← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الجيم على الأفصح؛ أي: أمانك (له إنك ذو وفاء وذمة)؛ أي: صاحب عهد ووفاء (اللهم قه)؛ أي: نجه (من فتنة القبر) لا شك أن الفتنة هي السؤال وهو لا بد منه فيكون طلب النجاة ليس منه بل مما ينشأ عنه وهو عدم الثبات وقه (من عذاب جهنم) وعن عوف بن مالك ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ صلى على جنازة يقول: (اللهم اغفر له)؛ أي: استر ذنوبه ولا تؤاخذه بها (وارحمه)؛ أي: أنعم عليه (واعف عنه)؛ أي: ضع عنه ذنوبه (وعافه)؛ أي: أذهب عنه ما يكره (وأكرم نزله). قال الفاكهاني: رويناه بسكون الزاي وهو ما يهيأ للنزيل؛ أي: للضيف، ولا يخفى التجوز في العبارة لعدم صحة المعنى الحقيقي. فالمعنى أكرمه في نزله؛ أي: فيما يهيؤ له، وقال الأقفهسي: نزله حلوله في قبره بأن يرى ما يرضاه ويسره (١) (ووسع مدخله) بفتح الميم وضمها فبالفتح الدخول وموضع الدخول وبالضم الإدخال (واغسله بماء وثلج وبرد) بفتح الراء قال أبو عمران: الثلج أنقى من الماء، والبرد أنقى من الثلج فارتكب طريق الترقي. وليس المراد بالغسل هنا ظاهره، بل هو استعارة للطهارة العظيمة من الذنوب (و) كأنه يقول: اللهم (نقه)؛ أي: طهره تنقية عظيمة (من الخطايا)؛ أي: الذنوب (كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس)؛ أي: الأوساخ (وأبدله)؛ أي: عوضه (دارا) وهي الجنة (خيرا من داره) وهي الدنيا (و) أبدله (أهلا)؛ أي قرابة في الآخرة يوالونه خيرا من أهله؛ أي: من قرابته في الدنيا (و) أبدله (زوجا خيرا من زوجه) الذي تركه في الدنيا «وقه فتنة القبر، وعذاب النار» قال عوف: «تمنيت أن لو كنت أنا الميت لدعاء رسول الله ﷺ لذلك الميت» (٢)، (اللهم إن كان محسنا)؛ أي: ذا إحسان؛ أي: طاعة (فزد)؛

стр. 597

أي: فضاعف له (في) ثواب (إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه؛ أي: عن سيئاته (اللهم إنه قد نزل بك)؛ أي: استضافك (و) الحال أنك (أنت خير منزول به الضمير في به راجع إلى موصوف؛ أي: أنت خير مضيف؛ أي: أنت خير من ينزل به، ولا يصح جعل الضمير لله، لأنه يلزم عليه أنت يا الله خير من الله، هكذا صرح به الأجهوري، وأنه فقير)؛ أي: أشد افتقارا (إلى رحمتك) الآن (وأنت غني عن عذابه فعن واثلة بن الأسقع قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين فسمعته يقول: اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك وحبل جوارك، فقه فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحمد اللهم فاغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم). (١) وكان عمر ﵁ يقول: «اللهم هذا عبدك خرج من الدنيا ونزل بك أفقر ما كان إليك، وأنت غني عنه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك، فاغفر له وتجاوز عنه، فإننا لا نعلم منه إلا خيرا» (٢). (اللهم ثبت عند المسألة)؛ أي سؤال الملكين وهما منكر ونكير (منطقه)؛ أي: كلامه ولا تبتله)؛ أي: لا تختبره في قبره بما)؛ أي: بشيء لا طاقة له به؛ أي: لا تجعل نهاية الاختبار بالسؤال شيئا لا طاقة له به، وهو عدم الجواب، بل اجعل له قدرة على الجواب أو أن مصدوق الشيء كون سؤال الملكين بعنف. (اللهم لا تحرمنا أجره)؛ أي: أجر الصلاة عليه (ولا تفتنا)؛ أي: لا تشغلنا بسواك (بعده) (٣) فإن كل ما يشغل عنك فهو فتنة. (تقول هذا) جميع ما ذكر من الثناء على الله تعالى والصلاة على نبيه إلى قوله: ولا تفتنا بعده (بإثر كل تكبيرة) قال بعضهم: هذا عام أريد به

стр. 598

الخصوص، إذ لا يقول ذلك بعد الرابعة، وإنما يقول بعدها ما سيذكره الآن. وقال بعضهم: هو عام بإثر كل تكبيرة حتى الرابعة ويزيد عليه قوله: وتقول بعد الرابعة. ولكن المتبادر من المصنف أن يقول ذلك وحده وإلا لقال: ويزيد بعد الرابعة. (وتقول بعد الرابعة) يريد إن شئت يدل على التخيير ما تقدم من قوله: وإن شاء دعا بعد الأربع بما رواه أبو هريرة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ إذا صلى على جنازة قال: (اللهم اغفر لحينا وميتنا)؛ أي: استر ذنوب من عاش منا ومن مات أي من المؤمنين (وحاضرنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا)، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان» (١)، وزاد ابن ماجة: «اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده». وعن عبد الله بن أبي أوفى «أنه ماتت ابنة له فكبر عليها أربعا ثم قام بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يدعو ثم قال: كان رسول الله ﷺ يصنع في الجنازة هكذا» (٢). وفيه دليل على استحباب الدعاء بعد التكبيرة الآخرة قبل التسليم وفيه خلاف، والراجح الاستحباب لهذا الحديث وقد مر التنبيه على ذلك والله الموفق. ثم يقول: (إنك تعلم متقلبنا)؛ أي: تصرفاتنا في جميع أمورنا (و) تعلم (مثوانا)؛ أي: إقامتنا في أحد الدارين (و) اغفر (لوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان و) اغفر (للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم من أحييته)؛ أي: أبقيته (منا فأحيه) بحذف حرف العلة؛ أي: أبقه (على الإيمان) حتى تميته عليه (ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام) (٣) وهو شهادة

стр. 599

أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ولما كان المراد من الإسلام الشهادتين وقد قال: «من مات وهو يقول لا إله إلا الله دخل الجنة» ناسب الدعاء بالوفاة عليه (وأسعدنا بلقائك)؛ أي: برؤيتك في الآخرة (وطيبنا)؛ أي: طهرنا (للموت) بالتوبة الصادقة وهي أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب كما لا يعود اللبن في الضرع. (وطيبه لنا واجعل فيه)؛ أي: في الموت (راحتنا ومسرتنا) بحصول ما يسر (ثم تسلم) كما تسلم من الصلاة. (وإن كانت) الجنازة (امرأة قلت اللهم إنها أمتك ثم تتمادى بذكرها على التأنيث) فتقول وبنت أمتك وبنت عبدك أنت خلقتها ورزقتها إلخ. (غير أنك لا تقول وأبدلها زوجا خيرا من زوجها لأنها قد تكون زوجا في الجنة لزوجها في الدنيا) وإنما أتى بقد الدالة على التوقع؛ أي: على شيء يتوقع حصوله لا مجزوم بحصوله لاحتمال أن يكون لها زوج في الدنيا وتكون لغيره في الآخرة، قال تعالى: ﴿ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذريتهم﴾ [الرعد: ٢٣]. قلت: وأحسن منه عندي أن يقرأ الفاتحة فهي ثناء وتعظيم ودعاء وتكريم، لا سيما وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (١) فهو عام في كل صلاة، وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه صلى جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، فقال: «إنه من السنة، أو من تمام السنة» (٢). واختار أشهب وابن مسلمة: قراءة الفاتحة عقيب التكبيرة الأولى (٣)، وحكى القرافي عن أشهب الوجوب، وكان يفعله، واحتج بالحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٤). ونصر ابن عبد السلام قول أشهب (٥).

стр. 600

قال العلامة اللكنوي في شرحه ل «موطأ مالك» من رواية محمد بن الحسن الشيباني: «وبالجملة الأمر بين الصحابة مختلف (١)، ونفس القراءة ثابت فلا سبيل إلى الحكم بالكراهة بل غاية الأمر أن لا يكون لازما» (٢). نساء المؤمن في الجنة من الحور العين: (ونساء الجنة مقصورات على أزواجهن لا يبغين بهم بدلا)؛ أي: محبوسات، أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿فيهن قاصرات الطرف﴾ [الرحمن: ٥٦] قال: قاصرات الطرف على أزواجهن لا يرين غيرهم والله ما هن متبرحات ولا متطلعات (٣) .... (والرجل قد يكون له زوجات كثيرة في الجنة) قال الأقفهسي: وانظر هل من الآدميات أو من الحور العين الجواب أن الزوجات الكثيرات منهما معا، فقد روى أبو نعيم أنه قال: «يزوج كل رجل من أهل الجنة أربعة آلاف بكر وثمانية آلاف أيم ومائة حوراء» (٤) الحديث والله أعلم. اه. وروى مسلم حديث إسماعيل بن علية عن أيوب عن محمد بن سيرين قال: إما تفاخروا وإما تذاكروا (أي: الصحابة)، الرجال أكثر في الجنة أم النساء؟ فقال أبو هريرة ﵁: أو لم يقل أبو القاسم ﷺ : «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوا كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب؟» (٥).

