← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وعلى المشهور إن كان بتأويل بعيد واحترز بالمتعمد من الناسي والجاهل؛ أي: ناسي الحرمة وجاهلها، وهو من لم يستند لشيء كحديث عهد بالإسلام يعتقد أن الصوم لا يحرم الجماع مثلا وجامع فلا كفارة عليه، وأشار بقوله: (مع القضاء) إلى أن القضاء لازم للكفارة ففي كل موضع تلزم فيه الكفارة يلزم فيه القضاء. ولما تقدم له ذكر الكفارة استشعر سؤال سائل قال له: وما هي؟ فقال: (والكفارة في ذلك)؛ أي: في الأكل والشرب والجماع عمدا في رمضان على وجه الانتهاك (١)، أو التأويل البعيد تكون بأحد أمور ثلاثة على وجه التخيير كما في حديث أبي هريرة ﵁ السالف أحدها: (إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مد بمد النبي ﷺ ) وهو وزن رطل وثلث بالبغدادي؛ أي: ما يعادل خمسمائة وثلاثة وأربعون غرامات حسب قول الجمهور (٢)، وهل يكون من عيش المكفر أو من غالب عيش الناس إن اختلف ذلك؟ قال اللخمي: يجري ذلك على الخلاف في الكفارة؛ أي: كفارة اليمين، وفي زكاة الفطر، والراجح فيها قوت أهل البلد، وكون كفارة رمضان واجبة على التخيير هو المشهور (٣)، وانبنى الخلاف في أي أنواعها الثلاثة أفضل، والمشهور أنه الإطعام، وإليه أشار الشيخ بقوله: (فذلك)؛ أي: الإطعام المذكور (أحب إلينا)؛ أي: إلى بعض أصحاب مالك وهو منهم، لأنه أعم نفعا. وهل يجوز إعطاء قيمة المد بدلا من إخراجه؟ قال أشهب هو مخير بين ذلك، وبين الغداء والعشاء.

стр. 632

وثانيها: العتق وإليه أشار بقوله: (وله أن يكفر بعتق رقبة) ويشترط فيها أن تكون كاملة غير ملفقة مؤمنة سليمة من العيوب كالعمى والبكم والجنون إلخ، محررة وتحريرها أن يبتدئ إعتاقها من غير أن تكون مستحقته بوجه. وثالثها: الصوم وإليه أشار بقوله: (أو صيام شهرين متتابعين) وتتعدد الكفارة بتعدد الأيام، ولا تتعدد بتكررها في اليوم الواحد قبل إخراجها اتفاقا ولا بعد التكفير على المذهب وليس على من أفطر في قضاء رمضان متعمدا كفارة لأن الكفارة من خصائص رمضان، ويصح قضاء رمضان متفرقا ومتتابعا. • حكم المغمى عليه ومن في حكمه في نهار رمضان: (ومن أغمي عليه)؛ أي: ذهب عقله (ليلا فأفاق بعد طلوع الفجر فعليه قضاء الصوم) قال ابن حبيب ولا يؤمر بالكف عن الأكل بقية النهار. والمعتمد أنه إن أغمي عليه كل النهار أو جله فلا بد من القضاء سلم أوله أو لا (١) (ولا يقضي) من أغمي عليه ليلا وأفاق بعد طلوع الفجر (من الصلوات) المفروضة (إلا ما أفاق في وقته) وقد تقدم هذا في باب جامع الصلاة، وتقدم دليل ذلك، وإنما أعاده لينبه على أن الصوم يخالف الصلاة، ألا ترى أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة لمشقة التكرار. • جملة من آداب الصيام: (وينبغي للصائم أن يحفظ لسانه) قيل ينبغي في كلامه بمعنى الاستحباب، وقيل: بمعنى الوجوب، ولا معارضة بين القولين، فيحمل من قال بالوجوب على الكف عن المحرم، ومن قال بالندب على الكف عن غير المحرم كالإكثار من الكلام المباح (وجوارحه) من عطف العام على الخاص. وجوارحه سبعة (٢): السمع والبصر، واللسان، واليدان، والرجلان، والبطن،

стр. 633

والفرج، وإنما صرح باللسان وإن كان داخلا فيها لأنه أعظمها آفة قيل: ما من صباح إلا والجوارح تشكو اللسان: ناشدناك الله إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا. فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، … » (١)، ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: « … والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل إني امرؤ صائم» (٢)، وغيرهما من النصوص الدالة على حفظ الجوارح واجتناب الفواحش. وما أحسن ما قيل: لا تجعلن رمضان شهر فكاهة … كيما تقضى بالقبيح فنونه! واعلم بأنك لن تفوز بأجره … وتصومه حتى تكون تصونه! (و) ينبغي للصائم أيضا أن (يعظم من شهر رمضان ما عظم الله) من زائدة المعنى، ويعظم شهر رمضان الذي عظمه الله بقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة: ١٨٥] الآية بقراءة القرآن والذكر والصيام والقيام والصدقة وسائر العبادات وما أكثرها وأكثر فضائلها، ويكره تعظيمه بالتزويق وإيقاد المصابيح ووضع الأعلام ونحو ذلك فإن هذا مناف لما كان عليه السلف رحمهم الله تعالى. • من محظورات الصيام: (ولا يقرب) بضم الراء وفتحها وهو الأفصح؛ أي: لكونها لغة القرآن كما قال التتائي (٣) (الصائم) فاعله و (النساء) مفعوله بوطء ولا مباشرة ولا قبلة للذة أما الوطء فحرام إجماعا، وأما ما بعده فقيل حرام وقيل مكروه،

стр. 634

وقد قال النبي ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (١)، ويكره للشيخ والشاب رجلا أو امرأة أن يقبل زوجته أو أمته وهو صائم أو يباشر أو يلاعب، لا سيما إذا خاف على نفسه الوقوع في المحظور وإلا فالاحتياط أولى من الحوم حول الحمى لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه» (٢). قال الحافظ (٣): فأشارت بذلك إلى أن الإباحة لمن يكون مالكا لنفسه دون من لا يأمن من الوقوع فيما يحرم، فإن أمذى من الفكر أو القبلة ونحوهما: قضى عند مالك رحمه الله تعالى. وكذلك أن ينظر أو يذكر إذا علم من نفسه السلامة من مني ومذي، وإن علم عدم السلامة أو شك فيها حرمت؛ ولا يحرم ذلك عليه في ليله إلا أن يكون معتكفا أو صائما في كفارة ظهار فيستوي عنده الليل والنهار، فإن فعل شيئا من ذلك وهو صائم وسلم فلا شيء عليه، وإن أنزل فعليه القضاء والكفارة (في نهار رمضان) ثم صرح بمفهوم هذا زيادة في الإيضاح فقال: (ولا يحرم ذلك)؛ أي: ما ذكر من الوطء والمباشرة والقبلة (عليه)؛ أي: على الصائم (في ليله)؛ أي: ليل رمضان لقوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ (٤) [البقرة: ١٨٧]، وقد نزلت في الصحابيين عمر بن الخطاب وقيس بن صرمة ﵄، وإنما يستوي الليل والنهار في حق المعتكف وصائم كفارة الظهار. (ولا بأس أن يصبح) الصائم (جنبا من الوطء) للحديث المتقدم، وللإجماع (٥). وليس في قوله تكرار وإنما أراد أن يبين هنا إباحة الإصباح بالجنابة.

