← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكابة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال، ويقول الراكب إذا استوى على الدابة ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ [الزخرف: ١٣/ ١٤]. وتكره التجارة إلى أرض العدو وبلد السودان. وقال النبي ﵇: «السفر قطعة من العذاب». ولا ينبغي أن تسافر المرأة مع غير ذي محرم منها سفر يوم وليلة فأكثر إلا في حج الفريضة خاصة في قول مالك، في رفقة مأمونة وإن لم يكن معها ذو محرم فذلك لها). الشرح أي: هذا (باب في) بيان (السلام) من حيث الحكم والصفة (و) في بيان (الاستئذان) حكما وصفة (و) حكم (التناجي و) في بيان (القراءة)؛ أي: بيان ما يتعلق به من طلب أو ترك أو قدر (و) في (الدعاء)؛ أي: ما يتعلق به من كونه كذا وكذا. وفي موضع كذا (وذكر الله) ، أي: وفي حكم ذكر الله تعالى (والقول في السفر)؛ أي: ما يقوله إذا أراد سفرا، وعكس في الباب، فقدم الذكر على القراءة والدعاء، وقدم الدعاء على القراءة، وهذا الصنع جائز جاء مثله في القرآن قال الله تعالى: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود﴾ [آل عمران: ١٠٦]، وبدأ بحكم رد السلام فقال: (ورد السلام واجب) وجوب الكفاية على المشهور لقوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بنحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ [النساء: ٨٦]، (والابتداء به سنة) كفاية على المشهور (مرغب فيها) أشار به إلى أنه سنة مؤكدة قال الله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ [النور: ٢٧]. وقال تعالى: ﴿فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مبركة طيبة﴾ [النور: ٦١] وعن أبي يوسف عبد الله بن سلام ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا

стр. 1472

والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام) (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (٢). (والسلام)؛ أي: حقيقته (أن يقول الرجل: السلام عليكم) بصيغة الجمع كان المسلم عليه واحدا أو أكثر، لأن الواحد كالجماعة من حيث وجود الحفظة معه فعن عمران بن الحصين ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم، فرد ﵇، ثم جلس، فقال النبي ﷺ : «عشر» ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه، فجلس، فقال: «عشرون» ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه، فجلس، فقال: «ثلاثون» (٣). (ويقول الراد وعليكم السلام) بواو التشريك وتقديم الجار والمجرور (أو يقول: سلام عليكم) بتقديم السلام منكرا بغير واو وتأخير الجار والمجرور (كما قيل له) ظاهره تساويهما. والأحسن ما ذهب إليه ابن رشد فإنه قال: الاختيار أن يقول المبتدئ: السلام عليكم، ويقول الراد: وعليكم السلام. فعن أنس أو غيره أن رسول الله ﷺ استأذن على سعد بن عبادة، فقال: «السلام عليكم ورحمة الله» فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي ﷺ ، حتى سلم ثلاثا، ورد عليه سعد ثلاثا، ولم يسمعه، فرجع، واتبعه سعد، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت، ما سلمت تسليمة إلا وهي بأذني، ولقد رددت عليك، ولم أسمعك، أحببت أن أستكثر من سلامك، ومن البركة، ثم أدخله البيت، فقرب إليه زبيبا، فأكل منه نبي الله ﷺ ، فلما فرغ قال: «أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة،

стр. 1473

وأفطر عندكم الصائمون) (١). وأكثر ما ينتهي السلام إلى البركة لحديث سلمان ﵁ قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله فقال: «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته … » (٢). وروى مالك في «الموطأ» عن ابن عباس ﵄ قال: «انتهى السلام إلى البركة» (٣)، وليس إذا زاد على ذلك غلو وبدعة كما قال الأزهري وغيره، فقد ثبت أن النبي ﷺ أقر أصحابه ﵃ على زيادة «ومغفرته» ولعلها لم تصح عند إمامنا مالك رحمه الله تعالى، فقال من قال: «كنا إذا سلم النبي ﷺ علينا قلنا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته» (٤). وإذا كان كذلك فيلزمك إذا سلم عليك إنسان وانتهى في سلامه إلى البركة (أن تقول في ردك) عليه: (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته)، ولا تقل في تحيتك عليك السلام لحديث أبي جري الهجيمي هـ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: عليك السلام يا رسول الله، فقال: «لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الموتى» (٥). (ولا تقل في ردك) على من سلم عليك (سلام الله عليك) لأنه لم يرد به خبر عن النبي ﷺ ولا هو مأثور عن السلف الصالح. وإنما أثر في الرد ما تقدم وكذلك أثر في الرد على سلام الغائب وعليه السلام لحديث عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام»، فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى، تريد النبي ﷺ (٦)

стр. 1474

(وإذا سلم واحد من الجماعة أجزأ عنهم)؛ لأنه من سنن الكفاية (وكذلك إن رد واحد منهم)؛ أي: من الجماعة المسلم عليهم أجزأ عن جماعتهم، لأن ذلك من فروض الكفاية. (وليسلم الراكب على الماشي والماشي على الجالس)؛ لأمره ﵊ بذلك. كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال: «يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير» (١)، وفي رواية البخاري: والصغير على الكبير. (والمصافحة حسنة)؛ أي: مستحبة على المشهور، قال ابن رشد: والمشهور عن مالك إجازة المصافحة واستحبابها فهو الذي يدل عليه مذهبه في «الموطأ» بإدخاله فيه عن عطاء بن عبد الله الخراساني قال: قال رسول الله ﷺ : «تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا، وتذهب الشحناء» (٢)، والآثار فيها كثيرة (٣)؛ ومنها حديث أبي الخطاب قتادة قال: قلت لأنس: «أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم» (٤). (وكره) إمامنا (مالك) رحمه الله تعالى (المعانقة) وهي أن يجعل الرجل عنقه على عنق صاحبه لحديث أنس ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: «لا»، قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: «لا»، قال: أفيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: «نعم» (٥). (وأجازها) سفيان (بن عيينة) وهو من كبار أهل العلم والفضل قال المصنف في «الجامع»: «وروي عنه في المصافحة … أنه صافح سفيان بن عيينة وقال له: لولا أنها

стр. 1475

بدعة لعانقتك، فاحتج عليه سفيان بمعانقة النبي ﷺ لجعفر حين قدم من أرض الحبشة فقال مالك: كان ذلك خاصا بجعفر ورآه سفيان عاما. وأجازه مالك في رسالته لهارون الرشيد أن يعانق قريبه يقدم من سفره، وقيل: إن هذه الرسالة لم تثبت لمالك (١). وحديث عائشة ﵂ قالت: «قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ﷺ في بيتي فأتاه فقرع الباب، فقام إليه رسول الله ﷺ عريانا يجر ثوبه، والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده، فاعتنقه وقبله» (٢). • فهذا يدل على جوازها للقادم على الأقل: قال القرافي: قال مالك: وأما القبلة في الفم من الرجل للرجل فلا رخصة فيها بوجه قلت؛ أي: القرافي: بلغني عن بعض العلماء أنهم كانوا يتحاشون تقبيل أولادهم في أفواههم ويقبلونهم في أعناقهم ورؤوسهم محتجين بأن الله - تعالى - حرم الاستمتاع بالمحارم، والاستمتاع هو أن يجد لذة بالقبلة فمن كان يجد لذة بها امتنع ذلك في حقه ومن كان يستوي عنده الخد والفم والرأس والعنق وجميع الجسد عنده سواء. (وكره مالك) ﵀ (تقبيل اليد)؛ أي: يد الغير سواء كان الغير عالما أو سيدا أو أبا، وهو ظاهر نص أهل المذهب، وقد اختلف العلماء في ذلك لورود أحاديث تدل على جواز تقبيل أهل الفضل لا سيما الأنبياء والعلماء والوالدين كما نص على ذلك بعض أهل العلم منها عن ابن عمر ﵄ قصة قال فيها: «فدنونا من النبي ﷺ فقبلنا يده» (٣).

