← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وأجفيها ثم أرسلي بها إلي»، فدعوت بقصعتي فغسلتها ثم أجفيتها ثم أخرجتها فجاء رسول الله ﷺ وهو عليه (١). وفي حده وحد اليسير مشهور الخلاف فقيل الكثرة معتبرة بالعرف، وقيل لا وهو المشهور؛ أي: إن المشهور اعتبار الكثير بالدرهم البغلي فيما كانت مساحته قدر مساحة الدرهم البغلي؛ أي: الذي في ذراع البغل فهو كثير، وإليه أشار مالك في العتبية، وقال ابن سابق: اليسير ما دون الدرهم والكثير ما فوقه. اه. وقول المصنف: ولا تعاد … إلخ؛ يعني: في الوقت إذا صلى به ناسيا، وإن صلى به عامدا أعاد أبدا على قول ابن القاسم. فيفيد هذا أن ابن القاسم يقول: بأن إزالة النجاسة واجبة والدم من أفرادها، وهذا يخالف ما نقله «صاحب البيان» (٢) أن المشهور من رواية ابن القاسم عن مالك: أن رفع النجاسة سنة. • النجاسات غير الدم وما يعفى منه وما لا: لما كان غير الدم من النجاسات مخالفا له في الحكم من حيث التفرقة بين القليل فيعفى عنه والكثير لا عفو فيه، وخشي أن يتوهم أن غيره كذلك دفع هذا بقوله: (وقليل كل نجاسة) من (غيره)؛ أي: الدم (وكثيره سواء) في وجوب الإزالة على القول بوجوب إزالة النجاسة وإعادة الصلاة أبدا إذا صلى متلبسا بالنجاسة عامدا، في الوقت إذا صلى ناسيا أو عاجزا، والفرق بين الدم وغيره من النجاسات أن الدم لا يكاد يتحفظ منه، ولأن بدن الإنسان كالقربة المملوءة بخلاف سائر النجاسات فإنه يمكن أن يتحرز منها في الغالب، واستدل القائلون بتطهير الثوب من النجاسات بحديث عمار ﵁ مرفوعا بلفظ: «إنما

стр. 492

تغسل الثوب من: الغائط، والبول، والمذي، والمني، والدم، والقيء» (١) وحديث الفرك لعائشة ﵂ أصح منه وقد تقدم قريبا. • حكم دم البراغيث: (ودم البراغيث ليس عليه غسله)، لأن في غسله كبير مشقة وزيادة كلفة، إذ لا يكاد يفارق الإنسان مع أن يسير الدم معفو عنه، روى عبد الرزاق (٢) عن معمر عن قتادة عن الحسن قال: «لم يكن يرى بدم البراغيث بأسا». وكان الحسن البصري يقول: «قليله وكثيره سواء، ومذهب سائر الفقهاء بخلافه في الفرق بين كثير الدم ويسيره، ورخص في دم البراغيث عطاء، والحسن البصري، والشعبي، وطاوس» (٣). (إلا أن يتفاحش) ويخرج عن العادة فيستحب غسله وقيل يجب. وحد التفاحش ما بلغ حدا يستحى من ظهوره بين الناس

стр. 493

باب في سجود القرآن • قال المصنف رحمه الله تعالى: وسجود القرآن إحدى عشرة سجدة، وهي العزائم ليس في المفصل منها شيء. في المص عند قوله: ﴿ويسبحونه، وله يسجدون﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وهو آخرها، فمن كان في صلاة فإذا سجدها قام فقرأ من الأنفال، أو من غيرها ما تيسر عليه، ثم ركع وسجد. وفي الرعد عند قوله ﴿وظلالهم بالغدو والآصال﴾ [الرعد: ١٥]. وفي النحل: ﴿يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [النحل: ٥٠] وفي بني إسرائيل: ﴿ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا﴾ [الإسراء: ١٠٩]، وفي مريم: ﴿إذا تتلى عليهم آيت الرحمن خروا سجدا وبكيا﴾ [مريم: ٥٨]، وفي الحج أولها: ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء﴾ [الحج: ١٨] وفي الفرقان: ﴿أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا﴾ [الفرقان: ٦٠] وفي الهدهد: ﴿الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم﴾ [النمل: ٢٦] وفي ألم تنزيل: ﴿وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون﴾ [السجدة: ١٥] وفي ص: ﴿فاستغفر ربه، وخر راكعا وأناب﴾ [ص: ٢٤] وقيل عند قوله: ﴿لزلفى وحسن متاب﴾ [ص: ٢٥] وفي حم تنزيل: ﴿واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون﴾ [فصلت: ٣٧]. الشرح جاء الباب في بعض النسخ بلفظ: (في) وفي بعضها باب سجود القرآن بحذف في وفي بعضها (وسجود القرآن) من غير ذكر باب وزيادة واو.

стр. 494

• حكم سجود التلاوة: «وقال ابن العربي: وسجود التلاوة واجب وجوب سنة، لا يأثم من تركه عامدا (بلا إحرام وسلام)». والقول بأنه سنة، هو قول جماهير العلماء (١)، وهو قول عمر بن الخطاب ﵁، والحجة في ذلك ما جاء عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير التيمي أنه حضر عمر بن الخطاب ﵁، فقرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس، إنا نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه. ولم يسجد عمر ﵁. وزاد نافع عن ابن عمر ﵄: «أن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء» (٢) وظاهر كلام ابن الحاجب وغيره أنه المشهور في حق القارئ، وقاصد الاستماع لا السامع (٣). • ويشترط في سجود المستمع ثلاثة شروط: الأول: أن يكون القارئ صالحا للإمامة (٤) الثاني: أن يكون المستمع جلس ليتعلم من القارئ ما يحتاج إليه في القراءة من الإدغام ونحوه أو لحفظ ذلك المقروء. والثالث: أن لا يجلس القارئ ليسمع الناس حسن قراءته، بل جلس قاصدا تلاوة كلام الله أو قاصدا إسماع الناس لأجل أن يتعظوا فينزجروا عن المعاصي؛ وإذا وجدت هذه الشروط ولم يسجد القارئ سجد قاصد الاستماع على المشهور (٥).

стр. 495

• عدد سجدات التلاوة في المذهب: المشهور أن سجدات القرآن (إحدى عشرة سجدة وهي العزائم) (١)؛ أي: الأوامر بمعنى المأمور بالسجود عند قراءاتها فليس المراد بالأمر حقيقته بل المراد به اسم المفعول، وهذا أحد قولي مالك رحمه الله تعالى: وهو المشهور عنه (٢)، قال في «الموطأ»: الأمر عندنا، أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصل منها شيء (٣). وإنما سميت بالعزائم للحث على فعلها خشية تركها الذي هو مكروه و (ليس في المفصل) وهو ما كثر فيه الفصل بالبسملة، وأوله الحجرات على ما اختاره بعضهم وقيل: (ق) (منها)؛ أي: العزائم (شيء) فلا سجود في التي في النجم، والانشقاق، والعلق. وذكر عبد الرزاق (٤) عن ابن جريج، قال: أخبرني عكرمة بن خالد، أن سعيد بن جبير أخبره أنه سمع ابن عباس وابن عمر يعدان: كم في القرآن من سجدة، فقالا: الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج - أولها، والفرقان، وطس، وألم تنزيل، وص، وحم - السجدة إحدى عشرة سجدة قالا: وليس في المفصل سجود، هذه رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس .... وقال مالك: الأمر المجتمع عليه عندهم أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة سجدة؛ ويعني قوله المجتمع عليه؛ أي: لم يجتمع على غيرها كما اجتمع عليها عندهم هكذا تأول في قوله هذا ابن الجهم وغيره (٥). أولها: في (المص عند قوله) تعالى: (﴿ويسبحونه وله يسجدون﴾)، وإنما

