• مسألة فيمن صلى على مكان نجس:
(أو) صلى (على مكان نجس) أو ثوب كذلك؛ أي: نجس، أو كان على بدنه نجاسة ثم تذكر بعد الفراغ من الصلاة نجاسة ذلك أعاد في الوقت، للقول بأن طهارة الخبث في أحد قولي مالك أنها سنة (١) وقد دل على ذلك ﵄ حديث عائشة ﵄ قالت: «كنت مع رسول الله ﷺ … » وفيه: «فلما أصبح رسول الله ﷺ أخذ الكساء فلبسه، ثم خرج فصلى فيه الغداة، ثم جلس فقال رجل: يا رسول الله هذه لمعة من دم في الكساء، فقبض رسول الله ﷺ عليها مع ما يليها وأرسلها إلي مصرورة في يد الغلام فقال: «اغسلي هذه وأجفيها ثم ارسلي بها إلي، فدعوت بقصعتي فغسلتها ثم أجفيتها ثم أخرجتها فجاء رسول الله ﷺ وهو عليه»» (٢)، ولم يثبت عنه ﷺ أنه أعاد الصلاة، وإنما قالوا بإعادتها احتياطا، وقد علمت الأدلة في كتاب الطهارة.
وهل طهارة ثوب المصلي شرط لصحة الصلاة أم لا؟ (٣). والإعادة مراعاة للقول بالوجوب.
والوقت في الظهرين للإصفرار، وفي العشاءين الليل كله، والصحيح أن آخر وقت العشاء نصف الليل لما مر معنا في أدلة أوقات الصلاة والله أعلم.
• مسألة من توضأ بماء متنجس:
(وكذلك من توضأ) ناسيا (بماء نجس)؛ أي: متنجس؛ أي: محكوم بنجاسته عند المصنف (مختلف في نجاسته) كماء قليل حلته نجاسة ولم تغيره، ولم يتذكر حتى فرغ من صلاته، مراعاة لدليل القائل بنجاسته، وأما فيها فتبطل بمجرد الذكر فالإعادة في الوقت استحبابا منوطة بالتذكر بعد الفراغ ولا يخفى أن كلام المصنف مبني على مذهبه، وهو أن الماء القليل الذي حلته
стр. 457
نجاسة ولو لم تغيره فهو متنجس ولعله لحديث القلتين (١)، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» وفي لفظ: «لم ينجس» (٢).
والمعتمد أنه ليس بمتنجس (٣)، وعليه فلا إعادة أصلا، وعلى مذهب المصنف يعيد الوضوء أيضا؛ أي: استحبابا (٤).
(وأما من توضأ بماء قد تغير لونه أو طعمه؛ يعني: (أو ريحه) بشيء طاهر أو نجس أعاد صلاته أبدا ووضوءه) سواء توضأ به عامدا أو ناسيا، لأنه أوقعها بوضوء لم يجز استعماله في الطهارة لحديث أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» (٥).
قال ابن المنذر: [أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت له طعما أو لونا أو ريحا فهو نجس ما دام كذلك] (٦)، ويعيد الاستنجاء أيضا إن كان استنجى من هذا الماء فلا مفهوم لقول المصنف: وأما من توضأ.
• رخصة الجمع بين الظهرين والعشائين:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ورخص في الجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر، وكذلك في طين
стр. 458
وظلمة؛ يؤذن للمغرب في أول الوقت خارج المسجد، ثم يؤخر قليلا في قول مالك، ثم يقيم في داخل المسجد، ويصليها ثم يؤذن للعشاء في داخل المسجد ويقيم ثم يصليها، ثم ينصرفون، وعليهم إسفار قبل مغيب الشفق.
والجمع بعرفة بين الظهر والعصر عند الزوال سنة واجبة بأذان وإقامة لكل صلاة.
وكذلك في جمع المغرب والعشاء بالمزدلفة إذا وصل إليها، وإذا جد السير بالمسافر فله أن يجمع بين الصلاتين في آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر، وكذلك المغرب والعشاء، وإذا ارتحل في أول وقت الصلاة الأولى جمع حينئذ.
وللمريض أن يجمع إذا خاف أن يغلب على عقله عند الزوال، وعند الغروب، وإن كان الجمع أرفق به لبطن به ونحوه جمع وسط وقت الظهر وعند غيبوبة الشفق).
• الشرح:
انتقل المصنف رحمه الله تعالى يتكلم على الجمع بين الصلاتين، والجمع بين الصلاتين رخصة رخصها الشارع الحكيم تخفيفا على المسافر والمريض ومن في معناهما، وقد ذكرها المصنف في ستة مواضع:
أولها: المطر وحده، وثانيها: طين وظلمة، وثالثها: عرفة، ورابعها: مزدلفة، وخامسها: السفر المبيح للقصر، وسادسها: المرض.
وأشار المصنف إلى الأولين بقوله: (ورخص في الجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر، وكذلك في طين وظلمة) ما ذكر من كون الجمع ليلة المطر رخصة هو الذي مشى عليه صاحب «المختصر (١)»، ولم يبين حكمها، وهل هو الإباحة وهو ظاهر كلامهم أو خلاف الأولى (٢)، إذ الأولى إيقاع
стр. 459
الصلاة في وقتها، وهو ما مشى عليه ابن عبد البر مراعاة لمن يقول لا جمع ليلة المطر (١)، أو الأولى أن يجمع لما روى أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: «من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء قال وكان يصلي المغرب ثم يمكث هنيئة ثم يصلي العشاء» (٢)، ولحديث ابن عباس ﵄: «صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، في غير خوف، ولا سفر» (٣)، قال مالك (٤): «أرى ذلك في المطر».
والرخصة لغة: التيسير؛ وشرعا: إباحة الشيء الممنوع مع قيام السبب المانع؛ أي: لولا وجود تلك المشقة والسبب المانع هنا، لو كان يمكن فعلها في وقتها، على الوجه المأمور به شرعا.
وما ذكره المصنف في سبب الجمع فمنه ما هو على المشهور: وهو المطر، فالمطر سبب للجمع بين المغرب والعشاء على القول المشهور بشرط أن يكون وابلا أي كثيرا، وهو الذي يحمل أواسط الناس على تغطية رؤوسهم، وسواء كان واقعا أو متوقعا، ويمكن علم ذلك بالقرينة، واليوم يعرف غالبا بالأرصاد الجوية.
ومثل المطر الثلج والبرد ومنه ما هو متفق على أنه سبب للجمع: وهو الطين والظلمة، والمراد بالطين الوحل، وبالظلمة ظلمة الليل من غير قمر، فلو
стр. 460
غطى السحاب القمر فليس بظلمة فلا يجمع لذلك، وظاهر كلام المصنف أنه للظلمة وحدها ولا للطين وحده، وهو كذلك، أما الظلمة فاتفق أهل المذهب على أنه لا يجمع لها وحدها (١).
وأما الطين فقد صرح القرافي بمشهورية القول بعدم الجمع (٢)، وعليه اقتصر صاحب «المختصر» وهو المعتمد (٣)، وظاهر قصره الرخصة بين المغرب والعشاء أنه لا يجمع بين غيرهما، وهو كذلك قال ابن الحاجب: والمنصوص اختصاصه بالمغرب والعشاء (٤).
ثم بين صفة الجمع بينهما بقوله: (يؤذن للمغرب أول الوقت خارج المسجد) على المنارة قاله مالك في «الواضحة» (٥) للأحاديث الواردة في الأذان لكل صلاة ومنها المغرب (ثم يؤخر) صلاة المغرب شيئا (قليلا في) مشهور (قول مالك) الإضافة للبيان؛ أي: في مشهور هو قول مالك لأن القول لمالك، وقد خالفه ابن عبد الحكم وابن وهب لا أن القولين لمالك، وهذا هو المشهور (٦) وإنما طلب تأخير المغرب شيئا قليلا ليأتي المسجد من بعدت داره؛ قال ابن ناجي تردد شيخنا هل تأخير المغرب على المشهور أمر واجب لا بد منه، أم ذلك على طريق الندب؟ قولان، والراجح أن ذلك على طريق الندب والتأخير بقدر ما يدخل وقت الاشتراك لاختصاص الأولى بثلاث بعد الغروب. (ثم) بعد أن يؤخر المغرب قليلا (يقيم) لها الصلاة؛ أي: على طريق السنية لما مر معك في أحاديث الإقامة، (داخل المسجد ويصليها) ولا يطول على المشهور لأن تقصيرها مطلوب في غير هذا، فهذا أولى. ولا بد من نية الإمامة فيها، فلو ترك الإمام نية الإمامة بطلتا حيث تركها فيهما،
стр. 461
وأما لو تركها في الثانية وأتى بها في الأولى فالظاهر صحتها، وتبطل الثانية ولا يصليها إلا عند مغيب الشفق، وأما لو تركها عند الأولى ونيته الجمع فإنها تبطل لأن صحتها مشروطة بنية الإمامة، كذا في «شرح العدوي» (١)، (ثم) بعد الفراغ من صلاة المغرب أي من غير مهلة ولا تسبيح ولا تحميد ولا تنفل، فيمنع التنفل بين المغرب والعشاء على المشهور (يؤذن للعشاء) إثر المغرب أذانا ليس بالعالي، والظاهر أن هذا الأذان مستحب، لأنه ليس جماعة تطلب غيرها، ولا يسقط طلب الأذان لها في وقتها، فيؤذن لها عند دخول وقتها، (في داخل المسجد) وإنما كان داخل المسجد لئلا يظن الناس أن وقت العشاء قد دخل، (و) إذا فرغ من الأذان، (يقيم) الصلاة (ثم يصليها) الإمام بالناس بلا مهلة هذا شرط في كل جمع وليس خاصا بالجمع ليلة المطر (ثم) بعد أن يفرغوا من الصلاة (ينصرفون إثر الصلاة بلا مهلة، ويؤخروا صلاة الوتر إلى ما بعد مغيب الشفق. وعليهم إسفار)؛ أي شيء من بقية بياض النهار (قبل مغيب الشفق) ولا يتنفل أحد في المسجد بعد الجمع، ولا يوتر بإثر صلاة العشاء؛ أي: يحرم، لأنه دخل في عبادة باطلة إذ وقتها بعد مغيب الشفق ففعلها قبل مغيب الشفق فعل لها قبل وقتها وهو باطل.