стр. 1476

(وأنكر) مالك ﵀ (ما روي فيه) من الأحاديث التي منها أن وفد عبد القيس لما قدموا على النبي ﷺ ابتدروا يديه ورجليه وهو صحيح (١). ومنها تقبيل سعد بن مالك يده ﷺ . والذي يظهر والله أعلم جواز تقبيل يد العالم والوالدين والسلطان ما لم يخش عليه فتنة وغرور، وقد جمع بعض أهل العلم الآثار الواردة في ذلك في جزء مفرد قال ابن حجر (٢): «وقد جمع الحافظ أبو بكر بن المقرئ جزءا في تقبيل اليد سمعناه أورد فيه أحاديث كثيرة وآثارا، فمن جيدها حديث الزارع العبدي، وكان في وفد عبد القيس قال: فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد النبي ورجله» (٣)، ومن حديث مزيدة العصري مثله، ومن حديث أسامة بن شريك قال: «قمنا إلى النبي فقبلنا يده» وسنده قوي، ومن حديث جابر أن عمر قام إلى النبي فقبل يده، ومن حديث بريدة في قصة الأعرابي والشجرة فقال: يا رسول الله ائذن لي أن أقبل رأسك ورجليك فأذن له، وأخرج البخاري في «الأدب المفرد» من رواية عبد الرحمن بن رزين قال: أخرج لنا سلمة بن الأكوع كفا له ضخمة كأنها كف بعير فقمنا إليها فقبلناها، وعن ثابت أنه قبل يد أنس، وأخرج أيضا أن عليا قبل يد العباس ورجله، وأخرجه ابن المقرئ، وأخرج من طريق أبي مالك الأشجعي قال لابن أبي أوفى: قلت: «ناولني يدك التي بايعت بها رسول الله فناولنيها فقبلتها». أما ما ورد من نهي النبي الرجل عن تقبيل يده، وقوله له: «هذا إنما يفعله الأعاجم بملوكها إنما أنا رجل منكم» فهذا حديث قد رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب وأبو يعلى في «مسنده» كلهم من طريق يوسف بن زياد الواسطي عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي عن الأغر أبي مسلم

стр. 1477

عن أبي هريرة وكل من يوسف بن زياد الواسطي وشيخه ضعيف، قال الشوكاني عن الحديث فيه: «ومداره على يوسف بن زياد الواسطي وهو ضعيف عن شيخه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي وهو أيضا ضعيف» (١). ومثل هذا لا يقوى على مقابلة ما تقدم من الآثار الدالة على الإباحة، والله أعلم. (ولا تبتدأ اليهود والنصارى بالسلام) لنهيه ﵊ عن ذلك فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه» (٢). (فمن سلم على ذمي) ظانا أنه مسلم (فلا يستقيله)؛ أي: لا يطلب منه الإقالة بأن يقول له: إنما سلمت عليك ظنا مني أنك مسلم، ولو علمت أنك كافر ما سلمت عليك، فرد علي سلامي الذي سلمته عليك. (وإن سلم عليه)؛ أي: على المسلم (اليهودي أو النصراني) فليقل له في الرد عليه: (عليك) بغير واو لما في حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» (٣)، وفي لفظ: «عن عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : «إن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم السام عليكم فقل: عليك» (٤). فالمناسب لذلك أن يقول في الرد: عليك أو عليكم بغير واو ليكون دعاء عليه، لأن المراد عليك أو عليكم السام واللعنة والسام الموت». (ومن قال) في الرد عليه: (عليك السلام بكسر السين وهي الحجارة فقد قيل ذلك)؛ أي: يجوز ذلك، وفي العبارة حذف والتقدير: ومن قال كذا فلا لوم عليه لأنهم قد قالوا بجواز ذلك.

стр. 1478

• آداب الاستئذان: (و) أما (الاستئذان) وهو طلب الإذن على أهل البيت في الدخول عليهم ف (واجب) وجوب الفرائض لقوله تعالى في السورة التي فرضها: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون﴾ [النور: ٢٧] ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستذنوا﴾ [النور: ٥٩] فمن تركه فهو عاص الله ورسوله فإذا كان كذلك (فلا تدخل بيتا فيه أحد حتى تستأذن ثلاثا)؛ أي: ثلاث مرات. كان ذلك الأحد محرما أو غيره مما لا يحل لك النظر إلى عورته بخلاف الزوجة والأمة. وصفة الاستئذان أن تقول: أأدخل؟ ثلاث مرات (فإن أذن لك) فادخل (وإلا رجعت) لقوله تعالى: ﴿وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم﴾ [النور: ٢٨]. ويكون الاستئذان بطرق الباب ثلاث مرات، بين الواحدة والأخرى مقدار ركعة خفيفة كما يذكر الفقهاء، ليترك لأهل البيت مجال مريح في الرد. ويقف القادم قريبا من الباب، ليس أمامه حتى لا ينكشف عن أهل البيت سترهم، ويغض بصره، فقد روى علماؤنا أن الفاروق ﵁ قال: من ملأ عينيه من قاعة بيت، قبل أن يؤذن له، فقد فسق (١). وقوله: (ويرغب في عيادة المرضى) تقدم وليس لذكره هنا مناسبة لا بما قبله ولا بما بعده (ولا يتناجى) قال ابن عمر الأنفاسي: التناجي التسارر بالكلام ليخفي ذلك عن الغير (اثنان دون واحد) في سفر أو حضر لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ : «إذا كان ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون واحد» (٢)، وحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس، أجل أن يحزنه» (٣).

стр. 1479

وكذلك جماعة إذا أبقوا واحدا منهم لا يتناجون دونه لأن مع التحزين له واقع (وقد قيل: لا ينبغي ذلك)؛ أي: تناجي اثنين مثلا دون واحد أو جماعة دونه إلا بإذنه فإن الحق له، فإذا أسقطه سقط. (وذكر الهجرة قد تقدم في باب قبل هذا)؛ أي: الهجران وقوله: قد تقدم؛ أي: فلا حاجة لإعادته. (قال معاذ بن جبل) الذي قال في حقه ﵊: أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل (١): (ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله) لحديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى. قال: ذكر الله تعالى (٢). قال معاذ بن جبل ﵁: «ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله» (٣) (و) ما (قال عمر) بن الخطاب ﵁: (أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه) لا ينافي أن أكمل الذكر الجمع بينهما، وذكر القلب نوعان: أجلهما الفكر في عظمة الله تعالى وجلاله وجبروته وآياته في سمائه وأرضه. ويليه ذكره بالقلب عند الأمر والنهي، فيمتثل ما أمر به وينتهي عما نهي عنه، ولذلك قال ابن القيم: ويدخل في ذكر الله تعالى ذكر أسمائه وصفاته والثناء عليه بهما، وتنزيهه عما لا يليق به، والخبر عن أحكام ذلك وذكر أمره ونهيه ويكون الذكر بالقلب واللسان وهو الأكمل، ثم القلب وحده ثم اللسان وحده، وأفضل أنواع الذكر القرآن، ثم الذكر والثناء على الله ثم أنواع الأدعية». وقد روت

стр. 1480

عائشة ﵂: «وكان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه» (١). • أدعية مأثورة في أوقات وأماكن منثورة: (ومن دعاء رسول الله ﷺ كلما أصبح وأمسى: "اللهم) يا الله (بك نصبح وبك نمسي وبك نحيا وبك نموت. ويقول) زيادة على ذلك إن كنت في الصباح: (وإليك النشور)؛ أي: نشور الخلائق إليك؛ أي: مشيهم إلى جزائك (و) إن كنت (في المساء) قلت: (وإليك المصير)؛ أي: وإليك الرجوع بالموت (٢). (وروي) أنه يقول (مع ذلك الدعاء المتقدم في «الصباح»: (اللهم اجعلني من أعظم عبادك عندك حظا ونصيبا في كل خير تقسمه في هذا اليوم، وفيما بعده من نور)؛ أي: هدى، وهو خلق القدرة على الطاعة (تهدي به أو رحمة تنشرها)؛ أي: تظهرها (أو رزق تبسطه)؛ أي: تكثره (أو ضر تكشفه)؛ أي: تزيله، أو ذنب) نهيت عنه (تغفره)؛ أي: تستره (أو شدة) وهي ما يصيب الإنسان من الكروب والأحزان (تدفعها)؛ أي: تزيلها (أو فتنة) وهي كل ما يشغل عن الله من أهل ومال وولد (تصرفها)؛ أي: تصرف الاشتغال بها أي تزيله (أو معافاة تمن بها)؛ أي: تتفضل بها (برحمتك إنك على كل شيء قدير). هذا الدعاء مروي عن ابن عمر ﵄ من قوله كذلك عند الطبراني بسنده عن عبد الله بن سبرة قال: كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا أصبح، قال: «اللهم اجعلني من أعظم عبادك عندك نصيبا في كل خير تقسمه الغداة، ونورا تهدي به، ورحمة تنشرها، ورزقا تبسطه، وضرا تكشفه، وبلاء ترفعه، وفتنة تصرفها» (٣). وظاهر قوله: وروي