стр. 601

قلت: فإذا كان الرجل المؤمن عنده في الدنيا امرأة أو إلى أربعة مع الحوريتين فأقل شيء ثلاثة، وأكثره ستة، وهذا بالنسبة للرجال أضعاف مضاعفة، ناهيك عمن تقدمنا من الأمم الذين كان التعدد فيهم مباح فنبي الله سليمان عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام دخل على مائة امرأة من نسائه في ليلة واحدة وغيره كثير. والله أعلم. (ولا يكون للمرأة أزواج) في الجنة لأن اجتماع جماعة من الرجال على فرج واحد في الدنيا مما تنفر منه النفوس. قال تعالى: ﴿فيهن قاصرات الطرف﴾؛ أي: غضيضات عن غير أزواجهن فلا يرين شيئا في الجنة أحسن من أزواجهن، قاله ابن عباس وقتادة وعطاء الخراساني وابن زيد، وقد ورد أن الواحدة منهن تقول لبعلها والله ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك. ولا في الجنة شيئا أحب إلي منك فالحمد لله الذي جعلك لي وجعلني لك. صلاة الجنازة على جمع من الأموات: (ولا بأس)؛ بمعنى: ويستحب (أن تجمع الجنائز في صلاة واحدة) عند جمهور العلماء بل حكى بعض العلماء أن لا خلاف بين أهل العلم في جواز الصلاة على الجنائز وقد روى مالك في «الموطأ» (١): «أنه بلغه أن عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر، وأبا هريرة ﵃ كانوا يصلون على الجنائز بالمدينة: الرجال والنساء. فيجعلون الرجال مما يلي الإمام. والنساء مما يلي القبلة». خلافا لمن قال إنها لا تجمع بل يصلى على كل ميت وحده وعلى القول بجمع الجنائز في صلاة واحدة على أي هيئة توضع الجنائز هل يلي الإمام الأفضل وغيره إلى جهة القبلة أو يجعلوا صفا واحدا، ويقرب إلى الإمام أفضلهم وإلى الأول أشار بقوله: (ويلي الإمام) بالنصب في الصلاة على جماعة الموتى (الرجال) بالرفع، ويجوز نصبه ورفع الإمام (إن كان فيهم نساء وإن كانوا)؛ أي: الجنائز (رجالا جعل أفضلهم مما يلي الإمام وجعل من دونه

стр. 602

النساء و) جعل (الصبيان من وراء ذلك إلى القبلة) وما ذكره من تقديم النساء على الصبيان هو قول ابن حبيب والمشهور خلافه، أخرج أبو داود عن عمار مولى بني هاشم قال: «شهدت جنازة صبي وامرأة، فقدم الصبي مما يلي القوم، ووضعت المرأة وراءه، وفي القوم أبو سعيد الخدري وابن عباس وأبو قتادة وأبو هريرة ﵃ فقلنا لهم، فقالوا: السنة» (١)، ومثلها قصة أم كلثوم وابنها إن لم تكن القصة نفسها، وأظنها كذلك. وهو أن الذكور الأحرار البالغين يكونون مما يلي الإمام الأفضل فالأفضل، ثم الذكور الأحرار الصغار، ثم الخنثى ثم الأرقاء الذكور، ثم النساء الأحرار، ثم صغارهن ثم أرقاؤهن. والهيئة الثانية: أشار إليها بقوله (ولا بأس أن يجعلوا)؛ أي: الجنائز (صفا واحدا، ويقرب إلى الإمام أفضلهم) كقرب أولي النهى والفضل للإمام في صلاتهم، وقد كان النبي ﷺ يقدم أهل القرآن، هذا إذا كانوا كلهم من جنس واحد كرجال أو نساء أو صبيان. وأما إن كانوا رجالا ونساء وصبيانا فيتقدم إلى الإمام صف الرجال، ثم صف الصبيان، ثم صف النساء هذا من حيث الجنائز. وأما من حيث الإمامة فيقدم الأعلم، ثم الأفضل، ثم الأسن. ومن حيث القرابة: يقدم ابن الميت إن كان صالحا لإخلاصه في الدعاء لوالديه أكثر من غيره إلا أن يكون الميت قد أوصى بأن يصلي عليه فلان، ثم الأمير لأنه لا يؤم في سلطانه إلا بإذنه، ثم أقرب عصبة الهالك: من ابن، فابنه، فأب، فأخ، فابنه فجد، فعم، فابنه وإن سفل، فالمولى الأعلى وإن اجتمعت جنائز وأولياؤها قدم أفضل ولي ولو ولي المرأة (٢). السنة في دفن الفرد والجماعة: لما كان وضع الجنائز إذا اجتمعت للصلاة عليها مخالفا لوضعها في قبر

стр. 603

واحد إذا دعت لذلك ضرورة أتى الشيخ بأداة الفصل فقال: (وأما دفن الجماعة في قبر واحد، فيجعل أفضلهم مما يلي القبلة) لما في السنن الأربعة أن النبي ﷺ قال يوم أحد: «احفروا، وأوسعوا، وعمقوا، وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وقدموا أكثرهم قرآنا» (١). وظاهر كلام الشيخ جواز ذلك مطلقا دعت الضرورة لجمعهم في قبر واحد أم لا، وليس كذلك بل إن دعت الضرورة جاز وإلا كره، ومحل الجواز للضرورة. والكراهة لغيرها إذا حصل دفنهم في وقت واحد وأما لو أردنا دفن ميت على آخر بعد تمام دفنه فيحرم، لأن القبر حبس على الميت لا ينبش ما دام به إلا لضرورة فلا يحرم. (ومن دفن) من أموات المسلمين (ولم يصل عليه وووري فإنه يصلى على قبره) عند ابن القاسم، وهذا قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، فقد صح أن النبي ﷺ ذكر له أن رجلا مات فقال: «دلوني على قبره - أو قال قبرها - فأتى قبرها فصلى عليها» (٢)، وقال مالك إن صلي عليه لا تعاد. قال الباجي: وعلى الجواز جمهور أصحابنا (٣)، وحكاه خليل (٤). (ولا يصلى على من قد صلي عليه) على جهة الكراهة المذهبية لا الشرعية، أي سواء كان مريد الصلاة ثانيا هو الذي صلى عليه أولا أو غيره، وقد صلى النبي ﷺ على من صلي عليه، وإن كانت صلاته شفاعة للميت لكن الاقتداء به لمن أراد فإن الأمر واسع والكراهة لا تنافي الجواز فعن ابن عباس ﵁: «أن رسول الله ﷺ مر بقبر قد دفن ليلا، فقال: «متى دفن هذا؟»

стр. 604

قالوا: البارحة، قال: «أفلا آذنتموني؟» قالوا: دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك، فقام، فصففنا خلفه، قال ابن عباس: وأنا فيهم فصلى عليه» (١). (ويصلى على أكثر الجسد) كالثلثين فأكثر على المشهور (٢)، ولا يصلى على نصف الجسد عند ابن القاسم، وهو المعتمد، بل ولو زاد على النصف وكان دون الثلثين لأنه يؤدي إلى الصلاة على الغائب، واغتفر غيبة اليسير لأنه تبع. (واختلف في الصلاة على مثل اليد والرجل) أطلق المثل على الشيء نفسه، فذكر الخلاف في اليد والرجل فقال مالك: لا يصلى عليه لاحتمال أن يكون صاحبها حيا. وقد صلى أهل مكة على يد رجل زمن وقعة الجمل، قال الشافعي (٣): (ألقى طائر يدا بمكة من وقعة الجمل فعرفت بالخاتم، وكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فصلى عليها أهل مكة) (٤) وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم يعرف من الصحابة مخالفا في ذلك. وذكر عيسى بن دينار في كتاب ابن مزين أن أبا عبيدة عامر بن الجراح ﵁ صلى على رؤوس وأيد بالشام (٥). وجوز ابن حبيب جواز تغسيل العضو والصلاة عليه، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة (٦)، قال ابن يونس وبه أقول ..

