← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

باب في زكاة الماشية • قال المصنف رحمه الله تعالى: (وزكاة الإبل والبقر والغنم فريضة، ولا زكاة من الإبل في أقل من خمس ذود وهي خمس من الإبل ففيها شاة جذعة أو ثنية من جل غنم أهل ذلك البلد من ضأن أو معز إلى تسع، ثم في العشر شاتان إلى أربعة عشر، ثم في خمسة عشر ثلاث شياه إلى تسعة عشر، فإذا كانت عشرين فأربع شياء إلى أربع وعشرين، ثم في خمس وعشرين بنت مخاض وهي بنت سنتين، فإن لم تكن فيها فابن لبون ذكر إلى خمس وثلاثين، ثم في ست وثلاثين بنت لبون: وهي بنت ثلاث سنين إلى خمس وأربعين، ثم في ست وأربعين حقة وهي التي يصلح على ظهرها الحمل ويطرقها الفحل وهي بنت أربع سنين إلى ستين، ثم في إحدى وستين جذعة: وهي بنت خمس سنين إلى خمس وسبعين، ثم في ست وسبعين بنتا لبون إلى تسعين، ثم في إحدى وتسعين حقتان إلى عشرين ومائة، فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون. ولا زكاة من البقر في أقل من ثلاثين، فإذا بلغتها ففيها تبيع عجل جدع قد أوفى سنتين، ثم كذلك حتى تبلغ أربعين فيكون فيها مسنة، ولا تؤخذ إلا أنثى وهي بنت أربع سنين وهي ثنية، فما زاد ففي كل أربعين مسنة، وفي كل ثلاثين تبيع. ولا زكاة في الغنم حتى تبلغ أربعين شاة، فإذا بلغتها ففيها شاة جدعة أو ثنية إلى عشرين ومائة، فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة ففيها شاتان إلى مائتي شاة، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياء إلى ثلاثمائة، فما زاد ففي كل مائة شاة.

стр. 702

ولا زكاة في الأوقاص وهي ما بين الفريضتين من كل الأنعام ويجمع الضأن والمعز في الزكاة، والجواميس والبقر، والبخت والعراب). الشرح (باب في) بيان (زكاة الماشية) من حيث حكمها ونصابها وما تزكى به، وإنما أفردها بباب لأنها كذلك وردت في الحديث؛ أي: مفردة، ولأن العمل فيها مختلف؛ أي: من حيث إنه لا ضابط معين بعشر أو نصفه أو ربع عشر. وبدأ بحكمها فقال: (وزكاة الإبل والبقر والغنم فريضة) وقوة كلامه، يقتضي أن زكاة الماشية محصورة فيما ذكر، وهو كذلك عند معاشر المالكية لقوله ﵊: «ليس على المسلم في عبده وفرسه صدقة» (١)، ولا زكاة في البغال والحمير، وظاهر كلام المصنف أن الماشية تجب فيها الزكاة مطلقا معلوفة أو عاملة وهو المذهب (٢)، وعن أبي حنيفة والشافعي وأحمد لا زكاة في العاملة لقوله ﵊ كما في كتاب أبي بكر ﵁: «وصدقة الغنم في سائمتها … » (٣)، وعن علي ﵁ قال: «ليس في البقر العوامل صدقة» (٤). وأخذوا بالمفهوم، قال القرافي: «وجوابه أن المفهوم إن قلنا إنه حجة فالإجماع على أنه إذا خرج مخرج الغالب لا يكون حجة وغالب الأنعام اليوم لا سيما في الحجاز فلا يكون حجة سلمنا سلامته عن معارض الغلبة لكن المنطوق مقدم عليه إجماعا وهو معنى قوله ﷺ في كل أربعين شاة شاة وقوله ﷺ في أربع وعشرين فدونها الغنم في كل خمس شاة

стр. 703

وهو عام بمنطوقه ويؤكده أن الزكاة إنما وجبت في الأموال النامية شكرا لنعمة النماء في الأموال، والعلف يضاعف الجسد والعمل يضاعف المنافع فيكون هذا من باب مفهوم الموافقة لا مفهوم المخالفة فثبت الحكم في صورة النزاع بطريق الأولى وانعقد الإجماع على أن كثرة المؤنة لا يؤثر في إسقاط الزكاة بل في تنقيصها (١). وبدأ بالكلام على بيان فروض زكاة الإبل اقتداء بالحديث إذ جاء ذلك في كتاب الصدقة المكتوب لعمرو بن حزم. وفروض زكاتها إحدى عشرة فريضة: أربعة منها المأخوذ فيها من غير جنسها وهو الغنم، وسبعة المأخوذ فيها من جنسها. وقد أشار إلى أولى الأربعة بقوله: (ولا زكاة من الإبل في أقل من خمس ذود) بذال معجمة في أوله ودال مهملة في آخره (٢) (وهي خمس من الإبل) لحديث «وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة» من حديث جابر وأبي سعيد (٣)، فإذا بلغت هذا العدد (ف) الواجب (فيها شاة جذعة أو ثنية) وهما ما أوفى سنة ودخل في الثانية إلا أن الثنية ما أوفت سنة ودخلت في الثانية دخولا بينا والتاء فيهما للوحدة لا للتأنيث، إذ لا فرق بين الذكر والأنثى في الإجزاء (من جل غنم أهل ذلك البلد من ضأن أو معز) فالحكم للغالب فإن كان الغالب الضأن أخذت منه، وإن كان المعز أخذت منه، ولو دفع رب المال بعيرا بدلا عن الشاة الواجبة عليه أجزأه لأنه مواساة من جنس المال بأكثر مما وجب عليه. وغاية أخذ الشاة (إلى تسع) فالخمس فرض والأربعة وقص، وهي أقل أوقاص الإبل. (ثم في العشر شاتان إلى أربعة عشر ثم في خمسة عشر ثلاث شياه

стр. 704

إلى تسعة عشر، فإذا كانت عشرون فأربع شياه إلى أربع وعشرين) فالوقص في كل واحد من هذه الفروض الثلاثة أربعة أيضا ثم شرع في السبعة الباقية فقال: (ثم في خمس وعشرين بنت مخاض وهي بنت سنتين) ظاهره أنها كملت سنتين والمنصوص لغيره أنها ما أوفت سنة ودخلت في الثانية، وسميت بنت مخاض لأن أمها ماخض؛ أي: حامل لأن الإبل تحمل سنة وتربي سنة، (فإن لم تكن فيها بنت مخاض أو وجدت لكن معيبة (ف) المأخوذ حينئذ على سبيل الوجوب (ابن لبون) وهو ما أكمل سنتين ودخل في الثالثة وقوله: (ذكر) تأكيد لاستفادة الذكورية من قوله ابن فإن عدما؛ أي: بنت مخاض وابن لبون كلفه الساعي بنت مخاض، أي أحب أو كره، فجعل حكم عدم الصنفين كحكم وجودهما، فإن أتاه في تلك الحالة بابن لبون فذلك إلى الساعي بحسب ما يراه، فإن رأى أخذه جاز وإلا لزمه بنت مخاض، وغاية أخذ بنت مخاض أو ابن لبون إلى خمس وثلاثين) فالوقص في هذه الفريضة عشرة (ثم في ست وثلاثين بنت لبون وهي بنت ثلاث سنين ليس مراده ما أوفت ثلاث سنين، بل مراده ما أوفت سنتين ودخلت في الثالثة، وسميت بذلك لأن أمها ذات لبن وغاية أخذها إلى خمس وأربعين فالوقص في هذه الفريضة تسعة ثم في سن وأربعين حقة) بكسر الحاء المهملة (وهي التي يصلح على ظهرها الحمل ويطرقها الفحل) فلو دفع عنها بنتي لبون لم يجزيا عنها ولو عادلت قيمتهما قيمتها خلافا للشافعي (وهي بنت أربع سنين) مراده ما أكملت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة وغاية أخذها (إلى ستين) فالوقص في هذه الفريضة أربعة عشر (ثم) بعد ذلك يتغير الواجب ف (في إحدى وستين جذعة وهي بنت خمس سنين) مراده أيضا ما أكملت أربعة ودخلت في الخامسة سميت بذلك لأنها تجذع سنها؛ أي: تسقطه وهي آخر أسنان ما يؤخذ في الزكاة من الإبل وغاية أخذها إلى خمس وسبعين فالوقص أربعة عشر (ثم في ست وسبعين بنتا لبون إلى تسعين) فالوقص أربعة عشر أيضا (ثم في إحدى وتسعين حقتان إلى عشرين ومائة) فالوقص تسعة وعشرون. فتلخص من هذا أن أوقاص الإبل على خمس مراتب (فما زاد على

