← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

سجودا بعده» (١)، وملخصه أن السبق حرام كالتأخر عنه حتى ينتقل إلى ركن آخر، والمصاحبة مكروهة. (ويفتتح)؛ أي: المأموم بالتكبير (بعده)؛ أي: بعد تكبير الإمام على جهة الوجوب؛ أي: بعد الفراغ من التكبير، فإن سبقه به أو ساواه فيه بطلت صلاته ختم قبله أو معه أو بعده، فهذه ست صور. وإذا ابتدأ بعده إن ختم قبله بطلت، ومعه أو بعده صحت، فالصور تسع. ومثلها في السلام إلا أنه في الإحرام لا فرق بين العمد والسهو؛ وفي السلام يقيد بالعمد لا بالسهو فلا يعتد بذلك السلام، ولا تبطل الصلاة به (٢). تنبيه: إذا علم أنه أحرم قبل إمامه وأراد أن يحرم بعده، فقال مالك: يكبر ولا يسلم، لأنه كأنه لم يكبر لمخالفته ما أمر به. وقال سحنون: يسلم لأنه اختلف في صحة الإحرام الأول. (ويقوم من اثنتين بعد قيامه)؛ أي: بعد قيام الإمام مستقلا على جهة الاستحباب. (ويسلم بعد سلامه) على جهة الوجوب فإن سبقه به أو ساواه فيه بطلت صلاته إلا أن يكون ناشئا عن السهو، وإلا فلا، وينتظر الإمام حتى يسلم ويسلم بعده. (وما سوى ذلك)؛ أي: الافتتاح والقيام من اثنتين والسلام بعده كالانحناء للركوع والسجود والقيام إلى الثانية والرابعة (فواسع)؛ أي: جائز؛ أي: ليس بممتنع فلا ينافي أنه مكروه بقرينة قوله: وبعده أحسن، فأفعل التفضيل ليس على بابه (أن يفعله معه، وبعده أحسن)؛ أي: أفضل وفي هذا تناقض لما سبق. • جملة السهو الذي يتحمله الإمام: (وكل سهو سهاه المأموم) في حال قدوته بالإمام (فالإمام يحمله عنه)؛ أي: كتكبيرات الانتقال، ولفظ التشهد، أو زيادة سجدة، أو ركوع، ولا

стр. 422

مفهوم للسهو، بل يحمل عنه بعض العمد كترك التكبير، أو لفظ التشهد، وذلك إذا كان في حال القدوة. وأما إذا كان مسبوقا وسها في حال قضاء ما فاته مع الإمام فإن الإمام لا يحمله عنه، لأن القدوة قد انقطعت، وصار حكمه حكم المنفرد. ثم استثنى من الكلية التي ذكرها مسائل فقال: (إلا ركعة)؛ أي: إلا كركعة؛ أي: من كل ما كان فرضا غير الفاتحة. ولم يرد المصنف الحصر لأن إلا لا تكون للحصر إلا إذا سبقها نفي إذ بقي الجلوس للسلام والرفع وترتيب الأداء وغير ذلك. (أو سجدة أو تكبيرة الإحرام أو السلام أو اعتقاد نية الفريضة)، لأن هذه كلها فرائض، والفرائض لا تسقط بالسهو، ولا يجزئ عنها السجود، ومعلوم أن فرائض الصلاة كلها أفعال ما عدا: الإحرام، والفاتحة والسلام؛ فأقوال، والله الموفق. • صفة انصراف الإمام بعد السلام: (و) من فضائل الصلاة أنه (إذا سلم الإمام) من الفريضة (فلا يثبت) في مكانه (بعد سلامه) سواء كانت الصلاة مما يتنفل بعدها أم لا، (ولينصرف)، ويكفي في تغيير هيئته. قال الثعالبي: وهذا هو السنة، لأنه: كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام» وفي رواية ابن نمير: «يا ذا الجلال والإكرام» (١)، أي: ثم ينصرف إلى أصحابه بوجهه الشريف ﷺ ، ثم استثنى من انصراف الإمام بعد سلامه مسألة فقال: (إلا أن يكون في محله) وهو داره في الحضر ورحله في السفر، أو كان بفلاة من الأرض (فذلك)؛ يعني: الجلوس بعد سلامه (واسع)؛ أي: جائز لا كراهة فيه لأنه مأمون مما يخاف منه، ولا ينصب نفسه في الدعاء بين الله وخلقه، ويجوز الدعاء عقيب الأذكار بما شاء من خيري الدنيا والآخرة وقد فصلنا القول في أصل هذا المختصر والله الموفق. وهذا آخر الكلام على الربع الأول من الرسالة فلله الحمد والمنة في الأولى والآخرة، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 423

باب جامع في الصلاة • قال المصنف رحمه الله تعالى: (وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة الدرع الخصيف (١) السابغ الذي يستر ظهور قدميها، وهو القميص والخمار الخصيف. ويجزئ الرجل في الصلاة ثوب واحد. ولا يغطي أنفه أو وجهه في الصلاة أو يضم ثيابه أو يكفت شعره). • لباس المرأة في الصلاة: (باب جامع) بالتنوين ويروى بالإضافة وهذه الترجمة من تراجم «الموطأ»، ومعناها: هذا باب أذكر فيه مسائل مختلفة (في الصلاة) وابتدأ الباب بمسألة تقدمت في باب طهارة الماء؛ أي: للمناسبة لأن الستر يطلب حين إرادة الدخول في الصلاة. قال التتائي: وكرر هذه المسألة مع تقدمها في باب طهارة الماء والثوب، وأجيب بأنه إنما كررها لزيادة صفة الخمار أو لأن هذا محلها. (وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة) شيئان الشيء الأول: (الدرع) بدال مهملة فسره ابن العربي هنا بالقميص، (الخصيف) روي بالحاء المهملة، وبالخاء المعجمة، ومعنى الأولى الكثيف بالثاء المثلثة وهو المتين، ومعنى الثانية الساتر (٢)، فعلى الثانية يكون قوله السابغ تفسيرا للخصيف بالخاء المعجمة (السابغ)؛ أي: الكامل (الذي يستر ظهور قدميها) تفسير للسابغ

стр. 424

وقوله: ظهور قدميها بل لا بد أيضا من ستر بطون قدميها، وإن كان لا إعادة عند ترك ستر بطن القدم. (وهو)؛ أي: الدرع (القميص) وهو ما يسلك في العنق (و) الشيء الثاني: (الخمار) بكسر الخاء المعجمة، وهو ثوب تجعله المرأة على رأسها (الحصيف) فشرطه شرط القميص من كونه كثيفا لا يشف، فإن صلت بالخفيف النسج الذي يشف فإن كان مما تبدو منه العورة بدون تأمل فإنها تعيد أبدا، وإن كان يصف العورة فقط؛ أي: يحددها فيكره، وتعيد في الوقت، والرجل كالمرأة في ذلك، فيجب على المرأة أن تستر ظهور قدميها وبطونهما وعنقها ودلاليها. ويجوز أن تظهر وجهها وكفيها في الصلاة خاصة. والأصل فيما ذكر قوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (١) (حائض: يعني بالغ)، وفي رواية: «سئل رسول الله ﷺ أتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار» قال: «إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها» (٢)، وفي هذا الحديث دليل لمن لم يستثن القدمين من عورة المرأة لأن قوله: «يغطي ظهور قدميها» يدل على عدم العفو. (ويجزئ الرجل في الصلاة ثوب واحد) من غير كراهة إن كان كثيفا ساترا لجميع جسده، فإن لم يستر إلا عورته فقط أجزأته صلاته مع الكراهة، لحديث محمد بن المنكدر قال: دخلت على جابر بن عبد الله وهو يصلي في ثوب ملتحفا به، ورداؤه موضوع، فلما انصرف قلنا: يا أبا عبد الله تصلي ورداؤك موضوع، قال: نعم، أحببت أن يراني الجهال مثلكم: «رأيت النبي ﷺ يصلي هكذا» (٣)، وفي «الموطأ»: عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى أنه قال: «سئل

стр. 425

أبو هريرة هل يصلي الرجل في ثوب واحد؟ فقال: نعم، فقيل له: هل تفعل أنت ذلك؟ فقال: نعم. إني لأصلي في ثوب واحد، وإن ثيابي لعلى المشجب» (١). • كراهة تغطية الفم وكفت الثوب في الصلاة: إنما كرر المصنف المسألة الماضية ليرتب عليها قوله: (ولا يغطي المصلي ذكرا كان أو أنثى أنفه أو وجهه في الصلاة) وحكمه الكراهة (٢)، لحديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يصلي أحدكم وثوبه على أنفه، فإن ذلك خطم الشيطان» (٣)، وعن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه» (٤). قال ابن راشد: إلا أن يكون زي المصلين، وقد أفتى ابن رشد: أن اللثام للمرابطين زيهم لا كراهة فيه لهم، بل يستحب لهم التزامه، ويكره لهم فراقه، لأنه شعارهم (٥). (أو يضم ثيابه أو يكفت)؛ أي: يضم (شعره) وفي رواية: (ولا يكفت أو ينقض شعره). والنهي عن هذه الأمور كلها نهي كراهة، لحديث ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار بيده على أنفه واليدين والركبتين وأطراف القدمين ولا نكفت الثياب والشعر» (٦)، قال في «المدونة»: «من صلى محتزما أو جمع شعره بوقاية، أو شمر كميه، قال: إن كان ذلك لباسه قبل ذلك وهيئته، وكان يعمل

