← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

عباس (١) وابن مسعود (٢)، وعائشة (٣) وجابر بن عبد الله (٤)، وعلي ابن أبي طالب (٥)، وعمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده (٦)، وعن جماعة من التابعين كالحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة وغيرهم رحم الله الجميع فالله أعلم. ثم اعلم أن للحج فرائض وسننا وفضائل ولم يبينها الشيخ وإنما ذكر صفة الحج على الترتيب الواقع المشتمل عليها. ونحن ننبه عليها إن شاء الله تعالى فنقول: أول أركان الحج الأربعة: الإحرام وله ميقاتان زماني ومكاني، والميقات من وقت قال القاضي عياض: وقت أي حدد. قال الحافظ: وأصل التوقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به وهو بيان مقدار المدة، ثم اتسع فيه فأطلق على المكان أيضا. قال ابن الأثير: التأقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به وهو بيان مقدار المدة، يقال: وقت الشيء بالتشديد يؤقته، ووقته بالتخفيف يقته إذا بين مدته ثم اتسع فيه، فقيل للموضع ميقات (٧). وقال ابن دقيق العيد: إن التأقيت في اللغة تعليق الحكم بالوقت، ثم استعمل للتحديد والتعيين، وعلى هذا فالتحديد من لوازم الوقت، وقد يكون وقت بمعنى أوجب، ومنه قوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ [النساء: ١٠٣] (٨).

стр. 737

المواقيت الزمانية: لم يذكرها الشيخ: وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة بتمامه على المشهور (١)، وقيل العشر الأول منه، لقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧]؛ وفائدة الخلاف تظهر في تأخير طواف الإفاضة، فعلى المشهور لا يلزمه دم إلا بتأخيره للمحرم، وعلى مقابله إذا أخره إلى حادي عشره. إذا علمت ذلك علمت أن الزمن المحدد بما ذكر وقت للحج تحللا وإحراما لا إحراما فقط فلو أحرم قبل شوال كره وانعقد إحرامه، هذا فيما يخص الحج أما العمرة فالدهر كله لها ميقات ولا تختص بشهر دون شهر وإن كانت تتفاوت في الفضل بحسب فضائل الشهور والأيام. المواقيت المكانية (٢): أما الميقات المكاني فقد بينه فقال: (وإنما يؤمر أن يحرم من الميقات) وهذه المواقيت قد انعقد الإجماع (٣) عليها لثبوتها عن النبي ﷺ فعن ابن عباس ما «أن النبي ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشأم الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هن لهن، ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة» (٤)، وفي رواية لمسلم عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله لا يسأل عن المهل فقال سمعت «أحسبه رفع إلى النبي ﷺ فقال: مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق، ومهل أهل نجد من قرن، ومهل

стр. 738

أهل اليمن من يلملم) (١). فإن أحرم قبله كره؛ أي: ويصح، والمستحب أن يحرم من أوله ولا يؤخره لآخره لأن المبادرة للطاعة أولى وهو يتنوع باختلاف حال المحرم، فإنه إما أن يكون مكيا أو آفاقيا. والمكي: لم يذكره الشيخ وهو المقيم بها سواء كان من أهلها أو لا فميقاته للحج مكة، لقوله: «حتى أهل مكة من مكة» وقيل: يندب له أن يحرم من جوف المسجد، والأحسن عندي أن يهل من مكانه الذي يقيم فيه، أولا استنانا بما فعله الصحابة في حجتهم مع النبي، وثانيا: دفعا للمشقة. وميقاته للعمرة وللقران الحل، لأن كل إحرام لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم والأفضل الجعرانة لإحرام النبي منها، أو التنعيم لأمره عائشة بذلك، ولما كان الحج لا بد فيه لحاج مكة أن يخرج إلى عرفات اكتفي في حقه بالإحرام من بيته، أما العمرة فلا بد له من الخروج إلى الحل. والآفاقي: وقال بعض أهل العلم والأفصح الأفقي، يتنوع ميقاته إلى خمسة أنواع باختلاف أفقه سواء كان محرما بحج أو عمرة كما جاء في حديثي ابن عباس وجابر المتقدمين ولذلك قال المصنف مبينا إياها. (و) المواقيت منها (ميقات أهل الشام ومصر والمغرب الجحفة) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، وهي قرية على نحو سبع مراحل من المدينة المشرفة، وثلاث ونصف من مكة المكرمة وهي بالكيلومتر (١٨٧ كلم). (فإن مروا)؛ أي: أهل هذه الأفق الثلاثة (بالمدينة) المشرفة (فالأفضل لهم أن يحرموا من ميقات أهلها) وهو المعروف ب (ذي الحليفة) وذو الحليفة تصغير حليفة بفتح الحاء وكسر اللام، اسم لماء بين بني جشم بن بكر من هوازن وبين بني خفاجة رهط توبة، وهي قرية بينها وبين المسجد النبوي اثنا عشر كيلا - وتسمى بأبيار علي (٢)، ويقال له مسجد الميقات، لأنه ميقات أهل

