← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

لم يزد في الانحناء على تسوية ظهره وليست التسوية واجبة، بل هي مستحبة إذ الواجب مطلق الانحناء، وحيث كان الأكمل وضع يديه على ركبتيه فيندب له تفرقة أصابعهما لما أخرجه الحاكم والبيهقي أنه «كان إذا ركع فرج بين أصابعه، وإذا سجد ضمها» (١). وتسوي ظهرك مستويا لما في حديث أبي حميد الساعدي ﵁ « … . وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره … » (٢)، وفي حديث وابصة بن معبد ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ يصلي فكان إذا ركع سوى ظهره حتى لو صب عليه الماء لاستقر (٣)، أي: معتدلا على جهة الندب. (ولا ترفع رأسك ولا تطأطئه)؛ أي: ندبا لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير. والقراءة، ب ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوبه ولكن بين ذلك … » (٤)، لم يشخصه؛ يعني: لم يرفعه، ولم يصوبه؛ أي: لم ينزله، ولكن بين ذلك، (وتجافي)؛ أي: تباعد - أي: ندبا فلا تبطل الصلاة بترك شيء من ذلك، بل يكره فقط - (بضبعيك) بفتح الضاد وسكون الباء؛ أي: عضديك (عن جنبيك) لما في حديث عباس بن سهل وفيه: «ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فتجافى عن جنبيه، قال: ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته ونحى يديه عن جنبيه .. » (٥)، وظاهر قول المصنف أنه يباعدهما جدا، ولكن يفسره قوله بعد: يجنح بهما تجنيحا وسطا.

стр. 352

(وتعتقد) بقلبك (الخضوع)؛ أي: التذلل (بذلك) حكم هذا الاعتقاد الندب كما هو مشهور عند الفقهاء، وقال ابن رشد (١): هو من فرائضها التي لا تبطل الصلاة بتركها، فهو واجب في جزء منها وينبغي أن يكون عند الإحرام وكان عمر ﵁ يقول: «إن وجه دينكم الصلاة فزينوا وجه دينكم بالخشوع» (٢) (بركوعك وسجودك) لما في حديث عثمان ﵁: «فيصلي ركعتين، مقبل عليهما بقلبه ووجهه» (٣): قال السيوطي (٤): قوله: «يقبل عليهما بقلبه ووجهه» قال النووي: «جمع بهاتين اللفظتين أنواع الخضوع والخشوع لأن الخضوع في الأعضاء، والخشوع في القلب على ما قاله جماعة من العلماء، يقبل من الإقبال وهو خلاف الإدبار؛ أي: يتوجه، وأراد بوجهه ذاته؛ أي: يقبل على الركعتين بظاهره وباطنه» اهـ. (ولا تدعو في ركوعك) لأنه يكره الدعاء في الركوع لما صح أنه ﵊ قال: «أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم» (٥)، أي: حقيق أن يستجاب لكم، (وقل إن شئت: سبحان ربي العظيم وبحمده) وتعبير المصنف بإن شئت دال على الاستحباب خلافا لأحمد القائل بالوجوب، إذن فليس التخيير بين الفعل والترك، بل التخيير بين هذا القول وغيره من ألفاظ التسبيح، فأي لفظ قاله كان آتيا بالمندوب فمن الألفاظ الواردة فيه عن حذيفة قال: «صليت مع النبي ﷺ فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى، … الحديث» (٦). ولما صح أنه كان يقول في ركوعه وسجوده: «سبوح قدوس رب

стр. 353

الملائكة والروح» (١)، (وليس في ذلك)؛ أي: في عدد ما يقول في الركوع والسجود (توقيت قول) (٢)؛ أي: تحديد ما يقوله لقوله ﵊: «أما الركوع فعظموا فيه الرب» ولم يعلق ذلك بحد، لكنه ورد التوقيت ولعله لم يبلغ مالكا رحمه الله تعالى، أو بلغه ولم يثبت عنده من طريق صحيح كما في السنن وهو أن يسبح المصلي ثلاثا لما في حديث ابن مسعود ﵁ أنه ﵊ قال: «إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، فقد تم ركوعه وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، فقد تم سجوده وذلك أدناه» (٣). (ولا حد في اللبث)؛ أي: المكث في الركوع يريد في أكثره؛ أي: الزائد على الطمأنينة التي هي فرض. (ثم) إذا فرغت من التسبيح في الركوع (ترفع رأسك وأنت قائل) على جهة السنية (سمع الله لمن حمده)؛ يعني: أجاب دعاء من حمده، لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع ويقول سمع الله لمن حمده ولا يفعل ذلك في السجود" (٤). (ثم تقول) مع ذلك (اللهم ربنا ولك الحمد)؛ أي: تقبل ولك الحمد على قبولك، أو على توفيقك لي بأداء تلك العبادة، لما في الصحيح من حديث عن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا قال: «سمع الله لمن

стр. 354

حمده»، قال: «اللهم ربنا ولك الحمد» (١). (إن كنت وحدك) أو خلف إمام، (ولا يقولها الإمام) بل يقتصر على قول سمع الله لمن حمده، وقولها ثابت، ولو اقتصر عليها فما خالف وقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد … » (٢)، وقال ابن راشد القفصي: «ولا يقولها الإمام»، وقيل: يقولها كالمنفرد" (٣). (ولا يقول المأموم سمع الله لمن حمده) فعن مطرف بن طريف بن الحارث عن عامر قال: «لا يقول القوم خلف الإمام سمع الله لمن حمده ولكن يقولون ربنا لك الحمد» (٤). (ويقول اللهم ربنا ولك الحمد) والأصل في هذا التفصيل أنه قال: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الإمام غفر له ما تقدم من ذنبه» (٥)؛ أي: الصغائر، وأما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة أو عفو الله. وفي رواية للبخاري ومسلم: «ربنا ولك الحمد» وهذا الحديث يقتضي أن الإمام لا يقول: ربنا ولك الحمد، وأن المأموم لا يقول: سمع الله لمن

стр. 355

حمده، وتارة يضيف: «اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد» من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (١). (و) إذا رفعت رأسك من الركوع فإنك (تستوي قائما مطمئنا) أخذ منه شيئان: الطمأنينة وهي فرض (٢) وسيأتي الكلام عليها، والاعتدال وهو سنة عند ابن القاسم في سائر أركان الصلاة، وفرض عند أشهب، وصححه عبد الوهاب (٣)؛ والفرق بين الطمأنينة والاعتدال، أن الاعتدال نصب القامة، والطمأنينة استقرار الأعضاء زمنا ما لحديث المسيء صلاته وفيه … «ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، وافعل ذلك في صلاتك كلها» (٤)؛ (مترسلا) مرادف لمطمئنا، وقيل: معناه: متمهلا؛ أي: زيادة على الطمأنينة. (ثم) بعد رفعك من الركوع (تهوي) بفتح التاء المثناة فوق؛ أي: تنزل إلى الأرض (ساجدا)؛ أي: ناويا السجود، فيكون سجودك من قيام لفعله ﵊ كما في حديث أبي حميد الساعدي ﵁: «ثم هوى إلى الأرض ساجدا … » (٥)، والسجود فرض بلا خلاف لقوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: ٧٧]، ولقوله ﷺ للمسيء صلاته: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا». (ولا تجلس) في هويك (ثم تسجد) حتى يكون سجودك من جلوس

стр. 356

إشارة إلى خلاف بعض أهل العلم، وهنا قدم الجلوس على السجود، وفي جلسة الاستراحة العكس، والمعروف في جلسة الاستراحة الوارد فعلها عن النبي ﷺ أنه كان يفعلها بعد الرفع من السجود الثاني للنهوض في الركعات الأوتار، فعن مالك بن الحويرث ﵁: «أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا» (١)، ورأى بعض أهل العلم أنها شاذة؛ وفي الحديث دليل على مشروعية هذه القعدة بعد السجدة الثانية من الركعة الأولى، والركعة الثالثة، ثم ينهض لأداء الركعة الثانية، أو الرابعة، وتسمى جلسة الاستراحة. فإن جلس عامدا فلا شيء عليه بشرط ألا يكون مقدار التشهد وإلا لزمه السجود بعد السلام، ومن جلس شاكا ينتظر الناس ماذا يفعلون فلا شيء عليه (٢). • هيئة الانحطاط إلى السجود وتقديم اليدين على الركبتين: (وتكبر في) حال (انحطاطك للسجود) على جهة السنية لتعمر الركن بالتكبير لقول أبي حميد الساعدي ﵁ في حديثه: «ثم هوى إلى الأرض ساجدا، ثم قال: الله أكبر … » (٣)، ولم يذكر ما يسبق به إلى الأرض، والمستحب تقديم اليدين على الركبتين إذا هوى للسجود وتأخيرهما عن الركبتين عند القيام لأمره ﵊ بذلك، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه» (٤)، وعن نافع قال: «كان ابن عمر ﵄ يضع يديه قبل ركبتيه» (٥)، وبه عمل أهل المدينة. وروى الحازمي عن الأوزاعي أنه

