← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الشرح (ويجب الوضوء من زوال العقل) (١)؛ أي: من الأسباب المؤدية إلى الحدث، وموجبة للوضوء بعد زوالها، زوال العقل بمعنى استتاره لا ذهابه بالكلية، إذ لو ذهب بالكلية لم يعد، وصار صاحبه غير مكلف، إذ الغرض في إنسان يلحقه ما ذكر من نحو نوم أو إغماء ثم يعود له عقله فيحكم عليه بوجوب الوضوء. (بنوم مستتقل) بفتح القاف؛ أي: أن النوم الثقيل ينقض الوضوء مطلقا طال أو قصر لقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [المائدة: ٦] قال مالك: إن ذلك إذا قمتم من المضاجع؛ يعني: النوم، قال الزرقاني: وهذا التفسير موافق لقول أكثر السلف اهـ (٢). وعن الحسن رحمه الله تعالى: «إذا استثقل الرجل نوما، قائما، أو قاعدا، أو مضطجعا، توضأ» (٣). ولحديث صفوان بن عسال المتقدم، وحقيقة النوم الثقيل أنه الذي يخالط القلب ولا يشعر صاحبه بما فعل - مبنيا للمفعول - سواء فعله أو فعل غيره، ومفهوم قوله: مستثقل أن الخفيف الذي يشعر صاحبه بأدنى سبب لا ينقض مطلقا قصيرا كان أو طويلا (٤)، لما روى نافع أن ابن عمر ﵁: «كان ينام جالسا ثم يصلي ولا يتوضأ» (٥)، لكن يستحب الوضوء من النوم الخفيف الطويل، ولم يشترط الاستثقال في غيره فقليل ما سواه وكثيره

стр. 177

سواء (١)، وأن يكون النائم ممكنا مقعدته من الأرض متربعا، لأنه لا يمكن معها خروج الريح. (أو إغماء) قال مالك: ومن أغمي عليه فعليه الوضوء، والإغماء زوال العقل مع استرخاء في الأعضاء، وسواء كان إغماء خفيفا أم ثقيلا، ولئن كان النقض ثابتا للنوم بالأحاديث مع أن صاحبه إذا أيقظوه استيقظ فالمذكورات سواه من باب أولى وعليه الإجماع (٢)، وقد استدل البعض بحديث اغتساله ﷺ لما أغمي عليه في مرضه الذي مات فيه فقال: «ضعوا لي ماء في المخضب ثم ذهب لينوء، فأغمي عليه» (٣)، وطلبه ليغتسل به دليل في حده الأدنى على الوضوء الذي هو أقل من الغسل، والله أعلم، والإجماع قاض بالوضوء على كل حال. (أو سكر)؛ يعني: أن من غاب عقله بسبب سكر فعليه الوضوء، ولا تفصيل بين السكر بحرام أو حلال، كأن شرب لبنا حامضا فسكر منه. (أو تخبط جنون) الأولى حذف تخبط، لأن زوال العقل يكون بالجنون، والتخبط مصاحب لزوال العقل لا أنه سبب له، وإنما وجب الوضوء بسبب الجنون والسكر والإغماء لأنه لما وجب بالنوم مع كونه أخف حالا منها لأنه يزول بيسير الانتباه، وقد وقع الإجماع على أن الوضوء ينتقض بما ذكر قال النووي رحمه الله تعالى: «أجمعت الأمة على انتقاض الوضوء بالجنون، والإغماء، وقد نقل الإجماع فيه ابن المنذر وآخرون» (٤). وفي كلام المؤلف دليل على القول منه بمس الجان للإنسان وتلبسه به،

стр. 178

وقد جاء في القرآن والسنة ما يدل على ذلك ولا عبرة بخلافه (١). • اللمس للمرأة بشهوة: (ويجب الوضوء من الملامسة)؛ أي: من الأسباب المؤدية إلى الحدث الملامسة، فإذا لمس البالغ امرأة غير محرم تشتهى عادة انتقض وضوءه إذا قصد اللذة وجدها أو لم، أو وجدها دون قصد، فإن لم يقصد ولم يجد فلا نقض، واللمس هنا هو ما دون الجماع على ما فسر به جماعة من الصحابة والتابعين ومالك وأصحابه قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ [النساء: ٤٣] قال ابن العربي: ولم يختلف عن ابن مسعود أن الملامسة ما دون الجماع (٢)، وعن سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر ﵁ أنه كان يقول: «قبلة الرجل امرأته، وجسها بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها بيده، فعليه الوضوء» (٣)، قال ابن عبد البر: وحمل الظاهر والعموم على التصريح أولى من حمله على الكناية (٤). (للذة) حاصل فقه المسألة أن اللامس إن كان قاصدا اللذة وجب عليه الوضوء بمجرد الملامسة وجد لذة أو لا، وأولى إن قصد ووجد وإن لم يكن قاصدا اللذة بل كان قاصدا بالملامسة الاختبار هل الجسم صلب أو لا، ولكنه وجد لذة فيجب عليه الوضوء لوجود اللذة، أما إن لم يقصد ولم يجد فلا شيء عليه. هذا حكم اللامس، وأما الملموس فإن بلغ والتد توضأ وإلا فلا شيء عليه ما لم يقصد اللذة، وإلا صار حكمه حكم اللامس، فلا ينقض لحديث عائشة ﵁ قالت: «كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي، في قبلته فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما»، قالت: والبيوت

стр. 179

يومئذ ليس فيها مصابيح (١). • القبلة: (والقبلة للدة) القبلة بضم القاف، ضم فم على فم، ظاهر كلامه أن التقبيل مطلقا على الفم أو غيره يجري على القصد أو الوجدان، وليس كذلك، بل المشهور أن القبلة على الفم تنقض مطلقا قصد ووجد أم لا، لأنها مظنة اللذة، لحديث ابن عمر ﵄: «قبلة الرجل امرأته، وجسها بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها بيده، فعليه الوضوء» (٢)، ما لم تكن قرينة صارفة للذة، فإن وجدت فلا، وهو ظاهر كلام المصنف، لحديث عائشة ﵂ أنها قالت: «إن رسول الله ﷺ قبل امرأة من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قال عروة: فقلت لها: ومن هي إلا أنت؟ فضحكت» (٣)، وفي رواية: «أن النبي ﷺ قبلها ولم يتوضأ» (٤). مس الذكر: (ومن مس الذكر)؛ أي: من الأسباب المؤدية إلى الحدث مس الذكر لما في «الموطأ» وغيره أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ» (٥). قال التتائي: رجح مالك حديث بسرة إما لكونه أصح سندا، أو روايته أكثر، أو لأنه متأخر فيكون ناسخا (٦). وروى مالك عن مصعب بن

стр. 180

سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت فقال سعد: «لعلك مسست ذكرك»؟ قال: فقلت نعم. فقال: «قم، فتوضأ». فقمت فتوضأت، ثم رجعت (١). والمعتبر في المس إذا كان بباطن الكف أو بباطن الأصابع أو بجنبيهما، و «ألـ» في الذكر للعهد، والمعهود ذكر الماس لا ذكر غيره. وأما ذكر الغير فيجري على حكم الملامسة من اعتبار القصد أو الوجدان، ولا بد أن يكون الذكر متصلا بالبدن، وأما المنفصل عن البدن فلا نقض بمسه. ويعتبر في الخنثى الإشكال وعدمه، فإن كان مشكلا نقض مسه، وإن كان غير مشكل اعتبر في حقه ما حكم له به، فإن حكم له بالذكورة نقض وإلا فلا، ويفصل في المس من فوق الحائل، فإن كان كثيفا فلا نقض قولا واحدا، للحديث الآنف الذكر وفي بعض ألفاظه «ليس دونها حجاب»، وإن كان خفيفا فالمشهور عدم النقض. ولا نقض بمس الدبر والأنثيين على المشهور (٢). • مس المرأة فرجها: واختلف في النقل عن مالك في مس المرأة فرجها في إيجاب الوضوء بذلك فمذهب المدونة عدم النقض لما في الحديث: «إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ» ورد هذا المذهب بأنه مفهوم لقب، ومفهوم اللقب لا يعتبر في الحجية (٣). واستند القائل بالنقض لحديث: «من مس فرجه