стр. 1481

أنه حديث مرفوع، وصرح به الأقفهسي. وروي أنه من كلام ابن عمر ﵄. (ومن دعائه ﵊ عند إرادة (النوم) أنه كان (يضع يده اليمنى تحت خده الأيمن) بعد أن يضطجع على شقه الأيمن (و) يده اليسرى على فخذه الأيسر ثم يقول: اللهم باسمك وضعت جنبي وباسمك أرفعه، اللهم إن أمسكت؛ أي: قبضت (نفسي) قبض وفاة (فاغفر لها)؛ أي: فاستر ذنوبها (وإن أرسلتها)؛ أي: رددتها إلى جسدها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك؛ أي: لتوفيق ودفع مكاره دنيوية (اللهم إني أسلمت نفسي إليك إذ لا قدرة لي على تدبيرها بالنظر في عواقب الأمور، (وألجأت)؛ أي: أسندت ظهري إليك) وهو كناية عن شدة التوجه والاعتماد عليه (وفوضت)؛ أي: وكلت تكرار لأنه إذا أسلمها فوضها وإذا فوضها أسلمها وهو مطلوب في الدعاء (أمري إليك) فافعل بي ما تريد (ووجهت وجهي إليك)؛ أي: وجهت نفسي إليك فهو بمعنى أسندت ظهري إليك (رهبة منك)؛ أي: خوفا منك؛ أي: راهبا وخائفا منك (ورغبة إليك)؛ أي: طمعا في رحمتك؛ أي: طامعا في رحمتك؛ (لا منجى)؛ أي: لا مهرب (ولا ملجأ منك)؛ أي: لا مرجع منك فالمهرب والمرجع كل منهما مصدر ميمي والتقدير: لا هروب ولا رجوع منك (إلا إليك أستغفرك)؛ أي: أطلب منك مغفرتك (وأتوب)؛ أي: أرجع (إليك) من أفعال مذمومة إلى أفعال محمودة (آمنت)؛ أي: صدقت (بكتابك)؛ أي: القرآن الذي أنزلته على سيدنا محمد ﷺ (و) آمنت (برسولك) والذي في «صحيح مسلم» نبيك (١) الذي أرسلت فاغفر لي ما قدمت من الذنوب (وما أخرت) من التوبة لأن تأخيرها معصية كبيرة (وما أسررت)؛ أي: الذي عملته سرا (وما أعلنت)؛ أي: الذي عملته جهرا (أنت إلهي لا إله إلا أنت؛ أي: أنت المعبود بحق (رب قني عذابك)؛ أي: يا رب نجني منه يوم تبعث عبادك). قال الغماري: في هذه مسائل: (الأولى) أن هذا لم يرد في حديث واحد بل هو مجموع من أحاديث.

стр. 1482

(الثانية) ليس في شيء من الأحاديث على ما أعلم وضع اليد اليسرى على الفخذ اليسرى عند النوم كما قال المصنف. (الثالثة) في هذا الدعاء ألفاظ لم ترد عن النبي ﷺ في أدعية النوم بل في أدعية أخرى. (الرابعة) في بعض هذه الأحاديث ما هو من أمر النبي ﷺ للغير وإرشاده لا من فعله كما يفيده صنيع المصنف كما تعلمه من إيراد الأحاديث. الحديث الأول: حديث حفصة ﵂ زوج النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يرقد وضع يده اليمنى تحت خده ثم يقول: «اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك، ثلاث مرار» (١). وفي رواية النسائي عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أخذ مضجعه جعل كفه اليمنى تحت خده الأيمن … » (٢)، وفي أخرى له: «كان إذا أوى إلى فراشه اضطجع على يمينه»، وقال: «رب قني عذابك يوم تبعث عبادك» (٣)، وللحديث روايات أخر. الحديث الثاني: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم يقول: باسمك رب وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» (٤). الحديث الثالث: عن البراء بن عازب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن، ثم قال: «اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة

стр. 1483

إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت وقال رسول الله ﷺ : «من قالهن ثم مات تحت ليلته مات على الفطرة»، وفي لفظ من حديث البراء ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، … » الحديث (١)، وهو لفظ أكثر الرواة ولكن الموافق لسياق المصنف في إضافة ذلك إلى فعل النبي ﷺ هو ما ذكرناه وليس في شيء من طرقه «فاغفر لي ما قدمت وما أخرت» إلخ. ما ذكره المصنف هو في حديث ابن عباس ﵄ ولفظه: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يتهجد قال: «اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت، وعليك توكلت، وبك آمنت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، أو: لا إله غيرك» (٢). دعاء الخروج من المنزل: (ومما روي) عن النبي ﷺ (في الدعاء عند الخروج من المنزل: اللهم إني أعوذ بك)؛ أي: أتحصن بك (أن أضل)؛ أي: أنفك عن الحق بنفسي (أو أضل)؛ أي: يضلني غيري عنه (أو أزل)؛ أي: أزيغ عن الحق (أو أزل)؛ أي: يزيغني غيري عنه (أو أظلم أو أظلم)؛ أي: سلمني أن أظلم أحدا أو يظلمني أحد (أو أجهل أو يجهل على)؛ أي: سلمني أن أسفه على أحد أو يسفه علي أحد، ومما روي في الدعاء عند

стр. 1484

الخروج من المنزل «اللهم أعوذ بك أن أضل، أو أضل، أو أزل، أو أزل، أو أظلم، أو أظلم، أو أجهل، أو يجهل علي» رواه أحمد وغيره من حديث أم سلمة لا قالت: ما خرج رسول الله ﷺ من بيتي قط إلا رفع رأسه إلى السماء فقال: «اللهم أني أعوذ بك من … » مثل لفظ المصنف كذا عند أبي داود وعند أحمد واللفظ له (١) والترمذي كان إذا خرج من بيته قال: «بسم الله توكلت على الله اللهم إني أعوذ بك من أن أزل أو نضل أو نظلم أو نظلم أو نجهل أو يجهل علينا بسم الله توكلت على الله» (٢)، والله أعلم. • الذكر عقب الصلاة: (وروي) عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة: جاء الفقراء إلى النبي، فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلا، والنعيم المقيم يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون، قال: «ألا أحدثكم إن أخذتم أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين»، فاختلفنا بيننا، فقال بعضنا: نسبح ثلاثا وثلاثين، ونحمد ثلاثا وثلاثين، ونكبر أربعا وثلاثين، فرجعت إليه، فقال: تقول: «سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، حتى يكون منهن كلهن ثلاثا وثلاثين» (٣). وذلك قول المصنف: (في دبر) بضم الدال؛ بمعنى: عقب (كل صلاة) مكتوبة (أن يسبح الله ثلاثا وثلاثين، ويحمد الله ثلاثا وثلاثين ويكبر الله ثلاثا وثلاثين، ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)، وقد أخبر النبي ﷺ أن الشيطان لا يزال