стр. 635

(ومن التذ في نهار رمضان بمباشرة أو قبلة فأمنى لذلك)؛ أي: خرج منه المذي (ف) يجب (عليه القضاء)، مفهومه أنه إذا لم يمذ لا قضاء عليه وإن أنعظ وهو ما رواه ابن وهب وأشهب عن مالك في المدونة وهو الراجح. وقال ابن القاسم: إذا حرك ذلك منه لذة وأنعظ كان عليه القضاء. (وإن تعمد ذلك)؛ أي: المباشرة والقبلة (حتى أمنى فعليه) مع القضاء (الكفارة) على المشهور، قياسا على الجماع، وسكت عن النظر والتذكر. قال الفاكهاني: إن تابع النظر حتى أنزل فعليه القضاء والكفارة، وإن لم يتابعه فعليه القضاء فقط على المشهور، وفي المختصر: وإن أمنى بتعمد نظرة، فتأويلان. فضل القيام في شهر الصيام: (ومن قام رمضان إيمانا)؛ أي: تصديقا بالأجر الموعود عليه (واحتسابا)؛ أي: محتسبا أجره على الله تعالى يدخره له في الآخرة لا يفعل ذلك رياء ولا سمعة (غفر له ما تقدم من ذنبه) هذا لفظ حديث رواه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (١)، وهذا ترغيب منه دون أن يأمرهم بعدد محدد، ولا إلزام بفعل، ولهذا قال أبو هريرة ﵁ كما في «الموطأ» (٢): «أن رسول الله ﷺ كان يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيها بعزيمة»؛ والمراد بالذنوب التي يكفرها القيام الصغائر التي بينه وبين ربه. وأما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة أو عفو الله. وحكم قيام رمضان الاستحباب، ثم إن ثواب القيام لا يتقيد بالليل كله بل يحصل لكل من قام منه شيئا على قدر حاله من غير تحديد، وإلى ذلك أشار بقوله: (وإن قمت فيه)؛ أي: في رمضان (بما تيسر فذلك) القيام (مرجو فضله و) مرجو (تكفير الذنوب) به وخير الأعمال وأحبها إلى الله

стр. 636

أدومها وإن قل كما في الحديث (١)، (والقيام) فيه؛ أي: في رمضان يجوز فعله (في مسجد الجماعات) وفي كل ما يجتمعون فيه ويكون (بإمام) وجواز فعل التراويح بإمام مستثنى من كراهة صلاة النافلة جماعة المشار إليه بقول الشيخ خليل عطفا على المكروه وجمع كثير بنفل، أو بمكان مشتهر، لفعل النبي ﷺ فإنه ﵊ صلى بالناس في رمضان ثلاثا، ثم تخلف في الثالثة أو في الرابعة وقال: «إني خشيت أن تفرض عليكم» (٢)، ثم ترك ذلك ﵊؛ أي: الاجتماع للصلاة بهم خشية فرضه، وبقيت الأمة على ذلك يصلون أفذاذا وجماعات في خلافة أبي بكر الصديق وصدر من خلافة عمر (٣)، حتى جمعهم أمير المؤمنين عمر ﵁ على تميم الداري وأبي بن كعب ﵃ (٤). ووقت القيام بعد عشاء صحيحة وشفق إلى طلوع الفجر فوقته وقت الوتر (ومن شاء قام في بيته وهو أحسن)؛ أي: أفضل (لمن قويت نيته) يعني نشطت نفسه (وحده) ولم يكسل، لأن النبي ﷺ قال للصحابة في الليلة الثالثة أو الرابعة: «ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم، حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة» (٥)، واستحباب النوافل في البيت أبعد عن الرياء وأقرب للإخلاص، وقيد بعضهم هذا بأن لا تعطل المساجد. عدد ركعات التراويح: لما فرغ من بيان المحل الذي يفعل فيه شرع يبين عدده فقال:

стр. 637

(وكان السلف الصالح) وهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين (يقومون فيه)؛ أي: في زمن عمر بن الخطاب ﵁ وفي عهد الخليفتين بعده عثمان وعلي ﵃ (١) (في المساجد بعشرين ركعة) وهو اختيار جماعة منهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد، والعمل عليه الآن في الحرمين الشريفين. (ثم) بعد قيامهم بالعشرين ركعة (يوترون بثلاث)؛ أي: ثلاث ركعات. (ويفصلون بين الشفع والوتر بسلام) لما روى مالك (٢) عن يزيد بن رومان (٣) أنه قال: «كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب، في رمضان، بثلاث وعشرين ركعة» (٤)، قال الزرقاني (٥): «وجمع البيهقي وغيره بين هذا وسابقه، بأنهم كانوا يقومون بإحدى عشرة، واحدة منها الوتر، ثم قاموا بعشرين وأوتروا، ونقل عن الباجي قوله: فأمرهم أولا بتطويل القراءة لأنه أفضل ثم ضعف الناس فأمرهم بثلاث وعشرين فخفف من طول القراءة، واستدرك بعض الفضيلة بزيادة الركعات»، (ثم صلوا)؛ أي: السلف غير السلف الأول؛ أي: فهم سلف بالنسبة إلينا، وقد تقدم أن السلف الأول الصحابة فيكون المراد بهذا السلف التابعين (بعد ذلك)؛ أي: بعد القيام بعشرين ركعة غير الشفع والوتر (ستا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر) وكان الأمر لهم بذلك عمر بن عبد العزيز (٦) لما في ذلك من المصلحة، لأنهم كانوا يطيلون القراءة الموجبة للملل والسآمة، فأمرهم بتقصير القراءة وزيادة الركعات (٧)، والظاهر أنه تقدم

стр. 638

العمل به قبل زمان مالك، لأن محمد بن سيرين روى أن معاذا القاري كان يصلي بالناس إحدى وأربعين ركعة، ومعاذ أبو حليمة (١) هذا هو أحد القراء الذين أقامهم عمر بمصلى التراويح، وكان ذلك قبل الحرة، والحرة كانت سنة ثلاث وستين (٢). (وكل ذلك)؛ أي: القيام بعشرين ركعة أو بست وثلاثين ركعة (واسع)؛ أي: جائز (ويسلم من كل ركعتين) ولما بين قيام السلف استشعر سؤال سائل قال له: هذا قيام السلف فما قيام النبي ﷺ ؟ فأجاب بقوله: (وقالت عائشة ﵂ ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره على اثنتي عشرة ركعة بعدها الوتر) ما ذكره عن عائشة مخالف لما في «الموطأ» من قولها: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة» (٣)؛ أي: ومخالف أيضا لما روي عنها من أن قيامه بخمس عشرة وسبع عشرة، اللهم ما كان من رواية السائب بن يزيد قال: كنا نصلي زمن عمر في رمضان ثلاث عشرة، قال ابن إسحاق وهذا أثبت ما سمعت في ذلك وهو موافق لحديث عائشة في صلاة النبي ﷺ من الليل والله أعلم (٤).

стр. 639

باب في الاعتكاف • قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب في الاعتكاف: والاعتكاف من نوافل الخير، والعكوف الملازمة. ولا اعتكاف إلا بصيام، ولا يكون إلا متتابعا، ولا يكون إلا في المساجد، كما قال الله : ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ فإن كان بلد فيه الجمعة فلا يكون إلا في الجامع، إلا أن ينذر أياما لا تأخذه فيها الجمعة. وأقل ما هو أحب إلينا من الاعتكاف عشرة أيام. ومن نذر اعتكاف يوم فأكثر لزمه، وإن نذر ليلة لزمه يوم وليلة، ومن أفطر فيه متعمدا فليبتدئ اعتكافه، وكذلك من جامع فيه ليلا أو نهارا ناسيا أو متعمدا. وإن مرض خرج إلى بيته فإذا صح بنى على ما تقدم، وكذلك إن حاضت المعتكفة، وحرمة الاعتكاف عليهما في المرض وعلى الحائض في الحيض فإذا طهرت الحائض أو أفاق المريض في ليل أو نهار رجعا ساعتئذ إلى المسجد. ولا يخرج المعتكف من معتكفه إلا لحاجة الإنسان. وليدخل معتكفه قبل غروب الشمس من الليلة التي يريد أن يبتدئ فيها اعتكافه. ولا يعود مريضا ولا يصلي على جنازة ولا يخرج لتجارة. ولا شرط في الاعتكاف.