стр. 181

«فليتوضأ» (١) لأن الفرج لغة العورة، فيقع على الذكر وفرج المرأة، وقد ثبت في «مسند أحمد» و «سنن البيهقي» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ» (٢). وللإمام أربع تأويلات: سقوط الوضوء، إيجابه، استحبابه، التفرقة بين الإلطاف وعدمه» (٣). والإلطاف أن تدخل يديها بين شفريها، وهذا آخر الكلام على ما يجب من الوضوء. وأما ما يجب منه الغسل فسيأتي بيانه. • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويجب الطهر مما ذكرنا من خروج الماء الدافق للذة في نوم أو يقظة من رجل أو امرأة، أو انقطاع دم الحيضة أو الاستحاضة أو النفاس، أو بمغيب الحشفة في الفرج وإن لم ينزل. ومغيب الحشفة في الفرج يوجب الغسل، ويوجب الحد، ويوجب الصداق، ويحصن الزوجين، ويحل المطلقة ثلاثا للذي طلقها، ويفسد الحج، ويفسد الصوم). باب في موجبات الغسل • المني: (ويجب الطهر مما ذكرنا من خروج الماء الدافق للذة في نوم أو يقظة من رجل أو امرأة)؛ أي: أنه يجب الغسل من خروج المني بلذة معتادة سواء خرج في نوم، أو يقظة، من رجل أو امرأة، لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا

стр. 182

فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]، ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما الماء من الماء» (١). هذا الحديث وإن كان حكمه أن من جامع امرأته ولم ينزل ألا غسل عليه إلا أنه منسوخ بأحاديث التقاء الختانين، ولكن لتعلم أن حكمه باق فيمن أنزل دون جماع كالاحتلام ونحو ذلك، ولذلك قال ابن عباس ﵁: «إنما الماء من الماء في الاحتلام» (٢). ولحديث أم سلمة، قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النبي ﷺ : «إذا رأت الماء فغطت أم سلمة؛ تعني: وجهها، وقالت: يا رسول الله أو تحتلم المرأة؟ قال: نعم، تربت يمينك، فبم يشبهها ولدها» (٣). وعن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما. قال: «يغتسل»، وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولا يجد البلل. قال: «لا غسل عليه فقالت: أم سليم المرأة ترى ذلك أعليها غسل؟ قال: نعم. إنما النساء شقائق (٤) الرجال» (٥). وقوله للذة احتراز من الخارج بغير لذة فإنه لا يوجب غسلا قياسا على المذي، ودم الاستحاضة، ولا يشترط في وجوب الغسل من خروجه للذة أن تكون اللذة مقارنة للخروج، فقد يجب الغسل لخروجه بعد ذهاب اللذة، كأن يلتذ بغير جماع ثم يخرج منه المني بعد ذهابها.

стр. 183

قال ابن عمر الأنفاسي: ذكر خروجه (أي: المني) وسكت عن دخوله وهو إذا جامع دون الفرج، وأنزل فدخل منيه في فرجها، فقيل: عليها الغسل مطلقا؛ وقيل: إلا أن تلتذ، وقيل: إلا أن تنزل اهـ (١)، والذي يظهر لي لا غسل عليها، كما قال في «المختصر»، إذ لا دليل على إيجاب ما لم يوجبه الشرع. انقطاع دم الحيض والنفاس: (أو انقطاع دم الحيضة) الصواب أن يقول دم الحيض، لأنه أعم من الحيضة إذ هي خاصة بما تقدمها طهر فاصل، وتأخر عنها طهر فاصل، فأول دم خرج لا يقال له حيضة، وكذلك آخر دم. الحيض لغة: السيلان، يقال حاضت السمرة (نوع من شجر البادية)، تحيض حيضا سال صمعها، وحاضت المرأة حيضا سال دمها. وشرعا: هو الدم الخارج بنفسه من فرج المرأة الممكن حملها عادة غير زائد على خمسة عشر يوما (٢)، ويكون خروجه لغير مرض ولا ولادة، فالدم الخارج لا بنفسه، والخارج من الدبر، والخارج من الصغيرة كبنت سبع سنين أو سبعين سنة، والزائد على خمسة عشر يوما، والخارج بسبب مرض، والخارج لأجل الولادة لا يكون حيضا حتى تترتب عليه أحكامه. والدليل على وجوب الغسل قول الله: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢]، قال ابن عباس: «حتى يطهرن»؛ أي: من الدم ﴿فإذا تطهرن﴾؛ أي: بالماء، وإليه ذهب مالك وجمهور العلماء، وأن الطهر الذي يحل به جماع الحائض الذي يذهب عنها الدم هو تطهرها بالماء كطهر الجنب، ولا يجزئ من ذلك تيمم ولا غيره (٣)، ولحديث

стр. 184

عائشة ﵂ قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله ﷺ : يا رسول الله إني لا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي» (١)، وفي رواية للبخاري: «ثم اغتسلي، وصلي» (٢). (أو الاستحاضة) انظر كيف جعل انقطاع دم الاستحاضة من موجبات الغسل، والذي رجع إليه مالك آخرا استحباب الغسل، وكان أولا يقول: إنها لا تغتسل، وليس من أهل المذهب من يقول بالوجوب إلا الباجي على ما يؤخذ من ظاهر نقله، هكذا قال كثير من الشراح منهم ابن ناجي (٣)، لكن يظهر من كلام الباجي القول بالاستحباب لا الوجوب والله أعلم (٤). إلا أنه يمكن أن يستدل له بحسب الظاهر وحمله على الوجوب بحديث عائشة قالت: «استحيضت زينب بنت جحش، فقال لها النبي ﷺ : «اغتسلي لكل صلاة»» (٥). (أو النفاس)؛ أي: من موجبات الغسل النفاس. والنفاس لغة: بالكسر اسم من نفست المرأة تنفس فهي نفساء وهو الولادة، ويقال للدم الذي يخرج من المرأة عند الولادة، وقد يطلق على الحيض نفاس. والنفاس في اصطلاح أهل الشرع: «الدم الخارج من الفرج لأجل الولادة على جهة الصحة والعادة» (٦)؛ وهو من موجبات الغسل إذا انقطع عن المرأة قبل تمام المدة المحددة شرعا، أو بعدها حيث صار استحاضة وذلك

стр. 185

لحديث عائشة لا قالت: نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر، بالشجرة (١)، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر يأمرها أن تغتسل وتهل (٢) (٣)، وغسلها للاستحباب فدل أنها إذا طهرت وجب الغسل للعبادات. وأكثر النفاس أربعون يوما لحديث أم سلمة لا قالت: «كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ أربعين يوما» (٤)، وقال الترمذي بعد هذا الحديث - وقد أجمع أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين ومن بعدهم، على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما، إلا أن ترى الظهر قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي، فإن رأت الدم بعد الأربعين، فإن أكثر أهل العلم قالوا: «لا تدع الصلاة بعد الأربعين، ولم يعول مالك والشافعي على هذا الحديث، وإن كان قد روي عن مالك الأربعين قال الحطاب: ولا عمل عليه» (٥)، قال ابن العربي: وهذا الباب بجملته لا يصح فيه خبر عن النبي ﷺ بحال، وإنما المعتبر فيه الوجود وقد قال الأوزاعي: وعندنا امرأة تنفس ستين يوما، وحكى الطحاوي عن الليث عن بعضهم سبعين يوما اهـ (٦). وقال الحافظ ابن عبد البر (٧): كان الإمام مالك يقول أقصى النفاس ستون يوما ثم رجع فقال: يسأل عن ذلك النساء؛ وبقي أصحابه على أن أكثره ستون يوما. تنبيه: هل تغتسل المرأة إذا خرج الولد جافا؟ نعم يجب الغسل على المشهور (٨).