قلت: والأذان للعشاء ليلة الجمع للمطر فيه نظر والقياس عدمه والله أعلم.
مسألة: لابن أبي زمنين عن ابن القاسم: لو صلوا المغرب وبعد فراغهم نزل المطر فلا بأس بتقديم العشاء (٢).
والموضع الثاني: أشار إليه بقوله: (والجمع بعرفة) يوم وقوف الحاج بها (بين الظهر والعصر عند)؛ بمعنى: بعد (الزوال سنة واجبة)؛ أي:
مؤكدة ومشى صاحب «المختصر» على استحبابه، والمصنف يطلق السنة في بعض المواضع على المستحب، فيحتمل أن هذا منها، فإن أراده فهو موافق
стр. 462
للمختصر (١)، لحديث جابر ﵁: «أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر بأذان واحد بعرفة، ولم يسبح بينهما وإقامتين وصلى المغرب والعشاء بجمع (٢) بأذان واحد، وإقامتين ولم يسبح (٣) بينهما» (٤)، ثم يؤذن للظهر بعد الفراغ من الخطبة، ثم يقيم الصلاة.
فإذا صلى الظهر أذن للعصر على قول المصنف وأقام لها وصلاها، وما ذكر في صفة الجمع من أن لكل صلاة من الظهر والعصر أذانا وإقامة هو المشهور، وإليه أشار الشيخ بقوله: (بأذان وإقامة لكل صلاة) ومقابله ما نقل عن ابن الماجشون بأذان واحد (٥)، لأنه روي عن النبي ﷺ كذلك كما في حديث جابر في صفة حجته ﷺ ، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه أمر مؤذنه بالأذان للعصر.
والموضع الثالث: أشار إليه بقوله: (وكذلك في جمع المغرب والعشاء بالمزدلفة)؛ أي: مثل ذلك الحكم في السنية والأذان للمغرب والعشاء بالمزدلفة، (إذا وصل إليها)؛ أي: إذا أمكن أن يصل إليها، أما من لا يمكنه ذلك لمرض به أو بدايته فإنه يجمع حيث غاب عليه الشفق إذا كان وقف مع الإمام.
وقد سئل مالك فيمن وصل إلى مزدلفة قبل مغيب الشفق، فقال: ما أظن ذلك؛ أي: ما أظن أحدا يصل قبل ذلك، فإن وصل أخر الجمع لمغيبه.
وواضح اليوم أن كثيرا من أصحاب السيارات يصلون قبل مغيب الشفق والله أعلم.
والموضع الرابع: أشار إليه بقوله: (وإذا جد السير بالمسافر سفرا)
стр. 463
واجبا كسفر الحج الواجب، أو مندوبا كسفر حج التطوع، أو مباحا كسفر التجارة سواء كانت تقصر فيه الصلاة أم لا (فله)؛ أي: فيباح له أن يجمع بين (الصلاتين) المشتركتي الوقت وهما الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فإذا أدركه الزوال سائرا ونوى النزول بعد الغروب فله أن يجمع بين الظهر والعصر (في آخر وقت الظهر) وهو آخر القامة الأولى (وأول وقت العصر) وهو أول القامة الثانية، وهذا جمع صوري لا حقيقي، إذ الحقيقي هو الذي تقدم فيه إحدى الصلاتين عن وقتها المعروف أو تؤخر عنه، وهذا تؤدى فيه كل صلاة في وقتها، ولا يحتاج لنية الجمع، ولا يشترط فيه أن يجد السير، وإن كان ظاهر المصنف مع أن ذلك لا يعقل إذ هو جمع صوري، وحكمه أنه خلاف الأولى إذ الأولى إيقاع الصلاة في أول وقتها، فلا معنى لاشتراط الجد فيه.
(وكذلك المغرب والعشاء)؛ أي: أن صفة الجمع بين المغرب والعشاء مثل صفته بين الظهر والعصر في أنه إذا أدركه الغروب سائرا. ونوى النزول بعد طلوع الفجر فله أن يجمع بين المغرب والعشاء جمعا صوريا بأن يصلي المغرب قرب مغيب الشفق، ويصلي العشاء في أول وقتها، لأنه ينزل طلوع الفجر هنا منزلة الغروب في الظهرين.
(وإذا ارتحل)؛ أي: أراد الارتحال لأن فرض المسألة أنه نازل بالمنهل وزالت أو غربت الشمس وهو به (في أول وقت الصلاة الأولى) ونوى النزول بعد الغروب (جمع حينئذ)؛ أي: قبل ارتحاله على المشهور ليوقع أولاهما في أول وقتها المختار، والأخرى في وقتها الضروري، وهذا هو الجمع الحقيقي لحديث معاذ بن جبل ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل، جمع بين الظهر والعصر، وإن يرتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخر الظهر، حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك، إن غابت الشمس قبل أن يرتحل، جمع بين المغرب والعشاء، وإن يرتحل قبل أن تغيب الشمس، أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم جمع بينهما» (١).
стр. 464
والصحيح كما قال بعض المحققين أن الوقت حال الجمع صار واحدا والذي صيره كذلك هو الشارع.
والجمع الصوري جائز لذي العذر وغيره، وهو أن يصلي الأولى في آخر وقتها المختار، والثانية في أول وقتها.
والموضع الخامس: قسمه قسمين أشار إلى أولهما بقوله: (وللمريض)؛ أي: رخص له (أن يجمع) بين الصلاتين المشتركتي الوقت على المشهور؛ أي: أن يجمع على المشهور. وقال ابن نافع: يصلي كل صلاة لوقتها (إذا خاف أن يغلب على عقله) في وقت الصلاة الثانية، والجمع المذكور يكون في أول وقت الصلاة الأولى على المشهور، وقيل: الأولى في آخر وقتها، والثانية في أول وقتها وعلى المشهور فيجمع بين الظهر والعصر (عند الزوال و) بين المغرب والعشاء (عند الغروب) لحديث عائشة ﵂: «أن سهلة بنت سهيل استحيضت فأتت النبي ﷺ ، فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح» (١) فالشاهد في الحديث الجمع للمريض.
قال ابن رجب: «واستدل من أباح الجمع للمريض، بأمر النبي ﷺ المستحاضة أن تجمع بين الصلاتين بغسل واحد؛ لمشقة الغسل عليها لكل صلاة، وذلك ما روي عن النبي ﷺ من حديث حمنة بنت جحش وعائشة وأسماء بنت عميس، وفي أسانيدها بعض شيء» (٢).
وإذا خاف الغلبة على عقله في أول وقت الثانية فقد نص ابن الجلاب على ذلك بقوله: وكذلك حكم المريض إذا خاف الغلبة على عقله في أول وقت الصلاة الأولى أخرها إلى وقت الصلاة الأخيرة، وإن خاف ذلك في وقت الصلاة الأخيرة قدمها إلى الصلاة الأولى.
وإذا جمع من خاف الغلبة على عقله وقت الثانية، ثم كشف أهل
стр. 465
الاختصاص بتوقع السلامة من ذلك فإنه يعيد الصلاة على القول المعتمد، ثم أشار إلى القسم الثاني بقوله: (وإن كان الجمع أرفق به ل) أجل إسهال (بطن به ونحوه) مما يشق عليه من سائر الأمراض القيام معه لكل صلاة (جمع) بين الصلاتين المشتركتي الوقت، فالظهر والعصر يجمع بينهما (وسط وقت الظهر و) المغرب والعشاء يجمع بينهما (عند غيبوبة الشفق)، فيوقع المغرب في آخر وقتها الاختياري بناء على امتداده للشفق، والعشاء في أول اختياريها، وللصحيح فعل هذا الجمع لأنه ليس جمعا حقيقيا. واختلف في المراد بوسط وقت الظهر، فقيل أراد به نصف القامة، لأن حقيقة الوسط النصف، وقيل: أراد به آخر القامة، وهو قول سحنون وغيره، فيجمع جمعا صوريا. واستظهر لأنه لا ضرورة له تدعو إلى قيام الصلاة الثانية قبل وقتها والضرورة إنما هي من أجل تكرار الحركة.
• حكم من فاتته صلاة من أصحاب الضرورات:
وهم الكافر أصلا إذا أسلم في وقت الضرورة، والمرتد يعود لدينه، والحائض والنفساء تطهران، والصبي يبلغ، والمجنون يعقل، و المغمى عليه يفيق.
• المغمى عليه:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والمغمى عليه لا يقضي ما خرج وقته في إغمائه، ويقضي ما أفاق في وقته مما يدرك منه ركعة فأكثر من الصلوات).
الشرح
شرع يتكلم عن أرباب الضرورات الذين إن صلوا في وقت الضرورة كانوا مؤدين لها بخلاف غيرهم، (و) ذكر منهم (المغمى)؛ أي: الذي غاب عقله (عليه لا يقضي ما خرج وقته) من الصلوات المفروضة، ومثله السكران كمن شرب خمرا يظنه لبنا أو عسلا، وأولى المجنون (في) حال (إغمائه) أو
стр. 466
في حال سكره الحلال أو في حال جنونه، لما روى مالك عن نافع «أن عبد الله بن عمر ﵄ أغمي عليه فذهب عقله فلم يقض الصلاة» (١).