стр. 739

المدينة ومن يمر بها، ويقع شمال مكة ويبعد عنها بحوالي أربعمائة وخمسون (٤٥٠) كلم. (و) أما (ميقات أهل العراق)؛ أي: كالبصرة والكوفة زاد في الجلاب وفارس وخراسان (فذات عرق) بكسر المهلمة وإسكان الراء بعدها قاف، ميقات أهل العراق قرية خربت، على مرحلتين من مكة، قال الحازمي: وهي الحد بين نجد وتهامة، تقع في الشمال الشرقي لمكة المكرمة بينه وبينها (٩٤) كلم. (و) أما ميقات أهل (اليمن) ف (يلملم) بفتح المثناة تحت، ميقات لأهل اليمن ومن جاء عن طريقهم ويسمى الآن بالسعدية وهو جبل يقع جنوب مكة بينه وبينها (٥٤) كلم. (و) أما ميقات أهل (نجد) ف (من قرن) بفتح القاف وسكون الراء، ويسمى قرن المنازل: وسمي بالسيل - وهو ميقات لأهل نجد ومن جاء عن طريقهم، برا أو جوا، وهو جبل شرقي مكة يطل على عرفات، بينه وبين مكة (٩٤) كلم. (ومن مر من هؤلاء) يعني أهل العراق واليمن ونجد (بالمدينة) المشرفة (فواجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة إذ لا يتعداه) من مر منهم بالمدينة إلى ميقات له بعد فيحرم منه بخلاف من مر من أهل الشام ومصر والمغرب بالمدينة لم يجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة إذ يتعداه إلى ميقات له بعد فيحرم منه، وإنما خالف الأفضل فقط. ومن كان بين المواقيت فميقاته من بيته؛ أي: فيحرم منه كما جاء في الحديث. ومن حج في البحر من أهل مصر وشبههم فليحرم إذا حاذى الجحفة.

стр. 740

وقد ذكر أهل العلم أن الحجر الأسود كان له نور يصل إلى تلك المواقيت، وبعد أن سودته خطايا بني آدم ذهب نوره والله أعلم (١)؟. • استحباب إحداث الإحرام بعد صلاة: (ويحرم الحاج أو المعتمر بإثر) بكسر الهمزة وسكون المثلثة وفتحهما (صلاة فريضة أو نافلة) يقرأ فيها إن كانت نافلة في الأولى بعد الفاتحة «الكافرون»، وفي الثانية «بالإخلاص»، وذلك لأن النبي ﷺ أهل بعدما صلى الظهر ركعتين، وقد اختلف أهل العلم في استحباب ركعتي الإحرام هل تفعلان قياسا على موضع إهلال النبي ﷺ بعد صلاة؟ أم لا تفعلان، لأن ذلك الإحرام كان عقيب صلاة الظهر لأنه قصرها؟ قال ابن القيم: وقد غلط من زعم أنه صلى ركعتين غير الفريضة لإحرامه (٢). وعن عروة بن الزبير: «أن رسول الله ﷺ كان يصلي في مسجد ذي. الحليفة ركعتين، فإذا استوت به راحلته أهل» (٣) قال ابن عبد البر: لم يختلف الرواة عن مالك في إرساله ومعناه: قد روي من وجوه. وفيه من الفقه أن الإهلال سنته أن تكون قبله صلاة نافلة أقلها ركعتان، ثم يهل بإثرها، ويركب فيهل أيضا إذا ركب … . (٤)، وقال الزرقاني: «حديث هشام بن عروة عن أبيه مرسل» (٥)، وصله الشيخان وغيرهما من حديث أنس ومن طريق صالح بن كيسان عن نافع عن ابن عمر، قال ابن عبد البر بعد أن ساق حديث أنس وابن عمر بسنده: يعني: بعد أن ركع الركعتين اللتين في