стр. 605

باب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسله قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسله: تثني على الله ﵎، وتصلي على نبيه محمد ﷺ ، ثم تقول: اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت خلقته ورزقته، وأنت أمته، وأنت تحييه، اللهم فاجعله لوالديه سلفا وذخرا وفرطا وأجرا، وثقل به موازينهم، وأعظم به أجورهم، ولا تحرمنا وإياهم أجره، ولا تفتنا وإياهم بعده، اللهم ألحقه بصالح سلف المؤمنين في كفالة إبراهيم، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله وعافه من فتنة القبر، ومن عذاب جهنم. تقول ذلك في كل تكبيرة، وتقول بعد الرابعة، اللهم اغفر لأسلافنا وأفراطنا ولمن سبقنا بالإيمان اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، واغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. ثم تسلم. ولا يصلى على من لم يستهل صارحا، ولا يرث ولا يورث. ويكره أن يدفن السقط في الدور. ولا بأس أن يغسل النساء الصبي الصغير ابن ست سنين أو سبع، ولا يغسل الرجال (١) الصبية، واختلف فيها إن كانت لم تبلغ أن تشتهى، والأول أحب إلينا).

стр. 606

الشرح (باب في الدعاء)؛ أي: في بيان ما يدعى به (للطفل) ذكرا كان أو أنثى، وقال بعض أهل اللغة: يقال للذكر طفل، والأنثى طفلة، وهو ما بلغ سنة فأقل؛ أي: عند أهل اللغة، وعند الفقهاء يطلق على من دون البلوغ؛ أي: مجازا للمشابهة بينهما. وفي بيان (الصلاة عليه) أراد من يصلى عليه، ومن لا يصلى عليه من الأطفال وقد نقل ابن المنذر (١) الإجماع فقال: أجمع أهل العلم على أن الطفل إذا عرفت حياته واستهل صلي عليه، (و) في بيان (غسله) أراد به بيان من يغسله ومن لا يغسله وإنما فسر هذا وما قبله بالإرادة المذكورة لا بما يعطيه ظاهر لفظه لأنه هو المذكور في هذا الباب. وإنما أفرد هذا الباب عما قبله لأن فيه أحكاما تختص بالطفل من الاستهلال وغسل الصغير، ومن أنه يصلى على من استهل صارخا وغير ذلك. وقد ابتدأ الدعاء له بقوله: (تثني على الله ﵎ وتصلي على نبيه محمد ﷺ لما مر في صلاة الجنازة (ثم تقول: اللهم)؛ أي: يا الله (إنه)؛ أي: الطفل (عبدك وابن عبدك وابن أمتك) ظاهره عام في ولد الزنى وولد الملاعنة وغيرهما. وقد قيل إنما يقال هذا في الثابت النسب. وأما غيره فيقال فيه: اللهم إنه عبدك وابن أمتك أنت خلقته)؛ أي: أنشأته (ورزقته) تقول ذلك ولو مات عقب الاستهلال لأن الله رزقه في بطن أمه (وأنت أمته) في الدنيا، وأنت تحييه في الآخرة (اللهم فاجعله لوالديه) قال الفاكهاني رويناه بكسر الدال فيدخل فيه الأجداد والجدات ولذا قال: وثقل به موازينهم بصيغة الجمع. ولو كان بالفتح لقال: وثقل به موازينهما (سلفا)؛ أي: متقدما (وذخرا) بذال معجمة؛ أي: مدخرا في الآخرة، والادخار في الدنيا بدال مهملة (وفرطا)؛ بمعنى: سلفا (وأجرا) عظيما أي من حيث كون موته مصيبة

стр. 607

عظيمة (وثقل به)؛ أي: بأجر مصيبته (موازينهم)؛ أي: موزوناتهم لأنه الموصوف بالثقل؛ أي: بحيث ترجح حسناتهم على سيئاتهم (وأعظم)؛ أي: كثر (به)؛ أي: بأجر مصيبته (أجورهم) ولما كان لا يلزم من التكثير التثقيل ولا من التثقيل التكثير أتى بقوله: وأعظم به الخ بعد قوله: وثقل به … إلخ. (ولا تحرمنا وإياهم أجره)؛ أي: أجر شهود الصلاة عليه (ولا تفتنا وإياهم بعده) بما يشغلنا عنك (اللهم ألحقه بصالح سلف) أولاد (المؤمنين في كفالة)؛ أي: حضانة (أبينا إبراهيم) الخليل ﵊ (وأبدله دارا)؛ أي: في الآخرة (خيرا من داره)؛ أي في الدنيا (و) أبدله (أهلا)؛ أي: قرابة في الآخرة (خيرا من أهله)؛ أي: من قرابته في الدنيا بجواره بالأنبياء والصالحين يؤانسونه. ففي حديث أبي هريرة ﵁ قال صلى رسول الله ﷺ على جنازة فقال: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان» (١)، قال الحافظ (٢) ويضيف إليه: «اللهم اجعله سلفا وفرطا لأبويه، وذخرا وعظة واعتبارا وشفيعا، وثقل به موازينهما، وافرغ الصبر على قلوبهما، ولا تفتنا بعده ولا تحرمنا أجره». اه. (وعافه)؛ أي: نجه (من فتنة القبر) وهي عدم الثبات الناشئ عن السؤال لأن الفتنة هي السؤال. ويتسبب عنه عدم الثبات وقضيته أن الطفل يسأل وأنه قابل للافتتان وقد جرى الخلاف في السؤال. وأما الافتتان فهو مشكل إلا أن يقال إنه قابل له، وإن كان غير مكلف نظرا لكون الله له أن يعذب الطفل عقلا وإن امتنع شرعا. وكذا يقال في قوله بعد وعافه من عذاب جهنم (و) عافه (من عذاب جهنم تقول ذلك)؛ أي:

стр. 608

كل ما تقدم من الثناء على الله تعالى إلى هنا (في كل)؛ أي: بعد كل (تكبيرة) ما عدا الرابعة. (وتقول بعد الرابعة) إن شئت (اللهم اغفر لأسلافنا وأفراطنا) هما بمعنى واحد (و) اغفر (لمن سبقنا بالإيمان اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان) الكامل (ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام)؛ يعني: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (واغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ثم تسلم)؛ كتسليمك من الصلاة. (ولا يصلى على من لا يستهل صارخا) لما روي أن النبي ﷺ قال: «الطفل لا يصلى عليه، ولا يرث، ولا يورث، حتى يستهل» (١)، ولأنه لم يثبت له حكم الحياة، ولا يغسل، ولو تحرك أو بال أو عطس أو رضع يسيرا؛ أي: لا كثيرا فهو علامة الحياة وفي المسألة قولان (٢). وهذا النهي على جهة الكراهة لأنه صح عن النبي ﷺ أيضا أنه قال: «والسقط يصلى عليه» (٣)، وفي لفظ الترمذي: «والطفل يصلى عليه» (٤)، واحتج أيضا بحديث أبي بكر الصديق ﵁ قال: «ما أحد أحق أن يصلى عليه من الطفل» (٥)، أما من استهل فله حكم الأحياء في جميع أموره وإن مات بالفور بلا خلاف.

стр. 609

(و) من أحكام من لا يستهل أنه (لا يرث) من تقدمه بالموت (ولا يورث) ما تصدق به عليه أو وهب له وهو في بطن أمه، لأن الميراث فرع ثبوت الحياة، وخرج بما تصدق به عليه الغرة (١) فتورث عنه، وإن نزل علقة أو مضغة لأنها مأخوذة عن ذاته، وإذا كان لا يورث ما تصدق به عليه فيرجع إلى من تصدق أو وهب. (ويكره أن يدفن السقط) بتثليث السين المهملة من لم يستهل صارخا ولو تمت خلقته (في الدور) خوفا من أن تنهدم الدار فتنبش عظامه. (ولا بأس أن يغسل النساء) الأجانب؛ أي: يباح ذلك (الصبي الصغير ابن ست سنين أو سبع) سنين وثمان سنين (٢)، ولا يغسلنه إذا زاد على ذلك، ولا يسترن عورته؛ أي: لا يكلفن بستر عورته لأنه يجوز لهن النظر إلى بدنه قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن المرأة تغسل الصبي الصغير». (ولا يغسل الرجال الصبية) وهذا النهي على جهة المنع اتفاقا إن كانت ممن تشتهى كبنت ست سنين أو سبع (٣)، ويغسلونها إن كانت رضيعة اتفاقا. ولأن التابعين فرقوا بين الجارية والغلام إلا أن تكون ابنته فجائز فإنه يروى: «عن أبي قلابة أنه غسل بنتا له صغيرة» (٤)، والحسن قال: لا بأس أن يغسل ابنته إذا كانت صغيرة، وكره ذلك سعيد بن المسيب والزهري، والمراد بها من لم تبلغ ثلاث سنين بدليل قوله بعد كبنت ثلاث سنين. (واختلف فيها)؛ أي: في غسلها (إن كانت) غير رضيعة وكانت ممن