(ويقضي)؛ بمعنى: ويؤدي (ما أفاق في وقته) من الصلوات المفروضة اتفاقا، والمراد بالوقت هنا الضروري، وهو في الظهرين الغروب؛ أي: نهايته في الظهرين الغروب وفي العشاءين طلوع الفجر، أي نهايته طلوع الفجر، وفي الصبح طلوع الشمس؛ أي: نهايته طلوع الشمس (مما يدرك منه ركعة فأكثر من الصلوات) بيان للقدر من الوقت الذي يلزمه فيه أداء ما أفاق فيه وسقوط ما أغمي عليه في وقته، ولا بد أن تكون الركعة كاملة بسجدتيها بعد تحصيل ما يكون به أداء الصلاة وهو الطهارة من الحدث فقط على المعتمد، لحديث النبي ﷺ : «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة … » الحديث وقد تقدم، وهذه أحد المسائل التي يشترط فيها كونها بسجدتيها، وهو قول ابن القاسم ومشى عليه صاحب المختصر، وقال أشهب بالركوع.
ثانيتها: الراعف لا يبني إلا على ركعة بسجدتيها.
ثالثتها: من امتنع من الصلاة أخر لبقاء ركعة بسجدتيها.
رابعتها: حصول فضل الجماعة، لا يحصل إلا بإدراك ركعة مع الإمام بسجدتيها (٢).
فإذا أغمي عليه ولم يكن صلى الظهر والعصر وقد بقي من النهار ما يدرك فيه خمس ركعات بعد الطهارة من الحدث لم يقضهما، لأنه أغمي عليه في وقتهما. ولو أفاق وقد بقي من النهار مقدار ما يدرك فيه خمس ركعات بعد الطهارة أيضا صلاهما لأنه أفاق في وقتهما وإذا أغمي عليه ولم يكن صلى المغرب والعشاء وقد بقي من وقتهما مقدار خمس ركعات لم يقضهما، ولو أفاق في هذا المقدار صلاهما وكذلك الحكم في السقوط والأداء إذا بقي
стр. 467
للفجر أربع ركعات لأنه يعتبر فضل ركعة عن الأولى، وإن بقي للفجر مقدار ثلاث ركعات سقطت العشاء وتخلدت المغرب في ذمته.
• ما تدرك به الحائض الصلاة وجوبا وسقوطا:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وكذلك الحائض تطهر فإذا بقي من النهار بعد طهرها بغير توان خمس ركعات صلت الظهر والعصر، وإن كان الباقي من الليل أربع ركعات صلت المغرب والعشاء، وإن كان من النهار أو من الليل أقل من ذلك صلت الصلاة الأخيرة، وإن حاضت لهذا التقدير لم تقض ما حاضت في وقته، وإن حاضت لأربع ركعات من النهار فأقل إلى ركعة أو لثلاث ركعات من الليل إلى ركعة قضت الصلاة الأولى فقط، واختلف في حيضها لأربع ركعات من الليل، فقيل: مثل ذلك، وقيل: إنها حاضت في وقتهما فلا تقضيهما).
الشرح
أشار إلى العذر الآخر بقوله: (وكذلك الحائض تطهر)؛ بمعنى: انقطع حيضها ومثلها النفساء فما خرج وقته في حال حيضها لا تقضيه وتؤدي ما بقي من وقته مقدار ما يسع ركعة فأكثر بعد تطهرها، والوقت الذي تطهر فيه إما أن يكون نهارا أو ليلا (فإذا) تطهرت نهارا و بقي من النهار بعد طهرها بالماء حيث لم يكن فرضها التيمم وإلا فمقدار الطهارة الترابية.
والحاصل: أنه يقدر لها الظهر زيادة على ما تدرك فيه ركعة كاملة بسجدتيها. ومثلها سائر أرباب الأعذار غير عذر الكفر (بغير توان)؛ أي: بغير تأخير لطهرها؛ زاد عبد الوهاب ولبس ثيابها، ولكن المعتمد أنه لا يقدر لها إلا الظهر الحدثي، وأما الخبثي كالاستبراء الواجب على تقدير أن هناك حاجة فلا يقدر لها، وكذلك ستر العورة والاستقبال فلا تقدير لشيء من هذه على المعتمد، وكما يعتبر الظهر في جانب الإدراك يعتبر أيضا في جانب السقوط، ثم لو شرعت في الظهر لظن إدراك الصلاتين وغربت الشمس صلت
стр. 468
العصر وسقطت الظهر، وتتم ما تشرع فيه نافلة، فتسلم من ركعتين لأنه غير مدخول عليه. فلذلك إذا بقي لها (خمس ركعات صلت الظهر والعصر) بلا خلاف، لأنها تقدر للعصر أربع ركعات وتدرك الظهر بركعة، فإن ذكرت منسيتين قبل حيضها صلتهما أولا للترتيب، ثم تقضي الظهر والعصر، لأنها طهرت في وقتهما، وهذا الترتيب في حق الحاضرة. وأما المسافرة فإنها تقدر للظهر والعصر بثلاث ركعات لأنها تجعل للظهر ركعتين وللعصر ركعة.
(وإن) طهرت ليلا و (كان الباقي من الليل) بعد طهرها (أربع ركعات صلت المغرب والعشاء) على قول ابن القاسم بناء على التقدير بالمغرب فيكون لها ثلاث ركعات وتبقى ركعة للعشاء، وهذا التقدير في حق الحاضرة والمسافرة من غير فرق، إذ لا فرق في الليلتين بين الحاضرة والمسافرة، وحينئذ يكون قول المصنف: وكان من الليل أربع ركعات،؛ أي: ولو في السفر.
(و) أما إن كان الباقي (من النهار أو الليل أقل من ذلك)؛ أي: أقل من خمس ركعات في المثال الأول وأقل من أربع ركعات في المثال الثاني (صلت الصلاة الأخيرة فقط وهي العصر في الأول والعشاء في الثاني، لأنها لم تدرك وهي طاهرة إلا وقتها.
ولما أنهى الكلام على ما إذا طهرت نهارا أو ليلا انتقل يتكلم على ما إذا حاضت كذلك فقال: (وإن حاضت لهذا التقدير)؛ يعني: تقدير خمس ركعات للنهار وأربع ركعات لليل لم تقض ما حاضت في وقته) أخرت ذلك ناسية أو عامدة، لأن ما به الإدراك يكون به السقوط، وإن كانت عاصية في العمد، فإن حاضت وقد بقي من النهار ما يسع خمس ركعات، ولم تكن صلت الظهر والعصر لم تقضهما لأنها حاضت في وقتهما (وإن حاضت لأربع ركعات من النهار فأقل إلى ركعة) ولم تكن صلت الظهر والعصر (أو) حاضت (لثلاث ركعات من الليل)؛ أي: بقي منه مقدار ما يسع أن توقع فيه ثلاث ركعات فأقل إلى ركعة ولم تكن صلت المغرب والعشاء (قضت الأولى فقط)؛ أي: الصلاة الأولى وهي الظهر في المثال الأول والمغرب في المثال
стр. 469
الثاني، لأنها أدركتها وهي طاهرة وتسقط الثانية لحيضها في وقتها، والوقت إذا ضاق يختص بالأخيرة إدراكا وسقوطا.
(واختلف في حيضها)؛ يعني: إذا حاضت (لأربع ركعات من الليل)؛ يعني: والباقي منه مقدار ما يسع أن توقع فيه أربع ركعات (فقيل) الحكم فيه (مثل ذلك)؛ أي: مثل ما إذا حاضت لثلاث ركعات من الليل تقضي الصلاة الأولى فقط وهو لابن عبد الحكم وغيره بناء على أن التقدير بالثانية، ووجهه أن الوقت إذا ضاق حتى لا يسع إلا إحدى الصلاتين، فالواجب إنما هو الأخيرة (وقيل) الحكم فيه (أنها حاضت في وقتهما فلا تقضيهما) وهو قول مالك وابن القاسم وغيرهما، وهو المذهب إذ التقدير عندهم في مشتركتي الوقت بالأولى ووجهه أن أول الصلاتين لما وجب تقديمها على الأخرى فعلا وجب التقدير بها.
• مسائل تتعلق بالطهارة:
أولها: حكم من شك في ناقض من نواقض الوضوء:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
﴿ومن أيقن بالوضوء وشك في الحدث ابتدأ الوضوء﴾.
الشرح
انتقل يتكلم على مسألة حقها أن تذكر في موجبات الوضوء فقال: (ومن أيقن بالوضوء وشك في الحدث) وكان غير مستنكح (ابتدأ الوضوء) وجوبا على المشهور لأن الذمة عامرة فلا تبرأ إلا بيقين، قال ابن الحاجب رحمه الله تعالى: «من تيقن الطهارة وشك في الحدث ففيها (أي: المدونة) (١) فليعد وضوءه» (٢)، ومقابل المشهور لا يعيد (٣)، وفرق بعضهم بين الشك في الطهارة
стр. 470
داخل الصلاة، وفي الشك فيها خارج الصلاة، وظاهر كلام ابن رشد وجوب الوضوء على الشاك بما إذا شك قبل الدخول في الصلاة، أما بعد الدخول فيها فلا يقطع إلا بيقين؛ وهي رواية عن مالك، وقد دل على هذا حديث عبد الله بن زيد ﵁ قال: شكي إلى النبي ﷺ الرجل يجد في الصلاة شيئا أيقطع الصلاة؟ قال: «لا حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» وقال ابن أبي حفصة، عن الزهري: «لا وضوء إلا فيما وجدت الريح أو سمعت الصوت» (١) قال النووي (٢): وأما إن تيقن الحدث، وشك في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين اه.