стр. 186

مغيب الحشفة في الفرج: (أو بمغيب الحشفة (١) في الفرج وإن لم ينزل)؛ يعني: أن من موجبات الغسل مغيب الحشفة من البالغ في الفرج وإن لم ينزل، سواء كان فرج آدمية أو بهيمة أو في الدبر، وسواء في ذلك دبر الأنثى والذكر، وسواء كان معه انتشار أو لا، وسواء لف عليها خرقة أم لا. والأصل في ذلك حديث عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا جاوز الختان الختان (٢)، وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا» (٣). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب الغسل» (٤)، ولمسلم: «وإن لم ينزل» (٥). وهذا الحديث ناسخ لما رواه مسلم من قوله: «إذا أعجلت أو قحطت فعليك الوضوء» (٦)، ولما روي من قوله: «إنما الماء من الماء». قال العيني هذا الحكم منسوخ وقال النووي اعلم أن الأمة مجتمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع وإن لم يكن معه إنزال وعلى وجوبه بالإنزال؛ أي: وإن لم يكن معه جماع (٧).

стр. 187

أحكام تترتب على مغيب الحشفة (١): (ومغيب الحشفة في الفرج) تقدم أن مغيب الحشفة من موجبات الغسل، وإنما أعاده لجمع النظائر: (يوجب الحد)؛ أي: حد الزنى على الزاني فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة، والرجم» (٢)، وعن زيد بن خالد ﵁ عن رسول الله ﷺ : «أنه أمر فيمن زنى، ولم يحصن بجلد مائة، وتغريب عام» (٣). (ويوجب الصداق)؛ أي: كماله لأن العقد موجب لنصفه، قال تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧]، روى مالك في «الموطأ» عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى في المرأة إذا تزوجها الرجل أنه إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق (٤). (و) أنه (يحصن الزوجين) بشرط أن يكونا حرين مسلمين عاقلين بالغين، قال تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾ [النساء: ٢٤].

стр. 188

ويحل المطلقة ثلاثا للذي طلقها وهو الحر لقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠] ولحديث عائشة ﵂ أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها فتزوجت آخر فأتت النبي ﷺ فذكرت له أنه لا يأتيها وأنه ليس معه إلا مثل هدبة، فقال: «لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» (١)، لكن يشترط في التحليل للمطلقة ثلاثا أن يكون مع التغييب انتشار، والحاصل أنه لا يشترط الانتشار في الثلاثة الأول، وأما تحصين الزوجين والمطلقة ثلاثا فلا بد من الانتشار وعدم الحائل. (ويفسد الحج) مطلقا فرضا كان أو تطوعا، عمدا كان أو نسيانا، إذا وقع قبل الوقوف بعرفة أو بعده قبل طواف الإفاضة ورمي جمرة العقبة في يوم النحر، ويتمادى على حجه ويقضيه من قابل للإجماع على ذلك عند العلماء. قال تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ [البقرة: ١٩٧]؛ قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن من جامع عامدا قبل وقوفه بعرفة عليه حج قابل والهدي» (٢). وروى مالك في «الموطأ» (٣) أن عمر وعليا وأبا هريرة ﵃ سئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج؟ فقالوا: «ينفذان يمضيان لوجههما حتى يقضيا حجهما، ثم عليهما حج قابل والهدي». (ويفسد الصوم)؛ أي: وإن لم يكن معه انتشار فرضا كان أو نفلا، عمدا كان أو نسيانا، ويلزمه القضاء والكفارة في الفرض إن تعمد إجماعا (٤)، لحديث الأعرابي الذي جامع أهله في نهار رمضان فقال: «أصبت أهلي، وأنا صائم في رمضان».

стр. 189

فقال له رسول الله: «هل تستطيع أن تعتق رقبة؟» فقال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تهدي بدنة؟»، قال: لا، قال: «فاجلس». فأتي رسول الله ﷺ بعرق (١) تمر. فقال: «خذ هذا، فتصدق به». فقال: ما أحد أحوج مني، فقال: «كله، وصم يوما مكان ما أصبت» (٢)، وإلا فالقضاء فقط كالعمد في النفل. • علامات طهر المرأة الحائض والنفسا: لما أنهى الشيخ كلامه عن موجبات الغسل، شرع يتكلم عن أحكام تختص بها المرأة، إذ من موجبات الغسل انقطاع دم الحيض والنفاس، ولا بد من علامات تميز الحيض من الطهر. فقال رحمه الله تعالى: (وإذا رأت المرأة القصة البيضاء تطهرت، وكذلك إذا رأت الجفوف تطهرت مكانها: رأته بعد يوم أو يومين أو ساعة، ثم إن عاودها دم، أو رأت صفرة أو كدرة تركت الصلاة، ثم إذا انقطع عنها اغتسلت وصلت، ولكن ذلك كله كدم واحد في العدة والاستبراء حتى يبعد ما بين الدمين، مثل ثمانية أيام أو عشرة، فيكون حيضا مؤتنفا. ومن تمادى بها الدم بلغت خمسة عشر يوما، ثم هي مستحاضة، تتطهر، وتصوم، وتصلي، ويأتيها زوجها.

стр. 190

وإذا انقطع دم النفساء وإن كان قرب الولادة اغتسلت وصلت، وإن تمادى بها الدم جلست ستين ليلة، ثم اغتسلت، وكانت مستحاضة تصلي وتصوم وتوطأ). الشرح قوله: (وإذا رأت المرأة القصة البيضاء (١) تطهرت، وكذلك إذا رأت الجفوف تطهرت مكانها … إلخ): لما ذكر أن من موجبات الغسل دم الحيض انتقل يبين العلامة الدالة على انقطاعه، فذكر له علامتين القصة، والجفوف، فإذا رأت الحائض إحدى العلامتين فقد استبان طهرها، ويحكم لها من ساعتئذ بأنها طاهرة، لما روى مالك عن أم علقمة مرجانة مولاة عائشة ﵂ أنها قالت: «كان النساء يبعثن إلى عائشة أم المؤمنين، بالدرجة (٢) فيها الكرسف، فيه الصفرة من دم الحيضة، يسألنها عن الصلاة. فتقول لهن: «لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء». تريد بذلك الطهر من الحيضة» (٣). وروى مالك أيضا عن عبد الله بن أبي بكر عن عمته عن ابنة زيد بن ثابت أنه بلغها أ «ن نساء كن يدعون بالمصابيح من جوف الليل، ينظرن إلى الظهر، فكانت تعيب ذلك عليهن وتقول: ما كان النساء يصنعن هذا» (٤). (رأته بعد يوم أو يومين أو ساعة … إلخ)؛ أي: الطهر المفهوم من قوله

