← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وعلة الكراهة غلبة النجاسة فلو أيقن طهارته انتفت الكراهة، وجازت الصلاة. (والمزبلة) بفتح الباء وضمها لما سبق من الدليل، وهي مكان طرح الزبل؛ أي: تكره الصلاة في مكان طرح الزبل إن لم يؤمن من النجاسة، وعلى ذلك اتفاق المذاهب (١)، وإلا فلا كراهة. (والمجزرة) بفتح الميم وسكون الجيم وكسر الزاي، المكان المعد للذبح والنحر؛ أي: تكره فيه الصلاة إن لم تؤمن نجاسته وإلا فلا. في بعض النسخ إثبات المجزرة وفي بعضها إسقاطها (٢). (ومقبرة المشركين) بتثليث الباء موضع دفن موتاهم، وحاصل فقه المسألة أن المقبرة إن كانت من مقابر المسلمين، فإن كانت غير منبوشة؛ أي: لم يكن شيء من أجزاء الموتى في موضع الصلاة فالصلاة جائزة، وإن كان في موضع الصلاة شيء من أجزاء المقبورين فيجري حكم الصلاة فيها على الخلاف في الآدمي هل ينجس بالموت أو لا. وعلى أنه لا ينجس بالموت وهو المعتمد (٣)، فتكره الصلاة حيث شك أو تحقق وجود الأجزاء من حيث الإهانة، أو من حيث كونها مشيا على القبر. وأما من حيث ذات الصلاة فلا كراهة. فقد روى البيهقي في السنن عن ابن جريج قال قلت لنافع أكان ابن عمر يكره أن يصلي وسط القبور، قال: لقد صلينا على عائشة وأم سلمة ﵂ وسط البقيع والإمام يوم صلينا على عائشة ﵂ أبو هريرة ﵁ وحضر ذلك عبد الله بن عمر (٤).

стр. 212

وأما مقابر الكفار فكره ابن حبيب الصلاة فيها، لأنها حفرة من النار، لكن من صلى فيها وأمن من النجاسة فلا تفسد صلاته، وإن لم يأمن كان مصليا على نجاسة. والذي في الحديث إطلاق المقبرة من غير إضافة، قال ابن عمر: والإضافة من تفسير الراسخين وبيان المتفقهين (١)؛ وقال ابن عبد البر: حديث «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» ناسخ لما عارضه، وقد ثبت أنه ﷺ بنى المسجد في مقابر المشركين (٢). (وكنائسهم) جمع كنيسة بفتح الكاف وكسر النون موضع تعبدهم، وتكره لما فيها من التماثيل، وكرهها عمر بن الخطاب ﵁ لكونها بيوتا متخذة للشرك والكفر بالله (٣). وكره الإمام مالك الصلاة فيها لنجاستها من أقدامهم؛ أي: الشأن فيها ذلك لا أنها محققة، وإلا كانت الصلاة فيها حراما مع بطلانها، والكراهة حيث صلى فيها اختيارا لا إن اضطر لذلك، وإلا فلا كراهة لا فرق بين دارسة أو عامرة. قال التتائي: زاد علماؤنا البقعة المعوجة التي لا يتهيأ الجلوس عليها والبيت الذي فيه تصاوير، والصلاة إلى النائم (قلت: خشية تخبطه أو خروج ما يكره ان يسمعه المستيقظ منه)، وإلى حلق الناس، وإلى وجه الناظر إليه، وإلى وجه امرأة (٤). وقال القرطبي: وقد زاد علماؤنا: الدار المغصوبة والكنيسة والبيعة والبيت الذي فيه تماثيل، والأرض المغصوبة أو موضعا تستقبل فيه نائما أو وجه رجل أو جدارا عليه نجاسة. قال ابن العربي: ومن هذه المواضع ما منع لحق الغير، ومنه ما منع لحق الله تعالى، ومنه ما منع لأجل النجاسة المحققة أو لغلبتها، فما منع لأجل النجاسة إن فرش فيه ثوب

стр. 213

طاهر كالحمام والمقبرة فيها أو إليها فإن ذلك جائز في المدونة (١). قلت ويمكن أن يزاد المرآة، والأجهزة الحديثة كالتلفاز وكل ما يشغل المصلي بين يديه. • أقل ما يجزئ المصلي من اللباس: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (وأقل ما يصلي فيه الرجل من اللباس ثوب ساتر من درع أو رداء، والدرع: القميص. ويكره أن يصلي بثوب ليس على أكتافه منه شيء، فإن فعل لم يعد، وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة الدرع الحصيف السابغ الذي يستر ظهور قدميها، وخمار تتقنع به، وتباشر بكفيها الأرض في السجود مثل الرجل). الشرح (وأقل ما يصلي فيه الرجل؛ أي: أن أقل ما ينتفي معه الإثم ويكفي في المطلوب من اللباس للمصلي القادر الذاكر لما يفعل في صلاته (ثوب ساتر) للعورة من درع أو رداء) لقوله جل وعلا: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١]، وأقل ما يجزئ في زينة المرء ثوب يستر عورته ابتداء ودواما؛ ولحديث جابر: «أن النبي ﷺ صلى في ثوب واحد متوشحا به» (٢). وعن عائشة ل عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (٣).

стр. 214

وعن أم سلمة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟، قال: «إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها» (١). و (الدرع) هو (القميص) تفسير للدرع، وهو ما يسلك في العنق. وأما الرداء فهو ما يلتحف به، ويشترط فيه أن يكون كثيفا لا يصف، ولا يشف؛ أي: يصف جرم العورة؛ أي: يحدده لرقته أو إحاطته، فإن كان كذلك كره ما لم يكن الوصف بسبب ريح، وإلا فلا، وإن كان يشف فتارة تبدو منه العورة بدون تأمل فالصلاة به باطلة، وتارة لا تبدو إلا بتأمل، وحكمه كالواصف في الكراهة وصحة الصلاة. (ويكره أن يصلي بثوب ليس على أكتافه منه شيء)؛ أي: يكره للرجل أن يصلي في ثوب ليس على كتفيه شيء منه مع وجود غيره، لأن النبي ﷺ كان إذا صلى في ثوبه جعل على عاتقه منه شيء كما في حديث عمر بن أبي سلمة (٢)، ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عائقيه شيء» (٣). (فإن فعل لم يعد)؛ أي: إن صلى ولحم كتفيه بارز مع القدرة على الساتر لم يعد ما صلى لا في الوقت ولا بعده على الصحيح المشهور، لأن النهي الوارد ليس فيه ما يدل على الشرطية بل غايته الدلالة على الفساد لكنه صرف عن حقيقته إلى التنزيه لأدلة منها حديث جابر أن النبي ﷺ قال: «إذا صليت في ثوب واحد فإن كان واسعا فالتحف به، وإن كان ضيقا فاتزر به» (٤). وإنما ينبغي للمصلي أن يتجمل في صلاته بما يستطيع من الثياب الحسنة الساترة، فقد جاء مرفوعا من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : «إذا صلى

стр. 215

أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله أحق من تزين له» (١)، وجاء عن ابن عمر ﵁ أنه قال لغلامه نافع لما رآه حاسر الرأس: «أرأيت لو خرجت إلى الناس كنت تخرج هكذا؟ قال: لا، قال: فالله أحق أن يتجمل له» (٢). • أقل ما يجزئ المرأة في صلاتها: (وأقل ما يجزئ المرأة)؛ أي: أقل ما يجزئ المرأة الحرة البالغة (من اللباس في الصلاة) شيئان أحدهما (الدرع الحصيفة) بالحاء المهملة على الرواية الصحيحة، وروي بالخاء المعجمة. ومعنى الأولى الكثيف الذي لا يصف ولا يشف ومعنى الثانية الساتر (السابغ)؛ أي: الكامل التام (الذي يستر ظهور قدميها)، ويراد به أيضا الذي لا يصف ولا يشف لأن مراد المؤلف أقلية لا إعادة معها لا في الوقت ولا في غيره. (و) ثانيهما (خمار) بكسر الخاء (٣) تتقنع به؛ أي: تستر به شعرها وعنقها. ومن شرطه أن يكون كثيفا، لحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (٤). قوله: الحائض؛ يعني: المرأة البالغ يعني إذا حاضت. وعن أم سلمة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ قال: «إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها» (٥). وروي ذلك عن ميمونة،