стр. 426

عملا فتشمر لذلك العمل فدخل في صلاته كما هو فلا بأس أن يصلي بتلك الحال، وإن كان إنما فعل ذلك ليكفت شعرا أو ثوبا فلا خير فيه» (١). والحاصل أن تغطية الأنف مكروهة في الصلاة وغيرها إذا لم تكن عادتهم ذلك، وإلا فخلاف الأولى في الصلاة، ومستوي الطرفين في غيرها. وأما تغطية الوجه فمكروهة مطلقا في الصلاة للرجل والمرأة لما فيها من التعمق في الدين، إلا إذا كانت المرأة بحضرة رجال أجانب فتغطي وجهها. وأما ضم الثياب فإنما يكره إذا فعل ذلك لأجل الصلاة أو خوفا على ثيابه أن تتغير بالتراب، لأن في ذلك نوعا من ترك الخشوع. وأما كفت الشعر فإنما يكره إذا قصد بذلك عزة شعره من أن يتلوث بنحو تراب، أو فعل ذلك لأجل الصلاة؛ أي: كفت شعره لأجل الصلاة، قال الحافظ ابن حجر: «وجاء في حكمة النهي عن ذلك أن غرزة الشعر يقعد فيها الشيطان حالة الصلاة». وفي «سنن أبي داود» بإسناد جيد أن أبا رافع رأى الحسن بن علي ﵁ يصلي قد غرز ضفيرته في قفاه فحلها، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ذلك مقعد الشيطان» (٢). • سجود السهو في الصلاة (٣): • قال المصنف رحمه الله تعالى: (وكل سهو في الصلاة بزيادة فليسجد له سجدتين بعد السلام، يتشهد لهما، ويسلم منهما. وكل سهو بنقص فليسجد له قبل السلام إذا تم يتشهد، ويسلم. وقيل: لا يعيد التشهد.

стр. 427

ومن نقص وزاد سجد قبل السلام. ومن نسي أن يسجد بعد السلام فليسجد متى ما ذكره، وإن طال ذلك، وإن كان قبل السلام سجد إن كان قريبا، وإن بعد ابتدأ صلاته إلا أن يكون ذلك من نقص شيء خفيف كالسورة مع أم القرآن، أو تكبيرتين، أو التشهدين، وشبه ذلك فلا شيء عليه، لا يجزئ سجود السهو لنقص ركعة، ولا سجدة، ولا لترك القراءة في الصلاة كلها، أو في ركعتين منها، وكذلك في ترك القراءة في ركعة من الصبح، واختلف في السهو عن القراءة في ركعة من غيرها، فقيل: يجزئ فيه سجود السهو قبل السلام، وقيل: يلغيها ويأتي بركعة، وقيل: يسجد قبل السلام ولا يأتي بركعة ويعيد الصلاة احتياطا، وهذا أحسن ذلك إن شاء الله تعالى. ومن سها عن تكبيرة، أو عن سمع الله لمن حمده مرة، أو القنوت فلا سجود عليه. ومن انصرف من الصلاة ثم ذكر أنه بقي عليه منها شيء، فليرجع إن كان بقرب ذلك، فيكبر تكبيرة يحرم بها، ثم يصلي ما بقي عليه وإن تباعد ذلك، أو خرج من المسجد ابتدأ صلاته، وكذلك من نسي السلام، ومن لم يدر ما صلى أثلاث ركعات، أم أربعا، بنى على اليقين وصلى ما شك فيه، وأتى برابعة وسجد بعد سلامه. ومن تكلم ساهيا سجد بعد السلام، ومن لم يدر أسلم أم لم يسلم سلم ولا سجود عليه. ومن استنكحه الشك في السهو فليله عنه، ولا إصلاح عليه، ولكن عليه أن يسجد بعد السلام، وهو الذي يكثر ذلك منه يشك كثيرا أن يكون سها زاد أو نقص، ولا يوقن، فليسجد بعد السلام فقط، وإذا أيقن بالسهو سجد بعد إصلاح صلاته، فإن كثر ذلك منه فهو يعتريه كثيرا أصلح صلاته، ولم يسجد لسهوه، ومن قام من اثنتين رجع ما لم يفارق الأرض بيديه وركبتيه، فإذا فارقها تمادى، ولم يرجع وسجد قبل السلام).

стр. 428

الشرح السهو في اللغة: قال في «الصحاح»: والسهو: الغفلة. وقد سها عن الشيء يسهو فهو ساه وسهوان. والسهو في الاصطلاح: هو الذهول في الشيء، أو عنه بما يؤدي إلى الإخلال به بزيادة أو نقصان أو كل منهما (١). • حكم سجود السهو: (وكل سهو) سهاه الإمام أو الفذ أو المأموم في بعض الصور، وهو فيما إذا شرع يقضي ما عليه في (الصلاة) المفروضة أو النافلة على ما في «المدونة» (٢)، فإن كان السهو (بزيادة) يسيرة سواء كانت من غير أقوال الصلاة كالتكلم ساهيا أو كانت من جنس أفعال الصلاة كالركوع والسجود (فليسجد له)؛ أي: للسهو على جهة السنية على ما في «المختصر»، ورجح القاضي عبد الوهاب الوجوب (٣) (سجدتين بعد السلام) لحديث ابن مسعود ﵁: «إذا قام أحدكم في قعود، أو قعد في قيام، أو سلم في الركعتين فليتم ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين يتشهد فيهما ويسلم» (٤). وظاهر قوله: (يتشهد لهما)؛ أي: لسجدتي السهو البعدي أنه لا يحرم للسجود البعدي والمشهور افتقاره إلى الإحرام، ويكتفي بتكبيرة الإحرام عن تكبيرة الهوي، وعلى القول بافتقاره إلى الإحرام، فهل يحرم من قيام، وهو لبعض المتقدمين أو من جلوس، وهو قول ابن شبلون، نقله في الجواهر، انتهى (٥).

стр. 429

(ويسلم منهما)؛ أي: بعد فراغه من التشهد (١)، ودليل ذلك ما في حديث ذي (٢) اليدين عن النبي ﷺ لما سها في إحدى صلاتي العشي « … فتقدم فصلى ما ترك ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، فربما سألوه: ثم سلم: فيقول: نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم». (وكل سهو) في الصلاة سهاه الإمام أو الفذ أو المأموم في بعض صوره (بنقص)؛ يعني: بنقص سنة مؤكدة ومثلها السنتان الخفيفتان، وسواء كان النقص محققا أو مشكوكا فيه، والسنن المؤكدة التي يسجد لها ثمانية، وقد أشار بعضهم بالرمز لها فقال: سينان شينان كذا جيمان … تاءان عدد السنن الثمان (٣). سينان: السر والسورة، وشينان: التشهد الأول والأخير؛ وجيمان: الجهر والجلوس للتشهد، وتاءان: التكبير والتسميع. إنما يكون إذا تم تشهده من الصلاة (ثم) بعد أن يفرغ من السجدتين (يتشهد) ثانيا على المشهور (ويسلم) وهو مختار ابن القاسم، والسلام ثابت في الأحاديث الصحيحة حديث ابن مسعود، وحديث عمران، ففي «الصحيحين» من حديث ابن مسعود ﵁ قال: «صلى النبي ﷺ قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص - فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: «وما ذاك»، قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه … » (٤)، ووجهه أن من سنة السلام أن يعقب تشهدا هذا قول الشراح، لكن لم يثبت التشهد من طريق صحيح وإنما أثبته من أثبته لما روي من حديث عمران بن

стр. 430

حصين ﵁ عند أبي داود وغيره: «أن النبي ﷺ صلى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم» (١)، فانفرد أشعث بذكر التشهد، لذلك أعل الحفاظ هذه الزيادة لمخالفته أيوب وابن عون وغيرهما (٢)، وأشعر كلامه أنه لا يعيد الصلاة على النبي ﷺ ، وهو كذلك (وقيل لا يعيد التشهد) وهو مروي عن مالك أيضا (٣)، واختاره عبد الملك (٤)، لأن طريقة الجلوس الواحد لا يتكرر فيه التشهد مرتين، وهو مروي عن أنس والحسن وعطاء أنه ليس فيهما تشهد ولا تسليم (٥). (ومن نقص) في صلاته شيئا من السنن المؤكدة (و) مع ذلك (زاد) فيها شيئا يسيرا مما تقدم بيانه (سجد) له (قبل السلام) أيضا مثل أن يترك التشهد والجلوس له ويزيد سجدة، قال القاضي عبد الوهاب (٦) وإنما قلنا: إنه إذا اجتمع زيادة ونقصان سجد لهما قبل السلام، فلأنه لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما ألا يسجد أصلا وذلك غير جائز بالاتفاق، أو أن يسجد أربع سجدات، وذلك غير جائز، لأنه خلاف للأصول، أو أن يغلب أحدهما فكان النقصان أولى بالتغليب لأنه جبران، وسجود الزيادة شكر وإرغام للشيطان، ولا يجوز أن يؤتى بسجود الشكر على ترك صلاة ناقصة، ولا أن يرغم الشيطان بترك الصلاة ناقصة غير مكتملة فلذلك وجب تغليب النقصان. اه (٧).

