، وفي رواية قال رسول الله ﷺ : «من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله، ومن دخل على غير دعوة دخل سارقا وخرج مغيرا» (٢)، ويزاد على هذين ما أشار إليه الشيخ بقوله: (إن لم يكن هناك لهو مشهور)؛ أي: ممنوع مثل آلات الطرب الممنوعة (ولا منكر بين)؛ أي: ممنوع مثل اجتماع الرجال والنساء وفرش الحرير، والمعازف والموسيقى، وإلا فلا يجوز حضور الدعوة إذا اشتملت على معصية، إلا إذا حضر غير المنكر وأزاله، أو كان يظن بسبب وجوده يزول المنكر فإن أزيل وإلا وجب الرجوع، وفي ذلك أحاديث منها عن علي ﵁ قال: صنعت طعاما، فدعوت رسول الله ﷺ : «فجاء فرأى في البيت، تصاوير، فرجع» [قال: فقلت: يا رسول الله ما أرجعك بأبي أنت وأمي؟ قال: إن في البيت سترا فيه تصاوير، وإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تصاوير] (٣)، وقال الإمام الأوزاعي: «لا ندخل وليمة فيها طبل ولا معزاف» (٤). (و) إن حضرت ف (أنت في الأكل بالخيار)؛ أي: إن شئت أكلت وإن شئت لم تأكل لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دعي أحدكم إلى طعام، فليجب، فإن شاء طعم، وإن شاء ترك»، ولم يذكر

стр. 1467

ابن المثنى: «إلى طعام» (١). (وقد أرخص مالك في التخلف عن الإجابة لوليمة العرس لكثرة زحام الناس فيها) لأن في حضورها حينئذ مشقة، خصوصا لأهل الفضل والصلاح، ويستحب لمن حضر الدعوة: أن يدعو لصاحبها بعد الفراغ بما جاء عنه ﷺ إما بما جاء عن عبد الله بن بسر أن أباه صنع للنبي ﷺ طعاما، فدعاه، فأجابه، فلما فرغ من طعامه قال: «اللهم اغفر لهم، وارحمهم، وبارك لهم فيما رزقتهم» (٢)، أو: «أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة» (٣).

стр. 1468

باب في السلام والاستئذان والتناجي والقراءة والدعاء وذكر الله والقول في السفر • قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب في السلام والاستغذان والتناجي والقراءة والدعاء وذكر الله والقول في السفر). ورد السلام واجب. والابتداء به سنة مرغب فيها. والسلام أن يقول الرجل: السلام عليكم ويقول الراد: وعليكم السلام أو يقول: سلام عليكم كما قيل له. وأكثر ما ينتهي السلام إلى البركة أن تقول في ردك: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ولا تقل في ربك: سلام الله عليك. وإذا سلم واحد من الجماعة أجزأ عنهم، وكذلك إن رد واحد منهم. وليسلم الراكب على الماشي، والماشي على الجالس. والمصافحة حسنة. وكره مالك المعانقة، وأجازها ابن عيينة. وكره مالك تقبيل اليد، وأنكر ما روي فيه. ولا تبتدأ اليهود والنصارى بالسلام، فمن سلم على ذمي فلا يستقيله، وإن سلم عليه اليهودي أو النصراني فليقل: عليك، ومن قال: عليك السلام بكسر السين وهي الحجارة فقد قيل ذلك. والاستندان واجب فلا تدخل بيتا فيه أحد حتى تستأذن ثلاثا، فإن أذن لك وإلا رجعت.

стр. 1469

ويرغب في عيادة المرضى. ولا يتناجى اثنان دون واحد وكذلك جماعة إذا أبقوا واحدا منهم وقد قيل: لا ينبغي ذلك إلا بإذنه، وذكر الهجرة قد تقدم في باب قبل هذا. قال معاذ بن جبل: ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله، وقال عمر: أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه. ومن دعاء رسول الله ﷺ كلما أصبح وأمسى: «اللهم بك نصبح وبك نمسي وبك نحيا وبك نموت» ويقول في الصباح: «وإليك النشور» وفي المساء: «وإليك المصير» وروي مع ذلك «اللهم اجعلني من أعظم عبادك عندك حظا ونصيبا في كل خير تقسمه في هذا اليوم وفيما بعده من نور تهدي به أو رحمة تنشرها أو رزق تبسطه أو ضر تكشفه أو ذنب تغفره أو شدة تدفعها أو فتنة تصرفها أو معافاة تمن بها برحمتك إنك على كل شيء قدير. ومن دعائه ﵇ عند النوم أنه كان يضع يده اليمنى تحت خده الأيمن واليسرى على فخذه الأيسر ثم يقول: «اللهم باسمك وضعت جنبي وباسمك أرفعه اللهم إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك اللهم إني أسلمت نفسي إليك وألجأت ظهري إليك وفوضت أمري إليك ووجهت وجهي إليك رهبة منك ورغبة إليك لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك أستغفرك وأتوب إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت رب قني عذابك يوم تبعث عبادك». ومما روي في الدعاء عند الخروج من المنزل: «اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي». وروي في دبر كل صلاة أن يسبح الله ثلاثا وثلاثين ويكبر الله ثلاثا وثلاثين ويحمد الله ثلاثا وثلاثين ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير».