стр. 357

قال: أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم، قال ابن أبي داود: وهو قول أصحاب الحديث؛ واحتجوا بحديث أبي هريرة المتقدم. (و) إذا سجدت فإنك (تمكن جبهتك وأنفك من الأرض) الجبهة هي مستدير ما بين الحاجبين إلى الناصية، والتمكين أن يضعهما على أبلغ ما يمكنه وهذا على جهة الاستحباب، وأما الواجب من ذلك فيكفي فيه وضع أيسر ما يمكن من الجبهة، لحديث رفاعة بن رافع ﵁: «ثم يكبر فيسجد، ويمكن جبهته من الأرض حتى تطمئن مفاصله وتسترخي … » (١). قال الحافظ في «الفتح» (٢): قال القرطبي: هذا يدل على أن الجبهة الأصل في السجود والأنف تبع. ونقل ابن المنذر: إجماع الصحابة على أنه لا يجزئ السجود على الأنف وحده، وذهب الجمهور إلى أنه يجزئ على الجبهة وحدها … ؛ اه بتصرف (٣). والسجود على الجبهة والأنف واجب، فإن اقتصر على أحدهما ففيه أقوال: مشهورها إن اقتصر على أنفه لم يجزه ويعيد أبدا، وإن اقتصر على جبهته أجزأه وأعاد في الوقت، وهل الاختياري أو الضروري قيل بكل منهما، وهذا إن كانت الجبهة سالمة (٤). وأما إن كان بها قروح فقال في «المدونة» (٥): أومأ ولم يسجد على أنفه لأن السجود على الأنف إنما يطلب تبعا للسجود على الجبهة فحيث سقط فرضها سقط تابعها فإن وقع وسجد على أنفه فقال أشهب: يجزئه، لأنه زاد على الإيماء، فإن سجد على كور عمامته بفتح الكاف ففي المدونة يكره ويصح؛ أي: إذا كان قدر الطاقة والطاقتين اللطيفتين بأن تكون من الشاش الرفيع.

стр. 358

(وتباشر) في سجودك؛ أي: من غير حائل (بكفيك الأرض) على جهة الاستحباب، فقد روى ابن أبي شيبة عن عروة بن الزبير: «أنه كان يكره الصلاة على شيء دون الأرض» (١)، وكذا روي عن غير عروة، ويحتمل أن يحمل على كراهة التنزيه والله أعلم. وروي أيضا بسند صحيح عن إبراهيم النخعي عن الأسود وأصحابه، أنهم كانوا يكرهون أن يصلوا على الطنافس والفراء والمسوح، وأخرج عن جمع من الصحابة والتابعين جواز ذلك (٢)، وحكاه الترمذي (٣). وإنما استحب المباشرة بالوجه واليدين لأن ذلك من التواضع، ولأجل ذلك كره السجود على ما فيه ترفه وتنعم من صوف وقطن، واغتفر الحصير لأنه كالأرض، والأحسن تركه فالسجود عليه خلاف الأولى، قلت: هكذا قالوا، وهذا الفعل يختلف باختلاف البلاد والعباد فلا تستوي أرض حارة بباردة، ولا المرملة كالمحصبة، ولا الثري المترف، كالثري المتواضع والفقير الصابر. وبين هيئة المباشرة وهو أن تكون باسطا يديك تكرار مع قوله: وتباشر بكفيك الأرض لأن مباشرة الأرض بالكفين لا تكون إلا مع بسطهما، ويقال إنه كرره لأجل التأكيد (مستويتين للقبلة)؛ أي: ندبا وعلل ذلك القرافي (٤) بأنهما يسجدان فيتوجهان لها، وأما السجود نفسه على اليدين كالركبتين وأطراف القدمين فسنة، (تجعلهما حذو أذنيك أو دون ذلك) لحديث وائل بن حجر قال: رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، - وصف همام حيال أذنيه (٥). وفي حديث أبي حميد: «أن النبي ﷺ كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض، ونتى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه» (٦).

стр. 359

وقد أشار المصنف إلى أنه لا تحديد في موضع وضع اليدين لقول «المدونة»: لا تحديد في ذلك (١). (وكل ذلك واسع)؛ أي: جائز يعني إن وضع يديه حذو أذنيه أو دون ذلك من الأمور الجائزة لا من الواجبة حتى يترتب على تركها فساد بل لو خالف فقد ارتكب مكروها فقط، غير أنك لا تفترش ذراعيك في الأرض لما صح عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ﴿اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب﴾ (٢)، والأحاديث في هذا النهي كثيرة. قوله: أن يبسط ذراعيه افتراش الكلب؛ أي: يكره أن يفترش الرجل ذراعيه بالأرض في حال سجوده كما يكره له افتراشهما على فخذيه (ولا تضم عضديك إلى جنبيك)؛ أي: ينهى على جهة الكراهة أن يضم الرجل في حال سجوده عضديه إلى جنبيه (لكن يجنح بهما تجنيحا وسطا)؛ أي: يستحب للرجل خاصة أن يباعد بين عضديه وجنبيه كما كان يفعل ﷺ ففي «الصحيحين» أنه: «كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه» (٣)، وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تفترش افتراش السبع واعتمد على راحتيك وأبد ضبعيك فإذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك» (٤). • فائدة في الأمر بمخالفة البهائم والسباع: قال الصنعاني (٥) رحمه الله تعالى: وقد ثبت عن النبي ﷺ : الأمر بمخالفة سائر الحيوانات في هيئات الصلاة، فنهى عن التفات كالتفات الثعلب (٦)،

стр. 360

وعن افتراش كافتراش السبع (١)، وإقعاء كإقعاء الكلب (٢)، ونقر كنقر الغراب (٣)، ورفع الأيدي كأذناب خيل شمس (٤)، أي: حال السلام، ويجمعها قولنا: إذا نحن قمنا في الصلاة فإننا … نهينا عن الإتيان فيها بستة بروك بعير والتفات كثعلب … ونقر غراب في سجود الفريضة وإقعاء كلب أو كبسط ذراعه … وأذناب خيل عند فعل التحية وزدنا كتدبيح الحمار (٥) بمده … لعنق وتصويب لرأس بركعة والتدبيح: بالدال بعدها موحدة ومثناة تحتية وحاء مهملة، وروي بالذال المعجمة، قيل: وهو تصحيف. قال في «النهاية»: «هو أن يطأطئ المصلي رأسه حتى يكون أخفض من ظهره انتهى. إلا أنه قال النووي: حديث التدبيح ضعيف». اهـ. قلت: وهنا زيادة أخرى كما في الطيالسي وأحمد وابن أبي شيبة: «وأن أقعي كإقعاء القرد» (٦). وفي «سنن أبي داود» عن عبد الرحمن بن شبل قال: «نهى رسول الله ﷺ عن ثلاث عن نقرة الغراب، وعن فرشة السبع، وأن يوطن الرجل المكان الذي يصلى فيه كما يوطن البعير» (٧). فلذلك زدت عليه: وإقعاء كإقعاء القرود بمدرج … وتوطين كتوطين البعير ببقعة.