стр. 741

حديث هشام بن عروة بعد طلوع الشمس وأحرم بإثرهما، والله أعلم اه (١). (يقول لبيك)؛ أي: في حال كونه قائلا إلخ؛ أي: على جهة السنية، فعن ابن عمر له أن النبي ﷺ كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل فقال: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» (٢)، وملخصه أن التلبية واجبة في نفسها بحيث لو تركها يلزمه دم ويسن مقارنتها للإحرام، قال ابن عبد البر ومعنى التلبية: إجابة الله فيما فرض عليهم من حج بيته والإقامة على طاعته، فالمحرم بتلبيته مستجيب لدعاء الله إياه في إيجاب الحج عليه، ومن أجل الاستجابة - والله أعلم - لبى لأن من دعى فقال: «لبيك، فقد استجاب». وقد قيل: إن أصل التلبية الإقامة على الطاعة، يقال منه: ألب فلان بالمكان إذا أقام به" اه. ولبيك معناها إجابة لك بعد إجابة، فالإجابة الأولى: لقوله تعالى: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. والثانية: حين أذن سيدنا إبراهيم في الناس بالحج فنادى أيها الناس إن الله بيتا فحجوه، فعن ابن عباس ﷺ قال: «لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له: أذن في الناس بالحج، قال: رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي البلاغ، فنادى إبراهيم: أيها الناس، كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، قال: فسمعه ما بين السماء والأرض، أفلا ترون الناس يجيبون من أقطار البلاد يلبون» (٣). فكانوا يجيبونه من مشارق الأرض ومغاربها ومن بطون النساء وأصلاب الرجال (لا شريك لك لبيك، إن الحمد) بكسر الهمزة وفتحها والكسر اختيار الجمهور (والنعمة) بالفتح على الأشهر؛ أي: لعطفه على منصوب إن قبل الاستكمال (لك والملك) اختار بعضهم الوقف عليه والابتداء (٤) بقوله: (لا

стр. 742

شريك لك) قال جابر ﵁ (١): فأهل رسول الله ﷺ بالتوحيد، لأن أهل الجاهلية كانوا يقولون: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكا ملكته وما ملك (٢)، فأبطل النبي ﷺ هذا الإشراك وأعلن التوحيد الذي بعث به. وزاد عمر ﵁: لبيك ذو النعماء والفضل الحسن، لبيك لبيك مرهوبا ومرغوبا إليك. وزاد ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: لبيك لبيك لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل. وزاد أنس ﵁: لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا (٣) تذكير وتحذير: ليحذر الملبي من الضحك واللعب واللغو أثناء تلبيته، وليقبل على الله جل وعلا وليحاول تذوق معاني ما يقول، فإنه يجد لذلك خشية وخشوعا، وتذللا وخضوعا، أما إن استمر في غفلته فليحذر من مكر الله به وإعراضه هو عن ربه، فإن العبد إن أقبل على الله أقبل الله عليه، وإن أعرض هلك وبعد. (وينوي ما أراد من حج أو عمرة) قال ابن عمر: ظاهر كلامه على قول ابن حبيب القائل بأن الإحرام إنما ينعقد بالنية، والقول؛ أي: التلبية فجعل التلبية شرطا في صحته، فهي بمنزلة تكبيرة الإحرام في الصلاة. وفي مناسك خليل (٤): حقيقة الإحرام الدخول بالنية في أحد النسكين مع قول متعلق به كالتلبية أو فعل متعلق به كالتوجه على الطريق. وقال أيضا: إن الإحرام لا ينعقد بمجرد النية؛ أي: بل لا بد من قول كالتلبية أو فعل كالتوجه إلى الطريق، فليس خصوص التلبية شرطا في صحة الإحرام كما يقول ابن حبيب، بل المدار على وجود أحد الأمرين من القول أو الفعل