стр. 640

ولا بأس أن يكون إمام المسجد، وله أن يتزوج أو يعقد نكاح غيره، ومن اعتكف أول الشهر أو وسطه خرج من اعتكافه بعد غروب الشمس من آخره، وإن اعتكف بما يتصل فيه اعتكافه بيوم الفطر فليبت ليلة الفطر في المسجد حتى يغدو منه إلى المصلى). الشرح (باب في الاعتكاف) الاعتكاف لزوم المرء شيئا، وحبس نفسه عليه برا كان أو إثما، قال الله تعالى: ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ [الأنبياء: ٥٢]، وقال تعالى في البر: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧]. • معنى الاعتكاف لغة وشرعا: سمي الاعتكاف الشرعي اعتكافا لملازمة المسجد، يقال: عكف يعكف ويعكف - بضم الكاف وكسرها لغتان مشهورتان عكفا وعكوفا؛ أي: أقام على الشيء ولازمه، وعكفته أعكفه - بكسر الكاف عكفا لا غير. الاعتكاف في الشرع: هو اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنية مخصوصة. قال القرافي: «الاحتباس في المساجد على وجه مخصوص» (١). وهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فلما مر من قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾، وأما السنة فمن ذلك ما روى البخاري بزيادة من حديث عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان» (٢) وفي حديث عائشة: «حتى توفاه الله». وإنما عقب الصيام بالاعتكاف لأنه شرع عقبه وبدأ بحكمه فقال: (والاعتكاف من نوافل الخير) المرغب فيها وهو مندوب على قول، وسنة في

стр. 641

آخر، لحديث ابن عباس ﵄: « … من اعتكف يوما ابتغاء وجه الله تعالى جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق أبعد مما بين الخافقين» (١)، وأفضله في العشر الأواخر من رمضان لمواظبته ﷺ عليه؛ أي: على العشر الأواخر كما تقدم في حديث عائشة ﵂، ويكفي الاعتكاف فضلا أن الله ذكره، والمصطفى ﷺ فعله. (والعكوف الملازمة) (٢)؛ أي: لزوم المسلم المميز المسجد للذكر والصلاة وقراءة القرآن، صائما، كافا عن الجماع ومقدماته يوما فما فوقه بنية. قال التتائي: «وحكمة مشروعيته: التشبه بالملائكة الكرام في استغراق الأوقات بالعبادات وحبس النفس عن شهواتها واللسان عن الخوض فيما لا يعني» (٣). (ولا اعتكاف إلا بصيام) على المشهور (٤)، قال القاضي عياض: وهو قول جمهور العلماء (٥). واحتج لهؤلاء بأن النبي ﷺ : «اعتكف هو وأصحابه ﵃ صياما في رمضان»، وبحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لا اعتكاف إلا بصيام» (٦)،

стр. 642

قال النووي (١): حديث عائشة ضعيف بالاتفاق (٢)، (أي: رفعه)، والثاني: لو ثبت لوجب حمله على الاعتكاف الأكمل جمعا بين الأحاديث، والصحيح جوازه من غير صوم، لحديث عمر ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : «كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: «فأوف بنذرك»» (٣). وقد قال الرجراجي: وكثيرا ما يتسارع أهل المذهب إلى الاستدلال على أن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم، لقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى اليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾، ولا دليل في ذلك، غير أنه من باب الاستئناس بالقرآن. اه (٤). (و) من شرط الاعتكاف أن (لا يكون إلا متتابعا) لأن النبي ﷺ كان اعتكافه كذلك، ما لم ينذره متفرقا، فإن نذره كذلك لم يلزمه التتابع. (ولا يكون) الاعتكاف (إلا في المساجد كما قال الله : ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧]) فلا يصح في البيوت والحوانيت ونحوها، ولا في المصليات المخصصة للمدارس والشركات ونحو ذلك، ولا يعتكف في السقائف، ولا في المنارة، ولا على ظهر المسجد، واختلف في المؤذن المعتكف هل يصعد المنار أم لا؟ على قولين منصوصين في «المدونة» (٥)؛ ويصح الاعتكاف في أي مسجد كان، ولو كان غير المساجد الثلاثة في أي بلد كان و (أل) في المساجد تفيد العموم (٦)، وحمل قول النبي ﷺ : «لا

стр. 643

اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» (١) أن المقصود من ذلك الأفضلية والكمال، لا نفي الصحة والإجزاء. ثم إنه ثبت ثبوتا قطعيا أن النبي ﷺ لم يعتكف في غير المسجد (٢)، ولأنه إجماع (٣). (فإن كان بلد بالرفع على أن كان تامة، وبالنصب على أنها ناقصة اسمها ضمير فيها تقديره كان هو أي اعتكافه في بلد (فيه الجمعة) وهو ممن تلزمه الجمعة، ونذر أياما تأخذه فيها الجمعة (فلا يكون)؛ بمعنى: لا يصح الاعتكاف (إلا في المسجد الجامع) في المكان الذي تصح فيه الجمعة، لقول عائشة ﵂: «من السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الإنسان، ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة» (٤)، والمستحب عجز المسجد لأنه أخفى للعبادة، (إلا أن ينذر أياما لا تأخذه فيها الجمعة) (٥) مثل ستة أيام فأقل فإنه يصح أن يعتكف في أي مسجد كان على المذهب، فإن خرج للجمعة فقولان قائمان من «المدونة» (٦) (وأقل ما هو أحب)؛ أي: مستحب (إلينا)؛ أي: إلى المالكية على رأي وهو أحد قولي مالك من الاعتكاف عشرة أيام) (٧) لكون النبي ﷺ كان يفعله غالبا، وقيل أكمله شهر لأنه ﷺ أقصى ما فعل ذلك متتابعا والله أعلم، وعلى رأي أقله يوم وليلة وأكمله عشرة أيام وهو قول ابن

стр. 644

حبيب (١)، وما زاد عليها مكروه أو خلاف الأولى قاله اللخمي (٢). (ومن نذر اعتكاف يوم فأكثر لزمه) ما نواه ظاهره أنه إذا نذر يوما لا يلزمه ليلته، ومذهب المدونة خلافه؛ أي: إذا نذر يوما يلزمه يوم وليلة (٣)، فإن قلت هذا مشكل إذ كيف يلزم مع أنه مكروه لأن المدونة صرحت بكراهة ما دون العشرة على القول بأن أقل مستحبه عشرة، ويجاب عنه بما قيل في ناذر رابع النحر، فإنه يلزمه مع أنه مكروه، وذكره الأجهوري. (وإن نذر ليلة لزمه يوم وليلة) على المشهور، وعن سحنون البطلان لأن من نذر الاعتكاف ليلا فقد نواه بغير شرطه، قلت: والصحيح الذي لا مفر منه أنه لو نذر ليلة دون يومها صح منه عند كل من لم يشترط الصيام، والحق أحق أن يتبع، لأن حديث عمر ﵁ المتقدم قريبا دال عليه، ولو كان شيئا باطلا لما أقره النبي ﷺ على ذلك ولأرشده إلى ما هو أفضل في قضاء اعتكافه. • مفسدات الاعتكاف: شرع يتكلم على مفسدات الاعتكاف فقال: (ومن أفطر فيه)؛ أي: في اعتكافه بأكل أو شرب (متعمدا فليبتدئ اعتكافه) ظاهر كلامه التفريق بين العامد والناسي (٤)، وهو كذلك في «المدونة» (٥)، ومثل الفطر ناسيا المرض والحيض؛ أي: فإذا أكل ناسيا أو مرض أو حاضت فلا يبتدئه لعدم بطلانه، ويقضيه بعد زوال عذره الذي حصل فيه الفطر (٦). (وكذلك) يبتدئ اعتكافه (من جامع فيه ليلا أو نهارا ناسيا أو متعمدا)