стр. 610

(لم تبلغ أن تشتهى) كبنت ثلاث سنين فأجازه أشهب قياسا (١) على غسل النساء ابن ثلاث سنين وأربع وخمس، ومنعه ابن القاسم وهو مذهب «المدونة» (٢)، والمعتمد ما قاله ابن القاسم لأن مطلق الأنوثة مظنة الشهوة، وأحب في قول الشيخ: (والأول أحب إلينا) للوجوب؛ أي: وجوب ترك الغسل. فرع: قال بعض فقهائنا لا خصوصية للبقر عن الجنين (٣)، بل من بلع مالا من ذهب أو فضة له قيمة وكثر، لا سيما إن كانت نيته مذمومة كالهروب من أن يورث، وهل اليسير ما دون نصاب الزكاة أو ما دون ربع دينار قولان. فرع ثان: هل يأكل المضطر لحم الميتة من الآدميين: اختلف في ذلك، والمعول عليه في المذهب الجواز (٤)، وقال ابن العربي: ولا يأكل ابن آدم وإن مات، قاله علماؤنا. اه (٥). لطيفة: وقعت مسألة في زمن ابن القاسم وأشهب، وهي أن امرأة ماتت واضطرب جنينها في بطنها فقال أشهب بشق بطنها، وإخراج الجنين، ومنع ابن القاسم من ذلك، فأخذ بفتوى أشهب، وعاش الصبي فلما كبر صار من أهل العلم فكان يأخذ بقول أشهب، ويدع قول ابن القاسم (٦). ولما أنهى الكلام عن الصلاة والتي هي ركن من أركان الإسلام انتقل يتكلم على الركن الثالث وهو الصوم. انتهى كتاب الطهارة والصلاة ولله الحمد والمنة. ويليه بعون الله تعالى كتاب الصوم والزكاة والحج

стр. 611

باب في بيان حكم الصيام • قال المصنف رحمه الله تعالى: (وصوم شهر رمضان فريضة. يصام لرؤية الهلال، ويفطر لرؤيته، كان ثلاثين يوما، أو تسعة وعشرين يوما، فإن غم الهلال فيعد ثلاثين يوما من غرة الشهر الذي قبله ثم يصام، وكذلك في الفطر. ويبيت الصيام في أوله، وليس عليه البيات في بقيته، ويتم الصيام إلى الليل. ومن السنة تعجيل الفطر، وتأخير السحور؛ وإن شك في الفجر فلا يأكل. ولا يصام يوم الشك ليحتاط به من رمضان، ومن صامه كذلك لم يجزه وإن وافقه من رمضان، ولمن شاء صومه تطوعا أن يفعل، ومن أصبح فلم يأكل ولم يشرب ثم تبين له أن ذلك اليوم من رمضان لم يجزه، وليمسك عن الأكل في بقيته ويقضيه. وإذا قدم المسافر مفطرا، أو طهرت الحائض نهارا فلهما الأكل في بقية يومهما. ومن أفطر في تطوعه عامدا أو سافر فيه فأفطر لسفره فعليه القضاء، وإن أفطر ساهيا فلا قضاء عليه بخلاف الفريضة. ولا بأس بالسواك للصائم في جميع نهاره، ولا تكره له الحجامة إلا خيفة التغرير.

стр. 612

ومن ذرعه القيء في رمضان فلا قضاء عليه، وإن استقاء فقاء فعليه القضاء. وإن خافت الحامل على ما في بطنها أفطرت ولم تطعم، وقيل تطعم، وللمرضع إن خافت على ولدها ولم تجد من تستأجره له أو لم يقبل غيرها أن تفطر وتطعم. ويستحب للشيخ الكبير إذا أفطر أن يطعم. والإطعام في هذا كله مد عن كل يوم يقضيه. وكذلك يطعم من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر. ولا صيام على الصبيان حتى يحتلم الغلام، وتحيض الجارية، وبالبلوغ لزمتهم أعمال الأبدان فريضة قال الله : ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستذنوا﴾ [النور: ٥٩]. ومن أصبح جنبا ولم يتطهر أو امرأة حائض طهرت قبل الفجر فلم يغتسلا إلا بعد الفجر أجزأهما صوم ذلك اليوم. ولا يجوز صيام يوم الفطر، ولا يوم النحر، ولا يصوم اليومين اللذين بعد يوم النحر إلا المتمتع الذي لا يجد هديا، واليوم الرابع لا يصومه متطوع ويصومه من نذره أو من كان في صيام متتابع قبل ذلك. ومن أفطر في نهار رمضان ناسيا فعليه القضاء فقط، وكذلك من أفطر فيه لضرورة من مرض. ومن سافر سفرا تقصر فيه الصلاة فله أن يفطر، وإن لم تنله ضرورة وعليه القضاء. والصوم أحب إلينا. ومن سافر أقل من أربعة برد فظن أن الفطر مباح له فأفطر فلا كفارة عليه، وعليه القضاء. وكل من أفطر متأولا فلا كفارة عليه، وإنما الكفارة على من أفطر متعمدا بأكل أو شرب أو جماع مع القضاء. والكفارة في ذلك إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مد بمد النبي ﷺ

стр. 613

فذلك أحب إلينا، وله أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين، وليس على من أفطر في قضاء رمضان متعمدا كفارة. ومن أغمي عليه ليلا فأفاق بعد طلوع الفجر فعليه قضاء الصوم، ولا يقضي من الصلوات إلا ما أفاق في وقته. وينبغي للصائم أن يحفظ لسانه وجوارحه ويعظم من شهر رمضان ما عظم الله . ولا يقرب الصائم النساء بوطء، ولا مباشرة، ولا قبلة للذة في نهار رمضان، ولا يحرم ذلك عليه في ليله. ولا بأس أن يصبح جنبا من الوطء. ومن التن في نهار رمضان بمباشرة أو قبلة فأمنى لذلك فعليه القضاء، وإن تعمد ذلك حتى أمنى فعليه الكفارة. ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، وإن قمت فيه بما تيسر فذلك مرجو فضله، وتكفير الذنوب به. والقيام في مساجد الجماعات بإمام، ومن شاء قام في بيته وهو أحسن لمن قويت نيته وحده، وكان السلف الصالح يقومون فيه في المساجد بعشرين ركعة ثم يوترون بثلاث، ويفصلون بين الشفع والوتر بسلام، ثم صلوا بعد ذلك ستا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر، وكل ذلك واسع، ويسلم من كل ركعتين، وقالت عائشة ﵂: «ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره عن اثنتي عشرة ركعة بعدها الوتر»). • حكم الصيام: (باب في بيان حكم الصيام) وما يتعلق به أي بالصيام؛ أي: ما يرتبط به كصلاة التراويح، والاعتكاف في العشر الأواخر. والصيام لغة: الإمساك والترك، فمن أمسك عن شيء [ما] قيل له صائم. قال تعالى حكاية عن مريم: ﴿إني نذرت للرحمن صوما﴾ [مريم: ٢٦]؛ أي: صمتا وهو الإمساك عن الكلام،

стр. 614

وقال الشاعر (١): خيل صيام، وخيل غير صائمة … تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما يعني: بالصائمة الممسكة عن الجري والحركة. وشرعا: الإمساك عن شهوتي البطن والفرج وما في معناهما من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التقرب (٢)، قبل الفجر أو معه في غير أيام الحيض والنفاس وأيام الأعياد. والصوم باعتبار حكمه ينقسم إلى واجب وغيره، ومن الواجب الكفارات والنذور وصوم رمضان، وإليه أشار بقوله: (وصوم شهر رمضان فريضة) دل على فرضيته الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ [البقرة: ١٨٣] إلى قوله - ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]. وأما السنة: فعن ابن عمر، ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان» (٣). وأجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان، على المكلف الخالي من الأعذار المبيحة، والموجبة للفطر (٤). فمن جحد وجوب صوم رمضان فهو كافر إجماعا، يستتاب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل، ومن أقر بوجوبه وامتنع من صومه فهو عاص يجبر على فعله، فإن لم يفعل قتل حدا كالصلاة؛ أي: بعد أن يؤخر إلى أن يبقى من وقت نيته قدر ما يسعها (٥)

