← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

يفرق بأن الاستسقاء يقصد فيه التقرب بالحسنات لترفع العقوبات ولا كذلك العيد. (ويجهر فيهما بالقراءة) اتفاقا لما صح أنه ﷺ جهر فيهما بالقراءة لما في حديث عباد بن تميم عن عمه قال: «خرج النبي ﷺ يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو وحول رداءه، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة» (١)، قال الحافظ: ونقل ابن بطال أيضا الإجماع عليه (٢). فائدة: كل صلاة فيها خطبة فصلاتها جهرية ما عدا صلاة الجمع بعرفة لأن الخطبة ليست للصلاة وإنما هي للنسك (٣). و (يقرأ) في الركعة الأولى (ب) أم القرآن وب ﴿وسبح اسم ربك الأعلى﴾ ونحوها وفي الركعة الثانية بأم القرآن وب ﴿والشمس وضحاها﴾ ونحوها وإنما خص هاتين السورتين بالذكر، لأنه قرأ بهما فيهما، ولعله مستنبط من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ صلى الاستسقاء كما يصلي في العيد (٤)، وقد ورد تفصيل السور المقروءة في حديث ضعيف من حديث طلحة بن يحيى، قال: أرسلني مروان إلى ابن عباس ﵂ اسأله عن سنة الاستسقاء، فقال: «سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين، إلا أن رسول الله ﷺ قلب رداءه فجعل يمينه على يساره، ويساره على يمينه، فصلى الركعتين يكبر في الأولى سبع تكبيرات، وقرأ سبح اسم ربك الأعلى، وقرأ في الثانية هل أتاك حديث الغاشية، وكبر فيها خمس تكبيرات» (٥).

стр. 562

وروي قوله: (وفي كل ركعة سجدتين) بالنصب والصواب سجدتان على أنه مبتدأ وخبر، ووجه النصب بإضمار فعل التقدير يسجد سجدتين (و) روي قوله: (ركعة واحدة) بالنصب وهو الصواب، لأنه معطوف على منصوب، وبالرفع ولا وجه له لأنه لم يتقدم ما يعطف عليه ويعني بالركعة الركوع وإنما أكدها بواحدة احترازا من صلاة الكسوف (و) إذا فرغ من سجود الركعة الثانية (يتشهد ويسلم ثم إذا سلم فإنه يستقبل الناس بوجهه)؛ أي: ندبا وهو جالس على الأرض لا يرقى منبرا لأن هذه الحالة يطلب فيها التواضع (ف) إذا استقبلهم (يجلس جلسة) بفتح الجيم ليأخذ الناس أمكنتهم (فإن اطمأن الناس) في أمكنتهم (قام) الإمام على جهة الاستحباب حالة كونه (متوكئا على قوس أو عصا فخطب ثم جلس ثم قام فخطب) أخذ من كلامه أن الخطبة في الاستسقاء نظير الخطبة في العيدين في كونها بعد الصلاة وفي كونها يجلس فيها أولا وثانيا، وهو المشهور لفعله ﵊ ذلك (١) (فإذا فرغ) الإمام من خطبته (استقبل القبلة) وهو في مكان (فحول رداءه) تفاؤلا بتحويل حالهم من الشدة إلى الرخاء وصفة التحويل أن يجعل ما على منكبه الأيمن على منكبه الأيسر وما على منكبه (الأيسر) على منكبه (الأيمن) لفعله ﵊ فعن أبي هريرة ﵁ قال: «خرج النبي ﷺ يوما يستسقي، فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا، ودعا الله، وحول وجهه نحو القبلة رافعا يديه، ثم قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن» (٢)، (ولا يقلب ذلك)؛ أي: رداءه، قال سند: لأنه لم يحفظ عنه ذلك ولا عن أحد بعده، وخالف الجلاب (٣)، قلت: وهو الوارد

стр. 563

أنه ﷺ أراد أن يفعل ذلك فثقل عليه: كما في رواية لأبي داود: «استسقى رسول الله ﷺ وعليه خميصة له سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه» (١)، فأقل ما يمكن أن يقال إنه مباح وقد ذهب إلى ذلك الشافعي في الجمع بين الهم والتحويل (٢)، قال الحافظ: ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط، وقال الحافظ ابن عبد البر: ففي هذا الحديث دليل على أن الخميصة لو لم تثقل عليه لنكسها وجعل أعلاها أسفلها (٣). وأما تحويل ما على الأيمن على الأيسر فلا يمكن إلا مع جعل باطن الرداء ظاهرا وظاهره باطنا وفيه من التفاؤل ما لا يخفى. (وليفعل الناس) الذكور دون الإناث (مثله)؛ أي: مثل الإمام وهو المشهور (٤)، إن كانوا أصحاب أردية فيحولون أرديتهم وهم جلوس وأما الإمام فيحول وهو قائم، وهم قعود ثم يدعو (كذلك) وهو قائم مستقبل القبلة جهرا ويكون الدعاء بين الطول والقصر ومن دعائه ما ثبت من حديث أنس ﵁: «اللهم اسقنا اللهم اسقنا اللهم اسقنا» (٥)، وما جاء أيضا من رواية أبي وجرة يزيد بن عبيد السلمي ﷺ أن النبي ﷺ رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه وكان مما حفظ من دعائه: «اللهم اسق بلدك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا طبقا واسعا عاجلا غير آجل نافعا غير ضار اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء» (٦).

стр. 564

وروي عن عمر ﵁ أنه خرج يستسقي فلم يزد على الاستغفار، وقال: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا﴾ (١). (ثم ينصرف وينصرفون) على المشهور، وقيل يرجع مستقبلا للناس يذكرهم ويدعو ويؤمنون على دعائه ثم ينصرفون. (ولا يكبر فيها)؛ أي: في صلاة الاستسقاء كتكبيرات العيد، وفيه الإشارة لخلاف الشافعي (٢)، (ولا في) صلاة (الخسوف غير تكبيرة الإحرام و) تكبيرة (الخفض والرفع) وكذا لا يكبر في الخطبة، ويستبدل التكبير بالاستغفار، فيقول: استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه. ويكثر في أثناء الخطبتين من قوله: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهرا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢] (و) كذا (ولا إقامة) لحديث أبي هريرة ﵁ قال: «خرج نبي الله ﷺ يوما يستسقي، فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا ودعا الله ، … الحديث» (٣)، وفي غالب النسخ فيهما؛ أي: في صلاة الاستسقاء وصلاة الخسوف وفيها تكرار بالنسبة لصلاة الخسوف، لأنه قدمه هناك.

стр. 565

باب ما يفعل بالمحتضر وفي غسل الميت وكفنه وتحنيطه وحمله ودفنه • قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب ما يفعل بالمحتضر وفي غسل الميت، وكفنه، وتحنيطه، وحمله، ودفنه. ويستحب استقبال القبلة بالمحتضر، وإغماضه إذا قضى، ويلقن لا إله إلا الله، عند الموت، وإن قدر على أن يكون طاهرا وما عليه طاهر فهو أحسن. ويستحب أن لا يقربه حائض ولا جنب. وأرخص بعض العلماء في القراءة عند رأسه بسورة يس، ولم يكن ذلك عند مالك أمرا معمولا به. ولا بأس بالبكاء بالدموع حيئذ، وحسن التعزي والتصبر أجمل لمن استطاع، وينهى عن الصراخ والنياحة. وليس في غسل الميت حد، ولكن ينقى ويغسل وترا بماء وسدر، ويجعل في الأخيرة كافور، وتستر عورته، ولا تقلم أظفاره، ولا يحلق شعره، ويعصر بطنه عصرا رفيقا، وإن وضئ وضوء الصلاة فحسن وليس بواجب ويقلب لجنبه في الغسل أحسن، وإن أجلس فذلك واسع. ولا بأس بغسل أحد الزوجين صاحبه من غير ضرورة. والمرأة تموت في السفر لا نساء معها ولا محرم من الرجال فلييمم رجل وجهها وكفيها، ولو كان الميت رجلا يمم النساء وجهه ويديه إلى المرفقين، إن لم يكن معهن رجل يغسله، ولا امرأة من محارمه فإن كانت