стр. 645

للآية، زاد في «المدونة» أو قبل أو باشر أو لمس، قال ابن ناجي: ظاهره وإن لم تحصل لذة، لقول عائشة ﵂: «من السنة … ولا يمس امرأة ولا يباشرها»، وقيدها أبو الحسن بقوله يريد إذا وجد لذة أو قصدها ولم يجدها، قلت: والظاهر أن اللمس غير مبطل للاعتكاف إذا لم يجد لذة أو يقصدها كما قال أبو الحسن، لأن عائشة ﵂: «كانت ترجل شعر رسول الله ﷺ وهو معتكف» (١)، ولو كان ذلك مبطلا لما أخر بيانه عن وقته والله أعلم. ووقفت على مثل هذا الكلام للباجي في «المنتقى» (٢) فلينظر والحمد لله على توفيقه. (وإن مرض) المعتكف مرضا يمنعه من المكث في المسجد أو من الصوم خاصة دون المكث في المسجد (خرج) منه (إلى بيته)؛ أي: وجوبا مع المرض المانع من المكث في المسجد، وجوازا مع المانع من الصوم فقط، لأنه على القول الصحيح يجوز أن يعتكف من غير صوم، وفي الرجراجي أنه يجب عليه المكث في المسجد ما دام يأمن عدم الإيذاء (٣)، (فإذا صح) من مرضه رجع إلى المسجد (ويبني على ما تقدم) من الاعتكاف المراد بالبناء في كلامه الإتيان ببدل ما فات بالعذر سواء كان على وجه القضاء بأن كانت أياما معينة وفاتت، أو لا على وجه القضاء بأن كانت الأيام غير معينة بل مضمونة. (وكذلك) يجوز للمرأة أن تعتكف في المسجد، لأن النبي ﷺ أقر أزواجه لما أردن الاعتكاف، إلا أن سبب إنكاره لهن هو ظنه ﵊ إنما فعلن ذلك تنافسا في الكون معه، فقال: «البر أردتن!» (٤)، ولما كان يعتريها الحيض فإن الحكم (إن حاضت الـ) مرأة وهي (معتكفة) أو نفست فإنها تخرج لأن الحيض مانع للمكوث في المسجد لقوله ﷺ : «إني لا أحل حل المسجد لحائض ولا الجنب» (٥)، وقوله ﷺ : «افعلي ما يفعل الحاج غير

стр. 646

ألا تطوفي بالبيت» (١)، وتبني على ما تقدم (وحرمة الاعتكاف) مستمرة (عليهما) فلا يجوز لهما أن يفعلا خارج المسجد ما ينافي الاعتكاف إلا الفطر. وقوله (في المرض) عائد على المريض. وقوله: (وعلى الحائض في الحيض) عائد على الحيض إلا أنه لو قال في المرض والحيض لكان أحسن ليسلم من التكرار، إذ قوله: وعلى الحائض مكرر باعتبار دخولها في عليهما، لأنه عائد على المريض والحائض. (فإذا طهرت الحائض) بمعنى أنها رأت علامة الظهر واغتسلت (أو أفاق المريض) من مرضه سواء حصل لهما ذلك (في ليل أو نهار رجعا) وفي نسخة رجع؛ أي: كل من الحائض والمريض (ساعتئذ)؛ أي: ساعة إذ طهرت الحائض من الحيض بعد غسلها، أو أفاق المريض من مرضه (إلى المسجد) وإن لم يرجعا حينئذ ابتدءا على المشهور وإذا رجعا نهارا لا يعتد بذلك اليوم لتعذر الصوم فيه. (ولا يخرج المعتكف من معتكفه إلا لحاجة الإنسان) وهي كل ما يحمله على الخروج من بول، وغائط، وغسل جمعة، وعيد، ووضوء، وغسل جنابة، وأكل وشرب، بشرط أن لا يتجاوز محلا قريبا إلى ما هو أبعد، وإلا فسد اعتكافه، وبشرط أن لا يشتغل مع أحد بالمحادثة فيما لا فائدة فيه، أو لم يثبت فعله عن النبي ﷺ ، وإلا فسد اعتكافه أيضا قالت عائشة ﵂: «السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لما لا بد له منه» (٢)، وقالت أيضا: «كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» (٣)، قال ابن المنذر (٤): [أجمع أهل العلم على أن للمعتكف

стр. 647

أن يخرج من معتكفه للغائط والبول]. وهل يخرج لغسل الجمعة، قال الرجراجي: واختلف في خروجه لغسل الجمعة (١). قال في «النوادر»: «قال ابن وهب عن مالك: ولا بأس أن يخرج لغسل الجمعة إلى الموضع الذي يتوضأ فيه، ولا بأس أن يخرج يغتسل للحر يصيبه» (٢)، والظاهر عندي جوازه لترجيل عائشة ﵂ لشعر النبي ﷺ ، والله أعلم. • وقت بدء الاعتكاف: شرع يبين الوقت الذي يبتدأ منه الاعتكاف فقال: (وليدخل معتكفه قبل غروب الشمس من الليلة التي يريد أن يبتدئ فيها اعتكافه) وهذا الأمر على جهة الاستحباب، وشهره في المختصر، وقال سحنون وابن الماجشون بالوجوب (٣)، وانظر مع ما في «الصحيحين» من حديث عائشة ﵂ ما قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل معتكفه وإنه أمر بخبائه فضرب» (٤)، وأجيب عنه بأنه دخل من أول الليل، وإنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لاعتكافه بعد صلاة الصبح. وبعضهم قال: إن نذر الاعتكاف دخل قبل الغروب، وإن تطوع فقبل الفجر، وإن نذر الليالي فقبل الغروب، والأيام فقبل الفجر (٥). • ما ينهى عنه المعتكف مدة اعتكافه: (ولا يعود مريضا)؛ أي: أنه ينهى المعتكف في مدة اعتكافه عن عيادة المريض لما روي عن عائشة ﵂: أنها قالت: «السنة على المعتكف أن لا

стр. 648

يعود مريضا ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه» (١) تقدم، وعنها قالت: «كان النبي ﷺ يمر بالمريض، وهو معتكف، فيمر كما هو، ولا يعرج يسأل عنه» (٢)، ما لم يكن أحد أبويه أو هما معا فيجب أن يخرج لبرهما لوجوبه بالشرع ويبطل اعتكافه، (ولا يصلي على جنازة) ولو جارا فإن فعل لم يبطل اعتكافه، وقد تقدم الخلاف فيما يفعله المعتكف وما لا يفعله من أعمال البر والخلاف في ذلك. (ولا يخرج لتجارة) إلا ما لا بد له منه كأكل ونحوه، فيجوز بشرط أن لا يتخطى محلا قريبا إلى أبعد منه، وبشرط أن لا يجد من يشتري له. قال الأقفهسي: إن عقد على سلعة داخل المسجد لم يفسد اعتكافه (٣)، وكذا خارجه بين يديه، وأما إذا خرج عن ذلك بطل اعتكافه. وخلاصة القول: أن المعتكف جوز له الخروج من المسجد لما لا بد له منه إما عادة أو شرعا: أما العادة فكالأكل والشرب، وقضاء الحاجة من بول أو غائط، وزيادة لباس لحاجته له عند اشتداد البرد. وأما شرعا: فكأن يخرج ليغتسل من جنابة أو جمعة، أو للوضوء فهذا لا بد منه شرعا. • حكم الاشتراط في الاعتكاف: ومعنى قوله: (ولا شرط في الاعتكاف) أنه لا يجوز الشرط فيه (٤)، ظاهره الحرمة مثل أن يقول أعتكف عشرة أيام، فإن بدا لي رأي في الخروج خرجت، أو يقول: أعتكف الأيام دون الليالي أو العكس. قلت ولعل: من قال بجواز الشرط أدخل القياس على حديث ضباعة بنت الزبير بن