стр. 496

قال (وهو آخرها) وإن كان من المعلوم أنه آخرها ليرتب عليه قوله (فمن كان في صلاة) نافلة أو فريضة وقرأها (يسجدها)؛ أي: وإن كان في وقت حرمة، لأنها تبع للصلاة، ويكره عند مالك تعمد قراءة آية السجدة في الصلاة المفروضة، وهي كراهة مذهبية وليس شرعية وإنما كرهوا ذلك لئلا تختلط على المأموم صلاته، (فإذا سجد قام فقرأ على جهة الاستحباب (من) سورة الأنفال أو من غيرها ما تيسر عليه) مما يليها على نظم المصحف لما روي عن عمر ﵁: «أنه قرأ بالنجم فسجد فيها ثم قام فقرأ سورة أخرى» (١)؛ فليس المراد بالذي يليها ما كان بلصقها وإلا نافى قوله أو من غيرها، (ثم ركع وسجد) وإنما أمر بالقراءة لأن الركوع لا يكون إلا عقب القراءة أي الركوع المعتد به. (و) ثانيها: (في) سورة (الرعد عند قوله) تعالى ﴿وظلالهم بالغدو والآصال﴾ وهي مدح للساجدين. (و) ثالثها: (في) سورة (النحل) عند قوله تعالى: ﴿يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون﴾؛ أي: يسجدون خائفين وجلين من الرب ﷻ ، (ويفعلون ما يؤمرون)؛ أي: مثابرين على طاعته تعالى، وامتثال أوامره، وترك زواجره (٢). (و) رابعها: (في) سورة (بني إسرائيل)؛ أي: الإسراء، وتسمى سبحان، عند قوله تعالى: ﴿ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا﴾ وهو مدح لهم. (و) خامسها: (في) سورة (مريم) عند قوله تعالى: ﴿إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا﴾ وهو مدح لهم، وكان أحد السلف يقول إذا قرأها: اللهم هذا السجود فأين البكاء. (و) سادسها: (في) سورة (الحج) وهو المذكور (أولها) عند قوله تعالى:

стр. 497

﴿ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء﴾ فيه الذم لمن لم يسجد؛ ونبه بقوله: أولها إلى قول الشافعي وأحمد أن فيها سجدتين أولها وآخرها. وقال يحيى بن يحيى يسجد في التي بآخرها، لأنه فيها ترغيب لساجدها (١) وهي قوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ [الحج: ٧٧]. (و) سابعها: (في) سورة (الفرقان) عند قوله تعالى: ﴿أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا﴾ وفيه الدم لتاركه. (و) ثامنها: (في) سورة (الهدهد) أي: النمل عند قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم﴾ وفيها توحيد الرب جل وعلا وإفراده بالعبادة. (و) تاسعها: (في) سورة (﴿ألم تنزيل﴾) السجدة عند قوله تعالى: ﴿وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون﴾ فيه مدح لأهل القيام. (و) عاشرها: (في) سورة (ص) عند قوله تعالى: ﴿فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب﴾ (وقيل) السجود فيها (عند قوله) تعالى: ﴿لزلفى وحسن مئاب﴾، والأول هو المشهور لأن قوله تعالى: ﴿فغفرنا له ذلك﴾ كالجزاء على السجود فكان بعد السجود فقدم السجود عليه. (و) حادية عشرها: (في) سورة (حم تنزيل) وتسمى فصلت (عند قوله) تعالى: ﴿واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون﴾ هذا هو المشهور، لأنه موضع الأمر. وقيل: السجود فيها عند قوله تعالى: ﴿وهم لا يسئمون﴾، لأنه تمام الأول، ولمخالفته للكافر المتكبر بالسآمة؛ أي: المتكبر عن السجود مع ملله وضجره منه. قال اللخمي: السجود يتضمن ثلاث معان: مدح من سجد، وذم من عاند وجحد، أو هما معا (٢).

стр. 498

• هل من شرط سجود التلاوة الوضوء: الشرح قال المصنف: (ولا يسجد السجدة في التلاوة إلا على وضوء)، لأنه يشترط لها ما يشترط لسائر الصلوات من الطهارتين؛ أي: الحدث والخبث واستقبال القبلة (١)، وقيل لا يشترط، وإنما هو من الأمر المختلف فيه بين السلف وقد كان ابن عمر (٢) يسجد على غير وضوء. وذكر ابن أبي شيبة (٣) بسنده عن وكيع عن زكريا عن الشعبي في الرجل يقرأ السجدة على غير وضوء، قال: يسجد حيث كان وجهه. وقال مالك ليس على الحائض سجود. وروي عن عثمان بن عفان ﵁ قال توميء برأسها. وبه قال سعيد بن المسيب قال توميء، وتقول: لك سجدت (٤). • التكبير والتشهد والتسليم في سجود التلاوة: (ويكبر لها) في الخفض والرفع اتفاقا إن كان في صلاة، وعلى المشهور إن كان في غير صلاة، لأنها أشبهت الصلاة وقد كان رسول الله ﷺ يكبر في كل خفض ورفع (٥). وقيل: يكره، وقيل: هو مخير بين التكبير وعدمه فإذا الأقوال ثلاثة، وعن ابن عمر ﵄ قال: «كان النبي ﷺ يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة، كبر، وسجد، وسجدنا» (٦).

стр. 499

ولا يرفع يديه؛ أي: يكره ذلك في الخفض والرفع، ولا يتشهد على المشهور. (ولا يسلم) منها على المشهور؛ أي: يكره إلا أن يقصد الخروج من الخلاف «وقال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابهم، ليس في سجود القرآن تسليم» (١). قال في «التوضيح»: وفي النفس من عدم الإحرام والسلام شيء. قالوا وقول الشيخ: (وفي التكبير في الرفع منها سعة) أنه رابع في المسألة التي حكى ابن الحاجب فيها الأقوال الثلاثة (٢)، أي: من حيث إنه خير في الرفع ولم يخير في الخفض كما نبه عليه ابن ناجي، قلت: والذي يظهر لي أن قوله في الرفع لأن الخفض للسجود يكون عقب التلاوة فلا إشكال في المتابعة، ولكن الرفع إن لم يكبر لارتبك من سجد معه، وظن أنه لم يرفع، والأحسن عندي أن يكبر رفعا وخفضا كما هو اختيار المصنف لوجود النساء في الغالب وراء الحائط لا يرون ما يحدث، وقد وقعت معنا إشكالات كثيرة في صفوف النساء خاصة، وتخليط الإمام بتركه التكبير في سجود التلاوة لا أراه يحسن في صلاة الجماعة. وانظر قوله: ﴿وإن كبر فهو أحب إلينا﴾ هل هو عائد إلى التكبير في الرفع أو إلى التكبير في الرفع والخفض فيكون اختيارا منه للمشهور، وقول العدوي في حاشيته يحتاج إلى نظر، (ويسجدها)؛ أي: سجدة التلاوة (من قرأها) وهو (في) صلاة (الفريضة) على المشهور، ويجهر بها

стр. 500

الإمام (١) (و) كذا يسجدها من قرأها في صلاة (النافلة) ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ : «أنه سجد بها في الصلاة». فعن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة ﵁ العتمة. فقرأ: ﴿إذا السماء انشقت﴾ فسجد فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم، ولا أزال أسجد بها حتى ألقاه (٢). سواء كان إماما أو فذا وإن كره لهما تعمدها في الفريضة (٣)، واختلف في فعلها قبل الإسفار والاصفرار بعد أن تصلى الصبح، وبعد أن تصلى العصر. ففي «الموطأ»: لا تجوز بعدهما مطلقا اصفرت أو أسفرت أو لا (٤). وفي «المدونة» (٥) وهو المعتمد يسجدها بعدهما ما لم تصفر أو تسفر وعليه مشى الشيخ فقال: (ويسجدها من قرأها بعد الصبح ما لم يسفر) بالسين من الإسفار وهو الضياء، (وبعد العصر ما لم تصفر الشمس) بالصاد من الاصفرار وهو التغير لأنها سنة مؤكدة، وبذلك شبهت بالجنائز، ففارقت من فعلها في الوقتين لأنها سنة مؤكدة ففارقت النوافل المحضة، ومثلها صلاة الجنازة، لأنها؛ أي: النوافل المحضة لا تفعل بعد صلاة العصر وبعد صلاة الصبح. وكان بعض الصحابة يمسك عن السجود حتى تطلع الشمس، روى ابن المنذر عن كعب بن عجرة ﵁: أنه قرئت عنده السجدة قبل طلوع الشمس، فلم يسجد حتى طلعت الشمس، ثم سجد، قال: وروينا عن أبي أمامة: أنه كان إذا رأى أنهم يقرؤون آية، أو سورة فيها سجدة بعد العصر

стр. 501

لم يجلس معهم، وقال: عن سالم، قال: «كان ابن عمر يصيح عليهم إذا رآهم، يعني القصاص، يسجدون بعد الصبح» قال معمر: وأخبرنيه أيوب، عن نافع (١).