стр. 191

تطهرت يشير إلى أنه لا حد لأقل الحيض باعتبار الزمن، وأما باعتبار المقدار فله أقل وهو الدفعة، وذلك لأن الله قال: ﴿ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فإذا وجد الأذى وجد الحيض، سواء كان أكثر من يوم وليلة أو أقل، فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما، وقد أمر الله باعتزال النساء في المحيض، ولم يحده بحد، بل علق الحكم على وجوده، فيجب اعتزالها ولو كان الدم أقل من يوم وليلة، وقد علق الرسول ﷺ أحكام الحيض على ما يدور مع علته وجودا وعدما، وقد أمر الله باعتزال النساء في المحيض، ولم يحده بحد، بل علق الحكم على وجوده، فيجب اعتزالها ولو كان الدم أقل من يوم وليلة، وقد علق الرسول ﷺ أحكام الحيض على إقبال الحيض وإدباره، ولم يعلقه بمضي مدة معينة، فعلم أن لا تحديد لأقل الحيض، كما في حديث فاطمة بنت أبي حبيش: «فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها، فاغسلي عنك الدم وصلي» (١)، ثم إنه قياسا على النفاس الذي لا حد لأقله، والحيض والنفاس أحكامهما متشابهة (٢)، وأما أكثره فلا حد له باعتبار المقدار، وله حد باعتبار الزمن وهو خمسة عشر يوما، (ثم إن عاودها دم)؛ أي: أن من رأت علامة الظهر وحكم بأنها طهرت من ساعتئذ؛ أي: من وقت أن رأت الظهر، إن عاودها دم آخر (أو رأت صفرة) شيء كالصديد تعلوه صفرة (أو كدرة) (٣) شيء كدر ليس على ألوان الدماء، (تركت الصلاة)؛ أي: فإنها حينئذ تترك الصلاة وتحسب ذلك اليوم يوم حيض، وتجعله كله حيضا واحدا، لحديث عائشة المار قريبا وفيه قولها: «لا

стр. 192

تعجلن حتى ترين القصة البيضاء تريد بذلك الطهر من الحيضة وبلغ بنت زيد ابن ثابت: أن نساء يدعون بالمصابيح من جوف الليل ينظرن إلى الظهر، فقالت: «ما كان النساء يصنعن هذا وعابت عليهن» (١)، وكانت عائشة تنهى النساء أن ينظرن إلى أنفسهن في المحيض ليلا، وتقول: «إنه قد تكون الصفرة والعدرة»» (٢). ومحل كونه حيضا واحدا إذا أتاها قبل طهر تام، أو كان انقطاعه أولا قبل تمام عادتها أو بعدها، وقبل الاستظهار أو قبل تمامه، وأما إذا أتاها بعد طهر تام أو كان انقطاعه بعدما تمادى بها عادتها وأيام الاستظهار لا يكون حيضا بل استحاضة. (ثم إذا انقطع عنها)؛ أي: إذا انقطع عن المرأة ذلك الدم الذي عاودها اغتسلت وصلت ولا تنتظر هل يأتيها دم آخر أو لا، ويعبر عن هذه المسألة بمسألة الملفقة وهي التي تقطع طهرها؛ أي: تخلله دم، ولعل ما يستدل لهذا أن أنس بن سيرين قال: «استحيضت امرأة من نسائه فأمروني فسألت ابن عباس ﵄ فقال: «إذا رأت الدم البحراني (٣) فلا تصلي، وإذا رأت الظهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي»» (٤) والله أعلم. (ولكن ذلك)؛ أي: أن الدم المتخلل يعتبر (كله كدم واحد في باب العدة والاستبراء)؛ بمعنى أنها تلفق أيام الدم بعضها إلى بعض حتى تنتهي لما هو حكمها من عادة أو غيرها ثم تكون مستحاضة (حتى يبعد ما بين الدمين)؛ أي: أن محل كون الدم المتخلل يعتبر كدم واحد في باب العدة

стр. 193

والاستبراء إن لم يبعد ما بين الدمين فإن بعد ما بينهما بعدا بينا بأن يكون أقل زمن الطهر وهو ثمانية أيام عند سحنون أو عشرة عند حبيب، وإن كان المشهور خمسة عشر يكون الثاني منهما حيضا مؤتنفا؛ أي: مبتدأ تعتد به وحده في العدة والاستبراء، وعليه المختصر قال التتائي: وقول المصنف: (أو) ليست للتخيير وإنما للإخبار بأن في المسألة قولا آخر (١). (ومن تمادى بها الدم بلغت خمسة عشر يوما)؛ يعني: أن من استرسل عليها نزول الدم فإنها تتربص خمسة عشر يوما إن كانت مبتدأة لأن أكثر الحيض في حقها خمسة عشر يوما، (ثم هي) في حكم الـ (مستحاضة) بعد ذلك، ميزت بين الدمين أولا، فـ (تتطهر وتصوم وتصلي ويأتيها زوجها) لحديث أم سلمة زوج النبي ﷺ أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ فقال: «لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت (٢) ذلك فلتغتسل، ثم لتستغفر (٣) بثوب، ثم لتصل فيه» (٤)، وقولنا إن كانت مبتدأة احتراز عن غير المبتدأة، فإن فيها تفصيلا لأنها إما أن تختلف عادتها أو لا، فإن لم تختلف، واسترسل عليها الدم أكثر من عادتها استظهرت بثلاثة أيام ما لم تجاوز خمسة عشر يوما، وإن اختلفت استظهرت على أكثر عادتها وقد استفاض عن السلف من التابعين فمن بعدهم أن أكثر المتمادي من الدم خمسة عشر يوما (٥)، قال ابن عباس:

стр. 194

تغتسل وتصلي ولو ساعة ويأتيها زوجها، إذا صلت الصلاة أعظم (١)، وعنه هـ قال: «المستحاضة لا بأس أن يأتيها زوجها» (٢) ولأبي داود من وجه آخر عن عكرمة قال: «كانت أم حبيبة تستحاض وكان زوجها يغشاها» وهو حديث صحيح إن كان عكرمة سمعه منها (٣). فائدة في عد من استحيضت من النساء زمن النبي ﷺ -: نظم السيوطي في قلائد الفوائد تسعا فقال: قد استحيضت في زمان المصطفى … تسع نساء قد رواها الراوية بنت جحش سودة فاطمة … زينب أسما سهلة وباديه قال الزرقاني: فعد بنت أبي سلمة وأسقط أم سلمة وأسماء بنت عميس أو بنت مرثد لأن النظم فيه أسماء واحدة وهما اثنتان فلو قال: قد استحيضت في زمان المصطفى … بنات جحش سهلة وباديه وهند أسما سودة فاطمة … وبنت مرثد رواها الراوية لوفى بالعشرة وسلم من عد زينب ابنة أم سلمة واسمها هند والله أعلم (٤). فرع: قال زروق: يجب على المرأة أن تتفقد طهرها عند النوم، ويتعين عليها في آخر وقت الصلاة بحيث عليها أداء الصلاة اهـ (٥).

стр. 195

فرع ثان: المشهور في المذهب أن الحامل تحيض (١). فرع ثالث: موانع الحيض والنفاس والجنابة: ١ - يمنع الحيض والنفاس وطء الزوج لزوجته إلى أن تطهر منهما، وتتطهر، وذلك لقول الله : ﴿ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢]، قرئ «يطهرن» بالتخفيف والتشديد، والتخفيف انقطاع الدم، والتشديد الاغتسال بالماء (٢). ولحديث أنس ﵁ قال: «أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبي ﷺ رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢] إلى آخر الآية، فقال رسول الله ﷺ : اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (٣). ٢ - يمنع الحيض والنفاس ومغيب الحشفة وإنزال المني، تلاوة القرآن لحديث علي ﵁ قال: «ولم يكن يحجبه - أو قال: يحجزه - عن القرآن شيء ليس الجنابة» (٤)، قال الحافظ (٥): وضعف بعضهم بعض رواته، والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة اهـ.