стр. 361

(وتكون رجلاك في سجودك قائمتين وبطون إبهاميهما إلى الأرض) لحديث سعد بن أبي وقاص ﵁: «أن النبي ﷺ أمر بوضع اليدين، ونصب القدمين» (١)، وكان ﷺ «يستقبل بأطراف أصابعهما القبلة» (٢). (وتقول إن شئت في سجودك: سبحانك ربي ظلمت نفسي وعملت سوءا فاغفر لي) لحديث أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال قل: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» (٣) ولعل سبب تخصيص المصنف له بالسجود هو كون السجود أقرب ما يكون فيه العبد من ربه وأدعى للاستجابة له. (أو) تقول (غير ذلك إن شئت) من الأدعية والأذكار الواردة منها «سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات» (٤) وكان أحيانا يكررها أكثر من ذلك (٥)، أو «سبحان ربي الأعلى وبحمده» ثلاثا (٦)؛ أو «سبوح قدوس رب الملائكة والروح» (٧)، وغيرها، والتخيير الأول بين القول والترك لا، والثاني بين هذا القول الذي أورده وغيره من الأذكار. والحاصل أن التسبيح في السجود مندوب عند المصنف وغيره وعبارة التخيير المفيدة بحسب ظاهرها استواء الطرفين إنما هي إشارة إلى الرد فقط. (وتدعو في السجود إن شئت)؛ أي: يستحب أن يدعو بدعاء القرآن وغيره، لقوله ﷺ : «أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا

стр. 362

الدعاء» (١)، وزاد البيهقي «فيه» (٢)، لكن لا بد أن يكون بأمر جائز شرعا، وعادة لا يمتنع، وإن لم تبطل الصلاة به، وليس هذا تكرارا مع الذي قبله لأن هذا دعاء مجرد عن التسبيح. (وليس لطول ذلك) السجود (وقت)؛ أي: حد في الفريضة، أما في حق المنفرد ما لم يطل جدا فإن طال كره، وأما في النافلة فلا بأس به، وفي حق الإمام ما لم يضر بمن خلفه. (وأقله)؛ أي: أقل ما يجزئ من اللبث في السجود (أن تطمئن)؛ أي: تستقر (مفاصلك) عن الاضطراب اطمئنانا (متمكنا) لقوله ﷺ للمسيء صلاته: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، وافعل ذلك في صلاتك كلها» (٣). والمفاصل: جمع مفصل بفتح الميم وكسر الصاد ملتقى الأعضاء، وأما مفصل بكسر الميم وفتح الصاد فهو اللسان. (ثم) إذا فرغت من التسبيح والدعاء في السجود (ترفع رأسك بالتكبير)؛ أي: مصاحبا له وهذا الرفع فرض بلا خلاف إذ لا يتصور تعدد السجود بغير فصل بينهما لقوله ﷺ : «ثم ارفع حتى تطمئن جالسا» (٤)، وعن ابن مسعود ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يكبر في كل خفض، ورفع، وقيام، وقعود» (٥). وبعد أن ترفع رأسك، (ف) إنك (تجلس) وجوبا معتدلا (فتثني)؛ أي: تعطف (رجلك اليسرى في جلوسك بين السجدتين وتنصب)؛ أي: تقيم رجلك (اليمنى و) تكون بطون أصابعها إلى الأرض لفعل النبي ﷺ ذلك

стр. 363

أحيانا كما في بعض روايات أبي حميد الساعدي فعن عباس، وفيه: « … ثم كبر فجلس فتورك ونصب قدمه الأخرى، ثم كبر فسجد ثم كبر فقام ولم يتورك. ثم ساق الحديث» (١). لا مفهوم لقوله في جلوسك بين السجدتين إذ جلوسه حال التشهد كذلك، وأما جلوس من يصلي قاعدا حال القراءة والركوع فهو التربيع استحبابا، ليخالف هيئة جلوسه بين السجدتين وحال تشهده، وسكت عن قدمه اليسرى أين يضعها. قال عبد الوهاب: يضعها تحت ساقه الأيمن (٢)، وقيل: بين فخذيه، وقيل: خارجا. والرجال والنساء في ذلك سواء، وفي حديث عبد الله بن الزبير ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصلاة، جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرش قدمه اليمنى، … » (٣)، وعند أبي داود بلفظ: «جعل قدمه اليسرى تحت فخذه اليمنى وساقه، وفرش قدمه اليمنى» (٤). (و) إذا رفعت رأسك من السجود فإنك أيضا (ترفع يديك عن الأرض) فتجعلهما (على ركبتيك)؛ أي: على قريب من الركبتين لقوله ﷺ : «إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفعه فلير فعهما» (٥). ولما ورد في صفة صلاة النبي ﷺ فعن عائشة ﵂ «أنه ﷺ كان إذا رفع رأسه من السجدة، لم يسجد حتى يستوي جالسا» (٦)، وإذا لم يفعل ذلك المصلي القادر على الفعل فيكون على هيئة المستوفز وهي مخالفة لمعنى الاطمئنان.

стр. 364

قال في «الجواهر»: ويضع يديه قريبا من ركبتيه مستويتي الأصابع. وإذا لم يرفعهما عن الأرض ففي بطلان صلاته قولان أشهرهما البطلان، والأصح على ما قال القرافي عدم البطلان (١)، وهو المعتمد. (ثم) بعد أن ترفع رأسك من السجدة الأولى مع رفع يديك (تسجد) السجدة (الثانية كما فعلت أولا) في السجدة الأولى من تمكين الجبهة والأنف من الأرض وقيام القدمين ومباشرة الأرض بالكفين وغير ذلك لقوله ﷺ : «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» في حديث المسيء صلاته وتقدم. (ثم) بعد فراغك من السجدة الثانية (تقوم من الأرض كما أنت معتمدا على يديك)؛ أي: حالة كونك ثابتا على ما أنت عليه من عدم الجلوس لفعله ﷺ أنه: «كان ينهض معتمدا على الأرض إلى الركعة الثانية» (٢)، قال أبو عمر (٣): وذكر عبد الرزاق، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة، معتمدا على يديه قبل أن يرفعهما وكذلك روي عن مكحول، وعمر بن عبد العزيز، وجماعة من التابعين اهـ. (لا ترجع جالسا لتقوم من جلوس) إشارة إلى مخالفة الشافعية القائلين إنه يقوم إلى الركعة الثانية والرابعة من جلوس على جهة السنية، والمقصود به جلسة الاستراحة، (ولكن) الفضيلة عندنا في الرجوع إلى القيام (كما ذكرت لك في السجود) لا حاجة له بعد ما تقدم من قوله ثم تقوم من الأرض كما أنت معتمدا على يديك وتكبر في حال قيامك لأن التكبير عند الحركة والشروع في أفعال الصلاة مستحب لما مر في حديث: «أنه ﷺ كان يكبر في كل خفض ورفع» ولقول أبي هريرة أنه ﷺ : «كان إذا قام من السجدتين قال: الله أكبر» (٤)، (ثم) بعد أن تنتصب قائما وتفرغ من التكبير (تقرأ) الفاتحة ثم تقرأ.

стр. 365

معها سورة (كما قرأت في الركعة الأولى)؛ أي: بحيث تكون الثانية كالأولى في الطول (أو دون ذلك)؛ أي: بحيث تكون الثانية أقصر من الأولى. وكلا المقروئين من طوال المفصل سواء كانت الثانية مماثلة للأولى في الطول، أو أقصر منها وهو الأفضل لحديث أبي قتادة ﵁: «أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأولين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب ويسمعنا الآية أحيانا، ويطول في الركعة الأولى ولا يطول في الثانية، وهكذا العصر، وهكذا في الصبح» (١). والمستحب القراءة على ترتيب المصحف وإن نكس فجائز. (وتفعل مثل ذلك سواء) الظاهر أن الإشارة راجعة لجميع ما تقدم وعليه يكون قوله بعد ثم تفعل في السجود والجلوس كما تقدم من الوصف تكرارا لقوله ﷺ للمسيء صلاته: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» (٢). • حكم القنوت وصفته في الصلاة: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (غير أنك تقنت بعد الركوع، وإن شئت قنت قبل الركوع بعد تمام القراءة. والقنوت: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونخشع لك (٣)، ونخنع، ونخلع ونترك من يكفرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد إن عذابك بالكافرين ملحق). الشرح (غير أنك تقنت) في الركعة الثانية (بعد) الرفع من (الركوع) وإن شئت

стр. 366

قبل الركوع بعد تمام القراءة) (١): والقنوت في اللغة: الطاعة، والسكوت، والدعاء، والقيام في الصلاة، والإمساك عن الكلام: وهو مشروع مع اختلاف العلماء في حكمه بين الوجوب والاستحباب، والإباحة وقد فصلنا القول فيه في المناهل الزلالة، ومحله عند المالكية الصبح، ويكون قبل الركوع، وجوز مالك قبل وبعد. (والقنوت)؛ أي: لفظه المختار عند المالكية: هو ما رواه عبيد بن عمير رحمه الله تعالى قال: صليت خلف عمر ﵁ صلاة الصبح - فقنت فيها بعد الركوع وقال في قنوته: «اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، ولك نسعى ونحفد، ونخشى عذابك الجد ونرجو رحمتك إن عذابك بالكافرين ملحق» (٢). (اللهم)؛ أي: يا الله (إنا نستعينك)؛ أي: نطلب معونتك على طاعتك (ونستغفرك)؛ أي: نطلب منك المغفرة وهي الستر على الذنوب فلا تؤاخذنا بها (ونؤمن بك)؛ أي: نصدق بما يجب لك (ونتوكل)؛ أي: نعتمد (عليك) في أمورنا. قيل: الصحيح أن قوله: ونتوكل عليك، زيد في الرسالة وليس منها وفي رواية: ونثني عليك الخير بعد قوله ونتوكل عليك. وما يجري على ألسنة العامة من لفظ كله بعد قوله الخير غير مثبت في الرواية مع أن العبد لا يطيق كل الثناء عليه فتركه خير. (ونخنع)؛ أي: نخضع ونذل لك (ونخلع) الأديان كلها لوحدانيتك (ونترك من يكفرك)؛ أي: يجحدك ويفري عليك الكذب (اللهم)؛ أي: يا الله (إياك نعبد)؛ أي: لا نعبد إلا إياك واستفيد الحصر من تقديم المعمول (ولك نصلي ونسجد) ذكر الصلاة بعد دخولها في