стр. 431

قال الشبيبي: صور السهو ثمانية: اثنان يسجد فيهما بعد السلام: ١ - الزيادة المتيقنة. ٢ - الزيادة المشكوك فيها. وستة يسجد فيها قبل السلام: ١ - تيقن النقصان. ٢ - والشك فيه. ٣ - وتيقن النقصان والزيادة معا. ٤ - والشك فيهما. ٥ - تيقن أحدهما، ولعل السادس: والشك في الآخر (١). (ومن نسي أن يسجد) سجود السهو البعدي الذي يفعله (بعد السلام) ثم تذكره (فليسجد متى ما ذكره وإن طال ذلك)؛ أي: ما بين تذكره والسلام من الصلاة ولو بعد شهر كما في «المدونة» (٢) ولا مفهوم للنسيان، بل مثله الترك عمدا لأن السجود البعدي ترغيم للشيطان، فناسب أن يسجد وإن بعد. (وإن كان) سجود السهو الذي نسيه قبليا؛ أي: يفعل (قبل السلام سجد) إذا تذكره (إن كان) تذكره له (قريبا) من انصرافه من الصلاة والقرب غير محدود على المذهب، وهو مذهب ابن القاسم، وكذلك الطول، بل مرجعهما إلى العرف (٣)، فما قاله العرف يعمل به فيهما (٤)، ويحد بعدم الخروج من المسجد عند الإمام أشهب، (و) أما (إن بعد) تذكره له (ابتدأ) بمعنى أعاد (الصلاة) وجوبا لبطلانها حيث كان مترتبا عن نقص ثلاث سنن. = يكبر لهما كما يكبر في غيرهما من السجود. واستدل به على مشروعية التكبير فيهما والجهر به كما في الصلاة وأن بينهما جلسة فاصلة.

стр. 432

قال التتائي: كنسيان الجلوس الوسط، أو ثلاث تكبيرات أو تحميدات (١)، وهذا إن كان تركه على جهة السهو، وأما لو تركه عمدا بطلت الصلاة بمجرد الترك على رأي الأجهوري. وقال السنهوري (٢): لا تبطل إلا بالطول، ولو كان الترك عمدا، وفي كلام العدوي لعل الأوجه كلام السنهوري لما تقدم من أن تأخير القبلي لا يبطل الصلاة ولو كان عمدا، (إلا أن يكون ذلك) السجود القبلي ترتب من نقص شيء خفيف كالسورة التي تقرأ (مع أم القرآن)؛ أي: فإنها مركبة من سنتين خفيفتين، ذاتها وكونها سرا أو جهرا؛ أي: فيسجد لهما، ولكن إذا ترك وطال لا تبطل صلاته، وهذا إذا أتى بالقيام لها، وإلا فتبطل في هذه الحالة، لأنه ترك ثلاث سنن، وقيل: لا تبطل ولو لم يأت بالقيام لها، وكلام الجزولي يفيد ترجيح الأول ويتفق على البطلان حيث ترك السورة في أكثر من ركعة (٣). (أو تكبيرتين أو التشهدين وشبه ذلك) كتحميدتين، أو تحميدة وتكبيرة، وهذا مرور منه ﷻ على غير الراجح بناء على أن خصوص اللفظ مندوب، وأنه ترك التشهدين وأتى بالجلوس لهما، لأنه في تلك الحالة ليس سجوده إلا عن سنتين خفيفتين، وقد علمت أن المذهب كما يفيده كلام المواق أنه يسجد لترك تشهد واحد، وحينئذ فمن ترك تشهدا واحدا مع الجلوس له، ولم يسجد حتى طال الأمر بطلت صلاته لتركه السجود المترتب عن ثلاث سنن: الجلوس، ومطلق التشهد، وخصوص اللفظ، فأولى من ذلك لو ترك تشهدين (٤).

стр. 433

واعترض القرافي على هذه المسألة قائلا لا يتصور أن ينسى التشهدين ويكون السجود لهما قبل السلام لأنه لا يتحقق سهوه عن التشهد الأخير إلا بالسلام، لأن كل ما قبله ظرف للتشهد، والجواب أن هذا يتصور في الراعف المسبوق بركعة خلف الإمام، ويدرك الثانية، وتفوته الركعة الثالثة والرابعة، فإنه يطالب بتشهدين بعد مفارقته لإمامه غير تشهد السلام، فإذا ترك هذين التشهدين فإنه يسجد قبل السلام (فلا شيء عليه) وهو المشهور، وهو مذهب «المدونة» (١)، أي: لا إعادة ولا سجود؛ أي: مع الطول إذ هو موضوع مسألة المصنف، وإلا فمن المعلوم أن السنتين الخفيفتين يسجد لهما، لكن إذا طال الأمر ولم يسجد لا يخاطب بسجود ولا يعيد صلاته لكونه عن سنتين خفيفتين. وقد علمت مما تقدم أن السجود شرع لجبر الخلل الواقع في الصلاة كما لو زاد ركوعا أو سجودا سهوا، أو ترك ركوعا أو سجودا كذلك؛ أي: سهوا، وتلافى ذلك المتروك قبل السلام أو ترك سنة مؤكدة أو سنتين خفيفتين فإنه يطالب بالسجود على حسب أحواله من كونه قبل أو بعد لجبر هذا الخلل، وكان من جملة الخلل الواقع في الصلاة ما لا يجبر بالسجود؛ أي: لا يكون السجود بدلا عنه؛ أي: بحيث يقال إن هذا السجود متمم لصلاة من ترك منها ركنا، وإنه قائم مقام ذلك الركن، نبه على ذلك المصنف بقوله: • أركان الصلاة لا يجبرها سجود السهو إن تركت: (ولا يجزئ سجود السهو لنقص ركعة)؛ أي: كاملة تيقن تركها أو شك فيه حال تشهده وقبل سلامه، ولا بد من الإتيان بتلك الركعة، لأن الفرائض لا تجبر بالسهو، وإن كان منها ما يمكن استدراكه في الصلاة بإلغاء البعض كترك سجدة وركعة ونحو ذلك، وهناك ما لا يمكن تداركه إلا باستئناف الصلاة كتكبيرة الإحرام والنية، ومن أساء في صلاته فترك ركنا منها وجب عليه

стр. 434

إصلاح صلاته لحديث المسيء صلاته وفيه: «ارجع فصل فإنك لم تصل … » (١)، وكيفية الإتيان بها أنه يأتي بها بانيا على ما سبق من الركعات، ولو كانت تلك الركعة إحدى الأوليين، ويسجد بعد ذلك قبل السلام لانقلاب ركعاته حيث كان إماما أو فذا، فإن لم تكن من إحدى الأوليين، فإنه يسجد بعد الإتيان بتلك الركعة بعد السلام لتمحض الزيادة. (ولا) لنقص (سجدة)؛ أي: أو ركوع، أو رفع منهما، وذكر ذلك في حال قيامه مثلا أو تشهده قبل سلامه تحقق نقصها، أو شك فيه، والفرض أنه لم يمكنه تلافيه في محله، فإنه يأتي ببدل المشكوك فيه ويسجد قبل السلام، لأن الفرض في السجود قبل، والمراد بالشك مطلق التردد فيشمل الظن والشك والوهم. هذا في الفرائض لأن الشك في النقص فيها كتحققه في وجوب الإتيان ببدل المشكوك فيه بخلاف السنن فلا يسجد لنقصها إلا عند تيقن النقص أو التردد فيه على السواء، لا عند توهمه. (ولا لترك القراءة في الصلاة كلها، أو في ركعتين منها، وكذلك في ترك القراءة في ركعة من الصبح) لو قال لنقص فريضة أو ركن لكان أخصر، وما ذكره من عدم الجبر بالسجود لنقص ركعة أو سجدة مجمع عليه، وما ذكره من عدم الجبر في ترك القراءة يعني قراءة أم القرآن في الصلاة كلها هو قول الأكثر، وهو الراجح، لقوله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٢) وهي نكرة منفية فعمت جميع الركعات، وما ذكره من عدم الجبر في ترك القراءة في الركعتين، قال ابن ناجي: هو مؤثر في البطلان. وقال الفاكهاني: في ترك القراءة في نصف الصلاة كركعة من الثنائية، أو ركعتين من الرباعية ثلاثة أقوال: أشهرها: أنه يتمادى ويسجد قبل السلام، ويعيد صلاته احتياطا على جهة الندب.

