← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الذي فرضه التيمم لعدم الماء، قاله ابن بشير وهو المشهور، والمشهور أيضا أنه لا يتيمم للسنن على الأعيان كالوتر وركعتي الفجر (١). وأما الحاضر الصحيح الذي فرضه التيمم لخوف مرض فحكمه كالمريض فيتيمم للجمعة وللجنازة. وإن لم تتعين وللسنن والنوافل، ولو نوى بتيممه فرضا جاز له أن يصلي به نفلا بعده بشرط اتصاله بالفرض. وإن لم ينو صلاة النفل بعد الفرض والتقييد بالبعدية مع أنه لو صلى به نفلا قبله لصح لقوله: بشرط اتصاله بالفرض. فإن فصله بطول أو خروج من المسجد أعاد تيممه إن أراد صلاة النفل، ويسير الفصل مغتفر، ويحد بمثل آية الكرسي. وقيل: يشترط أيضا أن لا يكثر النفل وتعتبر الكثرة بالعرف. • ما يصح به التيمم: (والتيمم) يكون (بالصعيد الطاهر) هذا من تفسير الراسخين وبيان المتفقهين للطيب في قوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾ [النساء: ٤٣، والمائدة: ٦]، (وهو) أي: الصعيد الطيب في كلام العرب وبه قال مالك، قال الزجاج: لا أعلم اختلافا في ذلك بين أهل اللغة (٢) (ما ظهر)؛ أي: صعد؛ أي: أن مالكا قال: إن الصعيد ما ظهر على وجه الأرض موافقا لما عند العرب، قال القرطبي: حديث عمران بن حصين نص على ما يقوله مالك، إذ لو كان الصعيد التراب لقال ﵇ للرجل عليك بالتراب فإنه يكفيك، فلما قال: «عليك بالصعيد» أحاله على وجه الأرض. والله أعلم (٣). وذهب غيره إلى أن الصعيد في الآية التراب الطاهر وجد (على وجه الأرض) أو أخرج من باطنها إلى وجه الأرض منها من تراب أو رمل أو حجارة أو سبخة بفتح الباء واحدة السباخ وهي أرض ذات ملح ورشح، لقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾ ولا يتيمم على الخشب والحشيش والزرع على

стр. 282

المعتمد، خلافا لابن القصار (١) في جوازه على الحشيش الحائل بينه وبين الأرض (٢)، وأجاز في مختصر الوقار التيمم على الخشب (٣)، وذكر بعض البغداديين أن في التيمم على الزرع اختلافا (٤)، وظاهر كلام يحيى بن سعيد مساواة الجميع فلا يقدم بعض أجزائها على بعض (٥)، وظاهر قوله: يتيمم على الحجارة ولو كانت من الصفوان، ولم يكن عليها تراب ما لم تطبخ، فلا يجوز التيمم على الجير، ولا على الآجر، وهو الطوب الأحمر، ويتيمم على التراب نقل أو لم ينقل، إلا أن الثاني باتفاق، والأول على المشهور وغير التراب كالملح والشب والكبريت والنحاس والحديد لا يتيمم عليها إلا في موضعها أو نقلت من موضع لآخر ولكن لم تصر في أيدي الناس كالعقاقير، وأما لو صارت في أيدي الناس كالعقاقير فلا يصح التيمم عليها (٦). • صفة التيمم: و (يضرب بيديه الأرض) جملة مستأنفة لبيان كيفية الفعل، فكأنه قيل: كيف يفعل، فقال: يضرب بيديه الأرض، ناويا استباحة ما منعه الحدث لقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة: ٦]،

стр. 283

وفي صفته عن النبي ﷺ كما في حديثي عمار، وأبي الجهيم ﵄ في حديث عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب ﵄: «أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : «إنما كان يكفيك هكذا» فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه» (١)، وفي رواية: «إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بكفه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه» (٢). قال ابن العربي: فبين ذلك النبي ﷺ للخلق وعلمه للأمة فليس لأحد في ذلك رأي (٣). ولا يضر هنا تقديم اليدين على الوجه، إذ هنا لم يحك الصفة على الترتيب، والراوي هنا أبو موسى ﵁ في مناظرة له مع ابن مسعود ﵁، وهي غير رواية صاحب الواقعة عمار ﵁. ولحديث أبي جهيم ﵁ في «الصحيحين» قال: «أقبل النبي ﷺ من نحو بثر جمل فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه¬ السلام» (٤)، فإن لم يكن له يد يتيمم بغيرها، فإن عجز استناب، فإن لم تمكنه الاستنابة فإن الله تعالى قال: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦] ولا يتمرغ كما قال بعض الشراح (٥)، وليس المراد بالضرب حقيقته، بل المراد أنه يضع يديه على ما يتيمم به ترابا أو غيره، وهذا الضرب فرض، ولا يشترط علوق شيء بكفيه، فإن تعلق بهما شيء من حصى أو عيدان أو غير ذلك مما فيه أذى نفضهما نفضا خفيفا حتى عد بعضهم هذا النفض من

стр. 284

فضائل التيمم، لئلا يؤذي وجهه لحديث عمار السابق، وقال بالنفض مالك كما في مختصر ابن عبد الحكم (١)، والواضحة لابن حبيب (٢). ولا بد قبل الشروع في التيمم أن يقصد الصعيد لا غيره مما لا يصح التيمم عليه، وأن ينوي استباحة الصلاة، أو ينوي فرض التيمم عند الضربة الأولى. فإن كان محدثا حدثا أصغر نوى استباحة الصلاة من الحدث الأصغر. وإن كان محدثا حدثا أكبر نوى استباحة الصلاة من الحدث الأكبر والأصغر. وإن لم يتعرض للحدث الأكبر؛ أي: ترك نية الأكبر عامدا أو ناسيا وصلى بذلك التيمم أعاد الصلاة أبدا. وإن نوى الأكبر معتقدا أنه عليه فتبين خلافه أجزأه عن الأصغر، لا إن اعتقد أنه ليس عليه، وإنما قصد بنيته الأكبر نفس الأصغر فلا يجزئه وأما إن نوى فرض التيمم فيجزئه ولو لم يتعرض لنية أكبر عليه. ولو نوى المتيمم رفع الحدث لم يجزئه على المشهور، فإن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يبيح الصلاة فقط. (ثم) بعد نفض يديه (يمسح بهما وجهه كله مسحا) ولا يترك منه شيئا ويراعي الوترة وغيرها فإن ترك شيئا من مسح الوجه كله ولو يسيرا لا يجزئه. ويبدأ من أعلاه كما في الوضوء، ويجري يديه على ما طال من لحيته. ودفع ما يتوهم من قوله كله أنه يمر على غضون الوجه بقوله مسحا لأن المسح مبني على التخفيف. (ثم) يمسح يديه إلى الكوعين لإتمام الفرض وبعد ذلك (يضرب بيديه الأرض) ضربة ثانية لمسح يديه على جهة السنية ولو أنه ترك الضربة الثانية واكتفى بالضربة الأولى في مسح الوجه واليدين أجزأه، ولأنه هو الصحيح الموافق للكتاب والسنة وما بينته الروايات الصحيحة كحديث عمار ﵁، وقد جاءت بعض الروايات في حكم الضربة الثانية كما في حديث الأسلع بن شريك إلا أن الحديث معل كما قال ابن أبي حاتم في العلل (٣).