стр. 216

وعائشة، وأم سلمة أزواج الرسول ﷺ ، وروي أيضا عن ابن عباس، وهو قول مالك (١). وحاصل الفقه أنه يجب على المرأة أن تستر جميع بدنها في الصلاة حتى بطون قدميها لقول مالك: لا يجوز للمرأة أن تبدي في الصلاة إلا وجهها وكفيها؛ وتباشر بكفيها؛ أي: أن المرأة تباشر (الأرض) بكفيها (في) حال (السجود مثل الرجل) ووجه ذكره لهذه المسألة هنا أنه لما كان يتوهم من قوله: تستر ظهور قدميها وبطونهما أنها تستر الكفين لأن كلا منهما من أجزاء المصلي المطلوب بستر جميع بدنه، فلأجل دفع هذا التوهم ذكرها هنا ولقول ابن عباس وعائشة لما في قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: ٣١] الوجه والكفان (٢)، قال ابن بطال عقب ذلك: وعلى قول ابن عباس، وابن عمر جماعة الفقهاء (٣). وحد عورة الرجل السوأتان بلا خلاف، وفي إلحاق غيرهما قولان (٤). وعورة المرأة كل جسدها إلا الوجه والكفين (٥). قال في الكتاب: إذا صلت بادية الشعر أو ظهور القدمين أعادت في الوقت، ودليل ذلك ما في «الموطأ» عن أم سلمة زوج النبي ﷺ لما سئلت ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ فقالت تصلي في الخمار والدرع السابغ الذي يغيب ظهور قدميها (٦). وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، قال الحافظ في بلوغ المرام وصحح الأئمة وقفه (٦٣).

стр. 217

تنبيه: لا يجوز للمرأة أن ترى من الرجل الأجنبي إلا ما يراه هو من محرمه، وهو ما فوق المنحر والذراعين وأطراف القدمين. وأما المرأة مع المرأة كالرجل مع مثله، وإن كانت كتابية على المشهور. ومع محرم غير الوجه والأطراف.

стр. 218

(باب) صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه وذكر الاستنجاء والاستجمار • قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه وذكر الاستنجاء والاستجمار. وليس الاستنجاء مما يجب أن يوصل به الوضوء، لا في سنن الوضوء، ولا في فرائضه، وهو من باب إيجاب زوال النجاسة به أو بالاستجمار لئلا يصلي بها في جسده، ويجزئ فعله بغير نية، وكذلك غسل الثوب النجس). الشرح (باب في صفة الوضوء)؛ أي: هذا باب في بيان صفة الوضوء (ومسنونه ومفروضه)؛ أي: وفي بيان المسنون منه والمفروض (و) في بيان (ذكر الاستنجاء) حكما وصفة، فيكون كلام المصنف شاملا للأمرين. والاستنجاء: غسل موضع الخبث بالماء، مأخوذ من نجوت بمعنى قطعت، فكأن المستنجي يقطع الأذى عنه، وقيل مأخوذ من النجو وهو الغائط، فمعنى استنجى: مسح النجو (١)، وفيه معان أخرى. (والاستجمار) (٢)؛ أي: وفي بيان الاستجمار حكما وصفة. والاستجمار لغة: إزالة الأذى من المخرج بالأحجار.

стр. 219

• حكم الاستنجاء والاستجمار: لما كان كثير من الناس يتوهم أن الاستنجاء من جملة الوضوء المأمور به دفع ذلك التوهم بقوله: (وليس الاستنجاء مما يجب)؛ أي: لا يجب ولا يسن ولا يستحب (أن يوصل به الوضوء)، بل هو عبادة منفردة يجوز تفرقته عن الوضوء في الزمان والمكان، كما فعل النبي ﷺ في كثير من أحيانه، فمن ذلك حديث سعيد بن حويرث ﵁ يقول: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: كنا عند رسول الله ﷺ ، فخرج من الغائط فأتي بطعامه فقيل له: ألا تتوضأ؟ فقال: «ما أصلي فأتوضأ» (١)، وهذا بين أنه (كان ﵇ لا يتوضأ وضوء الصلاة إلا للصلاة، وأنه لا يتوضأ كلما بال وضوء الصلاة) اه (٢)، ولا يعد (في سنن الوضوء، ولا في فرائضه)، ولا في مستحباته، وإنما المقصود منه إنقاء المحل خاصة، لحديث عائشة ﵂ قالت: بال رسول الله ﷺ فقام عمر خلفه بكوز من ماء فقال: «ما هذا يا عمر» فقال هذا ماء تتوضأ به قال: «ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ، ولو فعلت لكانت سنة» (٣)، ولكن يستحب تقديمه على الوضوء، فإذا أخره فليحذر من مس ذكره ومن خروج حدث (٤). (وهو من باب إيجاب)؛ أي: أن الاستنجاء من باب حتمية (إزالة النجاسة) فيجب أن يكون بالماء أو بالاستجمار بالأحجار لئلا يصلي بالنجاسة وهي على جسده. ومما يدل على أنه من باب إزالة النجاسة أنه يجزئ فعله بغير نية؛ وذلك لأن طهارة الخبث من باب التروك ولا يشترط فيها النية، وإنما يجب زوالها حتى ولو لم يزلها من تعلقت به كأن زالت بمطر أو تراب، أو غسلها آخر، فالمطلوب زوالها.

стр. 220

(وكذلك غسل الثوب النجس)؛ أي: المتنجس لا يحتاج إلى نية. "والنجاسة هي كل عين يحرم تناولها، لا لضررها، ولا لاستقذارها، ولا لحرمتها. فقولنا: (لا لضررها) خرج به السم وشبهه فإنه حرام لضرره، وليس بنجس. وقولنا: (لا لاستقذارها) خرج به المخاط وشبهه، فليس بنجس، لأنه محرم لاستقذاره. وقولنا: (لا لحرمتها) خرج به الصيد في حال الإحرام، والصيد داخل أميال الحرم فإنه حرام لحرمته (١). قاعدة: قال القرافي (٢): إزالة النجاسة تارة تكون بالإزالة، كالغسل بالماء، وتارة بالإحالة كالخمر إذا صار خلا، أو العذرة إذا صارت لحم كبش، وتارة بهما كالدباغ، فإنه يزيل الفضلات، ويحيل الهيئات أو لأنه يمنعه من الفساد كالحياة. • آداب الاستنجاء والاستجمار: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (وصفة الاستنجاء أن يبدأ بعد غسل يديه (٣) فيغسل مخرج البول، ثم يمسح ما في المخرج من الأذى بمدر أو غيره أو بيده ثم يحكها بالأرض ويغسلها، ثم يستنجي بالماء، ويواصل صبه ويسترخي قليلا ويجيد عرك ذلك بيده حتى يتنظف، وليس عليه غسل ما بطن من المخرجين، ولا يستنجي من ريح، ومن استجمر بثلاثة أحجار يخرج

стр. 221

آخرهن نقيا أجزأه، والماء أطهر وأطيب وأحب إلى العلماء). الشرح (وصفة الاستنجاء)؛ أي: الصفة الكاملة أنه بعد أن يستبرئ بالسلت والنثر الخفيفين ب (أن) يأخذ ذكره بيساره؛ أي: السبابة والإبهام، ثم يجذبه من أسفله إلى الحشفة جذبا رفيقا (١)، ثم يبدأ بعد ذلك ب (غسل يده اليسرى مخافة أن يعلق بها شيء من رائحة الأذى، ثم يستنجي بالماء، (فيغسل مخرج البول) قبل مخرج الغائط لئلا تتنجس يده (ثم يمسح ما في المخرج من الأذى بمدر أو غيره مما يجوز الاستجمار به كالأحجار ونحوها من كل طاهر منق يابس غير رطب ولا محترم ولا منهي عنه، أو بيده) قال القرافي (٢): لو استجمر بأصابعه … وأنقى أجزا. وما ذكره المصنف من الجمع بين الاستجمار والاستنجاء بالماء هو الأفضل، ويواصل)؛ أي: يوالي (صبه) للماء من غير تراخ لأنه أعون على الإزالة. (ويسترخي قليلا) وإنما طلب منه ذلك لأن المخرج فيه طيات، فإذا قابله الماء انكمش، فإذا استرخى تمكن من غسله قلت: وليس شرعا مطالب بتتبع التكاميش لما في ذلك من الغلو والابتداع وإلا لم يكن الاستجمار كافيا. (ويجيد عرك ذلك)؛ أي: أن المستنجي يعرك المحل (بيده) وقت صب الماء حتى يتنظف من الأذى ويتنزه من البول ما استطاع لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، ولحديث أبي هريرة مرفوعا: «استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» (٣)، وتكفي غلبة الظن إن قدر على ذلك، فإن لم يقدر