стр. 1485

حريصا على صرف العبد عن هاته الخصلة المباركة فقال ﷺ : «خصلتان، أو خلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلا دخل الجنة، هما يسير، ومن يعمل بهما قليل، يسبح في دبر كل صلاة عشرا، ويحمد عشرا، ويكبر عشرا، فذلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمس مائة في الميزان، ويكبر أربعا وثلاثين إذا أخذ مضجعه، ويحمد ثلاثا وثلاثين، ويسبح ثلاثا وثلاثين، فذلك مائة باللسان، وألف في الميزان» فلقد رأيت رسول الله ﷺ يعقدها بيده، قالوا: يا رسول الله كيف هما يسير ومن يعمل بهما قليل؟ قال: «يأتي أحدكم - يعني: الشيطان - في منامه فينومه قبل أن يقوله، ويأتيه في صلاته فيذكره حاجة قبل أن يقولها» يأتي أحدكم؛ يعني: «الشيطان في منامه فينومه قبل أن يقوله ويأتيه في صلاته فيذكره حاجة قبل أن يقولها» (١). • الدعاء عند الدخول للخلاء والخروج منه: (و) مما روي من الذكر (عند الخروج من الخلاء) وهو ما أعد لقضاء الحاجة أنك تقول: الحمد لله الذي رزقني لذته؛ أي: الطعام؛ أي: لذته عند أكله وأخرج عني مشقته؛ أي: مشقة بقائه (وأبقى في جسمي قوته) فنفعني به سبحانه، والحديث رواه ابن السني في اليوم والليلة من حديث أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرحيم» (٢)، وإذا خرج قال: «الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في منفعته، وأذهب عني أذاه» (٣)، ولحديث علي مرفوعا: «ستر ما بين أعين الجن

стр. 1486

وعورات بني آدم: إذا دخل أحدهم الخلاء، أن يقول: بسم الله (١) ومما صح عنه ﷺ أنه كان يقول إذا خرج من الخلاء كما في حديث عائشة: كان ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك» (٢). (وتتعوذ) بالله (من كل شيء تخافه) من إنس وجن وحيوان. (وعند ما تحل (٣) بموضع أو تجلس بمكان أو تنام فيه تقول: أعوذ بكلمات الله)؛ أي: القرآن (التامات)؛ أي: التي لا يعتريها نقص ولا باطل (من شر ما خلق) وتكررها ثلاث مرات كما في مسلم (٤)؛ (ومن التعوذ أن تقول: أعوذ بوجه الله الكريم وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن)؛ أي: لا يتعداهن (بر ولا فاجر) البر المحسن والفاجر ضده. لحديث خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من نزل منزلا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء، حتى يرتحل من منزله ذلك» (٥)، ووقوع المكروه من البر ممكن (و) أعوذ (بأسماء الله الحسنى) وصفت بذلك لما استلزمته من معان حسنة مثلا وهاب معناه كثير الهبة، وهذا يتضمن معنى هو كثرة حمد الحامدين وتعظيم المعظمين (كلها) تأكيد (ما علمت منها وما

стр. 1487

(لم أعلم) يؤخذ منه أنها ليست محصورة في التسعة والتسعين. ولو دعا المسلم بهذا الدعاء لرجى ذهاب همومه وغمومه فعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما قال أحد قط إذا أصابه هم أو حزن: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه، وأبدله مكان حزنه فرحا»، قالوا: يا رسول الله ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات؟ قال: «أجل، لمن سمعهن أن يتعلمهن» (١). (من شر ما خلق وذرأ وبرأ) ألفاظ مترادفة معناها: الإيجاد من العدم إلى الوجود (ومن شر ما ينزل من السماء) كالصواعق (ومن شر ما يعرج فيها)؛ أي: يصعد في السماء مما هو سبب لنزول البلاء وهو سيئ الأعمال (ومن شر ما ذرأ في الأرض)؛ أي: خلق (ومن شر ما يخرج منها) مما له شر وأذية (ومن فتنة الليل والنهار)؛ أي: الفتنة الواقعة فيهما من المحن والابتلاءات (ومن طوارق الليل والنهار)؛ أي: حوادثهما التي تأتي بغتة (إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن. ويقال: في ذلك)؛ أي: التعوذ «أيضا ومن شر كل دابة» والمراد بها هنا كل ما اتصف بالدبيب وهو المشي (ربي آخذ بناصيتها) وهو مقدم الرأس وهذا مجاز مرسل بمعنى: في ملكه وسلطانه (إن ربي على صراط مستقيم)؛ أي: إن تصرف ربي على وجه مستقيم؛ أي: ليس فيه نقص ولا قصور. هذا التعوذ مؤلف من خبرين ذكرهما مالك في «الموطأ» أحدهما مرسل، والآخر مقطوع، فالأول عن يحيى بن سعيد أنه قال: أسري برسول الله ﷺ فرأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار كلما التفت رسول الله ﷺ رآه فقال له جبريل: أفلا أعلمك كلمات تقولهن إذا قلتهن

стр. 1488

طفئت شعلته وخر لفيه فقال رسول الله ﷺ : «بلى» فقال جبريل: فقل: «أعوذ بوجه الله الكريم، وبكلمات الله التامات اللاتي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء، وشر ما يعرج فيها، وشر ما ذرأ في الأرض، وشر ما يخرج منها، ومن فتن الليل والنهار، ومن طوارق الليل والنهار، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن» (١). ويستحب لمن دخل منزله أو بستانه أو حانوته أن يقول: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله) وهو في كتاب الله بعد أن يسلم إن كان ثم أحد، وإلا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، من قال ذلك كان حرزا لمنزله. وحسبك قوله تعالى: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا﴾ [الكهف: ٣٩]. تنزيه المساجد عن غير ما بنيت له: (ويكره) كراهة تحريم (العمل في المساجد من خياطة ونحوها ولا يغسل يديه فيه ولا يأكل فيه إلا الشيء الخفيف) مما لا يلوث (كالسويق) وهو القمح أو الشعير المقلي إذا طحن، وسواء كان ملتوتا بسمن أو عسل (ونحوه) مما لا يلوثه وإن كان معتكفا فليجعل سماطا ونحوه يحفظ الطعام. (ولا يقص فيه شاربه ولا يقلم أظفاره) لأنها أوساخ (وإن قص أو قلم أخذه في ثوبه)؛ أي: بحيث لا ينزل منه شيء على الأرض. (ولا يقتل فيه قملة ولا برغوثا) لأن هذه أشياء تنافي التعظيم والاحترام وقد أمر الله تعالى بتعظيم بيوته فقال ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ [النور: ٣٦] قال الحسن البصري وغيره: «معنى ترفع تعظم، ويرفع شأنها، وتطهر من الأنجاس، والأقذار، ورجحه الزجاج» (٢)، «أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور وأن تطيب

стр. 1489

«وتنظف» من حديث عائشة ﵄ (١)، وعن سمرة بن جندب ﵁: «وأمر من أكل الثوم والبصل والكراث أن لا يقرب المسجد، وقال: إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» (٢)، وسمع رجلا ينشد ضالة في المسجد ويقول: من دعا إلى الجمل الأحمر فقال له ﷺ : «لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له» من حديث بريدة ﵁ (٣)، والأحاديث في هذا الباب كثيرة (٤). فهذه أحاديث ترشد إلى احترام المسجد وصونه عن كل ما ينافي الأدب والتعظيم مما ذكره المصنف وما في معناه (وأرخص في مبيت الغرباء في مساجد البادية) للضرورة مفهومه أنه لا يرخص ذلك في مساجد الحاضرة لوجود الفنادق فيها إذا وجد من يعطيه أجرة وإلا بات للضرورة. (ولا ينبغي أن يقرأ في الحمام إلا الآيات اليسيرة ولا يكثر) ومثله موضع القذر، قال ابن رشد: وسئل مالك عن القراءة في الحمام، فقال: «القراءة بكل مكان حسنة، ليس الحمام بموضع قراءة، فإن قرأ الإنسان الآيات فليس بذلك بأس، وليس الحمامات من بيوت الناس الأول … اه (٥). وقال البخاري: قال منصور عن إبراهيم: لا بأس بالقراءة في الحمام وبكتب الرسالة على غير وضوء، … ورجح السبكي الكبير عدم الكراهة واحتج بأن القراءة مطلوبة والاستكثار منها مطلوب والحدث يكثر، فلو كرهت لفات خير كثير. ثم قال: حكم القراءة في الحمام إن كان القارئ في مكان نظيف وليس فيه كشف عورة لم يكره، وإلا كره». اه (٦). (ويقرأ الراكب والمضطجع) لأنها ذكر وقد أمر الله بالذكر في جميع هيئات الشخص. قال تعالى: ﴿فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم﴾