• مسألة من ترك فرضا أو سنة من الوضوء:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن ذكر من وضوئه شيئا مما هو فريضة منه، فإن كان بالقرب أعاد ذلك وما يليه، وإن تطاول ذلك أعاده فقط.
وإن تعمد ذلك أبتدأ الوضوء وإن طال ذلك، وإن كان قد صلى في جميع ذلك أعاد صلاته أبدا ووضوءه، وإن ذكر مثل المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين فإن كان قريبا فعل ذلك، ولم يعد ما بعده، وإن تطاول فعل ذلك لما يستقبل ولم يعد ما صلى قبل أن يفعل ذلك).
الشرح
• حكم من ترك شيئا من فرائض الوضوء، أو من سننه:
انتقل يتكلم على حكم من ترك شيئا من فرائض الوضوء، أو من سننه، والأول على أربعة أقسام:
لأنه إما: أن يتركه عمدا، أو نسيانا.
стр. 471
وكل منهما: إما أن يذكر بالقرب أو بعد الطول.
والثاني كذلك فالأقسام ثمانية أشار إلى الأول بقوله:
(وإن ذكر من وضوئه شيئا مما هو فريضة منه) مغسولا كان كالوجه، أو ممسوحا وهو الرأس؛ (فإن كان ذكره له بالقرب أعاد ذلك)؛ أي: فعل ذلك المتروك بنية إتمام الوضوء وجوبا (١)، لأن الفرض لا يسقط بالنسيان، لحديث عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على ظهر قدمه فأبصره النبي ﷺ فقال: «ارجع فأحسن وضوءك» فرجع فتوضأ ثم صلى (٢) ولاتفاق المذاهب الأربعة على بطلان صلاة من صلى وقد ترك غسل عضو أو لمعة من فرائض الوضوء (٣)، ولا بد أن ينوي إتمام الوضوء على المشهور، وإلا لم يجزه كما صرح به التتائي (٤).
(و) إذا فرغ من فعل المتروك أعاد (ما يليه)؛ يعني: ما بعده إلى آخر الوضوء استحبابا لأجل الترتيب، كذا في بعض الشروح، وفي بعضها استنانا (٥).
واختلف في حد القرب، فعن ابن القاسم وهو راجع للعرف في كل ما لم يرد عن الشارع فيه تحديد، وقيل: حده ما لم تجف الأعضاء في الزمان المعتدل والعضو المعتدل والمكان المعتدل وهو المشهور (٦)، والظاهر كما قاله بعضهم: إن المعتبر جفاف الغسلة الأخيرة من العضو الأخير.
والقسم الثاني: أشار إليه بقوله: (وإن تطاول ذلك)؛ يعني: ذكر المنسي
стр. 472
بأن لم يتذكره إلا بعد جفاف المغسول آخرا (أعاده فقط)؛ يعني: فعله؛ أي: ثلاثا بنية على الفور من زمن التذكر، بناء على أن الفور واجب مع الذكر والقدرة ساقط مع العجز والنسيان، أما وجوبه مع الذكر والقدرة فتقدم دليله في الطهارة وأما سقوطه مع النسيان فلأن الأصل فيه أنه معفو عنه إلى أن يقوم الدليل على غير ذلك لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» (١)، فلو تأخر عن زمن التذكر حتى طال فسد وضوءه، ولو كان ناسيا لأنه لا يعذر بالنسيان الثاني على المعتمد، وهو المشهور.
والقسم الثالث: أشار إليه بقوله: (وإن تعمد ذلك)؛ أي: تعمد ترك شيء من فرائض وضوئه (ابتدأ الوضوء وجوبا إن طال ذلك)؛ أي: ترك الغسل في العضو المغسول والمسح في العضو الممسوح، وهذا مبني على أن الفور واجب وهو الإتيان بالوضوء في زمن واحد من غير تفريق متفاحش مع الذكر والقدرة وهو المشهور، وقيل الفور سنة (٢).
ومفهوم كلامه وهو القسم الرابع: أنه إن تعمد ترك ذلك ولم يطل أعاده وما بعده لأجل الترتيب، فالعمد والنسيان لا فرق بينهما في القرب، ويفترقان في الطول، فالناسي يبني وإن طال بخلاف العامد فإنه لو طال ابتدأ الوضوء، ومثله العاجز في بعض صوره وهي أن يعد من الماء ما يظن أنه يكفيه فيغصب منه أو يراق، أو يتبين عدم كفايته، فهو في هذه الحال كالعامد يبني ما لم يطل لأن عنده نوع تقصير بعدم احتياطه بتكثير الماء.
стр. 473
وأما إن أعد من الماء ما يقطع بكفايته فأريق منه مثلا فهو كالناسي، ومثله المكره بمطلق مؤلم من ضرب أو غيره.
• حكم من صلى بوضوء نقص منه فريضة:
(وإن كان) الذي ترك شيئا مما هو فريضة من وضوئه (قد صلى) بهذا الوضوء (في جميع) صور (ذلك) العمد والنسيان والقرب والبعد (أعاد صلاته أبدا)، لأنه قد صلى بغير وضوء. وفي نسخة (ووضوءه) لكن إعادة الوضوء إنما هي في قسم واحد وهو ما إذا تركه عمدا وطال.
والقسم الخامس: أشار إليه بقوله: (وإن ذكر مثل المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين)؛ أي: مما هو سنة ولم ينب عنه غيره ولم يكن فعله موقعا في مكروه احترازا من ترك فضيلة كشفع غسله وتثليثه، فحكمه أنه لا يطالب بإعادتها أصلا (إن كان) التذكر للمنسي (قريبا فعل ذلك) المنسي فقط (ولم يعد ما بعده) على المذهب لأن الترتيب فيما بين المسنون والمفروض غير واجب.
والقسم السادس: أشار إليه بقوله: (وإن تطاول) ذكر ما نسيه من سنن وضوئه (فعل ذلك) المنسي فقط دون ما بعده (لما يستقبل) من الصلوات.
(و) إذا صلى بالوضوء الذي نسي منه سنة (لم يعد ما صلى به قبل أن يفعل ذلك) المتروك نسيانا لأنه على يقين من الطهارة، ولأن الصلاة لا تبطل بترك شيء من سنن الوضوء.
• حكم الصلاة على حصير ونحوه إذا كان فيه أو في طرفه نجاسة:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن صلى على موضع طاهر من حصير، وبموضع آخر منه نجاسة فلا شيء عليه.
والمريض إذا كان على فراش نجس فلا بأس أن يبسط عليه ثوبا طاهرا كثيفا ويصلي عليه).
стр. 474
الشرح
(ومن صلى على موضع طاهر من حصير) أو غيره (وبموضع آخر منه)
ويروى منها (نجاسة) سواء كانت رطبة أو يابسة تحركت بحركته أو لا (فلا شيء عليه)؛ أي: لا إعادة عليه على الأصح كما قال ابن الحاجب رحمه الله تعالى (١)، بخلاف العمامة يكون بطرفها المسدول على الأرض نجاسة فإن صلاته باطلة باتفاق إن تحركت النجاسة بحركته، وعلى المشهور إن لم تتحرك لأنه حامل للنجاسة بخلاف الحصير فإنه ليس حاملا للنجاسة (٢).
(والمريض إذا كان) مقيما (على فراش نجس فلا بأس أن يبسط عليه ثوبا طاهرا كثيفا ويصلي عليه) ﴿إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ ويشترط في الثوب الذي يفرش أن يكون منفصلا عن المصلي وإلا بطلت الصلاة، ويشترط فيه أيضا أن يكون كثيفا لا إن كان خفيفا يشف بحيث تبدو منه النجاسة بدون تأمل قياسا على ما قيل في ستر العورة.
وظاهر كلامه أن الصحيح لا يغتفر له ذلك وهو ظاهر المدونة، وقيل: إن ذلك عام للمريض والصحيح. وصوبه ابن يونس وإنما خص المريض بالذكر للغالب أو ليرتب عليه ما بعده.
• حكم المريض العاجز عن الطهارة والقيام في الصلاة:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
وصلاة المريض إن لم يقدر على القيام صلى جالسا إن قدر على التربع، وإلا فبقدر طاقته، وإن لم يقدر على السجود فليومي بالركوع والسجود، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، وإن لم يقدر صلى على جنبه الأيمن إيماء، وإن لم يقدر إلا على ظهره فعل ذلك، ولا يؤخر الصلاة إذا كان في عقله، وليصلها بقدر ما يطيق. وإن لم يقدر على مس الماء لضرر
стр. 475
به؛ أو لأنه لا يجد من يناوله إياه تيمم، فإن لم يجد من يناوله ترابا تيمم بالحائط إلى جانبه إن كان طينا أو عليه طين، فإن كان عليه جص أو جير فلا يتيمم به).
الشرح
قال رحمه الله تعالى: (وصلاة المريض) الصلاة المفروضة (إن لم يقدر على القيام) فيها لقراءة جميع الفاتحة لا مستقلا ولا مستندا لغير جنب أو حائض (١) بأن عجز عنه جملة أو تلحقه مشقة شديدة إذا كان مريضا؛ فإن استند إلى جنب أو حائض أعاد في الوقت (٢).