стр. 367

قوله إياك نعبد لشرفها وذكر السجود مع دخوله في الصلاة لشرفه فإنه أشرف أجزاء الصلاة (وإليك نسعى)؛ أي: نعمل الطاعات من السعي للجمعة والحج والعمرة، والسعي بين الصفا والمروة (ونحفد) بفتح الفاء وكسرها وبالدال المهملة؛ أي: نسرع في العمل (نرجو رحمتك)؛ أي: نطمع في نعمتك وهي الجنة، والطمع فيها إنما يكون بامتثال الأمر بالعمل وأما بالقلب واللسان من غير عمل، فهو رجاء الكذابين (ونخاف عذابك الجد) بكسر الجيم؛ أي: الحق الثابت (إن عذابك بالكافرين (ملحق) بكسر الحاء بمعنى لاحق اسم فاعل من ألحق اللازم بمعنى لحق. ويجوز أن يكون اسم فاعل من ألحق المتعدي؛ أي: ملحق بهم الهوان. • صفة الجلوس بين السجدتين: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ثم تفعل في السجود والجلوس كما تقدم من الوصف فإذا جلست بعد السجدتين نصبت رجلك اليمنى وبطون أصابعها إلى الأرض وثنيت اليسرى وأفضيت بأليتك إلى الأرض ولا تقعد على رجلك اليسرى، وإن شئت حنيت اليمنى في انتصابها فجعلت جنب بهمها إلى الأرض فواسع). الشرح (ثم) إذا فرغت من قراءة القنوت فإنك تهوي ساجدا مكبرا لا تجلس ثم تسجد و (تفعل في السجود والجلوس بين السجدتين (كما تقدم من الوصف)) لحديث المسيء صلاته وغيره، ففي السجود تمكن جبهتك وأنفك من الأرض، إلى آخر ما تقدم (فإذا جلست بعد السجدتين) من الركعة الثانية للتشهد (نصبت رجلك اليمنى)؛ أي: قدمها (و) جعلت بطون أصابعها إلى الأرض وثنيت)؛ أي: عطفت رجلك اليسرى وأفضيت)؛ أي: ألصقت (بأليتيك)؛ أي: مقعدتك اليسرى (إلى الأرض) وهي الرواية الصحيحة، ويروى بإليتيك وهي خطأ، لأنه إذا جلس عليهما كان إقعاء؛ أي: شبيها به، وهو مكروه، وإنما كان شبيها بالإقعاء، ولم يكن إقعاء لأن حقيقة الإقعاء أن يلصق أليتيه

стр. 368

بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض، كما يقعي الكلب. (ولا تقعد على رجلك اليسرى)؛ أي: قدمك اليسرى، وذلك لأن ابن عمر ﵄ نهى ابنه عن التربع في التشهد وأمره بأن يكون على الهيئة التي ذكرها المصنف ﵀ فقال لابنه إنها «سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى» (١)، فهذا كله مذهب مالك وأصحابه في الجلوس للتشهدين جميعا في الصلاة، قلت: والجلوس على القدم اليسرى في التشهد الأوسط أحاديثها أكثر من التورك منها حديث: وائل بن حجر ﵁: «أنه رأى النبي ﷺ يصلي فسجد ثم قعد فافترش رجله اليسرى» (٢). والصفة التي ذكرها المصنف مثلها في المدونة في جميع جلوس الصلوات (٣) (وإن شئت حنيت اليمنى في انتصابها فجعلت جنب بهمها فقط إلى الأرض) وتترك القدم قائما، وما ذكره الشيخ مخالف للباجي القائل بأن باطن إبهامها يكون مما يلي الأرض لا جنبها (٤)، وهو الراجح (فواسع)؛ أي: جائز. • صفة التشهد والجلوس له: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ثم تتشهد، والتشهد: التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله: فإن سلمت بعد هذا أجزأك ومما تزيده إن شئت: وأشهد أن الذي جاء به محمد حق، وأن الجنة حق وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، اللهم صل على

стр. 369

محمد وعلى آل محمد وارحم محمدا وآل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، اللهم صل على ملائكتك المقربين (١)، وعلى أنبيائك المرسلين، وعلى أهل طاعتك أجمعين اللهم اغفر لي ولوالدي ولأئمتنا ولمن سبقنا بالإيمان مغفرة عزما، اللهم إني أسألك من كل خير سألك منه محمد نبيك، وأعوذ بك من كل شر استعاذك منه محمد نبيك، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ومن فتنة القبر ومن فتنة المسيح الدجال، ومن عذاب النار وسوء المصير، والسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين). الشرح (ثم) إذا جلست بعد السجدتين من الركعة الثانية على الصفة المتقدمة (تتشهد، والتشهد)؛ أي: لفظه المختار عندنا معاشر المالكية: هو ما ورد في حديث عبد الرحمن بن عبد القاري أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ وهو على المنبر يعلم الناس التشهد يقول قولوا: «التحيات لله، الزاكيات الله، الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» (٢)، وقال مالك (٣): تشهد عمر بن الخطاب أفضل لأنه علمه الناس على المنبر ولم ينازعه أحد ولفظه: «التحيات لله الزاكيات الله الطيبات الصلوات الله … » الحديث.

стр. 370

(التحيات) (١) قال الخطابي والبغوي: المراد بالتحيات أنواع التعظيم (الله) تعالى (الزاكيات)؛ أي: الناميات، وهي الأعمال الصالحة، ونسبة الزكاء إلى الأعمال إما على تقدير؛ أي: التي يزكو جزاؤها، أو تزكو هي نفسها؛ أي: تزيد، لأن تحسين العمل سبب في التوفيق لزيادته (الله) تعالى (الطيبات) قوله: أي: الكلمات الطيبات، وهي ذكر الله وما والاه، ولم يقل الطيبات لله كما قال في غيرها لأنه يوهم المستلذات، وهي لا تليق به (الصلوات) قيل: العبادات كلها، وقيل: التحيات العبادات القولية، والصلوات العبادات الفعلية، والطيبات العبادات المالية، كذا قال الحافظ. (الله) تعالى، (السلام) قيل: إنه اسم من أسمائه تعالى وقيل مصدر. والأصل يسلم الله عليك سلاما، قال البيضاوي: علمهم أن يفردوه بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم، ثم علمهم أن يخصوا أنفسهم لأن الاهتمام بها أهم، ثم أمرهم بتعميم السلام على الصالحين إعلاما منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملا لهم اه. (عليك)؛ أي: الله حفيظ وراض عليك (أيها النبي ورحمة الله) إحسانه زاد في بعض روايات «الموطأ» (وبركاته)؛ أي: خيراته المتزايدة (السلام)؛ أي: أمان الله (علينا وعلى عباد الله الصالحين)؛ أي: المؤمنين من الإنس والجن والملائكة قال ﷺ : ﴿فإنكم إذا فعلتم ذلك﴾ في لفظ للبخاري: فإذا قالها أصاب كل عبد الله في السماء والأرض صالح المراد قوله: وعلى عباد الله الصالحين، وهو كلام معترض بين قوله الصالحين وبين قوله أشهد؛ قال الحافظ (٢): قال الفاكهاني: ينبغي للمصلي أن يستحضر في هذا المحل جميع الأنبياء والملائكة والمؤمنين؛ يعني: ليوافق لفظه مع قصده. اهـ. (أشهد)؛ أي: أتحقق (أن لا إله إلا الله) زاد ابن أبي شيبة: (وحده لا