стр. 1490

﴿النساء: ١٠٣﴾. قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ [آل عمران: ١٩١] ذكر تعالى ثلاث هيئات لا يخلو ابن آدم منها في غالب أمره، فكأنها تحصر زمانه. ومن هذا المعنى قول عائشة ﵂: «وكان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه» (١). فدخل في ذلك كونه على الخلاء وغير ذلك. وقد اختلف العلماء في هذا؛ فأجاز ذلك عبد الله بن عمرو وابن سيرين والنخعي، وكره ذلك ابن عباس وعطاء والشعبي (٢). والأول أصح لعموم الآية والحديث، قلت: والظاهر أن قول ابن عباس هو المعتبر في تنزيه ربنا أن يذكر عند الأقذار. (و) كذا يقرأ (الماشي من قرية إلى قرية، ويكره ذلك للماشي إلى السوق)؛ أي: سوق الحاضرة لا سوق البادية فلا كراهة لأن طرق الأسواق الغالب عليها النجاسة وعدم النظافة لكثرة المارين بخلاف الطرق التي بين القرى فإن الغالب عليها الطهارة وقد قيل: إن ذلك؛ أي: قراءة الماشي إلى السوق (للمتعلم واسع)؛ أي: جائز. • تحزيب القرآن وهدي السلف في ذلك: (ومن قرأ القرآن في سبع)؛ أي: سبع ليال (فذلك حسن)؛ أي: مستحب لأنه عمل أكثر السلف لقول النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: «فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك … » (٣)، وعن أوس بن حذيفة قال: سألت أصحاب رسول الله ﷺ : «كيف تحربون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل» (٤).

стр. 1491

(والتفهم مع قلة القراءة أفضل) من سرد حروفه بلا تفهم لقوله تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ [النساء: ٨٢، ومحمد: ٢٤]، «وعن أبي إسحق عن علقمة والأسود قالا: أتى ابن مسعود ﵁ رجل فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة فقال: أهذا كهذ الشعر، ونشرا كنثر الدقل (١) لكن النبي ﷺ كان يقرأ النظائر السورتين في ركعة النجم والرحمن في ركعة … فذكر الحديث» (٢)، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «قال العلماء: والترتيل مستحب للتدبر ولغيره قالوا: يستحب الترتيل للعجمي الذي لا يفهم معناه: لأن ذلك أقرب إلى التوقير والاحترام وأشد تأثيرا في القلب» (٣). (وروي أن النبي عليه الصلاة و السلام لم يقرأ القرآن في أقل من ثلاث) وهذا مع معرفته ﷺ معانيه وفهم ما فيه، بل أمر بقراءته في أكثر من ثلاث، ويدل عليه الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث» (٤). (ويستحب للمسافر أن يقول عند ركوبه: بسم الله اللهم أنت الصاحب)؛ أي: الحافظ (في السفر والخليفة في الأهل)؛ أي: الوكيل في حفظهم بعد سفري عنهم القائم بأمورهم (اللهم إني أعوذ بك من وعثاء) بسكون المهملة؛ أي: مشقة (السفر، وكآبة) بفتح الكاف والهمز والمد الحزن وسوء الحال من فوات ما أريد (المنقلب)؛ أي: الرجوع (وسوء المنظر)؛ أي ما يسيء النظر إليه في الأهل والمال بحيث يلحق الأهل والمال أمور مشقة؛ أي: تشق على النفس. (ويقول الراكب إذا استوى على الدابة: ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا﴾) ﴿وما كنا له مقرنين﴾؛ أي: مطيقين قادرين

стр. 1492

(﴿وإنآ إلى ربنا لمنقلبون﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤])؛ أي: راجعون وذلك لما ثبت في «الصحيح» من حديث ابن عمر وغيره: «أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنآ إلى ربنا لمنقلبون اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل وإذا رجع قالهن. وزاد فيهن: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون» (١). «وكان هو وأصحابه إذا علوا الثنايا كبروا وإذا هبطوا الأودية سبحوا» (٢). وكان إذا أشرف على قرية يريد دخولها يقول: «اللهم رب السموات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما ذرين أسألك خير هذه القرية وخير أهلها وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها» (٣). (وتكره التجارة إلى أرض العدو) لأن في ذلك تغريرا للإنسان بنفسه وماله وإذلالا للدين (وإلى بلد السودان)؛ أي: الكفار منهم للعلة المتقدمة. (وقال النبي عليه) الصلاة والسلام: «السفر قطعة من العذاب» فعن أبي هريرة له أن رسول الله ﷺ قال: «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى نهمته، فليعجل إلى أهله» (٤). نهمته: مقصوده.

стр. 1493

(ولا ينبغي)؛ بمعنى: لا يحل ﴿أن تسافر المرأة مع غير ذي محرم﴾ منها سفر يوم وليلة فأكثر، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل لامرأة، تؤمن بالله واليوم الآخر، تسافر مسيرة ثلاث ليال، إلا ومعها ذو محرم» (١)، (إلا في حج الفريضة خاصة في قول مالك) فإن لها أن تسافر مع غير ذي محرم لكن بشرط أن تكون (في رفقة مأمونة) من المسلمين فإن لم تجد رفقة مأمونة لا يجوز لها ذلك (وإن لم يكن معها ذو محرم فذلك لها) مرتبط بقوله إلا في حج الفريضة فذلك لها. قال القرافي: «قال مالك في الكتاب: تحج بلا ولي مع رجال ونساء مرضيين وإن امتنع واليها وقال: تخرج مع المرأة الواحدة المأمونة إذا ثبت أن المحرم ليس شرطا فهل تخرج مع الرجال الثقات، قال سند: منعه ابن عبد الحكم، قال سند: وهو محمول على الكراهة، قال سند: وهذا في حجة الإسلام أما في غير الفرض فلا تخرج إلا مع ذي محرم قاله ابن حبيب لعموم النهي» (٢).

стр. 1494

باب في التعالج وذكر الرقى والطيرة والنجوم والخصاء والوسم والكلاب والرفق بالمملوك • قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب في التعالج وذكر الرقى والطيرة والنجوم والخصاء والوسم والكلاب والرفق بالمملوك. ولا بأس بالاسترقاء من العين وغيرها، والتعوذ، والتعالج، وشرب الدواء والفصد والكي، والحجامة حسنة. والكحل للتداوي للرجال جائز وهو من زينة النساء، ولا يتعالج بالخمر ولا بالنجاسة ولا بما فيه ميتة ولا بشيء مما حرم الله ، ولا بأس بالاكتواء، والرقى بكتاب الله وبالكلام الطيب. ولا بأس بالمعاذة تعلق وفيها القرآن، وإذا وقع الوباء بأرض قوم فلا يقدم عليه ومن كان بها فلا يخرج فرارا منه، «وقال الرسول ﷺ في السؤم إن كان ففي المسكن والمرأة والفرس». وكان ﷺ يكره سيئ الأسماء، ويحب الفأل الحسن. والغسل للعين أن يغسل العائن وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم يصب على المعين. ولا ينظر في النجوم إلا ما يستدل به على القبلة وأجزاء الليل ويترك ما سوى ذلك. ولا يتخذ كلب في الدور في الحضر ولا في دور البادية إلا لزرع أو ماشية يصحبها في الصحراء ثم يروح معها أو لصيد يصطاده لعيشه لا للهو. ولا بأس بخصاء الغنم لما فيه من صلاح لحومها ونهي عن خصاء الخيل.