стр. 502

باب في بيان صلاة المسافر • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن سافر مسافة أربعة برد: وهي ثمانية وأربعون ميلا، فعليه أن يقصر الصلاة فيصليها ركعتين إلا المغرب فلا يقصرها. ولا يقصر حتى يجاوز بيوت المصر، وتصير خلفه ليس بين يديه ولا بحذائه منها شيء، ثم لا يتم حتى يرجع إليها، أو يقاربها بأقل من الميل. وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع، أو ما يصلي فيه عشرين صلاة أتم الصلاة حتى يطعن من مكانه ذلك. ومن خرج ولم يصل الظهر والعصر وقد بقي من النهار قدر ثلاث ركعات صلاهما سفريتين، فإن بقي قدر ما يصلي فيه ركعتين أو ركعة صلى الظهر حضرية والعصر سفرية. ولو دخل لخمس ركعات ناسيا لهما صلاهما حضريتين، فإن كان بقدر أربع ركعات فأقل إلى ركعة صلى الظهر سفرية والعصر حضرية. وإن قدم في ليل وقد بقي للفجر ركعة فأكثر ولم يكن صلى المغرب والعشاء صلى المغرب ثلاثا والعشاء حضرية. ولو خرج وقد بقي من الليل ركعة فأكثر صلى المغرب ثم صلى العشاء سفرية). الشرح السفر: سمي سفرا، لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، قال في «المصباح»: السفر بفتحتين وهو قطع المسافة يقال ذلك إذا خرج للارتحال أو

стр. 503

لقصد موضع فوق مسافة العدوى، لأن العرب لا يسمون مسافة العدوى (١) سفرا، وقال بعض المصنفين أقل السفر يوم (٢). (باب في بيان صلاة السفر) وحكمها، وهو السنية والأصل في قصر الصلاة في السفر الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء: ١٠١]. قال يعلى بن أمية ﵁: قلت لعمر بن الخطاب ﵁: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ وقد أمن الناس. فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» (٣). وأما السنة: فقد تواترت الأخبار أن رسول الله ﷺ كان يقصر في أسفاره حاجا ومعتمرا وغازيا. منها حديث أنس ﵁: «خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصلى ركعتين ركعتين حتى رجع»، قلت: كم أقام بمكة؟ قال: «عشرا» (٤). وأجمع أهل العلم على أن من سافر سفرا تقصر في مثله الصلاة في حج أو عمرة أو جهاد أن له أن يقصر الرباعية فيصليها ركعتين (٥).

стр. 504

• مسافة القصر: قوله: (ومن سافر)؛ أي: قصد سفرا في البر أو في البحر، واجبا كان كسفر الحج الواجب، أو مندوبا كسفر الحج التطوع، أو مباحا كسفر التجارة (مسافة أربعة برد) جمع بريد وهو أربعة فراسخ والفرسخ ثلاثة أميال، والميل ألفا ذراع. وهذا بيان لأقل المسافة التي تقصر فيه الصلاة وحدها بالزمان سفر يوم وليلة بسير الحيوانات المثقلة بالأحمال المعتادة (وهي)؛ أي: الأربعة برد (ثمانية وأربعون ميلا فعليه أن يقصر) بفتح الياء وسكون القاف وضم الصاد والميل: اثنا عشر ألف قدم، أما بالمقاييس: فالبريد واحد وعشرون كيلو مترا ومئتان وستة وعشرون مترا، ومسافة القصر أربعة برد، فتكون المسافة تقريبا أربعة وثمانون كيلو مترا وتسعمائة وأربعة أمتار (١)، وقد قدره ابن عباس ﵄ فقال: من عسفان إلى مكة، ومن الطائف إلى مكة، ومن جدة إلى مكة والله أعلم (٢). و «كان ابن عمر وابن عباس ﵄ يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخا» (٣). وفي «التوضيح» يعيد من قصر في ستة وثلاثين ميلا أبدا على المذهب. إذا فمن كان مسافرا فله أن يقصر (الصلاة) المفروضة المؤداة في السفر، والمقضية لفواتها فيه (فيصليها ركعتين إلا المغرب فلا يقصرها)، لأنها وتر لا نصف لها، وانظر لم سكت عن الصبح مع أنها لا تقصر أيضا لأنه لم يثبت في الشرع قصرها، وإن كان ذلك ممكنا بأن تجعل ركعة، والذي يغني عن تطويل القول فيه وفي المغرب أن الإجماع (٤) انعقد على أنهما لا يقصران ولا

стр. 505

تأثير للسفر فيهما، ولحديث عائشة ﵂ قالت: «افترض الله الصلاة على نبيكم بمكة ركعتين ركعتين إلا صلاة المغرب (١)، فلما هاجر إلى المدينة فأقام بها واتخذها دار هجرة زاد إلى كل ركعتين ركعتين إلا صلاة الغداة لطول القراءة فيها، وإلا صلاة الجمعة للخطبة، وإلا صلاة المغرب فإنها وتر النهار فافترضها الله تعالى على عباده إلا هذه الصلاة فإذا سافر صلى الصلاة التي كان افترضها الله عليهم» (٢). • وللقصر شروط: أحدها: أن تكون المسافة مقصودة دفعة واحدة. ثانيها: أن يكون السفر مباحا، فلا يقصر في السفر المحرم على المشهور ما لم يتب، وفي المكروه كالسفر للهو قولان (٣). ثالثها: أن لا يقتدي بمقيم (٤)؛ قال ابن القاسم في الكتاب: يتم وراءه إن أدرك معه ركعة، فإن أدرك أقل من ركعة قال مالك: لا يتم. رابعها: أن لا يعدل عن مسافة قصيرة إلى طويلة بلا عذر، كالهائم ومن طلب آبقا إلا أن يعلم أن بينه وبينه مسافة القصر (٥). خامسها: لا يقصر حتى يبرز عن بيوت القرية؛ أي: بمعنى الشروع في السفر دون النية عليه، وإليه أشار الشيخ بقوله: (ولا يقصر حتى يجاوز بيوت المصر) سواء كان الموضع موضع جمعة أم لا، على المشهور. وكذا مجاوزة العمودي (البدوي) حلته بكسر الحاء؛

стр. 506

أي: منزل إقامته، ولو تفرقت البيوت فلا بد من مفارقة الجميع حيث جمعهم اسم الحي والدار، أو اسم الدار فقط، أو اسم الحي حيث كان يرتفق بعضهم ببعض وإلا قصر بمجرد انفصاله عن منزله وتصير خلفه ليس بين يديه ولا بحذائه منها شيء هو عين ما قبله فالداعي لتكريره زيادة البيان فكأنه يقول ليس أمامه ولا عن يمينه ولا عن شماله منها شيء، ولما بين المبدأ أراد أن يبين المنتهى فقال: (ثم لا يتم حتى يرجع إليها)؛ أي: إلى البيوت أو يقاربها بأقل من الميل قال أنس ﵁: «صليت الظهر مع النبي ﷺ أربعا بالمدينة، وبذي الحليفة ركعتين … » (١). وعن علي بن ربيعة قال: «خرجنا مع علي ﵁ فقصرنا ونحن نرى البيوت، ثم رجعنا فقصرنا ونحن نرى البيوت، فقلنا له: فقال علي: «نقصر حتى ندخلها»» (٢)، وقد أجمع أهل العلم (٣) على أن لمن يريد السفر أن يقصر إذا خرج عن جميع بيوت القرية، ويبقى مقصرا حتى يعود. • المدة التي تقصر فيها الصلاة: (وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع، أو ما يصلي فيه عشرين صلاة، أتم الصلاة حتى يظعن) بالظاء المعجمة؛ أي: يرتحل ويصير إذا ظعن كالظاعن من بلده فيقصر إذا جاوز البلد وما في حكمها واعتمد ذلك ابن ناجي. قال الترمذي رحمه الله تعالى: أجمع أهل العلم أن المسافر يقصر ما لم يجمع إقامة وإن أتى عليه سنون. اهـ (٤). وفهم ذلك من قول المصنف: (نوى)؛ أي: أن الإقامة المجردة عن النية لا أثر لها، وإن كثرت كإقامته لحاجة يريد قضاءها كل وقت، فلم تقض في