стр. 285

وجاء موقوفا أن عبد الله بن عمر كان «يتيمم إلى المرفقين» وسئل مالك كيف التيمم وأين يبلغ به؟ فقال: «يضرب ضربة للوجه، وضربة لليدين، ويمسحهما إلى المرفقين» رواه الحاكم (١). ثم بين المصنف رحمه الله تعالى صفة مسح اليدين فقال: (فيمسح يمناه بيسراه) فإذا شرع في مسحهما فالمستحب في صفة مسحهما أنه يمسح أولا يمناه بيسراه (فيجعل أصابع يده اليسرى) ما عدا الإبهام (على أطراف أصابع يده اليمنى) ما عدا إبهامها (ثم يمر أصابعه على ظاهر يده)؛ يعني: كفه (و) على ظاهر (ذراعه) وهو ما بين المرفق والكوع (و) يكون في مروره على ظاهر ذراعه (قد حنى)؛ أي: يحني بمعنى يطوي (عليه أصابعه حتى يبلغ المرفقين) صوابه المرفق لأنه ليس لليد الواحدة إلا مرفق ويمكن أن يقال إن المصنف قصد بيان غاية المسح بالنسبة لليدين. وظاهر كلام المصنف أن المرفق لا يمسح لأن حتى للغاية أي والغاية خارجة. قيل: أراد مع المرفقين كما تقدم في الوضوء، إذ التيمم بدل عنه والمسح إلى المرفقين سنة وإلى الكوعين فريضة على ما في «المختصر». وتعقبه العلامة البساطي (٢) بأن مشهور المذهب أن المسح إلى المرفقين واجب ابتداء، وإنما الخلاف إذا اقتصر على الكوعين وصلى فالمشهور أنه يعيد في

стр. 286

الوقت ومقابله يعيد أبدا وهذا التعقب مردود، فقد رجح في المقدمات ما مشى عليه المختصر واقتصر عليه القاضي عياض في قواعده وهو الراجح والمشهور من المذهب تخليل الأصابع، ويكون التخليل بباطنها لا بجنبها لأنه لم يمسه التراب والمشهور أيضا نزع الخاتم (١)، ويقوم مقام النزع نقله عن موضعه، والفرق بين التيمم والوضوء حيث قيل بنزع الخاتم في التيمم وعدم النزع في الوضوء قوة سريان الماء في الوضوء ولا كذلك التراب. (ثم) إذا فرغ من مسح ظاهر يده اليمنى (يجعل يده اليسرى) وفي رواية كفه وهي مفسرة للأولى، فيكون المراد باليد الكف ما عدا الأصابع لأن الأصابع قد مسح بها أولا ظاهر اليد ما عدا الإبهام. والجعل المذكور يكون (على باطن ذراعه) الأيمن ويكون ابتداؤه (من طي مرفقه) حال كونه (قابضا عليه)؛ أي: على باطن ذراعه ويكون في قبضه رافعا إبهامه ونهاية ذلك (حتى يبلغ الكوع من يده اليمنى) وهو رأس الزند مما يلي الإبهام على وزن فلس. (ثم) بعد أن يفرغ من مسح باطن ذراعه (يجري باطن بهمه)؛ أي: إبهامه من يده اليسرى (على ظاهر بهم يده اليمنى)، لأنه لم يمسحه أولا. وما ذكره من إمرار البهم مثله لابن الطلاع وهو محمد بن فرح (٢) شيخ الفقهاء في عصره، وظاهر الروايات وهو المعول عليه مسح ظاهر إبهام اليمنى مع ظاهر أصابعها. (ثم) إذا فرغ من مسح اليد اليمنى على الصفة المتقدمة (يمسح اليسرى باليمنى هكذا)؛ أي: على الصفة المتقدمة في مسح اليد اليمنى. (فإذا بلغ الكوع) من يده اليسرى (مسح كفه اليمنى بكفه اليسرى إلى آخر أطرافه)؛

стр. 287

أي: أطراف الكف، أراد به باطن الكف والأصابع، وانظر كيف سكت عن كف اليسرى إلا أن يقال إن كل واحدة منهما ماسحة وممسوحة وهذه الصفة التي ذكرها الشيخ وذكرها الشيخ خالد الأزهري أيضا. وهي البداءة بظاهر اليمنى باليسرى، والانتقال إلى اليسرى قبل استكمال اليمنى رواية ابن حبيب عن مالك. وقال ابن القاسم: لا ينتقل إلى اليسرى إلا بعد استكمال اليمنى واختاره اللخمي وعبد الحق ورجح قول ابن القاسم، وسند الترجيح أن الانتقال إلى الثانية قبل كمال الأولى مفوت لفضيلة الترتيب بين الميامن والمياسر واستحسن بعض الشيوخ رواية ابن حبيب قائلا: لئلا يمسح ما يكون على الكف من التراب، ولكن صاحب القول المعتمد يقول: إن بقاء التراب غير مراد، فالمرعي حكمه. (ولو) خالف المتيمم هذه الصفة المستحبة (ومسح اليمنى باليسرى) وفي رواية: (أو اليسرى باليمنى كيف شاء وتيسر عليه وأوعب المسح لأجزأه) وخالف الأفضل فقط ويؤخذ من قوله: وأوعب أنه إذا لم يمسح على الذراعين لم يجزه لأنه ذكر في المسح الذراعين، والمشهور أنه إذا اقتصر على الكوعين وصلى أعاد في الوقت. وفي المسألة أقوال، يمكن نظرها في أصل الاختصار (١). (وإذا لم يجد الجنب أو الحائض الماء للطهر تيمما وصليا) للآية وأن الله تعالى أمر بالوضوء من الحدث بقوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ … الآية، وأمر بالغسل من الجنابة للصلاة بقوله: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾، وقال في التيمم: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم﴾ [المائدة: ٦] فجعل الطهارة عامة في الحدثين ولا فرق، ثم بين ذلك النبي ﷺ بإقراره لعمرو بن العاص ﵁ حينما تيمم وهو جنب وصلى كما تقدم الحديث، وحديث الرجل الذي اعتزل الناس ولم يصل معهم بسبب الجنابة فقال له النبي ﷺ : «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» (٢)، ولو وجدا ما

стр. 288

يكفي مواضع الأصغر؛ ويكون تيممهما على التفصيل السابق فالآيس أول المختار إلخ، قال الغماري: وظن بعض الشراح أن هذا مكرر مع قوله التيمم يجب لعدم الماء وليس كذلك بل تنصيص على جواز التيمم من الحدث الأكبر لأن هناك من لا يجوز للجنب التيمم (١) قال التتائي: وذهب بعض أهل العلم إلى أن الجنب لا رخصة له في التيمم وهو مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود (٢)، وحكاها ابن المنذر عن النخعي (٣)، قلت: والحجة عليهم حديث عمار به حيث قال: وأما أنا فتمعكت فصليت فذكرت ذلك للنبي؛ فقال النبي ﷺ : «إنما كان يكفيك هكذا فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (٤). فبين له النبي ﷺ كيفية الطهارة للجنب الفاقد للماء، وإن كان أن سيدنا عمر ﵁ نسي، فهو من جملة البشر، وقد فات كثير من الصحابة بعض الأحكام المشهورة وهم في زمن النبي ﷺ ولم يعرفوها إلا بعد وفاته، وبعضهم حدث ونسي، وليس موضع الكلام عن هذا. وحديث الرجل الذي أصابته جنابة فقال له رسول الله ﷺ : «عليك بالصعيد، فإنه يكفيك» وقد تقدم. (فإذا وجدا الماء تطهرا ولم يعيدا ما صليا) لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ السابق وفيه ". . . . فتيمما صعيدا طيبا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة بوضوء، ولم يعد الآخر، وقد تقدم مرارا». وأشعر قول المصنف: ولم يعيدا ما صليا، أن وجود الماء بعد صلاتهما

стр. 289

بالتيمم، وأما لو وجدا الماء قبل الصلاة فإن كان الوقت متسعا للغسل والصلاة ولو ركعة في الوقت الذي هما فيه، فإن التيمم يبطل. وأما إن وجداه بعد الدخول فيها وقبل فراغها ولو اتسع الوقت أو قبل الدخول فيها ولكن لم يتسع الوقت للغسل وإدراك ركعة فإنهما يصليان بالتيمم (١). (ولا يطأ الرجل امرأته) المسلمة أو الكتابية أو أمته التي انقطع عنها دم حيض أو دم (نفاس بالطهر بالتيمم) على المشهور؛ أي: يحرم عليه الوطء ولا مفهوم للوطء بل التمتع بما بين السرة والركبة ولو من فوق حائل حرام. (حتى يجد) وفي رواية حتى يجدا بالتثنية فعلى الأولى طلب الماء أو شراؤه عليه وحده وعلى الثانية عليهما معا (من الماء ما تتطهر به المرأة) أو الأمة من دم الحيض أو دم النفاس، فعن مجاهد (٢) في قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ قال: حتى ينقطع الدم، ﴿فإذا تطهرن﴾ قال إذا اغتسلن. (ثم ما يتطهران به جميعا) من الجنابة. وما قاله هنا يفسر قوله آخر الكتاب: وأن لا يقرب النساء في دم حيضهن أو دم نفاسهن لأن ظاهره إن انقطع عنهن جاز له الوطء، فأفاد هنا أنه ولو انقطع الحيض لا يجوز له الوطء ولو بالتيمم، وإنما امتنع الوطء على المشهور لأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما هو مبيح للصلاة فقط. ويؤخذ من كلام المصنف أن التيمم يسمى طهورا وهو كذلك لقوله ﵊: «وتربتها طهورا» ويسمى أيضا وضوءا لقوله ﵊: «التيمم وضوء المسلم» (٣) ويؤخذ منه أيضا أن من لم يجد الماء ليس له إدخال الجنابة على نفسه، وهو قول مالك في «المدونة» (٤)؛ أي: يكره ولو كان يتيمم للأصغر فليس له إدخال الجنابة على نفسه بحيث يصير يتيمم