стр. 705

ذلك)؛ أي: على المائة وعشرين (ف) الواجب (في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون) هل تحمل على زيادة العشرات؟ فتستمر فيهن الحقتان إلى مائة وثلاثين، أو على مطلق الزيادة فتؤخذ ثلاث بنات لبون، كما قال ابن القاسم، وهي إحدى المسائل التي أخذ فيها بغير قول مالك (١). قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن لا صدقة فيما دون خمس ذود من الإبل، وأن في خمس من الإبل شاة» (٢). ولحديث أنس ﵁: أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: «بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين والتي أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم من كل خمس شاة؛ فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى؛ فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى؛ فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل؛ فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة؛ فإذا بلغت يعني سنا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون؛ فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل؛ فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمسا من الإبل ففيها شاء» (٣). وعن ابن عمر ﵁ قال: «كتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله وقرنه بسيفه حتى قبض، فعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمل به عمر حتى قبض، … » فذكر الحديث (٤)، قال الترمذي حديث حسن.

стр. 706

وعن أنس رضي عنه أن أبا بكر رضي عنه كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله ﷺ : من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده الحقة إلا بنت لبون فإنها تقبل منه بنت لبون ويعطي شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته بنت لبون وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت لبون وليست عنده وعنده بنت مخاض فإنها تقبل منه بنت مخاض ويعطي معها عشرين درهما أو شاتين» (١). • فائدة: علم مما تقدم أن بنت المخاض، وابن اللبون صدقة نصاب واحد، وهو خمسة وعشرون. وأن بنت اللبون صدقة ثلاث: ستة وثلاثين، وستة وسبعين وما زاد على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون. وأن الحقة صدقة ثلاث: ستة وأربعين، وإحدى وتسعين ومازاد على عشرين ومائة ففي كل خمسين حقة. وأن الجذعة صدقة نصاب واحد، وهو: إحدى وستون. وفي ثلاثين ومائة حقة، وبنتا لبون؛ وفي الأربعين ومائة: حقتان، وبنت لبون (٢). • زكاة البقر: البقر: مأخوذة من البقر وهو الشق، لأنها تشق الأرض لاستعمالها في حرث الأرض. أشار المصنف إلى زكاة البقر ونصابها ثلاثون وأربعون وما زاد وما يزكى

стр. 707

به بقوله: (ولا زكاة من البقر في أقل من ثلاثين بقرة (فإذا بلغتها)؛ أي: الثلاثين (ففيها تبيع) سمي بذلك لأنه يتبع أمه في السرح (عجل جذع) ظاهره اشتراط الذكر وليس كذلك بل المشهور عدم الاشتراط، وما ذكره في سنه من أنه ما (قد أوفى سنتين) هو الصحيح قال ابن بشير: على الصحيح عند أهل اللغة (ثم كذلك) يستمر أخذ التبيع حتى تبلغ أربعين) بقرة (فإذا بلغتها)؛ أي: الأربعين يتغير الواجب و (يكون فيها مسنة) بضم الميم وكسر السين المهملة ثم النون المشددة فعلى هذا الغاية غير داخلة في المغيا وقوله: (ولا تؤخذ إلا الأنثى زيادة بيان، فإن فقدت المسنة من البقر أجبر ربها على الإتيان بها إلا أن يعطي أفضل منها وهي بنت خمس سنين (وهي)؛ أي: المسنة (بنت أربع سنين) ظاهر كلامه ما أوفت أربع سنين وهو قول ابن حبيب وعبد الوهاب، ومنهم من أول كلامه بأن مراده ما أوفت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، وهو لابن حبيب أيضا فيكون له قولان ومعنى قوله (وهي ثنية) زالت ثناياها وهما السنتان اللتان من المقدم فوق وتحت، والتي بجوارهما فوق وتحت من أي ناحية يقال لها رباعية والنصاب الثالث وما يزكى به أشار إليه بقوله: (فما زاد)؛ أي: على الأربعين بقرة (ف) الواجب في كل أربعين) بقرة (مسنة وفي كل ثلاثين) بقرة (تبيع) فإن زادت خمسة على الأربعين فلا شيء فيها، وإذا بلغت خمسين فلا شيء في العشرة أيضا عندنا فإذا بلغت ستين ففيهما تبيعان، وإن بلغت سبعين ففيها تبيع ومسنة، وإن بلغت ثمانين ففيها مستتان، فما زاد يجري عليه فهو ضابط له (١)، لحديث معاذ بن جبل ﵁ قال: «أمرني رسول الله ﷺ حين بعثني إلى اليمن أن لا أخذ من البقر شيئا حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها عجل تابع جزع أو جذعة حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنة» (٢)، وقال ابن عبد البر: لا خلاف

стр. 708

بين العلماء أن السنة في زكاة البقر ما في حديث معاذ هذا، وأنه النصاب المجمع عليه فيها، وحديث طاووس هذا عن معاذ غير متصل، والحديث عن معاذ ثابت متصل من رواية معمر والثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ بمعنى حديث مالك اه (١). والإجماع منعقد كما قال ابن عبد البر على نصاب البقر، وقد ذكر العلماء على أن لا شيء فيما زاد على الأربعين من البقر حتى تبلغ ستين ففيها تبيعان إلى سبعين، فإذا بلغت سبعين ففيها تبيع ومسنة إلى ثمانين فيكون فيها مسنتان إلى تسعين فيكون فيها ثلاث تبائع إلى مائة فيكون فيها تبيعان ومسنة، ثم هكذا أبدا في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة (٢). • زكاة الغنم: ثلث بالكلام على زكاة الغنم وفروضها أربعة وقد أشار إلى أولها وما تزكى به بقوله: (ولا زكاة في الغنم حتى تبلغ أربعين شاة فإذا بلغتها)؛ أي: الأربعين شاة (ف) الواجب (فيها) حينئذ (شاة جذعة أو ثنية) ولو معزا، لقول النبي ﷺ : «إنما حقنا في الجذعة أو الثنية»، والشاة تطلق على الذكر

стр. 709

والأنثى والضأن والمعز، فقوله: جذعة؛ أي: سنها من الجذعة أو الثنية لا خصوص الأنثى، قاله ابن عمر، وقد تقدم بيانهما في زكاة نصاب الإبل، ويستمر أخذ الشاة (إلى عشرين ومائة) فالوقص ثمانون. ثم أشار إلى الفريضة الثانية وغايتها وما تزكى به بقوله: (فإذا بلغت)؛ أي: كملت الغنم عند المزكي (إحدى وعشرين) شاة (ومائة)؛ أي: مائة شاة (ف) الواجب (فيها) حينئذ (شاتان) ويستمر ذلك (إلى مائتي شاة) فالوقص هنا تسعة وسبعون. ثم أشار إلى الفريضة الثالثة وغايتها وما تزكى به فقال: (فإذا زادت) على المائتين (واحدة) فأكثر (ف) الواجب (فيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة). ثم أشار إلى الفريضة الرابعة بقوله: (فإن زاد) عدد الغنم على ثلاثمائة من المئين (ف) الواجب في كل مائة شاة قال في "التفريع": «فما زاد بعد ذلك؛ يعني: بعد الثلاثمائة ففي كل مائة شاة وفي ثلاثمائة وتسعة وتسعين ثلاث شياه وفي الأربعمائة أربع شياه، وفي الخمسمائة خمس شياه، ثم العبرة فيما بعد ذلك من المئات كذلك؛ أي: في كل مائة «شاة» (١). • حكم الأوقاص: ثم شرع يبين حكم ما بين الفريضتين، قال: (ولا زكاة في الأوقاص) جمع وقص بتسكين القاف عند الجمهور على ما قاله سند. وقال الأقفهسي: وقص بفتح القاف ومن رواه بالسكون، فهو خطأ يرده ما في «المصباح» حيث قال: الوقص بفتحتين وقد تسكن القاف، إلا أن الحافظ في الفتح صحح اللفظين (٢). (وهو) لغة من وقص العنق الذي هو القصر لقصوره عن النصاب، والوقص بسكون القاف: كسر العنق والرقبة.