стр. 1495

ويكره الوسم في الوجه ولا بأس به في غير ذلك. ويترفق بالمملوك ولا يكلف من العمل ما لا يطيق) (١). الشرح أي: هذا (باب في) بيان حكم (التعالج) وهو محاولة الداء بدوائه؛ أي: يحاول الداء بالدواء أي بدواء ذلك الداء، (و) في بيان (ذكر الرقى) جمع رقية؛ أي: في حكم الرقى وما يرقى به. (و) في بيان حكم (الطيرة) بكسر الطاء وفتح التحتية وهي العمل على سماع ما يكره أو رؤيته. (و) في بيان ما يحل تعلمه من علم النجوم، و في بيان حكم (الخصاء) وبيان ما يجوز أن يخصى وما يكره. (و) في بيان حكم (الوسم) بالسين المهملة وهو العلامة بالكي في الحيوان. (و) في ذكر (الكلاب)؛ أي: في بيان ما يجوز أن يتخذ منها وما لا يتخذ. (و) في بيان (الرفق بالمملوك)؛ يعني: من الآدميين إذ لا يسمى بذلك عرفا غيره. ولا بأس بالاسترقاء من العين وغيرها كاللدغة بالدال المهملة والغين المعجمة لدغ العقرب والحية إشارة للأحاديث المرخصة في ذلك منها: عن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ رخص في الرقية من الحمة والعين والنملة» (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: «كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين»، وعن عائشة قالت: «أمرني النبي ﷺ أو أمر أن نسترقي من العين» (٣)، وانظر: «المناهل» ففيها تفصيل ذلك. ولا خلاف في جواز الاسترقاء بأسماء الله تعالى، قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠]، ولا بأس بالاسترقاء بكتاب الله تعالى، (و) لا بأس (بالتعوذ) فقد كان ﷺ كما قالت عائشة ﵂: « … إذا

стр. 1496

اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها» (١). والمقصود العلاج النبوي لهذه العلة وهو أنواع، فعن سهل بن حنيف قال: مررنا بسيل فدخلت فاغتسلت فيه، فخرجت محموما فنمي ذلك إلى رسول الله ﷺ «فقال: مروا أبا ثابت يتعوذ قال: فقلت: يا سيدي والرقى صالحة؟ فقال: لا رقية إلا في نفس، أو حمة، أو لدغة» (٢)، والنفس: العين، يقال: أصابت فلانا نفس؛ أي: عين، والحمة الحيات والعقارب، وأشباهها من ذوات السموم، والنملة قروح تخرج في الجنب والنافس العائن (٣). (و) كذا لا بأس ب (التعالج)؛ أي: بمعالجة المريض الداء بالدواء (وشرب الدواء) فهذا من الأسباب المشروعة، فعن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله (٤). (و) لا بأس ب (الفصد) وهو قطع العرق لاستخراج الدم الذي يؤذي، (والكي) وهو الحرق بالنار قال مالك رحمه الله تعالى: ولا بأس بالاكتواء، وقد اكتوى ابن عمر من اللقوة (٥)، وسعد بن زرارة من الذبحة (٦). ولما رمي سعد بن معاد في أكحله حسمه النبي ﷺ ورمت فحسمه الثانية والحسم هو الكي. (والحجامة حسنة)؛ أي: مستحبة في كل أيام السنة فعن سعيد بن جبير

стр. 1497

عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا أنهى أمتي عن الكي» (١). قال صاحب «القانون: ويؤمر باستعمال الحجامة لا في أول الشهر لأن الأخلاط لا تكون قد تحركت وهاجت ولا في آخره، لأنها تكون قد نقصت، بل في وسط الشهر حين تكون الأخلاط هائجة بالغة في تزايدها لتزيد النور في جرم القمر. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «خير ما تداويتم به الحجامة والفصد وفي حديث: «خير الدواء الحجامة والفصد». انتهى (٢). (والكحل) بالإثمد (ل) أجل (التداوي للرجال جائز) فلا يكتحل لغير ضرورة ففي سنن ابن ماجه» عن سالم عن أبيه يرفعه: «عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر» (٣)؛ وفي كتاب أبي نعيم»: «فإنه منبتة للشعر مذهبة للقذى مصفاة للبصر» (٤). وعن ابن عباس ﵄ يرفعه: «خير أكحالكم الإثمد يجلو البصر وينبت الشعر» (٥). (وهو من زينة النساء) والتشبه بهن حرام كالعكس، إلا لمن احتاج إليه ضرورة من الرجال. (ولا يتعالج)؛ أي: لا يجوز التعالج (بالخمر) في باطن الجسم وظاهره لما في حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله أنزل الداء

стр. 1498

والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تداووا بالمحرم» (١)، وعن طارق بن سويد الجعفي ﵁: «أنه سأل النبي ﷺ عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها» فقال: «إنما أصنعها للدواء فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء» (٢) (ولا بالنجاسة) لحديث أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث: قيل: يعني السم (٣)، والذي يظهر أنه نهي عن كل دواء نجس أو ضار (٤)، ولا بما فيه ميتة؛ أي: ولا بشيء فيه جزء من الميتة، وهذا وإن كان داخلا فيما قبله إلا أنه لما كانت نجاسته عرضية ربما يتوهم جواز التداوي بما هي فيه (ولا بشيء مما حرم الله ) لحديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بحرام» رواه أبو داود وغيره وقد تقدم، واختلف في جواز التداوي في الحكة بلبس الحرير، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك. وقوله: (ولا بأس بالاكتواء تكرار (والرقى) جمع رقية تكون بكتاب الله تعالى)؛ أي: القرآن وآخر الرقية بالفاتحة وإياك نستعين (وبالكلام الطيب) وهو العربي المفهوم ولا يجوز بما فيه كفر. وقضية ذلك أن ما جهل معناه لا تجوز الرقية به، ولو جرب وصح. وقد تقدم الكل بأدلته فلا حاجة لتكراره. (ولا بأس بالمعاذة) وهي التمائم التي (تعلق) في العنق (وفيها القرآن) وسواء في ذلك المريض والصحيح بعد جعلها فيما يكنها ورأى جماعة من السلف أن تكتب له الآيات من القرآن ثم يشربها. قال مجاهد: لا بأس أن يكتب القرآن ويغسله ويسقيه المريض ومثله عن أبي قلابة. ويذكر عن ابن عباس ﵄: أنه أمر أن يكتب لامرأة تعسر عليها ولادها

стр. 1499

أثر من القرآن ثم يغسل وتسقى»، وقال أيوب: «رأيت أبا قلابة كتب كتابا من القرآن ثم غسله بماء وسقاه رجلا كان به وجع» (١). (وإذا وقع الوباء) مقصورا وممدودا وهو الطاعون (بأرض)؛ أي: في أرض قوم فلا يقدم عليه من هو خارج عن تلك الأرض. ومن كان بها فلا يخرج منها (فرارا منه)؛ أي: من الوباء لما صح أنه ﵊: «نهى عن ذلك» والنهي نهي كراهة لحديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فقلت: أنت سمعته يحدث سعدا، ولا ينكره؟ قال: نعم» (٢)، قال ابن القيم: وقد جمع النبي ﷺ للأمة في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو بها ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه كمال التحرز منه فإن في الدخول في الأرض التي هو بها تعرضا للبلاء وموافاة له في محل سلطانه وإعانة للإنسان على نفسه وهذا مخالف للشرع والعقل بل تجنب الدخول إلى أرضه من باب الحمية التي أرشد الله سبحانه إليها وهي حمية عن الأمكنة والأهوية المؤذية. الشؤم، والفأل الحسن: (وقال الرسول عليه) الصلاة (والسلام في) شأن (الشؤم: إن كان) له حكم ثابت؛ أي: وجود ثابت في نفس الأمر (ففي) ثلاثة أشياء: (المسكن والمرأة والفرس) شؤم المسكن سوء الجيران، وشؤم المرأة قلة نسلها، وشؤم الفرس ترك الغزو عليه لحديث سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن كان في شيء، ففي الفرس والمرأة والمسكن» (٣) وفي مسلم: «إن يكن من