стр. 1470

وعند الخلاء تقول: «الحمد لله الذي رزقني لذته وأخرج عني مشقته وأبقى في جسمي قوته». وتتعوذ من كل شيء تخافه وعندما تحل بموضع أو تجلس بمكان أو تنام فيه تقول: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»، ومن التعوذ أن تقول: «أعوذ بوجه الله الكريم، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن فتنة الليل والنهار ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن»، ويقال في ذلك أيضا: «ومن شر كل دابة ربي آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم». ويستحب لمن دخل منزله أن يقول: «ما شاء الله لا قوة إلا بالله». ويكره العمل في المساجد من خياطة ونحوها ولا يغسل يديه فيه ولا يأكل فيه إلا مثل الشيء الخفيف كالسويق ونحوه ولا يقص فيه شاربه ولا يقلم فيه أظفاره وإن [قص أو قلم] (١) أخذه في ثوبه. ولا يقتل فيه قملة ولا برغوثا. وأرخص في مبيت الغرباء في مساجد البادية. ولا ينبغي أن يقرأ في الحمام إلا الآيات اليسيرة ولا يكثر ويقرأ الراكب والمضطجع والماشي من قرية إلى قرية ويكره ذلك للماشي إلى السوق وقد قيل: إن ذلك للمتعلم واسع. ومن قرأ القرآن في سبع فذلك حسن والتفهم مع قلة القراءة أفضل وروي أن النبي ﵇ لم يقرأه في أقل من ثلاث. ويستحب للمسافر أن يقول عند ركوبه: «بسم الله اللهم أنت

стр. 1471

الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكابة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال، ويقول الراكب إذا استوى على الدابة ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ [الزخرف: ١٣/ ١٤]. وتكره التجارة إلى أرض العدو وبلد السودان. وقال النبي ﵇: «السفر قطعة من العذاب». ولا ينبغي أن تسافر المرأة مع غير ذي محرم منها سفر يوم وليلة فأكثر إلا في حج الفريضة خاصة في قول مالك، في رفقة مأمونة وإن لم يكن معها ذو محرم فذلك لها). الشرح أي: هذا (باب في) بيان (السلام) من حيث الحكم والصفة (و) في بيان (الاستئذان) حكما وصفة (و) حكم (التناجي و) في بيان (القراءة)؛ أي: بيان ما يتعلق به من طلب أو ترك أو قدر (و) في (الدعاء)؛ أي: ما يتعلق به من كونه كذا وكذا. وفي موضع كذا (وذكر الله) ، أي: وفي حكم ذكر الله تعالى (والقول في السفر)؛ أي: ما يقوله إذا أراد سفرا، وعكس في الباب، فقدم الذكر على القراءة والدعاء، وقدم الدعاء على القراءة، وهذا الصنع جائز جاء مثله في القرآن قال الله تعالى: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود﴾ [آل عمران: ١٠٦]، وبدأ بحكم رد السلام فقال: (ورد السلام واجب) وجوب الكفاية على المشهور لقوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بنحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ [النساء: ٨٦]، (والابتداء به سنة) كفاية على المشهور (مرغب فيها) أشار به إلى أنه سنة مؤكدة قال الله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ [النور: ٢٧]. وقال تعالى: ﴿فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مبركة طيبة﴾ [النور: ٦١] وعن أبي يوسف عبد الله بن سلام ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا

стр. 1472

والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام) (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (٢). (والسلام)؛ أي: حقيقته (أن يقول الرجل: السلام عليكم) بصيغة الجمع كان المسلم عليه واحدا أو أكثر، لأن الواحد كالجماعة من حيث وجود الحفظة معه فعن عمران بن الحصين ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم، فرد ﵇، ثم جلس، فقال النبي ﷺ : «عشر» ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه، فجلس، فقال: «عشرون» ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه، فجلس، فقال: «ثلاثون» (٣). (ويقول الراد وعليكم السلام) بواو التشريك وتقديم الجار والمجرور (أو يقول: سلام عليكم) بتقديم السلام منكرا بغير واو وتأخير الجار والمجرور (كما قيل له) ظاهره تساويهما. والأحسن ما ذهب إليه ابن رشد فإنه قال: الاختيار أن يقول المبتدئ: السلام عليكم، ويقول الراد: وعليكم السلام. فعن أنس أو غيره أن رسول الله ﷺ استأذن على سعد بن عبادة، فقال: «السلام عليكم ورحمة الله» فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي ﷺ ، حتى سلم ثلاثا، ورد عليه سعد ثلاثا، ولم يسمعه، فرجع، واتبعه سعد، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت، ما سلمت تسليمة إلا وهي بأذني، ولقد رددت عليك، ولم أسمعك، أحببت أن أستكثر من سلامك، ومن البركة، ثم أدخله البيت، فقرب إليه زبيبا، فأكل منه نبي الله ﷺ ، فلما فرغ قال: «أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة،