стр. 710

واصطلاحا هو: (ما بين الفريضتين من كل الأنعام) كان الأنسب أن يقول وهي أي الأوقاص، وأجاب التتائي بما محصله أن هذا تفسير للمفرد لا للجمع (١)، ودليل عدم الأخذ ما رواه طاووس عن ابن عباس أن معاذ بن جبل ﷺ أتي بوقص البقر فقال: «لم يأمرني فيه النبي ﷺ بشيء»، قال الشافعي: الوقص ما لم يبلغ الفريضة (٢). الجمع بين أنواع الجنس الواحد في الزكاة: (ويجمع الضأن) بالهمز وعدمه واحده ضائن، ويقال أيضا في الجمع ضئين بفتح الضاد وكسرها، والأنثى ضائنة، وجمعها ضوائن، وهي ذات الصوف (والمعز) وهي ذات الشعر (في الزكاة) إجماعا على ما نقل بعضهم؛ أي: وما نقل عن ابن لبابة من أنها لا تجمع فشاذ لم يقل به غيره (٣)، كذا قاله في التحقيق، لأن اسم الجنس جمعهما في قوله ﵊: «ففي كل أربعين من الغنم شاة» (٤). قال ابن المنذر: [وأجمعوا أن لا صدقة في دون أربعين من الغنم، وأجمعوا على أن في الأربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مائتين، وأجمعوا على أن الضأن والمعز يجمعان في الصدقة. اه (٥)]. وللحديث الصحيح عن أنس أن أبا بكر ﷺ كتب له كتابا لما وجهه إلى البحرين وفيه … وفي صدقة الغنم في سائمتها: إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإذا زادت عن عشرين ومائة

стр. 711

إلى مائتين شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها .. » (١). (و) كذلك تجمع في الزكاة (الجواميس والبقر) اتفاقا، ونقل ابن المنذر (٢) الإجماع على أن حكم الجواميس حكم البقر، لأن اسم الجنس جمعهما في قوله ﵊: "ففي كل ثلاثين من البقر تبيع" (٣). (و) كذلك تجمع في الزكاة اتفاقا (البخت) وهي إبل خراسان ضخمة مائلة إلى القصر لها سنامان (والعراب) وهي إبل العرب المعهودة، إذ لفظ الإبل صادق عليهما في قوله ﵊: «في كل خمس شاة» (٤). قال مالك رحمه الله تعالى: «وكذلك الإبل العراب والبخت، يجمعان على ربهما في الصدقة. وقال: إنما هي إبل كلها. فإن كانت العراب هي أكثر من البخت، ولم يجب على ربها إلا بعير واحد، فليأخذ من العراب صدقتها. فإن كانت البخت أكثر فليأخذ منها، فإن استوت، فليأخذ من أيتهما شاء»، وكذلك البقر والجواميس، تجمع في الصدقة على ربها. وقال: «إنما هي بقر كلها، فإن كانت البقر هي أكثر من الجواميس، ولا تجب على ربها إلا بقرة واحدة، فليأخذ من البقر صدقتهما، وإن كانت الجواميس أكثر، فليأخذ منها. فإن استوت، فليأخذ من أيتهما شاء. فإذا وجبت في ذلك الصدقة صدق الصنفان جميعا» (٥).

стр. 712

• أثر الخلطة في الزكاة: • قال المصنف رحمه الله تعالى: مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة (وكل خليطين فإنهما يترادان بينهما بالسوية. ولا زكاة على من لم تبلغ حصته عدد الزكاة، ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة، وذلك إذا قرب الحول، فإذا كان ينقص أداؤهما بافتراقهما أو باجتماعهما أخذا بما كانا عليه قبل ذلك). الشرح عرف ابن عرفة رحمه الله تعالى: «الخلطة بقوله: اجتماع نصابي نوع نعم مالكين فأكثر فيما يوجب تزكيتهما على مالك واحد» (١). ولما كان للخلطة أصل في الشرع، وتخفيف في الزكاة على صاحب المال كما في قوله ﷺ : «وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» (٢)، قال المصنف بناء على هذا: (وكل خليطين فإنهما يترادان بينهما بالسوية) على عدد الماشية فالذي توجبه الخلطة المجتمع فيها الشروط الآتية أن يكون المأخوذ من المالكين كالمأخوذ من المالك الواحد في القدر والسن والصنف. مثال الأول: ثلاثة لكل واحد أربعون شاة من الغنم، فإن الواجب عليهم شاة واحدة على كل واحد ثلثها. ومثال الثاني: اثنان لكل واحد ستة وثلاثون من الإبل فإن الواجب عليهما جذعة على كل واحد نصفها. ومثال الثالث: اثنان لواحد ثمانون من الضأن وللآخر أربعون من المعز، فإن الواجب شاة من الضأن على صاحب الثمانين ثلثاها وعلى الآخر الثلث.

стр. 713

وفائدة الخلطة التخفيف كما إذا كان لكل أربعون من الغنم فإن على كل واحد حالة الانفراد شاة وعليهما معا حالة الاجتماع شاة واحدة؛ وقد تفيد التثقيل كما إذا كان لكل مائة وعشرون من الغنم فإن كان على كل واحد منهما حالة الانفراد شاة واحدة وعند الاجتماع عليهما ثلاث شياه، وقد لا تفيدهما كما إذا كان لكل واحد مائة من الغنم، فإن على كل واحد حالة الانفراد واحدة، وكذا حالة الاجتماع. ويشترط في كون المالكين كالمالك الواحد شروط منها: أن يكون لكل واحد نصاب فأكثر حال حوله، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿ولا زكاة على من لم تبلغ حصته عدد الزكاة﴾ لعموم قوله ﵊: ﴿ليس فيما دون خمس ذود صدقة﴾ (١) ومنها أن يكونا مخاطبين بالزكاة احترازا من أن يكونا عبدين أو كافرين، ومنها أن يتحد الفحل، والراعي، والمراح، والمرعى، والدلو، والمبيت، وأن تكون الخلطة للارتفاق لا فرارا من الزكاة. وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الزكاة في (الصدقة)﴾ ولو قدم هذا على قوله وكل خليطين إلخ لكان أولى لأنه وقع في الحديث مرتبا كذلك. وهو حديث أنس ﵁: «أن أبا بكر ﵁ كتب له التي فرض رسول الله ﷺ : ﴿ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة﴾ (٢)»، قال عبد الوهاب: لا يخلو حالهما من ثلاثة أوجه أحدها أن يكونا صالحين مأمونين، وقالا: إنما افترقنا لعذر، واجتمعنا لعذر، فإنهم يصدقون ولا يتهمون في ذلك. الثاني استواء حالهما ويتهمون في ذلك، فإنهم يحلفون على ما ادعوا فإن لم يحلفوا وإلا أخذوا بما كانوا عليه قبل ذلك. الثالث أن يكونا معلومين بذلك وظهر فسقهم، فإنهم يؤخذون بما كانوا عليه قبل ذلك ولا يتكلفون اليمين.

стр. 714

وقال ابن القاسم: «يؤخذون بما كانوا عليه قبل ذلك مطلقا سواء فعلوا خشية الصدقة أم لا، سدا للذريعة» (١). (وذلك)؛ أي: النهي عن التفريق والجمع (إذا قرب الحول) قال ابن شاس: هذا إذا كان ما وجدا عليه من افتراق أو اجتماع منقصا من الزكاة، فإن لم يكن منقصا فلا يتهمان، بل يزكى المال على ما يوجد عليه، وإلى هذا أشار الشيخ بقوله: (فإذا كان) التفريق أو الاجتماع عند قرب الحول ينقص أداؤهما بافتراقهما أو باجتماعهما أخذا بما كانا عليه قبل ذلك الافتراق أو الاجتماع. مثال التفريق خوف الزيادة في الصدقة رجلان لكل واحد مائة شاة وشاة فيفترقان في آخر الحول فتجب عليهما شاتان، وقد كان الواجب عليهما ثلاثا. ومثال الجمع لذلك ثلاث رجال لكل واحد منهم أربعون فيجمعونها في آخر الحول لتجب عليهم شاة واحدة، وقد كان الواجب عليهم ثلاث شياه. • ما لا يؤخذ في الزكاة من الأنعام: قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا تؤخذ في الصدقة السخلة وتعد على رب الغنم، ولا تؤخذ العجاجيل في البقر، ولا الفصلان في الإبل، وتعد عليهم، ولا يؤخذ تيس، ولا هرمة، ولا الماخض، ولا فحل الغنم، ولا شاة العلف، ولا التي تربي ولدها، ولا خيار أموال الناس، ولا يؤخذ في ذلك عرض، ولا ثمن، فإن أجبره المصدق على أخذ الثمن في الأنعام وغيرها أجزأه إن شاء الله. ولا يسقط الدين زكاة حب ولا تمر ولا ماشية). الشرح شرع يبين ما لا يؤخذ في الزكاة من الأنعام فقال: (ولا تؤخذ في الصدقة السخلة) وهي الصغيرة من الغنم ضأنا كانت أو معزا، ذكرا كانت أو