стр. 222

لقطع يده، أو قصرها استناب من يجوز له مباشرة ذلك المحل من زوجة أو سرية، وإلا توضأ وترك ذلك من غير غسل. (وليس عليه)؛ أي: لا يجب ولا يستحب للمستنجي (غسل ما بطن من المخرجين) والصواب من المخرج بلفظ الإفراد لأن مخرج البول من الرجل لا يمكن غسل داخله، قلت: هكذا قيل في الاعتراض على المصنف، لكن يمكن قصده مخرج المرأة، والأحاديث الواردة في الاستجمار والاستنجاء كثيرة سيأتي ذكر بعضها. (ولا يستنجى من ريح)؛ أي: ينهى عن الاستنجاء من الريح. وهل الحكم المنع أو الكراهة؟ لا نص على عين الحكم والحديث يحتملهما إلا أنه غير صحيح (١). (ومن استجمر بثلاثة أحجار، يخرج آخرهن نقيا) من الأذى (أجزأه) (٢)، أي: كفاه ذلك، ولو كان الماء موجودا، وإليه ذهب أبو الفرج المالكي وحجة هذا القول حديث سلمان ﵁: «وقد قيل له لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، قال: أجل لقد نهانا ﷺ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وأن لا نستنجي باليمين، وأن لا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع (٣) أو عظم (٤)»؛ ويؤخذ من كلامه أن الاستجمار بدون الثلاثة لا يجزئ ولكن المشهور أن المدار على الإنقاء ولو بواحد لحديث أبي

стр. 223

هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من استجمر فليوتر، من فعل ذلك فقد … أحسن، ومن لا فلا حرج» (١)، ولما أفهم كلامه أن الأحجار تجزئ ولو كان الماء موجودا خشي أن يتوهم مساواة ذلك لاستعمال الماء، وأنهما سواء في الفضل دفع ذلك بقوله: (والماء أطهر) للمحل إذ لا يبقى عينا ولا أثرا، (وأطيب) للنفس إذ يذهب الشك ويطيب المحل، وأحب إلى العلماء كافة إلا من يأتي ذكره، لقول عائشة ﵂ لنساء الصحابة: «مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء، فإني أستحييهم، فإن رسول الله ﷺ كان يفعله» (٢)، ولحديث أنس ﵁: «كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا، وغلام نحوي، إداوة من ماء، وعنزة فيستنجي بالماء» (٣)، قال النووي (٤): في حديث أنس ﵁ فيه جواز الاستنجاء بالماء، واستحبابه، ورجحانه على الاقتصار على الحجر، وقد اختلف الناس في هذه المسألة، فالذي عليه الجماهير من السلف والخلف وأجمع عليه أهل الفتوى من أهل الأمصار، أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر، فيستعمل الحجر أولا لتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده، ثم يستعمل الماء، فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل من الحجر، لأن الماء يطهر المحل طهارة حقيقية، وأما الحجر فلا يطهره، وإنما يخفف النجاسة، ويبيح الصلاة مع النجاسة المعفو عنها، وفيه حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ سأل أهل قباء، فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء (٥). وبعض السلف

стр. 224

ذهبوا إلى أن الأفضل الحجر (منهم حذيفة ﵁، وسعيد بن المسيب رحمه الله تعالى)، وربما أوهم كلام بعضهم أن الماء لا يجزي … اه. «وتعين الماء في حق النساء في حيض ونفاس ومني؛ أي: بالنسبة لمن فرضه التيمم لمرض أو عدم ماء كاف للغسل، ومعه من الماء ما يزيل به النجاسة. ويتعين الماء أيضا في المنتشر عن المخرج كثيرا بأن جاوز ما جرت العادة بتلوثه». ولذلك قال في «المختصر»: وتعين في مني، وحيض، ونفاس، وبول امرأة، ومنتشر عن مخرج كثير، أو مذي يغسل ذكره كله (١).

стр. 225

فرائض الوضوء وسننه ومندوباته وصفته • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن لم يخرج منه بول ولا غائط وتوضأ لحدث أو نوم أو لغير ذلك مما يوجب الوضوء فلا بد من غسل يديه قبل إدخالهما (١) في الإناء. ومن سنة الوضوء غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء. والمضمضة، والاستنشاق، والاستنثار، ومسح الأذنين سنة. وباقيه فريضة. فمن قام إلى وضوء من نوم أو غيره، فقد قال بعض العلماء: يبدأ فيسمي الله، ولم يره بعضهم من الأمر المعروف، وكون الإناء على يمينه أمكن له في تناوله، ويبدأ فيغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا، فإن كان قد بال أو تغوط غسل ذلك منه، ثم توضأ ثم يدخل يده في الإناء فيأخذ الماء فيمضمض فاه ثلاثا من غرفة واحدة إن شاء أو ثلاث غرفات، وإن استاك بأصبعه فحسن. ثم يستنشق بأنفه الماء ويستنثره ثلاثا يجعل يده على أنفه كامتخاطه ويجزئه أقل من ثلاث في المضمضة والاستنشاق وله جمع ذلك في غرفة واحدة والنهاية أحسن. ثم يأخذ الماء إن شاء بيديه جميعا وإن شاء بيده اليمنى فيجعله في يديه جميعا ثم ينقله إلى وجهه فيفرغه عليه غاسلا له بيديه من أعلى

стр. 226

جبهته وحده منابت شعر رأسه إلى طرف ذقنه ودور وجهه كله من حد عظمات (١) لحييه إلى صدغيه. ويمر يديه على ما غار من ظاهر أجفانه وأسارير جبهته وما تحت مارنه من ظاهر أنفه يغسل وجهه هكذا ثلاثا ينقل الماء إليه. ويحرك لحيته في غسل وجهه بكفيه ليداخلها الماء لدفع الشعر لما يلاقيه من الماء وليس عليه تخليلها في الوضوء في قول مالك ويجري عليها يديه إلى آخرها. ثم يغسل يده اليمنى ثلاثا أو اثنتين يفيض عليها الماء ويعركها بيده اليسرى ويخلل أصابع يديه بعضها ببعض، ثم يغسل اليسرى كذلك ويبلغ فيهما بالغسل إلى المرفقين يدخلهما في غسله، وقد قيل: إليهما حد الغسل فليس بواجب إدخالهما فيه، وإدخالهما فيه أحوط لزوال تكلف التحديد، ثم يأخذ الماء بيده اليمنى فيفرغه على باطن يده اليسرى، ثم يمسح بهما رأسه يبدأ من مقدمه من أول منابت شعر رأسه وقد قرن أطراف أصابع يديه بعضها ببعض على رأسه وجعل إبهاميه على صدغيه ثم يذهب بيديه ماسحا إلى طرف شعر رأسه مما يلي قفاه ثم يردهما إلى حيث بدأ. ويأخذ بإبهاميه خلف أذنيه إلى صدغيه وكيفما مسح أجزأه إذا أوعب رأسه والأول أحسن ولو أدخل يديه في الإناء ثم رفعهما مبلولتين ومسح بهما رأسه أجزاه، ثم يفرغ الماء على سبابتيه وإبهاميه وإن شاء غمس ذلك في الماء، ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما وتمسح المرأة كما ذكرنا وتمسح على دلاليها ولا تمسح على الوقاية وتدخل يديها من تحت عقاص شعرها في رجوع يديها في المسح، ثم يغسل رجليه يصب الماء بيده اليمنى على رجله اليمنى ويعركها بيده اليسرى قليلا قليلا يوعبها بذلك ثلاثا وإن شاء خلل أصابعه في ذلك وإن