ويجب على المصلي المريض أن يقوم، ثم مستندا، ثم يجلس مستقلا، ثم مستندا، فمتى قدر على واحدة وانتقل إلى التي بعدها بطلت صلاته. وباقي الصور مستحبة وهي إن لم يقدر على القيام ولا على الجلوس فله أن يستلقي على جنبه الأيمن، ثم على ظهره مستلقيا، ثم على الأيسر (٣).
(صلى جالسا) فذا على المشهور لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾؛ ولحديث عمران بن حصين ﵁ قال كانت بي بواسير، فسألت رسول الله ﷺ عن الصلاة؟ فقال: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» (٤).
و يصح أن يكون إماما لمثله على القول المعتمد، والأفضل أن يجلس متربعا في موضع القيام (إن قدر على التربع) (٥) لينبئ جلوسه على هذا الوجه عن البدلية عن القيام.
стр. 476
وقيل: يجلس كما يجلس للتشهد، واختاره المتأخرون وعلى الأول يغير جلسته بين السجدتين كما في التشهد.
وكذا الأفضل في حق المتنفل جالسا التربع لفعله ﵊ ذلك فعن عائشة ﵂ قالت: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي متربعا» (١)، وعن حميد قال: «رأيت أنسا يصلي متربعا على فراشه» (٢).
وصفة التربع أن يجعل باطن قدمه اليمنى تحت الفخذ اليسرى وباطن اليسرى تحت اليمنى مطمئنا وكفيه على ركبتيه مفرقا أنامله كالراكع.
والحديث دليل على كيفية قعود العليل إذا صلى من قعود إذ الحديث وارد في ذلك وهو في صفة صلاته ﷺ لما سقط عن فرسه فانفكت قدمه فصلى متربعا (٣).
(وإلا)؛ أي: وإن لم يقدر المريض الذي فرضه الجلوس على التربع (ف) إنه يجلس (بقدر طاقته) من الجلوس والترتيب بينه وبين التربع مندوب لا واجب (وإن لم يقدر) المريض الذي فرضه الجلوس (على) الركوع و (السجود) أيضا بأن عجز عنه جملة أو تلحقه المشقة الشديدة (فليومئ بالركوع والسجود) برأسه وظهره؛ أي: لا بد من الإيماء بهما، فإن لم يقدر بظهره أومأ برأسه؛ أي: إن لم يقدر على الإيماء بهما أومأ برأسه، فإن لم يقدر برأسه ويلزم منه عدم القدرة بظهره أومأ بما يستطيع ويضع يديه على ركبتيه إذا أومأ للركوع وإذا رفع رفعهما عنهما، وإذا أومأ للسجود وضع يديه على الأرض وهو قول اللخمي (٤)، وإذا رفع منه وضعهما على ركبتيه.
стр. 477
(ويكون سجوده أخفض من ركوعه) استحبابا، وقال بعضهم وجوبا وهو المفهوم من كلام المصنف والمدونة. ومفهوم أيضا من بعض شراح خليل إذا علمت ذلك، فالحكم بالاستحباب ضعيف، ويكره للمومئ أن يرفع شيئا يسجد عليه (١)، حكى ذلك اللخمي اتفاقا، فإن فعل ذلك لم يعد صلاته سواء فعل ذلك عمدا أو جهلا (٢). وهذا إذا نوى بإيمائه الأرض فإن نوى به ما رفع دون الأرض لم يجزه كما قاله اللخمي.
(وإن لم يقدر) المريض أن يصلي جالسا استقلالا ولا مستندا ولا متربعا ولا غير متربع (صلى على جنبه الأيمن إيماء) ويجعل وجهه إلى القبلة كما يوضع في لحده، فإن لم يقدر على جنبه الأيمن فعلى جنبه الأيسر ووجهه للقبلة أيضا (وإن لم يقدر أن يصلي (إلا) مستلقيا على ظهره فعل ذلك)؛ أي: صلى مستلقيا على ظهره إيماء ورجلاه إلى القبلة، فإن عجز عن الصلاة مستلقيا على ظهره صلى مضطجعا على بطنه ووجهه إلى القبلة ورجلاه إلى دبرها فعن عمران بن حصين (٣) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صل قائما فإن لم تستطع»؛ أي: الصلاة قائما «فقاعدا فإن لم تستطع»؛ أي: وإن لم تستطع الصلاة قاعدا (فعلى جنب وإلا)؛ أي: وإن لم تستطع الصلاة على جنب (فأوم) والحديث كما مر معنا مرارا أخرجه البخاري دون قوله: «وإلا فأوم» والنسائي وزاد: «فإن لم تستطع فمستلق لا يكلف الله نفسا إلا وسعها» (٤)؛ وورد في حديث جابر ذكر الإيماء «إن استطعت وإلا فأوم إيماء واجعل سجودك أخفض من ركوعك» (٥).
وفي قوله في حديث الطبراني في «الأوسط»: «فإن نالته مشقة فجالسا
стр. 478
فإن نالته مشقة فنائما» (١)؛ أي: مضطجعا، وفيه حجة على من قال إن العاجز عن القعود تسقط عنه الصلاة، وهو يدل على أن من نالته مشقة ولو بالتألم يبح له الصلاة من قعود وفيه خلاف.
وحكم الاستقبال في تلك الحالات الوجوب مع القدرة فلو صلى لغيرها مع القدرة بطلت، والقدرة تكون بوجود من يحوله فلو وجد من يحوله بعد الصلاة يندب له الإعادة في الوقت.
واعلم أن الترتيب بين القيام استقلالا واستنادا واجب، وبين القيام استنادا مع الجلوس استقلالا مندوب، وبين الجلوسين واجب كالترتيب بين الجلوس مستندا والاضطجاع بحالتيه والظهر.
وحكم الترتيب في هذه الأحوال الثلاثة الندب وبينها وبين الاضطجاع على البطن الوجوب، والمصلي من اضطجاع يومئ أيضا، وكيفيته أنه يومئ برأسه فإن عجز عن الإيماء برأسه أومأ بعينه وحاجبه، فإن لم يستطع فبأصبعه والظاهر كما قال الأجهوري: إن ترتيب الإيماء بهذه الثلاثة واجب، وقد تقدمت لك مراتبه.
(ولا يؤخر) المكلف؛ بمعنى: لا يترك (الصلاة إذا كان في عقله وليصلها بقدر ما يطيق) من قيام وجلوس وإيماء واضطجاع، ويصلي المريض بقدر ما يستطيع؛ أي: ولو بنية أفعالها إن كان لا يقدر على الإيماء بطرف أو غيره فعن جابر ﵁ قال: عاد النبي ﷺ مريضا فرآه يصلي على وسادة، فرمى بها - وقال: «صل على الأرض إن استطعت، وإلا فأوم إيماء، واجعل سجودك أخفض من ركوعك» (٢).
والحديث دليل على أنه لا يتخذ المريض ما يسجد عليه حيث تعذر
стр. 479
سجوده على الأرض، وقد أرشده إلى أنه يفصل بين ركوعه وسجوده ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن تعذر عليه القيام والركوع فإنه يومئ من قعود لهما جاعلا الإيماء بالسجود أخفض من الركوع، أو لم يتعذر عليه القيام فإنه يومئ للركوع من قيام ثم يقعد ويومئ للسجود من قعود.
• كيفية صلاة من انهدم عليهم البيت ونحوه:
«سئل مالك عن الذين ينهدم عليهم البيت فلا يقدرون على الصلاة حتى يذهب النهار كله ثم يخرجون (قال): أرى أن يقضوا ما فاتهم من الصلاة لأن مع هؤلاء عقولهم وإن ذهب الوقت» (١)، وفي هذا نص خلاف من قالوا لا نص في المسألة والله أعلم (٢).
ثم بين المصنف رحمه الله تعالى بعض ما يفعله العاجز عن استعمال الماء بعدما ذكر عجزه عن القيام في الصلاة، وإن كان الأولى الاقتصار على هذه المسائل ونحوها في باب التيمم، ولكن كما تقدم مرارا، فقد تعن للمصنف الحاجة للتذكير ببعض المسائل المجاورتها ما يشبهها أو يتعلق بها فقال:
(وإن لم يقدر) المخاطب بأداء الصلاة (على مس الماء لضرر به، أو لأنه لا يجد)؛ أي: المريض (من يناوله إياه)؛ أي: الماء (تيمم)؛ أي: ففرضه التيمم، لما مر من الأدلة في باب التيمم (فإن لم يجد) المريض (من يناوله ترابا تيمم بالحائط إلى جانبه إن كان طينا)؛ أي: بني بالطين (أو) بني بغير طين ولكن ركب عليه طين وفهم من كلامه أنه يتيمم بالتراب المنقول أي حيث قال:
فإن لم يجد من يناوله ترابا، وجاء في العتبية كما في «البيان»: وقال مالك في النفساء التي تمرض فلا تستطيع الغسل: إنها تتيمم، والتيمم لها
стр. 480
جائز؛ قال: ولا بأس أن يرفع إليها التراب في طبق على سرير.
قال وقال ابن القاسم في الرجل يكون في محمله لموضع ليس فيه ماء، وهو يحتاج إلى التيمم، ويريد أن يتنفل على محمله؛ فقال: يسأل من يناوله ترابا فيتيمم على محمله (١) وفهم منه أيضا أنه لا يتيمم بالحائط إلا مع عدم التراب، وهو خلاف المذهب.
والمذهب جواز التيمم بالحائط مع وجود التراب، لكن يندب له أن لا يتيمم به إلا مع عدم التراب. قال صاحب «المختصر»: «كتراب وهو الأفضل».