стр. 566

امرأة من محارمه غسلته وسترت عورته، وإن كان مع الميتة ذو محرم غسلها من فوق ثوب يستر جميع جسدها. ويستحب أن يكفن الميت في وتر: ثلاثة أثواب، أو خمسة، أو سبعة، وما جعل له من أزرة وقميص وعمامة فذلك محسوب في عدد الأثواب الوتر (وقد كفن النبي ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية أدرج فيها إدراجا). ولا بأس أن يقمص الميت ويعمم، وينبغي أن يحنط ويجعل الحنوط بين أكفانه وفي جسده ومواضع السجود منه. ولا يغسل الشهيد في المعترك، ولا يصلى عليه ويدفن بثيابه. ويصلى على قاتل نفسه، ويصلى على من قتله الإمام في حد أو قود، ولا يصلي عليه الإمام. ولا يتبع الميت بمجمر. والمشي أمام الجنازة أفضل. ويجعل الميت في قبره على شقه الأيمن، وينصب عليه اللبن، ويقول حينئذ: اللهم إن صاحبنا قد نزل بك، وخلف الدنيا وراء ظهره، وافتقر إلى ما عندك، اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له وألحقه بنبيه محمد ﷺ . ويكره البناء على القبور وتجصيصها. ولا يغسل المسلم أباه الكافر، ولا يدخله قبره إلا أن يخاف أن يضيع فليواره. واللحد أحب إلى أهل العلم من الشق وهو: أن يحفر للميت تحت الجرف في حائط قبلة القبر، وذلك إذا كانت تربة صلبة لا تتهيل ولا تتقطع، وكذلك فعل برسول الله ﷺ ). الشرح (باب ما)؛ أي: في بيان الذي (يفعل بالمحتضر) بفتح الضاد سمي

стр. 567

بذلك لأن أجله حضره، والأجل له إطلاقان مدة الحياة وانتهاء تلك المدة، فإن أريد الثاني فلا تقدير، وإن أريد الأول فيحتاج إلى تقدير؛ أي: آخر أجله (وفي) بيان كيفية (غسل الميت) ومن يغسله ونحو ذلك؛ أي: مما يتعلق بالغسل ككونه يعصر بطنه برفق (و) في بيان (كفنه) بفتح الفاء وسكونها، وفي بيان عدد ما يكفن فيه الميت ونحو ذلك؛ أي: مما أشار إليه بقوله ولا بأس أن يقمص أو يعمم (و) في بيان (تحنيطه)؛ أي: الميت وتحنيط كفنه (و) في بيان (حمله) ترجم له ولم يذكره في الباب ولعله سكت عنه لما أن الدفن يتضمنه (و) بيان كيفية (دفنه)؛ أي: وضعه في قبره وما يوضع فيه؛ أي: من اللبن. • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويستحب استقبال القبلة بالمحتضر) حين تظهر علامات الموت عليه ويوقن بموته، وذلك إذا أشخص الرجل بصره؛ أي: فتح عينيه لا يطرف، ولا يستقبل به قبل ذلك؛ أي: يكره، والمطلوب في صفة الاستقبال أن يجعل على جنبه الأيمن وصدره إلى القبلة لما روى الحاكم من حديث أبي قتادة ﵁ «أن النبي ﷺ حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور (١)، فقالوا: توفي وأوصى أن يوجه إلى القبلة لما احتضر، فقال رسول الله ﷺ : «أصاب الفطرة، وقد رددت ثلثه على ولده، ثم ذهب فصلى عليه، وقال: اللهم اغفر له، وارحمه، وأدخله جنتك، وقد فعلت» (٢). قال الحاكم: ولا أعلم في توجيه المحتضر إلى القبلة غيره (٣)، ويذكر عن الحسن قال: ذكر عمر الكعبة فقال: والله ما هي إلا أحجار نصبها الله قبلة لأحيائنا، ونوجه إليها موتانا». (و) يستحب (إغماضه)؛ أي: تغليق عينيه (إذا قضى) نحبه النحب النذر، لما روت أم سلمة ﵂ قالت: «دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة

стр. 568

فأغمض بصره» ثم قال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر» (١). ولا يخفى أن كل حي لا بد أن يموت - إلا الحي القيوم الذي لا يموت جل في علاه - فكأنه نذر لازم، فإذا مات قضى نحبه؛ أي: نذره، والمراد أنه مات بالفعل، ولذلك أتى المصنف بإذا المفيدة للتحقيق، وإنما استحب ذلك لأن فتح عينيه بعد موته يقبح به منظره، وفي إغلاق بصره تكريم له. ويستحسن أن يقول ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن بكر بن عبد الله المزني التابعي الجليل ﵀ قال: «إذا أغمضت الميت فقل: باسم الله وعلى ملة رسول الله، وإذا حملته فقل: باسم الله، ثم تسبيح ما دمت تحمله» (٢). ويستحب أيضا شد لحييه بعصابة إكراما لمنظره، ولئلا تدخل الحشرات والهوام جوفه، وتليين مفاصله برفق، ورفعه عن الأرض، وستره بثوب «لأن النبي ﷺ سجي بثوب حبرة» (٣) من حديث عائشة ﵂، ووضع شيء ثقيل على بطنه نحو سيف لما روي أن أنس بن مالك ﵁ «أمر بوضع حديدة على بطن مولى له مات» وذلك لئلا ينتفخ، وتلقينه وإليه أشار بقوله و (يلقن)؛ أي: المحتضر الذي لم يمت بالفعل؛ وأما الأمور التي تقدمت فهي لمن مات بالفعل والتلقين أن يقول الجالس عنده بحيث يسمعه (لا إله إلا الله) لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ : «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله»» (٤). واستظهره خليل في «التوضيح»، وجنح ابن الفاكهاني للشهادتين، معللا أن الشرع اكتفى بذكر إحداهما (٥)، قلت: والأول أظهر عندي والله أعلم. (عند الموت)؛ أي: عند ظهور علامات الموت، وإنما طلب التلقين ليتذكرهما بعقله فيموت وهو معترف بهما في ضميره، وإذا قالها المحتضر لا

стр. 569

تعاد عليه إلا أن يتكلم بكلام أجنبي فتعاد عليه لتكون آخر كلامه فيدخل الجنة لما مضى في الحديث، ولا يقال له عند الاحتضار قل: لا إله إلا الله، لأنه ربما كان في منازعة الشيطان عند قوله له: مت على دين كذا اليهودية أو النصرانية فيقول لا، فيساء به الظن. ومن لطف الله بالصالحين تثبيته لهم فقد روى ابن أبي حاتم في ترجمة أبي زرعة: «أنه لما احتضر أرادوا تلقينه، فتذاكروا حديث معاذ، فحدثهم به أبو زرعة بإسناده، وخرجت روحه في آخر قول لا إله إلا الله» (١). (وإن قدر على أن يكون جسده (طاهرا، وما عليه طاهر فهو أحسن)؛ والمعنى: أنه يندب لنا أن نجعل ما فوقه وما تحته وجسده طاهرا إن أمكن ذلك، وعلته حضور الملائكة عنده، ويستحب أن لا يقربه حائض ولا جنب)، وكذا يندب أن لا يقربه كلب، ولا تمثال وكل شيء تكرهه الملائكة لحديث علي ﵁ عن النبي ﷺ : «إنها ثلاثة لن يلج عليك ملك ما دام فيها واحدة منها: كلب، أو جنابة، أو صورة روح» (٢). (وأرخص)؛ بمعنى: استحب (بعض العلماء) كابن حبيب من المالكية، والإمام أحمد (٣)، والشافعية (٤) (في القراءة عند رأسه) أو رجليه أو غير ذلك (بسورة يس) لما روى معقل بن يسار ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اقرأوا على موتاكم - يعني المحتضر تقرأ عنده يس» (٥).

стр. 570

قال الصنعاني: «قال أحمد في «مسنده»: حدثنا صفوان قال: كانت المشيخة يقولون إذا قرئت يس عند الموت خفف عنه بها … ثم أورد الحديث الأنف ثم قال: وهذان يؤيدان ما قاله ابن حبان من أن المراد به المحتضر، وهما أصرح في ذلك مما استدل به». وأخرج أبو الشيخ في فضائل القرآن، وأبو بكر المروزي في كتاب الجنائز عن أبي الشعثاء صاحب ابن عباس ﵄ أنه يستحب قراءة سورة الرعد، وزاد فإن ذلك يخفف عن الميت، وفيه أيضا عن الشعبي كانت الأنصار يستحبون أن تقرأ عند الميت سورة البقرة (١). (ولم يكن ذلك)؛ أي: ما ذكر من القراءة عند المحتضر (عند مالك) ﵀ وإنما هو مكروه عنده لا خصوصية يس بل يكره عنده قراءة يس أو غيرها عند موته أو بعده أو على قبره (أمرا معمولا به) وكذا يكره عنده تلقينه بعد وضعه في قبره وانظر التوضيح لخليل. اهـ (٢). (ولا بأس بالبكاء بالدموع حينئذ)؛ أي: حين يحتضر الميت؛ أي: وكذا بعد، لما روى أنس ﵁ قال: شهدنا بنتا لرسول الله ﷺ ، قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان، … (٣). (وحسن التعزي) وهو تقوية النفس على الصبر على ما نزل بها، والمناسب حذف حسن ويقول: والتعزي والتصبر أجمل؛ أي: أحسن، لأنه على عبارته يلغو الإخبار بقوله أجمل؛ أي: أحسن (والتصبر) وهو حمل النفس على الصبر فعطفه على حسن التعزي من عطف المغاير، لأن التعزي هو