стр. 227

ترك فلا حرج والتخليل أطيب للنفس ويعرك عقبيه وعرقوبيه وما لا يكاد … يداخله الماء بسرعة من جساوة أو شقوق فليبالغ بالعرك مع صب الماء بيديه فإنه جاء الأثر ويل للأعقاب من النار وعقب الشيء طرفه وآخره، ثم يفعل (١) باليسرى مثل ذلك). • مسألة في غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء: (ومن لم يخرج منه بول ولا غائط) ولا غيرهما مما يستنجى منه كمذي وودي، (وتوضأ)؛ أي: وأراد أن يتوضأ (ل) أجل (حدث) كخروج ريح ونحوه، (أو لغير ذلك، مما يوجب الوضوء) كالردة والشك في الحدث والرفض وبقية الأسباب من النوم والسكر والإغماء (فلا بد من غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء)؛ أي: يلزمه ذلك على طريق السنية وإن لم يكن بهما ما يقتضي غسلهما بأن كانتا نظيفتين فغسل اليدين مطلوب مطلقا سواء استنجى أو لا. فمن النوم لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده (٢)، ولحديث عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ لما سئل عن وضوء النبي ﷺ فدعا بتور (٣) من ماء، فتوضأ لهم وضوء النبي ﷺ فأكفأ على يده من التور، فغسل يديه ثلاثا، ثم أدخل يده في التور، فمضمض واستنشق واستنثر، ثلاث غرفات، ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم أدخل يده فمسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، ثم غسل رجليه إلى الكعبين» (٤). وهذا من أصول أحاديث الوضوء التي سوف

стр. 228

نحيل عليها وحديث عثمان ﵁ الآتي، والشاهد فيه «فأكفأ على يده من التور، فغسل يديه ثلاثا»؛ أي: خارج الإناء. سنن الوضوء: (ومن سنة الوضوء)؛ أي: من سنن الوضوء: ١ - (غسل اليدين) إلى الكوعين قبل إدخالهما في الإناء وذلك لفعل النبي ﷺ كما في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم وعثمان وغيرهما، فعن حمران، مولى عثمان بن عفان أنه رأى عثمان بن عفان دعا بوضوء، فأفرغ على يديه من إنائه، فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء، ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثا ويديه إلى المرفقين ثلاثا، ثم مسح برأسه، ثم غسل كل رجل ثلاثا، ثم قال: رأيت النبي ﷺ يتوضأ نحو وضوئي هذا، وقال: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه» (١) وهذا الحديث أصل من أصول الوضوء سنحيل عليه فانتبه رعاك الله. ومحل كون السنة الغسل قبل الإدخال في الإناء إن كان الماء قليلا وأمكن الإفراغ منه، وإلا فلا يسن الغسل قبل الإدخال، كمن كان على نهر جار وبركة ونحوهما. ٢ - (والمضمضة)؛ أي: من سننه أيضا المضمضة بضادين وهي: خضخضة الماء في الفم ومجه، فلو ابتلعه لم يكن آتيا بالسنة. وأيضا لو فتح فاه حتى نزل فيه الماء لم يكن آتيا بالسنة، فلا بد من خضخضة الماء ومجه، ودليلها حديثا عثمان وعبد الله بن عاصم لا وقد تقدما. ٣ - (والاستنشاق)؛ أي: من سنن الوضوء الاستنشاق، وهو إدخال الماء في الخياشم بالنفس، فلو دخل الماء أنفه بغير إدخال بالنفس لا يكون آتيا بالسنة.

стр. 229

٤ - (والاستنثار) في اللغة: من النثر وهو أن يستنشق الماء بأنفه، ثم يستخرج ما فيه من أذى ومخاط فيتناثر، وقيل من النثرة وهي الخيشوم وما والاه، لأن المستنثر عادة يمسك بها ليستعين بذلك على إخراج ما في الأنف. وكيفيته أن يجعل أصبعيه السبابة والإبهام من يده اليسرى على أنفه، ويرد الماء من خيشومه بريح الأنف وتقدمت أدلة ذلك والحمد لله. ٥ - (ومسح الأذنين)؛ أي: من سنن الوضوء مسح الأذنين ظاهرهما بإبهاميه وباطنهما الظاهر بأصبعيه السبابتين، ويجعلهما في صماخي أذنيه ما كان من جهة الرأس، والباطن ما كان من جهة الوجه لحديث ابن عباس- ﵄ وفيه: «ثم غرف غرفة فمسح برأسه وأذنيه داخلهما بالسبابتين، وخالف بإبها ميه إلى ظاهر أذنيه، فمسح ظاهرهما وباطنهما» (١). فرائض الوضوء: (وباقيه فريضة)؛ أي: باقي الوضوء فريضة وهي: ١ - النية: قال تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ استنبط مالك إرادة الوضوء من الآية إيجاب المقتضي وجوب النية في الوضوء، لأن التقدير إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضؤا لأجلها (٢). ولحديث عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات - وفي رواية بالنية - وإنما لكل امرئ ما نوى … » (٣). وينوي بوضوئه استباحة ما منعه الحدث من مس مصحف، وطواف،

стр. 230

وصلاة، ونحو ذلك، أو رفع الحدث، أو الفرض، والأحسن للمتوضئ نية استباحة الصلوات المفروضة، فيدخل تحتها ما سواها من العبادات. وقد أشار إلى ذلك العلامة ابن عاشر رحمه الله تعالى في نظمه فقال: ولينو رفع حدث أو مفترض … أو استباحة الممنوع عرض ٢ - الدلك: وهو إمرار اليد على العضو مع المرس والعرك الخفيف «والغسل للأعضاء عند العرب إمرار الماء على المغسول باليد، حتى يزول عنه الداعي إليه وقد فرقت العرب بين الغسل في الماء والغمس فيه، والبشرة بطبيعتها تدفع الماء لدهنيتها فلا يتحقق وصوله إلى البشرة إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» (١). ولحديث ابن عباس ﵁ قال: «بت عند خالتي ميمونة ليلة فقام النبي ﷺ من الليل، فتوضأ من شن معلق وضوءا خفيفا - يخففه عمرو ويقلله - وقام يصلي» (٢). قال ابن المنير المالكي رحمه الله تعالى: يخففه؛ أي: لا يكثر الدلك، ويقلله؛ أي: لا يزيد على مرة مرة وفيه دليل إيجاب الدلك (٣). وعن عبد الله بن زيد ﵁ قال: «إن النبي ﷺ أتي بثلثي مد فجعل يدلك ذراعيه» (٤). ٣ - الفور: هو الموالاة قال ابن بشير وهي أن يفعل الوضوء كله في فور واحد من غير تفريق. قال ابن الحاجب والتفريق اليسير مغتفر يريد

стр. 231

ولو عمدا والمشهور وجوبها مع الذكر والقدرة (١)، ودليل من أوجبها حديث عمر ﵁ أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي ﷺ فقال: «ارجع فأحسن وضوءك»، فرجع، ثم صلى (٢)، وكذا حديث خالد بن معدان ﵁ عن بعض أصحاب النبي ﷺ : «أن النبي ﷺ رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم، لم يصبها الماء فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة» (٣)، قال الإمام الصالح ابن هبيرة رحمه الله تعالى (٤): في هذا الحديث من الفقه الحث على إسباغ الوضوء، ويحتج به في وجوب الموالاة في الوضوء، وأن لا يفرق فيه بين عضو وعضو حتى يجف الأول اه. ٤ - غسل الوجه: لقول الله : ﴿يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦]، وللأحاديث المتواترة منها حديث عثمان وعبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ وقد تقدما. واستشكل على المصنف قوله: (وباقيه فريضة) بأن من الباقي ما هو سنة كرة مسح الرأس، وتجديد الماء للأذنين، والترتيب. ومنها ما هو مستحب كالتسمية في ابتدائه. وأجيب بأنه أراد بقوله: وباقيه فريضة؛ أي: بقية الأعضاء المغسولة والممسوحة على طريق الاستقلال، إذ الرأس فرضه المسح، والرد تبع له؛ أي: متعلق - بكسر اللام بقية الأعضاء؛ أي: القائم ببقية الأعضاء على جهة الاستقلال فريضة، وإنما احتجنا لتقدير متعلق لأنه ليس نفس بقية الأعضاء هي الفريضة. وأما التجديد والترتيب فليسا بعضوين؛ أي: فليسا متعلقين بعضوين بل متعلقهما غير عضوين