стр. 507

وقتها المأمول، فلا يقطع القصر إلا بالعزم على الإقامة المذكورة (١)؛ وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن الإقامة هي أربعة أيام صحاح، وقد استدل المالكية وغيرهم على أن النبي ﷺ قال: «للمهاجر مقام ثلاثة أيام بمكة بعد قضاء نسكه» (٢). قال ابن رشد رحمه الله تعالى: «فدل هذا عندهم على أن إقامة ثلاثة أيام ليست تسلب عن المقيم فيها اسم السفر، وهي النكتة التي ذهب الجميع إليها». اهـ (٣). وعن ابن عمر ﵁ كان يقول: «أصلي صلاة المسافر ما لم أجمع مكثا، وإن حبسني ذلك اثني عشرة ليلة» (٤). (من مكانه ذلك) تقدم أن المصنف إذا أتى ب (أو) يكون أراد أن المسألة ذات قولين؛ ومفاد كلامه أن القصر بشرطه يقطعه نية إقامة أربعة أيام صحاح فأكثر مع إدراك عشرين صلاة، وهو الذي مشى عليه ابن القاسم. واستثنوا من كون نية إقامة أربعة أيام فأكثر يبطل حكم السفر نية العسكر الإقامة بدار الحرب، والمراد بدار الحرب محل إقامة العسكر ولو في دار الإسلام حيث لا أمن (٥). لأن النبي ﷺ أقام في محاصرة الطائف ثماني عشرة ليلة يقصر (٦)، وفي

стр. 508

تبوك عشرين ليلة (١) ومما يقطع القصر أيضا العلم بالإقامة عادة كعادة الحاج إذا دخل مكة أن يقيم أربعة أيام. (ومن خرج)؛ أي: شرع في السفر (و) الحال (أنه لم يصل الظهر والعصر وقد بقي من النهار قدر ثلاث ركعات صلاهما سفريتين) اتفاقا إن كان تركهما ناسيا، وعلى المنصوص إن كان تركهما عامدا (فإن بقي)؛ أي: من النهار بعد أن خرج والحال أنه لم يصلهما قدر ما يصلي فيه ركعتين أو ركعة صلى الظهر حضرية لفوات وقتها وهو غير مسافر فترتبت في ذمته حضرية (و) صلى (العصر سفرية)، لأنه مسافر في وقتها، ويبدأ بالظهر عند ابن القاسم وهو الراجح، وبالعصر عند ابن وهب لئلا يفوتها عن وقتها، وقال أشهب: يبدأ بأيتهما شاء لاختلاف أهل العلم في ذلك فمالك وابن شهاب يقولان يبدأ بالأولى. وسعيد بن المسيب يقول يبدأ بالأخيرة. (ولو دخل) من سفره (لخمس ركعات)؛ أي: وإذا دخل وقد بقي من النهار مقدار ما يصلي فيه خمس ركعات، والحال أنه لم يصل الظهر والعصر (ناسيا لهما صلاهما حضريتين)، لأنه مدرك لوقتيهما الظهر بأربع، والعصر بركعة وحكم العامد كالناسي، وإنما اقتصر المصنف على الناسي لأنه الغالب فإن كان دخوله (بقدر أربع ركعات فأقل إلى ركعة صلى الظهر سفرية)، لأنها بخروج وقتها ترتبت في ذمته سفرية (و) صلى (العصر حضرية)، لأنه أدركها في الحضر. ولما أنهى الكلام على الصلاتين المشتركتي الوقت نهارا خروجا ودخولا انتقل يتكلم على المشتركتي الوقت ليلا كذلك لكنه بدأ بالكلام على الدخول عكس ما تقدم في النهار فقال: (وإن قدم في ليل وقد بقي لطلوع الفجر ركعة فأكثر)؛ أي: مما يقدر به (و) الحال أنه (لم يكن صلى المغرب والعشاء) ناسيا

стр. 509

أو عامدا (صلى المغرب ثلاثا والعشاء حضرية)، لأنه قد بقي من الوقت ما يدرك به العشاء فوجب أن يصليها حضرية. وأما المغرب فلم يختلف حكمها في السفر والحضر فلا معنى لذكرها ثم عقب بالخروج فقال: (ولو خرج وقد بقي عليه من الليل ركعة فأكثر صلى المغرب ثلاثا ثم صلى العشاء سفرية)، لأنه مدرك لوقتها في السفر وقاعدة هذا الباب بالنسبة لليليتين أنه يقدر بركعة دخولا وخروجا وبالنسبة للنهاريتين أو إحداهما أنه في الخروج إذا بقي ما يسع ثلاثا فإنه يصليهما سفريتين واثنتين أو واحدة. فالثانية سفرية وبالنسبة للنهاريتين أنه في الدخول إذا بقي من النهار ما يصلي فيه خمس ركعات صلاهما حضريتين وبقدر أربع ركعات فأقل إلى ركعة صلى الظهر سفرية والله أعلم. • قال المصنف رحمه الله تعالى: باب في صلاة الجمعة (والسعي إلى الجمعة فريضة، وذلك عند جلوس الإمام على المنبر، وأخذ المؤذنون في الأذان. والسنة المتقدمة أن يصعدوا حينئذ على المنار فيؤذنون. ويحرم حينئذ البيع، وكل ما يشغل عن السعي إليها. وهذا الأذان الثاني أحدثه بنو أمية. والجمعة تجب بالمصر والجماعة. والخطبة فيها واجبة قبل الصلاة، ويتوكأ الإمام على قوس أو عصا، ويجلس في أولها وفي وسطها، وتقام الصلاة عند فراغها، ويصلي الإمام ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، يقرأ في الأولى بالجمعة ونحوها، وفي الثانية بهل أتاك حديث الغاشية ونحوها. ويجب السعي إليها على من في المصر ومن على ثلاثة أميال منه فأقل. ولا تجب على مسافر، ولا على أهل منى، ولا على عبد، ولا امرأة، ولا صبي.

стр. 510

وإن حضرها عبد أو امرأة فليصلها. وتكون النساء خلف صفوف الرجال، ولا تخرج إليها الشابة. وينصت للإمام في خطبته، ويستقبله الناس. والغسل لها واجب، والتهجير حسن، وليس ذلك في أول النهار، وليتطيب لها، ويلبس أحسن ثيابه. وأحب إلينا أن ينصرف بعد فراغها. ولا يتنفل في المسجد، وليتنفل إن شاء قبلها، ولا يفعل ذلك الإمام وليرق المنبر كما يدخل). • معنى الجمعة: «الجمعة» بضم الجيم والميم، ويجوز سكون الميم وفتحها، وسميت بها لاجتماع الناس فيها. • بيان حكم صلاة الجمعة: (باب) في بيان حكم السعي إلى (صلاة الجمعة)؛ أي من أنه: واجب، وفي بيان وقت وجوبها، والمحل الذي تجب فيه، ومن تجب عليه، وغير ذلك مما له تعلق بها. والأصل في فرض الجمعة الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩]، فأمر بالسعي، ويقتضي الأمر الوجوب، ولا يجب السعي إلا إلى الواجب، ونهى عن البيع لئلا يشتغل به عنها، فلو لم تكن واجبة لما نهى عن البيع من أجلها، والمراد بالسعي ها هنا: الذهاب إليها لا الإسراع (١). وأما السنة: فلحديث أبي هريرة ﵁: «أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:

стр. 511

«نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا، والنصارى بعد غد» (١). قال ابن العربي: «قال بعض علمائنا: هذا الحديث أصل في وجوب الجمعة أنها فرض على الأعيان» (٢). وأجمع المسلمون على وجوب الجمعة (٣). قال ابن الحاجب: الجمعة فرض عين، قال خليل في «التوضيح»: ولم يصح غيره عن مالك (٤). وابتدأ بحكم السعي فقال: (والسعي إلى الجمعة واجب) وإذا وجب السعي وهو وسيلة فأجرى ما سعي إليه، وقد صرح بوجوب ما سعى إليه في باب جمل فقال: وصلاة الجمعة والسعي إليها فريضة وقد تقدمت أدلة الوجوب، وللسعي إليها وقتان وقت وجوب حين يسمع النداء ووقت فضيلة ويبدأ من الساعات التهجير الواردة في الحديث، وقيل: من أول النهار، ولا خلاف بين الأئمة أن الجمعة واجبة على الأعيان والسعي إليها إنما يجب حيث لا مانع فإن كان ثمت مانع سقطت، والمانع عدة أشياء منها المرض الذي يشق معه السعي إليها، ومنها أن يكون قد اشتد بأحد والديه المرض أو احتضر أو خشي عليه الضيعة، ومثل أحد والديه كل قريب خاص كولد وزوج وقريب فعن نافع: «أن ابن عمر ﵄ ذكر له أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وكان بدريا، مرض في يوم الجمعة، فراح إليه بعد أن تعالى النهار واقترب الجمعة وترك الجمعة» (٥).

стр. 512

ومنها أن يخاف على ماله من سلطان، أو سارق، أو حريق، ومنها المطر الشديد والوحل الكثير إلى غير ذلك لقوله ﷺ : «إلا من عذر»، (وذلك)؛ أي: وجوب السعي إلى صلاة الجمعة على من قربت داره يكون (عند جلوس الإمام على المنبر) بكسر الميم وفتح الموحدة (وأخذ) بصيغة الفعل بفتح الخاء والذال المعجمتين بمعنى شرع (المؤذنون في الأذان) لقوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩]. ويجب السعي إليها على من في المصر ومن على ثلاثة أميال منه فأقل، ولما تقدم ذكر الأذان وكان للجمعة أذانان أحدهما لم يكن في زمن النبي ﷺ والآخر في زمنه أراد أن يبين ذا من ذاك، فقال: (والسنة المتقدمة)؛ أي: الطريقة المندوبة (أن يصعدوا) بمعنى يرتفعوا؛ أي: المؤذنون (حينئذ)؛ أي: حين جلوس الإمام على المنبر (على المنار فيؤذنون) أراد بالسنة المتقدمة سنة الصحابة إذ لم يكن في زمنه منار وإنما كانوا يؤذنون عند باب المسجد. قاله زروق، وحاصل كلامه أنه كان في زمن النبي ﷺ أذان واحد يفعل عند باب المسجد، والنبي ﷺ جالس على المنبر ثم سن سيدنا عثمان ﷺ أذانا آخر يفعل قبل هذا على المنار ويكون الإمام جالسا على المنبر حينئذ أيضا. قال ابن العربي: وفي الحديث الصحيح: أن الأذان كان على عهد رسول الله ﷺ واحدا، فلما كان زمن عثمان ﵁ زاد الأذان الثالث على الزوراء (١)، وسماه في الحديث ثالثا، لأنه أضافه إلى الإقامة، كما قال ﵊: «بين كل أذانين صلاة، ثلاثا لمن شاء» (٢)؛ يعني: الآذان والاقامة. ويتوهم الناس أنه أذان أصلي فجعلوا المؤذنين ثلاثة فكان وهما، ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وهما على وهم.

стр. 513

ورأيتهم يؤذنون بمدينة السلام بعد أذان المنار بين يدي الإمام تحت المنبر في جماعة، كما كانوا يفعلون عندنا في الدول الماضية، وكل ذلك محدث (١). وجوب الامتناع عن البيع ونحوه عمن تجب عليه الجمعة: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويحرم حينئذ)؛ أي: حين الأذان بين يدي الإمام (البيع)؛ أي: والشراء على كل من تجب عليه الجمعة لقوله تعالى: ﴿وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩] إلا من اضطر إليه كمن أحدث وقت نداء الجمعة ولا يجد ماء يتطهر به إلا بالثمن فيجوز كل من البيع والشراء قاله ابن أبي زيد وابن يونس (٢)، لأن هذا من باب التعاون على العبادة، فإن وقع ما حظر من البيع بين من تلزمهما الجمعة فسخ فإن فات فالقيمة حين قبضه؛ أي: فالقيمة معتبرة حين قبضه ويكون مستثنى من قاعدة أن المختلف فيه يمضي بالثمن، وهذا قد مضى بالقيمة. قال ابن حبيب وينبغي للإمام أن يوكل وقت النداء من ينهى الناس عن البيع والشراء حينئذ، وأن يقيم من الأسواق من تلزمه ومن لا تلزمه للذريعة (٣). (و) كذلك يحرم (كل ما يشغل) بفتح الياء والغين (عن السعي إليها) كالأكل، والخياطة، والسفر، وأدخلت الكاف الشركة والهبة والصدقة والأخذ بالشفعة لأن منها عقود معاوضة أشبهت البيع، فإن وقعت العقود في البيع فسخت قال في المدونة: «وإن اشترى رجل أو باع في تلك الساعة فسخ ذلك البيع» (٤).

стр. 514

وجوز ابن القاسم عقد النكاح والإمام يخطب والصدقة والهبة في تلك الساعة (١)، وقال ابن العربي بفسخ الجميع، لأن البيع إنما منع للاشتغال به، فكل أمر يشغل عن الجمعة من العقود كلها فهو حرام شرعا مفسوخ ردعا» (٢). (وهذا الأذان الثاني) في الأحداث هو الأول في الفعل (أحدثه بنو أمية)؛ يعني: عثمان بن عفان ﵁ وهو أول أمراء بني أمية، ولا ينبغي قول أحدثه لئلا يفهم منه الحدث البدعة، والأولى سنه عثمان ﵁، لأن فعله سنة كما أخبر النبي ﷺ . وشرائط وجوب الجمعة عشرة: الإعلام بدخول وقتها، والإسلام، والبلوغ، والعقل، والذكورية، والحرية، والإقامة، والصحة، والقرب بحيث لا يكون على أكثر من ثلاثة أميال ويلحق بالثلاثة أميال ربع ميل أو ثلثه، والاستيطان (٣). وشرائط الأداء أربعة: الإمام، والجماعة، والجامع، والخطبة؛ وقد ذكر الشيخ بعض هذه الشروط ولم يميز بعضها من بعض فقال: (والجمعة تجب بالمصر)؛ أي: أنها تكون في المصر وفي القرى المتصلة البنيان؛ أي: جنس القرى فيصدق بالقرية الواحدة، والقرية: يعتبر أن تكون مبنية بما جرت العادة ببنائها به من حجر أو طين أو لبن أو قصب أو شجر ونحوه، فأما أهل الخيام وبيوت الشعر فلا جمعة عليهم، ولا تصح منهم لأن ذلك لا ينصب للاستيطان غالبا، وكذلك كانت قبائل العرب حول المدينة فلم يقيموا جمعة، ولا أمرهم بها النبي ﷺ ، ولو كان ذلك لم يخف ولم يترك نقله مع كثرته وعموم البلوى به (٤)؛ وقد ثبت عن رابع الخلفاء الراشدين علي ﵁ أنه قال: «لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع» (٥)

стр. 515

إلا أن ابن حزم نقل: «أن ابن عمر ﵁ كان يمر على المياه وهم يجمعون فلا ينهاهم عن ذلك»، وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: أنه كان يأمر أهل المياه أن يجمعوا، ويأمر أهل كل قرية لا ينتقلون بأن يؤمر عليهم أمير يجمع بهم (١). (والجماعة) شرط صحة؛ أي: من شروط إقامة الجمعة أن يكون هناك جماعة ولا يحصرون بعدد عند الإمام مالك وهذا هو الأجود، بل المطلوب وجود من يستقل بحيث يدفع من يقصده ويساعد بعضهم بعضا في المعاش الحاجي وغيره، ومتى كان يمكنهم الإقامة على التأبيد مع الأمن والقدرة على الدفع عن أنفسهم صحت الجمعة ولو لم يحضر منهم إلا اثنا عشر رجلا باقين لتمام الصلاة مع الإمام لا فرق بين أول جمعة وغيرها قال ربيعة: تنعقد باثني عشر رجلا لما روي عن النبي ﷺ أنه كتب إلى مصعب بن عمير بالمدينة، فأمره أن يصلي الجمعة عند الزوال ركعتين وأن يخطب فيهما فجمع مصعب بن عمير في بيت سعد بن خيثمة باثني عشر رجلا (٢)؛ وعن جابر ﵁ قال: «بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذا أقبلت عير تحمل طعاما فالتفتوا إليها، حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلا فنزلت هذه الآية ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما﴾ [الجمعة: ١١]» (٣)، قال ابن حجر (٤): ووجه الدلالة منه أن العدد المعتبر في الابتداء يعتبر في الدوام، فلما لم تبطل الجمعة بانفضاض الزائد عن الإثني عشر دل على أنه كاف. قال وقد تعقب الاستدلال.