стр. 571

تقوية النفس على الصبر بحيث يرسخ فيها ولا كذلك التصبر وهو حمل النفس على الصبر، ولا يلزم منه رسوخ (أجمل)؛ أي: أحسن من البكاء ولا يخفى أن البكاء لا حسن فيه فأفعل التفضيل ليس على بابه (لمن استطاع) ويستعان على ذلك بالنظر في الأدلة على أجر المصائب من الآيات والأحاديث الواردة في شأن ذلك فمنها قوله : ﴿وبشر الصابرين الذين إذا أصبتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]، فصلوات الله ورحمته لا يوازيهما شيء من جميع متعلقات الدنيا، وفي الحديث: «من قال ذلك وقال معه: اللهم آجرني في مصيبتي وأعقبني خيرا منها فعل الله به ذلك» (١). ولا يقول الحاضرون إلا خيرا لحديث أم سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر»، فضج ناس من أهله، فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون»، ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه» (٢). (وينهى عن الصراخ والنياحة) لقوله ﵊: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (٣) وفي رواية لمسلم: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب» (٤)، وقالت أم عطية ﵂: «أخذ علينا رسول الله ﷺ مع البيعة، ألا ننوح» (٥).

стр. 572

• حكم تغسيل الميت، وصفته: تغسيل الميت واجب على الأصح (١)، وصحح ابن راشد (٢) أنه فرض على الكفاية، وقيل سنة وبه قال المصنف كما في «جامع الآداب» كما سيأتي. (وليس في غسل الميت) غير شهيد المعركة عند مالك (حد ولكن) المقصود عنده أنه (ينقى) ولعل دليل مالك في هذا هو تخيير النبي ﷺ من غسلن ابنته بقوله: «اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن .. » (٣)، واعترض على ما ذكره من عدم التحديد بقوله (ويغسل وترا) فإنه تحديد أجيب عنه بأن التحديد هو الذي لا يزاد عليه ولا ينقص منه، والوتر يكون ثلاثا أو خمسا أو سبعا، وكون الغسل وترا مستحب؛ أي: ما عدا الواحد فلا ندب فيه فالاثنان أفضل، والغسل للميت تعبدي لا للنظافة على المشهور. وقيل للنظافة (٤). ويكون (بماء وسدر) متعلق بيغسل لقوله ﷺ في الذي سقط عن بعيره: «اغسلوه بماء وسدر» (٥)، ولحديث أم عطية أن رسول الله حين توفيت ابنته قال: «اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافورا» (٦). قال الفاكهاني: معناه عند جميع العلماء أن يذاب السدر المسحوق بالماء ثم يعرك به بدن الميت، ويدلك به، وهكذا في كل غسلة ما عدا الغسلة الأولى فلا بد فيها من الماء القراح حتى يحصل الغسل الواجب (ويجعل في) الغسلة (الأخيرة) على جهة الاستحباب (كافورا) لأمره ﵊

стр. 573

بذلك كما تقدم في حديث أم عطية ﵂، فإن لم يوجد قام غيره من الطيب مقامه، ويقوم مقام السدر عند عدمه الصابون ونحوه. (و) إذا جرد الميت للغسل (تستر عورته) وهي على ما فهم اللخمي من المدونة السوأتان خاصة، والمعتمد أنها ما بين السرة والركبة كما نقل عن ابن حبيب، ونقل الباجي عن أشهب ستر صدره ووجهه خشية تغيره فيساء به الظن وبالجملة فالأقوال ثلاثة (١) (وجوبا) ولو كان الغاسل زوجا وسيدا لما في الحديث أن النبي ﷺ قال لعلي: «لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت» (٢). قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى وروي: «الناظر من الرجال إلى فروج الرجال، كالناظر منهم إلى فروج النساء، والمتكشف ملعون» (٣). (ولا تقلم أظفاره ولا يحلق شعره) فإن فعل به هذا كره (٤)، واعتبر فعله بدعة (٥)، وضم معه في كفنه إن فعل (٦). (ويعصر بطنه) استحبابا قبل الغسل إن احتيج إلى ذلك (عصرا رفيقا) مخافة أن يخرج منه شيء يلطخ الكفن، فإن كانت امرأة حاملا فليرفق بها، ولا يضغط على بطنها خشية أن يخرج الجنين لما في حديث أم سليم أم أنس بن مالك ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا توفيت المرأة، فأرادوا أن يغسلوها، فليبدأوا ببطنها، فليمسح بطنها مسحا رفيقا، إن لم تكن حبلى، فإن كانت حبلى فلا تحركيها» (٧).

стр. 574

(وإن وضئ) الميت (وضوء الصلاة ف) هو (حسن)؛ أي: مستحب، وهو المشهور (١)، لحديث أم عطية ﵂ أن رسول الله ﷺ قال للنساء اللاتي غسلن ابنته: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها» (٢). ولا يفتقر لنية لأنه فعل في الغير وقوله: (وليس بواجب) إشارة إلى أن في المسألة قولين: بالاستحباب، والوجوب، لاختلاف العلماء في أمره ﷺ اغسلنها، فأشار للأول بقوله: فحسن، ولدفع الثاني بقوله: وليس بواجب؛ ولو خرجت منه نجاسة بعد الغسل أزيلت، ولا يعاد غسله، ولا وضوءه، بل يغسل المحل فقط (٣)، ولا بأس أن يجعل بين أليتيه وفي أرفاغه حنوط. (ويقلب) الميت (لجنبه في الغسل أحسن) من جلوسه لأنه أبلغ في الإنقاء، وأرفق بالميت فيجعل أولا على شقه الأيسر، فيغسل شقه الأيمن تفاؤلا لقوله ﷺ : «ابدأن بميامينها»، ثم يجعل على شقه الأيمن فيغسل شقه الأيسر، وهذا على جهة الاستحباب فإن بدأ بأي جهة وأنقى أجزأ (وإن أجلس) في الغسل (فذلك) الجلوس (واسع)؛ أي: جائز وهو اختيار عبد الوهاب؛ أي: فعنده الإجلاس أحسن لأنه أمكن في تحصيل غسله (٤). (ولا بأس بغسل أحد الزوجين صاحبه من غير ضرورة) استعمل لا بأس هنا فيما هو خير من غيره فإن كل واحد من الزوجين مقدم في غسل من مات منهما على سائر الأولياء، حتى أنه يقضى له به عند منازعة الأولياء له،

стр. 575

والأصل فيما ذكر ما روت عائشة فقالت: رجع رسول الله ﷺ من البقيع، فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي، وأنا أقول: وا رأساه، فقال: «بل أنا يا عائشة وا رأساه» ثم قال: «ما ضرك لو مت قبلي، فقمت عليك، فغسلتك، وكفنتك، وصليت عليك، ودفنتك» (١)، وفي البخاري بلفظ: «ذلك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك». وروى مالك في «الموطأ» عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: «أن أسماء بنت عميس غسلت أبا بكر الصديق حين توفي، ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين. فقالت: «إني صائمة، وإن هذا يوم شديد البرد، فهل علي من غسل؟ فقالوا: لا»» (٢). قال أبو عمر ابن عبد البر: هذا إجماع من العلماء مأخوذ عن إجماع السلف من الصحابة على ما في هذا الحديث من المهاجرين والأنصار من إجازات غسل المرأة زوجها من غير نكير عن أحد منهم (٣). وأن عليا ﵁ غسل السيدة فاطمة (٤)، وغسلت أبا موسى زوجته (٥). (وإن كان مع) المرأة (الميتة) في السفر (ذو محرم) من محارمها ولو صهرا ولم يكن معها امرأة (غسلها) محرمها على ما في «المدونة» (٦)، وقال أشهب: لا يغسلها بل ييممها (٧) (من فوق ثوب يستر جميع جسدها) وصورة