стр. 615

• ما يثبت به دخول شهر رمضان: يثبت صوم رمضان بأحد أمرين: إما بإتمام شعبان ثلاثين يوما، كما في حديث كريب ﵁. وإما برؤية الهلال، وإليه أشار بقوله: (يصام لرؤية الهلال)؛ يعني: هلال رمضان ظاهر كلامه سواء كانت الرؤية مستفيضة بأن وقعت من جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، لأن خبرهم يفيد العلم وذلك مثل ما ثبت في حديث كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، فاستهل رمضان وأنا بالشام، فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ قلت: رأيته ليلة الجمعة. قال: أنت رأيته؟ قلت: نعم، وراه الناس، وصاموا وصام معاوية. قال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصومه حتى نكمل الثلاثين أو نراه. فقلت: أفلا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال لا: «هكذا أمرنا رسول الله ﷺ » (١) والشاهد فيه: رأيته ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، وفي الحديث أحكام أخر. أو يثبت بشاهدي عدل فقط مع غيم أو صحو، قال أبو عمر (٢): وهو الذي ذهب إليه مالك وعليه جمهور أهل العلم أنه لا يصام رمضان إلا بيقين من خروج شعبان، واليقين في ذلك رؤية الهلال، أو إكمال شعبان ثلاثين يوما، وكذلك لا يقضى بخروج رمضان إلا بيقين مثله. قال الله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]، يريد والله أعلم: من علم منكم بدخول الشهر علم يقين فليصمه، والعلم اليقين: الرؤية الصحيحة الفاشية الظاهرة أو إكمال العدد، وكذلك في الشريعة أيضا شهادة عدلين أنهما رأيا

стр. 616

الهلال ليلة ثلاثين فيصح بذلك أن الشهر الماضي من تسع وعشرين. وهذا عند بعضهم إذا لم تكن في السماء علة فهذا معنى قوله ﷺ : «فاقدروا له» عند أكثر أهل العلم. اه. ولحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (١) أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه فقال: ألا إني جالست أصحاب رسول الله ﷺ ، وساءلتهم، وإنهم حدثوني أن رسول الله ﷺ قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وانسكوا لها فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان (٢) فصوموا، وأفطروا» (٣)، قال أبو عمر (٤): «لم يذكر مالك في موطئه حكم إشهاده على هلال رمضان، وذكره غير واحد من أصحابه عنه. ولم يختلف قوله وقول أصحابه أنه لا يجوز على شهادة رمضان أقل من رجلين عدلين، وهلال شوال وسائر الأحكام». اه. أي: ولا فرق بين البلد الكبير والصغير، ومثل العدلين العدل الواحد الموثوق بخبره ولو عبدا أو امرأة، وقد وردت آثار صحيحة ثابتة تبين أن النبي ﷺ قبل خبر ابن عمر ﵄ ففي «سنن أبي داود» وغيره أن ابن عمر ﵁ قال: «تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصامه وأمر الناس بصيامه» و (٥)، وفي «سنن أبي داود» أيضا حديث أعرابي (٦)، والعادة أن إثبات هلال الصوم لا يتهم فيه الناس لحصول المشقة بإثباته، بخلاف رؤية

стр. 617

شوال فالتهمة موجودة لتطلع النفس إلى الفطر (١). (و) كما يصام لرؤيته (يفطر لرؤيته)؛ أي: لرؤية هلال شوال سواء (كان) الشهر الذي قبل الشهر تثبت رؤيته (ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما)؛ أي: لأن الشهر يأتي ناقصا وكاملا (فإن غم) بضم الغين وتشديد الميم (الهلال)؛ يعني: هلال رمضان بأن حال بينه وبين الناس غيم (فيعد ثلاثين يوما من غرة؛ يعني: من أول الشهر الذي قبله) وهو شعبان (ثم يصام، وكذلك في الفطر) يفعل فيه كذلك فإن غم هلال شوال فإنه يعد ثلاثين يوما من أول الشهر الذي قبله وهو رمضان، ثم يفطر، وأصل هذا قوله ﷺ : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة» (٢). شروط الصيام: اعلم أن شروط الصوم سبعة: أولها: النية، وأشار إليه بقوله: (ويبيت الصيام في أوله)؛ أي: ينوي بقلبه أول ليلة من رمضان بعد غروب الشمس وقبل طلوع الفجر بأداء ما افترض عليه بالإمساك عن الأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس (٣). (و) بعد أن يبيت الصيام أول ليلة ف (ليس عليه) وجوبا (البيات في بقيته)؛ أي: بقية شهر رمضان لأنه عبادة واحدة متصلة الأجزاء (٤)، ووجه المذهب قول تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥] فتناول هذا الأمر صوما واحدا وهو صوم الشهر وإنما كانت مبيتة لحديث حفصة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له» (٥).

стр. 618

ثانيها: الإسلام ثالثها: العقل، رابعها: النقاء من الحيض والنفاس، خامسها: الإمساك عن المفطرات، سادسها: القدرة على الصوم، سابعها: البلوغ (١). ثم بين غايته بقوله: (ويتم الصيام إلى الليل) للآية، ولقوله ﵊ في الصحيح: «إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» (٢)؛ أي: انقضى صومه وتم. من سنن الصيام: قال رحمه الله تعالى: (ومن السنة تعجيل الفطر) بعد تحقق دخول الليل، فإن دخل الليل فيكره له التمادي في الصوم إذا كان لغير ضرورة (٣)، وقد رخص في الوصال إلى السحر (٤). (و) من السنة أيضا (تأخير السحور) بفتح السين وضمها، فالفتح اسم للمأكول، والضم اسم للفعل، لحديث أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار، وأخروا السحور» (٥)، ويستحب للصائم أن يفطر على رطب فإن لم يجد فعلى تمر، فإن لم يجد فعلى ماء؛ لحديث سلمان بن عامر الضبي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد تمرا فالماء فإنه طهور» (٦).

стр. 619

(وإن شك) صائم رمضان (في) طلوع (الفجر فلا يأكل) ولا يشرب ولا يجامع، وهذا النهي يحتمل الكراهة والتحريم، والمشهور التحريم، وإن شك في الغروب فيحرم الأكل ونحوه اتفاقا. • صيام يوم الشك: (ولا يصام يوم الشك ليحتاط به من رمضان) وهذا النهي للكراهة على ظاهر المدونة، وقال ابن عبد السلام: الظاهر أنه للتحريم فعن عمار بن ياسر ﵁ قال: «من صام اليوم الذي يشك فيه الناس فقد عصى أبا القاسم ﷺ » (١). ويوم الشك المنهي عن صيامه عندنا أن تكون السماء مغيمة ليلة ثلاثين، ولم تثبت الرؤية فصبيحة تلك الليلة هو يوم الشك. (ولمن صامه)؛ يعني: يوم الشك (كذلك)؛ يعني: احتياطا، ثم ثبت أنه من رمضان لم يجزه وإن وافقه من رمضان لعدم جزم النية، ولمن شاء صومه تطوعا أن يفعل؛ أي: بدون أن تكون عادته سرد الصوم أو صوم يوم بعينه. • حكم من أصبح مفطرا ثم تبين أن النهار من رمضان: (ومن أصبح يوم الشك) (فلم يأكل ولم يشرب ثم تبين له أن ذلك اليوم من رمضان لم يجزه) لفقد النية وعدم تحققها (وليمسك) وجوبا (عن الأكل) والشرب وعن كل ما يبطل الصوم في بقيته، وكذلك يجب عليه الصوم إن أكل أو شرب أو نحو ذلك في قول عامة الفقهاء إلا ما ذكر عن عطاء قال ابن عبد البر وهو مخالف في ذلك للجميع، وقوله: (ويقضيه)؛ أي: ولا كفارة إذا كان ناسيا أو عامدا متأولا، وأما غيره فتجب عليه الكفارة.

стр. 620

• حكم المفطر بعذر في رمضان إذا زال عذره: (وإذا قدم المسافر) من سفره نهارا حالة كونه (مفطرا أو طهرت الحائض نهارا ف) يباح (لهما الأكل في بقية يومهما) ولا يستحب لهما الإمساك، بل وله الجماع لأنه لا فرق بين تلك الموانع وقد احتج الثوري بحديث عن جابر بن زيد (١) في المسألة: أنه قدم من سفره في رمضان، فوجد امرأته قد طهرت فأصابها. وكذا الصبي يبلغ، والمجنون يفيق، والمريض يصبح مفطرا، ثم يصح، وكذا المغمى عليه ثم يفيق، والمضطر لضرورة جوع أو عطش، والمرضع يموت ولدها نهارا، وكذا الكافر يسلم إلا أن هذا يستحب له الإمساك دون غيره. وأما من أفطر ناسيا، أو لكون اليوم يوم شك، أو أفطر مكرها فإذا زال عذرهم فيجب عليهم الإمساك. وإذا أفطر المكره بعد زوال الإكراه وجب القضاء والكفارة إلا أن يتأول. حكم المتطوع يقطع صومه عامدا أو ساهيا: (ومن أفطر في تطوعه عامدا) من غير ضرورة ولا عذر (أو سافر فيه)؛ أي: أحدث سفرا حالة كونه متلبسا بصوم التطوع (فأفطر ل) أجل (سفره فعليه القضاء) في الصورتين وجوبا. قال مالك: ولا ينبغي أن يدخل الرجل في شيء من الأعمال الصالحة الصلاة، والصيام، والحج، وما أشبه هذا من الأعمال الصالحة التي يتطوع بها الناس فيقطعه حتى يتمه على سنته (٢).