стр. 232

لأن متعلق التجديد الماء، ومتعلق الترتيب الغسلات، ثم أدخل المصنف على غير ترتيب منه بين الفرائض والمندوبات. فقال: • من مندوبات الوضوء: التسمية: قال: (فمن قام إلى وضوء) ليس المراد بالقيام حقيقته، وإنما المراد من أراد أن يتوضأ لحصول موجبه من نوم أو غيره مما يوجب الوضوء، (فقد قال بعض العلماء يبدأ فيسمي الله، ولم يره بعضهم من الأمر المعروف)؛ أي: فمن قائل من العلماء إنه يبدأ ب ﴿بسم الله﴾ تعالى قيل بأن يقول ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، وقيل: بأن يقول ﴿بسم الله﴾ فقط. ومن العلماء من لم ير البداءة بالتسمية من الأمر المعروف عند السلف، بل رآه من المنكر أي المكروه. والظاهر من كلام المصنف حيث عزا كل قول منهما لبعض أنه لم يقف لمالك في التسمية على شيء (١). والمنقول عن مالك في التسمية ثلاث روايات إحداها الاستحباب، وبه قال ابن حبيب وشهرت؛ لقوله ﷺ كما في حديث رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب عن جدته عن أبيها قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (٢). الثانية: الإنكار قائلا أهو يذبح؟ ما علمت أحدا يفعل ذلك (٣)؛ أي: حتى يحتاج إلى تسمية. الثالثة: التخيير فالحكم إذا الإباحة (٤). وكون الإناء على يمينه؛ أي: يستحب للمتوضئ أن يجعل الإناء الذي

стр. 233

يتوضأ منه على يمينه، لأنه أسهل لفعل النبي ﷺ ذلك، ويكون ذلك (أمكن له في تناول الماء) إن كان الإناء مفتوحا يمكن الاغتراف منه، وأما إن كان ضيقا فالأفضل أن يكون عن يساره لأنه أيسر، والتيامن في كل شيء شريف سنة، فعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يعجبه التيمن، في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله» (١). (ويبدأ فيغسل)؛ أي: وبعد أن يجعل الإناء المفتوح عن يمينه. والضيق عن يساره، يبدأ على جهة السنية بغسل (يديه) إلى الكوعين (قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا) تعبدا؛ أي: ثلاث مرات بنية مفترقتين لما في «المسند» من حديث المغيرة «أنه ﷺ غسل كفيه وفي لفظ فغسلهما فأحسن غسلهما، فغسل يده اليمنى ثلاث مرات» ويده اليسرى ثلاث مرات (قال: وأشك أقال: دلكهما بتراب أم لا) (٢) ولما مر في حديث عثمان ﵁ ونحوه. (فإن كان قد بال أو تغوط)؛ أي: أن ما تقدم في حق من لم يبل ومن لم يتغوط. وأما من بال أو تغوط (غسل ذلك منه)؛ أي: غسل موضع البول والغائط ونحوه. (ثم توضأ إلخ)؛ أي: يغسل يديه الذي هو سنة أولى من سنن الوضوء. (ثم يدخل يده في الإناء) إن أمكنه إدخالها فيه وإلا أفرغ عليها (فيأخذ الماء)؛ أي: يأخذ من الماء بقدر حاجته من غير إسراف، (فيمضمض فاه)؛ أي: يوصل الماء إلى فيه ثم يخضخضه ويمجه (٣) (ثلاثا من غرفة واحدة إن شاء) ذلك كما في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم: «أن رسول الله ﷺ تمضمض واستنشق واستنثر من كف واحدة ففعل ذلك ثلاث مرات» (٤) لكن الغرفة الأولى سنة، وكل من الباقيتين مستحب، (أو) إن شاء تمضمض ثلاث مرات ب (ثلاث غرفات) لحديث عثمان وقد سئل عن الوضوء

стр. 234

فدعا بماء، فأتي بميضأة فأصغاها على يده اليمنى، ثم أدخلها في الماء فتمضمض ثلاثا، واستنثر ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يده اليمنى ثلاثا، وغسل يده اليسرى ثلاثا، ثم أدخل يده فأخذ ماء فمسح برأسه وأذنيه، فغسل بطونهما وظهورهما مرة واحدة، ثم غسل رجليه، ثم قال: أين السائلون عن الوضوء؟ «هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ» (١). والصفة الثانية أرجح من الأولى، قال ابن عبد البر (٢): وكل قد روي. (وإن استاك) من يريد الوضوء بعود السواك فذلك سنة مستحبة لحديث علي له قال: قال رسول الله ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء» (٣)، وفي مسلم من حديث ابن عباس له أن النبي ﷺ : كان «يستاك فيتوضأ»؛ فإن لم يجد ف (بأصبعه) قبل أن يتوضأ (فحسن)؛ أي: مستحب (٤)، وقد يصلح للاستدلال له حديث أخرجه أحمد عن علي له أنه قال لمولاه قنبر: ائتني بكور من ماء فغسل كفيه ووجهه ثلاثا، وتمضمض ثلاثا، فأدخل بعض أصابعه في فيه … وقال: هكذا وضوء النبي ﷺ (٥). (ثم يستنشق بأنفه الماء) ثم للترتيب فقط لا للتراخي؛ أي: أن

стр. 235

المتلبس بأعمال الوضوء بعد فراغه من المضمضة يستنشق بأن يجذب الماء إلى أعلى منخريه لحديث مسلم: «فليستنشق بمنخريه الماء» (١)، فإن كان صائما فلا يبالغ لحديث لقيط بن صبرة له أن النبي ﷺ قال له: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما» (٢)؛ (ويستنثره ثلاثا) فعن أبي غطفان، قال: دخلت على ابن عباس فوجدته يتوضأ، فمضمض واستنثر، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : «استنثروا اثنتين بالغتين أو ثلاثا» (٣)، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا توضأ أحدكم، فليجعل في أنفه ماء، ثم ليستنثر» (٤). والمشهور أنه سنة على انفراده وصفة الاستنثار أن يجعل السبابة والإبهام من يده اليسرى على أنفه، ويرد الماء بريح الأنف كما يفعل في امتخاطه. وكره عند مالك امتخاطه كامتخاط الحمار لوقوع النهي عنه في الحديث (٥). (ويجزئه أقل من ثلاث)؛ أي: يكفيه أقل من ثلاث (في المضمضة والاستنشاق) والأقل صادق بالمرة الواحدة والثنتين. لحديث ابن عباس ﵁: «أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا» (٦) (وله جمع ذلك في غرفة واحدة)؛ أي: للمتوضئ أن يجمع بين المضمضة والاستنشاق في غرفة واحدة لحديث عبد الله بن زيد ﵁: «توضأ لنا وضوء رسول الله ﷺ : فدعا بإناء فأكفأ منها على يديه فغسلهما ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها فمضمض، واستنشق من كف واحدة ففعل ذلك ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه إلى

стр. 236

المرفقين مرتين مرتين، ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فأقبل بيديه … وأدبر، ثم غسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ » وقد تقدم. وله صورتان إحداهما أن لا ينتقل إلى الاستنشاق إلا بعد الفراغ من المضمضة. والأخرى أن يتمضمض، ثم يستنشق، ثم يتمضمض، ثم يستنشق، ثم يتمضمض، ثم يستنشق. والأولى أفضل لسلامتها من التنكيس في العبادة (والنهاية أحسن)؛ أي: من فعل ذلك ثلاث مرات فهو الأحسن لأنه الذي واظب عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهو نهاية الكمال في الوضوء. • غسل الوجه وصفته: (ثم يأخذ الماء) ثم بعد الفراغ من الاستنشاق والاستنثار يأخذ الماء إن كان الإناء منفتحا (إن شاء بيديه جميعا) وهو الأولى عند مالك لما في حديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء رسول الله ﷺ وفيه «ثم أدخل يديه فاغترف بهما، فغسل وجهه ثلاثا» (١). (وإن شاء) أخذه (بيده اليمنى، فيجعله في يديه جميعا، ثم ينقله إلى وجهه) كما عند ابن القاسم لما في البخارى وغيره عن ابن عباس ﵄ في صفة وضوء النبي ﷺ وفيه «ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا، أضافها إلى يده الأخرى فغسل بهما وجهه … الحديث» (٢). وظاهره أن نقل الماء شرط، وهو كذلك عند ابن حبيب وابن الماجشون وسحنون، والمشهور أنه لا يشترط النقل وإنما المطلوب إيقاع الماء على سطح الوجه كيفما أمكن ولو بميزاب (٣). (فيفرغه عليه)؛ أي: يفرغ الماء على وجهه من غير أن يلطم وجهه