стр. 371

شريك له) قال الحافظ في «الفتح» (١): وسنده ضعيف لكن ثبتت هذه الرواية في حديث أبي موسى عند مسلم، وفي حديث عائشة الموقوف في «الموطأ»، وفي حديث ابن عمر عند الدارقطني، وعند أبي داود عن ابن عمر أنه قال: زدت فيها وحده لا شريك له وإسناده صحيح. (وحده لا شريك له في أفعاله وأشهد)؛ أي: أتحقق (أن محمدا عبد الله) بصيغة الاسم الظاهر والذي في المدونة وهو في بعض النسخ عبده (ورسوله) (٢) بالضمير وقد أخرج عبد الرزاق عن عطاء: «أن النبي ﷺ أمر رجلا أن يقول عبده ورسوله» (٣)، قال التتائي: بالضمير، وكذا في رواية الجلاب والجواهر وابن الحاجب، وفي «الموطأ» ونقله عنه في الذخيرة عبد الله صريحا لا غير (٤). (فإن سلمت بعد هذا)؛ أي: بعد وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله (أجزاك)؛ أي: كفاك ولا مفهوم له، بل وكذلك لو قال بعضه أو تركه جملة، قال ابن ناجي: أي على أحد القولين، وكذا لو قال غيره، ولا يصح أن تقول أجزأك؛ أي: على جهة الكمال، لأنه لم يذكر الصلاة على النبي فالحق أنه وصف طردي، أي: لا مفهوم له (٥). (ومما تزيده إن شئت) وهذا الذي زاده المصنف رحمه الله تعالى وارد أثناء التشهد من حديث ابن الزبير ﵁ لكنه ضعيف (٦)، قال العلامة بدر الدين العيني (٧): قلت: فيه مقال.

стр. 372

(وأشهد أن الذي جاء به محمد (حق)؛ أي: ثابت (و) أشهد أن الجنة حق وأن النار (حق) (١)؛ أي: أتحقق أنهما مخلوقان الآن (و) أشهد أن الساعة)؛ أي: القيامة (آتية لا ريب فيها)؛ بمعنى: النهي؛ أي: لا ترتابوا فيه (و) أشهد (أن الله يبعث من في القبور)؛ أي: يبعث الأموات من قبورهم للعرض على الحساب (اللهم)؛ أي: يا ألله (صل على محمد وعلى آل محمد وارحم محمدا وآل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد اللهم صل على ملائكتك المقربين) وفي نسخة (والمقربين) بزيادة واو العطف (و) صل (على أنبيائك المرسلين) وروي أيضا بإثبات الواو وهو الأكثر في الموضعين (و) صل (على أهل طاعتك أجمعين) وهم القائمون بما وجب عليهم من حقوق الله تعالى وحقوق عباده قال الحكيم الترمذي (٢): من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي سلمه الخلق في صلاتهم فليكن عبدا صالحا وإلا حرم هذا الفضل العظيم، هكذا أورد المصنف الصلاة الإبراهمية. (اللهم)؛ أي: يا الله اغفر لي ولوالدي المؤمنين (و) اغفر (لأئمتنا) هم العلماء. (و) اغفر لـ (من سبقنا بالإيمان) وهم الصحابة (مغفرة عزما)؛ أي: قطعا؛ أي: مقطوعا بها لأن من صفة المغفرة التي تكون منك يا رب أنها مقطوع بها، وقد ثبت من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقل أحدكم إذا دعا اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة فإنه لا مكره له» (٣). (اللهم إني أسألك من كل خير سألك منه محمد نبيك) وهذا حديث

стр. 373

صحيح (١)، والدعاء به مندوب، وهو عام أريد به الخصوص، إذ الشفاعة العظمى مختصة به لا يشاركه غيره فيها، أي وغيرها من كل ما اختص به (وأعوذ)؛ أي: أتحصن بك (من كل شر استعاذك منه محمد نبيك)، (اللهم)؛ أي: يا الله (اغفر لنا ما قدمنا)؛ أي: من الذنوب (و) اغفر لنا (ما أخرنا) من الطاعات عن أوقاتها، أو من الآثار السيئة التي تبقى بعدنا، (و) (اغفر لنا ما أسررنا)؛ أي: أخفينا من المعاصي عن الخلق (و) اغفر لنا (ما أعلنا)؛ أي: أظهرنا للخلق من المعاصي (و) اغفر لنا (ما أنت أعلم به منا)؛ أي: ما وقع منا ونحن جاهلون بحكمه أو وقع منا عمدا، ونسيناه فأفعل التفضيل ليس على بابه ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة﴾ هي خير الدنيا من الاستقامة والعافية والسير على نهج الشرع القويم ﴿وفي الآخرة حسنة﴾ هي المغفرة بقرينة الآية التي بعدها ﴿وقنا عذاب النار﴾؛ أي: اجعل بيننا وبينها وقاية وليس إلا المغفرة (وأعوذ بك من فتنة المحيا)؛ أي: أتحصن بك أن أفتتن بأعمال السوء التي ترث والعياذ بالله سوء المنقلب (والممات) وأعوذ بك من فتنة الممات، وهي والعياذ بالله التبديل عند الاحتضار، فإن ثبته الله ونزلت ملائكة الرحمة فر الشيطان ومات على الإسلام، قاله ابن عمر الأنفاسي، (و) أعوذ بك من فتنة القبر وهي عدم الثبات عند سؤال الملكين؛ أي: عدم رد الجواب حين يقول له الملك من ربك وما دينك إلخ؛ أي: فلا يجيب بقوله ربي الله. (و) أعوذ بك من فتنة المسيح بالحاء المهملة على الصحيح، وهي فتنة عظيمة لأنه يدعي الربوبية وتتبعه الأرزاق فمن تبعه كفر والعياذ بالله، ووصفه بالدجال لأنه يغطي الحق بالباطل، مأخوذ من دجل إذا ستر وغطى، وللفرق بينه وبين عيسى ﵇، وسمي عيسى ﵇ مسيحا لسياحته في الأرض لأجل الاعتبار. فعيسى ﵇ مسيح الهدى، والدجال مسيح الضلال (٢).

стр. 374

(و) أعوذ بك (من عذاب النار وسوء المصير)؛ أي: سوء المرجع؛ أي: الرجوع إلى الله ﴿السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين﴾ ظاهره أن المصلي إذا فرغ من الدعاء فلا يأتي بتسليمة التحليل حتى يقول على جهة الاستحباب: السلام عليك أيها النبي إلخ، وأن ذلك مطلوب من كل مصل، وهو خلاف المشهور، بل المشهور ما حكاه القرافي أنه لا يعيد التسليم على النبي إذا دعا. وعن مالك يستحب للمأموم إذا سلم إمامه أن يقول: السلام عليك إلخ لما روى نافع أن ابن عمر ﵁: كان يتشهد … فإذا قضى تشهده وأراد أن يسلم قال: «السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم عن يمينه، ثم يرد على الإمام فإن سلم عليه أحد عن يساره رد عليه» رواه مالك (١) - قال الزرقاني: ولعل مالكا ذكر حديث ابن عمر هذا الموقوف عليه لما فيه من أن المأموم يسلم ثلاثا إن كان على يساره أحد لأنه المشهور من قول مالك اهـ (٢). قال بعض الشراح والحاصل أن هذه الزيادة ضعيفة، ومع ضعفها هي خاصة بالمأموم، كما قال الإمام مالك ﵀. فائدة: أولا: مما انتقد على ابن أبي زيد إيراده في الصلاة الإبراهمية وارحم محمدا، قال ابن عبد البر (٣): رويت الصلاة على النبي ﷺ من طرق متواترة، بألفاظ متقاربة، وليس في شيء منها «وارحم محمدا» فلا أحب لأحد أن يقوله، لأن الصلاة إن كانت من الله الرحمة، فإن النبي ﷺ قد خص بهذا اللفظ. وحكى القاضي عياض عن جمهور المالكية منعه، قال: وأجازه أبو

стр. 375

محمد بن أبي زيد (١). ثانيا: على المصلي أن يدعو عقب التشهد والصلاة الإبراهيمية بقوله ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم» (٢). ثالثا: ورد عن النبي ﷺ أن يدعو المصلي بما شاء في دبر صلاته من خير الدنيا والآخرة وذلك لقوله ﷺ : «ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو» (٣). يكون الترتيب هكذا: التشهد. الصلاة الإبراهمية. التعوذ بالله من أربع: عذاب القبر … إلخ. أفضل ما ورد من الدعاء في الآثار. أن يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، والله أعلم. ثم السلام. • صفة السلام: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ثم تقول: السلام عليكم، تسليمة واحدة عن يمينك تقصد بها قبالة وجهك وتتيامن برأسك قليلا هكذا يفعل الإمام والرجل وحده. وأما المأموم فيسلم واحدة يتيامن بها قليلا، ويرد أخرى على الإمام قبالته يشير بها إليه، ويرد على من كان سلم عليه على يساره فإن لم يكن سلم عليه أحد لم يرد على يساره شيئا).