стр. 290

للأكبر. ولا ينافي هذا ما تقدم من الحرمة في قول المصنف: ولا يطأ إلخ؛ لأن الحرمة إنما جاءت من قدومه على وطئها بطهرها من حيضها بالتيمم، وهذا ما لم يضر به ترك الوطء في بدنه أو يخشى العنت (١). ففي المسند من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، الرجل يغيب لا يقدر على الماء، أيجامع أهله؟ قال: «نعم» (٢). وفي «سنن البيهقي» عن معاوية بن حكيم عن عمه محمن بن حيدة، قال: قلت: يا رسول الله، إني أغيب أشهرا عن الماء ومعي أهلي أفأصيب منهم؟ قال: «نعم». قلت: يا رسول الله، إني أغيب أشهرا قال: «وإن غبت» (٣). فرع: مسألة في فاقد الطهورين: من لم يجد ماء ولا ترابا كالسجين المربوط والمريض الذي لا يجد من يناوله ونحوه: أربعة أقوال: ١ - ابن القاسم يصلي ويقضي دليله قوله ﷺ : ﴿إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم﴾ (٤). ورأى القضاء احتياطا. ٢ - مالك لا يصلي ولا يقضي ودليله: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا

стр. 291

أحدث حتى يتوضأ» (١). ٣ - أشهب يصلي ولا يقضي والحديث السالف الذي احتج به ابن القاسم هو حجة أشهب لأن: ظاهره الاقتصار على الأداء، واختاره الأكثر لصلاة الصحابة عند عدم الماء قبل نزول آية التيمم، لأن عدم الماء قبل شرع التيمم كعدم الماء والتراب بعد شرعه. ٤ - أصبغ لا يصلي ويقضي. ونظم بعضهم هذه الأقوال فقال: ومن لم يجد ماء ولا متيمما … فأربعة الأقوال يحكون مذهبا يصلي ويقضي، عكس ما قال مالك … وأصبغ: يقضي، والأداء: لأشهبا (٢)

стр. 292

باب المسح على الخفين • قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب في المسح على الخفين: وله أن يمسح على الخفين في الحضر والسفر ما لم ينزعهما، وذلك إذا أدخل فيهما رجليه بعد أن غسلهما في وضوء تحل به الصلاة فهذا الذي إذا أحدث وتوضأ مسح عليهما وإلا فلا، وصفة المسح أن يجعل يده اليمنى من فوق الخف من طرف الأصابع ويده اليسرى من تحت ذلك، ثم يذهب بيديه (١) إلى حد الكعبين، وكذلك يفعل باليسرى ويجعل يده اليسرى من فوقها واليمنى من أسفلها، ولا يمسح على طين في أسفل خفه أو روث دابة حتى يزيله بمسح أو غسل، وقيل يبدأ في مسح أسفله من الكعبين إلى أطراف الأصابع لئلا يصل إلى عقب خفه شيء من رطوبة ما مسح من خفيه من القشب، وإن كان في أسفله طين فلا يمسح عليه حتى يزيله). الشرح باب في المسح على الخفين: (باب في المسح على الخفين)؛ أي: هذا باب في حكم المسح على الخفين، وسقوط التوقيت فيه، وما يبطله، وبعض شروطه، وصفته، وما يمنع منه المسح. فما هما الخفان: الخف هو قشر من جلد مخروز يكون على الرجل،

стр. 293

يمكن متابعة المشي به (١). • تواتر المسح على الخفين: قال الحافظ (٢): نقل ابن المنذر عن ابن المبارك قال: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلاف (٣)، لأن كل من روى عنه منهم إنكاره فقد روى عنه إثباته؛ وقد جاوز رواته من الصحابة الثمانين ومنهم العشرة، وفي ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن البصري: حدثني سبعون من الصحابة بالمسح على الخفين (٤). وقال مالك عند موته: «المسح على الخفين في الحضر والسفر صحيح يقين ثابت لا شك فيه، إلا أني كنت أجد في نفسي الطهور ولا أرى من مسح مقصرا» (٥). وقال ابن المنذر اختلف العلماء أيهما أفضل المسح على الخفين، أو نزعهما وغسل القدمين قال: والذي أختاره أن المسح أفضل لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض، قال: وإحياء ما طعن فيه المخالفون من السنن أفضل من تركه اه. وابتدأ بحكمه فقال: (وله)؛ أي: ورخص (٦) للماسح المفهوم من السياق، أو من المسح لأن المسح لا بد له من ماسح رجلا كان أو امرأة (أن يمسح على الخف) ويروى على الخفين؛ أي: يجوز المسح على الخفين.

стр. 294

فالمسح على الخفين رخصة وتخفيف، والغسل أفضل منه فيكون الجواز بمعنى خلاف الأولى، ولا مفهوم للخفين بل مثلهما الجرموقان، وهما خفان غليظان لا ساق لهما (١) ومثلهما الجوربان، وهما على شكل الخف يصنعان من نحو القطن ويغشيان بجلد. والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع فأما الكتاب فقراءة الجر في قوله تعالى: ﴿وأرجلكم﴾ وفعله ﵊ ومن الأحاديث في ذلك: ما روى البخاري ومسلم عن همام قال: بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه فقيل تفعل هذا؟ فقال: نعم! «رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم توضأ ومسح على خفيه» قال الأعمش قال إبراهيم: «كان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة» (٢). أي: حديث جرير ﵁ كان يعجب إبراهيم النخعي وغيره من التابعين، لأنه يدل على أن جواز المسح على الخفين باق، ولم ينسخ بآية الوضوء في المائدة، والتي فيها وجوب غسل الرجلين، لأن جريرا ﵁ أسلم بعد نزولها ورأى النبي ﷺ يمسح عليهما. (في الحضر) لحديث حذيفة ﵁ قال: «كنت مع النبي ﷺ فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائما، فتنحيت، فقال: ادنه، فدنوت حتى قمت عند عقبيه فتوضأ فمسح على خفيه» (٣)، قال النووي: وفيه دليل على المسح على الخفين في الحضر، مالك عن نافع: أن عبد الله بن عمر بال في السوق، ثم توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه، ثم دعي لجنازة ليصلي عليها حين دخل المسجد فمسح على خفيه ثم صلى عليها (٤).