стр. 649

عبد المطلب ﵂: حيث جاءت تقول للرسول ﷺ إنها تريد الحج وهي شاكية، فقال لها: حجي واشترطي وقولي اللهم محلي حيث حبستني" (١). وانظر هل أراد بقوله (ولا بأس (٢) أن يكون إمام مسجد) إن تركه أحسن؛ أي: فيكره كونه إماما للمسجد أو أشار به إلى من يقول لا يكون إمام المسجد؛ أي: للرد عليه، فقد حكى ابن وضاح عن سحنون أنه لم يجز للمعتكف أن يكون إماما في الفرض والنفل؛ أي: بل يجوز أن يكون إمام المسجد جوازا مستوي الطرفين على ما قال ابن ناجي، وقد نص في المختصر على كراهة كونه إماما راتبا، قلت: وانظره مع ما صح أن النبي ﷺ كان يعتكف وهو الإمام اه؛ ولا يخفاك ضعف ما في «المختصر»، واعتماد القول بالاستحباب الموافق للحديث. (وله)؛ أي: ويباح للمعتكف (أن يتزوج) بمعنى يعقد لنفسه (أو يعقد نكاح غيره) وقيده في المدونة بأن يغشاه وهو في مجلسه؛ أي: يتلبس به وهو في مجلسه. وقيد أيضا بأن لا يطول التشاغل به وإلا كره سواء كان زوجا أو وليا، فإن قيل المحرم ممنوع من عقد النكاح فما الفرق بينه وبين المعتكف مع أن كلا منهما في عبادة يمنع فيها الوطء؟ وأجيب بأجوبة منها: أن الأصل جواز عقد النكاح لكل أحد خرج المحرم بقوله ﷺ : ﴿لا ينكح المحرم، ولا ينكح﴾ (٣) بالفتح في الأول؛ أي: لا يعقد لنفسه وبالضم في الثاني؛ أي: لا يعقد لغيره، وبقي ما عداه على الأصل وهو الجواز. (ومن اعتكف أول الشهر)؛ يعني: أول شهر من الشهور غير (رمضان أو وسطه) (خرج) بمعنى جاز له الخروج (من اعتكافه بعد غروب الشمس من آخره)؛ أي: من آخر أيام اعتكافه من غير خلاف في المذهب. هذا إن

стр. 650

اعتكف بزمن غير رمضان وأما إن كان اعتكافه في رمضان فقد أشار إليه الشيخ بقوله: (وإن اعتكف بما يتصل فيه اعتكافه بيوم الفطر فليبت ليلة الفطر)؛ يعني: أن من اعتكف بزمن يكون آخره غروب الشمس ليلة عيد الفطر فليبت تلك الليلة على جهة الاستحباب (في المسجد)؛ أي: الذي اعتكف فيه (حتى يغدو منه إلى المصلى) لفعل بعض السلف ذلك فقد روي عن النخعي وأبي مجلز، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي قلابة وقال إبراهيم: كانوا يحبون لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان أن يبيت ليلة الفطر في المسجد، ثم يغدو إلى المصلى من المسجد (١).

стр. 651

كتاب الزكاة قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب في زكاة العين والحرث والماشية وما يخرج من المعدن وذكر الجزية وما يؤخذ من تجار أهل الذمة والحربيين. وزكاة العين والحرث والماشية فريضة. فأما زكاة الحرث فيوم حصاده، والعين والماشية ففي كل حول مرة، ولا زكاة من الحب والتمر في أقل من خمسة أوسق وذلك ستة أقفزة وربع قفير، والوسق: ستون صاعا بصاع النبي ﷺ وهو أربعة أمداد بمده ﵊. ويجمع القمح والشعير والسلت في الزكاة، فإذا اجتمع من جميعها خمسة أوسق فليزك ذلك، وكذلك تجمع أصناف القطنية، وكذلك تجمع أصناف التمر، وكذلك أصناف الزبيب، والأرز. والدخن والدرة كل واحد منها صنف لا يضم إلى الآخر في الزكاة. وإذا كان في الحائط أصناف من التمر أدى الزكاة عن الجميع من وسطه. ويزكى الزيتون إذا بلغ حبه خمسة أوسق أخرج من زيته. ويخرج من الجلجلان، وحب الفجل من زيته، فإن باع ذلك أجزأه أن يخرج من ثمنه إن شاء الله. ولا زكاة في الفواكه والخضر. ولا زكاة من الذهب في أقل من عشرين دينارا، فإذا بلغت عشرين

стр. 652

دينارا ففيها نصف دينار وهو (١): ربع العشر، فما زاد فبحساب ذلك وإن قل. ولا زكاة من الفضة في أقل من مائتي درهم، وذلك خمس أواق، والأوقية: أربعون درهما من وزن سبعة أعني أن السبعة دنانير وزنها عشرة دراهم، فإذا بلغت هذه الدراهم مائتي درهم، ففيها ربع عشرها خمسة دراهم، فما زاد فبحساب ذلك. ويجمع الذهب والفضة في الزكاة، فمن كان له مائة درهم وعشرة دنانير، فليخرج من كل مال ربع عشره. ولا زكاة في العروض حتى تكون للتجارة، فإذا بعتها بعد حول فأكثر من يوم أخذت ثمنها أو زكيته ففي ثمنها الزكاة لحول واحد أقامت قبل البيع حولا أو أكثر إلا أن تكون مديرا لا يستقر بيدك عين، ولا عرض، فإنك تقوم عروضك كل عام وتزكي ذلك مع ما بيدك من العين. وحول ربح المال حول أصله، وكذلك حول نسل الأنعام حول الأمهات. ومن له مال تجب فيه الزكاة وعليه دين مثله أو ينقصه عن مقدار مال الزكاة فلا زكاة عليه إلا أن يكون عنده مما لا يزكى من عروض مقتناة أو رقيق أو حيوان مقتناة أو عقار أو ربع ما فيه وفاء لدينه فليزك ما بيده من المال، فإن لم تف عروضه بدينه حسب بقية دينه فيما بيده، فإن بقي بعد ذلك ما فيه الزكاة زكاه. ولا يسقط الدين زكاة حب ولا تمر ولا ماشية. ولا زكاة عليه في دين حتى يقبضه، وإن أقام أعواما فإنما يزكيه لعام واحد بعد قبضه. وكذلك العرض حتى يبيعه، وإن كان الدين أو العرض من ميراث فليستقبل حولا بما يقبض منه.

стр. 653

وعلى الأصاغر الزكاة في أموالهم في العين والحرث والماشية، وزكاة الفطر. ولا زكاة على عبد ولا على من فيه بقية رق في ذلك كله، فإذا أعتق فليأتنف حولا من يومئذ بما يملك من ماله. ولا زكاة على أحد في عبده وخادمه وفرسه وداره، ولا ما يتخذ للقنية من الرباع والعروض ولا فيما يتخذ للباس من الحلي. ومن ورث عرضا أو وهب له أو رفع من أرضه زرعا فزكاه فلا زكاة عليه في شيء من ذلك حتى يباع ويستقبل به حولا من يوم يقبض ثمنه. وفيما يخرج من المعدن من ذهب أو فضة الزكاة إذا بلغ وزن عشرين دينارا أو خمس أواق فضة ففي ذلك ربع العشر يوم خروجه، وكذلك فيما يخرج بعد ذلك متصلا به وإن قل فإن انقطع نيله بيده وابتدأ غيره لم يخرج شيئا حتى يبلغ ما فيه الزكاة. الشرح (باب في زكاة العين والحرث والماشية وما يخرج من المعدن)؛ أي: في بيان حكم القدر الذي تجب فيه الزكاة والقدر المخرج منه (و) في بيان (ذكر الجزية)؛ أي: ذكر من تؤخذ منه ومن لا تؤخذ منه والقدر الذي يؤخذ منها (و) في بيان (ما)؛ أي: القدر الذي (يؤخذ من تجار) بالضم والتشديد جمع تاجر كفاجر فجار وبالكسر والتخفيف كصاحب وصحاب (أهل الذمة والحربيين) أما أهل الذمة فهم المعاهدون من أهل الكتاب، ومن جرى مجراهم. الذمي: هو المعاهد الذي أعطي عهدا يأمن به على ماله، وعرضه، ودينه. وأما الحربيون فهم الذين أعلنوا الحرب على دولة الإسلام سواء أقاموا في دولتهم أم على أراضي أهل الإسلام. وتبرع في هذا الباب بالكلام على شيئين الركاز، وزكاة العروض؛ أي: ذكرهما، ولم يترجم لهما.