стр. 516

وذكر الحافظ ابن عبد البر (١) قولا آخر عن مالك أنه لم يحد جماعة الجمعة بحد (٢). قلت: وهذا أجود. (والخطبة فيها)؛ أي: الجمعة (واجبة) على المشهور (٣)، ولأن النبي ﷺ ما ترك الخطبة للجمعة في حال، وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٤)، وعن عمر ﵁ (٥) أنه قال: قصرت الصلاة لأجل الخطبة، وقول عائشة نحو هذا. وقال سعيد بن جبير: كانت الجمعة أربعا فجعلت الخطبة مكان الركعتين (٦)؛ فإذا صلوا بغير خطبة أعادوا في الوقت فإن لم يعيدوا حتى خرج الوقت فإنهم يعيدونها ظهرا. • شروط صحة الخطبة: لصحة الخطبة شروط منها ما أشار إليه بقوله: (قبل الصلاة) لقوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في الأرض﴾ [الجمعة: ١٠] والفاء للترتيب والتعقيب فمن كونه للتعقيب لا يرد أن يقال إن كون الانتشار بعد الصلاة لا ينافي أن يكون بعد الخطبة بأن تكون الخطبة بعد الصلاة فإن البعدية ظرف متسع ولفعله ﵊ وفعل الخلفاء الراشدين بعده فعن أنس ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ ينزل من المنبر فيعرض له الرجل في الحاجة، فيقوم معه حتى يقضي حاجته، ثم يقوم فيصلي» (٧). فمن جهل وصلى بهم قبل الخطبة أعاد الصلاة فقط لمخالفته الموالاة والترتيب النبوي.

стр. 517

ومنها أن تكون بعد الزوال لفعل النبي ﷺ وقوله: «ثم راح في الساعة الأولى … الحديث» (١) والرواح بعد الزوال (٢)، والغدو قبله، بحضور الجماعة الذين تنعقد بهم الجمعة. ومنها أن تكون اثنتين (٣) لحديث ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة قائما، ثم يجلس، ثم يقوم، قال: كما يفعلون اليوم» (٤). فإن خطب واحدة وصلى أعاد الجمعة بعد الإتيان بالخطبة الثانية. والفصل بين الخطبتين بالصلاة يسير فلا يكون موجبا لبطلان الخطبة الأولى، وأقل ما يجزئ من الخطبة على المشهور ما يقع عليه اسم الخطبة عند العرب وهو نوع من الكلام مسجوع مخالف للنظم والنثر، ووقوعها بغير اللغة العربية لغو، فإن لم يوجد من يعرف اللغة العربية سقطت. وقيل: إن أقله الحمد لله والصلاة على رسول الله ﷺ ، وتحذير وتبشير وهو ضعيف إذ المعتمد أنهما يستحبان في الخطبتين، لما روى الشعبي قال:

стр. 518

كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة، استقبل الناس بوجهه فقال: «السلام عليكم، ويحمد الله ويثني عليه، ويقرأ سورة، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، ثم ينزل وكان أبو بكر وعمر يفعلانه (١). ويشترط في الخطبة أن تكون جهرا وسرها لغو قال جابر بن سمرة ﵁: كنت أصلي مع رسول الله ﷺ ، فكانت صلاته قصدا، وخطبته قصدا» (٢) وقال جابر ﵁: كان رسول الله ﷺ يخطب الناس، يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: «من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله» (٣)، ولا يمكن معرفة ما يقول إلا إذا كان ذلك جهرا، وهل يشترط في صحتهما الطهارة قولان مشهوران، المشهور منهما أنه لا يشترط فيها الطهارة غايته أنه خلاف الأولى «لأن النبي ﷺ كان يخطب ثم يصلي ولم يثبت أنه فصل بينهما بطهارة» والله أعلم (٤). (ويتوكأ)؛ أي: يعتمد (الإمام) في قيامه لخطبته (على قوس أو عصا) على جهة الاستحباب ويكون ما يتوكأ عليه بيده اليمنى لما روى الحكم بن حزن الكلفي، قال: «وفدت إلى رسول الله ﷺ سابع سبعة - أو تاسع تسعة - فدخلنا عليه، فقلنا: يا رسول الله، زرناك فادع الله لنا بخير، فأمر بنا، أو أمر لنا بشيء من التمر، والشأن إذ ذاك دون، فأقمنا بها أياما شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله ﷺ ، فقام متوكئا على عصا، أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه، كلمات خفيفات طيبات مباركات» (٥) ورجح بعضهم العصا (ليطمئن بها)،

стр. 519

وقيل: حتى لا يعبث (١). (ويجلس في أولها)؛ أي: الخطبة (وفي وسطها) كما في حديث جابر بن سمرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة» (٢)، وحديث ابن عمر ﵄: «كان رسول الله ﷺ يخطب الخطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس» (٣). واختلف في هذا وفي القيام لها. قال المازري: إن القيام لها واجب شرطا (٤)، وقيل: سنة فإن خطب جالسا صحت وأساء. وقال القاضي أبو بكر ابن العربي: الجلستان القيام لهما واجبان، وهو مقتضى القول بحمل أفعاله ﵊ على الوجوب (٥). وحاصل الكلام أن كلا من الجلوسين الأول والثاني سنة على المشهور ومقدار الجلوس الوسط مقدار الجلوس بين السجدتين والأصل فيما ذكر استمرار العمل على ذلك في جميع الأمصار والأعصار منذ زمانه إلى هلم جرا. وأخذ من قوله: (وتقام الصلاة عند فراغها) اشتراط اتصال الصلاة بالخطبة ويسير الفصل عفو، بخلاف كثيره، وهو الذي كان يفعله ﷺ والثابت عنه في صلاة الجمعة، ويجب على سبيل الشرطية أن يكون إمام الصلاة هو الخطيب، فإن طرأ ما يمنع إمامته كحدث أو رعاف فإن كان الماء قريبا يجب انتظاره، وإن كان بعيدا فإنه يستخلف اتفاقا. وكذلك عند مالك في القريب وحيث يستخلف فإنه يندب استخلاف من حضر الخطبة، ولو مسافرا على الأصح.