стр. 295

(والسفر) لحديث جرير السابق، والمغيرة بن شعبة: عن رسول الله ﷺ : «أنه خرج لحاجته فاتبعه المغيرة بإداوة فيها ماء فصب عليه حين فرغ من حاجته فتوضأ ومسح على الخفين» (١)، وقد كان في غزوة تبوك، ولأن المسح على الخفين من باب الرخص، والرخص لا تختص بالسفر فيجوز فعله حضرا وسفرا، وعلى المشهور لا يشترط لجواز المسح إباحة السفر (ما لم ينزعهما)؛ أي: أن المسح على الخفين غير محدود بمدة معلومة من الزمان وهو المشهور عن مالك، واحتجوا بحديث ابن أبي عمارة بكسر العين في ترك التوقيت أنه قال: يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: نعم، قال: يوما؟ قال: يوما، قال ويومين؟ قال ويومين قال وثلاثة؟ قال: نعم وما شئت (٢)، وروي عن مالك توقيته في الحضر بيوم وليلة، وفي السفر بثلاثة أيام، وهو رواية أشهب وإليه ذهب ابن العربي (٣)، وهو الثابت الصحيح عن النبي ﷺ كما في حديث شريح بن هانئ قال: «أتيت عائشة ﵂ أسألها عن المسح على الخفين فقالت: عليك بابن أبي طالب فأسأله فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ : فسألناه فقال: جعل رسول الله ﷺ : ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم» (٤)؛ قال ابن

стр. 296

العربي (١): والحديث … .. وتستمر هذه الرخصة وهي جواز المسح عليهما مدة التوقيت الوارد إلى أن ينزعهما، فإن نزعهما بطل المسح عليهما اتفاقا، لقوله ﷺ : «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين»، وحديث صفوان: «أمرنا رسول الله أن نمسح ثلاثا إذا سافرنا، ويوما وليلة إذا أقمنا، ولا ننزعهما من غائط ولا بول ولا نوم، ولكن من الجنابة»، وتلزمه المبادرة لغسل رجليه، فإن أخر غسلهما عامدا بقدر ما تجف فيه أعضاء الوضوء ابتدأ الوضوء، ومثله العاجز والناسي يبني طال أو لم يطل. وإذا خلع إحدى خفيه خلع الأخرى، وغسل رجليه، ولم يجز المسح على إحداهما وغسل الأخرى. شروط المسح على الخفين: وللمسح شروط عشرة: خمسة في الممسوح وخمسة في الماسح (٢). فشروط الممسوح: ١ - أن يكون جلدا لا ما صنع على هيئة الخف من نحو القطن. ٢ - طاهرا لا نجسا كجلد ميتة ولو دبغ، ولا متنجسا مخروزا. ٣ - ساترا لمحل الفرض، لا ما نقص عنه. ٤ - وأن يمكن تتابع المشي فيه بحيث لا يكون واسعا ولا ضيقا جدا وإلا فلا يجوز المسح حينئذ. وشروط الماسح: ١ - أن لا يكون عاصيا بلبسه، فالرجل المحرم لا يمسح على الخفين. ٢ - ولا مترفها بلبسه فإن كان مترفها بلبسه كما إذا لبسه ليدفع عنه مشقة غسل الرجلين أو غير ذلك مما يصدق عليه اسم الترفيه لم يجزئه المسح ويعيد أبدا، وأما إن لبسه لاتقاء حر أو برد أو اقتداء بالنبي فإنه يمسح حينئذ. ٣ - وأن يلبسه على طهارة مائية ولو غسلا يستباح بهما الصلاة، فلا

стр. 297

يمسح لابسه على طهارة ترابية ومعنى بأن كان يستباح بها الصلاة احترازا من الوضوء للتبرد (وذلك)؛ أي: المسح المرخص فيه (إذا أدخل) الماسح (فيهما)؛ أي: الخفين (رجليه بعد أن غسلهما في وضوء تحل به الصلاة) تضمن هذا الكلام بعض الشروط التي ترخص المسح، فإن قوله: غسلهما يتضمن لبسهما على طهارة، وكونها مائية لحديث المغيرة بن شعبة السابق، وسؤال ابن عمر ﵄ لأبيه عن المسح فقال عمر ﵁: «إذا أدخلت رجليك في الخفين وهما طاهرتان بطهر الوضوء فامسح عليهما» (١). وقوله: تحل به الصلاة يتضمن أن تكون كاملة حسا ومعنى (فهذا الذي) أدخل رجليه في الخف بعد غسلهما إلخ مع بقية الشروط هو الذي يرخص له (إذا أحدث) بعد ذلك الحدث الأصغر (و) أراد أن (يتوضأ مسح عليهما) () وتقييد الحدث بالأصغر لأن الأكبر مبطل للمسح لوجوب الغسل عليه كما مر في حديث صفوان ﵁ (وإلا)؛ أي: وإن لم يكن كذلك بأن لبسهما على غير طهارة أو طهارة ترابية أو على طهارة مائية قبل كمالها (ف) هذا (لا) يرخص له المسح. • صفة المسح على الخفين (٢): (وصفة المسح) المستحبة (أن يجعل) الماسح (يده اليمنى) على رجله اليمنى من فوق الخف يبدأ بذلك ومن طرف بتحريك الراء (الأصابع)؛ أي: أصابع رجله اليمنى (و) يجعل (يده اليسرى من تحت ذلك)؛ أي: من تحت الأصابع (ثم) بعد أن يفعل ذلك (يذهب)؛ أي: يمر (بيديه إلى حد)؛ أي: منتهى (الكعبين) الناتئين بطرفي الساقين ويدخلهما في المسح كالوضوء لأنه بدل عنه. ويكره له أن يتتبع الغضون وهي التجعيدات التي فيه لأن المسح مبني على التخفيف، وأن يكرر المسح ولا يغسله، فإن فعل ذلك أجزأه. ويندب له المسح لما يستقبل من الصلوات إن غسله بنية الوضوء فقط أو انضم لها نية

стр. 298

إزالة الطين أو نجاسته ولو معفوا عنها. فإن غسله بنية إزالة طين أو نجاسة أو لم ينو شيئا فلا يجزئه. (وكذلك يفعل بـ) رجله (اليسرى) مثل ذلك أي مثل ما فعل في اليمنى. والمرور باليدين إلى حد الكعبين، ولكن وضعهما على اليسرى عكس وضعهما على اليمنى فيجعل يده اليسرى من فوقها و يده (اليمنى من أسفلها) لما في رواية الترمذي من حديث المغيرة: «أن النبي ﷺ مسح على أعلى الخف وأسفله» (١)، وعن مالك أنه سأل ابن شهاب عن المسح على الخفين كيف هو؟ فأدخل ابن شهاب إحدى يديه تحت الخف، والأخرى فوقه، ثم أمرهما قال يحيى: قال مالك: وقول ابن شهاب أحب ما سمعت إلي في ذلك (٢). وقال ابن شبلون (٣): اليسرى كاليمنى على ظاهر المدونة. والمشهور وجوب مسح أعلاه قال علي ﵁: «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه» (٤). وقال المغيرة: «رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظهري الخفين» (٥). (ولا يمسح على طين في أسفل خفه أو روث دابة) بالمد وتشديد الباء في اصطلاح الفقهاء البغل والفرس والحمار (حتى يزيله)؛ أي: ما أصابه منهما (بمسح) للطين (أو غسل) للروث النجس، وأولى لو غسل الطين أو الروث الطاهرين.

стр. 299

قال عبد الوهاب: لأن المسح إنما يكون على الخف، وهذا حائل دون الخف، فوجب نزعه (١). ونظر فيه الفاكهاني بأن ذلك على سبيل الندب دون الوجوب، لأنه لو ترك مسح أسفل الخف جملة لم يكن عليه إعادة إلا في الوقت على قول ابن القاسم، وعلى قول أشهب لا إعادة عليه لا في الوقت ولا في غيره. (و) قد (قيل يبدأ في مسح أسفله من الكعبين إلى أطراف الأصابع) هذه صفة أخرى في المسح على الخف، يعني والمسألة بحالها من وضع اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى. (لئلا يصل إلى عقب خفه شيء من رطوبة ما مسح من خفيه من القشب) بفتح القاف وسكون المعجمة العذرة اليابسة عند أهل اللغة. وإنما كان يبدأ من الكعبين لئلا ينتقل شيء من القشب إلى أعلى الخف بخصوصه لأن نقل النجاسة من موضع إلى آخر لازم على كل حال بدأ من العقب أو من الأصابع؛ أي: ونقل النجاسة إلى أعلى الخف أشد من نقلها في أسفله؛ أي: من حيث إن ترك مسح الأعلى يبطل المسح دون الأسفل. (وإن كان في أسفله طين فلا يمسح عليه حتى يزيله)؛ أي: تجب إزالته على القول بأن مسح الأسفل واجب، وتندب على القول بأنه مندوب. ولا بد من الإشارة إلى حكم المسح على الجبيرة (٢)، فإذا كان مريد الوضوء مصابا بجروح فإن استطاع المسح على الموضع المصاب مسح عليه وإلا انتقل إلى المسح على الجبيرة، وكل ربط تحتاجه لتثبيتها، ولا يشترط لبسها على طهارة، فإن سقطت عن موضعها أعادها ولا يعيد المسح عليها. تنبيه: «لو تلبس بالصلاة وسقطت الجبيرة، فإن لم يحتج إليها غسل ما