стр. 715

أنثى، (و) مع ذلك تعد على أرباب الغنم كان في الأصل نصاب أم لا لما مر من حديث عمر رضي عنه (١) عند الكلام على حول النسل والأرباح، (و) كذلك (لا) تؤخذ العجاجيل في صدقة (البقر) جمع عجل، وهو ما كان دون السن الواجب الذي هو التبيع. (و) كذلك (لا) تؤخذ الفصلان في صدقة (الإبل) جمع فصيل وهو ما دون بنت مخاض (و) مع كونها؛ أي: الفصلان والعجاجيل لا تؤخذ في الصدقة تعد عليهم؛ أي: على أربابها لتؤخذ زكاتها. (و) كذلك (لا) يؤخذ في الصدقة (تيس) وهو الذكر الفحل لحاجة الناس إليه في اللقاح، (و) كذلك (لا) يؤخذ في الصدقة (هرمة) وهي الكبيرة الهزيلة لقوله ﷺ : «ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار، ولا تيس إلا ما شاء المصدق» (٢). (و) كذلك (لا) تؤخذ في الصدقة (الماخض) وهي الحامل التي ضربها الطلق بفتح الراء مخففة أي تعلق بها الطلق، قاله الفاكهاني، وهو موافق للمصباح، فإنه قال: مخضت المرأة وكل حامل من باب تعب دنا ولادها وأخذها الطلق، وإنما لم تؤخذ لأنها من خيار أموال الناس. (و) كذلك (لا) تؤخذ في الصدقة (شاة العلف) وهي المعدة للتسمين للأكل لا للنسل ذكرا كانت أو أنثى لأنها من خيار أموال الناس لقوله ﷺ لمعاذ: «وإياك وكرائم أموالهم» (٣). (و) كذلك (لا) تؤخذ في الصدقة (التي تربي ولدها) وتسمى الربى بضم الراء وبالموحدة المشددة مقصورة قال عمر لساعيه: «ولا تأخذ الأكولة، ولا

стр. 716

الربى ولا الماخض ولا فحل الغنم (١). ولا خيار أموال الناس يريد ولا شرارها، لأنه اعتداء عليهم في الخيار وغمط لأهل الحق في الزكاة إن أخذ الشرار، فلا إفراط ولا تفريط، لقول النبي ﷺ محذرا أخذ الكريمة: «المعتدي في الصدقة كمانعها» (٢)، ولحديث عبد الله بن معاوية الغاصري، من غاضرة قيس، عن النبي ﷺ : أنه قال: «ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام، ولا يعطي الهرمة، ولا الدرنة، ولا المريضة، ولا الشرط اللئيمة، ولكن من وسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره» (٣) رافدة: يعني: معينة، والدرنة: الجرباء، والشرط: رذالة المال (٤). وحاصله أنه لا تؤخذ في الصدقة خيار الأموال لتعلق حق أرباب الأموال بها، ولا شرارها لتعلق حق الفقراء بغيرها، فإن أعطى المالك الخيار طيبة بها نفسه جاز له ذلك، ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ [البقرة: ٢٦٧] وإن أعطى الشرار فلا تجزئ، ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وإن كانت الأموال كلها خيارا أو شرارا كلف الوسط، فإن امتنع أجبر على ذلك (٥). • هل تجزئ القيمة عن عين ما وجبت فيه الزكاة: (ولا يؤخذ في ذلك)؛ أي: الصدقة (عرض ولا ثمن)؛ أي: عين بدل

стр. 717

ما وجب عليه من حب أو تمر أو ماشية (فإن أجبره المصدق) بتخفيف الصاد وكسر الدال، وهو الساعي (على أخذ الثمن في الأنعام وغيرها) كالحبوب (أجزأه) مفهوم الشرط لو فعل ذلك اختيارا لم يجزه وهو كذلك على المشهور فيهما؛ أي في الطوع والإكراه. ونص ابن الحاجب وإخراج القيمة طوعا لا يجزئ وكرها يجزئ على المشهور فيهما (١)، ونص ابن يونس أن الصواب الإجزاء (٢). وقول الشيخ (إن شاء الله) إشارة إلى قوة الخلاف (٣). وقوله: (ولا يسقط الدين زكاة حب ولا تمر ولا ماشية) تقدم في الباب الذي قبل هذا ولم يظهر لتكراره معنى. تتميم مهم مشتمل على عدة مسائل: الأولى: أن يخرجها أي الصدقة بنية الزكاة، فإن أخرجها بغير نية الزكاة فلا تجزئ إلا أن يكون مكرها أي ونية المكره بالكسر كافية، لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات». الثانية: أن لا ينقلها من الموضع الذي وجبت فيه إلا أن لا يكون فيه من يعطيها له فينقلها إلى أقرب المواضع إليه ويدل على معناه حديث معاذ مرفوعا: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» قيل: على فقراء البلد، وثمت أقوال أخر. الثالثة: أن يخرجها وقت وجوبها فإن أخرها عنه أجزأ وارتكب محرما. الرابعة: أن يصرفها في مصارفها الثمانية الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ [التوبة: ٦٠] الآية.

стр. 718

• تنبيه: مصارف الزكاة: مما لم يذكره المصنف وهو من الأهمية بمكان مصارف الزكاة: قال تعالى قول الله: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ [التوبة: ٦٠]. قال ابن عاشر رحمه الله تعالى: مصرفها الفقير، والمسكين … غاز، وعشق، عامل، مدين مؤلف القلب، ومحتاج غريب … أحرار إسلام، ولم يقبل مريب فالأول والثاني: الفقير والمسكين - ويشترط فيهما الحرية والإسلام وأن تكون نفقتهما غير واجبة على مليء، وقدم الفقراء والمساكين في الآية لأنهم أحوج من غيرهم على المشهور، ويراعى أهل التقى منهم والصلاح لا سيما أهل العلم لأن إعطاء المستحقين منهم حفظ للعلم، ولا تعطى لسفيه (١). والثالث: الغازي، وهو من يجب عليه الجهاد ولو غنيا، ولا تعطى له إلا في حال تلبسه بالغزو، والجهاد هو سبيل الله. الرابع: العتق بأن يشتري الوالي، أو من ولي زكاة نفسه بمال رقيقا مؤمنا لا عقد حرية فيه ويعتقه. الخامس: العامل عليها وهو مفرقها وحارسها وتعطى له، وإن كان غنيا لأنها أجرته، ما لم يتقاضى راتبا من الدولة على عمله (٢). السادس: الغارم: أي: المدين فمن كان عليه دين لآدمي استدانه في مباح، أعطى من الزكاة إن دفع ما بيده من المال، أما إن كان سفيها يستدين لشرب المسكرات والسجائر ونحو ذلك من التبذير في مواطن اللهو واللعب والمجون فلا يعان بالزكاة على معصية رب الأرض والسموات.

стр. 719

السابع: المؤلفة قلوبهم والمراد بهم الكفار الذين يطمع في دخولهم للإسلام فيعطون منها ترغيبا لهم في الإسلام، وقيل حديثو العهد بالإسلام يعطون منها تثبيتا لهم على الإسلام (١)، وقد قال ﵊: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، خشية أن يكب في النار على وجهه» (٢). الثامن: ابن السبيل وهو الذي ذكره ابن عاشر بقوله: (محتاج غريب؛ أي: المسافر الغريب المحتاج المنقطع فيدفع إليه قدر كفايته ليستعين بذلك على الوصول لبلده، إذا كان مسافرا سفرا مباحا، فإن جلس أخذ منه كالغازي)، ويدخل في ذلك طالب العلم المنقطع له، العاجز عن الجمع بين التكسب والطلب فيعطى منها. وقد ذكرت مصارف الزكاة في الآية السالفة الذكر وفي أحاديث منها ما رواه مالك في «الموطأ»: عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين، فأهداها المسكين للغني (٣)، وعن أبي سعيد الخدري ل قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو جار فقير يتصدق عليه، فيهدي لك أو يدعوك» (٤). وأما المؤلفة قلوبهم فأصناف منهم من يعطى ليسلم، كما أعطى النبي ﷺ صفوان بن أمية فقد قال: «والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي» (٥).