стр. 196

والحيض والنفاس لا يمنعان من قراءة القرآن عن ظهر قلب، ما داما على المرأة وذلك، لأنها لا يمكنها رفع الحدث في هذه الحالة، فربما أضر بحفظها، وسنسوق كلام القاضي عبد الوهاب في هذا. ولا بأس بالتعوذ به، والاستدلال لحكم، ورقية، بالآية ونحوها (١). وأما مس المصحف فيجب له الوضوء ومن باب أولى الطهارة من الجنابة والحيض والنفاس، لورود النهي عن مسه من غير طهارة، لقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة: ٧٩] ولحديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم مرسلا أنه قد أتاهم كتاب رسول الله ﷺ وفيه: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر» (٢). ٣ - يمنع كل من عليه حدث أكبر دخول المسجد لحديث عائشة ﵂ قالت: جاء رسول الله ﷺ وبيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب (٣) والله أعلم. والصحيح أن هذه الموجبات تمنع المكث لا الدخول لقوله تعالى: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ [النساء: ٤٣]. وعلى هذا الخلاف أشار خليل بقوله: ودخول مسجد ولو مجتازا» (٤).

стр. 197

٤ - ويمنع كل ممن ذكرنا ممن ليس فرضه التيمم من الصلاة والطواف بالبيت الحرام أما الصلاة فلقوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ [النساء: ٤٣] قال مالك: أي: لا تفعلوا في حال السكر صلاة، ولا تفعلوها وأنتم جنب إلا عابري سبيل؛ أي: وأنتم مسافرون بالتيمم (١). وأما الطواف فلأنه صلاة وقد قال النبي ﷺ لعائشة ﵂: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (٢). تنبيه: رخص مالك للمرأة الحائض الحافظة للقرآن أن تقرأ القرآن خشية التفلت منها، ونعمت الرخصة من أهلها (٣). (وإذا انقطع دم النفساء وإن كانت بقرب الولادة) بأن رأت بقرب الولادة العلامة الدالة على انقطاعه من القصة والجفوف (اغتسلت) على الراجح في المذهب، وذلك لأن الولادة بلا دم مظنة خروج الدم الموجب، فتعلق الحكم بها، وبناء على إعطاء الصورة النادرة حكم غالبها (٤)، (وصلت). وفهم من قوله بقرب الولادة أنه لا حد لأقل النفاس باعتبار الزمن، وله أقل باعتبار الخارج وهو الدفعة (وإن تمادى بها الدم جلست ستين ليلة ثم اغتسلت)؛ يعني: أن النفساء إذا استرسل عليها الدم تمكث ستين يوما أكثر أمده على المشهور (٥)، وهذا أحد قولي مالك ورجع عنه وشهره ابن بزيزة واقتصر عليه صاحب «المختصر»، فإن انقطع بعد الستين فالأمر ظاهر؛ أي:

стр. 198

تغتسل، وإن تمادى عليها الدم بعد الستين (وكانت مستحاضة تصلي وتصوم وتوطأ)؛ أي: يأتيها زوجها لما مر في المستحاضة قياسا عليها، وأكثر النفاس على الراجح - والله أعلم - أربعون يوما وهو قول الصحابة ل كما تقدم قريبا، قال الحافظ ابن عبد البر (١): كان الإمام مالك يقول أقصى النفاس ستون يوما ثم رجع فقال: يسأل عن ذلك النساء، وبقي أصحابه على أن أكثره ستون يوما. اه (٢). قال سند بن عنان بن إبراهيم الأزدي (٣): المعروف من المذهب الفرق بين بابي العبادة والعدة لأن المقصود من العدة براءة الرحم، وهي لا تحصل إلا بالدفعة، وأيضا العدة احتياط للنسب وإباحة الوطء في الفرج فشدد فيه، لأنه أكد من العبادة اه (٤). تنبيه: كثير من النساء تظن أن النفساء لا بد لها أن تمكث أربعين يوما لا تصلي ولا تصوم ولا يأتيها زوجها، ظنا منهن أن هذه عطلة لازمة، والذي ينبغي أن تعرفه النساء أن دم النفاس ربما انقطع من اليوم الأول وربما نزل الولد جافا وربما بلغت ستين يوما أو أربعين فالنساء يختلفن في ذلك، ورحم الله مالكا حينما رجع عن قوله الذي كان يقول فيه: أنها تمكث ستين يوما فقد كان فقيها، ورد الأمر فيه للنساء لأنهن أخبر به.

стр. 199

باب الطهارة وأحكام اللباس • قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب طهارة الماء والثوب والبقعة وما يجزئ من اللباس في الصلاة والمصلي يناجي ربه، فعليه أن يتأهب لذلك بالوضوء، أو بالظهر إن وجب عليه الظهر، ويكون ذلك بماء طاهر غير مشوب بنجاسة، ولا بماء قد تغير لونه لشيء خالطه من شيء نجس، أو طاهر، إلا ما غيرت لونه الأرض التي هو بها من سبحة أو حمأة أو نحوهما. وماء السماء، وماء العيون، وماء الآبار، وماء البحر طيب طاهر مطهر للنجاسات، وما غير لونه بشيء طاهر حل فيه، فذلك الماء طاهر غير مطهر في وضوء أو طهر أو زوال نجاسة، وما غيرته النجاسة فليس بطاهر ولا مطهر. وقليل الماء ينجسه قليل النجاسة وإن لم تغيره (١). وقلة الماء مع إحكام الغسل سنة، والسرف منه غلو وبدعة. وقد توضأ رسول الله ﷺ بمد وهو وزن رطل وثلث، وتطهر بصاع وهو أربعة أمداد بمده ﵊. وطهارة البقعة للصلاة واجبة، وكذلك طهارة الثوب فقيل: إن ذلك فيهما واجب وجوب الفرائض، وقيل: وجوب السنن المؤكدة. وينهى عن الصلاة في معاطن الإبل، ومحجة الطريق، وظهر بيت الله الحرام، والحمام حيث لا يوقن منه بطهارة، والمزبلة، والمجزرة، ومقبرة المشركين وكنائسهم.

стр. 200

وأقل ما يصلي فيه الرجل من اللباس ثوب ساتر من درع أو رداء، والدرع: القميص. ويكره أن يصلي بثوب ليس على أكتافه منه شيء، فإن فعل لم يعد، وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة الدرع الحصيف السابغ الذي يستر ظهور قدميها، وخمار تتقنع به، وتباشر بكفيها الأرض في السجود مثل الرجل). الشرح (باب طهارة الماء … إلخ)؛ أي: هذا باب في بيان اشتراط طهارة الماء وفي بيان اشتراط طهارة الثوب، وفي بيان اشتراط طهارة البقعة، وفي بيان اشتراط ما يجزئ من اللباس في الصلاة. الطهارة: لغة بفتح الطاء النزاهة والنظافة من الأدناس والأوساخ، وتستعمل مجازا في التنزيه عن العيوب فيقال فلان طاهر العرض. وشرعا: صفة حكمية توجب لموصوفها جواز استباحة الصلاة به أو فيه أو له (به)؛ أي: بملابسه من ثوب، وبدن، وماء، وكل ما يجوز للمصلي ملابسته، فيه؛ أي: المكان (له) يريد المصلي. • الحكمة في مشروعية الطهارة بين يدي الصلاة: الشرح (والمصلي يناجي ربه … إلخ) افتتح الباب بقوله والمصلي يناجي ربه، وهو جزء من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن المؤمن إذا كان في الصلاة، فإنما يناجي ربه، فلا يبزقن بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه﴾ (١)، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: «وكأن مقصود النبي ﷺ بذكر هذا: أن يستشعر المصلي في صلاته قرب الله منه، وأنه بمرأى