стр. 621

قال ابن عمر: واختلف إذا أفطر عامدا هل يستحب إمساك بقيته أم لا؟، الراجح لا يستحب كما أفاده الأجهوري؟ وسكت عن الجاهل، والمشهور أنه كالعامد. (وإن أفطر) في تطوعه (ساهيا فلا قضاء عليه) وجوبا بلا خلاف، فعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه﴾ (١)، وزاد الدارقطني (٢): «ولا قضاء عليه» (٣) واختلف في قضائه استحبابا على قولين سماع ابن القاسم منهما الاستحباب، وهذا (بخلاف الفريضة) إذا أفطر فيها ساهيا فإنه يجب عليه القضاء، والراجح لا قضاء على الناسي قال عياض: مشهور مذهب مالك قضاء من أفطر في رمضان ناسيا، قال زروق: وذلك مشعر بوجود الخلاف في المذهب (٤). • حكم السواك للصائم: (ولا بأس بالسواك للصائم) قال عامر بن ربيعة: رأيت النبي ﷺ ما لا أحصي «يتسوك وهو صائم» (٥)، وقوله ﵊: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (٦)، فعم الصائم وغيره، (في جميع

стр. 622

نهاره) لما روى الطبراني بإسناد يحتمل التحسين (١) عن عبد الرحمن بن غنم قال سألت معاذ بن جبل أأتسوك وأنا صائم؟ قال: نعم، قلت: أي النهار أتسوك؟ قال: أي النهار شئت غدوة أو عشية، قلت: إن الناس يكرهونه عشية، ويقولون: إن رسول الله ﷺ قال: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» فقال سبحان الله: «لقد أمرهم بالسواك وهو يعلم أنه لا بد أن يكون بفي الصائم خلوف وإن استاك، وما كان بالذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم عمدا، ما في ذلك من الخير شيء، بل فيه شر إلا من ابتلى ببلاء لا يجد منه بدأ … » (٢)، وفي قوله جميع نهاره إشارة لمن قال بكراهة السواك آخر النهار. • حكم الحجامة للصائم: (ولا تكره له)؛ أي: للصائم (الحجامة إلا خيفة التغرير)؛ أي: المرض، لما روى البخاري عن ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم» (٣)، قال في «القاموس»: غرر بنفسه تغريرا؛ أي: عرضها للهلكة. وأما إذا علمت السلامة فلا كراهة. قال زروق: وهي على ثلاثة أوجه جائزة باتفاق لمن تحقق سلامته وغير جائزة لمن تحقق عكسها، ومكروهة لمجهول الحال (٤). • أحكام في القيء والبلغم للصائم (ومن ذرعه) بذال معجمة وراء وعين مهملتين مفتوحتين سبقه وغلبه (القيء في) صوم شهر (رمضان) وغيره (فلا قضاء عليه) لا وجوبا ولا استحبابا سواء كان لعلة أو امتلاء، هذا إذا علم أنه لم يرجع منه شيء بعد

стр. 623

وصوله إلى فمه، أما إن علم برجوع شيء منه بعد وصوله إلى فمه فعليه القضاء (١) إذا لم يتعمد وإلا كفر، وكذا يجب القضاء إذا شك في الوصول. والقلس كالقيء وهو ما يخرج من فم المعدة عند امتلائها. وأما البلغم يصل إلى طرف اللسان وتعمد ابتلاعه فلا قضاء عليه عند ابن حبيب، وقال سحنون عليه القضاء (٢)، وكذا الريق يتعمد جمعه في فيه ثم يبتلعه فلا قضاء عليه. (وإن استقاء الصائم؛ أي: طلب القيء فقاء فعليه القضاء) على المشهور (٣)، لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من ذرعه القيء، فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا فليقض» (٤). مسائل يجب فيها الفطر وأخرى يباح: اعلم أن الفطر في رمضان يجب في مسائل ويباح في بعضها، فمن الأول: المرأة تحيض نهارا فيجب عليها الفطر بقية يومها، ويحرم عليها الصيام، ومثلها النفساء (و) منه (إذا خافت) المرأة (الحامل) وهي صائمة في شهر رمضان (على ما في بطنها) أو نفسها هلاكا أو حدوث علة (أفطرت) وجوبا (ولم تطعم) على المشهور لأنها مريضة، وتقضي (وقد قيل تطعم) رواه ابن وهب (٥)، لقول الله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤] (٦)، وهما داخلتان في عموم الآية. قال ابن عباس:

стр. 624

«كانت رخصة للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام أن يفطرا، ويطعما مكان كل يوم مسكينا، والحبلى والمرضع إذا خافتا»، قال أبو داود: «يعني على أولادهما أفطرنا وأطعمتا» (١). ومنه ما أشار إليه بقوله: (وللمرضع) بناء على أن اللام للإباحة؛ أي: أن محل كونه من الثاني إذا جعلت اللام للإباحة؛ أي: ويباح للمرأة المرضع (إن خافت على ولدها) هلاكا أو شديد أذى (٢)، أو على نفسها من الصوم (ولم تجد ما) ويروى من (تستأجره له أو) وجدت ولكنه؛ أي: الولد (لم يقبل غيرها أن تفطر و) يجب عليها حينئذ أن (تطعم). ومنه ما أشار إليه بقوله: (ويستحب للشيخ الكبير) الذي لا يقدر على الصوم في زمن من الأزمنة (إذا أفطر أن يطعم) قاله مالك في «الموطأ» (وهو المشهور) (٣)، لما روى عن ابن عباس ﵄ قال: «من أدركه الكبر فلم يستطع أن يصوم رمضان فعليه لكل يوم مد من قمح». وقال ابن عمر ﵄: «إذا ضعف عن الصوم أطعم عن كل يوم مدا» وروي أن أنسا ﵁: «ضعف عن الصوم عاما قبل وفاته فأفطر وأطعم» (٤). (والإطعام) المتقدم ذكره (في هذا كله)؛ أي: في فطر الحامل الخائفة على ما في بطنها، والمرضع الخائفة على ولدها، والشيخ الكبير الذي لا يقدر على الصوم (مد) بمده ﵊ وهو رطل وثلث (٥) (عن كل يوم يقضيه)؛ أي: إن كان يجب عليه القضاء، فلا يرد الشيخ الهرم وغيره فإنهما يطعمان ولا

стр. 625

يقضيان، والتشبيه في قوله: (وكذلك يطعم من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر) راجع إلى القدر لا إلى الحكم، فإن الحكم مختلف لأن إطعام الشيخ كما تقدم مستحب، وإطعام المرضع واجب، وظاهر كلامه أن قضاء رمضان على التراخي، وهو الذي يدل عليه حديث عائشة في «الموطأ»، وغيره «أنها قالت: كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان» (١)، فظاهره لو كان يجوز تأخيره عن شعبان لأخرته، ولو كان واجبا على الفور لقدمته، فلزم من ذلك أن يكون واجبا موسعا (٢). والقول بالإطعام ذكره ابن المنذر عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء، والقاسم بن محمد، والزهري (٣). وفيه حديث ضعف رفعه، وصحح موقوفا عن أبي هريرة ﵁ قال: من أدركه رمضان وهو مريض، ثم صح فلم يقضه، حتى أدركه رمضان آخر، صام الذي أدرك، ثم صام الأول، وأطعم عن كل يوم نصف صاع من قمح، قال معمر: «ولا أعلم كلهم إلا يقولون هذا في هذا» (٤). وعلى الثاني الضعيف إنما يراعى تفريطه في شوال بقدر ما عليه من الصيام على قياس ما قلنا في شعبان ولو كان رمضان ثلاثين وصام شهرا قضاه عنه فكان تسعة وعشرين كمل ثلاثين، ويجوز القضاء في كل وقت يجوز فيه التطوع بالصوم ولا يقضي في الأيام الممنوع فيها الصوم (٥). • صيام الصبيان: أشار إلى الشرط الموعود بمجيئه وهو البلوغ بقوله: (ولا صيام على