стр. 237

بالماء كما تفعله النساء وعوام الرجال. (غاسلا له بيديه) يستفاد منه أشياء: فيستفاد منه أن مقارنة الغسل لنقل الماء إلى العضو المغسول شرط للاستحباب في الوضوء بدليل الحالية التي تفيد المقارنة. ويستفاد منه أيضا أنه يباشر ذلك بنفسه، قال الأزهري: فلو وكل غيره على الوضوء لغير ضرورة لا يجزئه لأنه من أفعال المتكبرين، أما إذا كان الأمر يقتصر على صب الماء فلا بأس؛ قال التتائي: وتجوز النيابة على تفريغ الماء لا على غسل الأعضاء، فقد صح عن النبي ﷺ أن بعض أصحابه كانوا يصبون عليه الماء ليتوضأ منها حديث أسامة والمغيرة في البخاري، وبوب عليه «باب الرجل يوضئ صاحبه» (١). (من أعلى جبهته) متعلق بغاسلا، كما في حديث علي ﷺ وفيه: «ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء فصبها على ناصيته فتركها تستن على وجهه» (٢)، أي: أن السنة أن يبدأ في غسل الأعضاء من أولها، فإن بدأ من أسفلها أجزأه وبئس ما صنع؛ أي: يكره. (وحده منابت شعر رأسه) تفسير لأعلى الجبهة، أعلاه حده منابت شعر الرأس المعتاد، فلا يعتبر الأغم (الذي نبت بعض الشعر على جبهته) ولا الأصلع (الذي انحسر الشعر عن مقدمة رأسه)، فيدخل موضع الغمم في الغسل ولا يدخل موضع الصلع وفهم من قوله: منابت إلخ أنه لا بد من غسل جزء من الرأس ليتحقق الواجب، (إلى طرف ذقنه) الوجه له طول وله عرض فأول طوله من منابت شعر الرأس المعتاد وآخره طولا إلى طرف ذقنه، وهو مجمع اللحيين بفتح اللام وهو ما تحت العنفقة. ولا خلاف في دخوله

стр. 238

في الغسل. وحده عرضا من الأذن إلى الأذن، (ودور وجهه كله كان من حد عظمي لحييه إلى صدغيه)؛ أي: ويغسل دور وجهه كله، فهو مفعول لفعل محذوف. واللحيين بفتح اللام تثنية لحي بفتحها أيضا. والصدغين تثنية صدع بضم الصاد، وهو ما بين الأذن والعين، والمشهور دخوله في الغسل ف (إلى) في كلام المصنف بمعنى (مع)، (ويمر يديه على ما غار من ظاهر أجفانه) لحديث أبي أمامة ﵁: أنه وصف وضوء رسول الله ﷺ فذكر ثلاثا ثلاثا، قال: وكان يتعاهد الماقين (١) بلفظ يمسح الماقين (٢)، (وأسارير جبهته)؛ يعني: أنه يجب إمرار اليد على ما خفي من ظاهر أجفانه، وأما داخل العين فلا يجب غسله، ويجب أيضا إمرار اليد على التكاميش التي تكون في الجبهة، وهي موضع السجود. (وما تحت مارنه من ظاهر أنفه)؛ أي: يجب أن يمر يده يطبقهما في حال غسل الوجه. (يغسل وجهه هكذا ثلاثا)؛ يعني: أن الصفة المطلوبة من إمرار اليد على التكاميش التي تكون في الجبهة، وهي موضع السجود. (وما تحت مارنه من ظاهر أنفه)؛ أي: يجب أن يمر يده على ما تحت مارنه، وهو ما لان من الأنف تفسير لمارن الأنف، وما تحته يقال له وتره. ومفهوم ظاهر أنفه أن باطنه لا يجب غسله. ويجب عليه أن يغسل ظاهر شفتيه ولا يطبقهما في حال غسل الوجه. (يغسل وجهه هكذا ثلاثا)؛ يعني: أن الصفة المطلوبة من الابتداء بأول العضو والانتهاء إلى آخره، والدلك وتتبع المغابن تفعل في جميع الغسلات. (ينقل الماء إليه)؛ أي: إلى الوجه (ويحرك لحيته الكثيفة (في) حال (غسل وجهه بكفيه ليداخلها الماء، لدفع الشعر لما يلاقيه من الماء)؛ أي: أنه في حال غسل وجهه يحرك بكفيه شعر لحيته الكثيف لأجل أن يداخلها الماء،

стр. 239

لحديث عثمان ﵁ «أن النبي ﷺ كان يخلل لحيته» (١)، (وليس عليه تخليلها) وجوبا (في الوضوء) إذا كانت كثيفة في قول مالك كما نقل عبد الوهاب (٢)، لأنه ثبت عن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، وهذا القدر غير كاف في إيصال الماء إلى البشرة فدل على الاستحباب لا سيما وأن لحيته ﷺ كانت كثيفة والله أعلم، ولكن إذا كانت خفيفة فالأمر يختلف ويجب عليه إيصال الماء للبشرة في قول مالك، قال ابن العربي: اختلف العلماء في تخليلها على أربعة أقوال: أحدها: أنه لا يستحب، قاله مالك. الثاني: أنه يستحب، قاله ابن حبيب (٣). الثالث: أنها إن كانت خفيفة وجب إيصال الماء إليها، وإن كانت كثيفة لم يجب ذلك قاله مالك، عن عبد الوهاب. الرابع: من علمائنا من قال يغسل ما قابل الذقن إيجابا وما وراءه استحبابا، وفي تخليل اللحية في الجنابة روايتان عن مالك إحداهما: أنه واجب وإن كثفت رواه ابن وهب، وروى ابن القاسم وابن عبد الحكم سنة (٤) اه. فرع من قلم ظفره، أو حلق شعر رأسه لم يعد وضوءه، وفي حلقه للحيته قولان ذكرهما صاحب «المختصر» بغير ترجيح، واقتصر ابن الحاجب على عدم الإعادة وعزاه للمدونة (٥)، وذلك لسنية قص الأظافر وإباحة حلق الشعر، وحرمة حلق اللحية. (ويجري عليها)؛ أي: على اللحية (يديه إلى آخره)؛ أي: على آخر الشعر ولو طالت وجوبا على المشهور (٦)، لأنها من الوجه بحكم التبعية ولأن الوجه ما تقع به المواجهة.

стр. 240

• غسل اليدين إلى المرفقين: (ثم) بعد أن يفرغ من غسل الواجب الأول وهو الوجه ينتقل إلى الواجب الثاني، وهو اليدان، ف (يغسل يده اليمنى) أولا، للإجماع حكاه النووي (١) ولو خالفها فاته فضل التيامن، وصح وضوءه، لحديث عائشة ﵂ كان النبي ﷺ «يعجبه التيمن، في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله» (٢) وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا لبستم أو توضأتم فابدؤا بأيامنكم»، وفي رواية: «بميامنكم» (٣) (ثلاثا أو اثنتين) انظر لم خير في غسل اليدين بقوله ثلاثا أو اثنتين ولم يخير في غسل الوجه والرجلين؟ ووجه ذلك أنه ثبت عنه ﷺ أنه غسل وجهه ثلاثا ويديه مرتين مرتين كما في حديث عمرو بن يحيى عن أبيه قال: كان عمي يكثر من الوضوء، قال لعبد الله بن زيد: أخبرني كيف رأيت النبي ﷺ يتوضأ؟ فدعا بتور من ماء، فكفأ على يديه فغسلهما ثلاث مرار، ثم أدخل يده في التور فمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة، ثم أدخل يده فاغترف بها، فغسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، … الحديث (٤). (يفيض عليها الماء ويعركها بيده اليسرى)؛ أي: وصفة ذلك أنه يصب الماء على يده اليمنى ويدلكها بيده اليسرى. وينبغي أن يكون الدلك متصلا بصب الماء (٥)، (ويخلل أصابع يديه بعضها ببعض)؛ يعني: يدخل أصابع إحدى يديه في فروج الأخرى، لحديث ابن عباس ﵄: «إذا توضأت فخلل