стр. 300

تحتها، أو مسحه، وإلا ردها ومسح عليها، وابتدأ الصلاة» (١). • مسألة هامة وهي المسح على الجوربين: تعريف الجوربين: الجورب قيل الجورب: لفافة الرجل، وقيل هو غطاء للقدم يتخذ للبرد. قال أبو بكر بن العربي: «الجورب غشاء للقدم من صوف يتخذ للدفاء … وهو التسخان» (٢). • كلام الفقهاء على حكم المسح على الجوربين: قال ابن رشد ﵀ في «البداية»: وأما نوع محل المسح فإن الفقهاء القائلين بالمسح اتفقوا على جواز المسح على الخفين، واختلفوا في المسح على الجوربين فأجاز ذلك قوم ومنعه قوم. وممن منع ذلك مالك والشافعي وأبو حنيفة، وممن أجاز ذلك أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة وسفيان الثوري. وسبب اختلافهم: اختلافهم في صحة الآثار الواردة عنه ﵊ أنه مسح على الجوربين والنعلين. واختلافهم أيضا في: هل يقاس على الخف غيره أم هي عبادة لا يقاس عليها ولا يتعدى بها محلها؟ فمن لم يصح عنده الحديث أو لم يبلغه، ومن لم ير القياس على الخف قصر المسح عليه، ومن صح عنده الأثر، أو جوز القياس على الخف أجاز المسح على الجوربين، وهذا الأثر لم يخرجه الشيخان (أعني: البخاري ومسلما) وصححه الترمذي. ولتردد الجوربين المجلدين بين الخف والجورب غير المجلد عن مالك

стр. 301

في المسح عليهما روايتان إحداهما بالمنع والأخرى بالجواز (١). قلت: أما الحديث فصحيح كما قال ابن رشد (٢). الحديث الثاني: عن ثوبان، قال: «بعث رسول الله ﷺ سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على النبي ﷺ شكوا إليه ما أصابهم من البرد، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين» (٣). والعصائب: هي العمائم والتساخين: كل ما يسخن به القدم من خف وجورب ونحوهما، ولا واحد لها من لفظها. الحديث الثالث: وعن أبي موسى الأشعري عن النبي ﵇: «أنه مسح على الجوربين» (٤). الحديث الرابع: عن المغيرة بن شعبة ﵁: «أن رسول الله ﵇ توضأ ومسح على

стр. 302

الجوربين والنعلين» (١). الحديث الخامس: عن كعب بن عجرة، عن بلال ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يمسح على الخفين والجوربين» (٢). • عمل الصحابة والتابعين بحديث المسح على الجورب والتساخين: إن عمل الصحابة والتابعين لأحاديث المسح على الجوربين تقتضي جواز ذلك وإباحته، وأن عملهم عاضد لتلك الأحاديث. قال أبو داود ومسح على الجوربين: علي بن أبي طالب، وأبو مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حريث. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن عباس ﵃. ومن التابعين عن قتادة وابن المسيب وابن جريج وعطاء والنخعي والحسن وخلاس وابن جبير ونافع رحمهم الله تعالى (٣). قال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في المسح على الجوربين فقالت

стр. 303

طائفة: يمسح على الجوربين، روي إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب رسول الله ﷺ : علي بن أبي طالب (١)، وعمار بن ياسر (٢)، وأبي مسعود (٣)، وأنس بن مالك (٤)، وابن عمر (٥)، والبراء بن عازب (٦)، وبلال (٧)، وأبي أمامة (٨)، وسهل بن سعد (٩). وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وسعيد بن جبير، والنخعي، والأعمش، والحسن بن صالح بن حي، وابن المبارك، وزفر، وأحمد وإسحاق، وأبي ثور، وأبي يوسف، ومحمد (١٠). • ما هو حد الجوربين عند المالكية: الجوربان المختلف في المسح عليهما عند المالكية: هما كما قال ابن القاسم: كان يقول مالك في الجوربين يكونان على الرجل وأسفلهما جلد مخروز وظاهرهما جلد محروز أنه يمسح عليهما. قال: ثم رجع فقال: لا يمسح عليهما (١١).

стр. 304

قال ابن عبد البر: فإن كان الجوربان مجلدين كالخفين مسح عليهما، وقد روي عن مالك: منع المسح على الجوربين وإن كانا مجلدين والأول أصح (١). قال ابن الحاجب: فلا يمسح على الجورب وشبهه ولا على الجرموق إلا أن يكون من فوقه ومن تحته جلد مخروز، ثم قال: لا يمسح عليه، واختار ابن القاسم الأول، وهو جورب مجلد، وقيل خف غليظ ذو ساقين، وقيل يمسح مطلقا (٢). قال خليل في «التوضيح»: والجورب: ما كان على شكل الخف من كتان أو صوف أو غير ذلك، وشبهه: الخرق تلف على الرجل. والجرموق بضم الجيم والميم بينهما راء ساكنة - فسره مالك في رواية ابن القاسم بأنه جورب مجلد، من تحته ومن فوقه جلد مخروز، وعلى هذا فإطلاق الجرموق عليه قبل التجليد مجاز. فتبين أن المذهب لا يجوز فيه المسح على الجوربين، وذلك لأن العلة في عدمه: إن الرخصة لم ترد فيه. وهذا مبني على الخلاف الواقع في جواز أو عدم جواز القياس على الرخصة في العبادات، وعلماء المذهب فيه على قولين، قول بالمنع، وقول بالجواز (٣). قال القرافي: حجة المنع أن الرخص مخالفة للدليل، فالقول بالقياس عليها يؤدي إلى كثرة مخالفة الدليل، فوجب أن لا يجوز. وحجة المجيزين أن الدليل إنما يخالفه صاحب الشرع لمصلحة تزيد على مصلحة ذلك الدليل عملا بالاستقراء، وتقديم الأرجح هو شأن صاحب الشرع

стр. 305

وهو مقتضى الدليل، فإذا وجدنا تلك المصلحة التي لأجلها شرع الحكم في صورة وجب أن يخالف الدليل لها عملا برجحانها فنحن حينئذ كثرنا موافقة الدليل لا مخالفته اهـ (١). فإن قلنا إن الذين ذهبوا إلى القول بمنع القياس في العبادات، قلنا ثبت عندنا أنهم استعملوه في مواضع أخرى منها: ١ - جواز المسح على الجورب المجلد وهو ليس بخف قطعا لأن الخف يكون سداه ولحمته جميعا من جلد، وهذا ملفق من شيئين جلد وصوف، فلماذا جوزوا هذا ولم يجوزوا الصوف مستقلا (٢)، أو الكتان ونحوهما، مع أن الحكمة تقتضي المساواة في الحكم، لأن الرخصة التي جاءت لرفع المشقة عن المتوضئ بجواز المسح على الخفين غير منتفية في الجوربين. أولا: أن الشرع لم يفرق في الإحرام بين بياض الثوب وسواده مع العلم أن النبي ﷺ وأصحابه قد أحرموا في البياض، ولو أحرم محرم في السواد ما كان مخالفا لواجبات الإحرام. ثانيا: أن الغاية المرخص فيها من المسح على الجلد لطول بقائه وقوته لا لشيء آخر. ثالثا: أن الحاجة إلى المسح سواء فيهما فلا فرق مؤثر يلغي جوازه في ما سوى الجلد. رابعا: إن الفرق طردي عديم التأثير. ٢ - استعمل المالكية القياس في التيمم على الثلج وهو ليس من أجزائها (٣)، فلماذا أرخصوا فيه ولم يرخصوا في المسح على الجوربين؟ مع أنهما في رفع الحدث معا.