стр. 435

ثانيها: يسجد قبل السلام، وتجزئه. ثالثها: يلغي ما ترك فيه القراءة ويأتي بمثله ويسجد بعد السلام، وهو الجاري على المعتمد من أنها واجبة في كل ركعة فيكون هو المعتمد، ولما بين ترك حكم قراءة الفاتحة في الصلاة كلها أو في نصفها انتقل يتكلم على تركها في أقل الصلاة. فقال: (واختلف في السهو عن القراءة في ركعة من غيرها)؛ أي: من غير الصبح كركعة من الثلاثية أو الرباعية على ثلاثة أقوال كلها في المدونة (١)، (فقيل: يجزئ فيه)؛ أي: في السهو عن القراءة في ركعة من غير الصبح (سجود السهو قبل السلام) ولا يلغيها وتجزئه، واختار هذا القول عبد الملك بن الماجشون والمغيرة (٢) بناء على أنها فرض في الجل، أو بناء على عدم وجوبها، أو على أنها واجبة في ركعة أو النصف. (وقيل يلغيها)؛ أي: الركعة التي ترك منها قراءة الفاتحة (ويأتي بركعة) بدلها، واختار هذا القول ابن القاسم، وهذا يقتضي وجوبها في كل ركعة، وهو المعتمد وصححه ابن الحاجب، وقال ابن شاس: هي الرواية المشهورة (٣). (وقيل يسجد قبل السلام ولا يأتي بركعة بدلها ويعيد الصلاة احتياطا) لبراءة ذمته، مراعاة لمن يقول بوجوبها في كل ركعة، وبالإعادة افترقت الرواية الثالثة من الأولى. وظاهر المصنف أن إتمام الأولى واجب، وأن إعادة الثانية مستحب لأن الاحتياط لا يكون إلا مستحبا (وهذا) القول الثالث (أحسن ذلك)؛ أي: الأقوال المذكورة لأن فيه مراعاة القولين السابقين فسجوده قبل السلام وعدم

стр. 436

بطلانها رعي للقول بأنها فرض في الجل مثلا وإعادة الصلاة رعي للقول الثاني. (إن شاء الله تعالى) قال ذلك مع كونه أحسن الروايات عنده، إما لعدم جزمه بما قاله من الأحسنية أو للتبرك. قال ابن عمر: وعادته إذا ذكر شيئا فيه الخلاف يقول: إن شاء الله تعالى؛ أي: الله أعلم بالصواب (١). ثم انتقل يبين ما لا يسجد له من نقص سنة خفيفة أو نقص فضيلة فقال: (ومن سها عن تكبيرة) سوى تكبيرة الإحرام أو عن سمع الله لمن حمده مرة واحدة (أو) عن (القنوت فلا سجود عليه) أما ترك السجود عن التكبيرة الواحدة، فهو المشهور (٢)، وما ذكره من ترك السجود لترك التحميدة الواحدة هو المذهب، ولا سجود على من ترك القنوت على المشهور، خلافا لابن سحنون، وعلي بن زياد (٣)، فإن سجد له قبل السلام بطلت صلاته، لأنه فضيلة والفضائل لا سجود لها (٤). (ومن انصرف)؛ أي: خرج (من الصلاة) بسلام سهوا مع اعتقاد الإتمام المراد سها عن كونها ناقصة فلا ينافي أنه أوقع السلام عمدا. وأما إن سلم ساهيا عن كونه في الصلاة، أو عن كونه متكلما بالسلام فإنه بمنزلة من لم يسلم فيتدارك ما تركه (ثم) بعد خروجه منها (ذكر)؛ أي: تذكر يقينا أو شك، والمراد مطلق التردد ظنا أو شكا أو وهما أنه بقي عليه شيء منها)؛ أي من أركان الصلاة المفروضة فيها كالركوع أو السجود أو الجلوس بقدر

стр. 437

السلام، فإذا سلم ساهيا في حال رفعه من السجود، فإنه يجلس بقدر السلام ويسلم (فليرجع)؛ أي: للصلاة؛ أي: ينوي تكميلها (إن كان) تذكره (بقرب ذلك الانصراف قال التتائي: ظاهر المذهب يقتضي أنه يصلي بمكانه فورا فإن لم يفعل وصلى بمكان آخر بطلت صلاته، وهو المشهور (١) (ف) إذا رجع؛ أي: فإذا نوى الرجوع؛ أي نوى تكميل الصلاة (يكبر تكبيرة يحرم بها)؛ أي معها؛ يعني: ينوي الرجوع مصاحبا للتكبير، ظاهر كلامه وإن قرب جدا، وهي رواية ابن القاسم عن مالك، وهذا هو المعتمد، ومقابله أنه إن قرب جدا لا يحرم، والخلاف إنما هو في التكبير، وأما النية فمتفق عليها، وحيث قلنا يرجع بإحرام، فإن القدماء من أصحاب مالك ذهبوا إلى أنه يحرم من قيام لأجل الفور، وعليه فهل يجلس عقيبه ثم ينهض أو لا؟ قولان. (ثم) بعد أن يكبر التكبيرة التي أحرم بها يصلي ما بقي عليه) من صلاته إذا سلم على يقين أن صلاته تامة، لحديث ذي اليدين السابق، أما إن سلم عالما بأن صلاته لم تتم، أو شك، والمراد مطلق التردد سواء ظهر الكمال أو النقصان، أو لم يظهر شيء، فالصلاة باطلة، وقد عرفت ما إذا تذكر بعد أن سلم. وأما إن كان تذكره قبل أن يسلم فإن كان من الأخيرة، فلا يخلو إما أن يكون ركوعا أو لا، فإن كان ركوعا أتى به قائما، وإن كان رفعا من ركوع أتى به محدودبا، أو سجدة أتى بها من جلوس، أو اثنتين أتى بهما من قيام، فإن أتى بهما من جلوس سهوا سجد قبل السلام لنقص الانحطاط لهما، فهو غير واجب وإلا لم يجبر بسجود السهو، ويكره تعمد ذلك، كما قال زروق (٢)، وإن كان المتروك من غير الأخيرة فإنه يأتي به على ما قررنا فيما إذا كان من الأخيرة من جلوس أو قيام أو احديداب ما لم يعقد الركعة التي تلي ركعة النقص، فإذا عقدها فقد فاتت وقامت التي عقدها مقامها، حيث كان فذا أو

стр. 438

إماما، وما ذكرنا من أنه يأتي بالفرض المتروك إن أمكن تداركه، وأما إن كان المتروك هو النية وتكبيرة الإحرام فلا يتداركان لأنهما إذا نسيا لم توجد صلاة، فإذا سها عن واحدة منهما فإنه يبتدئ الصلاة من أولها. واعلم أن النقص المشكوك كالمحقق، والمراد بالشك مطلق التردد. وأما في السنن فلا يعتبر إلا تيقن النقص أو التردد فيه على السواء لا عند التوهم. (وإن تباعد ذلك) التذكر عن الانصراف من الصلاة وهو محدود بالعرف عند مالك وابن القاسم، (أو خرج من المسجد) عند أشهب (ابتدأ صلاته)، لأن من شروط الصلاة أن تكون كلها في فور واحد، ويعارضه حديث ذي اليدين القريب الذكر ويؤيد قول مالك في العرف فيه، وظاهر قوله: (وكذلك من نسي السلام) أن فيه التفصيل المتقدم فيرجع إلى الجلوس إن كان بقرب ذلك، فيكبر تكبيرة يحرم بها وهو جالس ويتشهد ويأتي بالسلام ويسجد بعد السلام. وإن تباعد ذلك أو خرج من المسجد وطال ابتدأ صلاته ومحل كونه يأتي بتكبيرة يحرم بها وهو جالس ويتشهد ويأتي بالسلام إذا تذكر السلام بعد أن فارق مكانه. أما إن تذكر بالقرب وهو جالس مستقبل القبلة سلم مكانه، ولا يطالب بتكبيرة يحرم بها ولا تشهد، فإن انحرف عنها انحرافا لا تبطل به الصلاة استقبلها وسلم، ولا شيء عليه من تكبيرة إحرام أو تشهد، وإنما عليه أن يسجد بعد السلام للسهو. قال التتائي: تلخص أن التكبير ثلاث حالات: ١ - لا يسجد للواحدة. ٢ - ويسجد للاثنتين. ٣ - ولا تبطل الصلاة بترك السجود لهما. إن نسيه لثلاث تكبيرات وطال بطلت صلاته (١)