стр. 576

غسلها أن يصب عليها الماء صبا ولا يباشر جسدها بيده من فوق الثوب ولا من تحته. • تكفين الميت: وحكمه الوجوب على الكفاية (١)، (ويستحب أن يكفن الميت) غير شهيد المعركة (في وتر ثلاثة أثواب أو خمسة أو سبعة) تكلم على المستحب، وسكت عن الواجب، وهو ثوب ساتر لجميع جسده، وظاهر كلامه أن استحباب السبعة عام للرجال والنساء والذي في المختصر وهو المعتمد اختصاص استحباب التسبيع بالمرأة، وكراهة ما زاد على الخمسة للرجال. ولما خشي أن يتوهم أن ذلك مقصور على ما يلف فيه دفع ذلك بقوله: (وما جعل له)؛ أي: للميت (من وزرة) صوابه من إزرة (وقميص وعمامة فذلك محسوب في عدد الأثواب الوتر) المستحب ثم استدل على استحباب الوتر بقوله: (وقد كفن النبي في ثلاثة أثواب بيض سحولية) وقول المصنف جزء من حديث عائشة ﵂ قالت: «كفن في ثلاثة أثواب يمانية بيض، سحولية من كرسف ليس فيهن قميص ولا عمامة» (٢). بفتح السين وضمها فالفتح منسوب إلى السحول وهو القصار، لأنه يسحلها؛ أي: يغسلها، أو إلى سحول وهي قرية باليمن، والضم جمع سحل وهو الثوب الأبيض (٣) (أدرج)؛ أي: لف (فيها إدراجا)؛ أي: لفا. ولا بأس أن يقمص الميت، ويعمم استعمل لا بأس هنا فيما فعله خير من تركه فقد نص في المختصر على استحبابه؛ أي: كل واحد منهما مستحب لا أنهما مستحب واحد أما القميص فقد ثبت أن النبي ﷺ ألبس عبد الله ابن

стр. 577

أبي سلول قميصه لما مات" (١). قال أبو عمر (٢): وزعم أصحاب مالك أن العمامة عندهم في كفن الميت معروفة بالمدينة، وكذلك الخمار للمرأة، واستحبوا أن يقمص الميت، وكان ابن عمر يعمم الميت، وكان جابر بن عبد الله وعطاء لا يعممان، وكفن ابن عمر ابنه واقد في خمسة أثواب قميص وثلاثة لفائف وعمامة. اه. وأما المرأة فلا تعمم، وإنما يجعل على رأسها خمار يترك منه ذؤابة تطرح على وجهها. وأفضل الكفن الأبيض من القطن أو الكتان، والقطن أفضل لأنه أستر، وكفن فيه ﵊، ويكره المعصفر (٣) ونحوه من الأخضر وكل لون يخالف البياض. ومحل الكراهة عند إمكان الأبيض وإلا فلا. والكفن والحنوط ومؤنة تجهيزه يقدم على الدين غير المرتهن والوصية، وإلا بأن كان هناك رهن على الدين قد حازه المرتهن فإنه يقدم الدين المرهون على مؤن التجهيز. (وينبغي) بمعنى ويستحب أن يحنط الميت إن كان غير محرم ومعتدة ويلي ذلك غير محرم ومعتدة، ويستحب أن ينشف جسده بخرقة طاهرة قبل أن يحنط، ويستحب أيضا أن تجمر ثيابه؛ أي: تبخر وترا ثلاثا أو خمسا أو سبعا بالعود ونحوه (ويجعل الحنوط) بفتح الحاء وهو ما يطيب به من مسك وعنبر وكافور (بين أكفانه)؛ أي: فوق كل لفافة ما عدا العليا لأن الصديق ﵁ قال: لا تجعلوا على أكفاني حنوطا؛ أي: أعلاها، وقوله ﷺ في الذي وقصته راحلته: «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» (٤)، وفي رواية لمسلم: «ولا يمس طيبا» (٥)، فدل على أن غير الذي مات في إحرامه يجوز استعمال الحنوط له، وهل كل محرم

стр. 578

مات في إحرامه يفعل به ما فعل بالذي وقصته دابته؟ أجاب ابن الحاجب ومن قبله من المالكية بأنه يغسل ويطيب كغيره، قال خليل: الحديث: «إنه سيبعث ملبيا» لا يؤخذ منه تعميم ذلك الحكم، لأن ذلك لا يعلم إلا بالوحي، والنبي ﷺ لما علم أن ذلك المحرم يبعث ملبيا أمر بما أمر، ونحن لا نعلم ذلك، قاله المازري وغيره وفيه تنبيه على خلاف الشافعي. اه (١). قلت: ويشكل عليهم الشهداء في عدم تغسيلهم والصلاة عليهم، ونحن قطعا لا يمكن الجزم بأنهم شهداء إلا بحسب الظاهر لنا ولا نزكي على الله أحدا، ولكن نجري الأحكام بحسب ما أجراها الشارع عليهم، ولنا الظواهر والله يتولى السرائر والله أعلم. (و) يوضع الحنوط أيضا (في جسده) كعينيه وأذنيه وأنفه وفمه ومخرجيه بأن يذر منه على قطن ويلصق على عينيه وفي أذنيه وأنفه ومخرجه من غير إدخال فيها، وكان ابن عمر ﵁ «يتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك» (٢). ومواضع السجود منه الجبهة والأنف والركبتين واليدين وأطراف أصابع الرجلين، فعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «يوضع الكافور على مواضع سجود الميت» (٣). (ولا يغسل الشهيد في المعترك) وهو قول أكثر أهل العلم، قال مالك: ولو كان جنبا لعموم الخبر، والشهيد هو من مات بسيف القتال مع الكفار في وقت قيام القتال، لحديث جابر ﵁ «أن النبي ﷺ أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم، ولم يغسلهم، ولم يصل عليهم» (٤). ومثل الموت بالسيف لو داسته الخيل فمات، أو سقط عن دابته، أو حمل

стр. 579

على العدو فتردى في بئر أو سقط من شاهق، أو رجع عليه سلاحه فقتله (و) كذلك (لا يصلى عليه) لحديث جابر ﵁ السابق، وظاهر كلامه ولو قتله العدو في بلاد الإسلام وهو المشهور ومقابله يقول: إذا كان في بلاد الإسلام فإنه يغسل ويصلى عليه، لأن درجته انحطت عن الشهيد الذي دخل بلاد العدو، فإن رفع من المعترك حيا ثم مات فالمشهور أنه يغسل ويصلى عليه، لما فعل بسعد بن معاذ ﵁ حين أصيب في أكحله ولم يمت إلا بعد أيام (١)، ولو كان حين الرفع منفوذ المقاتل إلا أن يكون لم يبق فيه إلا ما يكون من غمرة الموت ولم يأكل ولم يشرب، هذا محصل ذلك القول على ما يستفاد من بعض شروح العلامة خليل (٢) ولكن المذهب أن منفوذها لا يغسل رفع مغمورا أم لا وكذا غير منفوذها وهو مغمور، (و) كما أنه لا يغسل ولا يصلى عليه (يدفن بثيابه) لأمره ﷺ في قتلى أحد «أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا في ثيابهم» (٣). (ويصلى على قاتل نفسه) كان القتل عمدا أو خطأ وإثمه على نفسه في العمد، لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «صلوا على من قال لا إله إلا الله» (٤) وما في «الصحيح». كقوله: «صلوا على صاحبكم» (٥). ويصلى عليه أهل الفضل في الخطأ دون العمد لما روى جابر بن سمرة ﵁: «أتي النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص (٦)، فلم يصل عليه» (٧).

стр. 580

(و) كذلك (يصلي على من قتله الإمام في حد) وجب عليه فيه القتل كتارك الصلاة كسلا، والمحارب؛ أي: قاطع الطريق، ومن وجب عليه الرجم كلائط وزان محصنين (أو) قتله الإمام (في قود) كمن قتل نفسا بغير نفس (ولا يصلى عليه)؛ أي: على من قتله في حد من زنا ونحوه، أو قود (الإمام) ولا أهل الفضل، قال مالك: لا يصلي على من قتل في حد لأن أبا برزة الأسلمي حدث: «أن رسول الله ﷺ لم يصل على ماعز بن مالك، ولم ينه عن الصلاة عليه (١)» واختلف هل صلى رسول الله ﷺ على الغامدية؟ (٢). والصحيح أنه صلى عليها ففي حديث بريدة ﵁ وفيه « … قال فجاءت الغامدية فقالت يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني … «لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس (٣) لغفر له». ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت» (٤). وإنما تركت الصلاة على القاتل ونحوه من الإمام وأهل الفضل ليكون ذلك ردعا لغيره عن مثل فعله إذا رأوا الأئمة وأهل الفضل امتنعوا من الصلاة عليه (٥)، واختار بعض أهل العلم أن يدعو له الإمام سرا ليجمع بين المصلحتين. (ولا يتبع الميت بمجمر) بفتح الميم الأولى وكسرها اسم للشيء الذي يجعل فيه الجمر والعود نفسه، وكذا المجمر بالضم فيهما، والمعنى أنه لا يتبع الميت بمجمر فيها نار لنهيه ﷺ ، روى مسلم من حديث ابن شماسة المهري أن عمرو بن العاص ﵁ لما حضرته الوفاة قال: « … فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة، ولا نار … » (٦).