стр. 376

الشرح (ثم) بعد ذلك تسلم تسليمة التحليل، ف (تقول السلام عليكم) وهذا السلام فرض بلا خلاف على كل مصل إمام وفذ ومأموم، لا يخرج من الصلاة إلا به، ويتعين له اللفظ الذي ذكره الشيخ؛ أي: بالتعريف والترتيب وصيغة الجمع. فلو قال: عليكم السلام، أو سلامي عليكم، أو سلام الله عليكم، أو أسقط أل لم يجزه (١). وهل يفتقر إلى نية الخروج من الصلاة أم لا؟ قولان مشهوران والراجح كما يفيده كلام ابن عرفة عدم الاشتراط، لكن يندب الإتيان بها (٢). نعم من عجز عن تسليمة التحليل جملة خرج من الصلاة بنيته، وحينئذ تكون نية الخروج واجبة ولا يسقط عنه السلام بالعجز عن بعضه حيث كان ما يقدر عليه له معنى (تسليمة واحدة عن يمينك تقصد بها قبالة وجهك وتتيامن برأسك قليلا هكذا يفعل الإمام، والرجل وحده)؛ يعني: أن صفة السلام تختلف باختلاف المصلي، فإن كان إماما أو فذا فالمطلوب من كل منهما أن يأتي بتسليمة واحدة جهة وجهه، ويتيامن برأسه قليلا (٣)، فهو يبدأ بها إلى القبلة ويختم بها مع التيامن بقدر ما ترى صفحة وجهه على جهة الندب، قال مالك وعليه العمل (٤). ويسن الجهر بتسليمة التحليل لكل مصل وهذه التسليمة كان يفعلها النبي ﷺ أحيانا فعن عائشة ﵂ قالت: «كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه يميل إلى الشق الأيمن» (٥).

стр. 377

قال ابن عبد البر: روي في التسليمة الواحدة أحاديث إلا أنها معلولة لا يصححها أهل العلم بالحديث (١) … وكذا قال الباجي (٢). وقال ابن العربي: اختلف علماؤنا في صفة السلام فثبتت عنه في ذلك أحاديث كثيرة، أنه كان يسلم تسليمة واحدة، وهي غير ثابتة، وروي عنه أنه كان يسلم تسليمتين عن يساره ويمينه، ولم يخرجها البخاري وخرجها مسلم .. إلخ (٣). قال الترمذي: ورأى قوم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين وغيرهم تسليمة واحدة في المكتوبة (٤) قال: وأصح الروايات عن النبي ﷺ تسليمتان، وعليه أكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم انتهى. وحكى الطحاوي وغيره عن الحسن بن صالح أنه أوجب التسليمتين جميعا وهي رواية عن أحمد، وبها قال بعض أصحاب مالك، ونقله ابن عبد البر عن بعض أصحاب الظاهر (٥). قال ابن عبد البر (٦): والعمل المشهور بالمدينة التسليمة الواحدة، وهو عمل قد توارثه أهل المدينة كابرا عن كابر، ومثله يصح فيه الاحتجاج بالعمل في كل بلد، لأنه لا يخفى، لوقوعه في كل يوم مرارا، وكذلك العمل بالكوفة وغيرها مستفيض عنهم التسليمين، متوارث عندهم أيضا. وكل ما جرى هذا المجرى فهو اختلاف في المباح كالأذان. وأما تسليمة غيره ولا يتصور إلا من المأموم، فالأفضل فيها السر وهذا في حق الرجل الذي ليس معه من يحصل بجهره التخليط عليه. وأما المرأة فجهرها أن تسمع نفسها، وأما المأموم (ف) صفة سلامه أن يسلم تسليمة واحدة (يتيامن بها قليلا)؛ أي: يوقع جميعها على جهة يمينه فهو مخالف للإمام والفذ.

стр. 378

والفرق بينه وبينهما أن سلامهما وردهما معتبر في الصلاة، فاستقبلا في أوله القبلة كسائر أفعال الصلاة، وأما المأموم فقد سلم إمامه، وهو تبع له فهو في معنى من انقضت صلاته (ويرد أخرى على الإمام قبالته)؛ أي: قبالة الإمام؛ أي: يسن للمأموم أن يأتي بتسليمة أخرى غير تسليمة التحليل يوقعها جهة الإمام، ولا يتيامن ولا يتياسر بها. (يشير بها إليه)؛ أي: بقلبه، وقيل برأسه إن كان أمامه. ومحل الخلاف حيث كان أمامه، فإن كان خلفه أو على يمينه أو على يساره فالإشارة بقلبه اتفاقا. (ويرد على من كان يسلم عليه على يساره)؛ أي: يسن للمأموم أن يرد على يساره إن كان على يساره أحد، ودليل التسليم على الإمام وعلى من بيمينه حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: «أمرنا أن نسلم على أئمتنا، وأن يسلم بعضنا على بعض» (١)، ولفظ أبي داود (٢): «أمرنا أن نرد على الإمام، وأن يسلم بعضنا على بعض»، والحديث أخرجه أيضا الحاكم والبزار وزاد: «في الصلاة» قال الحافظ (٣): وإسناده حسن انتهى. وظاهر كلام المصنف أنه لا يسلم على يساره إلا إذا سلم الذي على يساره عليه، وأنه لو فرض أنه لم يسلم عليه لذهوله عن السلام مثلا أنه لا يسلم عليه، وليس كذلك (فإن لم يكن سلم عليه أحد لم يرد على يساره شيئا)؛ أي: أن محل طلب رد السلام من المأموم على جهة اليسار إن كان على يساره أحد أدرك فضل الجماعة لحديث نافع أن ابن عمر ﵁: كان يتشهد .. فإذا قضى تشهده وأراد أن يسلم قال: «السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم عن يمينه، ثم يرد على الإمام فإن سلم عليه أحد عن يساره رد عليه» (٤) قال الزرقاني (٥):

стр. 379

ولعل مالكا ذكر حديث ابن عمر هذا الموقوف عليه لما فيه من أن المأموم يسلم ثلاثا إن كان على يساره أحد لأنه المشهور من قول مالك اهـ. وأما إن لم يكن على يساره من أدرك فضل الجماعة بأن لم يكن هناك أحد أو كان هناك مسبوق لم يدرك ركعة مع الإمام، فلا يطالب بالرد. • تحريك السبابة في التشهد والصفات الواردة في ذلك: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويجعل يديه في تشهده على فخذيه، ويقبض أصابع يده اليمنى، ويبسط السبابة يشير بها، وقد نصب حرفها إلى وجهه واختلف في تحريكها فقيل: يعتقد بالإشارة بها أن الله إله واحد، ويتأول من يحركها أنها مقمعة للشيطان، وأحسب تأويل ذلك أن يذكر بذلك من أمر الصلاة ما يمنعه إن شاء الله عن السهو فيها والشغل عنها، ويبسط يده اليسرى على فخذه الأيسر، ولا يحركها ولا يشير بها). • الشرح: (ويجعل يديه في تشهديه) وفي نسخة في تشهده؛ أي: ندبا (على فخذيه) تثنية فخذ وهما قريبتان من ركبتيه، وهذا الجعل مختلف، أما كيفيته في اليمنى فأشار إليه بقوله: (ويقبض يده اليمنى ويبسط)؛ أي: يمد (السبابة) وهي التي تلي الإبهام سميت بذلك: لأن العرب كانوا يتسابون بها، وتسمى أيضا الداعية لأنها يشار بها عند الدعاء، والمسبحة للإشارة بها للتوحيد (١). (يشير بها)؛ أي: السبابة الإشارة صفة زائدة على البسط فالبسط المد، والإشارة زائدة على ذلك، وهي تتضمن البسط، والبسط لا يتضمنها (وقد نصب حرفها)؛ أي: جنبها (إلى وجهه)؛ أي: قبالة وجهه (٢)، واحترز بذلك

стр. 380

من أن يبسطها وباطنها إلى الأرض وظاهرها إلى وجهه وبالعكس، وفي صفة وضع اليدين حال التشهد حالات منها ما في حديث وائل بن حجر ﵁ أنه قال في صفة صلاة رسول الله ﷺ : «ثم قعد فافترش رجله اليسرى ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض ثنتين من أصابعه وحلق حلقة، ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها» (١). قوله: «ثم قبض اثنتين»؛ أي: أصبعين من أصابع يده اليمنى وهما الخنصر والبنصر، «وحلق» بتشديد اللام؛ أي: جعل أصبعيه حلقة، والحلقة بسكون اللام جمعها حلق بفتحتين على غير قياس. (واختلف في تحريكها) قال التتائي: يحتمل أن يريد بالخلاف التحريك وعدمه، ويحتمل في صفته، ويحتمل في محله، وهل جميع التشهد؟ وهو المشهور. قال الأزهري: قال ابن القاسم: يحركها، وهو المعتمد، وزعم التتائي أنه نقل الأقفهسي (٢)، وكلام ابن الحاجب يقتضي أن المشهور التحريك عند الشهادة فقط (٣). وقال غيره: لا يحركها، وعكس يحيى بن مزين (٤). وكلا القولين: ورد فيه أثر: فرواية التحريك مرت قريبا من حديث وائل ﵁: «فرأيته يحركها يدعو بها» ورميت الزيادة (يحركها يدعو بها) بالشذوذ (٥).