стр. 626

الصبيان) وجوبا (حتى يحتلم الغلام، وتحيض الجارية) لحديث علي ﵁ وفيه: «وعن الصبي حتى يحتلم» (١). (وبالبلوغ) ولو قال بالتكليف إلخ لكان أولى من قوله وبالبلوغ (لزمتهم أعمال الأبدان) من صلاة وصيام وحج وغزو (فريضة) بالنصب على الحال المؤكدة لعاملها لأن اللزوم والفرض مترادفان، وكذلك بالبلوغ لزمتهم أعمال القلوب كوجوب النيات؛ أي: النيات الواجبة لأن الذي من عمل القلب النية لا وجوبها والاعتقادات كاعتقاد أن الله واحد مثلا واستدل على لزوم الصبيان الفرائض بالبلوغ بقوله: (قال الله سبحانه) وتعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفل منكم الحلم فليستأذنوا﴾ لأن الاستئذان واجب، وقد علقه بالبلوغ، وعلق أحكام البلوغ بالاحتلام؛ ولحديث: «رفع القلم عن ثلاث … وفيه .. وعن الصبي حتى يحتلم» (٢). • حكم الصائم يصبح جنبا أو حائضا: (ومن أصبح)؛ بمعنى: طلع عليه الفجر (جنبا) كانت الجنابة من وطء أو احتلام عمدا أو نسيانا في فرض أو تطوع (ولم يتطهر) بالماء. (أو امرأة حائض طهرت) بمعنى انقطع عنها دم الحيض، ورأت علامة الظهر (قبل) طلوع (الفجر) الصادق (فلم يغتسلا)؛ أي: الجنب والحائض المذكوران (إلا بعد الفجر) سواء أمكنهما الغسل قبل طلوع الفجر أم لا (أجزأهما صوم ذلك اليوم) ولا شيء عليهما (٣)، لقوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] فمن نزع من جماعه مع طلوع الفجر فإنه لا يمكنه الاغتسال إلا بعده فدل على جواز الإصباح

стр. 627

بالجنابة اتفاقا في المذهب وعلى المشهور في الحائض (١)، ولما روى أبو بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: «ذهبت أنا وأبي حتى دخلنا على عائشة فقالت: أشهد على رسول الله ﷺ إن كان ليصبح جنبا من جماع من غير احتلام ثم يصومه ثم دخلنا على أم سلمة فقالت مثل ذلك، ثم أتينا أبا هريرة ﵁ فأخبرناه بذلك، فقال: هما أعلم بذلك، إنما حدثنيه الفضل بن عباس» (٢). • أوقات نهى الشارع الحكيم عن الصوم فيها: (ولا يجوز صيام يوم الفطر ولا صيام يوم النحر) إجماعا؛ أي: ولا يصح إذ لا يلزم من عدم الجواز عدم الصحة لنهيه ﵊ عن صيامهما (٣)، روى مالك عن أبي عبيد مولى ابن أزهر، قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب فصلى، ثم انصرف فخطب الناس، فقال: «إن هذين يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، … والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم» (٤)، وهل النهي تعبد أو معلل بضيافة الله؟ قولان. (ولا يصام اليومان اللذان بعد يوم النحر إلا المتمتع الذي لا يجد هديا) ومثل المتمتع القارن والمفتدي ومن وجب عليه الدم لنقص في الحج غير ما ذكر، والنهي في قوله: ولا يصام … إلخ، للتحريم على الراجح، لحديث عمرو بن العاص ﵁ أنه قال له لما كان عيد الأضحى: «أفطر فإن

стр. 628

هذه الأيام التي كان رسول الله ﷺ يأمر بإفطارها وينهى عن صيامها» (١)، قال مالك: وهي أيام التشريق .. وأما من لم يجد الهدي فقد روي عن ابن عمر وعائشة ﵃ أنهما قالا: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن، إلا لمن لم يجد الهدي»؛ أي: المتمتع إذا عدم الهدي (٢)، ويقاس عليه كل مفروض. (واليوم الرابع) من يوم النحر (لا يصومه متطوع، ويصومه من نذره أو من كان في صيام متتابع قبل ذلك) كمن صام شوالا وذا القعدة عن كفارة ظهار أو قتل ثم مرض ثم صح في ليلة الرابع، فإنه يصومه (٣). • مسائل في القضاء والكفارة: (ومن أفطر) بأكل أو شرب أو جماع (في نهار رمضان) حال كونه (ناسيا فعليه القضاء فقط) وفي مشهور المذهب وجوبا، وعلى الراجح لا شيء عليه، لحديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : «إذا أكل الصائم ناسيا أو شرب ناسيا فإنما هو رزق ساقه الله تعالى إليه» ولا قضاء عليه في رواية - «وليتم صومه فإن الله أطعمه وسقاه» أخرجه الدارقطني (٤)، ويجب عليه الإمساك، لقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى اليل﴾ الآية. (وكذلك) يجب على (من أفطر فيه)؛ أي: في نهار رمضان (ل) أجل (ضرورة من مرض) يشق معه الصوم أو لا يشق، لكن يخاف معه طول المرض أو زيادته أو تأخر برء فعليه القضاء فقط من غير كفارة لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤] وقد أجمع أهل العلم

стр. 629

على إباحة الفطر للمريض في الجملة، أما إذا كان المرض لا يشق معه الصوم ولا يخاف زيادة المرض ولا تأخر البرء وأفطر فعليه القضاء والكفارة. (ومن سافر سفرا)؛ أي: تلبس بسفر وقت انعقاد النية بأن وصل إلى محل بدء القصر قبل طلوع الفجر (تقصر فيه الصلاة) بأن كان أربعة برد فأكثر ذاهبا أو راجعا، ولم يكن سفر معصية، (ف) يباح (له أن يفطر) بأكل أو شرب أو جماع، وبالغ على ذلك بقوله: (وإن لم تنله ضرورة) غير ضرورة السفر فمع الضرورة أحرى (و) مع إباحة الفطر للمسافر يجب (عليه القضاء) إذا أفطر من غير خلاف لقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٥]، والتقدير فأفطر فعدة (والصوم) في السفر (أحب إلينا)؛ أي: إلى المالكية لمن قوي عليه على المشهور لقوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤] (١)، وعن عثمان بن أبي العاص وأنس بن مالك صاحبي رسول الله ﷺ أنهما قالا: الصوم في السفر أفضل لمن قدر عليه (٢). ولا يجوز الفطر في رمضان في سفر معصية بلا خلاف، ولا في سفر آخر دون مسافة القصر بلا خلاف. (ومن سافر أقل من أربعة برد فظن)؛ أي: اعتقد يقينا (أن الفطر مباح له فأفطر) لذلك فلا كفارة عليه لأنه متأول، ولعدم النص في تحديد تلك المسافة ولا إجماع (٣)، (و) إنما يجب (عليه القضاء) فقط من غير خلاف، ولو ذكر هذه المسألة بعد قوله: (وكل من أفطر متأولا فلا كفارة عليه) لكان أولى لأنها جزئية من هذه الكلية. وظاهر كلامه أن المتأول لا كفارة عليه مطلقا، وهو خلاف المشهور إذ المشهور التفصيل وهو إن كان التأويل قريبا، وهو ما قوي سببه، فلا كفارة عليه لأنه معذور باستناده إلى

стр. 630

سبب قوي، وإن كان التأويل بعيدا وهو ما لم يقو سببه فالكفارة، وفي المناهل صور من التأويلات فيمن أفطر في رمضان (١). • حكم من أفطر متعمدا في رمضان: قال المصنف: (وإنما الكفارة على من أفطر متعمدا بأكل أو شرب) بالفعل [وذلك للعلة الجامعة بين الجماع عمدا في نهار رمضان والأكل والشرب فيه، وهي انتهاك حرمة شهر رمضان، ولأن الوصف المتعدي إلى غيره أرجح من الوصف الذي لم يتعد إلى غيره، لأن التعدية من المرجحات وكون العلة هي انتهاك حرمة رمضان يتعدى بها الحكم من الجماع إلى الأكل والشرب فيجب الكفارة في الجميع] (٢)، ولما كان الأغلب الأكل والشرب بالفم أطلقه المؤلف (٣) أو (جماع) من غير خلاف إن كان على سبيل الانتهاك. لحديث أبي هريرة ﵁ قال: «بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ ، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت. قال: «ما لك؟» قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : «هل تجد رقبة تعتقها؟» قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين»، قال: لا، فقال: «فهل تجد إطعام ستين مسكينا». قال: لا، قال: فمكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أتي النبي ﷺ بعرة فيها تمر - والعرق المكتل - قال: «أين السائل؟» فقال: أنا، قال: «خذها، فتصدق به» فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لا بتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: «أطعمه أهلك» (٤).