стр. 241

بين أصابع يديك ورجليك» (١)؛ ولكن الأمر للوجوب بالنسبة لليدين، وللندب بالنسبة للرجلين (٢)، وذهب بعضهم للوجوب فيهما، والله أعلم. (ثم يغسل يده اليسرى كذلك) ثم بعد الفراغ من غسل اليد اليمنى على الصفة المتقدمة يغسل يده اليسرى مثل ذلك روى أحمد في «المسند» من حديث المغيرة بن شعبة ﵁: «فغسل يده اليمنى ثلاث مرات ويده اليسرى ثلاث مرات … » (٣). (ويبلغ فيهما بالغسل إلى المرفقين)؛ أي: أن المتوضئ يبلغ في غسل يديه اليمنى واليسرى إلى المرفقين أي يبلغ في غسلهما إلى هذا الموضع (يدخلهما في غسله) لما كان قوله إلى المرفقين محتملا لإدخالهما في الغسل وعدمه. والمشهور وجوب إدخالهما. صرح بذلك بقوله: يدخلهما في غسله. لقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ فإلى في كلامه كالآية الشريفة بمعنى مع (٤)، كقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾؛ أي: مع؛ ولحديث نعيم بن عبد الله المجمر قال رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد … ثم قال هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ (٥)، وفي حديث عن جابر ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه» (٦)، قال

стр. 242

إسحاق بن راهويه: «إلى» في الآية يحتمل أن تكون بمعنى الغاية وأن تكون بمعنى مع، فبينت السنة أنها بمعنى مع، انتهى. (وقد قيل إليهما)؛ يعني: أن من ذهب إلى عدم دخول الغاية يقول: إن الغسل ينتهي إلى المرفقين، فإلى في الآية الشريفة على حقيقتها، وليست بمعنى مع، وحينئذ فالغاية خارجة فلا يجب غسل المرفقين، وقد مر الدليل على دخولهما، والحقيقة اللغوية لا تسبق الحقيقة الشرعية إذا جاءت النصوص واضحة والله الهادي، ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإدخالهما فيه أحوط) إشارة إلى قول ثالث يقول باستحباب دخولهما في الغسل (لزوال تكلف) مشقة (التحديد)، لأنه يلزم من يقول إليهما ينتهي حد الغسل أن يحدد نهاية الغسل وفيه مشقة، والقول بدخولهما أرجح. ٦ - مسح الرأس: (ثم) ثم بعد الفراغ من الواجب الثاني ينتقل إلى فعل الواجب الثالث ف (يأخذ الماء بيده اليمنى فيفرغه على باطن يده اليسرى، ثم يمسح بيديه رأسه) كله لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: ٦] وللأحاديث التي مرت، ثم إن الرأس يقع حقيقة على جميعه دون بعضه، وقد أمر الله تعالى بمسح ما يتناوله الاسم فيجب مسح جميع الرأس (١)، ف (يبدأ من مقدمه)؛ أي: أن البداءة بمقدم الرأس مستحب لحديث عبد الله بن زيد بن عاصم «ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر: بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه» (٢)، قال البخاري: وسئل مالك: أيجزئ أن يمسح بعض الرأس؟ فاحتج بحديث عبد الله بن زيد ﵁.

стр. 243

ومقدم الرأس (من أول منابت شعر رأسه المعتاد فلا يعتبر أغم ولا أصلع. (و) تكون البداءة بيديه حالة كونه قد قرن أطراف أصابع يديه ما عدا إبهاميه بعضها ببعض على رأسه وجعل إبهاميه على صدغيه، ثم يذهب بيديه ماسحا إلى طرف شعر رأسه مما يلي قفاه؛ أي: يمسح رأسه إلى منتهى الجمجمة والجمجمة عظم الرأس المشتمل على الدماغ، (ثم يردهما إلى حيث بدأ؛ أي: إلى المكان الذي بدأ منه، ويأخذ بإبهاميه خلف أذنيه إلى صدغيه وعظم الصدغين من الرأس، فيجب مسحه. ويجب أن يمسح مع ذلك أشياء من الوجه فيحيط بالشعر، وكيفما مسح أجزأه إذا أوعب رأسه) أشار إلى أن الكيفية المذكورة في صفة مسح الرأس ليست بواجبة، بل مدار الإجزاء على الإيعاب، وتعميم المسح جميع الشعر لحديث الربيع بنت معوذ ﵂ «أن الرسول ﷺ مسح برأسه مرتين، بدأ بمؤخر رأسه، ثم بمقدمه، وبأذنيه كلتيهما، ظهورهما وبطونهما» (١)، والأول أحسن) لرواية الأكثر للكيفية الواردة الصحيحة في حديث عبد الله بن زيد، وحديث الربيع. (ولو أدخل يديه في الإناء ثم رفعهما مبلولتين ومسح بهما رأسه أجزأه) أشار إلى صفة أخرى في أخذ الماء لمسح الرأس، وهو أنه لو أخرج يديه مبلولتين بعد إدخالهما في الماء، سواء كان في إناء أو غيره، ثم مسح بهما رأسه أجزأه ذلك عند مالك من غير كراهة بل هو المستحب عنده لحديث عبد الله بن زيد وفيه: «ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر» (٢). وهل يجزئ غسل الرأس بالماء بدل مسحه؟، اقتصر صاحب المختصر على الإجزاء، لأنه مسح وزيادة، وقول آخر عدم الإجزاء لأنه حقيقة مخالفة لحقيقة المسح حكاهما التتائي؛ وبين أن التعبير بالإجزاء دليل على حرمته أو كراهته وهما قولان (٣).

стр. 244

(ثم يفرغ الماء على سبابتيه وإبهاميه وإن شاء غمس ذلك في الماء، ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما) ثم بعد مسح الرأس ينتقل إلى مسح الأذنين بأن يأخذ الماء بيمينه، ويفرغه على سبابة يده اليسرى مع إبهامها، وما اجتمع في كفه اليسرى يفرغه على سبابة يده اليمنى مع إبهامها، ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما لحديث: «أن عبد الله بن عمر كان يأخذ الماء بأصبعيه لأذنيه» (١). وإن شاء غمس السبابتين والإبهامين في الماء، ثم يمسح بهما أذنيه. ولحديث الربيع: قالت: «توضأ النبي، فأدخل إصبعيه في جحري أذنيه» (٢). (وتمسح المرأة كما ذكرنا) مثل الرجل في المقدار. والصفة لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: ٦] و «النساء شقائق الرجال» (٣)، قال ابن المسيب: "المرأة بمنزلة الرجل" (٤)، (وتمسح على دلاليها)؛ أي: أنها تمسح على ما استرسل من شعرها قال مالك: تمسح المرأة على ما استرخى من دلاليها وإن كان شعرها معقوصا مسحت على ضفرها .. والمشهور وجوب مسح ما استرخى من شعر الرجال على الجانبين بحيث نزل عن محل الفرض، أو على الوجه. وأما القائم بمحل الفرض فمتفق على وجوب مسحه. (ولا تمسح على الوقاية) (٥) روى ابن وهب «أن عائشة وجويرية لا زوجتي النبي، وصفية زوج ابن عمر الله (٦): كن إذا توضأن أدخلن أيديهن تحت الوقاية، فيمسحن جميع رؤوسهن»، وقد كانت أم سلمة زوج النبي ﷺ تمسح على خمارها (٧)، والوقاية هي الخرقة التي تعقد بها المرأة شعر رأسها لتقيه من الغبار وكذلك لا تمسح على ما في معنى الوقاية من خمار وحناء إذا جعلت مثل

стр. 245

اللزقة ووضعت على الرأس، لأن ذلك كله حائل، ما لم تكن ضرورة. (وتدخل يديها من تحت عقاص (١) شعرها في رجوع يديها في المسح)؛ يعني: أن المرأة بعد أن بدأت في المسح بمقدم رأسها، وانتهت إلى آخر ما استرخى من شعرها يجب عليها أن تدخل يديها من تحت عقاص شعرها لتوقف التعميم عليه. ثم يسن لها الرد إن بقي بيديها بلل. وهل تمسح المرأة على الحناء (٢)؟ قال مالك: «في الحناء تكون على الرأس فأراد صاحبه أن يمسح على رأسه في الوضوء قال لا يجزئه أن يمسح على الحناء حتى ينزعها فيمسح على شعره» (٣). وأفاد زروق عن شيخه القوري (٤) أنه كان يفتي للنساء بالمسح ويقول: لو منعناهم من المسح على الحناء لتركوا الصلاة (٥) ٧ - غسل الرجلين: (ثم يغسل رجليه)؛ أي: بعد الفراع من مسح الأذنين يشرع في الفريضة الرابعة؛ أي: أن غسل الرجلين هو الفريضة الرابعة عند الجمهور لقوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ الآية، وللأحاديث المستفيضة في غسلهما كما مر (٦)، والمتواتر عنه غسلهما دائما عند عدم الخفين وصفة غسلهما هو أن