стр. 306

قال ابن رشد: وأما إجازة التيمم بما يتولد منها فضعيف إذ كان لا يتناوله اسم الصعيد فإن أعم دلالة اسم الصعيد أن يدل على ما تدل عليه الأرض، لا أن يدل على الزرنيخ والنورة، ولا على الثلج، والحشيش، والله الموفق للصواب (١). ٣ - جوزوا المسح على الخف الأعلى (٢)، وليس ثمت أثر يثبت أن النبي ﷺ كان يردف خفا على خف فيما نعلم أين لهم القياس في هذا ليجيزوه، ويمنعوه في المسح على الجوربين والحاجة إليه أشد. ولو تتبعنا المسائل التعبدية التي جوزوا فيها القياس لوجدناها غير قليلة. • ممن قال من المالكية بجواز المسح على الجوربين: قال بذلك ابن الحاجب كما تقدم في قوله: وقيل يمسح عليها مطلقا، قال خليل في «التوضيح»: الظاهر أنه راجع إلى الجرموق، ومعنى مطلقا؛ أي: سواء قيل: إنه جورب، أو خف غليظ، هكذا ظهر لي في هذا المحل والله أعلم. وقال الشراح الثلاثة: هو يقتضي جواز المسح على الجورب وإن كان غير مجلد (٣)، ويعني بالشراح الجامع الأمهات ابن عبد السلام، والثعالبي والقلشاني. والراجح عندي والله أعلم جواز المسح عليهما ما داما يغطيان محل الفرض، ولبسا على طهارة، واحتيج إليهما في برد ومرض وسفر ونحو ذلك، وبذلك قال صاحبا أبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وما جعل عليكم في الدين من حرج. والله أعلم.

стр. 307

باب في أوقات الصلاة وأسمائها • قال المصنف رحمه الله تعالى: (أما صلاة الصبح فهي الصلاة الوسطى عند أهل المدينة، وهي صلاة الفجر، فأول وقتها انصداع الفجر المعترض بالنياء في أقصى المشرق ذاهبا من القبلة إلى دبر القبلة، حتى يرتفع، فيعم الأفق، وآخر الوقت الإسفار البين الذي إذا سلم منها بدا حاجب الشمس، وما بين هذين وقت واسع، وأفضل ذلك أوله. ووقت الظهر إذا زالت الشمس عن كبد السماء، وأخذ الظل في الزيادة، ويستحب أن تؤخر في الصيف إلى أن يزيد ظل كل شيء ربعه بعد الظل الذي زالت عليه الشمس، وقيل: إنما يستحب ذلك في المساجد ليدرك الناس الصلاة، وأما الرجل في خاصة نفسه فأول الوقت أفضل له، وقيل: أما في شدة الحر فالأفضل له أن يبرد بها وإن كان وحده، لقول النبي ﷺ أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم، وآخر الوقت أن يصير ظل كل شيء مثله بعد ظل نصف النهار. وأول وقت العصر آخر وقت الظهر، وآخره أن يصير ظل كل شيء مثليه (١) بعد ظل نصف النهار، وقيل: إذا استقبلت الشمس بوجهك وأنت قائم، غير منكس رأسك، ولا مطاطئ له، فإن نظرت إلى الشمس ببصرك فقد دخل الوقت، وإن لم ترها ببصرك فلم يدخل الوقت، وإن نزلت عن بصرك فقد تمكن دخول الوقت. والذي وصف مالك ﵀: أن الوقت فيها ما لم تصفر الشمس.

стр. 308

ووقت المغرب وهي صلاة الشاهد يعني الحاضر، يعني أن المسافر لا يقصرها ويصليها كصلاة الحاضر، فوقتها غروب الشمس، فإذا توارت بالحجاب وجبت الصلاة ولا تؤخر، وليس لها إلا وقت واحد لا تؤخر عنه. ووقت صلاة العتمة - وهي صلاة العشاء، وهذا الاسم أولى بها - غيبوبة الشفق، والشفق: الحمرة الباقية في المغرب من بقايا شعاع الشمس، فإذا لم يبق في المغرب صفرة ولا حمرة فقد وجب الوقت، ولا ينظر إلى البياض في المغرب، فذلك لها وقت إلى ثلث الليل ممن (١) يريد تأخيرها لشغل أو عذر، والمبادرة بها أولى، ولا بأس أن يؤخرها أهل المساجد قليلا لاجتماع الناس ويكره النوم قبلها والحديث لغير شغل بعدها). الشرح (باب في أوقات الصلاة) في بيان متعلق معرفة أوقات الصلاة وهي النسب المتعلقة بالأوقات (و) بيان معرفة (أسمائها) أما معرفة الأوقات فهي فرض عين على كل مكلف أمكنه ذلك. ومن لا يمكنه كالأعمى قلد غيره. والأوقات جمع وقت وهو الزمن المقدر للعبادة شرعا، وهو إما وقت أداء أو وقت قضاء. ووقت الأداء إما وقت اختيار بمعنى أن المكلف مخير في إيقاع الصلاة في أي جزء من أجزائه، وإما وقت ضرورة؛ والاختياري إما وقت فضيلة، وإما وقت توسعة. وأما الصلاة في اللغة: فهي الدعاء لاشتمالها عليه. وقيل لأنها ثانية لشهادة التوحيد كالمصلى من السابق في خيل الحلبة، وقيل: هي من الصلوين وهما عرقان مع الردف، وقيل: هما عظمان ينحنيان في الركوع والسجود، وقيل: هي من الرحمة، وقيل: أصلها الإقبال على الشيء، وقيل غير ذلك والله تعالى أعلم (٢).

стр. 309

وفي اصطلاح أهل الشرع (١): قربة فعلية ذات إحرام، وسلام، أو سجود فقط. • حكمة مشروعيتها: قال ابن راشد: تشريف العبد بالتكليف، وإرشاده لما يطهر قلبه، فإن ذكر الرب تطهير للقلب (٢). وهي مما علم وجوبه من الدين بالضرورة، فجاحدها كافر بالإجماع، وأما تاركها فهو مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وفاقا للجمهور (٣). وقد نظم أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي المالكي الإسكندراني (المتوفى سنة ٦١١ هـ) في حد تاركها فقال: خسر الذي ترك الصلاة وخابا … وأبى معادا صالحا ومآبا إن كان يجحدها فحسبك أنه … أمسى بربك كافرا مرتابا أو كان يتركها لنوع تكاسل … غطى على وجه الصواب حجابا فالشافعي ومالك رأيا له … إن لم يتب حد الحسام عقابا وأبو حنيفة قال يترك مرة … هملا ويحبس مرة إيجابا والظاهر المشهور من أقواله … تعزيره زجرا له وعقابا إلى أن قال: والرأي عندي أن يؤدبه الإما … م بكل تأديب يراه صوابا ويكف عنه القتل طول حياته … حتى يلاقي في المآب حسابا فالأصل عصمته إلى أن يمتطي … إحدى الثلاث إلى الهلاك ركابا

стр. 310

الكفر أو قتل المكافي عامدا … أو محصن طلب الزنا فأصابا فهذا من المنسوبين إلى أتباع مالك، اختار خلاف مذهبه في ترك قتله (١). وكذلك جاحد باقي أركان الإسلام التي هي الشهادتان والزكاة والصوم والحج. ولوجوبها شروط خمسة: ١ - الإسلام. ٢ - والبلوغ. ٣ - والعقل. ٤ - وارتفاع دم الحيض والنفاس. ٥ - ودخول وقت الصلاة. وزاد عياض: بلوغ الدعوة. فرضت في السماء ليلة الإسراء والمعراج، وذلك بمكة قبل الهجرة بسنة، واختلف في كيفية فرضها، فعن عائشة ﵂: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر» (٢). وأما معرفة أسمائها فواجبة أيضا لأن بها يقع التمييز والتعيين، ولأنه إن لم يعين الصلاة فصلاته باطلة. وأوقاتها محددة شرعا بالكتاب والسنة والإجماع، من ذلك قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق اليل وقرآن الفجر﴾ [الإسراء: ٧٨]، قال التتائي: دلت الآية على ثلاثة أوقات: الظهر بدلوكها، وهو ميلها، وعلى العشاء بغسق الليل والصبح بقرآن الفجر، وقيل دلت على الخمس: فدلوكها على الظهر والعصر؛ وغسق الليل على المغرب والعشاء؛ وقرآن الفجر على الصبح (٣).