стр. 720

ومنهم من يعطى ليحسن إسلامه ويثبت قلبه، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «بعث علي نه، إلى النبي ﷺ بذهيبة فقسمها بين الأربعة الأقرع بن حابس الحنظلي، ثم المجاشعي، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائي، ثم أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، فغضبت قريش، والأنصار، قالوا: يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا، قال: «إنما أتألفهم»» (١). ثم انتقل يتكلم على زكاة الفطر فقال:

стр. 721

باب في زكاة الفطر • قال المصنف رحمه الله تعالى: (وزكاة الفطر سنة واجبة فرضها رسول الله ﷺ على كل كبير أو صغير ذكر أو أنثى حر أو عبد من المسلمين صاعا عن كل نفس بصاع النبي. وتؤدى من جل عيش أهل ذلك البلد من بر، أو شعير، أو سلت، أو تمر، أو أقط، أو زبيب، أو دخن، أو ذرة، أو أرز. وقيل إن كان العلس قوت قوم أخرجت منه: وهو حب صغير يقرب من خلقة البر. ويخرج عن العبد سيده، والصغير لا مال له يخرج عنه والده. ويخرج الرجل زكاة الفطر عن كل مسلم تلزمه نفقته وعن مكاتبه، وإن كان لا ينفق عليه؛ لأنه عبد له بعد. ويستحب إخراجها إذا طلع الفجر من يوم الفطر. ويستحب الفطر فيه قبل الغدو إلى المصلى، وليس ذلك في الأضحى. ويستحب في العيدين أن يمضي من طريق ويرجع من أخرى). الشرح (باب في) بيان (زكاة الفطر)؛ أي: في بيان الأحكام المتعلقة بها، ويقال: صدقة الفطر، وفرضت في السنة الثانية، والفطر في اللغة: تقال للمخرج بفتح الراء فطر بكسر الفاء خاصة، لفظة مولدة اصطلح الفقهاء عليها،

стр. 722

وليست عربية ولا معربة (١). (وزكاة الفطر سنة واجبة)؛ أي: مؤكدة، وما ذكر من أنها سنة واجبة؛ أي: مؤكدة نقل الفاكهاني عن بعض شيوخه أنه المشهور. والظاهر من المذهب الوجوب، وصرح ابن الحاجب بمشهوريته (٢)، واختلف في معنى قوله: (فرضها رسول الله ﷺ ) فقيل معناه قدرها فيكون معناها على أنها سنة، ولا ينافيه قوله: على كل كبير وعلى الأصاغر، فإن الشيخ يستعمل (على) فيما دون الواجب، وقيل: معناه أوجبها، وعليه مشى صاحب «المختصر». قال القرطبي: وأما زكاة الفطر فليس لها في الكتاب نص عليها إلا ما تأوله مالك هنا وقوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى … وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]، وهو مروي عن أبي سعيد الخدري وابن عمر (٣). وقوله: (على كل كبير أو صغير ذكر أو أنثى حر أو عبد) متعلق بسنة، وقوله: (من المسلمين) بيان لكل كبير وما بعده، فعن ابن عمر قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» (٤). قال البيهقي: «وقد أجمع أهل العلم على وجوب زكاة الفطر، وإن اختلفوا في تسميتها فرضا فلا يجوز تركها» (٥). قال ابن المنذر: [وأجمعوا على أن صدقة الفطر فرض] (٦)، وعن

стр. 723

محمد بن علي الباقر مرسلا «أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر على الحر والعبد والذكر والأنثى ممن تمونون» (١). وإنما تتعلق بمن فضل عن قوته في يومه صاع إن كان وحده، أو فضل عن قوته وقوت عياله يومه صاع إن كان له عيال، فإن لم يقدر على صاع بل على بعضه أخرجه، والصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ (صاع) بالرفع خبر مبتدأ محذوف تقديره قدرها صاع، وفي رواية صاعا بالنصب مفعول فرض. والصاع المفروض المخرج (عن كل نفس بصاع النبي ﷺ ) وهو أربعة أمداد بمده وقد بينا مقداره في الوضوء؛ (وتؤدى) الصدقة (من جل)؛ أي: غالب (عيش أهل ذلك البلد)؛ أي: بلد المزكي سواء كان قوتهم مثل قوته أو أعلى أو أدنى، فإن كان قوته أعلى من قوتهم وأخرج منه أجزأه، وإن كان دون قوتهم وأخرج منه فإن فعل ذلك شحا، فظاهر كلام ابن الحاجب أن ذلك لا يجزئه اتفاقا (٢). ثم فسر الجل الذي تؤدى منه بقوله (من بر) وهو الحنطة (أو شعير، أو سلت) الشعير معروف، والسلت نوع منه ليس عليه قشر كالحنطة (أو تمر أو أقط) بفتح الهمزة وكسر القاف ويجوز إسكانها مع فتح الهمزة وكسرها وهو لبن يابس غير منزوع الزبد (أو زبيب) لحديث أبي سعيد الخدري له قال: «كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب» (٣)، وحديث عبد الله بن عمر قال: «كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله ﷺ صاعا من شعير، أو تمر، أو سلت، أو زبيب» (٤)، (أو دخن) بدال مهملة مضمومة (أو ذرة) بضم الذال المعجمة وفتح الراء المخففة حب معروف (أو أرز) بضم الهمزة والراء على أحد لغاته حب معروف، قياسا على

стр. 724

ما تقدم، وإذا أخرج من غير هذه الأنواع التسعة لا يجزئه على المشهور (١)، هذا إذا كانت موجودة أو بعضها أقتيت أو لا. وأما إذا لم توجد لا كلا ولا بعضا واقتيت غيرها أجزأ على ما شهره ابن الحاجب (٢)، وزاد ابن حبيب عاشرا أشار إليه بقوله: (وقيل إن كان العلس) بفتح العين واللام المخففة وبالسين المهملة (قوت قوم أخرجت منه) الزكاة كما قال ابن حبيب (وهو)؛ أي: العلس (حب صغير يقرب من خلقة البر) وهو طعام أهل صنعاء، ولو كان طعام أهل البلد التين أو القطاني أو اللحم والسويق واللبن فالمشهور الإجزاء إن خرجت منه لأن في تكليفه غير قوته مشقة عليه (٣). الأصناف التي يخرج عنها زكاة الفطر: شرع يبين من يلزمه إخراجها عنه فقال: (ويخرج عن العبد سيده) لحديث أبي هريرة الله أن رسول الله ﷺ قال: «ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر» (٤)، فإن كان مبعضا بأن أعتق بعضه يخرج السيد عن حصته ويسقط عن العبد الجزء المعتق منه، والعبد المشترك يخرج كل بقدر ما يملك منه، (و) كذا الولد المسلم (الصغير) الذي لا مال له يخرج عنه والده) مفهومه أن الكبير لا يخرج عنه، وليس هو على إطلاقه بل فيه تفصيل، وهو إن كان ذكرا وبلغ صحيحا لا يخرج عنه ما دام مستغنيا براتبه أو ما يدر عليه من الرزق، وإن بلغ زمنا أخرج عنه؛ والأنثى يخرج عنها، وإن بلغت حتى تتزوج، والوالدان العاجزان يخرج عنهما؛ ومفهوم لا مال له أنه لو كان له مال لا يخرج عنه وهو كذلك، وتقييد الولد بالمسلم احترازا من الكافر فإنه لا يخرج عنه ولو اقتصر على قوله: (ويخرج الرجل)؛ يعني أو غيره (زكاة الفطر عن