стр. 201

منه ومسمع، وأنه مناج له وأنه يسمع كلامه ويرد عليه جواب مناجاته له. كما في «صحيح مسلم»، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : «إذا قال العبد: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، قال الله تعالى: حمدني عبدي» - وذكر رده عليه في آيات الفاتحة إلى آخرها. فمن استشعر هذا في صلاته أوجب له ذلك حضور قلبه بين يدي ربه، وخشوعه له، وتأدبه في وقوفه بين يديه، فلا يلتفت إلى غيره بقلبه ولا ببدنه، ولا يعبث وهو واقف بين يديه، ولا يبصق أمامه فيصير في عبادته في مقام الإحسان، يعبد الله كأنه يراه، كما فسر النبي ﷺ الإحسان بذلك في سؤال جبريل ﵇ له. اه (١). وإنما ذكر المصنف مناجاة المصلي لربه مع أنه ليس داخلا في الترجمة ليرتب عليه قوله (فعليه أن يتأهب لذلك بالوضوء)؛ أي: على المصلي أن يستعد لذلك؛ أي: للمناجاة بأن يكون حاضر القلب خاشعا مستحضرا عظمة من هو قائم بين يديه، ولا بد أن يتخذ الوسيلة لذلك بأن يكون طاهرا بالوضوء للانعدام صحة المشروط مع فقدان الشرط قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦] الآية، ولحديث عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول» (٢)، وحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ» (٣). (أو بالظهر إن وجب عليه الطهر)؛ أي: ويتهيأ للصلاة بتطهير نفسه من الجنابة إن وجب عليه ذلك ونحوها مما سبق من موجبات الاغتسال، لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ وقوله: ﴿حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من

стр. 202

﴿حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢]. أحكام المياه: الماء المطلق: (ويكون ذلك) التطهر من الأحداث (بماء طاهر غير مشوب بنجاسة، ولا بماء قد تغير لونه لشيء خالطه من شيء نجس أو طاهر)؛ أي: لم يخالطه ما يغير أحد أوصافه الثلاثة وهي: اللون أو الطعم أو الريح لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وسواء في ذلك المغير لأوصافه النجس والطاهر، حتى لو تغير بماء الورد الذي هو من الجواهر اللطيفة لا يصح استعماله في الوسائل كالوضوء والغسل لحديث أبي أمامة الباهلي … قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» (١)، قال ابن المنذر: [أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت له طعما أو لونا أو ريحا فهو نجس ما دام كذلك] (٢). الماء المتغير: (إلا ما غيرت لونه الأرض التي هو بها من سبخة (٣) أو حمأة أو نحوهما)؛ أي: أنه استثني من ذلك الماء الذي غيرت لونه الأرض التي هو متصل بها وملازم لها، بأن كان استقراره على أرض سبخة ونحوها من الأراضي التي بها ملح أو كبريت أو حمأة وهي طين أسود منتن، فإنه لا

стр. 203

تأثير لهذا النوع في حكم الإطلاق وقد اتفق أهل المذاهب الأربعة على ذلكوحكى النووي وغيره الإجماع (١). • أنواع المياه المطهرة: (وماء السماء، وماء العيون، وماء الآبار، وماء البحر طيب طاهر مطهر للنجاسات … ) هذه المياه التي ذكرها كلها طاهرة في نفسها طيبة لكل ما تستعمل فيه، سواء كان من العادات كالشرب ونحوه، أو من العبادات كالوضوء والغسل وإزالة النجاسة ما دامت باقية على أصل خلقتها لم تتغير بشيء ينفك عنها غالبا فماء السماء كالمطر والندي والثلج والبرد والجليد سواء ذاب بنفسه أو ذوب، لقوله تعالى: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ [الأنفال: ١١]، قال ابن عطية: الظهور بناء مبالغة في طاهر، وهذه المبالغة اقتضته في ماء السماء، وفي كل ما هو منه وبسبيله أن يكون طاهرا مطهرا اه (٢)، ولحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: «اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد» (٣). (وماء العيون، والآبار) لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قيل: يا رسول الله: إنه يستقى لك من بئر بضاعة - وهي بئر تلقى فيها لحوم الكلاب، وخرق المحائض وعذر الناس؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» (٤)، إلا آبار ثمود فقد منع النبي ﷺ استعمال مائها، لأنها آبار

стр. 204

غضب كما في حديث ابن عمر ﵄ (١)، ويجوز الوضوء بماء زمزم خلافا لابن … شعبان، لأن النبي ﷺ توضأ به ﷺ ليلة مرجعه من عرفة إلى مزدلفة (٢). قلت: ومقصود ابن شعبان أنه لا يستنجى به، أما الوضوء فقال بجوازه فليفهم ذلك (٣). وأما ماء البحر فلا تضر ملوحته ولا التغير الحاصل في أطرافه من الأسماك ونحوها لحديث أبي هريرة ﷺ قال: سأل رجل رسول الله ﷺ ، فقال يا رسول الله: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (٤). قال الرافعي: «لما عرف اشتباه الأمر على السائل في ماء البحر أشفق أن يشتبه عليه حكم ميتته، وقد يبتلى بها راكب البحر، فعقب الجواب عن سؤاله ببيان حكم الميتة. قال ابن العربي: وذلك من محاسن الفتوى، أن يجاء في الجواب بأكثر مما سئل عنه تتميما للفائدة، وإفادة لعلم غير المسئول عنه؛ ويتأكد ذلك عند ظهور الحاجة إلى الحكم كما هنا» (٥). (وما غير لونه)؛ أي: أن الماء الذي تغير لونه (بشيء طاهر حل فيه) كماء العجين، (فذلك الماء طاهر في نفسه غير مطهر لغيره، فلا يستعمل لا في وضوء أو طهر) كالغسل (٦) (أو زوال نجاسة) في ثوب أو مكان أو بدن.

стр. 205

• الماء المتنجس: (وما غيرته النجاسة فليس بطاهر ولا مطهر)؛ أي: أن الماء المتغير بنجس سواء كان التغير في لونه أو طعمه أو ريحه وسواء كان الماء قليلا أو كثيرا، كانت له مادة أو لا، مسلوب الطهارة والطهورية فلا يستعمل في العادات ولا في العبادات لحديث أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» (١). (وقليل الماء ينجسه قليل النجاسة وإن لم تغيره)؛ أي: أن الماء القليل كالماء المعد للوضوء أو الغسل إذا حلت فيه نجاسة ولو قليلة وإن لم تغيره نجس، فلا يجوز استعماله وهو قول ابن القاسم، والمشهور أنه طاهر لكنه مكروه الاستعمال مع وجود غيره، والفرض أنه لم يتغير، وإلا فهو مسلوب الطهورية قطعا. • النهي عن الإسراف في الماء: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقلة الماء مع إحكام الغسل سنة، والسرف منه غلو وبدعة … . وقد توضأ رسول الله ﷺ بمد وهو وزن رطل وثلث، وتطهر بصاع وهو أربعة أمداد بمده ﵊. الشرح قوله: (وقلة الماء مع إحكام)؛ أي: أن تقليل الماء حال الاستعمال مع إحكام أي إتقان (الغسل) وهو صب الماء مع الدلك (سنة) مستحبة؛ أي: أمر مطلوب على جهة الأحبية للشرع لحديث عبد الله بن زيد ﵁ أنه قال أتي

стр. 206

بثلثي مد فجعل يدلك به ذراعيه (١)، (والسرف منه)؛ أي: من صب الماء في حال الاستعمال بكثرة، وهو في اللغة الإكثار في غير حق، فذلك (غلق)؛ أي: زيادة في الدين، لا سيما إن زاد عن الغسلات الثلاثة فقد روى أحمد وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ «أن رجلا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله كيف الطهور فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا، ثم مسح برأسه فأدخل إصبعيه السباحتين (٢) في أذنيه، ومسح بإبهاميه (٣) على ظاهر أذنيه، وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم - أو ظلم وأساء -» واللفظ لأبي داود (٤). أي: فمن زاد على الثلاثة أو نقص من واحدة فقد أساء، وبطل وضوءه في النقصان، وظلم في الزيادة إن تعمد. (وبدعة)؛ أي: أمر محدث مخالف للسنة وطريقة السلف الصالح، لورود النهي عن السرف في الوضوء قال تعالى: ﴿ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ [الأعراف: ٣١، والأنعام: ١٤١]، ولحديث عبد الله بن عمرو ﵁: «أن رسول الله ﷺ مر بسعد، وهو يتوضأ، فقال: ما هذا السرف فقال: أفي الوضوء إسراف، قال: «نعم، وإن كنت على نهر جار»» (٥). وقوله: (وقد توضأ رسول الله ﷺ ) استأنس بهذه المسألة على قوله وقلة الماء إلخ لأنه ليس من موضوع الباب؛ أي: أنه ثبت في السنة أن رسول الله ﷺ .