стр. 520

• صفة صلاة الجمعة: انتقل يتكلم على صفة صلاة الجمعة فقال: (ويصلي الإمام ركعتين) إجماعا قاله ابن المنذر وعن عمر ﵁ أنه قال: «صلاة الجمعة ركعتان … تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ » (١). فإن زاد عمدا بطلت، وإن زاد سهوا فتجري على حكم الزيادة في الصلاة، ولا بد أن ينوي الإمام الإمامة وإلا لم تجز ويستحب تعجيلها في أول الوقت. قال بهرام: لم يختلف أحد أن أوله زوال الشمس والمشهور امتداده إلى الغروب. وصفة القراءة في ركعتي الجمعة أنه (يجهر فيهما بالقراءة) إجماعا (يقرأ في الركعة الأولى) بعد الفاتحة (ب) سورة (الجمعة) واعترض ابن عمر الأنفاسي على قوله: (ونحوها) بأن القراءة فيها بسورة الجمعة مستحبة لما تضمنته من أحكام الجمعة، ولأن النبي ﷺ كان يقرؤها في أول ركعة، ويجاب عن المصنف بأن غرضه الرد على من قال: إنه ﵊ لم يقرأ في الجمعة إلا بها. ففي مسلم عن النعمان بن بشير ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين، وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية»، قال: «وإذا اجتمع العيد والجمعة، في يوم واحد، يقرأ بهما أيضا في الصلاتين» (٢) فلا اعتراض على المصنف (و) يقرأ (في) الركعة (الثانية ب) سورة ﴿هل أتنك حديث الغشية﴾ ونحوها؛ أي: أن المندوب في الركعة الأولى «الجمعة»، وفي الثانية إما ب «هل أتاك، أو سبح، أو المنافقون». ولما روي عن عبيد الله بن أبي رافع قال: «صلى لنا أبو هريرة الجمعة. فقرأ بعد

стр. 521

سورة الجمعة في الركعة الآخرة: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾. قال فأدركت أبا هريرة حين انصرف. فقلت له: إنك قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما بالكوفة. فقال أبو هريرة: إني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما يوم الجمعة» (١). وإن قرأ في الثانية بالغاشية فحسن، فإن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير ﵁: «ماذا كان يقرأ به رسول الله ﷺ يوم الجمعة على إثر سورة الجمعة قال كان يقرأ ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية: ١]» (٢)؛ وقال مالك: أما الذي جاء به الحديث هل أتاك حديث الغاشية مع سورة الجمعة والذي أدركت عليه الناس بسبح اسم ربك الأعلى. (ويجب السعي إليها على من في المصر) اتفاقا إذا وجدت فيه شروط الجمعة لما تقدم. (و) كذا يجب على (من) هو خارج عن المصر إذا كان (على ثلاثة أميال منه)؛ أي: من المصر وهو المشهور، لأن التحديد بالثلاثة أميال للسماع، والسماع إنما هو من المنار وظاهر قوله: (فأقل) أن الثلاثة أميال تحديد فلا يجب على من زاد عليها ولو قلت الزيادة وهو مذهب أشهب، والمعتمد رواية ابن القاسم أن الثلاثة تقريب فيجب على من زاد عليها زيادة يسيرة بنحو الربع أو الثلث لحديث عائشة ﵄ قالت: «كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم من العوالي، فيأتون في العباء، ويصيبهم الغبار، فتخرج منهم الريح، فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم وهو عندي، فقال رسول الله ﷺ : لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا» (٣). والعوالي هي القرى المجتمعة حول المدينة من جهة نجدها؛ قال الزهري: «وهي على ميلين أو ثلاثة (٤)؛ وكان أنس ﵁ في قصره أحيانا

стр. 522

يجمع، وأحيانا لا يجمع، وهو بالزاوية على فرسخين» (١)، قال مالك: ولم يبلغني أن شهودها يجب على أحد أبعد من ذلك. والزاوية: موضع ظاهر البصرة معروف، كانت فيه وقعة كبيرة بين الحجاج وابن الأشعث - وقوله على فرسخين؛ أي: من البصرة (٢). ثم أشار إلى بعض شروط الجمعة فقال: (ولا تجب على مسافر) اتفاقا لأن النبي ﷺ كان يسافر فلا يصلي الجمعة في سفره، وكان في حجة الوداع بعرفة يوم جمعة فصلى الظهر والعصر وجمع بينهما، ولم يصل جمعة، ولحديث طارق بن شهاب عند أبي داود والبيهقي سيأتي، ولفعل الخلفاء الراشدين الله ﵃ فقد كانوا يسافرون في الحج وغيره فلم يصل أحد منهم الجمعة في سفره، وكذلك غيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم. وقد قال إبراهيم: «كانوا يقيمون بالري السنة وأكثر من ذلك، وبسجستان السنين لا يجمعون ولا يشرقون» (٣)، وعن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: «أقمت معه سنين بكابل (٤) يقصر الصلاة، ولا يجمع» (٥). وأقام أنس بنيسابور سنة أو سنتين فكان لا يجمع ذكره ابن المنذر، وهذا إجماع مع السنة الثابتة فلا يسوغ مخالفته. (ولا على أهل منى) غير ساكنيها، وأما ساكنوها فتجب عليهم إذا كان فيهم عدد تنعقد بهم الجمعة كانوا حجاجا أو لا، قلت: وفي كونهم حجاج نظر. (و) كذلك (لا) تجب الجمعة (على عبد) على المشهور ومقابله أنها

стр. 523

واجبة على العبد إذا أسقط السيد حقه (ولا على امرأة ولا) على (صبي) اتفاقا فيهما لحديث طارق بن شهاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض» (١)، وقال وطارق (٢) رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه. اه. وزاد البيهقي في رواية له من شواهد الحديث: «أو مسافر» (٣)، ولكن إذا حضر أحدهم لزمته، وأجزأت عن ظهر يومه. وهو الذي نبه عليه بقوله: (وإن حضرها عبد أو امرأة أو مسافر فليصلها)؛ يعني: وتجزئه عن الظهر، وأما المرأة فكذلك يجزئها اتفاقا وصلاتها في بيتها أفضل لها لقول النبي ﷺ : «لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن» (٤)، وأما المسافر فتجزئه عند مالك، ولما ذكر أن المرأة إذا حضرتها تصليها بين موقفها بقوله: (وتكون النساء خلف صفوف الرجال) لتواتر الفعل في زمن النبوة والخلفاء الراشدين ولقوله ﷺ : «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها» (٥)، ولما أوهم كلامه أن المرأة تخرج إلى الجمعة مطلقا شابة أو غيرها رفع ذلك التوهم بقوله: (ولا تخرج إليها)؛ أي: إلى صلاة الجمعة (الشابة) وهذا النهي على جهة الكراهة خشية الافتتان بها، إلا أن تكون فائقة في الجمال فيحرم خروجها، وفهم من كلامه أن المتجالة تخرج إليها؛ أي: جوازا بمعنى خلاف الأولى، والأولى لها صلاتها في بيتها.

стр. 524

• ما ينبغي أن يكون عليه حال من حضر الخطبة: انتقل يتكلم على شيئين واجبين كان المناسب ذكرهما عند الكلام على الخطبة لأنهما يتعلقان بها أحدهما أشار إليه بقوله: (وينصت) بالبناء للمفعول؛ أي: يجب الإنصات وهو السكوت على كل من شهد الجمعة (ل) أجل سماع (الإمام) وهو (في) حال (خطبته) الأولى والثانية وفي الجلوس بينهما لقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قال القرطبي: قيل: إنها نزلت في الخطبة، قاله سعيد بن جبير وآخرون، قال: وهذا ضعيف، لأن القرآن فيها قليل، والإنصات يجب في جميعها، قاله ابن العربي (١). ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إذا قلت لصاحبك: أنصت، يوم الجمعة، والإمام يخطب، فقد لغوت» (٢)، وعليه أن ينصت سواء سمع الخطبة أو لم يسمعها، سب الإمام من لا يجوز سبه، أو مدح من لا يجوز مدحه (٣). وقال ابن حبيب: يجوز الكلام إذا تكلم الإمام بما لا يجوز وصوبه اللخمي (٤). واقتصر عليه صاحب «المختصر»، وكان سعيد بن جبير، والنخعي، والشعبي، وإبراهيم بن مهاجر (٥)، وأبو بردة يتكلمون والحجاج يخطب، وقال بعضهم: إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا (٦)، ولا يشمت عاطسا،