стр. 1473

وأفطر عندكم الصائمون) (١). وأكثر ما ينتهي السلام إلى البركة لحديث سلمان ﵁ قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله فقال: «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته … » (٢). وروى مالك في «الموطأ» عن ابن عباس ﵄ قال: «انتهى السلام إلى البركة» (٣)، وليس إذا زاد على ذلك غلو وبدعة كما قال الأزهري وغيره، فقد ثبت أن النبي ﷺ أقر أصحابه ﵃ على زيادة «ومغفرته» ولعلها لم تصح عند إمامنا مالك رحمه الله تعالى، فقال من قال: «كنا إذا سلم النبي ﷺ علينا قلنا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته» (٤). وإذا كان كذلك فيلزمك إذا سلم عليك إنسان وانتهى في سلامه إلى البركة (أن تقول في ردك) عليه: (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته)، ولا تقل في تحيتك عليك السلام لحديث أبي جري الهجيمي هـ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: عليك السلام يا رسول الله، فقال: «لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الموتى» (٥). (ولا تقل في ردك) على من سلم عليك (سلام الله عليك) لأنه لم يرد به خبر عن النبي ﷺ ولا هو مأثور عن السلف الصالح. وإنما أثر في الرد ما تقدم وكذلك أثر في الرد على سلام الغائب وعليه السلام لحديث عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام»، فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى، تريد النبي ﷺ (٦)

стр. 1474

(وإذا سلم واحد من الجماعة أجزأ عنهم)؛ لأنه من سنن الكفاية (وكذلك إن رد واحد منهم)؛ أي: من الجماعة المسلم عليهم أجزأ عن جماعتهم، لأن ذلك من فروض الكفاية. (وليسلم الراكب على الماشي والماشي على الجالس)؛ لأمره ﵊ بذلك. كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال: «يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير» (١)، وفي رواية البخاري: والصغير على الكبير. (والمصافحة حسنة)؛ أي: مستحبة على المشهور، قال ابن رشد: والمشهور عن مالك إجازة المصافحة واستحبابها فهو الذي يدل عليه مذهبه في «الموطأ» بإدخاله فيه عن عطاء بن عبد الله الخراساني قال: قال رسول الله ﷺ : «تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا، وتذهب الشحناء» (٢)، والآثار فيها كثيرة (٣)؛ ومنها حديث أبي الخطاب قتادة قال: قلت لأنس: «أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم» (٤). (وكره) إمامنا (مالك) رحمه الله تعالى (المعانقة) وهي أن يجعل الرجل عنقه على عنق صاحبه لحديث أنس ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: «لا»، قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: «لا»، قال: أفيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: «نعم» (٥). (وأجازها) سفيان (بن عيينة) وهو من كبار أهل العلم والفضل قال المصنف في «الجامع»: «وروي عنه في المصافحة … أنه صافح سفيان بن عيينة وقال له: لولا أنها

стр. 1475

بدعة لعانقتك، فاحتج عليه سفيان بمعانقة النبي ﷺ لجعفر حين قدم من أرض الحبشة فقال مالك: كان ذلك خاصا بجعفر ورآه سفيان عاما. وأجازه مالك في رسالته لهارون الرشيد أن يعانق قريبه يقدم من سفره، وقيل: إن هذه الرسالة لم تثبت لمالك (١). وحديث عائشة ﵂ قالت: «قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ﷺ في بيتي فأتاه فقرع الباب، فقام إليه رسول الله ﷺ عريانا يجر ثوبه، والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده، فاعتنقه وقبله» (٢). • فهذا يدل على جوازها للقادم على الأقل: قال القرافي: قال مالك: وأما القبلة في الفم من الرجل للرجل فلا رخصة فيها بوجه قلت؛ أي: القرافي: بلغني عن بعض العلماء أنهم كانوا يتحاشون تقبيل أولادهم في أفواههم ويقبلونهم في أعناقهم ورؤوسهم محتجين بأن الله - تعالى - حرم الاستمتاع بالمحارم، والاستمتاع هو أن يجد لذة بالقبلة فمن كان يجد لذة بها امتنع ذلك في حقه ومن كان يستوي عنده الخد والفم والرأس والعنق وجميع الجسد عنده سواء. (وكره مالك) ﵀ (تقبيل اليد)؛ أي: يد الغير سواء كان الغير عالما أو سيدا أو أبا، وهو ظاهر نص أهل المذهب، وقد اختلف العلماء في ذلك لورود أحاديث تدل على جواز تقبيل أهل الفضل لا سيما الأنبياء والعلماء والوالدين كما نص على ذلك بعض أهل العلم منها عن ابن عمر ﵄ قصة قال فيها: «فدنونا من النبي ﷺ فقبلنا يده» (٣).
следующие страницы →