стр. 1500

الشؤم شيء حق، ففي الفرس، والمرأة، والدار» (١). (وكان) النبي (عليه) الصلاة و (السلام يكره سيئ الأسماء) كمرة وحنظلة وحرب. (و) كان ﵊ (يحب الفأل الحسن) الفأل بالهمز والجمع فؤول، كما في حديث عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يعجبه الفال الحسن، ويكره الطيرة» (٢)، وفي حديث أبي هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ كان يعجبه إذا خرج لحاجته أن يسمع: يا راشد، يا نجيح» (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا طيرة، وخيرها الفأل» قالوا: وما الفأل؟ قال: «الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم» (٤). كما إذا خرج للسفر أو عيادة مريض ولم يقصد سماع الفأل فسمع يا غانم أو يا سالم، أما إذا قصد سماع الفأل ليعمل عليه فلا يجوز لأنه من الأزلام وهي أقداح؛ أي: سهام يكون في أحدها: افعل وفي الآخر: لا تفعل، والثالث: لا شيء فيه، فإذا خرج الذي فيه: افعل مضى، وإذا خرج الذي فيه: لا تفعل رجع، وإن خرج الذي لا شيء فيه أعاد الاستقسام. والفأل يستأنس به ولا ينبغي أن يكون عكسه سببا في انقطاع الأعمال والرجوع، فإن هذا من فعل الجاهلية الذي حاربه الإسلام، وأنكره ﵊. ثم بين صفة رقية العين، بقوله: (والغسل للعين)؛ أي: وصفة الرقية للعين إذا عرف العائن (أن يغسل العائن)؛ أي: وجوبا ويجبر عليه إن امتنع من ذلك إذا خشي على المعيون الهلاك، ولم يمكن الخلاص إلا به فيغسل

стр. 1501

داخل إزاره، والقول الثاني الذي أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى بقوله: يغسل (وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره)؛ أي: ما يلي فرجه، وفيه من حسن العبارة ما لا يخفى حيث لم يعبر باللفظ الذي يستحيا منه وهو الفرج، وأشار إليه إشارة لطيفة ويجمع ذلك (في قدح ثم يصب على المعين) قال ابن العربي: صوابه العائن وفيه نظر، لأن الصب على المعان؛ أي: المصاب بالعين لا العائن. وصفة صب القدح على المعان: أن يصب عليه من فوقه ويقلب القدح؛ أي: وراء ظهره على الأرض وإذا كان العائن يخشى ضرر عينه وإصابتها للمعين فليدفع شرها بقوله: «اللهم بارك عليه» كما قال النبي ﷺ لعامر بن ربيعة لما عان سهل بن حنيف: «ألا بركت»؛ أي قلت: اللهم بارك عليه، ومما يدفع به إصابة العين قول: «ما شاء الله لا قوة إلا بالله» روى هشام بن عروة عن أبيه «أنه كان إذا رأى شيئا يعجبه أو دخل حائطا من حيطانه قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله» (١). وقد تقدم الكلام عن العين والرقية منها نسأل الله بمنه وكرمه أن يحفظنا وأهلنا وأحبابنا من سموم العائنين، عائذين به من شر أنفسنا ومن شر كل دابة هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم. • حكم النظر في علم النجوم: (ولا ينظر في) علم (النجوم إلا) في شيئين فإن النظر فيه لهما. قد ورد الشرع به أحدهما: (ما يستدل به على) معرفة سمت (القبلة)؛ أي: جهتها. (و) ثانيهما: ما يستدل به على معرفة (أجزاء الليل) ما مضى وما بقي، وبقي ثالث جائز وهو النظر فيما يهتدي به في السير لقوله تعالى: ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر﴾ [الأنعام: ٩٧] (ويترك ما سوى ذلك) مما يدعيه المنجمون، لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ

стр. 1502

قال: «تعلموا من النجوم ما تهتدون به في البر والبحر» (١)، وحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتبس علما من النجوم، اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» (٢). قال قتادة: خلق الله تعالى النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها في البر والبحر والأوقات. فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به، وتعدى وظلم. وقال محمد بن كعب: والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم يتخذون الكهانة سبيلا ويتخذون النجوم علة (٣). • حكم اتخاذ الكلب: (ولا يتخذ كلب في الدور في الحضر ولا في دور البادية على جهة الكراهة إلا أن يكون عقورا فيحرم (إلا) من أجل (زرع أو ماشية) يحرسهما وهي الغنم يصحبها في الصحراء ثم يروح)؛ أي: يرجع يبيت (معها) حيث باتت لحديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اقتنى كلبا، إلا كلب ماشية، أو ضاريا، نقص من عمله كل يوم قيراطان» (٤)، وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أمسك كلبا، فإنه ينقص كل يوم من عمله قيراط، إلا كلب حرث أو ماشية» (٥)، وورد من طرق متعددة: «أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب» (٦)، (أو ل) أجل (صيد يصطاده لعيشه)؛

стр. 1503

أي: قوته وقوت عياله لما تقدم ولحديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض أهل كتاب نؤاكلهم في آنيتهم، وإن أرضنا أرض صيد نصيد بالقوس والكلب المكلب، والكلب الذي ليس بمكلب، فأخبرني ماذا يحل لي مما يحرم علي؟، فقال: «أما ما ذكرت أنكم بأرض أهل الكتاب تأكلون في آنيتهم، فإن وجدتم غير آنيتهم، فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوا وكلوا فيها، وأما ما ذكرت من أمر الصيد فما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل، وأما ما صاد كلبك الذي ليس بمكلب فما أدركت ذكاته فكل، وما لم تدرك ذكاته فلا تأكل منه، وأما ما صاد كلبك المكلب فكل مما أمسك عليك واذكر اسم الله عليه» (١) وقد تقدم ذلك في الصيد (لا للهو)؛ أي: اللعب فلا يجوز اتخاذه. (ولا بأس بخصاء الغنم) الضأن والمعز لما فيه من صلاح لحومها «لأن النبي ﷺ ضحى بكبشين خصيين» كما سبق في الضحايا وذلك يدل على الجواز، (ونهى عن خصاء الخيل) لأن ذلك ينقص القوة ويذهب النسل منها (٢). ففي حديث ابن عمر ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن خصاء الخيل والبهائم» (٣)، وعن ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ نهى عن صبر الروح وعن إخصاء البهائم نهيا شديدا» (٤)، ورخص مالك في خصاء الفرس إذا كلب، قال ابن رشد: وقال مالك: في الفرس إذا كلب وامتنع، فلا أرى بخصاه بأسا - إذا كان على هذا الوجه (٥)، وأما خصاء البغال والحمير فجائز، وأما خصاء الآدمي فحرام إجماعا.

стр. 1504

(ويكره الوسم)؛ أي: العلامة بالنار (في الوجه ولا بأس به في غير ذلك)؛ أي: غير الوجه، لما صح «أن النبي ﷺ نهى عن الوسم في الوجوه» (١)، وأرخص في السمة؛ أي: العلامة في الأذن؛ لأن المالك يحتاج لها للتمييز. وثبت عن أنس ﵁ قال: «رأيت في يد رسول الله ﷺ الميسم وهو يسم إبل الصدقة» (٢)، والفيء وغير ذلك حتى يعرف كل مال فيؤدى في حقه، ولا يتجاوز به إلى غيره. • حث الإسلام على الرفق بالمملوك: (ويترفق بالمملوك) في أكله وشربه وعمله و (و) إذا كان الأمر كذلك ﴿لا يكلف من العمل إلا ما يطيق﴾ فلا يجوز للسيد أن يكلف عبده أو أمته ما يشق عليهما ولا ما لا تتحمله أبدانهما لحديث المعرور بن سويد قال: لقيت أبا ذر بالربذة (٣) وعليه حلة وعلى غلامه حلة فسألته عن ذلك فقال: إني ساببت رجلا فغيرته بأمه فقال لي النبي ﷺ : «يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» (٤)، حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف. ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق» (٥)، والله أعلم.

стр. 1505

باب في الرؤيا والتثاؤب والعطاس واللعب بالنرد وغيرها والسبق بالخيل والرمي وغير ذلك قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب في الرؤيا والتثاؤب والعطاس واللعب بالنرد وغيرها والسبق بالخيل والرمي وغير ذلك، قال رسول الله ﷺ : «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ومن رأى منكم ما يكره في منامه فإذا استيقظ فليتفل عن يساره ثلاثا وليقل: اللهم إني أعوذ بك من شر ما رأيت في منامي أن يضرني في ديني ودنياي». ومن تثاءب فليضع يده على فيه. ومن عطس فليقل: الحمد لله وعلى من سمعه يحمد الله أن يقول له: يرحمك الله، ويرد العاطس عليه: يغفر الله لنا ولكم أو يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. ولا يجوز اللعب بالنرد، ولا بالشطرنج، ولا بأس أن يسلم على من يلعب بها، ويكره الجلوس إلى من يلعب بها والنظر إليهم. ولا بأس بالسبق بالخيل والإبل وبالسهام بالرمي. وإن أخرجا شيئا جعلا بينهما محللا يأخذ ذلك المحلل إن سبق هو، وإن سبق غيره لم يكن عليه شيء، هذا قول ابن المسيب، وقال مالك: إنما يجوز أن يخرج الرجل سبقا، فإن سبق غيره أخذه، وإن سبق هو كان للذي يليه من المتسابقين، وإن لم يكن غير جاعل السبق وآخر فسبق جاعل السبق أكله من حضر ذلك. وجاء فيما ظهر من الحيات بالمدينة أن تؤذن ثلاثا وإن فعل ذلك في غيرها فهو حسن.