стр. 381

وأما عدمه عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عبد الله أنه ذكر «أن النبي ﷺ كان يشير بإصبعه إذا دعا لا يحركها» (١) قال البيهقي: في كلامه عن حديث وائل: «يحتمل أن يكون مراده بالتحريك: الإشارة، لا تكرير تحريكها، حتى لا يعارض حديث ابن الزبير» (٢). • الحكمة في تحريك السبابة: (فقيل يعتقد بالإشارة بها)؛ أي: بنصبها من غير تحريك (إن الله إله واحد و) قيل (يتأول)؛ أي: يعتقد، (من يحركها أنها مقمعة)؛ أي: مطردة (للشيطان) لحديث ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال تحريك الأصبع في الصلاة مذعرة للشيطان (٣)، وقال روينا عن مجاهد أنه قال: «تحريك الرجل إصبعه في الجلوس في الصلاة، مقمعة للشيطان» (٤). ومن لطيف قول ابن العربي: «وأما تحريك الأصبع فليس بمقمعة للشيطان، فإنك إن حركت له واحدة، حرك لك عشرين، وإنما يقمعه التوحيد والإخلاص» (٥). (وأحسب)؛ أي: أظن (تأويل)؛ أي: معنى (ذلك) التحريك (من أمر)؛ أي: شأن (الصلاة ما يمنعه إن شاء الله) تعالى؛ أي: شيئا يمنعه وهذا الشيء كونه في صلاة (عن السهو)؛ أي: عن الذهول (فيها)؛ أي: في الصلاة (و) ما يمنعه عن (الشغل عنها)؛ أي: عن الاشتغال عنها بأمر وهو ما يشغل به قلبه خارج الصلاة.

стр. 382

(ويبسط)؛ أي: يمد (يده اليسرى على فخذه الأيسر ولا يحركها)؛ أي: سبابتها ولا يشير بها، ولو قطعت يمناه لما مر في الأحاديث، وهذا آخر كلامه على صفة صلاة الصبح، فإذا سلم منها، استحب له الذكر عقبها وإليك هذه الباقة العطرة من الأذكار الواردة عن سيد الأخيار. • ما ورد من الأذكار عقب الصلاة: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويستحب الذكر بأثر الصلوات: يسبح الله ثلاثا وثلاثين، ويحمد الله ثلاثا وثلاثين، ويكبر الله ثلاثا وثلاثين، ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير). الشرح (ويستحب الذكر بإثر الصلوات) المفروضات من غير فصل بنافلة لما روى أبو داود أن رجلا صلى الفريضة فقام يتنفل فجذبه عمر بن الخطاب ﵁، وأجلسه وقال له: «لا تصل النافلة بإثر الفريضة» فقال له النبي ﷺ : «أصبت يا ابن الخطاب أصاب الله بك» (١)، فتعين الفصل بالزمان، وأما الفصل بالتقدم أو التأخر فكما أخرجه مسلم من حديث معاوية وفيه: «إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج» (٢). والذكر يكون بالألفاظ المسموعة من الشارع منها أنه: (يسبح الله ثلاثا وثلاثين) تسبيحة (ويحمد الله ثلاثا وثلاثين) تحميدة، (ويكبر الله ثلاثا

стр. 383

وثلاثين) تكبيرة (ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) هذه الرواية هي الصحيحة بترك يحيي ويميت، وقدم التحميد على التكبير، وعكس في باب السلام والاستئذان، وإنما فعل ذلك لينبه على أنه وقع في الحديث كذلك. ففي «الصحيحين» (١) مثل ما هنا، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء الفقراء إلى النبي ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحبون بها ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدقون. قال: «ألا أحدثكم بأمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه، إلا من عمل مثله: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين»، فاختلفنا بيننا: فقال بعضنا نسبح ثلاثا وثلاثين، ونحمد ثلاثا وثلاثين، ونكبر أربعا وثلاثين. فرجعت إليه، فقال: تقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر حتى يكون منهن كلهن ثلاث وثلاثون. وظاهر كلامه أنه يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثا وثلاثين مجموعة لأنه أتى بالواو لا بثم؛ واختاره جماعة منهم ابن عرفة، ومنهم من اختار أن يقولها مفرقة فيقول: سبحان الله ثلاثا وثلاثين، والحمد لله كذلك، والله أكبر كذلك. وتختمها ب (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) كما في حديث أبي ذر ﵁. وفي فضلها: ما رواه مسلم: « … غفرت له خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر» (٢). وهناك أدعية مأثورة عن النبي ﷺ يستحسن الاطلاع عليها، والعمل بها قد ذكرناها في أصل هذا المختصر.

стр. 384

• فضل جلوس المصلي بعد صلاة الصبح وذكره الله تعالى في مصلاه حتى تطلع الشمس: (ويستحب بإثر صلاة الصبح التمادي في الذكر والاستغفار والتسبيح والدعاء) يظهر من كلامه أن الذكر خلاف الاستغفار والتسبيح والدعاء، قال بعضهم: يعني بالذكر قراءة القرآن (١). وقال بعضهم: تفسير الذكر ما بعده، فكأنه يقول: وهو الاستغفار إلخ. (إلى طلوع الشمس أو قرب طلوعها) (٢) والأصل في ذلك ما رواه الترمذي وحسنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة تامة». وفي رواية: «كأجر حجة وعمرة»، «تامة تامة تامة» (٣)، وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسنا» (٤). وعلى هذا مضى عمل السلف الله كانوا يثابرون على الاشتغال بالذكر بعد صلاة الصبح إلى آخر وقتها (وليس بواجب) نبه به على خلاف أهل الظاهر وإلا فهو مستغن عنه بقوله أولا ويستحب. ولا يقتصر الذكر على التسبيح والتحميد وتلاوة القرآن، بل أيضا تعلم العلم وتعليمه، وفيه ما فيه من الفضائل المتعدية والأجور العظيمة ما لا يعلمه إلا الله. • ركعتا الفجر والقراءة فيهما: (ويركع ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح بعد طلوع الفجر) أخذ منه بيان وقتها فلا تجزئ إذا ركعها قبل طلوع الفجر ولو بالإحرام لأنها صلاة

стр. 385

شرعت تابعة لفريضة الفجر، فتعلقت بوقت المتبوع، وقد حكي فيها في باب جمل من الفرائض قولين: الرغيبة والسنية (١). ومشى على الأول صاحب المختصر وهو المعتمد، فقال: أو رغيبة (٢). ولا بد أن ينوي بهما ركعتي الفجر ليمتازا عن النوافل، فإن صلاهما بغير ذلك لم يجزياه وقد رغب فيهما النبي ﷺ فقال: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (٣)، وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل» (٤). (يقرأ في كل ركعة) منهما على جهة الاستحباب (بأم القرآن) فقط (يسرها) لما في البخاري وغيره أن عائشة ل قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتي الفجر فيخفف حتى أقول هل قرأ فيهما بأم القرآن أم لا؟» (٥)، وروى ابن القاسم عن مالك: يقرأ فيهما بأم القرآن وسورة من قصار المفصل لما في مسلم أنه قرأ فيهما بعد الفاتحة ب: ﴿قل يأيها الكافرون﴾، و ﴿قل هو الله أحد﴾، فعن أبي هريرة له أن رسول الله ﷺ : «قرأ في ركعتي الفجر، ﴿قل يأيها الكافرون﴾، و ﴿قل هو الله أحد﴾» (٦). وصلاتهما في المسجد أفضل، ومن دخل المسجد ولم يكن ركعهما فأقيمت عليه الفريضة تركهما ودخل مع الإمام، لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» (٧)، ثم يركعهما بعد الشمس، فإن وقتهما ممتد إلى الزوال، والراجح أنه يجوز صلاتهما بعد الفريضة عند من قال بجواز ذوات الأسباب بعد الفريضة إن كان أدى الفريضة في جماعة، ولم يتمكن من أداء ركعتي الفجر قبلها، وفي ذلك آثار صحيحة،