والحاصل: أنه يجوز التيمم على الحائط اللبن، والحائط الحجر للمريض والصحيح، ولو مع وجود التراب حيث لم يكن به حائل يمنع من مباشرته (فإن كان عليه)؛ أي: الحائط التي بجنبه (جص أو جير فلا يتيمم به)؛ أي: عليه لدخول الصنعة في ذلك (٢). وقوله: جير صوابه جيار. ذكره الزبيدي بفتح الزاي في لحن العوام.
• حكم صلاة المسافر على راحلته:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والمسافر يأخذه الوقت في طين خضخاض لا يجد أين يصلي فلينزل عن دابته، ويصلي فيه قائما يومن بالسجود أخفض من الركوع فإن لم يقدر أن ينزل فيه صلى على دابته إلى القبلة.
وللمسافر أن يتنفل على دابته في سفره حيثما توجهت به إن كان سفرا تقصر فيه الصلاة، وليوتر على دابته إن شاء.
ولا يصلي الفريضة وإن كان مريضا إلا بالأرض إلا أن يكون إن نزل صلى جالسا إيماء لمرضه فليصل على الدابة بعد أن توقف له ويستقبل بها القبلة).
стр. 481
الشرح
• حكم صلاة الفريضة على المركوب:
(والمسافر) الراكب (يأخذه)؛ أي: يضيق عليه (الوقت) المختار حالة كونه سائرا. كذا في بعض «شراح خليل» (١) و «شرح التتائي» أيضا (٢). والأحسن الوقت الذي فيه اختياريا أو ضروريا (في طين خضخاض) وهو الطين الرقيق، وييأس أن يخرج منه في الوقت الذي هو فيه اختياريا أو ضروريا وهو يستطيع النزول به ولكنه (لا يجد أين يصلي) لأجل تلطخ ثيابه أو لأجل الغرق بالطريق الأولى فلينزل عن دابته ويصلي فيه قائما يومئ بالركوع والسجود؛ أي: للركوع إلخ، بحسب طاقته ويكون إيماؤه بالسجود أخفض من الركوع وإذا أومأ للركوع وضع يديه على ركبتيه وإذا رفع رفعهما عنهما، وإذا أومأ للسجود أومأ بيديه إلى الأرض وينوي الجلوس بين السجدتين قائما.
وكذلك جلوس التشهد إنما يكون قائما؛ أي: يفرق بين القيام والجلوس بالنية. واحترز بالخضخاض عن اليابس فإنه ينزل ويصلي فيه بالركوع والسجود والجلوس، فأما من غلب على ظنه أنه يخرج منه قبل خروج الوقت فإنه يؤخر إلى آخر الوقت فإن لم يقدر أن ينزل فيه؛ أي: إن محل كونه ينزل عن دابته ويصلي إيماء إن أمكن أن ينزل في الخضخاض، فإن لم يمكن أن ينزل فيه لخوف الغرق (صلى على دابته إلى القبلة) روى ابن القاسم عن مالك إجازة الصلاة على المحمل إذا لم يقدر على السجود، ولا على الجلوس بالأرض. وقال ابن عبد الحكم: يجوز إذا لم يقدر على السجود، وإن قدر على الجلوس اه (٣).
والأصل في ذلك حديث عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة عن أبيه عن
стр. 482
جده ﵁: «أن رسول الله ﷺ انتهى إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن، فأذن وأقام، ثم تقدم رسول الله ﷺ على راحلته، فصلى بهم يؤمئ إيماء، يجعل السجود أخفض من الركوع، أو يجعل سجوده أخفض من ركوعه» (١).
قال الترمذي: وكذا روي عن أنس بن مالك أنه صلى في ماء وطين على دابته، والعمل على هذا عند أهل العلم وبه يقول أحمد وإسحاق انتهى. وقد ذكرت في أصل هذا الكتاب حكم الصلاة في الطائرة، وما دار بين شيخنا العلامة محمد سالم ولد عدود والشيخ محمد نافع بن حبيب وحكم ذلك فراجعه فإنه في غاية الأهمية (٢).
• جواز صلاة النافلة على المركوب:
• قال المصنف ﵀:
(و) يجوز (للمسافر أن يتنفل على دابته في سفره حيثما توجهت به) دابته، وسواء أحرم إلى القبلة في أول الأمر أم لا على حسب ظاهر الرسالة، خلافا لما نص عليه ابن حبيب من أنه يوجه الدابة إلى القبلة أولا ثم يحرم ثم يصلي حيثما توجهت ومذهب مالك جواز ذلك ليلا ونهارا.
واحترز بالمسافر عن الحاضر فإنه لا يتنفل على الدابة، وكذلك الماشي لا يتنفل في سفره ماشيا؛ والأصل فيما ذكر ما صح عنه ﷺ : فعن نافع عن ابن عمر ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به يؤمن إيماء صلاة الليل إلا الفرائض ويوتر على راحلته» (٣).
стр. 483
والراحلة هي الناقة التي تصلح لأن ترحل (إن كان سفرا تقصر فيه الصلاة)؛ أي: إن شرط جواز تنفل المسافر على الدابة حيثما توجهت أن يكون سفره سفرا تقصر فيه الصلاة فلو كان دون مسافة القصر أو سفر معصية فلا، قال ابن بطال رحمه الله تعالى: واختلفوا في الصلاة على الدابة في السفر الذي لا تقصر في مثله الصلاة، فقال الفقهاء الذين تقدم ذكرهم - وهم: علي، وابن الزبير، وأبو ذر، وابن عمر، وأنس، وبه قال طاووس، وعطاء، والثوري، والكوفيون، والليث، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور: - يصلى في قصير السفر وطويله، غير مالك فإنه قال: لا يصلي أحد على دابته في سفر لا تقصر في مثله الصلاة. والحجة له أن الخبر إنما ورد عن رسول الله ﷺ أنه كان يصلي على راحلته في سفره إلى خيبر، وجائز قصر الصلاة من المدينة إلى خيبر، ولم ينقل عنه أنه ﷺ صلى على دابته إلا في سفر تقصر الصلاة فيه، كذلك رواه مالك عن عمرو بن يحيى، عن سعيد بن يسار، عن ابن عمر، قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي على حمار، وهو متوجه إلى خيبر». اه (١).
(وليوتر) المسافر (على دابته إن شاء) بالشرط المتقدم وإن شاء أوتر على الأرض وهو الأفضل (ولا يصلي)؛ أي: المسافر (الفريضة وإن كان مريضا إلا بالأرض) دليله الحديث المتقدم (إلا أن يكون إن نزل) عن دابته (صلى جالسا إيماء) بالركوع والسجود (ل) أجل مرضه فليصل الفريضة على الدابة بعد أن توقف له ويستقبل بها القبلة وظاهره الجواز من غير كراهة. والذي في المدونة: الكراهة وقيدت بما إذا صلى حيثما توجهت به راحلته، وأما إذا أوقفت له واستقبل وصلى فلا كراهة. وهذا التقييد نقله الفاكهاني عن الشيخ ثم قال: فالذي في الرسالة تقييد لما في المدونة (٢).
стр. 484
• حكم الرعاف في الصلاة وشروط البناء:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن رعف مع الإمام خرج فغسل الدم، ثم بنى ما لم يتكلم أو يمش على نجاسة، ولا يبني على ركعة لم تتم بسجدتيها وليلغها، ولا ينصرف لدم خفيف وليفتله بأصابعه إلا أن يسيل أو يقطر،
ولا يبني في قيء ولا حدث،
ومن رعف بعد سلام الإمام سلم وانصرف،
وإن رعف قبل سلامه انصرف وغسل الدم، ثم رجع فجلس وسلم، وللراعف أن يبني في منزله إذا يئس أن يدرك بقية صلاة الإمام إلا في الجمعة فلا يبني إلا في الجامع.
ويغسل قليل الدم من الثوب ولا تعاد الصلاة: إلا من كثيره،
وقليل كل نجاسة غيره وكثيرها سواء،
ودم البراغيث ليس عليه غسله إلا أن يتفاحش).
الشرح
(ومن رعف) بفتح العين في الماضي وضمها وفتحها في المستقبل، والرعاف هو خروج الدم من الأنف، والمعنى أن من خرج من أنفه دم حالة كونه في الصلاة (مع الإمام خرج فغسل الدم)؛ أي: يخرج لغسل الدم الذي خرج من أنفه، ممسكا لأنفه من أعلاه، ولم يتلطخ به، ولم يظن دوامه لآخر الوقت المختار (١).
(ثم) بعد أن يفرغ من غسل الدم (بنى)؛ بمعنى: يبني، لأن الفقيه إنما يتكلم على أحكام مستقبلية ولا يقطع الصلاة على المشهور. وقال ابن القاسم: الأفضل القطع، قلت: ولعله الصواب والله أعلم. قال زروق: وهو أولى بالعامي (أي: القطع) ومن لا يحسن التصرف في العلم لجهله. وسند
стр. 485
المشهور عمل جمهور الصحابة والتابعين روى مالك في «الموطأ» (١) عن نافع أن عبد الله بن عمر ﵄ «كان إذا رعف، انصرف فتوضأ، ثم رجع فبنى ولم يتكلم». وعنه أيضا أنه بلغه: «أن عبد الله بن عباس، كان يرعف فيخرج فيغسل الدم عنه، ثم يرجع فيبني على ما قد صلى».