стр. 207

توضأ (بمد، وهو وزن رطل وثلث) (١) إناء يسع رطلا وثلثا بالبغدادي، قاله جمهور أهل العلم (وتطهر بصاع، وهو أربعة أمداد بمده ﵊ (٢)، فمجموعها خمسة أرطال وثلث، والغرض الإخبار عن فضيلة الاقتصاد وترك الإسراف، وعن القدر الذي كان يكفيه ﵊ في وضوئه وغسله كما في حديث أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد» (٣). وهذا القدر فيمن كان خلقه معتدلا، قال الحافظ ابن حجر (٤): فهذا يدل على اختلاف الحال في ذلك بقدر الحاجة، وفيه رد على من قدر الوضوء والغسل بما ذكر في حديث الباب، كابن شعبان من المالكية (٥) … والله أعلم. • حكم طهارة الخبث: قال المصنف رحمه الله تعالى: (وطهارة البقعة للصلاة واجبة، وكذلك طهارة الثوب فقيل: إن ذلك فيهما واجب وجوب الفرائض، وقيل: وجوب السنن المؤكدة). الشرح (وطهارة البقعة) (٦)، أي: أن طهارة البقعة التي تماسها أعضاء المصلي

стр. 208

وهي المكان الذي يختاره المصلي - (ل) أجل (الصلاة واجبة) على المشهور كما قال ابن الحاجب، لقوله تعالى: ﴿أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ [البقرة: ١٢٥] ولحديث أبي هريرة ﷺ في بول الأعرابي في المسجد رواه أحمد والبخاري، واتفقا عليه من حديث أنس ﷺ ، وفيه فأمر النبي ﷺ رجلا من القوم فجاء بدلو من الماء فشنه عليه، وسياقه لمسلم وفي الباب عن غيرهما، وأما الطهارة لغيرها كالذكر، والدعاء، ورد السلام والنوم، وقراءة القرآن عن ظهر غيب، والدخول على الأمراء … فمندوبة (١). (وكذلك طهارة الثوب)؛ أي: أن طهارة ثوب المصلي واجبة كوجوب طهارة بدنه ومكانه (فقيل: إن ذلك فيهما)؛ أي: المكان والثوب (واجب وجوب الفرائض) لكن مع الذكر والقدرة، فلو صلى في ثوب نجس متعمدا قادرا على إزالتها أعاد تلك الصلاة أبدا، وإن صلى ناسيا أو عاجزا أعاد في الوقت. والوقت في الظهرين إلى الاصفرار. وفي العشاءين الليل كله. (وقيل وجوب السنن المؤكدة) (٢)، أي: بسنية إزالة النجاسة وشهر كل من القولين، وذلك لأن النبي ﷺ رمي على ظهره سلى جزور فأتم صلاته (٣)، ولم يعدها فلو كان ذلك واجبا وجوب الفرائض لأعاد، وعلى القول بالسنية يعيد في الوقت مطلقا متعمدا أو قادرا على إزالتها أو ناسيا أو جاهلا ودليل من استدل على الوجوب قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر: ٤] (٤). ولحديث جابر بن سمرة ﷺ قال: سأل رجل رسول الله ﷺ ، أصلي في الثوب الذي آتي فيه أهلي؟ قال: «نعم، إلا أن ترى فيه شيئا فتغسله» (٥)،

стр. 209

وحديث الأمر بغسل المذي وقد تقدم، وحديث خولة بنت يسار أنها أتت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، قال: «فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم، ثم صلي فيه»، قالت: يا رسول الله، إن لم يخرج أثره، قال: «يكفيك الماء، ولا يضرك أثره» (١). فرع: قال ابن عرفة: من علم نجاسة ثوبه في صلاته ففيها يقطع. وقال أبو الفرج وإسماعيل إن أمكنه نزعه وإلا قطع، اللخمي عن ابن الماجشون وإلا تمادى وأعاد اه. وذلك كله إن اتسع الوقت وإلا فليصلي ولا يقطع ولا يعيد لأن المحافظة على الوقت أولى (٢). الأماكن التي نهى الشارع عن الصلاة فيها: (وينهى عن الصلاة)؛ يعني: أن فعل الصلاة ينهى عنه نهي كراهة (في معاطن الإبل) جمع معطن وهو موضع اجتماعها عند صدورها من الماء (٣) وحكم الصلاة فيه مكروه، ولو أمن من النجاسة (٤)، ولو بسط شيئا طاهرا وصلى عليه، لأن النهي ليس معللا بالنجاسة حتى ينتفي بانتفائها، وقد اختلف العلماء في علة النهي، وثبتت الكراهة شرعا لحديث البراء بن عازب ﵁ قال سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: «توضثوا منها»، وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: «لا توضثوا منها» وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: «لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين» وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: «صلوا فيها فإنها بركة» (٥)، ولحديث أبي هريرة ﵁ عنه

стр. 210

أن النبي ﷺ «نهى رسول الله ﷺ أن يصلى في سبع مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق الكعبة» (١). (ومحجة الطريق) للحديث السابق؛ أي: تكره الصلاة في قارعة الطريق حيث شك في إصابتها بأرواث الدواب وأبوالها، وحينئذ لو صلى تندب الإعادة في الوقت. ومحل الكراهة إن لم يصل فيها لضيق المسجد. وأما إن صلى فيها لضيق المسجد أو فرش شيئا طاهرا وصلى عليه، أو تيقن طهارتها فلا كراهة. (وظهر بيت الله الحرام) للحديث السابق؛ أي: ينهى نهي تحريم عن الصلاة فوق ظهر الكعبة بناء على أن العبرة باستقبال بنائها، والذي فوق ظهرها لم يستقبل البناء، فلو صلى صلاة مفروضة على ظهرها يعيد أبدا بناء على أن العبرة باستقبال بنائها. وأما الصلاة داخل الكعبة فقولان: قول بالحرمة (٢)، وقول بالكراهة وهو الراجح (٣)، وذكر الرجراجي ثالثا (٤): وهو التفصيل جائز في السنن، ممنوعة في الفرائض، وقد ثبت أن النبي ﷺ صلى النافلة داخل الكعبة (٥). (والحمام)؛ أي: أن الصلاة في الحمام؛ أي: في داخله مكروهة، للحديث السابق، ولحديث أبي سعيد الخدري ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة، والحمام» (٦).