стр. 311

وللأحاديث منها ما رواه مالك، عن ابن شهاب: أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يوما فدخل عليه عروة بن الزبير، فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يوما وهو بالعراق، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري، فقال: ما هذا يا مغيرة أليس قد علمت أن جبريل ﵇ نزل فصلى، فصلى رسول الله ﷺ ، ثم صلى، فصلى رسول الله ﷺ ، ثم صلى، فصلى رسول الله ﷺ ، ثم صلى، فصلى رسول الله ﷺ ، ثم قال: «بهذا أمرت»، فقال عمر لعروة: اعلم ما تحدث، أو أن جبريل هو أقام لرسول الله ﷺ وقت الصلاة؟ قال عروة: كذلك كان بشير بن أبي مسعود يحدث، عن أبيه. قال عروة: ولقد حدثتني عائشة: «أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر، والشمس في حجرتها قبل أن تظهر» (١). وفي رواية ثم قال: «ما بين هاتين الصلاتين وقت» (٢). • الصلاة الوسطى عند المالكية: وهكذا بينت السنة تفاصيل أوقات الصلاة، وبدأ المصنف بصلاة الصبح لأنها أول صلاة النهار، وبين بأنها الصلاة الوسطى فقال: (أما صلاة الصبح فهي الصلاة الوسطى عند أهل المدينة وهي صلاة الفجر) (٣) قلت: قد اختلف الناس في الصلاة الوسطى (٤) على أقوال بعد اتفاقهم على أنها أكد الصلوات، ومن بين الأقوال قول المالكية والشافعي على أنها صلاة الصبح واستدلوا لذلك بأدلة منها: ما رواه النسائي عن ابن عباس قال: «أدلج رسول الله ﷺ ثم عرس فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس أو بعضها فلم يصل

стр. 312

حتى ارتفعت الشمس فصلى، وهي صلاة الوسطى» (١). وعن أبي يونس مولى عائشة أنه قال: «أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾، فلما بلغتها آذنتها فأملت علي: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين﴾، قالت عائشة: سمعتها من رسول الله ﷺ » (٢). واستدلوا بهذه الأحاديث وغيرها على أن الصلاة الوسطى غير صلاة العصر لأن العطف يقتضي المغايرة، وهو راجع إلى الخلاف الثابت في الأصول في القراءة الشاذة هل تنزل منزلة أخبار الآحاد فتكون حجة كما ذهبت إليه الحنفية وغيرهم، أم لا تكون حجة لأن ناقلها لم ينقلها إلا على أنها قرآن، وكذلك في كون الصبح تأتي وقت مشقة بسبب برد الشتاء وطيب النوم في الصيف والنعاس وفتور الأعضاء وغفلة الناس، وبورود الأخبار الصحيحة في تأكيد أمرها، فخصت بالمحافظة لكونها معرضة للضياع بخلاف غيرها (٣)، قال مالك: وقول علي وابن عباس أحب ما سمعت في ذلك (٤)، وروي عن بعض الصحابة والتابعين على أنها الوسطى منهم: عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وابن عباس وابن عمر ﵃ (٥)، وجابر وعطاء وعكرمة ومجاهد والربيع بن أنس. ولا يخفى أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، فقد ذكر بإزاء هذه

стр. 313

الصلاة أربعة أسماء: الصبح، والوسطى، والفجر، والغداة (١). والصبح مشتق من الصباح وهو البياض لوجوبها عنده، والفجر مشتق من الانفجار لوجوبها عند انفجار الفجر من ظلمة الليل. • وقت صلاة الصبح: (فأول وقتها)؛ يعني: الاختياري (انصداع)؛ أي: انشقاق (الفجر المعترض)؛ أي: المنتشر بالضياء في أقصى؛ أي: أبعد (المشرق)؛ أي: أن ضياء الفجر مستمد من ضوء الشمس، وهي تارة تطلع من أقصى المشرق، وتارة من غيره، فهو تابع لها، فموضع انفجاره هو موضع طلوع الشمس وخرج بقوله المعترض الفجر الكاذب، وهو البياض الذي يصعد كذنب السرحان؛ أي: الذئب مستدقا فلا ينتشر (٢)، والمراد أنه لا يذهب مستطيلا ممتدا، بل يرتفع في السماء كالعمود، فليس له حكم، وقد جاء بيان ذلك في حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الفجر فجران: فجر يحرم الطعام وتحل فيه الصلاة، وفجر تحرم فيه الصلاة - أي صلاة الصبح - ويحل فيه الطعام» (٣)، وزاد الحاكم (٤) من حديث جابر ﵁ في الذي يحرم الطعام: «إنه يذهب مستطيلا في الأفق» وفي الآخر: «إنه كذنب السرحان»، (ذاهبا من القبلة إلى دبر القبلة حتى يرتفع فيعم)؛ أي: يسد (الأفق) لحديث سمرة بن جندب ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ : لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا - يعني معترضا» (٥) وفي

стр. 314

رواية: ﴿لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق﴾. واستشكل ابن عمر (١) كلام المصنف قائلا: إن المصنف قال: المعترض بالضياء في أقصى المشرق، فبين أنه من أقصى المشرق يطلع ثم قال: ذاهبا من القبلة إلى دبر القبلة، فأفاد أنه من القبلة يطلع وأفاد أيضا أن القبلة لها دبر وليس كذلك. وأجاب الأجهوري (٢) بأن القبلة والمشرق واحد وهو ما قابل المغرب، والدبر الجوف، فمن عميت عليه القبلة جعل المشرق أمامه والمغرب خلفه، وحينئذ يكون مستقبلا لأن انحرافه عن القبلة يكون انحرافا يسيرا، وهذا في حق أهل الغرب. (وآخر الوقت)؛ أي: وقت الصبح (الإسفار البين الذي إذا سلم منها)؛ أي من صلاة الصبح (بدا)؛ أي: ظهر (حاجب)؛ أي: طرف قرص (الشمس) لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح … » (٣)، ولمسلم نحوه من حديث عائشة وحديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: «ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس … » (٤) وقد مر حديث جبريل؛ ومفاد كلامه أن

стр. 315

آخر الوقت المختار للصبح طلوع الشمس، وهو مشهور قول مالك، وقال ابن عبد البر (١): إنه الذي عليه عمل الناس، بل عزاه عياض لكافة العلماء وأئمة الفتوى، وعليه فلا ضروري للصبح (٢)، والذي في «المدونة» وهو المعتمد (٣)، ومشى عليه صاحب «المختصر» (٤) أن وقتها الاختياري من طلوع الفجر الصادق إلى الإسفار الأعلى، والغاية خارجة، والإسفار الأعلى هو الذي يتراءى فيه الوجوه في محل لا سقف فيه ولا غطاء، ويراعى في ذلك البصر المتوسط، وحينئذ يكون الوقت الضروري للصبح من أول الإسفار الأعلى إلى الجزء الأول من الطلوع. وقال ابن العربي: وقد اختلف عن مالك في ذلك، فمرة قال: ليس لها وقت ضرورة على مقتضى الحديث (٥)، ومرة قال: لها وقت ضرورة (٦). (و) إذا ثبت أن أول وقت صلاة الصبح انصداع الفجر، وآخره طلوع الشمس، ف (ما بين هذين الوقتين وقت واسع) لإيقاع الصلاة متى أوقعها في شيء منه لم يكن مفرطا، وعلى المكلف العزم على أدائها في الوقت، لأن من توجه عليه الأمر، ولم يفعل، ولم يعزم، فهو معرض عن الأمر على الفعل، والمعرض عن الأمر عاص مستحق العقاب واختار الباجي وغيره عدم وجوب العزم حملا للأمر على وجوب الفعل والأصل عدم وجوب غيره (٧). (و) إذا تقرر أن الوقت المختار كله سواء في نفي الحرج فاعلم أنه متفاوت في الفضيلة، ف (أفضل ذلك)؛ أي: الوقت المختار (أوله) ظاهره