стр. 581

فإذا كان الدفن ليلا واحتيج للضوء فلا بأس بذلك، لما ثبت أن النبي ﷺ : «دخل قبرا ليلا فأسرج له سراج» (١). (والمشي أمام الجنازة) للرجال (أفضل) من المشي خلفها لأنهم شفعاء (٢)، وإذا ركبوا فيستحب لهم أن يكونوا خلفها؛ والدليل الأول من حديث ابن عمر ﵄ قال: «رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة» (٣). ودليل الثاني: ما رواه أبو داود أنه قال: «الراكب يسير خلف الجنازة» (٤). (ويجعل الميت في قبره) على جهة الاستحباب (على شقه الأيمن) إلى القبلة، لأنها أشرف المجالس لما تقدم من حديث عن عبيد بن عمير عن أبيه وفيه في عد الكبائر « … واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا» (٥). وتمد يده اليمنى على جسده ويعدل رأسه بالتراب ويجعل التراب خلفه، وأمامه لئلا ينقلب ويحل عقد كفنه فإن لم يتمكن من جعله على شقه الأيمن فعلى ظهره مستقبل القبلة بوجهه فإن لم يمكن فعلى حسب الإمكان، وإذا خولف به الوجه المطلوب في دفنه كما إذا جعل لغير القبلة أو على شقه الأيسر ولم يطل فإنه يتدارك ويحول عن حاله، والطول يكون بالفراغ من دفنه. (و) بعد الفراغ من وضع الميت في لحده (ينصب عليه اللبن) بفتح اللام وكسر الباء على الأصح جمع لبنة وهو ما يعمل من طين وتبن وهو أفضل ما وقال: هذا حديث حسن من حديث ابن عباس ﵁.

стр. 582

يسد به. لما روى ابن حبان عن عائشة: «أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب سحولية، ولحد له، ونصب اللبن عليه نصبا» (١). ولحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال في مرضه الذي مات فيه: «ألحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله ﷺ » رواه مسلم (٢). (ويقول) واضع الميت في قبره أو من حضر دفنه (حينئذ)؛ أي: حين نصب اللبن عليه (اللهم إن صاحبنا) المراد به جنس الميت ليدخل فيه الذكر والأنثى صغيرا كان أو كبيرا أبا أو ابنا أو غيرهما (قد نزل بك)؛ أي: استضافك؛ أي: أنه نزل عندك ضيفا (وخلف)؛ أي: نبذ (الدنيا) المراد بها أهله وماله وولده (وراء ظهره وأقبل على الآخرة وافتقر إلى ما عندك) وهي رحمتك وهو الآن أشد افتقارا إليها (اللهم ثبت عند المسألة)؛ أي: سؤال الملكين (منطقه)؛ أي: كلامه فالمراد بالمنطق المنطوق به الذي هو الكلام بحيث يجيب حين السؤال بقوله: ربي الله ونبيي محمد ﷺ وديني الإسلام (ولا تبتله)؛ أي: لا تختبره الاختبار الامتحان والوارد من ذلك إنما هو السؤال فحينئذ يكون دعاء بأن يلطف به في السؤال؛ أي: بحيث يسأل برفق (في قبره بما)؛ أي: بشيء (لا طاقة له به وألحقه بنبيه)؛ أي: اجعله في جوار نبيه؛ أي: في البرزخ بأن تكون روحه مجاورة لروحه وفي الجنة بأن يكون بجواره بذاته (محمد ﷺ ). روى سحنون في «المدونة» قال إبراهيم: كان ابن مسعود يعلم الناس هذا في الجنائز وفي المجالس قال: وقيل له: أكان رسول الله ﷺ يقف على القبر إذا فرغ منه؟ قال: نعم كان إذا فرغ منه وقف عليه ثم قال: [اللهم نزل بك صاحبنا وخلف الدنيا وراء ظهره ونعم

стр. 583

المنزول به أنت اللهم ثبت عند المسألة منطقه ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به اللهم نور له في قبره وألحقه بنبيه] (١)، ولما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا أدخل الميت القبر قال: «بسم الله، وعلى ملة رسول الله» وروي: «وعلى سنة رسول الله» (٢). فلما أخذ في تسوية اللبن على اللحد قال: اللهم أجرها من الشيطان، ومن عذاب القبر، اللهم جاف الأرض عن جنبيها وصعد روحها، ولقها منك رضوانا. قلت: يا ابن عمر أشيء سمعته من رسول الله أم قلته برأيك؟ قال: «إني إذا لقادر على القول بل سمعته عن رسول الله ﷺ ؛ وروي عن عمر ﵁: أنه كان إذا سوى على الميت قال: اللهم أسلمه إليك الأهل والمال والعشيرة وذنبه عظيم فاغفر له» (٣). ويسأل المشيعون لأخيهم التثبيت بعد مواراته الثرى فهو في أمس الحاجة لذلك وقد فعله النبي ﷺ وأمر أصحابه بذلك، روى أبو داود بإسناده عن عثمان قال: «كان النبي إذا دفن الرجل وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل» (٤). ووصى بذلك سيدنا عمرو بن العاص ﵁ لما حضرته الوفاة فقال: «فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة، ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي … » (٥).

стр. 584

• حكم البناء على القبور: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويكره البناء على القبور) كراهة تحريم ظاهره مطلقا، قال في التحقيق: ويجب على ولي الأمر أن يأمر بهدمها لأن عليا ﵁ قال لأبي الهياج الأسدي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته» (١). (و) كذا يكره (تجصيصها)؛ أي: تبييضها بالجص وهو الجبس لما روى مسلم (٢) في «صحيحه» قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه» وفي رواية لأبي داود: «وأن يكتب عليه» (٣)، قال في «المدونة»: وقال مالك أكره تجصيص القبور والبناء عليها وهذه الحجارة التي يبنى عليها، وروى ابن لهيعة عن بكر بن سوادة قال: إن كانت القبور لتسوى بالأرض، وعن ابن وهب عن بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي زمعة البلوى صاحب النبي ﵇ أنه أمر أن يصنع ذلك بقبره إذا مات (قال سحنون) فهذه آثار في تسويتها فكيف بمن يريد أن يبني عليها؟. اهـ (٤). وجاز تعليمها بشيء كحجارة ونحوها مما لم يدخل في تركيبه النار فرارا من سوء الفال، وذلك لحديث عثمان بن مظعون ﵁ لما توفي ودفنه النبي ﷺ فأخذ صخرة وقال: «أتعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي» (٥). • هل يغسل المسلم أباه الكافر: كأن المصنف استشعر سؤال سائل عن حكم تغسيل المسلم للكافر

стр. 585

القريب فأجاب: (ولا يغسل المسلم أباه الكافر)؛ لأنه لا يغسل إلا من يصلى عليه وهذا لا يصلى عليه فلا فائدة في غسله والنهي للتحريم وأولى غير أبيه (١) (و) كما لا يغسله (لا يدخله قبره)؛ لأن بالموت سقط بره اللهم إلا أن يخاف أن يضيع إذا تركه (فليواره)؛ أي: وجوبا (٢)، لما روي عن علي ﵁ أنه قال للنبي ﷺ إن عمك الشيخ الضال قد مات، فقال النبي ﷺ : «اذهب فواره» (٣). ولأن التغسيل عبادة، ولا تنفع في الكافر، «وقد أمر النبي ﷺ بإلقاء طواغيت قريش في القليب لما أصيبوا في بدر على هيئاتهم» (٤)، ولا فرق بين الكافر الحربي وغيره ولا خصوصية للأب، بل وجوب المواراة عند خوف الضيعة عام حتى في الأجنبي، ولا يستقبل به قبلتنا، لأنه ليس من أهلها ولا قبلتهم لأن في ذلك تعظيما لها. وأما تعزيته ففي «العتبية»: قال لا يعجبني أن يعزى في أبيه الكافر لقوله تعالى: ﴿ما لكم من وليهم من شيء﴾ [الأنفال: ٧٢] فلم يكن لهم أن يرثوهم وقد أسلموا حتى يهاجروا (٥)، وروي عن مالك أنه يعزي جاره الكافر (بموت أبيه) الكافر لإمام الجوار فيقول إذا مر به: بلغني الذي كان من مصابك، ألحقه الله بكبار دينه وخيار ذوي ملته (٦) وغيرها مما يناسب حاله ولا يدعو له بالرحمة والمغفرة. • صفة القبر: معلوم شرعا أن دفن الميت واجب، فقد حكى ابن المنذر الإجماع على

стр. 586

وجوب دفن الميت، وأنه إذا قام به بعض المسلمين يسقط الإثم عن باقيهم» (١). ولما كان القبر يحفر على صفتين إما أن يكون لحدا أو شقا، بين المصنف رحمه الله تعالى أن اللحد أفضل فقال: (واللحد) بفتح اللام وضمها مع إسكان الحاء أحب إلى أهل العلم من الشق بفتح الشين لحديث سعد بن أبي وقاص ﵁: «ألحدوا لي لحدا، وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله» (٢)، وروى ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «اللحد لنا، والشق لغيرنا» (٣). فإن لم يمكن اللحد شق له في الأرض. ومعنى الشق: أن يحفر في أرض القبر شقا يضع الميت فيه ويسقفه عليه بشيء، ولأن الله تعالى اختار اللحد لنبيه ﵊ فأي داع إلى قول المصنف إلى أهل العلم (وهو)؛ أي: اللحد (أن يحفر للميت تحت الجرف في حائط قبلة القبر وذلك)؛ أي: كون اللحد أفضل إذا كانت حائط قبلة القبر (تربة صلبة لا تتهيل)؛ أي: لا تسيل كأرض الرمل (ولا تتقطع)؛ أي: لا تسقط جذوة جذوة؛ أي: قطعة قطعة أما إذا كانت كذلك فالشق أفضل (وكذلك)؛ أي: الإلحاد المفهوم من السياق (فعل برسول الله) ﷺ وفسر اللحد ولم يفسر الشق، وقد بيناه، ويسقف عليه ويرفع السقف قليلا بحيث لا يمس الميت، ويجعل في شقوقه قطع اللبن، ويوضع عليه التراب وليعمق القبر قدر قامة الرجل المتوسط إلى صدره ليكون بعيدا عن الهوام والسباع.