стр. 631

وعلى المشهور إن كان بتأويل بعيد واحترز بالمتعمد من الناسي والجاهل؛ أي: ناسي الحرمة وجاهلها، وهو من لم يستند لشيء كحديث عهد بالإسلام يعتقد أن الصوم لا يحرم الجماع مثلا وجامع فلا كفارة عليه، وأشار بقوله: (مع القضاء) إلى أن القضاء لازم للكفارة ففي كل موضع تلزم فيه الكفارة يلزم فيه القضاء. ولما تقدم له ذكر الكفارة استشعر سؤال سائل قال له: وما هي؟ فقال: (والكفارة في ذلك)؛ أي: في الأكل والشرب والجماع عمدا في رمضان على وجه الانتهاك (١)، أو التأويل البعيد تكون بأحد أمور ثلاثة على وجه التخيير كما في حديث أبي هريرة ﵁ السالف أحدها: (إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مد بمد النبي ﷺ ) وهو وزن رطل وثلث بالبغدادي؛ أي: ما يعادل خمسمائة وثلاثة وأربعون غرامات حسب قول الجمهور (٢)، وهل يكون من عيش المكفر أو من غالب عيش الناس إن اختلف ذلك؟ قال اللخمي: يجري ذلك على الخلاف في الكفارة؛ أي: كفارة اليمين، وفي زكاة الفطر، والراجح فيها قوت أهل البلد، وكون كفارة رمضان واجبة على التخيير هو المشهور (٣)، وانبنى الخلاف في أي أنواعها الثلاثة أفضل، والمشهور أنه الإطعام، وإليه أشار الشيخ بقوله: (فذلك)؛ أي: الإطعام المذكور (أحب إلينا)؛ أي: إلى بعض أصحاب مالك وهو منهم، لأنه أعم نفعا. وهل يجوز إعطاء قيمة المد بدلا من إخراجه؟ قال أشهب هو مخير بين ذلك، وبين الغداء والعشاء.

стр. 632

وثانيها: العتق وإليه أشار بقوله: (وله أن يكفر بعتق رقبة) ويشترط فيها أن تكون كاملة غير ملفقة مؤمنة سليمة من العيوب كالعمى والبكم والجنون إلخ، محررة وتحريرها أن يبتدئ إعتاقها من غير أن تكون مستحقته بوجه. وثالثها: الصوم وإليه أشار بقوله: (أو صيام شهرين متتابعين) وتتعدد الكفارة بتعدد الأيام، ولا تتعدد بتكررها في اليوم الواحد قبل إخراجها اتفاقا ولا بعد التكفير على المذهب وليس على من أفطر في قضاء رمضان متعمدا كفارة لأن الكفارة من خصائص رمضان، ويصح قضاء رمضان متفرقا ومتتابعا. • حكم المغمى عليه ومن في حكمه في نهار رمضان: (ومن أغمي عليه)؛ أي: ذهب عقله (ليلا فأفاق بعد طلوع الفجر فعليه قضاء الصوم) قال ابن حبيب ولا يؤمر بالكف عن الأكل بقية النهار. والمعتمد أنه إن أغمي عليه كل النهار أو جله فلا بد من القضاء سلم أوله أو لا (١) (ولا يقضي) من أغمي عليه ليلا وأفاق بعد طلوع الفجر (من الصلوات) المفروضة (إلا ما أفاق في وقته) وقد تقدم هذا في باب جامع الصلاة، وتقدم دليل ذلك، وإنما أعاده لينبه على أن الصوم يخالف الصلاة، ألا ترى أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة لمشقة التكرار. • جملة من آداب الصيام: (وينبغي للصائم أن يحفظ لسانه) قيل ينبغي في كلامه بمعنى الاستحباب، وقيل: بمعنى الوجوب، ولا معارضة بين القولين، فيحمل من قال بالوجوب على الكف عن المحرم، ومن قال بالندب على الكف عن غير المحرم كالإكثار من الكلام المباح (وجوارحه) من عطف العام على الخاص. وجوارحه سبعة (٢): السمع والبصر، واللسان، واليدان، والرجلان، والبطن،

стр. 633

والفرج، وإنما صرح باللسان وإن كان داخلا فيها لأنه أعظمها آفة قيل: ما من صباح إلا والجوارح تشكو اللسان: ناشدناك الله إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا. فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، … » (١)، ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: « … والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل إني امرؤ صائم» (٢)، وغيرهما من النصوص الدالة على حفظ الجوارح واجتناب الفواحش. وما أحسن ما قيل: لا تجعلن رمضان شهر فكاهة … كيما تقضى بالقبيح فنونه! واعلم بأنك لن تفوز بأجره … وتصومه حتى تكون تصونه! (و) ينبغي للصائم أيضا أن (يعظم من شهر رمضان ما عظم الله) من زائدة المعنى، ويعظم شهر رمضان الذي عظمه الله بقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة: ١٨٥] الآية بقراءة القرآن والذكر والصيام والقيام والصدقة وسائر العبادات وما أكثرها وأكثر فضائلها، ويكره تعظيمه بالتزويق وإيقاد المصابيح ووضع الأعلام ونحو ذلك فإن هذا مناف لما كان عليه السلف رحمهم الله تعالى. • من محظورات الصيام: (ولا يقرب) بضم الراء وفتحها وهو الأفصح؛ أي: لكونها لغة القرآن كما قال التتائي (٣) (الصائم) فاعله و (النساء) مفعوله بوطء ولا مباشرة ولا قبلة للذة أما الوطء فحرام إجماعا، وأما ما بعده فقيل حرام وقيل مكروه،

стр. 634

وقد قال النبي ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (١)، ويكره للشيخ والشاب رجلا أو امرأة أن يقبل زوجته أو أمته وهو صائم أو يباشر أو يلاعب، لا سيما إذا خاف على نفسه الوقوع في المحظور وإلا فالاحتياط أولى من الحوم حول الحمى لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه» (٢). قال الحافظ (٣): فأشارت بذلك إلى أن الإباحة لمن يكون مالكا لنفسه دون من لا يأمن من الوقوع فيما يحرم، فإن أمذى من الفكر أو القبلة ونحوهما: قضى عند مالك رحمه الله تعالى. وكذلك أن ينظر أو يذكر إذا علم من نفسه السلامة من مني ومذي، وإن علم عدم السلامة أو شك فيها حرمت؛ ولا يحرم ذلك عليه في ليله إلا أن يكون معتكفا أو صائما في كفارة ظهار فيستوي عنده الليل والنهار، فإن فعل شيئا من ذلك وهو صائم وسلم فلا شيء عليه، وإن أنزل فعليه القضاء والكفارة (في نهار رمضان) ثم صرح بمفهوم هذا زيادة في الإيضاح فقال: (ولا يحرم ذلك)؛ أي: ما ذكر من الوطء والمباشرة والقبلة (عليه)؛ أي: على الصائم (في ليله)؛ أي: ليل رمضان لقوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ (٤) [البقرة: ١٨٧]، وقد نزلت في الصحابيين عمر بن الخطاب وقيس بن صرمة ﵄، وإنما يستوي الليل والنهار في حق المعتكف وصائم كفارة الظهار. (ولا بأس أن يصبح) الصائم (جنبا من الوطء) للحديث المتقدم، وللإجماع (٥). وليس في قوله تكرار وإنما أراد أن يبين هنا إباحة الإصباح بالجنابة.

стр. 635

(ومن التذ في نهار رمضان بمباشرة أو قبلة فأمنى لذلك)؛ أي: خرج منه المذي (ف) يجب (عليه القضاء)، مفهومه أنه إذا لم يمذ لا قضاء عليه وإن أنعظ وهو ما رواه ابن وهب وأشهب عن مالك في المدونة وهو الراجح. وقال ابن القاسم: إذا حرك ذلك منه لذة وأنعظ كان عليه القضاء. (وإن تعمد ذلك)؛ أي: المباشرة والقبلة (حتى أمنى فعليه) مع القضاء (الكفارة) على المشهور، قياسا على الجماع، وسكت عن النظر والتذكر. قال الفاكهاني: إن تابع النظر حتى أنزل فعليه القضاء والكفارة، وإن لم يتابعه فعليه القضاء فقط على المشهور، وفي المختصر: وإن أمنى بتعمد نظرة، فتأويلان. فضل القيام في شهر الصيام: (ومن قام رمضان إيمانا)؛ أي: تصديقا بالأجر الموعود عليه (واحتسابا)؛ أي: محتسبا أجره على الله تعالى يدخره له في الآخرة لا يفعل ذلك رياء ولا سمعة (غفر له ما تقدم من ذنبه) هذا لفظ حديث رواه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (١)، وهذا ترغيب منه دون أن يأمرهم بعدد محدد، ولا إلزام بفعل، ولهذا قال أبو هريرة ﵁ كما في «الموطأ» (٢): «أن رسول الله ﷺ كان يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيها بعزيمة»؛ والمراد بالذنوب التي يكفرها القيام الصغائر التي بينه وبين ربه. وأما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة أو عفو الله. وحكم قيام رمضان الاستحباب، ثم إن ثواب القيام لا يتقيد بالليل كله بل يحصل لكل من قام منه شيئا على قدر حاله من غير تحديد، وإلى ذلك أشار بقوله: (وإن قمت فيه)؛ أي: في رمضان (بما تيسر فذلك) القيام (مرجو فضله و) مرجو (تكفير الذنوب) به وخير الأعمال وأحبها إلى الله
следующие страницы →