стр. 439

(ومن لم يدر ما صلى أثلاث ركعات، أم أربعا، بنى على اليقين)؛ أي: الاعتقاد الجازم (وصلى ما شك فيه)؛ أي: في تركه فالثلاثة محققة، والذي وقع فيه الشك هو الرابعة، فلا يتحقق الكمال الذي تبرأ به الذمة إلا برابعة وهو معنى قول المصنف: وصلى ما شك فيه، فقوله: (وأتى برابعة) تفسير لقوله ما شك فيه (وسجد بعد سلامه) على المشهور، وقال ابن لبابة: يسجد قبل السلام، وهو ظاهر ما في «الموطأ» من قوله ﷺ : ﴿إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم﴾ (١) وسند المشهور: أن السجود بعد السلام بحمل الحديث على ما إذا لم يتقين سلامة الأولتين. (ومن) كان إماما أو فذا و (تكلم) في صلاته كلاما يسيرا (ساهيا)؛ أي: عن كونه في الصلاة أو عن كونه متكلما به، وأما لو تكلم عامدا فتبطل صلاته، إلا أن يكون لإصلاحها فلا تبطل إلا أن يكثر في نفسه، والكثرة بالعرف (سجد بعد السلام)، لأنه زيادة فينجبر سهوه بالسجود، واحترز بالساهي من العامد والجاهل والمكره ومن وجب عليه الكلام لإنقاذ أعمى مثلا، فإن صلاتهم باطلة (٢). (ومن لم يدر أسلم أو لم يسلم) ولم يقم من مقامه وكان بقرب تشهده (سلم ولا سجود) سهو (عليه)، لأنه إن كان سلم فصلاته تامة، والسلام الثاني واقع في غير الصلاة فلا وجه للسجود، وإن كان سلم فقد سلم الآن ولم يقع منه سهو يسجد له، وأما إذا قرب ولكن تحول عن مقامه؛ أي: ولم ينحرف عن القبلة فإنه يرجع بتكبيرة ويتشهد ويسلم، ويسجد بعد السلام للزيادة، فلو لم يتحول إلا أنه انحرف عن القبلة، فإنه يستقبل ويسلم ولا يتشهد ولا إحرام عليه، ويسجد بعد السلام، وقال التتائي: أن ابن عمر قال: رجع لجلوسه بتكبيرة وتشهد وسلم، وسجد بعد السلام على المشهور.

стр. 440

ومن سلم شاكا ثم تبين له الكمال فإنها باطلة، واختاره ابن رشد، وبه الفتوى بإفريقية (١). (ومن استنكحه)؛ أي: داخله (السهو) في الصلاة (فليله عنه) (٢) وجوبا بمعنى أنه يضرب عنه صفحا، ولا يعول على ما يجده في نفسه من ذلك لأنه بلية من الشيطان إذا تمكنت من القلب لا ينتج معها عمل أبدا، فالدواء النافع من هذا الداء الذي يورث خبل العقل هو الإعراض عنه، وأنفع دواء هو ذكر الله: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طيف من الشيطان … تذكروا﴾ [الأعراف: ٢٠١]، وفي «الموطأ» عن مالك: «أنه بلغه أن رجلا سأل القاسم بن محمد فقال: إني أهم في صلاتي فيكثر ذلك علي، فقال القاسم بن محمد: امض في صلاتك فإنه لن يذهب عنك حتى تنصرف وأنت تقول: ما أتممت صلاتي» (٣)، فإذا قال له مثلا ما صليت إلا ثلاثا فيقول له: ما صليت إلا أربعا وإن صلاتي صحيحة، (ولا إصلاح عليه) فلو أصلح وبنى على اليقين لم تبطل صلاته كما قال الخطابي، ولعل وجهه أن الأصل البناء على اليقين، وإنما سقط عن المستنكح تخفيفا عليه، فإذا أصلح فقد وافق الأصل (ولكن عليه أن يسجد بعد السلام) عند ابن القاسم على جهة الاستحباب (٤)، لأنه إلى الزيادة أقرب، ووجهه أن من هذه صفته على تقدير أن يكون شك هل صلى ثلاثا أو أربعا يقرب أن يكون صلى خمسا، ففي مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا

стр. 441

شفعن له صلاته، وإن كان صلى إثماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان» (١)، (وهو الذي يكثر ذلك منه)؛ أي: يعتريه الشك في زمن كثير (يشك كثيرا أن يكون سها ونقص)؛ أي: سها فنقص وفي رواية: (سها زاد أو نقص) (٢)، وتحته صورتان: الأولى: يشك هل صليت أربعا أو خمسا. والثانية: يشك هل صليت أربعا أو ثلاثا. ولكن مفاد قوله فليله عنه، ولا إصلاح عليه لا يعقل إلا فيما إذا كان سها بنقص لا إن كان سها بزيادة. وغاية الاعتذار عنه أن يقال: الإلهاء بحيث إنه لا يطالب بالسجود على جهة السنية فلا ينافي أنه يسجد ندبا. وقوله: (ولا يوقن) تكرار مع قوله يشك، وكذا قوله: (فليسجد بعد السلام) تكرار مع قوله، ولكن عليه أن يسجد بعد السلام وقوله: (فقط) إشارة لمن يقول عليه الإصلاح. (وإذا أيقن) المصلي (بالسهو سجد بعد إصلاح صلاته)؛ يعني: أن من أيقن بأنه ترك ما أفسد له ركعة؛ أي: أيقن بأنه سها عن سجدة أو ركوع وفات التدارك، كأن ذكر وهو في التشهد الأخير مثلا، فإنه يأتي بركعة مكان التي حصل فيها الفساد، ثم يسجد فإن كانت الركعة التي سها فيها إحدى الأولتين سجد قبل السلام، لأنه اجتمع عليه الزيادة والنقصان، أما الزيادة فهي الركعة التي ألغاها، والجلوس في غير محله. وأما النقصان فلترك السورة، لأنه إنما يأتي بالركعة متلبسة بالبناء؛ أي: بالفاتحة فقط، وإن كانت من الأخيرتين لم يكن معه إلا الزيادة خاصة فيسجد بعد السلام. (وإن كثر ذلك) السهو (منه فهو يعتريه)؛ أي: يصيبه (كثيرا) مثل أن تكون عادته السهو أبدا عن الجلوس الأول، أو تكون عادته نسيان السجود

стр. 442

(أصلح صلاته ولم يسجد لسهوه)، اعلم أن إصلاح ذلك يقع على وجهين، أحدهما: أن يفوت محل التدارك. الثاني: أن لا يفوت. مثال الأول: من عادته السهو عن السجدة الثانية من الركعة الثانية مثلا من غير الثنائية، ولم يتذكر إلا بعد السلام أو بعد أن عقد الثالثة، فإنه يأتي بركعة في الأول ولا يسجد، وتنقلب الثالثة ثانية في الثاني ولا يسجد. ومثال الثاني: ما إذا تذكر في الفرض المذكور قبل أن يعقد الثالثة، وهذان الوجهان يدخلان في قوله: أصلح ولم يسجد لسهوه، فلو سجد في هذه الحالة وكان سجوده قبل السلام، فهل تبطل صلاته إن فعله عمدا أو جهلا أم لا مراعاة لمن يقول إنه يسجد؟ استظهر بعضهم عدم البطلان (١). • كيفية العمل فيمن قام من اثنتين ساهيا: (ومن قام من اثنتين) يريد تزحزح للقيام ولم نبقه على ظاهره لئلا يتناقض مع قوله بعد: رجع، لأن ظاهره أنه لم يقم من اثنتين من صلاة الفريضة تاركا للجلوس، ومن لازمه ترك التشهد. وأما لو جلس وقام ناسيا للتشهد فلا يرجع ولا سجود عليه (رجع) اتفاقا (ما لم يفارق الأرض بيديه وركبتيه) لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا قام الإمام في الركعتين فإن ذكر قبل أن يستوي قائما، فليجلس» (٢)، وأحرى إذا لم يفارق الأرض إلا بيديه فقط أو بركبتيه خاصة، ثم يتشهد، ويتم صلاته ولا سجود عليه لخفة الأمر في ذلك، فإن تمادى على القيام عامدا بطلت صلاته على المشهور، لأنه ترك ثلاث سنن عامدا، وإن تمادى ناسيا سجد قبل السلام.

стр. 443

(فإذا فارقها)؛ أي: الأرض بيديه وركبتيه (تمادى ولم يرجع وسجد قبل السلام) لحديث المغيرة المتقدم وفيه: « … ، وإذا استوى قائما فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو» وفي لفظ: «إذا صلى أحدكم فقام من الجلوس، فإن لم يستتم قائما، فليجلس، وليس عليه سجدتان، فإن استوى قائما، فليمض في صلاته، وليسجد سجدتين وهو جالس» (١). فإن طال زمن الترك ولم يسجد بطلت صلاته. وهذا صادق بصورتين: الأولى: أن يفارق الأرض بيديه وركبتيه ولم يعتدل قائما، ثم تذكر بعد أن فارق الأرض. والثانية: أن يفارق الأرض ويعتدل قائما، والحكم فيهما واحد، وهو أنه يتمادى ولا يرجع ويسجد قبل السلام. والمعتمد ما رواه ابن القاسم في المجموعة يتمادى على صلاته ويسجد، وإذا رجع فلا ينهض حتى يتشهد، لأن رجوعه معتد به عند ابن القاسم، وينقلب سجوده القبلي بعديا، فلو ترك التشهد عمدا بعد رجوعه بطلت صلاته على كلام ابن القاسم لا على كلام أشهب، ولعل كلام ابن القاسم بناء على بطلانها بتعمد ترك سنة خلافا لأشهب، كذا في بعض «شروح خليل» (٢). وإن رجع ناسيا فلا تبطل صلاته اتفاقا، ويسجد بعد السلام (٣).