стр. 587

باب في الصلاة على الجنائز • قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب في الصلاة على الجنائز والدعاء للميت. والتكبير على الجنازة أربع تكبيرات، يرفع يديه في أولاهن، وإن رفع في كل تكبيرة فلا بأس. وإن شاء دعا بعد الأربع ثم يسلم، وإن شاء سلم بعد الرابعة مكانه. ويقف الإمام في الرجل عند وسطه، وفي المرأة عند منكبيها، والسلام من الصلاة على الجنائز تسليمة واحدة خفية للإمام والمأموم، وفي الصلاة على الميت قيراط من الأجر، وقيراط في حضور دفنه، وذلك في التمثيل مثل: جبل أحد ثوابا. ويقال في الدعاء على الميت غير شيء محدود، وذلك كله واسع ومن مستحسن ما قيل في ذلك: أن يكبر، ثم يقول: الحمد لله الذي أمات وأحيا، والحمد لله الذي يحيي الموتى له العظمة والكبرياء، والملك والقدرة والسناء، وهو على كل شيء قدير، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت خلقته ورزقته وأنت أمته وأنت تحييه وأنت أعلم بسره وعلانيته، جئناك شفعاء له فشفعنا فيه اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له إنك ذو وفاء وذمة، اللهم قه من فتنة القبر ومن عذاب جهنم اللهم اغفر له، وارحمه، واعف عنه، وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه، اللهم إن كان محسنا فزد

стр. 588

في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه، اللهم إنه قد نزل بك وأنت خير منزول به، فقير إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده. تقول هذا بأثر كل تكبيرة، وتقول بعد الرابعة: اللهم اغفر لحينا، وميتنا، وحاضرنا، وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا، وأنثانا إنك تعلم متقلبنا ومثوانا، ولوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان، وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، وأسعدنا بلقائك وطيبنا للموت وطيبه لنا واجعل فيه راحتنا ومسرتنا، ثم تسلم. وإن كانت امرأة قلت: اللهم إنها أمتك ثم تتمادى بذكرها على التأنيث غير أنك لا تقول: وأبدلها زوجا خيرا من زوجها؛ لأنها قد تكون زوجا في الجنة لزوجها في الدنيا، ونساء الجنة مقصورات على أزواجهن، لا يبغين بهم بدلا، والرجل قد يكون له زوجات كثيرة في الجنة، ولا يكون للمرأة أزواج. ولا بأس أن تجمع الجنائز في صلاة واحدة، ويلي الإمام الرجال إن كان فيهم نساء، وإن كانوا رجالا جعل أفضلهم مما يلي الإمام، وجعل من دونه النساء، والصبيان من وراء ذلك إلى القبلة، ولا بأس أن يجعلوا صفا واحدا، ويقربوا إلى الإمام أفضلهم، وأما دفن الجماعة في قبر واحد، فيجعل أفضلهم مما يلي القبلة. ومن دفن ولم يصل عليه ووري فإنه يصلى على قبره، ولا يصلى على من قد صلي عليه. ويصلى على أكثر الجسد، واختلف في الصلاة على مثل اليد والرجل).

стр. 589

الشرح (باب في) بيان (الصلاة على الجنائز) جمع جنازة قال ابن العربي: مذهب الخليل أن الجنازة بالكسر خشب سرير الموتى، وبالفتح الميت، وعكس الأصمعي. (و) في بيان (الدعاء للميت) وحكم الصلاة عليه أنها فرض كفاية وقد ذكر القرطبي (١) في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾ [التوبة: ٨٤]، قال: علماؤنا: هذا نص في الامتناع من الصلاة على الكفار، وليس فيه دليل على الصلاة على المؤمنين، واختلف هل يؤخذ لأنه علل المنع من الصلاة على الكفار لكفرهم لقوله تعالى: ﴿إنهم كفروا بالله ورسوله﴾ [التوبة: ٨٤]، فإذا زال الكفر وجبت الصلاة، ويكون هذا نحو قوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥]؛ يعني: الكفار، فدل على أن غير الكفار يرونه وهم المؤمنون فذلك مثله، والله أعلم. أو تؤخذ الصلاة من دليل خارج عن الآية وهي الأحاديث الواردة في الباب والإجماع، ومنشأ الخلاف القول بدليل الخطاب وتركه. ثم قال وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على جنائز المسلمين، من أهل الكبائر كانوا، أو صالحين، ووراثة عن نبيهم ﷺ قولا وعملا، والحمد لله، واتفق العلماء على ذلك إلا في الشهيد، وإلا في أهل البدع والبغاة. اهـ. • وأركان الصلاة على الجنازة خمسة: الأول: القيام، فإن صلوا من قعود لم تجز إلا من عذر وهذا على القول بوجوبها ودليل الوجوب مفهوم قوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره﴾ [التوبة: ٨٤] بناء على أن الذي يفيد المفهوم ضد حكم

стр. 590

المنطوق وهو وجوب الصلاة على المؤمنين لا نقيض الحكم المنطوق به وهو عدم حرمة الصلاة على المؤمنين. روى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أخا لكم قد مات - يعني النجاشي - فقوموا فصلوا عليه» قال: فقمنا فصففنا صفين (١). الثاني: الإحرام بمعنى النية؛ والثالث: السلام؛ والرابع: الدعاء؛ الخامس: التكبير. وإليه أشار بقوله: (والتكبير على الجنازة أربع تكبيرات) لفعله ﷺ وذلك لما ثبت أن آخر صلاة صلاها النبي ﷺ كبر فيها أربعا، وروى مالك عن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي للناس في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم وكبر أربع تكبيرات» (٢). قال الحافظ (٣): روى البيهقي بإسناد حسن إلى أبي وائل قال: «كانوا يكبرون على عهد رسول الله ﷺ ، سبعا، وستا، وخمسا، وأربعا، فجمع عمر الناس على أربع كأطول الصلاة». اهـ. قال ابن رشد: وانعقد الإجماع على ذلك في زمن عمر ﵁ (٤)، قال ابن حبيب واستقر فعله ﷺ على الأربع ومضى عليه عمل الصحابة (٥). ومفهومه أنه لو كان ممن لا يكبر خمسا لكنه كبر خمسا سهوا أن المأموم لا يقطع ولكنه يسكت فإذا سلم الإمام سلم بسلامه. وقاله مالك في الواضحة وأشهب. وبهذا يحسن الجمع بين إطلاقاتهم التي ظاهرها التعارض وعلى هذا فلا اعتراض وإذا ابتدأ التكبير فإنه (يرفع يديه في أولاهن وإن رفع في كل تكبيرة فلا بأس) وهو لأشهب، وهو أحد أقوال أربعة ذكرتها في الأصل.