قال ابن العربي: «ولضعف المسألة استحب مالك للراعف أن يقطع الصلاة بكلام ولا يبني، وعلى ضعفها قد أكثرت المالكية التفريع فيها وليست عندي من المسائل التي يعول عليها فإنه ليس فيها نص ولا نظير». اه (٢)
وحيث قلنا بالبناء فله ستة شروط:
أشار إلى اثنين منها بقوله: (ما لم يتكلم أو يمش على نجاسة) أما الأول: فظاهره البطلان إن تكلم مطلقا عمدا أو جهلا أو نسيانا، روى ابن المنذر في «الأوسط»: عن علي ﵁ أنه قال: من وجد رزا في بطنه (٣)، أو رعافا، أو قيئا، فلينصرف وليتوضأ فإن تكلم استقبل، وإن لم يتكلم بنى على ما مضى من صلاته (٤).
وأما الثاني: فظاهره البطلان إن مشى على نجاسة مطلقا سواء كانت النجاسة رطبة أو يابسة لآدمي، أما إذا كانت رطبة فمتفق على البطلان؛ وأما إن كانت يابسة كالقشب فكذلك عند سحنون (٥).
الشرط الثالث: أن لا يتجاوز ماء قريبا إلى آخر، ولا بد أن يكون الماء القريب قريبا في نفسه لا قريبا بالنسبة إلى ما هو أبعد منه، بمعنى الماء الذي على باب المسجد هو المراد لا أن يكون موضعان أحدهما يبعد مائة متر والآخر كيلومترا.
стр. 486
الرابع: أن لا يستدبر القبلة لغير طلب الماء، وأما لطلب الماء فلا بطلان، فعن إبراهيم النخعي قال: «أحب إلي في الرعاف إذا استدبر القبلة أن يستقبل» (١).
الخامس: أن يقطر الدم أو يسيل ولا يتلطخ به، أما إن رشح فقط من غير أن يسيل أو يقطر فلا يخرج لغسله، وعليه أن يفتله بأصابعه.
السادس: أن يكون الراعف في جماعة إماما كان أو مأموما، أما الفذ ففي بنائه قولان مشهوران منشؤهما: هل رخصة البناء لحرمة الصلاة وهي المنع من إبطالها، أو لتحصيل فضل الجماعة؟ فيبني على الأول دون الثاني.
فإذا استكملت الشروط (و) بنى ف (لا يبني على ركعة)؛ يعني: لا يعتد بركعة لم تتم بسجدتيها وإنما يعتد بركعة تمت بسجدتيها على ما نقل عن ابن القاسم لأن النبي ﷺ قال: ﴿من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة﴾ (٢)، وعليه ما كان أقل فلا يسمى إدراكا للصلاة لفواتها، (وليلغها) تكرار زيادة في البيان وهذا الذي تقدم إذا كان الدم كثيرا يدل عليه قوله: (ولا ينصرف ل) غسل (دم خفيف وليفتله بأصابعه)؛ يعني: برؤوس أصابع يده اليسرى «لقول عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، أنه قال: رأيت سعيد بن المسيب يرعف، فيخرج منه الدم حتى تختضب أصابعه من الدم الذي يخرج من أنفه، ثم يصلي ولا يتوضأ» (٣).
وعن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال لأصحابه: ما تقولون في رجل رعف فلم ينقطع عنه الدم؟ فسكت القوم، قال سعيد: يومئ إيماء (٤).
وصفة الفتل أن يلقاه أولا برأس الخنصر ويفتله برأس الإبهام ثم بعد
стр. 487
الخنصر البنصر ثم الوسطى ثم السبابة، وانظر قول المصنف (إلا أن يسيل أو يقطر) هل أراد ابتداء فيكون تقدير كلامه وليفتله بأصابعه إلا أن يسيل أو يقطر، فلا يبتدئ فتله ولينصرف إلى الماء، وإنما أراد إذا سال أو قطر بعد أن فتله فيكون تقدير الكلام أنه يفتله بأصبعه إلا أن يغلب عليه بالسيل أو القطر فلا يفتله، وهذا هو المناسب.
• وخلاصة المسألة أن للراعف ثلاثة أحوال:
١ - لا يسيل، ولا يقطر، فلا يجوز له أن يخرج ويفتله بأنامله.
٢ - أن يسيل، أو يقطر، ويتلطخ به، فلا يجوز له التمادي.
٣ - أن يسيل، أو يقطر، ولا يتلطخ به، فيجوز له القطع والتمادي، وهل البناء لعمل الصحابة؟ أو القطع لحصول المنافي؟ حكى ابن رشد الأول عن مالك، والثاني عن ابن القاسم (١).
• وشروط الباني:
١ - أن لا يجد الماء في موضع فيجاوزه إلى غيره.
٢ - أن لا يطأ على نجاسة رطبة، أما اليابسة فذكروا فيها اختلافا.
٣ - أن لا يسقط من الدم على ثوبه أو جسده ما لا يغتفر لكثرته.
٤ - أن لا يتكلم جاهلا أو عامدا، أما الناسي فقد اختلف فيه.
هل حكم القيء في الصلاة ملحق بالرعاف؟:
ولما كان البناء للرعاف تعبديا لا يقاس عليه وخشي أن يتوهم القياس عليه رفع ذلك التوهم بقوله (ولا يبني ويروى ولا يبن، فعلى الأولى لا نافية، وعلى الثانية ناهية والفعل مجزوم بحذف الياء في قيء) مطلقا عمدا أو سهوا؛ أي: قيء متنجس خرج منه حال صلاته ولو قليلا ومثله الطاهر الكثير،
стр. 488
قال يحيى (١): وسئل مالك هل في القيء وضوء؟ قال: «لا، ولكن ليتمضمض من ذلك، وليغسل فاه، وليس عليه وضوء».
• والحاصل أن الصلاة لا تبطل بالطاهر بشرط:
١ - كونه يسيرا.
٢ - وخرج غلبة.
فإذا كان نجسا ولو يسيرا، أو طاهرا كثيرا، أو تعمد إخراجه بطلت صلاته. وكذا لو تعمد ابتلاعه، والموضوع أنه خرج غلبة، وأما لو ابتلعه غلبة في ذلك الموضوع ففي بطلان صلاته قولان متساويان لا أرجحية لأحدهما على الآخر وأما سهوا فلا.
• هل يجوز البناء في الحدث:
(ولا) يبني أيضا في (حدث) ولا غيرهما على المشهور ومقابله ما لأشهب من أنه يبني في الحدث وهو مروي عن سعيد بن جبير والشعبي أنهما قالا: «في الحدث والرعاف ينصرف فيتوضأ فإن تكلم استأنف الصلاة وإن لم يتكلم بنى على صلاته» (٢).
ويبني أيضا من رأى في ثوبه أو جسده نجاسة، أو أصابه ذلك وهو في الصلاة، وسند القول المشهور أن الأصل عند البناء في الجميع فجاءت الرخصة في الرعاف وبقي ما سواه على الأصل.
• انصراف الراعف قبل سلام الإمام أو بعده:
(ومن رعف بعد سلام الإمام سلم، وانصرف) وإنما أبيح له السلام وهو حامل النجاسة لأنه أخف من ذهابه إلى الماء، (وإن رعف قبل سلامه)؛ أي:
стр. 489
قبل سلام الإمام (انصرف إلى الماء وغسل الدم)، لأنه إن لم يخرج فقد تعمد حمل النجاسة في صلاته وقد بقي بعضها (ثم رجع) ليسلم (فجلس) وأعاد التشهد إن كان قد تشهد على المشهور، فإن لم يكن تشهد، تشهد من غير خلاف (وسلم) وظاهر كلامه أنه يخرج لغسل الدم ولو كان سلام الإمام عقيب رعافه، وليس كذلك بل إن كان سلام الإمام قريبا من رعافه فإنه يسلم، وينصرف، وتجزئه صلاته كالمسألة التي قبلها لأنه لم يبق عليه شيء من فعل الصلاة يحتاج معه إلى البناء عليه.
• المكان الذي يتم فيه الراعف صلاته:
ثم انتقل يبين أين يتم الراعف صلاته بعد غسل الدم بالشروط المتقدمة فقال: (وللراعف) إذا كان في جماعة (أن يبني في منزله)؛ أي: في مكانه الذي غسل فيه الدم إن أمكنه أو في أقرب الأماكن التي يمكنه فيها الصلاة (إذا يئس أن يدرك بقية صلاة الإمام) المراد باليأس هنا غلبة الظن.
قال ابن ناجي: ظاهر كلامه أنه إذا طمع أن يدرك شيئا من صلاة الإمام ولو السلام فإنه يرجع إليه، وهو كذلك على ظاهر المدونة وغيرها (١)، وإنما لزم الرجوع مع الشك لأن الأصل لزوم متابعته للإمام فلا يخرج منها إلا بعلم أو ظن. وما تقدم من أن للراعف أن يبني في أي مكان يمكنه الصلاة فيه عام في كل صلاة جماعة (إلا في) صلاة (الجمعة) إذا أدرك مع الإمام ركعة بسجدتيها، وكذلك يجب الرجوع على من ظن إدراك ركعة مع الإمام بعد رجوعه وإن لم يدرك معه ركعة قبل الرعاف، وأما إذا لم يدرك ركعة قبل الرعاف ولا ظن إدراك ركعة بعد رجوعه مع الإمام فإنه لا يرجع بل يقطع ويبتدئ ظهرا بإحرام ولو بنى على إحرامه وصلى أربعا فالظاهر الصحة كما قال الحطاب (٢)، ومحل ابتدائها ظهرا حيث لم يتمكن من صلاة الجمعة وإلا فلا
стр. 490
بأن كان البلد مصرا تتعدد فيه الجمعة (ف) إنه (لا يبني) فيها (إلا في الجامع)؛ أي: الذي ابتدأها فيه. ولو ظن فراغ إمامه لأن الجامع شرط في صحة الجمعة ولا يتمها برحابه، ولو كان ابتدأها به لضيق أو اتصال صفوف كما استظهره الحطاب.