стр. 444

• قضاء الفوائت: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن ذكر صلاة صلاها متى ما ذكرها على نحو ما فاتته، ثم أعاد ما كان في وقته مما صلى بعدها. ومن عليه صلوات كثيرة صلاها في كل وقت من ليل أو نهار، وعند طلوع الشمس وعند غروبها، وكيفما تيسر له. وإن كانت يسيرة أقل من صلاة يوم وليلة بدأ بهن، وإن فات وقت ما هو في وقته، وإن كثرت بدأ بما يخاف فوات وقته، ومن ذكر صلاة في صلاة فسدت هذه عليه). الشرح انتقل المصنف رحمه الله تعالى يتكلم على ما إذا نسي صلاة أو أكثر من الصلوات المفروضات، ولا يخلو إما أن يتذكرها بعد أن صلى صلاة حاضرة لم يخرج وقتها أو قبل أن يصليها أو فيها، وقد أشار إلى الحالة الأولى بقوله: (ومن ذكر صلاة) نسيها، أو نام عنها، أو تعمد تركها، على المعروف من المذهب (صلاها)؛ أي: يجب عليه قضاؤها بلا خلاف في المنسية، وعلى المعروف من المذهب في المتروكة عمدا (١)، وهو قول الجمهور (٢) فكان الأولى للمصنف أن يذكر العمد، والأصل في ذلك حديث الخندق وسيأتي، وحديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال ﵊: «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (٣)، وفي حديث أبي قتادة ﵁: «ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى

стр. 445

يدخل وقت أخرى» (١). وإذا امتنع من قضاء المنسيات فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل (٢). وقيل: لا يقتل على المشهور (٣)، واختلف في المتعمد فقيل: إنه يقتل بعد الاستتابة، وقيل: لا يقتل مراعاة لمن يقول بعدم وجوب القضاء، إذ هو محل خلاف. وإذا ثبت وجوب قضاء المنسيات فليصلها (متى ما ذكرها في ليل أو نهار عند طلوع الشمس وعند غروبها)؛ أي: حيث تحقق تركها أو ظنه. وأما المشكوك في تركها وعدمه على السواء فيجب عليه القضاء، وظاهر كلام المصنف: أن قضاء الفوائت يجب على الفور، ولا يجوز التأخير إلا لعذر وهو كذلك في نقل الأكثر؛ أي: أكثر أهل المذهب. وإذا أراد قضاء المنسية فإنه يفعلها (على نحو ما فاتته) من إعداد الركوع والسجود وهيئاتها من إسرار وجهر، ويقنت إن كان صبحا، ويقيم لكل صلاة، وإن نسيها سفرية قضاها كذلك سفرية، وإن نسيها حضرية قضاها كذلك حضرية، وذلك لحديث أبي قتادة ﵁ في قصة نومهم عن صلاة الفجر قال: «ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله ﷺ ركعتين ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم» (٤). وإذا اختلف وقت القضاء ووقت الفوات بالصحة والمرض، فإنه يعتبر وقت القضاء، فإذا فاتته في الصحة وكان في وقت القضاء مريضا لا يقدر إلا على النية فقط أو مع الإيماء بالطرف، فإنه يقضيها بالنية أو النية والطرف، ولا يؤخرها لاحتمال موته، وإذا كفى هذا في الأداء فيكفي في القضاء بالأولى.

стр. 446

(ثم) بعد قضاء ما فاته من الصلوات المنسية (أعاد ما)؛ أي: الصلاة الحاضرة التي (كان) أوقعها في وقته الضمير عائد على ما، وذكره باعتبار اللفظ، وسواء في ذلك الإمام والفذ والمأموم، فكل منهم مطالب على جهة الندب بأنه لو ذكر يسير الفوائت وهي خمس (١)، أو أربع بعد أن صلى الحاضرة وقد بقي وقتها أن يعيد الحاضرة بعد قضاء ما نسيه من يسير الفوائت، وقوله (مما صلى) بيان لما والضمير في (بعدها) عائد على المنسية. لحديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ : قال: «من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع الإمام، فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي نسي ثم ليعد الصلاة التي صلى مع الإمام» (٢)، ولحديث أبي سلمة عن جابر بن عبد الله ﵄: أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش قال: يا رسول الله ما كدت أصلي العصر، حتى كادت الشمس تغرب، قال النبي ﷺ : «والله ما صليتها» فقمنا إلى بطحان (٣)، فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب (٤)، وحديث أبي جمعة حبيب بن سباع (٥): صلى رسول الله ﷺ المغرب يوم الأحزاب فلما سلم قال: هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال:

стр. 447

فصلى العصر، ثم صلى المعرب» (١). • كيفية قضاء الفوائت: قوله: (ومن عليه صلوات كثيرة) سواء نسيها أو نام عنها أو تعمد تركها (صلاها)؛ أي: قضاها في كل وقت من ليل أو نهار وعند طلوع الشمس وعند غروبها وسوغ التكرار أنه تكلم أولا على الصلوات اليسيرة، وتكلم هنا على الكثيرة، وكرر قوله: «عند طلوع الشمس وعند غروبها»، إشارة إلى أبي حنيفة القائل بأنه لا يصلي عند طلوع الشمس إلا صبح يومه (٢)، وعند الغروب إلا عصر يومه، والدليل على صحة أداء أو قضاء الفريضة ذلك الوقت هو قوله ﷺ : «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر» (٣)، فدل على جواز صلاة الفريضة ولو كانت الشمس إلى الغروب. وقوله: (وكيفما تيسر له) إشارة إلى دفع المشقة في قضائها من غير تفريط. ثم أشار إلى القسم الثاني بقوله: (وإن كانت)؛ أي: الصلوات التي عليه يسيرة أقل من صلاة يوم وليلة وهي أربع صلوات (٤) (بدأ بهن)؛ أي: قدمهن على الصلاة الحاضرة وجوبا، على المشهور (٥)، لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوى من الليل كفينا وذلك قول الله -عزو جل-: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال

стр. 448

وكان الله قويا عزيزا﴾ [الأحزاب: ٢٥] قال: فدعا رسول الله ﷺ بلالا، فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام العصر فصلاها، فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام المغرب فصلاها كذلك. قال: وذلك قبل أن ينزل الله ل في صلاة الخوف: ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانا﴾» [البقرة: ٢٣٩] (١). وعن ابن مسعود ﵁: «أن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله .. » (٢). ويدخل في الفائتة اليسيرة ما لو كان عليه الظهر والعصر أو المغرب والعشاء، ولم يبق من الوقت إلا ما يسع الأخيرة، فيجب تقديم الأولى، فإن خالف وقدم الحاضرة صحت مع الإثم في العمد دون النسيان، ولا يتأتى هنا إعادة لخروج الوقت. (وإن فات وقت ما هو في وقته)؛ يعني: أن من عليه يسير الفوائت يجب عليه أن يقدمها على الحاضرة وإن لزم على ذلك أنه يفعل الحاضرة بعد خروج وقتها وما ذكر من تقديم اليسيرة على الحاضرة إذا ضاق الوقت عن إدراك الحاضرة هو المشهور (٣). ثم شرع يبين حكم ترتيب الفوائت الكثيرة مع الحاضرة فقال: (وإن كثرت)؛ أي: الفوائت التي عليه وهي على ما قال الشيخ خمس فما فوق، وعلى ما شهره المازري سن فما فوق (٤)، (بدأ بما يخاف فوات وقته) مفهوم كلامه أنه إذا لم يخف فوات وقت الحاضرة أنه يبدأ بالمنسيات وهذا القول لابن حبيب والمعتمد ما رواه ابن القاسم أنه يبدأ بالحاضرة مطلقا

стр. 449

ضاق الوقت أو اتسع، لكن وجوبا عند ضيق الوقت وندبا عند اتساعه. • من نسي صلاة ثم ذكرها في صلاة: انتقل يتكلم على القسم الثالث فقال: (ومن ذكر صلاة)؛ أي: ذكر يسير الفوائت وهي ما يجب ترتيبها مع الحاضرة (في) حال تلبسه ب (صلاة) مفروضة (فسدت هذه)؛ أي: الصلاة التي هو فيها بمعنى أنه يقطعها لا أنها فسدت بالفعل، (عليه) لحديث ابن عمر المتقدم، قال ابن ناجي: ظاهر كلام الشيخ أن القطع واجب، وهذا القول ظاهر المذهب كما قاله في «التوضيح» (١)، والمشهور ما في «المدونة» يتمادى مع الإمام ويعيد، وفي وجوب الإعادة خلاف؛ أي: بناء على أن الترتيب بين اليسيرة والحاضرة واجب شرط وشهر في «المختصر» الإعادة في الوقت؛ أي: فلا تكون الإعادة واجبة بل مستحبة (٢). • ما يفعله الإمام والفذ إذا ذكر فائتة: إن حاصل ما في المسألة أنه إذا ذكر الإمام أو الفذ يسير الفوائت قبل عقد ركعة بسجدتيها فإنه يجب القطع، وقيل يندب (٣)، فلو عقد ركعة بسجدتيها شفع استحبابا وقيل وجوبا، ويتبع المأموم إمامه في ذلك، ولا فرق بين الرباعية والثنائية كالصبح والجمعة والمقصورة، وظاهر المدونة أن المغرب كغيرها؛ أي: يشفعها إن عقد ركعة (٤)، وهو غير معول عليه بل يتمها مغربا وهو ما رجحه ابن عرفة، فلو تذكر بعد أن كمل من المغرب ركعتين تامتين بسجدتيهما فإنه يكملها بنية الفريضة كما أنه إذا كمل ثلاثا من غيرها فإنه يكملها بنية الفريضة، وبعد تكميل المغرب أو غيرها يعيد ندبا في الوقت؛ أي: بعد إتيانه بيسير الفوائت.