стр. 591

وقد تقدم أن الدعاء أحد أركان الصلاة فتعاد الصلاة لتركه، واختلف في الدعاء بعد الرابعة، فأثبته سحنون قياسا على سائر التكبيرات (١)، وخالفه سائر الأصحاب وهو قول ابن حبيب (٢)، قياسا على عدم القراءة بعد الركعة الرابعة لأن التكبيرات الأربع أقيمت مقام الركعات الأربع؛ أي: مجموعها؛ أي: الهيئة الاجتماعية من التكبيرات الأربع مع ما احتوت عليه من الدعاء بمنزلة ركعات أربع ولا قراءة بعد الركعة الرابعة فلا دعاء بعد التكبيرة الرابعة، وليس المراد أن كل تكبيرة بمنزلة ركعة لوحظت وحدها أو مع الدعاء وإلا لزم في الأول عدم الدعاء بعد غير الرابعة، وفي الثاني الدعاء بعد الرابعة وظاهر كلام الشيخ التخيير حيث قال: (وإن شاء دعا بعد الأربع ثم يسلم وإن شاء سلم بعد الرابعة مكانه) فيكون قولا ثالثا، قال التتائي ولم أقف عليه لغيره، وفهمه خليل على ما قلناه (٣) لما روي أن عبد الله بن أبي أوفى ﵄ كبر على جنازة بنت له فقام بعد التكبيرة الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يستغفر لها ويدعو، ثم قال: «كان رسول الله ﷺ يصنع هكذا». وفي رواية كبر أربعا فمكث ساعة حتى ظننا أنه سيكبر خمسا، ثم سلم عن يمينه وعن شماله، فلما انصرف قلنا له فقال: «إني لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله ﷺ (٤)». تنبيه: لم يتكلم الشيخ على النية وهي أحد الأركان وصفتها أن يقصد بقلبه الصلاة على هذا الميت مع استحضار أنها فرض كفاية ولا يضر إن غفل عن هذا الأخير وتصح، كما تصح لو صلى عليها مع اعتقاد أنها أنثى فوجدت ذكرا وبالعكس، أو أنها فلان ثم تبين أنها غيره لأن مقصوده الشخص الحاضر بين يديه، بخلاف ما لو كان في النعش اثنان أو أكثر واعتقد أن الذي فيه

стр. 592

واحد فإنها تعاد على الجميع حيث كان ذلك الواحد غير معين وإلا أعيدت على غير المعين الذي نواه. ولو نوى واحدا بعينه ثم تبين أنهما اثنان أو أكثر وليس فيهما أو فيهم من عينه فإنها تعاد على الجميع. ولو نوى الصلاة على من في النعش مع اعتقاد أنه جماعة ثم تبين أنه واحد أو اثنان صحت لأن الواحد والاثنين بعض الجماعة. • موقف الإمام في صلاته على الجنازة وصفة تكبيره وتسليمه: • قال رحمه الله تعالى: ويقف الإمام على جهة الاستحباب ومثله المنفرد (في) الصلاة على (الرجل عند وسطه) بفتح السين (و) يقف الإمام ومثله المنفرد (في) الصلاة على (المرأة عند منكبيها) (١) على المشهور، وقيل كالرجل (٢)، لما روي أن ابن مسعود ﵁ كان إذا أتى بالجنازة استقبل الناس فقال: «أيها الناس إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: كل مائة أمة، ولن تجتمع مائة لميت فيجتهدوا له بالدعاء إلا وهب الله ذنوبه لهم، وإنكم جئتم شفعاء لأخيكم، فاجتهدوا له في الدعاء، ثم يستقبل القبلة، فإن كان رجلا قام عند وسطه، وإن كانت امرأة قام عند منكبيها» (٣)، والذي في صحيح الأثر المرفوع لسيد البشر ﷺ عكس ما المؤلف زبر فعن سمرة بن جندب ﵁ قال: «صليت وراء النبي ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها فقام عليها وسطها» (٤). وبعد قولي هذا والحمد لله: وقفت على كلام للقابسي حول أثر ابن مسعود الذي أورده في المدونة فقال: في إسناده نظر، وفيه رجل مجهول، عن إبراهيم، وإبراهيم لم يدرك ابن مسعود، وهو مخالف للحديث الذي خرج أهل

стр. 593

الصحيح. اهـ (١). وما ذكره المصنف من التفصيل هو المعروف من المذهب والدليل عليه واضح. وقال ابن شعبان: يقف في الرجل والمرأة حيث شاء. قال أبو عمر (٢): ليس في ذلك حد لازم من جهة كتاب ولا سنة ولا إجماع، وما كان هذا سبيله لم يجرح أحد في فعله كل ما جاء عن السلف، وليس في قيام رسول الله ﷺ منها في موضع ما يمنع من غيره؛ لأنه لم يوقف عليه. وليس عن مالك والشافعي شيء. اهـ. قلت: ذكر خليل في «التوضيح» أن لمالك قول بوقوف المرأة في وسطها (٣). (والسلام من الصلاة على الجنائز تسليمة واحدة) على المشهور (خفية) وفي نسخة خفيفة بفاءين بينهما ياء ساكنة روى عطاء بن السائب: «أن النبي سلم على الجنازة تسليمة» (٤)، وروي تسليمة واحدة عن علي وجمع من الصحابة ﵃ (٥)، وقال ابن المبارك: من سلم على الجنازة تسليمتين فهو جاهل جاهل (٦). وينبغي الجمع بين الوصفين فلا يمطط ولا يجهر كل الجهر وظاهر قوله: للإمام والمأموم يخالف قوله في «المدونة»، ويسلم إمام الجنازة واحدة ويسمع نفسه ومن يليه، ويسلم المأموم واحدة يسمع نفسه فقط، وإن أسمع من يليه فلا بأس به، وأجاب بعضهم بأن قوله للإمام والمأموم راجع لواحدة لا لقوله خفية، وقوله: خفية عائد على المأموم فقط، ولكن لا قرينة في اللفظ على ذلك التقدير.

стр. 594

(وفي الصلاة على الميت) المسلم (قيراط من الأجر، وقيراط في حضور دفنه وذلك) القيراط (في التمثيل مثل جبل أحد ثوابا). القيراط اسم لمقدار من الثواب يقع على القليل والكثير بينه بقوله مثل جبل أحد (١)، ومعنى المماثلة أنه لو جعل هذا الجبل في كفة وجعل القيراط في كفة مقابلة لها لتعادلا، وأراد المصنف بذلك بيان قوله ﷺ : «من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا، وكان معها حتى يصلى عليها، ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط» (٢). (ويقال في الدعاء على الميت غير شيء محدود) (٣)؛ أي: معين لأن الأدعية المروية عن النبي ﷺ والمروية عن أصحابه رضي الله تعالى عنهم في ذلك مختلفة. وينبغي الإخلاص له في الدعاء، وحكى ابن الحاجب وغيره الاتفاق على أنه لا يستحب دعاء معين (٤)، وتعقب بأن مالكا في «الموطأ» استحب دعاء أبي هريرة ﵁ وهو: «اللهم عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمدا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به. اللهم إن كان محسنا، فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا، فتجاوز عن سيئاته. اللهم لا تحرمنا أجره. ولا تفتنا بعده» (٥). وتعقب بقول ابن أبي زيد: ومن مستحسن ما قيل (٦).

стр. 595

وقال الشيخ: (وذلك)؛ أي: ما ورد من الدعاء (كله واسع)؛ أي: جائز فقل ما شئت منه ومن مستحسن ما قيل في ذلك؛ أي: الدعاء، أن يكبر ثم يقول الحمد لله الذي أمات وأحيا أمات من أراد إماتته وأحيا من أراد بقاءه (والحمد لله الذي يحيي الموتى) في الآخرة (له العظمة والكبرياء) هما بمعنى واحد (والملك)؛ أي: التصرف بالهداية والإضلال والثواب والعقاب (والقدرة) المتعلقة بكل ممكن إيجادا وإعداما (والسناء) بالمد العلو والرفعة، وإذا كان مقصورا كان معناه الضياء (وهو على كل شيء قدير)؛ أي: مشيء؛ بمعنى: مراد (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) وارحم محمدا وآل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد (كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد) (١)؛ أي: محمود (مجيد)؛ أي: كريم (اللهم)؛ أي: يا الله (إنه)؛ أي: هذا الميت (عبدك وابن عبدك وابن أمتك)؛ وعن أبي هريرة ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ في صلاته على الجنازة يقول: «اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر لها» (٢)، وألفاظ المصنف قريبة من هذا اللفظ؛ أنت خلقته؛ أي: أخرجته من العدم إلى الوجود (ورزقته) من يوم خلقته إلى يوم أمته وأنت أمته الآن في الدنيا وأنت تحييه في الآخرة (وأنت أعلم)؛ أي: عالم (بسره) منه ومن غيره وفي بعض النسخ (وعلانيته) وهي أحرى (جئناك شفعاء)؛ أي: نطلب (له) الشفاعة (فشفعنا) أي: اقبل شفاعتنا (فيه)، (اللهم إنا نستجير)؛ أي: نطلب منك الإجارة له والأمن من عذابك (بحبل)؛ أي: بعهد (جوارك) بكسر