стр. 1506

ولا تؤذن في الصحراء ويقتل ما ظهر منها. ويكره قتل القمل والبراغيث بالنار. ولا بأس إن شاء الله بقتل النمل إذا آذت ولم يقدر على تركها، ولو لم تقتل كان أحب إلينا. ويقتل الوزغ. ويكره قتل الضفادع. وقال النبي ﵊: «إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي أو فاجر شقي أنتم بنو آدم وآدم من تراب» وقال النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام في رجل تعلم أنساب الناس: «علم لا ينفع وجهالة لا تضر» وقال عمر: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم وقال مالك: وأكره أن يرفع في النسبة فيما قبل الإسلام من الآباء. والرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، ومن رأى في منامه ما يكره، فليتفل عن يساره ثلاثا، وليتعوذ من شر ما رأى، ولا ينبغي أن يفسر الرؤيا من لا علم له بها، ولا يعبرها على الخير وهي عنده على المكروه. ولا بأس بإنشاد الشعر وما خف من الشعر أحسن ولا ينبغي أن يكثر منه ومن الشغل به. وأولى العلوم وأفضلها وأقربها إلى الله علم دينه وشرائعه مما أمر به ونهى عنه ودعا إليه وحض عليه في كتابه وعلى لسان نبيه والفقه في ذلك والفهم فيه، والتهمم برعايته والعمل به. والعلم أفضل الأعمال. وأقرب العلماء إلى الله تعالى وأولاهم به أكثرهم له خشية وفيما عنده رغبة. والعلم دليل إلى الخيرات وقائد إليها واللجأ إلى كتاب الله وسنة

стр. 1507

نبيه واتباع سبيل المؤمنين وخير القرون من خير أمة أخرجت للناس نجاة ففي المفزع إلى ذلك العصمة. وفي اتباع السلف الصالح النجاة وهم القدوة في تأويل ما تأولوه واستخراج ما استنبطوه. وإذا اختلفوا في الفروع والحوادث لم يخرج عن جماعتهم. والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد: قد أتينا على ما شرطنا أن نأتي به في كتابنا هذا مما ينتفع به إن شاء الله تعالى من رغب في تعليم ذلك من الصغار، ومن احتاج إليه من الكبار وفيه ما يؤدي الجاهل إلى علم ما يعتقده من دينه ويعمل به من فرائضه، ويفهم كثيرا من أصول الفقه وفنونه ومن السنن والرغائب والآداب وأنا أسأل الله أن ينفعنا وإياك بما علمنا ويعيننا وإياك على القيام بحقه فيما كلفنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا). الشرح (باب في الرؤيا)؛ أي: في بيان كون ما يراه الرجل الصالح في منامه جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة؛ (و) في (التثاؤب)؛ أي: بيان ما يفعله من تثاءب (والعطاس)؛ أي: بيان ما يقول من عطس ومن سمعه؛ (و) في بيان حكم (اللعب بالنرد) وبيان معناها (و) اللعب ب (غيرها) وهو الشطرنج، وحكم الجلوس إلى من يلعب بها وحكم السلام عليه. (و) في بيان حكم (السبق بالخيل) والإبل (و) السبق (بالرمي) بالسهام. (و) بيان حكم (غير ذلك)؛ أي: غير ما ذكر كقتل القمل والضفادع، وبيان أفضل العلوم. • الرؤيا وأحكامها: تعريف الرؤيا والحلم: الرؤيا والحلم عبارة عما يراه النائم في نومه من

стр. 1508

الأشياء ولكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على ما يراه من الشر والقبيح، ويستعمل كل واحد منهما موضع الآخر (١). وعلى ذلك تكون الرؤيا والحلم من الألفاظ المترادفة؛ يعني: أن كلا منها يؤدي نفس المعنى للآخر (٢). قال القاسمي: قال التوربشتي: الحلم عند العرب يستعمل استعمال الرؤيا والتفريق بينها من الاصطلاحات التي سنها الشارع للفصل بين الحق والباطل كأنه كره أن يسمى ما كان من الله وما كان من الشيطان باسم واحد، فجعل الرؤيا عبارة عن الصالح منها لما في الرؤيا من الدلالة على المشاهدة بالبصر أو البصيرة، وجعل الحلم عبارة عما كان من الشيطان، لأن أصل الكلمة لم يستعمل إلا فيما يخيل للحالم في منامه من قضاء الشهوة مما لا حقيقة له. انتهى (٣) قال المصنف رحمه الله تعالى: (قال رسول الله ﷺ : الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح) (٤)؛ أي: وكذا المرأة الصالحة والمراد غالب رؤياهم، وإلا فالصالح قد يرى الأضغاث ولكنه نادر (جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة) وما ساقه المصنف جزء من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة»؛ وفي رواية: «الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له، جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة»؛ وفي رواية: «رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» (٥).

стр. 1509

لأن الوحي ابتدئ بالرؤيا الصالحة ﴿وكان ذلك ستة أشهر ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة﴾ (١)، ولأن فيها اطلاعا على الغيب من وجه ما. (و) قال ﷺ : «من رأى منكم ما يكره في منامه فإذا استيقظ فليتفل عن يساره (ثلاثا) نص الحديث: الرؤيا الحسنة من الله، والحلم من الشيطان، فمن رأى شيئا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثا - وليتعوذ من الشيطان فإنها لا تضره» (٢)، (وليقل: اللهم إني أعوذ بك من شر ما رأيت في منامي أن يضرني في ديني ودنياي) فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا فزع أحدكم في منامه فليقل: «بسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه، وشر عقابه، وشر عباده، وشر الشياطين، وأن يحضرون» (٣)، والرؤيا ثلاثة: ١ - رؤيا بشرى من الله . ٢ - ورؤيا مما يحدث الإنسان نفسه. ٣ - ورؤيا من تحزين الشيطان. فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدث به وليقم، وليصل، والقيد في المنام ثبات في الدين والغل أكرهه (٤). ففي هذا الحديث بيان بأقسام الرؤيا، فعن عوف بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الرؤيا ثلاث: منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته، فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» (٥)، وقد استوفينا آداب الرؤيا، وشروط المعبرين لها،

стр. 1510

وأوقاتها وما يتعلق بذلك في أصل هذا المختصر من المناهل الزلالة فلينظر، والله الموفق. • آداب التثاؤب والعطاس: (ومن تثاءب فليضع يده) اليمنى ظاهرها أو باطنها (على فيه) فإذا زال عنه التثاؤب نفث ثلاثا إن كان في غير صلاة لحديث أبي سعيد الخدري ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فمه فإن الشيطان يدخل» (١)، وفي رواية: «إذا تثاءب أحدكم في الصلاة، فليضع يده على فيه، فإن الشيطان يدخل مع التثاؤب» (٢)، وثبت عنه ﷺ : «إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله، وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان» (٣). (ومن عطس) خارج الصلاة (فليقل: الحمد لله) وقيل: يزيد رب العالمين (وعلى من سمعه يحمد الله أن يقول له: يرحمك الله) ففي صحيح «البخاري»: «إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم» (٤). وعن أنس ﵁: «أنه ﷺ عطس عنده رجلان فشمت أحدهما، ولم يشمت الآخر، فقال الذي لم يشمته: عطس فلان فشمته، وعطست فلم تشمتني، فقال: هذا حمد الله، وأنت لم تحمد الله» (٥)، وعنه أنه قال: «إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه» (٦).
следующие страницы →