стр. 525

وإذا عطس هو حمد الله سرا في نفسه، روي نحو ذلك عن ابن عمر، وقال مالك أنه بلغه أن رجلا عطس يوم الجمعة والإمام يخطب، فشمته إنسان إلى جنبه، فسأل عن ذلك سعيد بن المسيب، فنهاه عن ذلك، وقال لا تعد (١)، ولا يسلم ولا يرد سلاما ولو بالإشارة، وجوزها ابن عبد البر فقال: إلا أن يرد إشارة كما يرده في الصلاة. اه (٢). وقال مالك كما في «العتبية»: ولا يشرب الماء والإمام يخطب، ولا يدور على الناس يسقيهم حينئذ (٣). (ويستقبله الناس)؛ يعني: أن الناس يستقبلون الإمام في حال خطبته؛ أي: يستقبلون جهته وذاته، لما روى عدي بن ثابت، عن أبيه، قال: كان النبي ﷺ «إذا قام على المنبر، استقبله أصحابه بوجوههم» (٤). وعن سعيد بن المسيب أنه كان يستقبل هشام بن إسماعيل إذا خطب فوكل به هشام شرطيا يعطفه إليه. قال مالك (٥): السنة عندنا أن يستقبل الناس الإمام يوم الجمعة، إذا أراد أن يخطب من كان منهم يلي القبلة وغيرها. (والغسل لها)؛ أي: لصلاة الجمعة (واجب) وجوب السنن؛ يعني: أنه سنة مؤكدة ووقته قبل صلاة الجمعة، لحديث سمرة بن جندب له قال: قال رسول الله ﷺ : «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل» (٦). قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى (٧): «وفي هذا ما يدل على أن غسل

стр. 526

الجمعة فضيلة لا فريضة. فلم يبق إلا أنه على الندب؛ وقد أجمع العلماء على أن صلاة من شهد الجمعة على وضوء دون غسل جائزة ماضية». اهـ. ولا بد من اتصاله بالرواح إلى الجمعة على المشهور لحديث أبي هريرة ﵁ أن عمر ﵁ قال عن النبي ﷺ : «إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل» (١)، قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: في الحديث دليل على تعليق الأمر بالغسل بالمجيء إلى الجمعة، واستدل به لمالك في أنه يعتبر أن يكون الغسل متصلا بالذهاب والرواح بعد الزوال، وقال ابن وهب: إن اغتسل بعد الفجر أجزأه، وإن لم يتصل رواحه بغسله (٢)؛ وصفته كصفة غسل الجنابة لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة … » (٣)؛ أي: غسلا كغسل الجنابة في صفته. ولو نواه مع غسل الجنابة صح بشرط تقديم نية الجنابة على الجمعة، وهل غسل الجمعة تعبد فيحتاج للنية، أم للنظافة من الروائح؟ فلا يفتقر على النية قولان (٤). (والتهجير)؛ أي: الذهاب إلى الجمعة وقت الهاجرة (حسن)؛ أي: مستحب، لأن النبي ﵃ والصحابة ﵁ كانوا يفعلون ذلك؛ أي: يأتون المسجد في هذا الوقت، وأول أجزائه الساعة السادسة المعنية في قوله ﵊ كما في حديث أبي هريرة ﵁: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» (٥).

стр. 527

(وليس ذلك في أول النهار) وأما في أول النهار قال الشارح: فمكروه لأن النبي ﵊ لم يفعله ولا فعله أحد من أصحابه. وليأخذ من شاربه، وأظفاره، وينتف إبطه، ويحد عانته، إن احتاج لذلك. (وليتطيب لها)؛ أي: للجمعة استحبابا، لحديث أبي سعيد ﵁ قال: «أشهد على رسول الله ﷺ أنه قال: «الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن (١)، وأن يمس طيبا إن وجد»» (٢). (ويلبس أحسن ثيابه) غير ثياب مهنته، فالتجمل بجميل الثياب من آداب اليوم والأفضل الأبيض، فقد روى مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: «ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين لجمعته، سوى ثوبي مهنته» (٣) قال ابن عبد البر (٤): وفي هذا الحديث الندب لكل من وجد سعة أن يتخذ الثياب الحسان للأعياد والجمعات، ويتجمل بها. اهـ. (وأحب إلينا)؛ أي: المالكية (أن ينصرف) مصلي الجمعة (بعد فراغها)؛ أي: بعد الفراغ مما يتصل بها من تسبيح وغير ذلك لقول الحق ﷻ : ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ [الجمعة: ١٠] والانتشار مندوب بعد الصلاة. • حكم النافلة قبل، وأثناء، وبعد الجمعة: (ولا يتنفل في المسجد)؛ أي: من الآداب أن من صلى الجمعة ينصرف بعد الصلاة ولا يتنفل في المسجد، لما روى ابن عمر ﵄: «أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين» (٥)، وفي لفظ لمسلم: «فكان لا

стр. 528

يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي ركعتين في بيته» (١). هذا حكم التنفل بعدها، وأما قبلها فيباح للمأموم دون الإمام؛ أي: يندب وإلى الأول أشار بقوله: (وليتنفل)؛ يعني: المأموم في المسجد (إن شاء قبلها)؛ أي: قبل صلاة الجمعة ما لم يجلس الإمام على المنبر فإذا جلس فإنه لا يتنفل، بل إذا خرج للخطبة فإنه لا يتنفل؛ لما روى ثعلبة بن أبي مالك (٢): «أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب ﵁ يوم الجمعة يصلون حتى يخرج عمر، فإذا خرج عمر، وجلس على المنبر، وأذن المؤذنون، [قال ثعلبة] جلسنا نتحدث، حتى إذا سكت المؤذنون، وقام عمر يخطب، أنصتنا، فلم يتكلم منا أحد»، قال ابن شهاب: فخروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام. اه. وهذا يدل على شهرة الأمر بينهم. وإذا دخل عليه وهو في أثناء التنفل خفف. (ولا يفعل ذلك الإمام)؛ أي: التنفل قبل صلاة الجمعة في المسجد؛ أي: يكره ذلك للإمام لما صح أنه ﷺ لم يكن يصلي قبل الجمعة شيئا. قال ابن عمر الأنفاسي: وظاهر كلام الشيخ أن ذلك عام اتسع الوقت أم لا، وليس هو على ظاهره، وإنما يعني به عند دخوله للخطبة دل عليه قوله: (وليرق)؛ أي: يصعد (المنبر كما يدخل)؛ أي: وقت دخوله مريدا الخطبة وهو بعد الزوال، وأما إذا جاء قبل الزوال أو بعده ولم يرد أن يخطب بأن لم تحضر الجماعة فقال ابن حبيب: يجوز له أن يتنفل ويسلم على الناس حين دخوله، ولا يسلم إذا صعد على المنبر (٣)، أي: يكره كراهة مذهبية لا شرعية. قلت: روى البيهقي عن نافع عن ابن عمر قال «كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة، استقبل الناس بوجهه ثم سلم» (٤)؛ والأمر واسع إن شاء الله تعالى.

стр. 529

ومن الآداب المستحبة قص الشارب والأظفار ونتف الإبط والاستحداد إن احتاج والسواك والمشي لما ورد في ذلك من الأخبار لحديث سنن الفطرة.

стр. 530

باب في صلاة الخوف • قال المصنف رحمه الله تعالى: (وصلاة الخوف في السفر إذا خافوا العدو أن يتقدم الإمام بطائفة، ويدع طائفة مواجهة العدو، فيصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يثبت قائما، ويصلون لأنفسهم ركعة ثم يسلمون فيقفون مكان أصحابهم، ثم يأتي أصحابهم فيحرمون خلف الإمام، فيصلي بهم الركعة الثانية ثم يتشهد ويسلم، ثم يقضون الركعة التي فاتتهم وينصرفون. هكذا يفعل في صلاة الفرائض كلها إلا المغرب، فإنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية ركعة. وإن صلى بهم في الحضر لشدة خوف صلى في الظهر والعصر والعشاء بكل طائفة ركعتين. ولكل صلاة أذان وإقامة. وإذا اشتد الخوف عن ذلك صلوا وحدانا بقدر طاقتهم مشاة أو ركبانا، ماشين أو ساعين، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها). الشرح (باب) في بيان صفة (صلاة الخوف) وأنها واجبة وجوب السنن، وقال ابن المواز: إنها رخصة، واقتصر عليه صاحب المختصر لصدق الرخصة عليها، وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلوة﴾ [النساء: ١٠٢]. قال القرطبي رحمه الله تعالى: «هذه الآية خطاب للنبي ﷺ ، وهو يتناول
следующие страницы →