стр. 596

الجيم على الأفصح؛ أي: أمانك (له إنك ذو وفاء وذمة)؛ أي: صاحب عهد ووفاء (اللهم قه)؛ أي: نجه (من فتنة القبر) لا شك أن الفتنة هي السؤال وهو لا بد منه فيكون طلب النجاة ليس منه بل مما ينشأ عنه وهو عدم الثبات وقه (من عذاب جهنم) وعن عوف بن مالك ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ صلى على جنازة يقول: (اللهم اغفر له)؛ أي: استر ذنوبه ولا تؤاخذه بها (وارحمه)؛ أي: أنعم عليه (واعف عنه)؛ أي: ضع عنه ذنوبه (وعافه)؛ أي: أذهب عنه ما يكره (وأكرم نزله). قال الفاكهاني: رويناه بسكون الزاي وهو ما يهيأ للنزيل؛ أي: للضيف، ولا يخفى التجوز في العبارة لعدم صحة المعنى الحقيقي. فالمعنى أكرمه في نزله؛ أي: فيما يهيؤ له، وقال الأقفهسي: نزله حلوله في قبره بأن يرى ما يرضاه ويسره (١) (ووسع مدخله) بفتح الميم وضمها فبالفتح الدخول وموضع الدخول وبالضم الإدخال (واغسله بماء وثلج وبرد) بفتح الراء قال أبو عمران: الثلج أنقى من الماء، والبرد أنقى من الثلج فارتكب طريق الترقي. وليس المراد بالغسل هنا ظاهره، بل هو استعارة للطهارة العظيمة من الذنوب (و) كأنه يقول: اللهم (نقه)؛ أي: طهره تنقية عظيمة (من الخطايا)؛ أي: الذنوب (كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس)؛ أي: الأوساخ (وأبدله)؛ أي: عوضه (دارا) وهي الجنة (خيرا من داره) وهي الدنيا (و) أبدله (أهلا)؛ أي قرابة في الآخرة يوالونه خيرا من أهله؛ أي: من قرابته في الدنيا (و) أبدله (زوجا خيرا من زوجه) الذي تركه في الدنيا «وقه فتنة القبر، وعذاب النار» قال عوف: «تمنيت أن لو كنت أنا الميت لدعاء رسول الله ﷺ لذلك الميت» (٢)، (اللهم إن كان محسنا)؛ أي: ذا إحسان؛ أي: طاعة (فزد)؛

стр. 597

أي: فضاعف له (في) ثواب (إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه؛ أي: عن سيئاته (اللهم إنه قد نزل بك)؛ أي: استضافك (و) الحال أنك (أنت خير منزول به الضمير في به راجع إلى موصوف؛ أي: أنت خير مضيف؛ أي: أنت خير من ينزل به، ولا يصح جعل الضمير لله، لأنه يلزم عليه أنت يا الله خير من الله، هكذا صرح به الأجهوري، وأنه فقير)؛ أي: أشد افتقارا (إلى رحمتك) الآن (وأنت غني عن عذابه فعن واثلة بن الأسقع قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين فسمعته يقول: اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك وحبل جوارك، فقه فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحمد اللهم فاغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم). (١) وكان عمر ﵁ يقول: «اللهم هذا عبدك خرج من الدنيا ونزل بك أفقر ما كان إليك، وأنت غني عنه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك، فاغفر له وتجاوز عنه، فإننا لا نعلم منه إلا خيرا» (٢). (اللهم ثبت عند المسألة)؛ أي سؤال الملكين وهما منكر ونكير (منطقه)؛ أي: كلامه ولا تبتله)؛ أي: لا تختبره في قبره بما)؛ أي: بشيء لا طاقة له به؛ أي: لا تجعل نهاية الاختبار بالسؤال شيئا لا طاقة له به، وهو عدم الجواب، بل اجعل له قدرة على الجواب أو أن مصدوق الشيء كون سؤال الملكين بعنف. (اللهم لا تحرمنا أجره)؛ أي: أجر الصلاة عليه (ولا تفتنا)؛ أي: لا تشغلنا بسواك (بعده) (٣) فإن كل ما يشغل عنك فهو فتنة. (تقول هذا) جميع ما ذكر من الثناء على الله تعالى والصلاة على نبيه إلى قوله: ولا تفتنا بعده (بإثر كل تكبيرة) قال بعضهم: هذا عام أريد به

стр. 598

الخصوص، إذ لا يقول ذلك بعد الرابعة، وإنما يقول بعدها ما سيذكره الآن. وقال بعضهم: هو عام بإثر كل تكبيرة حتى الرابعة ويزيد عليه قوله: وتقول بعد الرابعة. ولكن المتبادر من المصنف أن يقول ذلك وحده وإلا لقال: ويزيد بعد الرابعة. (وتقول بعد الرابعة) يريد إن شئت يدل على التخيير ما تقدم من قوله: وإن شاء دعا بعد الأربع بما رواه أبو هريرة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ إذا صلى على جنازة قال: (اللهم اغفر لحينا وميتنا)؛ أي: استر ذنوب من عاش منا ومن مات أي من المؤمنين (وحاضرنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا)، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان» (١)، وزاد ابن ماجة: «اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده». وعن عبد الله بن أبي أوفى «أنه ماتت ابنة له فكبر عليها أربعا ثم قام بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يدعو ثم قال: كان رسول الله ﷺ يصنع في الجنازة هكذا» (٢). وفيه دليل على استحباب الدعاء بعد التكبيرة الآخرة قبل التسليم وفيه خلاف، والراجح الاستحباب لهذا الحديث وقد مر التنبيه على ذلك والله الموفق. ثم يقول: (إنك تعلم متقلبنا)؛ أي: تصرفاتنا في جميع أمورنا (و) تعلم (مثوانا)؛ أي: إقامتنا في أحد الدارين (و) اغفر (لوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان و) اغفر (للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم من أحييته)؛ أي: أبقيته (منا فأحيه) بحذف حرف العلة؛ أي: أبقه (على الإيمان) حتى تميته عليه (ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام) (٣) وهو شهادة

стр. 599

أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ولما كان المراد من الإسلام الشهادتين وقد قال: «من مات وهو يقول لا إله إلا الله دخل الجنة» ناسب الدعاء بالوفاة عليه (وأسعدنا بلقائك)؛ أي: برؤيتك في الآخرة (وطيبنا)؛ أي: طهرنا (للموت) بالتوبة الصادقة وهي أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب كما لا يعود اللبن في الضرع. (وطيبه لنا واجعل فيه)؛ أي: في الموت (راحتنا ومسرتنا) بحصول ما يسر (ثم تسلم) كما تسلم من الصلاة. (وإن كانت) الجنازة (امرأة قلت اللهم إنها أمتك ثم تتمادى بذكرها على التأنيث) فتقول وبنت أمتك وبنت عبدك أنت خلقتها ورزقتها إلخ. (غير أنك لا تقول وأبدلها زوجا خيرا من زوجها لأنها قد تكون زوجا في الجنة لزوجها في الدنيا) وإنما أتى بقد الدالة على التوقع؛ أي: على شيء يتوقع حصوله لا مجزوم بحصوله لاحتمال أن يكون لها زوج في الدنيا وتكون لغيره في الآخرة، قال تعالى: ﴿ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذريتهم﴾ [الرعد: ٢٣]. قلت: وأحسن منه عندي أن يقرأ الفاتحة فهي ثناء وتعظيم ودعاء وتكريم، لا سيما وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (١) فهو عام في كل صلاة، وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه صلى جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، فقال: «إنه من السنة، أو من تمام السنة» (٢). واختار أشهب وابن مسلمة: قراءة الفاتحة عقيب التكبيرة الأولى (٣)، وحكى القرافي عن أشهب الوجوب، وكان يفعله، واحتج بالحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٤). ونصر ابن عبد السلام قول أشهب (٥).

стр. 600

قال العلامة اللكنوي في شرحه ل «موطأ مالك» من رواية محمد بن الحسن الشيباني: «وبالجملة الأمر بين الصحابة مختلف (١)، ونفس القراءة ثابت فلا سبيل إلى الحكم بالكراهة بل غاية الأمر أن لا يكون لازما» (٢). نساء المؤمن في الجنة من الحور العين: (ونساء الجنة مقصورات على أزواجهن لا يبغين بهم بدلا)؛ أي: محبوسات، أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿فيهن قاصرات الطرف﴾ [الرحمن: ٥٦] قال: قاصرات الطرف على أزواجهن لا يرين غيرهم والله ما هن متبرحات ولا متطلعات (٣) .... (والرجل قد يكون له زوجات كثيرة في الجنة) قال الأقفهسي: وانظر هل من الآدميات أو من الحور العين الجواب أن الزوجات الكثيرات منهما معا، فقد روى أبو نعيم أنه قال: «يزوج كل رجل من أهل الجنة أربعة آلاف بكر وثمانية آلاف أيم ومائة حوراء» (٤) الحديث والله أعلم. اه. وروى مسلم حديث إسماعيل بن علية عن أيوب عن محمد بن سيرين قال: إما تفاخروا وإما تذاكروا (أي: الصحابة)، الرجال أكثر في الجنة أم النساء؟ فقال أبو هريرة ﵁: أو لم يقل أبو القاسم ﷺ : «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوا كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب؟» (٥).
следующие страницы →