стр. 654

• الزكاة لغة واصطلاحا: الزكاة في اللغة: النماء، وترد أيضا بمعنى التطهير، وهي الركن الثالث من الأركان التي بني الإسلام عليها. وتعريفها بالشرع: «إخراج شيء مخصوص من مال مخصوص لأناس مخصوصين في زمن مخصوص». • حكم الزكاة: بدأ الشيخ ﵀ بالحكم فقال: (وزكاة العين) وهو الذهب والفضة وسميا بالعين لشرفه؛ أي: الشرف ما ذكر كما أن العين شريفة، ودليل وجوب الزكاة فيهما هو قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ [التوبة: ٣٤] ولا يتوعد بهذه العقوبة إلا على ترك واجب (١). وقول النبي ﷺ : «ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته، إلا أحمي عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح فيكوى بها جنباه، وجبينه حتى يحكم الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار … » (٢) وسيأتي لكل صنف من أصناف الزكاة أدلته. (والحرث) وهو المقتات المتخذ للعيش غالبا لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١] وقوله ﷺ : ﴿فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر﴾ (٣)، (والماشية) وهي الإبل والبقر والغنم لحديث أبي هريرة ﵁ الآتي، (فريضة) فرضها الله تعالى في

стр. 655

كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، ودل إجماع الأمة على وجوبها. أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلوتك سكن لهم والله سميع عليم﴾ [التوبة: ١٠٣]، وأما السنة: فإن النبي ﷺ بعث معاذا إلى اليمن فقال: «فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» (١)، في آي، وأخبار سوى هذين كثيرة. وأجمع المسلمون في جميع الأمصار والأعصار على وجوبها، واتفق الصحابة ﵃ على قتال مانعيها، فقد روى البخاري بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول الله ﷺ وكان أبو بكر ﵁، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر ﵁: كيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله» فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها قال عمر ﵁: «فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر ﵁، فعرفت أنه الحق». «قال ابن بكير وعبد الله عن الليث عناقا وهو أصح» (٢)، وعند أبي داود قال: «لو منعوني عقالا» وفي لفظ مالك في «الموطأ»: «لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه» (٣)، قال أبو عبيد: العقال صدقة العام. قال الشاعر: سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا … فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟ (٤)

стр. 656

وقيل: كانوا إذا أخذوا الفريضة أخذوا معها عقالها، ومن رواه "عناقا" ففي روايته دليل على أخذ الصغيرة من الصغار. أما لو كان جاهلا بوجوبها فمنعها فإنه يعرف بذلك ولا يحكم بكفره كمن هو حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية نائية عن الأمصار، وإن نشأ بين أهل الإسلام والعلم فهو مرتد، لأنها من شعائر الدين التي لا تخفى على مسلم إلا من جحد واستكبر. وقد فرضت في السنة الثانية للهجرة وإن كان قد سبق التنويه عليها في المجتمع المكي لحاجة الدعوة وأتباعها للمال قال تعالى: ﴿وما آنيتم من زكوة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾ [الروم: ٣٩]. وقد جاء الوعيد والتهديد الشديد على من منع زكاة ماله فمن ذلك تسميتهم بالمشركين قال تعالى: ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كفرون﴾ [فصلت: ٦، ٧]، قال قتادة: لا يقرون بالزكاة أنها واجبة (١)، وغيرها من الآيات الدالة على ذلك. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته، إلا أحمي عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح فيكوى بها جنباه، وجبينه حتى يحكم الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها، إلا بطح لها بقاع قرقر، كأوفر ما كانت، تستن عليه، كلما مضى عليه أخراها

стр. 657

ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب غنم، لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر، كأوفر ما كانت فتطؤه بأخلافها وتنطحه بقرونها، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء، كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار» قال سهيل: «فلا أدري أذكر البقر أم لا … » (١). شروط وجوب وصحة الزكاة: أما الأولى؛ أي: شروط الوجوب فسبعة في الجملة وإنما كانت سبعة في الجملة، لأن عد الإسلام من شروط الوجوب مبني على عدم خطاب الكفار بفروع الشريعة، والأصح خطابهم بها فيكون الإسلام شرط صحة. الإسلام، فلا تصح من كافر لحديث معاذ: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب» (٢).

стр. 658

والحرية، فلا تجب على الرقيق لحديث جابر ﵁ مرفوعا: «ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق» (١). ولأنه لا يملك فالمال الذي بيده لسيده لقول النبي ﷺ : «أيما امرئ أبر نخلا ثم باع أصلها، فللذي أبر ثمر النخل، إلا أن يشترطه المبتاع» (٢)، أي: فماله الذي بيده هو للذي باعه فيكون بمنزلة الفقير الذي ليس له مال. والنصاب، وهو المقدار الذي رتب الشارع وجوب الزكاة على بلوغه في كل جنس على حدته، وقد ثبت في كثير من الأحاديث التي ستأتي معنا بإذن الله تعالى. والملك التام ولو في غلة موقوف على معين، فلا زكاة في حصة المضارب قبل قسمة المال ولو ملكت بالظهور، لنقصان ملكه بعدم استقراره، لأنه وقاية لرأس المال، ولا تجب في الدين حتى يقبضه ويزكيه لحول إن مر عليه. فعن عائشة ﵂: «ليس في الدين زكاة» (٣). والحول في غير المعادن والمعشرات لحديث عمر ﵁ أن النبي ﷺ : «ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول» (٤). وعدم الدين في العين (الدراهم والذهب والفضة). ومجيء الساعي في الماشية إذا كان ثمت سعاة وأمكنهم الوصول لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «تؤخذ صدقات المسلمين

стр. 659

على مياههم» (١)، ولأبي داود أيضا: «لا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم» (٢)، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد الله بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب كتب إلى بعض عماله: «ادعوا الناس بأموالهم إلى أرفق المجامع بهم، وأقرب بها إلى مصالحهم، ولا تحبس الناس أولهم على آخرهم، فإن الدجن للماشية عليها شديد لها مهلك، ولا تسقها مساقا يبعد بها الكلأ، ووردها» (٣). وأما الثانية أي شروط الصحة فأربع: ١ - النية لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات .. ». ٢ - وتفرقتها بموضع وجوبها لما تقدم في حديث عمرو بن شعيب. ٣ - وإخراجها بعد وجوبها، وأما قبله فعدم الإجزاء عند أشهب (٤)، وذهب خليل إلى الإجزاء قبل حلول الحول ولم يحد في ذلك حدا، قلت: وهو الصحيح الذي يوافقه حديث خالد والعباس في إخراج صدقتهما، وإن كان القرطبي أنها صارت صدقة تطوع إذا جاء الحول وليس لهما مال. وذهب ابن القاسم إن تقدمت بيسير، واليسير عنده بكيوم ويومين، وعند ابن حبيب بعشرة أيام (٥). ودفعها للإمام العدل في أخذها وصرفها إن كان أو لأربابها وهم الأصناف الثمانية المشار لها بقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ [التوبة: ٦٠]. • هل يجزئ دفع القيمة في الزكاة؟ قال القرطبي: قد اختلفت الرواية عن مالك في إخراج القيم في الزكاة،

стр. 660

فأجاز ذلك مرة ومنع منه أخرى، فوجه الجواز - وهو قول أبي حنيفة هذا الحديث. وثبت في «صحيح البخاري» من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ : « … من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة، وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرنا له، أو عشرين درهما، … » (١). وقال ﷺ : «اغنوهم عن سؤال هذا اليوم»؛ يعني: يوم الفطر. وإنما أراد أن يغنوا بما يسد حاجتهم، فأي شيء سد حاجتهم جاز. وقد قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣] ولم يخص شيئا من شيء. ولا يدفع عند أبي حنيفة سكنى دار بدل الزكاة، مثل أن يجب عليه خمسة دراهم فأسكن فيها فقيرا شهرا فإنه لا يجوز (٢). ثم قال في موضع آخر: لا تجزئ القيمة عن الطعام والكسوة، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: تجزئ، وهو يقول: تجزئ القيمة في الزكاة فكيف في الكفارة قال ابن العربي وعمدته أن الغرض سد الخلة، ورفع الحاجة، فالقيمة تجزئ فيه. قلنا: إن نظرتم إلى سد الخلة فأين العبادة؟ [وأين] نص القرآن على الأعيان الثلاثة، والانتقال بالبيان من نوع إلى نوع؟ (٣). وقت وجوب زكاة الحرث: (فأما زكاة الحرث فيوم حصاده) بفتح حاء حصاده وكسرها قراءتان