стр. 743

ويستحب الاقتصار على التلبية المذكورة لأنها تلبيته ﵊، ولا يكون داخلا في النسك إلا إذا عينه وأهل به، أو أهل بما أهل به من يريد الاقتداء به كما فعل علي ﵁ (١) في إهلاله بما أهل به النبي ﷺ وأقره على ذلك. ويستحب رفع الصوت بها لما صح من حديث خلاد بن السائب، عن أبيه ﵁، أن النبي ﷺ قال: «أتاني جبريل، فأمرني، أن آمر أصحابي، أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال». - وفي رواية: «أتاني جبريل، فأمرني أن آمر أصحابي، أو من معي، أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية، أو بالإهلال»، يريد أحدهما (٢). (ويؤمر) مريد الحج أو العمرة ولو حائضا أو نفساء على جهة السنية (أن يغتسل عند إرادة الإحرام) قبل أن يحرم لحديث زيد بن ثابت ﵁: «أنه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل (٣)»، وقد استحب بعض أهل العلم الاغتسال عند الإحرام. قال ابن الملقن في «شرح المنهاج»: «وفي الباب أحاديث تدل على مشروعية الغسل للإحرام». وعن ابن عمر ﵄ قال: «من السنة أن يغتسل الرجل إذا أراد أن يحرم (٤)» إلا أنه قال: «عند إحرامه وعند دخول مكة» (٥). فإن كان المحرم امرأة حائضا أو نفساء فعلت مثل الذي فعلته أسماء كما في حديث جابر الطويل في صفة حجه: «أن أسماء بنت عميس ﵂ لما ولدت محمد بن أبي بكر بذي الحليفة قال لها رسول الله ﷺ : اغتسلي،

стр. 744

واستغفري بثوب، وأحرمي» (١)، قال ابن عبد البر (٢): «الغسل عند الإهلال بالحج أو العمرة سنة مؤكدة عند مالك وأصحابه، لا يرخصون في تركها إلا من عذر، ولا يجوز عندهم ترك السنن اختيارا». اه. ويستحب أن تكون صفة الغسل للإحرام كصفة الغسل الواجب من ذلك بيد أو نحوها، وتعميم للماء وتتبع للمغابن وإزالة الوسخ - بخلاف ما بعده من الاغتسالات الآتية في صفة الحج فإنه يكفي فيها تعميم الماء وتمرير اليد دون ذلك، ويستحسن أن يكون هذا الغسل متصلا بالإحرام لقوله: «اغتسلي .. وأحرمي» ولفعله ﵊ كما في حديث زيد بن ثابت وحديث ابن عمر، ويستحب لمريد الإحرام بأحد النسكين أن يقلم أظفاره ويحلق عانته ويقص شاربه ولا يحلق رأسه طلبا للشعث. (و) يؤمر أيضا إن كان رجلا على جهة السنية أن (يتجرد من مخيط الثياب) ويلبس إزارا ورداء ونعلين لحديث ابن عباس: «انطلق رسول الله بعدما ترجل، وادهن، ولبس إزاره ورداءه، هو وأصحابه فلم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس إلا المزعفرة التي تردع (٣) على الجلد» (٤)، والحديث ابن عمر أن رجلا قال يا رسول الله ﷺ : ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله ﷺ : «لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين، فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران أو ورس» (٥). (ويستحب له)؛ أي: للمحرم إن كان غير حائض ونفساء (أن يغتسل لدخول مكة) والأفضل أن يكون بذي طوى مثلث الطاء وهو ما يسمى بالزاهر