стр. 725

كل مسلم تلزمه نفقته) بقرابة، أو رق، أو نكاح لأغنى عما قبله، فعن محمد بن علي الباقر مرسلا: «أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر على الحر والعبد والذكر والأنثى ممن تمونون» (١). (و) كذلك يخرج زكاة الفطر (عن مكاتبه) على المشهور وعن مالك سقوطها عنهما، وقيل: تجب على المكاتب فمقابل المشهور قولان (وإن كان لا ينفق عليه لأنه عبد له بعد)؛ أي: بعد عجزه. أفضل أوقات إخراجها: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويستحب إخراجها)؛ أي: زكاة الفطر (إذا طلع الفجر من يوم الفطر) وذلك لما روى ابن عمر ﵄: «أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» (٢). وعن عكرمة عن ابن عباس ﵄ -قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات» (٣). وتعرض المصنف لوقت الاستحباب، ولم يتعرض لوقت الوجوب، وفيه قولان مشهوران أحدهما أنها تجب بغروب الشمس من آخر أيام رمضان، والآخر بطلوع فجر يوم العيد، ويجوز إخراجها قبل يوم الفطر بيوم أو يومين، ومذهب المدونة الجواز لحديث أبي هريرة ﵁ قال: «وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثوا من الطعام فأخذته، وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله، قال: إني محتاج، وعلي عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي ﷺ : «يا أبا هريرة، ما فعل

стр. 726

أسيرك البارحة»، قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالا، فرحمته، فخليت سبيله، قال: «أما إنه قد كذبك، وسيعود» فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله ﷺ إنه سيعود، فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال، لا أعود، فرحمته، فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك، قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة، وعيالا، فرحمته، فخليت سبيله، قال: «أما إنه قد كذبك وسيعود، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات، … الحديث» (١). قال الحافظ: وفيه جواز جمع زكاة الفطر قبل ليلة الفطر، وتوكيل البعض لحفظها وتفرقتها. اه (٢)، وثبت «أن عبد الله بن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر، بيومين أو ثلاثة» (٣). ولا تسقط بمضي زمنها لأنها حق للمساكين ترتب في الذمة ولا يأثم ما دام يوم الفطر باقيا، فإن أخرها مع القدرة على إخراجها أثم، وتدفع لحر مسلم فقير أو مسكين فلا تدفع لعبد ولو كان فيه شائبة حرية ولا لكافر ولا لغني، وعموم مصرفها مصرف الصدقات كما جاء في محكم الآيات ﴿إنما الصدقات للفقراء والمسكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ [التوبة: ٦٠]. • سنن مستحبة قبل وبعد صلاة العيد: (ويستحب الفطر قبل الغدو إلى المصلى) فيه؛ أي: في يوم الفطر على

стр. 727

أي شيء، لكن الأفضل أن يكون على تمر وترا لحديث أنس ﷺ قال: «كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات»؛ وقال مرجأ بن رجاء: «حدثني عبيد الله قال حدثني أنس عن النبي ﷺ ويأكلهن وترا» (١). (وليس ذلك)؛ أي: استحباب الفطر قبل الغدو إلى المصلى (في) عيد (الأضحى) بل المستحب فيه الإمساك حتى يرجع فيأكل من أضحيته، لحديث بريدة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل، ولا يأكل يوم الأضحى حتى يرجع فيأكل من أضحيته» (٢)، وفي رواية «من كبد أضحيته» (٣)، وهل لأن الكبد أيسر في الطبخ، أو تفاؤلا بأصحاب الجنة لأنهم أول ما يأكلون، قولان. وقال سعيد بن المسيب: «كان المسلمون يأكلون يوم الفطر قبل الصلاة ولا يفعلون ذلك يوم النحر» (٤). (ويستحب في العيدين أن يمضي من طريق ويرجع من أخرى) تكرار مع ما تقدم له في صلاة العيدين. انتهى بحمد الله وتوفيقه كتاب الزكاة ويليه كتاب الحج

стр. 728

كتاب الحج باب في الحج والعمرة قال المصنف رحمه الله تعالى: (وحج بيت الله الحرام الذي ببكة فريضة على كل من استطاع إلى ذلك سبيلا من المسلمين الأحرار البالغين، مرة في عمره. والسبيل الطريق السابلة، والزاد المبلغ إلى مكة، والقوة على الوصول إلى مكة إما راكبا أو راجلا مع صحة البدن، وإنما يؤمر أن يحرم من الميقات. وميقات أهل الشام ومصر والمغرب الجحفة، فإن مروا بالمدينة فالأفضل لهم أن يحرموا من ميقات أهلها من ذي الحليفة، وميقات أهل العراق: ذات عرق، وأهل اليمن يلملم، وأهل نجد من قرن، ومن مر من هؤلاء بالمدينة فواجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة إذ لا يتعداه إلى ميقات له. ويحرم الحاج أو المعتمر بإثر صلاة فريضة أو نافلة يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك؛ وينوي ما أراد من حج أو عمرة، ويؤمر أن يغتسل عند الإحرام قبل أن يحرم ويتجرد من مخيط الثياب. ويستحب له أن يغتسل لدخول مكة، ولا يزال يلبي دبر الصلوات، وعند كل شرف، وعند ملاقاة الرفاق، وليس عليه كثرة الإلحاح بذلك. فإذا دخل مكة أمسك عن التلبية حتى يطوف ويسعى، ثم يعاودها حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها.

стр. 729

ويستحب أن يدخل مكة من كداء الثنية التي بأعلى مكة، وإذا خرج خرج من كدى، وإن لم يفعل في الوجهين فلا حرج، فإذا دخل مكة فليدخل المسجد الحرام، ومستحسن أن يدخل من باب بني شيبة، فيستلم الحجر الأسود بفيه إن قدر، وإلا وضع يده عليه ثم وضعها على فيه من غير تقبيل، ثم يطوف والبيت على يساره سبعة أطواف، ثلاثة خببا، ثم أربعة مشيا. ويستلم الركن كلما مر به كما ذكرنا، ويكبر ولا يستلم الركن اليماني بفيه ولكن بيده ثم يضعها على فيه من غير تقبيل، فإذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين. ثم استلم الحجر إن قدر، ثم يخرج إلى الصفا فيقف عليه للدعاء، ثم يسعى إلى المروة ويخب في بطن المسيل، فإذا أتى المروة وقف عليها للدعاء، ثم يسعى إلى الصفا يفعل ذلك سبع مرات، فيقف بذلك أربع وقفات على الصفا، وأربعا على المروة. ثم يخرج يوم التروية إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح. ثم يمضي إلى عرفات ولا يدع التلبية في هذا كله حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها، وليتطهر قبل رواحه، فيجمع بين الظهر والعصر مع الإمام، ثم يروح معه إلى موقف عرفة فيقف معه إلى غروب الشمس، ثم يدفع بدفعه إلى المزدلفة فيصلي معه بالمزدلفة المغرب والعشاء والصبح. ثم يقف معه بالمشعر الحرام يومئذ بها ثم يدفع بقرب طلوع الشمس إلى منى ويحرك دابته ببطن محسر، فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات مثل حصى الخذف، ويكبر مع كل حصاة، ثم ينحر إن كان معه هدي، ثم يحلق، ثم يأتي البيت فيفيض ويطوف سبعا، ويركع، ثم يقيم بمنى ثلاثة أيام.

стр. 730

فإذا زالت الشمس من كل يوم منها رمى الجمرة التي تلي منى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم يرمي الجمرتين كل جمرة بمثل ذلك، ويكبر مع كل حصاة، ويقف للدعاء بإثر الرمي في الجمرة الأولى والثانية، ولا يقف عند جمرة العقبة ولينصرف فإذا رمى في اليوم الثالث وهو رابع يوم النحر انصرف إلى مكة وقد تم حجه، وإن شاء تعجل في يومين من أيام منى فرمى وانصرف، فإذا خرج من مكة طاف للوداع وركع وانصرف). الشرح (باب في) بيان حكم (الحج) بفتح الحاء وكسرها الفتح هو القياس والكسر أكثر سماعا، وكذا اللغتان في الحجة (و) في بيان (العمرة) وصفتهما وما يتعلق بهما، ولكل واحد منهما معنى لغوي واصطلاحي. أما الحج في اللغة: القصد. وعن الخليل قال: الحج كثرة القصد إلى من تعظمه. قال الشاعر: وأشهد من عوف حؤولا كثيرة … يحجون سب الربرقان المزعفرا يحجون: أي: يقصدون محاكاة صنع العمائم كعمامة الزبرقان. والسب: جمعها سبوب، وسبائب وأحدها سبيبة: الثياب الرقاق، وقيل: العمامة. الزبرقان: هو حصين بن بدر الفزاري التميمي من سادات العرب. وفي الحج لغتان: الحج والحج - بفتح الحاء وكسرها. • حكم الحج: الحج في الشرع: اسم لأفعال مخصوصة يأتي ذكرها إن شاء الله، وهو أحد الأركان الخمسة الواجبة التي بني عليها الإسلام، والأصل في وجوبه: الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه

стр. 731

سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ [آل عمران: ٩٧]، وروي عن ابن عباس: ومن كفر؛ أي: باعتقاده أنه غير واجب. وأما السنة: فقول النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان» (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: «أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج، فحجوا»، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ : «لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم»، ثم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» (٢). وعن ابن عباس ﵁، قال: «أن الأقرع بن حابس، سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، الحج في كل سنة أو مرة واحدة قال: «بل مرة واحدة، فمن زاد فهو تطوع»» (٣). وفيه أخبار كثيرة سوى هذين، وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة (٤). • من فضائل الحج والعمرة: للحج والعمرة فضائل عظيمة، ومزايا عميمة من فضل الله على هذه الأمة فمن ذلك أن الحج يمحو ما قبله من الذنوب والآثام فعن ابن شماسة المهري، قال: أن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : «أما علمت أن

стр. 732

الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟» (١). والحج والعمرة ينفيان الذنوب والفقر فيجمعان للعبد بين غناه بالحسنات والمال الطيب ولم لا؟ وقد قال ﷺ كما في الحديث الحسن عن عبد الله ابن مسعود له قال: قال رسول الله ﷺ : «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد، والذهب، والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة» (٢). بدأ بحكم الحج (فقال: وحج بيت الله الحرام الذي ببكة) بالباء لغة في مكة وإضافته إلى الله إضافة تشريف، ولبكة أسماء كثيرة تدل على شرف المسمى منها: أم القرى، ومكة، والبلد الحرام والبلد الأمين، والمسجد الحرام، والمشعر الحرام، وفضائل البيت الحرام لا يحصرها حد، ولا يحيط بها عد، وقد كتب علماء الإسلام، ومصابيح الأنام كتبا في فضلها، وجليل قدرها فمن ذلك: كتاب أخبار مكة للأزرقي، وتاريخ مكة للفاكهي، ومثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن لابن الجوزي، ومن المعاصرين: تاريخ مكة البلد الحرام لمحمد إلياس عبد الغني وغيرهم كثير والحمد لله. وحرمة بيت الله عظيمة فمن ذلك أنه: لا ينفر صيده، ولا يختلى خلاه (أي: العشب)، ولا يعضد شجره (لا يقطع)، ولا تلتقط لقطته إلا لمنشد؛ وغير ذلك من الفضائل التي وردت في الأحاديث الصحيحة وغيرها. فالحج (فريضة) بشروط خمسة: أشار إلى أحدها بقوله: (على كل من استطاع إلى ذلك سبيلا)؛ أي: إلى بيت الله الحرام، للآية والأحاديث الدالة على ذلك، ويحتمل عوده إلى الحج كما في التتائي.

стр. 733

وإلى الثاني أشار بقوله: (من المسلمين) ظاهره أن الإسلام شرط وجوب وهو الذي مشى عليه ابن الحاجب (١)، والذي مشى عليه صاحب المختصر أنه شرط صحة (٢)، فعلى الأول الكفر مانع من وجوبه، وعلى الثاني مانع من صحته. وإلى الثالث أشار بقوله: (الأحرار) لا خلاف في كون الحرية شرط وجوب، فالعبد القن ومن فيه شائبة رق لا يجب عليه لأنه حج بأزواجه ولم يحج بأم ولده، وإذا لم يجب على أم الولد فغيرها أولى، لكن إن حج صح حجه ولم يجزئه عن حجة الإسلام. وإلى الرابع أشار بقوله: (البالغين) فلا يجب على صبي لحديث: «رفع القلم عن ثلاثة» وقد سبق؛ وحديث ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ قال أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى … ... وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى» (٣). ويؤيد رفعه ما رواه ابن أبي شيبة: عن ابن عباس- ﵄ -قال: «احفظوا عني ولا تقولوا قال ابن عباس … فذكره» (٤) فهذا يدل على أنه أراد الرفع؛ وقال ابن المنذر أجمع أهل العلم إلا من شذ عنهم ممن لا يعتد بخلافه، على أن الصبي إذا حج في حال صغره، والعبد إذا حج في حال رقه، ثم بلغ الصبي، وعتق العبد، أن عليهما حجة الإسلام إذا وجدا إليها سبيلا (٥)، ولا يختص اشتراط البلوغ بالحج؛ أي: فلا ينبغي عده من شروط الحج لأنه لا يعد من شروط الشيء إلا ما كان خاصا به، وكذلك لا

стр. 734

ينبغي عد الإسلام ولا الحرية لأنهما لا يختصان بالحج، ألا ترى أن الحرية شرط أيضا في الزكاة بقي شرط آخر وهو العقل؛ أي: فلا يجب الحج على غير العاقل، لحديث: «رفع القلم .. وفيه وعلى المجنون حتى يعقل» (١)، فالمكلف وما قبله شرطا وجوب، فلو حج غير المكلف أو العبد صح حجه ولا يسقط عنه حجة الإسلام. الحج واجب مرة في العمر: إنما يجب الحج على من اجتمعت فيه الشروط (مرة) واحدة (٢) (في عمره) إجماعا، ولحديث ابن عباس المتقدم لما سأل الأقرع بن حابس فبين النبي ﷺ له أن الحج فرض مرة في العمر، ولا التفات لمن قال إنه يجب في كل خمسة أعوام ولكن يستحب تأكدا لمن استطاع لما جاء في حديث أبي سعيد الخدري الله أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله: إن عبدا صححت له جسمه، ووسعت عليه في المعيشة يمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلي لمحروم» (٣)، وقال قال علي بن المنذر: أخبرني بعض أصحابنا قال: كان حسن بن حيي يعجبه هذا الحديث وبه يأخذ، ويحب للرجل الموسر الصحيح أن لا يترك الحج خمس سنين، والصدقة أفضل من حج النافلة (٤). (والسبيل) المذكور عبارة عن مجموع أربعة أشياء: أحدها: (الطريق السابلة)؛ أي: المأمونة، فإن خاف على نفسه سقط عنه اتفاقا (٥)، وإن خاف

стр. 735

على بعض ماله وكان يجحف به سقط عنه، وإن كان لا يجحف به سقط على أحد القولين. (و) ثانيهما: (الزاد المبلغ)؛ أي: الموصل (إلى مكة) ظاهر كلامه أنه لا يعتبر إلا ما يوصله فقط وهو نص اللخمي في التبصرة، وقيده بقوله: إلا أن يعلم أنه لو بقي هناك ضاع وخشي على نفسه، فيراعي ما يبلغه ويرجع به إلى أقرب المواضع مما يمكنه أن يتمعش فيه. (و) ثالثها: (القوة على الوصول إلى مكة إما راجلا)؛ أي: ماشيا أو راكبا فالأعمى إذا وجد من يقوده ولم يحصل له مشقة فادحة فإنه يجب عليه، وقيد المشقة لأنه لا يشترط انتفاؤها جملة وإلا سقط الحج عن أغلب الناس المستطيعين، إذ لا بد من أصل المشقة ومثل الأعمى الشيخ الكبير الذي لا يهتدي إلا بقائد فيما ذكر. ورابعها: أشار إليه بقوله: (مع صحة البدن) قيل هو داخل في قوله: والقوة على الوصول، وقال بعضهم: هو شرط رابع فالمريض لا يجب عليه الحج ولو وجد ما يركبه. ولأن صحة البدن مع القدرة على الوصول ولو مشيا معنى الاستطاعة في الآية وليس الركوب داخلا فيها على من يستطيع المشي لأنه زيادة على صحة البدن وما ذكر معه وهو قول الضحاك، وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يمنعه عن الحج حاجة ظاهرة، أو سلطان جائر، أو مرض حابس فمات ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديا، وإن شاء نصرانيا» (١)، وورد تفسير السبيل بالزاد والراحلة عن النبي ﷺ من طرق متعددة من حديث ابن عمر (٢) وأنس (٣) وابن

стр. 736

عباس (١) وابن مسعود (٢)، وعائشة (٣) وجابر بن عبد الله (٤)، وعلي ابن أبي طالب (٥)، وعمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده (٦)، وعن جماعة من التابعين كالحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة وغيرهم رحم الله الجميع فالله أعلم. ثم اعلم أن للحج فرائض وسننا وفضائل ولم يبينها الشيخ وإنما ذكر صفة الحج على الترتيب الواقع المشتمل عليها. ونحن ننبه عليها إن شاء الله تعالى فنقول: أول أركان الحج الأربعة: الإحرام وله ميقاتان زماني ومكاني، والميقات من وقت قال القاضي عياض: وقت أي حدد. قال الحافظ: وأصل التوقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به وهو بيان مقدار المدة، ثم اتسع فيه فأطلق على المكان أيضا. قال ابن الأثير: التأقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به وهو بيان مقدار المدة، يقال: وقت الشيء بالتشديد يؤقته، ووقته بالتخفيف يقته إذا بين مدته ثم اتسع فيه، فقيل للموضع ميقات (٧). وقال ابن دقيق العيد: إن التأقيت في اللغة تعليق الحكم بالوقت، ثم استعمل للتحديد والتعيين، وعلى هذا فالتحديد من لوازم الوقت، وقد يكون وقت بمعنى أوجب، ومنه قوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ [النساء: ١٠٣] (٨).