стр. 661

سبعيتان (١) في قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]. اعلم أن في الحبوب قولين، وفي الثمار ثلاثة أقوال: الأول لمالك قال: إذا أزهت النخل، وطاب الكرم، واسود الزيتون، أو قارب، وأفرك الزرع واستغنى عن الماء وجبت فيه الزكاة. قال ابن عبد السلام: وهو المشهور. والثاني لابن مسلمة أنها لا تجب في الزرع إلا بالحصاد ولا تجب في التمر إلا بالجذاذ. واحتج بقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾، وهذا معنى قوله بالحصاد والجذاذ. والثالث خاص بالتمر أنها لا تجب إلا بالخرص وهو للمغيرة، وترتيب هذه الأشياء في الوجود، وهو أن الطيب أولا ثم الخرص ثم الجذاذ وأن الإفراك أولا ثم الحصاد. (و) أما (العين) غير المعدن والركاز (والماشية) فتجب؛ أي: في كل منهما (في كل حول مرة)؛ أي: بعد تمام الحول لقول النبي ﷺ : «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (٢). قال زروق: «وشرط الماشية بعد الحول مجيء الساعي على المشهور إن كان ويصل، وإلا وجبت بالحول اتفاقا وعلى المشهور لو أخرجت قبل مجيئه حيث يكون لم تجز» (٣). مقادير ما يخرج من أنصبة الزكاة: بين المصنف قدر النصاب الذي تجب فيه الزكاة من الحرث بقوله: (ولا زكاة من الحب والتمر في أقل من خمسة أوسق) لحديث أبي سعيد ﵁:

стр. 662

«ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر، ولا حب صدقة» (١)، قال ابن عمر: انظر هل تدخل القطاني في الحب، والزبيب والزيتون في التمر أم لا؟. بعض الشراح أدخلها في الحب وجعل الحب شاملا لما عدا التمر الذي هو تسعة عشر نوعا وهي: القمح والشعير، والسلت (٢)، والأرز، والدخن (٣)، والذرة، والعلس (٤)؛ والقطاني السبعة التي هي: العدس، واللوبيا، والفول، والحمص، والترمس، والبسيلة، والجلبان؛ وذوات الزيوت وهي: حب الفجل الأحمر، والسمسم المعبر عنه بالجلجلان، والقرطم (٥)، والزيتون، والزبيب، فهي بالتمر عشرون نوعا، فلا تجب الزكاة في غيرها من بزر كتان، أو سلجم أو غير ذلك. قال مالك (٦): (والقطنية: الحمص والعدس واللوبيا، والجلبان، وكل ما ثبت عند الناس أنه قطنية، فإذا حصد الرجل من ذلك خمسة أوسق بالصاع الأول صاع النبي ﷺ كان من أصناف القطنية كلها ليس من صنف واحد من القطنية فإنه يجمع ذلك بعضه إلى بعض وعليه فيه الزكاة، قال مالك: وقد فرق عمر بن الخطاب بين القطنية والحنطة فيما أخذ من النبط ورأى أن القطنية كلها صنف واحد). اه. وروى مالك عن سالم بن عبد الله عن أبيه: «أن عمر بن الخطاب ﵁

стр. 663

كان يأخذ من النبط من الحنطة والزيت نصف العشر يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة ويأخذ من القطنية العشر» (١). وقد ذكروا للأوسق الخمسة ضابطين: أحدهما بالكيل، والآخر بالوزن. أما الأول فبينه الشيخ بقوله: (وذلك)؛ أي: الخمسة أوسق (ستة أقفزة وربع قفيز) أقفزة جمع قفيز (٢)، وهو ثمانية وأربعون صاعا. (والوسق) بفتح الواو وكسرها واحد أوسق كفلس وأفلس، وهو لغة ضم شيء إلى شيء قال تعالى: ﴿واليل وما وسق﴾ [الانشقاق: ١٧]؛ أي: ضم وجمع؛ أي: من الظلمة والنجم أو لما عمل فيه واصطلاحا (ستون صاعا بصاع النبي ﷺ ) قال ابن المنذر: هو قول كل من يحفظ عنه من أهل العلم، وقد روى أبو سعيد وجابر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «الوسق ستون صاعا» (٣). (وهو أربعة أمداد بمده ﵊ وقد حرر النصاب؛ أي: في سنة سبع وأربعين وسبعمائة بمد معير على مد النبي ﷺ فوجد ستة أرادب ونصفا ونصف ويبة بأرادب القاهرة والإردب (٤) ست ويبات، والويبة (٥) ستة عشر قدحا هكذا قال الشارح قلت: وقد حرر في عصرنا فوجد بالغرامات: ألفان ومائة وخمسة وسبعون غراما تقريبا (٦) (٢١٧٥ غراما).

стр. 664

ثم إن القدر المأخوذ يختلف باختلاف المأخوذ منه، فإن كان المأخوذ منه حاصلا بعناء ومشقة كما لو سقي بالدواليب ففيه نصف العشر، وإن كان بغير مشقة كما لو سقي بماء السماء ففيه العشر لحديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر» (١). وعن جابر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «فيما سقت الأنهار والغيم العشر، وفيما سقي بالسانية نصف العشر» (٢). والأرض الخراجية وغيرها سواء في الزكاة. ثم شرع يبين أن الأنواع تضم فإذا اجتمع من مجموعها نصاب زكيت وإلا فلا، وأن الأجناس لا تضم فإذا لم يجتمع من كل جنس نصاب لا زك، فمن الأول قوله: (ويجمع القمح والشعير والسلت) بضم السين ضرب من الشعير ليس له قشر كأنه حنطة بناء على أنها كلها جنس واحد وهو المنصوص في المذهب ولا مفهوم لقوله: (في الزكاة) لأن هذه الثلاثة في البيع أيضا جنس واحد على

стр. 665

المشهور؛ أي: فيحرم التفاضل في بيع بعضها ببعض، وما ذكره من الجمع محله إذا كانت زراعتها وحصادها في عام واحد. أما إذا كانا في عامين أو أعوام فقيل: المعتبر ما نبت في زمن واحد، فيضاف بعضه إلى بعض، ولا يضاف ما نبت في زمان إلى ما نبت في زمان آخر، وقيل: المعتبر الزراعة فإن زرع الثاني قبل حصاد الآخر ضم إليه وإلا فلا. والأول لمالك في كتاب ابن سحنون، والثاني لابن مسلمة، وعليه اقتصر صاحب المختصر (١)، ثم بين فائدة الضم بقوله: (فإذا اجتمع من جميعها)؛ أي: جميع ما ذكر من القمح والشعير والسلت (خمسة أوسق فليزك ذلك) قال ابن عمر: فيخرج من كل ما ينوبه فيخرج الأعلى عن الأعلى والأدنى عن الأدنى والأوسط عن الأوسط، فإذا أخرج الأعلى عن الأدنى أجزأه، وإن أخرج الأدنى عن الأعلى لم يجزه (٢). تنبيه: وقع الاتفاق في الحبوب أنه يخرج عن كل نوع ما ينوبه، ووقع الاتفاق في المواشي أنه يخرج الوسط؛ واختلف في التمر فقيل: هو مثل المواشي، وقيل: مثل الحبوب. ومنه أيضا قوله: (وكذلك يجمع أصناف القطنية) بكسر القاف وفتحها، وأصلها من قطن بالمكان إذا أقام به، فإذا اجتمع من جميعها خمسة أوسق زكاها بناء على أنها جنس واحد في الزكاة وهو المذهب، بخلاف البيع فإنها فيه أجناس، وقد تقدم عدها كما بينا في حديث عمر ﵁. ومنه أيضا قوله: (وكذلك تجمع أصناف التمر) كالعجوة، والبرني، والصيحاني وغيرها على المشهور، فإذا اجتمع من جميعها خمسة أوسق زكاها (وكذلك أصناف الزبيب) كجعرور مع غيره اتفاقا تجمع، فإذا اجتمع من جميعها خمسة أوسق زكاها. (و) من الثاني (الأرز) فيه ست لغات إحداها ضم الهمزة والراء