стр. 745

حاليا لحديث ابن عمر له أنه كان «إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي به الصبح، ويغتسل، ويحدث أن نبي الله ﷺ كان يفعل ذلك» (١). (ولا يزال) المحرم (يلبي دبر الصلوات) الفرائض والنوافل (وعند كل شرف مكان عال وفي بطون الأودية وعند ملاقاة الرفاق) جمع رفقة بضم الراء وكسرها الجماعة يرتفقون فينزلون معا ويرتحلون معا، وعند اليقظة من النوم، قال ابن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن خيثمة قال: [كانوا يستحبون التلبية عند ست: دبر الصلاة، وإذا استقلت بالرجل راحلته، وإذا صعد شرفا أو هبط واديا وإذا لقي بعضهم بعضا وبالأسحار] (٢)، ولا يرد الملبي سلاما حتى يفرغ. ويستحب رفع الصوت بالتلبية رفعا متوسطا، والمرأة تسمع نفسها فقط؛ قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تسمع نفسها». اه. ولا تكره التلبية للحائض ولا للجنب لأن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت» (٣) فدل على أنها لا تترك التلبية ويلحق بها الجنب لكون المانع يشملهما؛ ولا ينبغي للحاج والمعتمر أن يغفل عن التلبية ففيها فضائل جمة، ومحاسن مهمة فانظر إلى ما أخبر به الحبيب ﷺ في فضلها وعظيم شأنها، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما أهل مهل قط ولا كبر مكبر قط إلا بشر، قيل يا رسول الله: بالجنة؟ قال: «نعم» (٤).

стр. 746

(وليس عليه كثرة الإلحاح بذلك) لا وجوبا ولا استحبابا بل هو مكروه عند مالك، والإلحاح الإكثار وهو ملازمة التلبية حتى لا يفتر عن ذلك وكما أنه لا يلح لا يسكت حتى تفوته الشعيرة (فإذا دخل مكة أمسك عن التلبية حتى يطوف ويسعى) لما في حديث ابن عمر السابق: «أنه كان إذا دخل الحرم أمسك عن التلبية ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي الصبح ويغتسل ويحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك» (١)، (ثم) بعد فراغه من الطواف والسعي (يعاودها)؛ أي: التلبية ويستمر على ذلك (حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها) وفي المذهب ثلاث روايات: الأولى: وهو مذهب المدونة إذا زالت الشمس وراح إلى الصلاة، وهي التي رجع إليها مالك وثبت عليها. قال ابن الجلاب متمما لهذه الرواية: إلا أن يكون أحرم بالحج من عرفة فيلبي حتى يرمي جمرة العقبة. والرواية الثانية: رواها أشهب إذا راح إلى الموقف. والرواية الثالثة: إذا زالت الشمس، وقال اللخمي والباجي أيضا: أنه يلبي إلى جمرة العقبة، وبذلك ورد حديث رواية مسلم (٢). قلت: وقد رجحنا هذا القول في كتابنا العرف الناشر فلينظر والله أعلم. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: اعلم أن الصحيح الذي قام عليه الدليل، أن الحاج لا يقطع التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة، وقال بعض أهل العلم حتى رميه إياها، والدليل على أن هذا القول هو الصواب دون غيره من أقوال أهل العلم هو ما ثبت من حديث الفضل بن عباس له «أن رسول الله ﷺ لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة» (٣) وقوله: حتى بلغ الجمرة هو وقت الشروع في الرمي.