стр. 450

وإن كان الذاكر ليسير الفوائت المأموم، فإنه يتمادى مع إمامه، ثم تندب له الإعادة في الوقت. ولا فرق بين أن تكون المعادة جمعة أو غيرها، ويعيدها جمعة إن أمكن وإلا ظهرا. • من مبطلات الصلاة: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن ضحك في الصلاة أعادها ولم يعد الوضوء، وإن كان مع إمام تمادى وأعاد، ولا شيء عليه في التبسم. والنفخ في الصلاة كالكلام، والعامد لذلك مفسد لصلاته. ومن أخطأ القبلة أعاد في الوقت. وكذلك من صلى بثوب نجس أو على مكان نجس. وكذلك من توضأ بماء نجس مختلف في نجاسته. وأما من توضأ بماء قد تغير لونه أو طعمه أو ريحه أعاد صلاته أبدا ووضوءه). • الضحك في الصلاة من مبطلاتها: قوله: (ومن ضحك)؛ أي: قهقه وهو الضحك بصوت وهو (في الصلاة أعادها) وجوبا أبدا، لأنها بطلت اتفاقا إن كان عمدا، سواء كان إماما أو مأموما أو فذا للإجماع كما نقل ذلك ابن حزم في «مراتبه» (١)، وابن المنذر (٢) في الإجماع. ولحديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يقطع الصلاة الكشر، ولكن يقطعها القهقهة» (٣)، وأما الموقوف فعن جابر ﵁ وقد سئل عن الرجل يضحك في الصلاة قال: «يعيد الصلاة، ولا يعيد الوضوء» (٤).

стр. 451

وقال الحافظ (١): وروى ابن عدي عن أحمد بن حنبل قال: «ليس في الضحك حديث صحيح»، أما التبسم فلا يقطع الصلاة ما لم يكن كثيرا لحديث جابر المتقدم مرفوعا، وعلى المشهور إن كان سهوا أو غلبة ومقابله لا يضر قياسا على الكلام، وهل يسجد قبل السلام أو بعده؟ والصحيح لابن القاسم: لا سجود عليه (٢). (ولم يعد الوضوء) لحديث جابر ﵁ المتقدم خلافا لأبي حنيفة (٣) القائل بأن القهقهة تنقض الوضوء أيضا كما أبطلت الصلاة، وعمدتهم أحاديث ضعيفة لا تقوم بمثلها حجة، إلا أن يكون في صلاة الجنازة فتبطل الصلاة فقط. ولما كان المأموم يخالف الفذ والإمام في حالة نبه على ذلك بقوله: • مساجين الإمام: (وإن كان) الذي ضحك في صلاته (مع إمام تمادى) معه استحبابا مراعاة لحقه وقيل وجوبا، وهي من المواضع التي سماها بعضهم بمساجين الإمام؛ أي: لا يحق للمأموم حتى ولو بطلت صلاته أن يخرج منها ونظمها بعضهم (٤) بقوله: مساجن الإمام فيما اشتهرا … ونسي الإحرام، أو من ذكرا أربعة من للركوع كبرا … صلاة أو وترا، كذا الضحك جرى وتمادي المأموم مقيد بقيود: الأول: أن لا يقدر على الترك في أثناء الضحك بل غلبه، وكذا فعله نسيانا، فإن قدر على الترك لم يتماد.

стр. 452

الثاني: أن لا يكون ضحكه ابتداء عمدا، وإلا لم يتماد في الغلبة. الثالث: أن لا يخاف بتماديه خروج الوقت وإلا قطع. الرابع: أن لا يلزم على بقائه ضحك المأمومين كلا أو بعضا، وإلا قطع ولو بظن ذلك. الخامس: أن لا يكون جمعة وإلا فيقطع ولو اتسع الوقت. (ولا شيء عليه)؛ أي: المصلي فذا كان أو إماما أو مأموما (في التبسم) حال تلبسه بالصلاة، فعن ابن مسعود ﵁ قال: «التبسم في الصلاة ليس بشيء» (١). ولا سجود في السهو ولا بطلان في العمد أو الجهل (٢)، غير أن العمد مكروه وإن كثر أبطلها ولو سهوا، لأن التبسم إنما هو تحريك الشفتين فهو كحركة الأجفان أو القدمين. • حكم النفخ في الصلاة: (والنفخ في الصلاة كالكلام) والكلام مبطل، على المشهور. قال خليل: فيبطل عمده دون سهوه، ومقابل المشهور للأبهري لا يبطل. ومذهبنا أن من أن (٣) لوجع لا تبطل صلاته، قاله المازري اه (٤)، لأن النبي ﷺ قال: ﴿إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث: أن لا تكلموا في الصلاة﴾ (٥). والنفخ مثله إن كان بالفم وبان منه أحرف لحديث ابن عباس ﵁ قال:

стр. 453

«النفخ في الصلاة كلام» (١)، والبيهقي (٢) بلفظ: «إنه كان يخشى أن يكون كلاما» ثم قال: «والنفخ لا يكون كلاما إلا إذا بان منه كلام له هجاء، وأما إذا لم يفهم منه كلام له هجاء فلا يكون كلاما». أما إذا كان النفخ لسبب فلا يبطلها، والله أعلم فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه نفخ في صلاة الكسوف فعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فقام رسول الله ﷺ إلى الصلاة وقام الذين معه، فقام قياما فأطال القيام، … فجعل ينفخ في آخر سجوده من الركعة الثانية، ويبكي ويقول: «لم تعدني هذا وأنا فيهم، لم تعدني هذا ونحن نستغفرك … » (٣) وفي رواية أبي داود (٤) من حديث عبد الله بن عمرو ﵁: «ثم نفخ في آخر سجوده فقال: أف أف». قال ابن بطال: وروي عن مالك كراهة النفخ في الصلاة ولا يقطعها كما يقطعها الكلام. • حكم الكلام في الصلاة: الكلام لغير إصلاح الصلاة مبطل لها فعن زيد بن أرقم ﵁ قال: «كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام» (٥)، وللترمذي فيه: «كنا نتكلم خلف رسول الله ﷺ في الصلاة» (٦).

стр. 454

(والحديث) يدل على تحريم الكلام في الصلاة، ولا خلاف بين أهل العلم أن من تكلم في صلاته عامدا عالما فسدت صلاته. قال ابن المنذر (١): أجمع أهل العلم على أن من تكلم في صلاته عامدا وهو لا يريد إصلاح صلاته أن صلاته فاسدة، واختلفوا في كلام الساهي والجاهل. وقوله: (والعامد لذلك)؛ أي: للنفخ في الصلاة (مفسد لصلاته) حشو إلا أن يحمل الأول على السهو، ولا يشترط في الإبطال بالنفخ أن يظهر منه حرفان بل ولا حرف واحد، فظهر من ذلك أن المراد النفخ بالفم، وأما بالأنف فلا يبطل عمده ولا سجود في سهوه، قال الأجهوري: وينبغي أن يقيد بأن لا يكون عبثا وإلا جرى على الأفعال الكثيرة، ودليل الإبطال ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: النفخ في الصلاة كلام؛ يعني: فيبطل، ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي بل عن سماع من النبي ﷺ . وأما التنحنح لضرورة لا يبطل الصلاة، وكذلك البكاء إذا كان لتخشع؛ أي: بشرط أن يكون غلبة، قال الله تعالى: ﴿إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا﴾ [مريم: ٥٨]. وعن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل (٢) من البكاء» (٣). • حكم من أخطأ القبلة: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن) كان من أهل الاجتهاد بالأدلة المنصوبة على الكعبة، ومثله من

стр. 455

كان مقلدا غيره عدلا عارفا، أو محرابا، وكان بغير مكة والمدينة (١)، واجتهد في جهة غلبت على ظنه لما قام عنده من الأمارات فصلى إليها، ثم تبين له بعد الفراغ منها أنه (أخطأ القبلة)؛ أي جهة الكعبة باستدبارها أو الانحراف عنها انحرافا شديدا في غير قتال جائز (أعاد) ما صلى ما دام في الوقت المختار استحبابا (٢). هذا حكم من كان بغير مكة والمدينة، وكان عنده الأدلة المنصوبة على القبلة (٣)، واجتهد وأخطأ، لحديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ ، فنزل: قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥]، وزاد أبو داود الطيالسي فقال: «مضت صلاتكم» (٤)، والترمذي (٥) وقال: قد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا، وقالوا إذا صلى لغير القبلة ثم استبان له بعد ما صلى أنه صلى لغير القبلة فإن صلاته جائزة. فلو لم يجتهد وصلى بغير اجتهاد أعاد أبدا، وإن أصاب القبلة. كما أن من كان بمكة أو المدينة أو المساجد التي صلى فيها النبي ﵊ واجتهد وصلى أعاد أبدا.