стр. 386

فعن قيس بن عمرو ﵁ قال رأى رسول الله ﷺ رجلا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين فقال رسول الله ﷺ : «صلاة الصبح ركعتان»، فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما فصليتهما الآن، فسكت رسول الله ﷺ (١)، أو يصليهما بعد طلوع الشمس والأمر واسع إن شاء الله تعالى إلى الزوال، ولا يقضي شيء من النوافل غيرهما، ومن نسيهما حتى صلى الصبح أو دخل في صلاة الصبح فلا يركعهما حتى تطلع الشمس، هذا هو المشهور فلو صلاهما بعد الفريضة فلا حرج إذا لم يكن ذلك عند طلوع الشمس والله أعلم لما مر قريبا. • القرءاة في صلاة الظهر: (والقراءة في الظهر بنحو القراءة في الصبح من الطوال أو دون ذلك قليلا) أفاد كلامه أن القراءة في الظهر تساوي المقروء في الصبح؛ يعني: تكون من طوال المفصل، وهو للإمام أشهب وابن حبيب. وقال الإمام مالك: إن المستحب أن تكون القراءة في الظهر دون المقروء في الصبح قليلا؛ أي: قريبا منه، وهو الراجح لما في حديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة ﵁ قال: «ما رأيت رجلا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان (الإمام كان في المدينة) قال سليمان: كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في الصبح بسورتين طويلتين» (٢). فإذا قرأ بالفتح مثلا في الصبح يقرأ في الظهر بنحو الجمعة أو الصف، ولا تفهم أنه يقرأ فيها من أوساط المفصل.

стр. 387

وجعل ابن عمر كلام المصنف قول بالتخيير. (ولا تجهر فيها)؛ أي: في صلاة الظهر (بشيء من القراءة) لا بالفاتحة ولا بشيء مما زاد عليها لأن النبي ﷺ كان يسر فيها القراءة ولربما جهر أحيانا بالآية ونحوها كما في حديث أبي قتادة ﵁: - «أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بأم القرآن وسورتين في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر والعصر، ويسمعنا الآية أحيانا» (١). فقوله يسمعنا الآية أحيانا دليل على أن قراءته كانت سرا. (و) إنما (يقرأ في الأولى والثانية في كل ركعة بأم القرآن وسورة سرا و) يقرأ في الأخيرتين بأم القرآن وحدها سرا؛ أي: على جهة السنية، لحديث أبي قتادة ﵁ «أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين وفى الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب» (٢). وهو تكرار مع قوله: ولا يجهر فيها. وأجاب التتائي (٣) بما يدفع التكرار فقال: ولما فهم من قوله: لا يجهر أنه يقرأ سرا، ولكنه لا يعتبر المفهوم صرح به فقال يقرأ في الأولى والثانية في كل ركعة بأم القرآن وسورة سرا. (ويتشهد في الجلسة الأولى إلى قوله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) لحديث عائشة ﵂ في صفة صلاة رسول الله ﷺ قالت: « .. وكان إذا رفع من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسا، وكان يقول في كل ركعتين التحية … » (٤) فعلم أن في كل ركعتين تشهد إلا المغرب والله أعلم. (ثم) بعد أن يفرغ من التشهد إلى الحد المذكور (يقوم) إلى الثالثة (فلا يكبر) عند شروعه في القيام، بل (حتى يستوي قائما) على المعروف من المذهب للعمل، ولأنه لم ينتقل عن ركن إنما انتقل عن سنة إلى فرض، فالفرض

стр. 388

أولى بأن يكون التكبير فيه، ولأن القائم إلى الثالثة كالمستفتح لصلاة جديدة، (هكذا يفعل الإمام والرجل وحده)، لحديث وقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي ساجدا، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل مثل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها ويكبر حين يقوم من المثنى بعد الجلوس» (١). (وأما المأموم فـ) ـلا يقوم إلا (بعد أن يكبر الإمام) ويفرغ منه، فحينئذ (يقوم المأموم أيضا فإذا) قام واستوى قائما كبر، لأنه تابع للإمام ومقتد به، فسبيل أفعاله أن تكون بعد أفعاله، وفي الحديث: «لا تسبقوني بركوع ولا سجود» ففيه تنبيه على متابعة المأموم للإمام لأن النهي عن السبق يفيد طلب المتابعة، وهي منتفية في السبق وفي المساواة، ولحديث أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ ركب فرسا فصرع فجحش شقه الأيمن فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد وصلينا وراءه قعودا فلما انصرف قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قائما فصلوا قياما وإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون» (٢)، فأفاد بالفاء الترتيب والمتابعة الفورية. (ويفعل في بقية الصلاة من صفة الركوع والسجود) والرفع منهما والاعتدال والطمأنينة، (والجلوس) بين السجدتين، والاعتماد على اليدين في القيام (نحو ما تقدم ذكره في) صلاة (الصبح) لقوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» وقوله ﷺ للمسيء صلاته: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها»، ولا خلاف فيما ذكر من كونه فعله وعلمه الناس.

стр. 389

• الرواتب القبلية والبعدية: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويتنفل بعدها، ويستحب له أن يتنفل بأربع ركعات يسلم من كل ركعتين، ويستحب مثل ذلك قبل صلاة العصر). • الشرح والدليل: (ويتنفل بعدها)؛ أي: بعد صلاة الظهر (ويستحب له أن يتنفل بأربع ركعات يسلم من كل ركعتين) وإليك جملة ما ورد في السنن الرواتب قبل الفرائض وبعدها: لحديث عبد الله بن شقيق قال: «سألت عائشة عن صلاة النبي ﷺ فقالت: كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الفجر اثنتين» وفي رواية لمسلم وأبي داود ذكرا فيها: «قبل الظهر أربعا» (١). قوله: «حفظت» في لفظ للبخاري: «صليت مع النبي ﷺ ». قال الداودي: وقع في حديث ابن عمر ﵁ أن قبل صلاة الظهر ركعتين، وفي حديث عائشة ﵂ أربعا، وهو محمول على أن كل واحد منهما وصف ما رأى، قال: ويحتمل أن ينسى ابن عمر ركعتين من الأربع. قال الحافظ: وهذا الاحتمال بعيد، والأولى أن يحمل على حالين: فكان تارة يصلي ثنتين، وتارة يصلي أربعا؛ وعن ابن عمر ﵄: «أن النبي ﷺ كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي ركعتين في بيته» (٢). • القراءة في العصر والمغرب: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويفعل في العصر كما وصفنا في الظهر سواء، إلا أنه يقرأ في

стр. 390

الركعتين الأوليين مع أم القرآن بالقصار من السور مثل والضحى وإنا أنزلناه ونحوهما، وأما المغرب فيجهر بالقراءة في الركعتين الأوليين منها ويقرأ في كل ركعة منهما بأم القرآن وسورة من السور القصار، وفي الثالثة بأم القرآن فقط ويتشهد). الشرح (ويفعل في) صلاة (العصر) كما وصفنا في صفة الظهر سواء لا يستثني منه شيء (إلا أنه يقرأ في الركعتين الأوليين مع أم القرآن بالقصار من السور مثل والضحى، وإنا أنزلناه ونحوهما) فلو افتتحها بسورة من طوال المفصل تركها، وقرأ سورة قصيرة، هكذا قال الشراح، وقد تقدمت صفة قراءة النبي ﷺ في صلاة العصر. (وأما المغرب فيجهر بالقراءة في الركعتين الأوليين منها فقط ويسر في الثالثة ويقرأ في كل أربعة منهما؛ أي: الأوليين (بأم القرآن وسورة من السور القصار)، لأن العمل استمر على ذلك، (و) يقرأ في الثالثة بأم القرآن فقط) لما مر قريبا في حديث سليمان بن يسار، ولحديث ابن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في المغرب ﴿قل يأيها الكافرون﴾، و ﴿قل هو الله أحد﴾ (١)، وفي رواية: «بالتين والزيتون» (٢). قلت: «الغالب في القراءة في المغرب بقصار السور، لكن لا يمنع أن يقرأ فيها أحيانا بالطوال لا سيما وأن جبير بن مطعم ذكر في حديثه أنه سمع رسول الله ﷺ يقرأ بالطور في المغرب» (٣). وقط بمعنى حسب، والفاء لتزيين اللفظ، والحاصل أن قط مضمومة الطاء مع التشديد تختص بالنفي تقول ما فعلته قط مشتقة من قططته؛ أي: قطعته.
следующие страницы →