стр. 666

(والدخن) بضم الدال المهملة (والذرة) بضم الذال المعجمة (كل واحد منها صنف) على حدته (لا يضم إلى الآخر) على المذهب لتباين مقاصدها واختلاف صورها في الخلقة. قال ابن رشد (١): والضابط في الضم هو اتفاق المنافع، فكل ما اتفقت منافعها فهي صنف واحد وإن اختلفت أسماؤها. وقوله: (في الزكاة) إشارة لمن يقول إنها كلها صنف واحد في الربا؛ أي: فلا يجوز التفاضل بينها، وهو قول ابن وهب، والمشهور خلافه. وإذا كان في الحائط أصناف ثلاثة (من التمر) جيد ورديء ووسط أدي الزكاة عن الجميع من وسطه على المشهور (٢). أما إن كان فيها نوع واحد أخذت منه جيدا كان أو رديئا، وليس عليه أن يأتي بالوسط ولا بالأفضل منه، وإن كان فيها جيد ورديء أخذت من كل ما يصيبه بحصته. ولو كان الرديء قليلا لأن الأصل أن تؤخذ زكاة كل عين من أصله، فخصته السنة بالماشية؛ أي: فأخرجت السنة من عمومه الماشية بسبب أنها تؤخذ من الوسط وبقي ما سواه على الأصل. (ويزكى الزيتون إذا بلغ حبه خمسة أوسق)؛ أي: مقدرة الجفاف، وقال ابن وهب: لا زكاة فيه ولا في كل ما له زيت، ابن عبد السلام، وهو الصحيح على أصل المذهب؛ أي: صحة جارية على قاعدة المذهب، وهو أن كل ما لا يقتات لا زكاة فيه. وهو وإن لم يقتت فله مدخل فيه إذ هو مصلح للقوت، وعلى القول بأنه يزكى أخرجت زكاته (من زيته) لا من حبه على المشهور. ولا يشترط في الزيت بلوغه نصابا بالوزن، وإنما الشرط بلوغ الحب نصابا كما صرح به الشيخ، وحكى ابن الحاجب الاتفاق عليه (٣)، وصححه خليل في

стр. 667

«التوضيح» (١)، ثم ذكر الخلاف فلو أخرج من حبه لم يجزه؛ قال القاضي عبد الوهاب (٢): والزيتون أعم منفعة في باب الأقوات، فكان أولى بوجوب الزكاة. قال البيهقي: وأصح ما في الباب قول ابن شهاب: مضت السنة في زكاة الزيتون أن تؤخذ ممن عصر زيتونه حين يعصره (٣). قال الغماري (٤): وأثره ورد من طرق عنه وأخرجه جماعة بألفاظ متعددة منهم: ابن أبي شيبة، وسحنون، ويحيى بن آدم القرشي، وآخرون، وهو قول ابن عباس ﵄ (٥). (و) كذلك (يخرج من الجلجلان) وهو السمسم (و) في (حب الفجل) ونحوهما مما يعصر (من زيته) إذا بلغ حبه خمسة أوسق (فإن باع ذلك)؛ أي: الزيتون وما بعده أجزأه أن يخرج من ثمنه كان الثمن نصابا أم لا وإنما يراعى نصاب الحب خاصة لا نصاب الثمن قال بعضهم إنما قال: (إن شاء الله) لضعف هذا القول ومنهم من قال: إنما قال ذلك لقوة الخلاف فيه. والذي في المختصر وشرحه أن الزيتون ونحوه إن كان له زيت أخرج من زيته، وإن لم يكن له زيت كزيتون مصر أخرج من ثمنه، وكذلك ما لا يجف كرطب مصر وعنبها (٦). والفول الأخضر يزكى من ثمنه وإن بيع بأقل مما تجب فيه الزكاة بشيء

стр. 668

كثير إذا كان خرصه خمسة أوسق، وإن نقص عنها لم يجب فيه شيء، وإن بيع بأكثر مما تجب فيه الزكاة بأضعاف. وليس في هذه الأبازير فيما اطلعت عليه أدلة خاصة وإنما الدليل العام وهو قوله ﷺ : «فيما سقت السماء العشر» (١)، ولحديث معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «خذ الحب من الحب» (٢). ثم إن مالكا والشافعي رأوا أن الزكاة فيما كان قوتا في حالة الاختيار لذلك إلا في الزيتون على اختلاف (٣). حكم زكاة الفواكه والخضروات: (ولا زكاة في الفواكه) الخضرة كالتفاح والمشمش (و) لا في (الخضر) كالبصل والبطاطس ونحوهما، لأنه قد علل عدم تزكيتها (أي: الفواكه والخضروات) بأن الزكاة إنما تجب فيما يدخر، أما ما لا يدخر فلا زكاة فيه (٤)، وأما ما ورد من الأحاديث في زكاتها فقال الترمذي: وليس يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء، وأورد حديث معاذ أنه كتب إلى النبي ﷺ يسأله عن الخضروات وهي البقول، فقال: «ليس فيها شيء» (٥).

стр. 669

وروى الدارقطني (١) من طريق علي، وطلحة، ومعاذ مرفوعا: «لا زكاة في الخضروات» وهو حجة عند الجمهور إلا أنها لا تخلو من تضعيف، وأصحها مرسل عن موسى بن طلحة كما قال الترمذي: «أن معاذا لم يأخذ من الخضروات صدقة» (٢)؛ وقال البيهقي (٣): هذه الأحاديث كلها مراسيل إلا أنها من طرق مختلفة فبعضها يؤكد بعضا، ومعها قول بعض الصحابة ﵃، منها قول عائشة ﵂: «جرت السنة أن لا زكاة في الخضر على عهده ﷺ » (٤). قال مالك: (السنة التي لا اختلاف فيها عندنا، والذي سمعت من أهل العلم أنه ليس في شيء من الفواكه كلها صدقة، الرمان والفرسك والتين وما أشبه ذلك، وما لم يشبهه إذا كان من الفواكه، قال: ولا في القضب ولا في البقول كلها صدقة، ولا في أثمانها إذا بيعت صدقة حتى يحول على أثمانها الحول من يوم بيعها ويقبض صاحبها ثمنها وهو نصا). اه (٥). قلت: قال ابن العربي (٦): إن أقوى المذاهب وأحوطها للمساكين قول أبي حنيفة، وأولاها قياما بشكر النعمة، وقد تمسك بعموم الآية؛ أي: قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]. والذي ينبغي أن يفعله المسلم أن يكثر من الصدقة فيها وحسبه حديث صاحب الحديقة وهو الصحيح. زكاة الذهب والفضة: (ولا زكاة من الذهب في أقل من عشرين دينارا (٧)، فإذا بلغت) الدنانير

стр. 670

(عشرين دينارا ففيها نصف دينار) وقوله: (ربع العشر) تفسير لنصف الدينار (فما زاد) على العشرين دينارا (ف) يخرج منه (بحساب ذلك)؛ أي: ما زاد. (وإن قل) فلا يشترط بلوغه أربعة دنانير في الذهب ولا أربعين درهما في الفضة. واشترط ذلك أبو حنيفة. (ولا زكاة من الفضة في أقل من مائتي درهم وذلك)؛ أي: المائتا درهم (خمسة أواق) (١) بحذف الياء وثبوتها مخففة ومشددة جمع أوقية، وتجمع على أواقي بياء مشددة كأماني. وذلك لحديث علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «فإذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون دينارا، فإذا كان لك عشرون دينارا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك» (٢). (والأوقية) بضم الهمزة وتشديد الياء زنتها (أربعون درهما) بالدرهم الشرعي وهو الدرهم المكي وقد تقدم أن زنته خمسون حبة وخمسا حبة من الشعير المتوسط إلى آخره. ويقال له درهم الكيل (٣)، لأن به تتحقق المكاييل الشرعية، إذ تركب منها الأوقية والرطل والمد والصاع (٤)، (من وزن سبعة
следующие страницы →