стр. 456

• مسألة فيمن صلى على مكان نجس: (أو) صلى (على مكان نجس) أو ثوب كذلك؛ أي: نجس، أو كان على بدنه نجاسة ثم تذكر بعد الفراغ من الصلاة نجاسة ذلك أعاد في الوقت، للقول بأن طهارة الخبث في أحد قولي مالك أنها سنة (١) وقد دل على ذلك ﵄ حديث عائشة ﵄ قالت: «كنت مع رسول الله ﷺ … » وفيه: «فلما أصبح رسول الله ﷺ أخذ الكساء فلبسه، ثم خرج فصلى فيه الغداة، ثم جلس فقال رجل: يا رسول الله هذه لمعة من دم في الكساء، فقبض رسول الله ﷺ عليها مع ما يليها وأرسلها إلي مصرورة في يد الغلام فقال: «اغسلي هذه وأجفيها ثم ارسلي بها إلي، فدعوت بقصعتي فغسلتها ثم أجفيتها ثم أخرجتها فجاء رسول الله ﷺ وهو عليه»» (٢)، ولم يثبت عنه ﷺ أنه أعاد الصلاة، وإنما قالوا بإعادتها احتياطا، وقد علمت الأدلة في كتاب الطهارة. وهل طهارة ثوب المصلي شرط لصحة الصلاة أم لا؟ (٣). والإعادة مراعاة للقول بالوجوب. والوقت في الظهرين للإصفرار، وفي العشاءين الليل كله، والصحيح أن آخر وقت العشاء نصف الليل لما مر معنا في أدلة أوقات الصلاة والله أعلم. • مسألة من توضأ بماء متنجس: (وكذلك من توضأ) ناسيا (بماء نجس)؛ أي: متنجس؛ أي: محكوم بنجاسته عند المصنف (مختلف في نجاسته) كماء قليل حلته نجاسة ولم تغيره، ولم يتذكر حتى فرغ من صلاته، مراعاة لدليل القائل بنجاسته، وأما فيها فتبطل بمجرد الذكر فالإعادة في الوقت استحبابا منوطة بالتذكر بعد الفراغ ولا يخفى أن كلام المصنف مبني على مذهبه، وهو أن الماء القليل الذي حلته

стр. 457

نجاسة ولو لم تغيره فهو متنجس ولعله لحديث القلتين (١)، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» وفي لفظ: «لم ينجس» (٢). والمعتمد أنه ليس بمتنجس (٣)، وعليه فلا إعادة أصلا، وعلى مذهب المصنف يعيد الوضوء أيضا؛ أي: استحبابا (٤). (وأما من توضأ بماء قد تغير لونه أو طعمه؛ يعني: (أو ريحه) بشيء طاهر أو نجس أعاد صلاته أبدا ووضوءه) سواء توضأ به عامدا أو ناسيا، لأنه أوقعها بوضوء لم يجز استعماله في الطهارة لحديث أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» (٥). قال ابن المنذر: [أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت له طعما أو لونا أو ريحا فهو نجس ما دام كذلك] (٦)، ويعيد الاستنجاء أيضا إن كان استنجى من هذا الماء فلا مفهوم لقول المصنف: وأما من توضأ. • رخصة الجمع بين الظهرين والعشائين: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ورخص في الجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر، وكذلك في طين

стр. 458

وظلمة؛ يؤذن للمغرب في أول الوقت خارج المسجد، ثم يؤخر قليلا في قول مالك، ثم يقيم في داخل المسجد، ويصليها ثم يؤذن للعشاء في داخل المسجد ويقيم ثم يصليها، ثم ينصرفون، وعليهم إسفار قبل مغيب الشفق. والجمع بعرفة بين الظهر والعصر عند الزوال سنة واجبة بأذان وإقامة لكل صلاة. وكذلك في جمع المغرب والعشاء بالمزدلفة إذا وصل إليها، وإذا جد السير بالمسافر فله أن يجمع بين الصلاتين في آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر، وكذلك المغرب والعشاء، وإذا ارتحل في أول وقت الصلاة الأولى جمع حينئذ. وللمريض أن يجمع إذا خاف أن يغلب على عقله عند الزوال، وعند الغروب، وإن كان الجمع أرفق به لبطن به ونحوه جمع وسط وقت الظهر وعند غيبوبة الشفق). • الشرح: انتقل المصنف رحمه الله تعالى يتكلم على الجمع بين الصلاتين، والجمع بين الصلاتين رخصة رخصها الشارع الحكيم تخفيفا على المسافر والمريض ومن في معناهما، وقد ذكرها المصنف في ستة مواضع: أولها: المطر وحده، وثانيها: طين وظلمة، وثالثها: عرفة، ورابعها: مزدلفة، وخامسها: السفر المبيح للقصر، وسادسها: المرض. وأشار المصنف إلى الأولين بقوله: (ورخص في الجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر، وكذلك في طين وظلمة) ما ذكر من كون الجمع ليلة المطر رخصة هو الذي مشى عليه صاحب «المختصر (١)»، ولم يبين حكمها، وهل هو الإباحة وهو ظاهر كلامهم أو خلاف الأولى (٢)، إذ الأولى إيقاع

стр. 459

الصلاة في وقتها، وهو ما مشى عليه ابن عبد البر مراعاة لمن يقول لا جمع ليلة المطر (١)، أو الأولى أن يجمع لما روى أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: «من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء قال وكان يصلي المغرب ثم يمكث هنيئة ثم يصلي العشاء» (٢)، ولحديث ابن عباس ﵄: «صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، في غير خوف، ولا سفر» (٣)، قال مالك (٤): «أرى ذلك في المطر». والرخصة لغة: التيسير؛ وشرعا: إباحة الشيء الممنوع مع قيام السبب المانع؛ أي: لولا وجود تلك المشقة والسبب المانع هنا، لو كان يمكن فعلها في وقتها، على الوجه المأمور به شرعا. وما ذكره المصنف في سبب الجمع فمنه ما هو على المشهور: وهو المطر، فالمطر سبب للجمع بين المغرب والعشاء على القول المشهور بشرط أن يكون وابلا أي كثيرا، وهو الذي يحمل أواسط الناس على تغطية رؤوسهم، وسواء كان واقعا أو متوقعا، ويمكن علم ذلك بالقرينة، واليوم يعرف غالبا بالأرصاد الجوية. ومثل المطر الثلج والبرد ومنه ما هو متفق على أنه سبب للجمع: وهو الطين والظلمة، والمراد بالطين الوحل، وبالظلمة ظلمة الليل من غير قمر، فلو

стр. 460

غطى السحاب القمر فليس بظلمة فلا يجمع لذلك، وظاهر كلام المصنف أنه للظلمة وحدها ولا للطين وحده، وهو كذلك، أما الظلمة فاتفق أهل المذهب على أنه لا يجمع لها وحدها (١). وأما الطين فقد صرح القرافي بمشهورية القول بعدم الجمع (٢)، وعليه اقتصر صاحب «المختصر» وهو المعتمد (٣)، وظاهر قصره الرخصة بين المغرب والعشاء أنه لا يجمع بين غيرهما، وهو كذلك قال ابن الحاجب: والمنصوص اختصاصه بالمغرب والعشاء (٤). ثم بين صفة الجمع بينهما بقوله: (يؤذن للمغرب أول الوقت خارج المسجد) على المنارة قاله مالك في «الواضحة» (٥) للأحاديث الواردة في الأذان لكل صلاة ومنها المغرب (ثم يؤخر) صلاة المغرب شيئا (قليلا في) مشهور (قول مالك) الإضافة للبيان؛ أي: في مشهور هو قول مالك لأن القول لمالك، وقد خالفه ابن عبد الحكم وابن وهب لا أن القولين لمالك، وهذا هو المشهور (٦) وإنما طلب تأخير المغرب شيئا قليلا ليأتي المسجد من بعدت داره؛ قال ابن ناجي تردد شيخنا هل تأخير المغرب على المشهور أمر واجب لا بد منه، أم ذلك على طريق الندب؟ قولان، والراجح أن ذلك على طريق الندب والتأخير بقدر ما يدخل وقت الاشتراك لاختصاص الأولى بثلاث بعد الغروب. (ثم) بعد أن يؤخر المغرب قليلا (يقيم) لها الصلاة؛ أي: على طريق السنية لما مر معك في أحاديث الإقامة، (داخل المسجد ويصليها) ولا يطول على المشهور لأن تقصيرها مطلوب في غير هذا، فهذا أولى. ولا بد من نية الإمامة فيها، فلو ترك الإمام نية الإمامة بطلتا حيث تركها فيهما،
следующие страницы →