стр. 737

المواقيت الزمانية: لم يذكرها الشيخ: وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة بتمامه على المشهور (١)، وقيل العشر الأول منه، لقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧]؛ وفائدة الخلاف تظهر في تأخير طواف الإفاضة، فعلى المشهور لا يلزمه دم إلا بتأخيره للمحرم، وعلى مقابله إذا أخره إلى حادي عشره. إذا علمت ذلك علمت أن الزمن المحدد بما ذكر وقت للحج تحللا وإحراما لا إحراما فقط فلو أحرم قبل شوال كره وانعقد إحرامه، هذا فيما يخص الحج أما العمرة فالدهر كله لها ميقات ولا تختص بشهر دون شهر وإن كانت تتفاوت في الفضل بحسب فضائل الشهور والأيام. المواقيت المكانية (٢): أما الميقات المكاني فقد بينه فقال: (وإنما يؤمر أن يحرم من الميقات) وهذه المواقيت قد انعقد الإجماع (٣) عليها لثبوتها عن النبي ﷺ فعن ابن عباس ما «أن النبي ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشأم الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هن لهن، ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة» (٤)، وفي رواية لمسلم عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله لا يسأل عن المهل فقال سمعت «أحسبه رفع إلى النبي ﷺ فقال: مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق، ومهل أهل نجد من قرن، ومهل

стр. 738

أهل اليمن من يلملم) (١). فإن أحرم قبله كره؛ أي: ويصح، والمستحب أن يحرم من أوله ولا يؤخره لآخره لأن المبادرة للطاعة أولى وهو يتنوع باختلاف حال المحرم، فإنه إما أن يكون مكيا أو آفاقيا. والمكي: لم يذكره الشيخ وهو المقيم بها سواء كان من أهلها أو لا فميقاته للحج مكة، لقوله: «حتى أهل مكة من مكة» وقيل: يندب له أن يحرم من جوف المسجد، والأحسن عندي أن يهل من مكانه الذي يقيم فيه، أولا استنانا بما فعله الصحابة في حجتهم مع النبي، وثانيا: دفعا للمشقة. وميقاته للعمرة وللقران الحل، لأن كل إحرام لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم والأفضل الجعرانة لإحرام النبي منها، أو التنعيم لأمره عائشة بذلك، ولما كان الحج لا بد فيه لحاج مكة أن يخرج إلى عرفات اكتفي في حقه بالإحرام من بيته، أما العمرة فلا بد له من الخروج إلى الحل. والآفاقي: وقال بعض أهل العلم والأفصح الأفقي، يتنوع ميقاته إلى خمسة أنواع باختلاف أفقه سواء كان محرما بحج أو عمرة كما جاء في حديثي ابن عباس وجابر المتقدمين ولذلك قال المصنف مبينا إياها. (و) المواقيت منها (ميقات أهل الشام ومصر والمغرب الجحفة) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، وهي قرية على نحو سبع مراحل من المدينة المشرفة، وثلاث ونصف من مكة المكرمة وهي بالكيلومتر (١٨٧ كلم). (فإن مروا)؛ أي: أهل هذه الأفق الثلاثة (بالمدينة) المشرفة (فالأفضل لهم أن يحرموا من ميقات أهلها) وهو المعروف ب (ذي الحليفة) وذو الحليفة تصغير حليفة بفتح الحاء وكسر اللام، اسم لماء بين بني جشم بن بكر من هوازن وبين بني خفاجة رهط توبة، وهي قرية بينها وبين المسجد النبوي اثنا عشر كيلا - وتسمى بأبيار علي (٢)، ويقال له مسجد الميقات، لأنه ميقات أهل

стр. 739

المدينة ومن يمر بها، ويقع شمال مكة ويبعد عنها بحوالي أربعمائة وخمسون (٤٥٠) كلم. (و) أما (ميقات أهل العراق)؛ أي: كالبصرة والكوفة زاد في الجلاب وفارس وخراسان (فذات عرق) بكسر المهلمة وإسكان الراء بعدها قاف، ميقات أهل العراق قرية خربت، على مرحلتين من مكة، قال الحازمي: وهي الحد بين نجد وتهامة، تقع في الشمال الشرقي لمكة المكرمة بينه وبينها (٩٤) كلم. (و) أما ميقات أهل (اليمن) ف (يلملم) بفتح المثناة تحت، ميقات لأهل اليمن ومن جاء عن طريقهم ويسمى الآن بالسعدية وهو جبل يقع جنوب مكة بينه وبينها (٥٤) كلم. (و) أما ميقات أهل (نجد) ف (من قرن) بفتح القاف وسكون الراء، ويسمى قرن المنازل: وسمي بالسيل - وهو ميقات لأهل نجد ومن جاء عن طريقهم، برا أو جوا، وهو جبل شرقي مكة يطل على عرفات، بينه وبين مكة (٩٤) كلم. (ومن مر من هؤلاء) يعني أهل العراق واليمن ونجد (بالمدينة) المشرفة (فواجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة إذ لا يتعداه) من مر منهم بالمدينة إلى ميقات له بعد فيحرم منه بخلاف من مر من أهل الشام ومصر والمغرب بالمدينة لم يجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة إذ يتعداه إلى ميقات له بعد فيحرم منه، وإنما خالف الأفضل فقط. ومن كان بين المواقيت فميقاته من بيته؛ أي: فيحرم منه كما جاء في الحديث. ومن حج في البحر من أهل مصر وشبههم فليحرم إذا حاذى الجحفة.

стр. 740

وقد ذكر أهل العلم أن الحجر الأسود كان له نور يصل إلى تلك المواقيت، وبعد أن سودته خطايا بني آدم ذهب نوره والله أعلم (١)؟. • استحباب إحداث الإحرام بعد صلاة: (ويحرم الحاج أو المعتمر بإثر) بكسر الهمزة وسكون المثلثة وفتحهما (صلاة فريضة أو نافلة) يقرأ فيها إن كانت نافلة في الأولى بعد الفاتحة «الكافرون»، وفي الثانية «بالإخلاص»، وذلك لأن النبي ﷺ أهل بعدما صلى الظهر ركعتين، وقد اختلف أهل العلم في استحباب ركعتي الإحرام هل تفعلان قياسا على موضع إهلال النبي ﷺ بعد صلاة؟ أم لا تفعلان، لأن ذلك الإحرام كان عقيب صلاة الظهر لأنه قصرها؟ قال ابن القيم: وقد غلط من زعم أنه صلى ركعتين غير الفريضة لإحرامه (٢). وعن عروة بن الزبير: «أن رسول الله ﷺ كان يصلي في مسجد ذي. الحليفة ركعتين، فإذا استوت به راحلته أهل» (٣) قال ابن عبد البر: لم يختلف الرواة عن مالك في إرساله ومعناه: قد روي من وجوه. وفيه من الفقه أن الإهلال سنته أن تكون قبله صلاة نافلة أقلها ركعتان، ثم يهل بإثرها، ويركب فيهل أيضا إذا ركب … . (٤)، وقال الزرقاني: «حديث هشام بن عروة عن أبيه مرسل» (٥)، وصله الشيخان وغيرهما من حديث أنس ومن طريق صالح بن كيسان عن نافع عن ابن عمر، قال ابن عبد البر بعد أن ساق حديث أنس وابن عمر بسنده: يعني: بعد أن ركع الركعتين اللتين في
следующие страницы →