стр. 316

مطلقا في الصيف والشتاء للفذ والجماعة، وهو كذلك عند مالك وأكثر العلماء لتحصيل فضيلة الوقت لحديث عبد الله ﵁ قال: «سألت النبي ﷺ : أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها» (١). • وقت صلاة الظهر: (ووقت الظهر)؛ أي: أول وقته المختار (إذا زالت)؛ أي: مالت (الشمس عن كبد السماء) الكبد بفتح الكاف وكسر الباء عبر به عن وسط السماء على سبيل المجاز المرسل من إطلاق اسم الحال على المحل في الجملة لأن موضعه من الحيوان الوسط، وقد حكى ابن عبد البر إجماع المسلمين في كل عصر ومصر على هذا الوقت (٢). (وأخذ الظل في الزيادة) لما مر ولحديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر … » (٣). ويعرف الزوال بأن يقام عود مستقيم، فإذا تناهى الظل في النقصان، وأخذ في الزيادة فهو وقت الزوال ولا اعتداد بالظل الذي زالت عليه الشمس في القامة، بل يعتبر ظله مفردا عن الزيادة. • استحباب الإبراد بالظهر في الصيف للجماعة: (ويستحب أن يؤخر)؛ أي: صلاة الظهر (في الصيف) لحديث أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ : إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم» (٤). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «كان النبي ﷺ إذا كان الحر أبرد

стр. 317

بالصلاة وإذا كان البرد عجل» (١). قال الفاكهاني نصه اختصاص التأخير بالصيف دون الشتاء جماعة وأفذاذا. وقال ابن ناجي: لا مفهوم لقوله في الصيف، بل وكذلك استحب ابن حبيب تأخيرها في الشتاء وفي رمضان (٢)، ويستمر التأخير المستحب (إلى أن يزيد ظل كل شيء) مما له ظل كالإنسان (ربعه بعد الظل الذي زالت عليه الشمس) واحترز بذلك من أن يقدر الظل من أصله، وأطلق الظل على ما بعد الزوال، وهي لغة شاذة. واللغة المشهورة أن الظل لما قبل الزوال والفيء لما بعده. (وقيل إنما يستحب ذلك)؛ أي: التأخير المذكور (في) حق أهل (المساجد) خاصة (ل) أجل أن (يدرك الناس الصلاة) مع الجماعة (وأما الرجل في خاصة نفسه) وفي نسخة في خاصته (فأول الوقت أفضل له)، لأنه لا فائدة في تأخيره، ما دام لا يطلب الجماعة لحديث أبي ذر ﵁ قال: سألت النبي ﷺ : «أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها» (٣). (وقيل أما في شدة الحر فالأفضل له)؛ أي: لمن يريد صلاة الظهر (أن يبرد بها وإن كان وحده) وهو الحق إن شاء الله تعالى لأن النبي ﷺ لم يفرق بين الجماعة والمنفرد في الحكم، والله أعلم. (وآخر الوقت) المختار للظهر (أن يصير ظل كل شيء مثله بعد ظل نصف النهار) وهو قول مالك وأصحابه (٤)، لما مر في الحديث واعتبار النهار هنا من طلوع الشمس إلى الغروب، بخلاف النهار في الصوم فإن أوله من طلوع الفجر.

стр. 318

• وقت صلاة العصر: (وأول وقت العصر) (١) المختار هو (آخر وقت الظهر) المختار، فعلى هذا هما مشتركان، وهو المشهور. واختلف التشهير هل الظهر تشارك العصر في أول وقتها بمقدار أربع ركعات، أو العصر تشارك الظهر في آخر وقتها بمقدار أربع ركعات. فعلى الأول لو أخر الظهر حتى دخل وقت العصر وأوقع الظهر أول الوقت لا إثم عليه. ومن صلى العصر على هذا القول في آخر القامة الأولى كانت باطلة. وعلى الثاني لو صلى العصر عند ما بقي مقدار أربع ركعات من وقت الظهر من القامة الأولى، فإن العصر تقع في أول وقتها؛ أي: ومن صلى الظهر أول القامة الثانية كان آثما لوقوعها بعد خروج وقتها، (وآخره)؛ أي: آخر وقت العصر المختار (أن يصير ظل كل شيء مثليه بعد ظل نصف النهار)، (وقيل) أول وقت العصر أنك (إذا استقبلت الشمس بوجهك)؛ يعني: ببصرك (وأنت قائم غير منكس رأسك، ولا مطاطئ له) التطاطؤ أخفض من التنكيس لأن التنكيس إطراق الجفون إلى الأرض، والتطاطؤ الانحناء على حسب ما يريد الإنسان (فإن نظرت إلى الشمس ببصرك)؛ يعني: إذا جاءت على بصرك (فقد دخل الوقت، وإذا لم ترها ببصرك فلم يدخل الوقت، وإن نزلت عن بصرك)؛ أي: جاءت تحت بصرك (فقد تمكن دخول الوقت) قال القاضي عبد الوهاب وغيره بأنه لا مانع من أن يكون لدخول الوقت وخروجه طرق موصلة إليه، قال ابن رشد وهذا معترض عليه: بأن الشمس مرتفعة في الصيف، منخفضة في الشتاء (٢). ثم أشار المصنف إلى رواية ابن القاسم في «المدونة» في بيان آخر الوقت بقوله: (والذي وصف عن مالك ﵀ في تحديد آخر الوقت المختار للعصر (أن الوقت فيها ما لم تصفر الشمس)؛ أي: في الأرض والجدر؛ أي: لا في عين الشمس إذ لا تزال نقية حتى تغرب، والمذهب أن تقديم

стр. 319

العصر أول وقتها أفضل. لحديث عبد الله بن عمرو ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «وقت صلاة الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس … » (١)، وهذا في الوقت المختار أما الضروري فيمتد إلى الغروب الحديث: «أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى … » (٢)، ولحديث أبي قتادة ﵁ وحديث أبي هريرة ﵁: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر» (٣). • وقت صلاة المغرب: (ووقت صلاة المغرب وهي)؛ أي: صلاة المغرب لها اسمان هذا لأنها تقع عند الغروب، والآخر (صلاة الشاهد يعني)؛ أي: مالك بقوله الشاهد (الحاضر) وكأن قائلا قال له: ما معنى الحاضر؟ فقال: (يعني أن المسافر لا يقصرها) وهما صلاة الصبح والمغرب بإجماع (٤) (ويصليها كصلاة الحاضر) ورده عبد الوهاب بأنه مسموع لا يقاس. قلت: وقيل الشاهد: النجم الذي يطلع في ذلك الوقت، وقد ورد ما يؤيد هذا من حديث أبي بصرة الغفاري ﵁ أن رسول الله ﷺ لما صلى العصر، قال: «ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد» (٥)، ولعله هو الذي يقصده القاضي؛ وقال الحافظ ابن عبد البر: والشاهد النجم (٦)، قال الحطاب: وذكر ابن ناجي عن التونسي أنه قال الذي جاء في الحديث أن الشاهد النجم أولى

стр. 320

بالصواب مما قاله مالك (١). (فوقتها غروب الشمس) للإجماع، ولحديث جبريل، ولحديث سلمة بن الأكوع ﵁: «أن رسول الله ﷺ كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب» (٢). والمراعي في ذلك غيبوبة جرمها وقرصها المستدير دون أثرها وشعاعها، قال ابن بشير بموضع لا جبال فيه، وأما ما فيه جبال فينظر لجهة المشرق، فإذا ظهرت الظلمة كان دليلا على مغيبها، فإذا توارت؛ أي: استترت وغابت (بالحجاب)؛ أي: لم تظهر لنا بسبب الحجاب الحائل بيننا وبينها، فعن سلمة بن الأكوع ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب (٣). (وجبت الصلاة)؛ أي: دخل وقتها لا تؤخر عنه مكرر، مع قوله فوقتها غروب الشمس. (وليس لها إلا وقت واحد)؛ أي: اختياري فمتى أخرت عنه وقعت خارج وقتها (لا تؤخر عنه) (٤)، والمشهور أنه غير ممتد بل بقدر فعلها بعد تحصيل شروطها فوقتها مضيق، ويجوز لمن كان محصلا لشروطها من طهارة، وستر، واستقبال، وأذان وإقامة، تأخير فعلها بمقدار تحصيلها. وقيل: وقتها ممتد إلى مغيب الشفق الأحمر من غير عذر، واختاره الباجي وابن رشد واللخمي والمازري وكثير من أهل المذهب كابن عبد البر وابن العربي وصححه في العارضة وشهره في الأحكام (٥)، قلت: وهو الحق الذي يعضده الدليل لما في مسلم من قوله ﵊: «وقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق» (٦)؛ وعند ابن خزيمة (٧) من حديث عبد الله بن
следующие страницы →