стр. 246

يصب الماء بيده اليمنى على رجله اليمنى لأنها أول ما يبدأ به في غسلهما لورود السنن في التيامن كما مر (ويعركها)؛ أي: يدلكها (بيده اليسرى) فلا يكفي ذلك إحدى الرجلين بالأخرى لحديث علي الله في صفة وضوء النبي ﷺ وفيه «ثم صب بيده اليمنى ثلاث مرات على قدمه اليمنى ثم غسلها بيده اليسرى، ثم صب بيده اليمنى على قدمه اليسرى، ثم غسلها بيده اليسرى ثلاث مرات» (١). وفي كلام ابن القاسم أنه يكفي ذلك إحدى الرجلين بالأخرى، (يوعبها بذلك ثلاثا)؛ أي: يستكمل غسلها بالماء والدلك ثلاث مرات على جهة الاستحباب ولا يزيد على ذلك، فيكون غسل الرجلين محدودا بثلاث غسلات، وهو أحد قولين مشهورين. وهل تكره المرة الرابعة أو تمنع؟ خلاف. والقول الآخر: إن غسل الرجلين لا يحد فالمطلوب الإنقاء ولو زاد على الثلاث وشهر أيضا لورود الرواية في بعض ألفاظها (٢) عن ابن عباس وعلي في وصفهما وضوء النبي ﷺ : «ثم غسل رجليه ثلاثا» وفي بعضها: «ثم غسل رجليه حتى أنقاهما» أخرجه أحمد (٣)، وفي بعضها: «ثم غسل رجليه» فقط. (وإن شاء خلل أصابعه في ذلك)؛ أي: أنه إن شاء خلل أصابع رجليه في حال غسلهما. وإن ترك ذلك (فلا حرج)، ولكن (التخليل أطيب للنفس) فلا يبقى معه شك وقد تقدم ذكر ذلك. (ويعرك عقبيه) ذكره بلفظ الخبر ومعناه الطلب؛ أي: وليعرك عقبيه؛ أي: وليدلكهما، والعقبان تثنية عقب، وهي مؤخر القدم مما يلي الأرض. والطلب يصدق بالوجوب والندب، والمراد الأول. و (عرقوبيه) تثنية عرقوب بضم أوله وهو العصبة الناتئة من العقب إلى الساق أي يدلك عرقوبيه. (وما

стр. 247

لا يكاد يداخله)؛ أي: ويدلك كل ما لا يداخله (الماء بسرعة)، فيكاد زائدة. (من جساوة) بيان لما لا يداخله الماء بسرعة، والجساوة بجيم وسين مهملة مفتوحتين غلظ في الجلد نشأ عن قشف، (أو شقوق)؛ أي: تفاتيح تكون من غلبة السوداء أو البلغم (١) (فليبالغ بالعرك)؛ أي: فليتعهدها بالدلك (مع صب الماء بيده)، وكذلك التكاميش التي تكون من استرخاء الجلد في أهل الأجسام الغليظة. (فإنه جاء الأثر) (٢) في «الصحيحين»: عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: «تخلف عنا النبي ﷺ في سفرة سافرناها فأدركنا - وقد أرهقتنا الصلاة - ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» (٣) مرتين أو ثلاثا» (٤) وفي الكلام حذف مضاف تقديره لصاحب الأعقاب من النار. وهذا لا يختص بالأعقاب خاصة، بل شامل لكل لمعة تبقى في أعضاء الوضوء. وإنما قال النبي ﷺ هذا حين رأى أعقاب الناس تلوح ولم يمسها ماء الوضوء. (وعقب الشيء طرفه)؛ أي: عقب الشيء طرفه بفتح الراء وهو آخره (ثم يفعل بالرجل اليسرى مثل ذلك)؛ أي: مثل ما فعل في اليمنى سواء بسواء. ولم يبين منتهى الغسل في الرجلين ومنتهاه الكعبان الناتئان في جانبي الساقين، والمشهور دخولهما في الغسل، لقوله تعالى: ﴿إلى الكعبين﴾ والدليل على دخولهما حديث نعيم بن عبد الله المجمر، قال: «رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق»،

стр. 248

ثم قال: «هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ. وقال: قال رسول الله ﷺ : «أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله»» (١).

стр. 249

ما جاء في الوضوء مرة ومرتين وثلاثا، وفي الذكر عقبه وما ينبغي للعبد من الخضوع والخشوع في صلاته • قال المصنف رحمه الله تعالى: (وليس تحديد غسل أعضائه ثلاثا ثلاثا بأمر لا يجزئ دونه، ولكنه أكثر ما يفعل، ومن كان يوعب بأقل من ذلك أجزاه إذا أحكم ذلك، وليس كل الناس في إحكام ذلك سواء. وقد قال رسول الله ﷺ : «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم رفع طرفه إلى السماء فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء». وقد استحب بعض العلماء أن يقول بأثر الوضوء: «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين». ويجب عليه أن يعمل عمل الوضوء احتسابا لله تعالى لما أمره به يرجو تقبله وثوابه وتطهيره من الذنوب به ويشعر نفسه أن ذلك تأهب وتنظف لمناجاة ربه والوقوف بين يديه لأداء فرائضه والخضوع له بالركوع والسجود فيعمل على يقين بذلك وتحفظ فيه فإن تمام كل عمل بحسن النية فيه). • الشرح: (وليس عليه)؛ أي: ليس على المتوضئ (تحديد غسل أعضائه) التي حقها الغسل (ثلاثا) (ثلاثا) بأمر لا يجزئ دونه لما مر من الأحاديث التي

стр. 250

تبين صفة وضوئه ﷺ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا، أو تنويع في ذلك؛ قال ابن عبد البر (١) رحمه الله تعالى: وأجمع العلماء أن غسلة واحدة في الرجلين وسائر أعضاء الوضوء تجزئ إذا كانت سابغةاه. (ولكنه أكثر ما يفعل)؛ أي: ولكن التحديد بالثلاث أكثر ما يفعله المتوضئ لكثرة وروده عن النبي ﷺ وأصحابه، ولا فضيلة فيما زاد على الثلاث. قال ميارة (٢): قال في التوضيح ونحوه في المقدمات إن عبد الوهاب، واللخمي، والمازري، قالوا بل تمنع، ونقل سند على المنع اتفاق المذهب وفي المذهب قول بالكراهة - فوجه الكراهة أنه من جهة السرف في الماء، ووجه المنع نهيه ﷺ عن الزيادة، وقد تقدم حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﷺ وفيه: « … فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم - أو ظلم وأساء» واللفظ لأبي داود. (ومن كان يوعب)؛ أي: يسبع أعضاء الوضوء (بأقل من ذلك)؛ أي: من ثلاث غسلات (أجزأه)؛ أي: ذلك الأقل (إذا أحكم ذلك)؛ أي: أتقن ذلك الفعل. وقد حدد الأكثر ولم يحدد الأقل، لأن الأقل لما كان محصورا في الواحدة والاثنتين فحاله معلوم فلا حاجة للتنبيه عليه. (وليس كل الناس في إحكام ذلك سواء)؛ أي: ليس كل الناس في إتقان ذلك الغسل سواء، فمن لم يحكم بالواحدة لا تجزئه، ويتعين في حقه ما يحكم به، فإن كان لا يسبغ، إلا باثنتين نوى بهما الفرض وبالثالثة الفضيلة. وإن كان لا يسبغ إلا بالثلاث نوى بها الفرض وسقط ندب ما زاد. تنويه: قال النووي: وقد أجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة مرة، وعلى أن الثلاث سنة، دليل على جواز ذلك كله، وأن الثلاث هي الكمال والواحدة تجزئ (٣).
следующие страницы →