وقال ابن عبد السلام: يصح إتمامها في الرحاب، وظاهر قوله لا يبني إلا في الجامع سواء حال بينه وبين عوده إليه حائل أم لا، وهو المشهور، وعليه فإن حال بينه وبين الجامع الذي ابتدأها فيه حائل قبل إتمام صلاته بطلت جمعته.
• حكم اليسير من النجاسات:
لما تكلم على الرعاف شرع يتكلم على مسألة تقدمت في باب الطهارة لمناسبة تلك المسألة لذلك المقام من حيث الحكم على الغسل المذكور بالاستحباب الذي هو المعتمد إذ هو يؤذن بأن هذا الدم معفو عنه فقال: (ويغسل قليل الدم من الثوب)؛ يعني: والجسد والبقعة.
قال العيني في شرح البخاري: قال ابن بطال حديث أسماء أصل عند العلماء في غسل النجاسات من الثياب، والحجة في أن اليسير من دم الحيض كالكثير قوله ﷺ لأسماء ﵂: «حتيه ثم اقرصيه» (١)، حيث لم يفرق بين قليله وكثيره، ولا سألها عن مقداره، ولم يحد فيه مقدار الدرهم ولا دونه (٢).
ولا تعاد الصلاة إلا من كثيره، لأن النبي ﷺ لم يعد الصلاة من قليله ومما استدلوا به حديث عائشة قالت: كنت مع رسول الله ﷺ وفيه: فلما أصبح رسول الله ﷺ أخذ الكساء فلبسه ثم خرج فصلى فيه الغداة ثم جلس فقال رجل: يا رسول الله هذه لمعة من دم في الكساء، فقبض رسول الله ﷺ عليها مع ما يليها وأرسلها إلي مصرورة في يد الغلام فقال: «اغسلي هذه
стр. 491
وأجفيها ثم أرسلي بها إلي»، فدعوت بقصعتي فغسلتها ثم أجفيتها ثم أخرجتها فجاء رسول الله ﷺ وهو عليه (١).
وفي حده وحد اليسير مشهور الخلاف فقيل الكثرة معتبرة بالعرف، وقيل لا وهو المشهور؛ أي: إن المشهور اعتبار الكثير بالدرهم البغلي فيما كانت مساحته قدر مساحة الدرهم البغلي؛ أي: الذي في ذراع البغل فهو كثير، وإليه أشار مالك في العتبية، وقال ابن سابق: اليسير ما دون الدرهم والكثير ما فوقه. اه.
وقول المصنف: ولا تعاد … إلخ؛ يعني: في الوقت إذا صلى به ناسيا، وإن صلى به عامدا أعاد أبدا على قول ابن القاسم.
فيفيد هذا أن ابن القاسم يقول: بأن إزالة النجاسة واجبة والدم من أفرادها، وهذا يخالف ما نقله «صاحب البيان» (٢) أن المشهور من رواية ابن القاسم عن مالك: أن رفع النجاسة سنة.
• النجاسات غير الدم وما يعفى منه وما لا:
لما كان غير الدم من النجاسات مخالفا له في الحكم من حيث التفرقة بين القليل فيعفى عنه والكثير لا عفو فيه، وخشي أن يتوهم أن غيره كذلك دفع هذا بقوله:
(وقليل كل نجاسة) من (غيره)؛ أي: الدم (وكثيره سواء) في وجوب الإزالة على القول بوجوب إزالة النجاسة وإعادة الصلاة أبدا إذا صلى متلبسا بالنجاسة عامدا، في الوقت إذا صلى ناسيا أو عاجزا، والفرق بين الدم وغيره من النجاسات أن الدم لا يكاد يتحفظ منه، ولأن بدن الإنسان كالقربة المملوءة بخلاف سائر النجاسات فإنه يمكن أن يتحرز منها في الغالب، واستدل القائلون بتطهير الثوب من النجاسات بحديث عمار ﵁ مرفوعا بلفظ: «إنما
стр. 492
تغسل الثوب من: الغائط، والبول، والمذي، والمني، والدم، والقيء» (١) وحديث الفرك لعائشة ﵂ أصح منه وقد تقدم قريبا.
• حكم دم البراغيث:
(ودم البراغيث ليس عليه غسله)، لأن في غسله كبير مشقة وزيادة كلفة، إذ لا يكاد يفارق الإنسان مع أن يسير الدم معفو عنه، روى عبد الرزاق (٢) عن معمر عن قتادة عن الحسن قال: «لم يكن يرى بدم البراغيث بأسا».
وكان الحسن البصري يقول: «قليله وكثيره سواء، ومذهب سائر الفقهاء بخلافه في الفرق بين كثير الدم ويسيره، ورخص في دم البراغيث عطاء، والحسن البصري، والشعبي، وطاوس» (٣).
(إلا أن يتفاحش) ويخرج عن العادة فيستحب غسله وقيل يجب. وحد التفاحش ما بلغ حدا يستحى من ظهوره بين الناس
стр. 493
باب في سجود القرآن
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
وسجود القرآن إحدى عشرة سجدة، وهي العزائم ليس في المفصل منها شيء.
في المص عند قوله: ﴿ويسبحونه، وله يسجدون﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وهو آخرها، فمن كان في صلاة فإذا سجدها قام فقرأ من الأنفال، أو من غيرها ما تيسر عليه، ثم ركع وسجد.
وفي الرعد عند قوله ﴿وظلالهم بالغدو والآصال﴾ [الرعد: ١٥].
وفي النحل: ﴿يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [النحل: ٥٠] وفي بني إسرائيل: ﴿ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا﴾ [الإسراء: ١٠٩]، وفي مريم: ﴿إذا تتلى عليهم آيت الرحمن خروا سجدا وبكيا﴾ [مريم: ٥٨]، وفي الحج أولها: ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء﴾ [الحج: ١٨] وفي الفرقان: ﴿أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا﴾ [الفرقان: ٦٠] وفي الهدهد: ﴿الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم﴾ [النمل: ٢٦] وفي ألم تنزيل: ﴿وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون﴾ [السجدة: ١٥] وفي ص: ﴿فاستغفر ربه، وخر راكعا وأناب﴾ [ص: ٢٤] وقيل عند قوله: ﴿لزلفى وحسن متاب﴾ [ص: ٢٥] وفي حم تنزيل: ﴿واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون﴾ [فصلت: ٣٧].
الشرح
جاء الباب في بعض النسخ بلفظ: (في) وفي بعضها باب سجود القرآن بحذف في وفي بعضها (وسجود القرآن) من غير ذكر باب وزيادة واو.
стр. 494
• حكم سجود التلاوة:
«وقال ابن العربي: وسجود التلاوة واجب وجوب سنة، لا يأثم من تركه عامدا (بلا إحرام وسلام)».
والقول بأنه سنة، هو قول جماهير العلماء (١)، وهو قول عمر بن الخطاب ﵁، والحجة في ذلك ما جاء عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير التيمي أنه حضر عمر بن الخطاب ﵁، فقرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس، إنا نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه. ولم يسجد عمر ﵁. وزاد نافع عن ابن عمر ﵄: «أن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء» (٢)
وظاهر كلام ابن الحاجب وغيره أنه المشهور في حق القارئ، وقاصد الاستماع لا السامع (٣).
• ويشترط في سجود المستمع ثلاثة شروط:
الأول: أن يكون القارئ صالحا للإمامة (٤)
الثاني: أن يكون المستمع جلس ليتعلم من القارئ ما يحتاج إليه في القراءة من الإدغام ونحوه أو لحفظ ذلك المقروء.
والثالث: أن لا يجلس القارئ ليسمع الناس حسن قراءته، بل جلس قاصدا تلاوة كلام الله أو قاصدا إسماع الناس لأجل أن يتعظوا فينزجروا عن المعاصي؛ وإذا وجدت هذه الشروط ولم يسجد القارئ سجد قاصد الاستماع على المشهور (٥).
стр. 495
• عدد سجدات التلاوة في المذهب:
المشهور أن سجدات القرآن (إحدى عشرة سجدة وهي العزائم) (١)؛ أي: الأوامر بمعنى المأمور بالسجود عند قراءاتها فليس المراد بالأمر حقيقته بل المراد به اسم المفعول، وهذا أحد قولي مالك رحمه الله تعالى: وهو المشهور عنه (٢)، قال في «الموطأ»: الأمر عندنا، أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصل منها شيء (٣).
وإنما سميت بالعزائم للحث على فعلها خشية تركها الذي هو مكروه و (ليس في المفصل) وهو ما كثر فيه الفصل بالبسملة، وأوله الحجرات على ما اختاره بعضهم وقيل: (ق) (منها)؛ أي: العزائم (شيء) فلا سجود في التي في النجم، والانشقاق، والعلق.
وذكر عبد الرزاق (٤) عن ابن جريج، قال: أخبرني عكرمة بن خالد، أن سعيد بن جبير أخبره أنه سمع ابن عباس وابن عمر يعدان: كم في القرآن من سجدة، فقالا: الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج - أولها، والفرقان، وطس، وألم تنزيل، وص، وحم - السجدة إحدى عشرة سجدة قالا: وليس في المفصل سجود، هذه رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس ....
وقال مالك: الأمر المجتمع عليه عندهم أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة سجدة؛ ويعني قوله المجتمع عليه؛ أي: لم يجتمع على غيرها كما اجتمع عليها عندهم هكذا تأول في قوله هذا ابن الجهم وغيره (٥).
أولها: في (المص عند قوله) تعالى: (﴿ويسبحونه وله يسجدون﴾)، وإنما