стр. 211

وعلة الكراهة غلبة النجاسة فلو أيقن طهارته انتفت الكراهة، وجازت الصلاة. (والمزبلة) بفتح الباء وضمها لما سبق من الدليل، وهي مكان طرح الزبل؛ أي: تكره الصلاة في مكان طرح الزبل إن لم يؤمن من النجاسة، وعلى ذلك اتفاق المذاهب (١)، وإلا فلا كراهة. (والمجزرة) بفتح الميم وسكون الجيم وكسر الزاي، المكان المعد للذبح والنحر؛ أي: تكره فيه الصلاة إن لم تؤمن نجاسته وإلا فلا. في بعض النسخ إثبات المجزرة وفي بعضها إسقاطها (٢). (ومقبرة المشركين) بتثليث الباء موضع دفن موتاهم، وحاصل فقه المسألة أن المقبرة إن كانت من مقابر المسلمين، فإن كانت غير منبوشة؛ أي: لم يكن شيء من أجزاء الموتى في موضع الصلاة فالصلاة جائزة، وإن كان في موضع الصلاة شيء من أجزاء المقبورين فيجري حكم الصلاة فيها على الخلاف في الآدمي هل ينجس بالموت أو لا. وعلى أنه لا ينجس بالموت وهو المعتمد (٣)، فتكره الصلاة حيث شك أو تحقق وجود الأجزاء من حيث الإهانة، أو من حيث كونها مشيا على القبر. وأما من حيث ذات الصلاة فلا كراهة. فقد روى البيهقي في السنن عن ابن جريج قال قلت لنافع أكان ابن عمر يكره أن يصلي وسط القبور، قال: لقد صلينا على عائشة وأم سلمة ﵂ وسط البقيع والإمام يوم صلينا على عائشة ﵂ أبو هريرة ﵁ وحضر ذلك عبد الله بن عمر (٤).

стр. 212

وأما مقابر الكفار فكره ابن حبيب الصلاة فيها، لأنها حفرة من النار، لكن من صلى فيها وأمن من النجاسة فلا تفسد صلاته، وإن لم يأمن كان مصليا على نجاسة. والذي في الحديث إطلاق المقبرة من غير إضافة، قال ابن عمر: والإضافة من تفسير الراسخين وبيان المتفقهين (١)؛ وقال ابن عبد البر: حديث «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» ناسخ لما عارضه، وقد ثبت أنه ﷺ بنى المسجد في مقابر المشركين (٢). (وكنائسهم) جمع كنيسة بفتح الكاف وكسر النون موضع تعبدهم، وتكره لما فيها من التماثيل، وكرهها عمر بن الخطاب ﵁ لكونها بيوتا متخذة للشرك والكفر بالله (٣). وكره الإمام مالك الصلاة فيها لنجاستها من أقدامهم؛ أي: الشأن فيها ذلك لا أنها محققة، وإلا كانت الصلاة فيها حراما مع بطلانها، والكراهة حيث صلى فيها اختيارا لا إن اضطر لذلك، وإلا فلا كراهة لا فرق بين دارسة أو عامرة. قال التتائي: زاد علماؤنا البقعة المعوجة التي لا يتهيأ الجلوس عليها والبيت الذي فيه تصاوير، والصلاة إلى النائم (قلت: خشية تخبطه أو خروج ما يكره ان يسمعه المستيقظ منه)، وإلى حلق الناس، وإلى وجه الناظر إليه، وإلى وجه امرأة (٤). وقال القرطبي: وقد زاد علماؤنا: الدار المغصوبة والكنيسة والبيعة والبيت الذي فيه تماثيل، والأرض المغصوبة أو موضعا تستقبل فيه نائما أو وجه رجل أو جدارا عليه نجاسة. قال ابن العربي: ومن هذه المواضع ما منع لحق الغير، ومنه ما منع لحق الله تعالى، ومنه ما منع لأجل النجاسة المحققة أو لغلبتها، فما منع لأجل النجاسة إن فرش فيه ثوب

стр. 213

طاهر كالحمام والمقبرة فيها أو إليها فإن ذلك جائز في المدونة (١). قلت ويمكن أن يزاد المرآة، والأجهزة الحديثة كالتلفاز وكل ما يشغل المصلي بين يديه. • أقل ما يجزئ المصلي من اللباس: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (وأقل ما يصلي فيه الرجل من اللباس ثوب ساتر من درع أو رداء، والدرع: القميص. ويكره أن يصلي بثوب ليس على أكتافه منه شيء، فإن فعل لم يعد، وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة الدرع الحصيف السابغ الذي يستر ظهور قدميها، وخمار تتقنع به، وتباشر بكفيها الأرض في السجود مثل الرجل). الشرح (وأقل ما يصلي فيه الرجل؛ أي: أن أقل ما ينتفي معه الإثم ويكفي في المطلوب من اللباس للمصلي القادر الذاكر لما يفعل في صلاته (ثوب ساتر) للعورة من درع أو رداء) لقوله جل وعلا: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١]، وأقل ما يجزئ في زينة المرء ثوب يستر عورته ابتداء ودواما؛ ولحديث جابر: «أن النبي ﷺ صلى في ثوب واحد متوشحا به» (٢). وعن عائشة ل عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (٣).

стр. 214

وعن أم سلمة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟، قال: «إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها» (١). و (الدرع) هو (القميص) تفسير للدرع، وهو ما يسلك في العنق. وأما الرداء فهو ما يلتحف به، ويشترط فيه أن يكون كثيفا لا يصف، ولا يشف؛ أي: يصف جرم العورة؛ أي: يحدده لرقته أو إحاطته، فإن كان كذلك كره ما لم يكن الوصف بسبب ريح، وإلا فلا، وإن كان يشف فتارة تبدو منه العورة بدون تأمل فالصلاة به باطلة، وتارة لا تبدو إلا بتأمل، وحكمه كالواصف في الكراهة وصحة الصلاة. (ويكره أن يصلي بثوب ليس على أكتافه منه شيء)؛ أي: يكره للرجل أن يصلي في ثوب ليس على كتفيه شيء منه مع وجود غيره، لأن النبي ﷺ كان إذا صلى في ثوبه جعل على عاتقه منه شيء كما في حديث عمر بن أبي سلمة (٢)، ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عائقيه شيء» (٣). (فإن فعل لم يعد)؛ أي: إن صلى ولحم كتفيه بارز مع القدرة على الساتر لم يعد ما صلى لا في الوقت ولا بعده على الصحيح المشهور، لأن النهي الوارد ليس فيه ما يدل على الشرطية بل غايته الدلالة على الفساد لكنه صرف عن حقيقته إلى التنزيه لأدلة منها حديث جابر أن النبي ﷺ قال: «إذا صليت في ثوب واحد فإن كان واسعا فالتحف به، وإن كان ضيقا فاتزر به» (٤). وإنما ينبغي للمصلي أن يتجمل في صلاته بما يستطيع من الثياب الحسنة الساترة، فقد جاء مرفوعا من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : «إذا صلى

стр. 215

أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله أحق من تزين له» (١)، وجاء عن ابن عمر ﵁ أنه قال لغلامه نافع لما رآه حاسر الرأس: «أرأيت لو خرجت إلى الناس كنت تخرج هكذا؟ قال: لا، قال: فالله أحق أن يتجمل له» (٢). • أقل ما يجزئ المرأة في صلاتها: (وأقل ما يجزئ المرأة)؛ أي: أقل ما يجزئ المرأة الحرة البالغة (من اللباس في الصلاة) شيئان أحدهما (الدرع الحصيفة) بالحاء المهملة على الرواية الصحيحة، وروي بالخاء المعجمة. ومعنى الأولى الكثيف الذي لا يصف ولا يشف ومعنى الثانية الساتر (السابغ)؛ أي: الكامل التام (الذي يستر ظهور قدميها)، ويراد به أيضا الذي لا يصف ولا يشف لأن مراد المؤلف أقلية لا إعادة معها لا في الوقت ولا في غيره. (و) ثانيهما (خمار) بكسر الخاء (٣) تتقنع به؛ أي: تستر به شعرها وعنقها. ومن شرطه أن يكون كثيفا، لحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (٤). قوله: الحائض؛ يعني: المرأة البالغ يعني إذا حاضت. وعن أم سلمة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ قال: «إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها» (٥). وروي ذلك عن ميمونة،
следующие страницы →