стр. 747

وفي لفظ: «لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة» (١) وهو حجة من قال: يلبي حتى ينتهي من رميه. فهذه النصوص الصحيحة تدل على عدم قطع التلبية بعرفة، والأظهر أنه يقطعها عند الشروع في رمي العقبة، وأن رواية مسلم حتى رمى جمرة العقبة يراد به الشروع في رميها لا الانتهاء عنه. ومن القرائن الدالة على ذلك، ما ثبت في الروايات الصحيحة من التكبير مع كل حصاة، فظرف الرمي لا يستغرق غير التكبير مع الحصاة لتتابع رمي الحصيات، ولابن خزيمة عن الفضل: قال: «أفضت مع النبي ﷺ فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة يكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة»، قال ابن خزيمة: حديث صحيح مفسر لما أبهم في الرواية الأخرى، وأن المراد بقوله: «حتى رمى جمرة العقبة» أتم رميها. اه. وعلى تقدير صحة هذه الرواية لا ينبغي العدول عنها (٢). قال الحافظ (٣): «وقالت طائفة يقطعها إذا راح إلى الموقف، رواه ابن المنذر وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة وسعد بن أبي وقاص وعلي، وبه قال مالك وقيده بزوال الشمس يوم عرفة .. »، وبالذي قاله اللخمي وغيره نأخذ. (ويستحب) للحاج والمعتمر (أن يدخل مكة من كداء الثنية التي بأعلى مكة)، لأن النبي فعل كذا والصحابة بعده. ويستحب دخولها نهارا لفعله ﵊ كما في حديث جابر الذي رواه مسلم وغيره: «أن النبي دخل مكة ارتفاع الضحى وأناخ راحلته عند باب بني شيبة. ودخل المسجد ورواه النسائي، ولا بأس أن يدخلها ليلا. لأن النبي ﷺ دخل مكة ليلا ونهارا» (٤)

стр. 748

فإن دخل قبل طلوع الشمس فلا يطوف، فإن طاف فلا يركع حتى تطلع الشمس وتحل النافلة، وذلك لفعل عمر الله هـ: «أنه طاف بالبيت مع عمر بن الخطاب، بعد صلاة الصبح. فلما قضى عمر طوافه، نظر، فلم ير الشمس. فركب حتى أناخ بذي طوى، فصلى ركعتين» (١). ويستحب للمرأة إذا قدمت نهارا أن تؤخر الطواف إلى الليل، أما وقد أصبح في عصرنا الليل والنهار سواء في الإضاءة فلا معنى له، (و) كذلك يستحب له (إذا خرج) من مكة (أن يرجع من كدى) وهو موضع من أسفل مكة وكدى بضم الكاف منون (٢)، لحديث ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ يدخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى» (٣). وفي رواية للبخاري: «دخل مكة من كداء من الثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى» (٤) (وإن لم يفعل في الوجهين) ما ذكر من الدخول من الثنية العليا والخروج من السفلى (فلا حرج)؛ أي: لا إثم عليه ولا دم لأنه لم يترك واجبا. (قال) الإمام مالك الله: «فإذا دخل» الحاج أو المعتمر (مكة فليدخل المسجد الحرام)؛ أي: يبادر بدخول المسجد الحرام ولا يقدم عليه غيره إلا ما لا بد منه من حط رحل وأكل خفيف فالتراخي عنه إساءة أدب لحديث جابر في «الصحيح»: «حتى أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا»، وعن عروة بن الزبير عن عائشة لا: «أن النبي حين قدم مكة توضأ ثم طاف بالبيت» (٥). وروي ذلك عروة عن أبي بكر وعمر وعثمان وعبد الله بن عمر

стр. 749

ومعاوية وابن الزبير والمهاجرين وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر (١) (وإذا أراد دخول المسجد) الحرام (فمستحسن)؛ أي: مستحب (أن يدخل من باب بني شيبة) ويعرف الآن بباب السلام إلا أن باب السلام من الخارج وباب بني شيبة من داخل المسجد للخارج إلى الصفا والمروة، لما في حديث جابر ﷺ الطويل في صفة حجه ﵊: «أنه أناخ راحلته عند باب بني شيبة ودخل المسجد» (٢)، وعن ابن عباس- ﵄ «أن رسول الله ﷺ لما قدم في عهد قريش دخل مكة من هذا الباب الأعظم» (٣) وقد أجمع العلماء على استحباب ذلك؛ ويستحب له أن يقول الدعاء المأثور عند دخوله كل مسجد «بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، ويزيد ما أثر عنه ﷺ كما قال الشافعي في «مسنده» (٤): أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج: أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: اللهم زد هذا البيت تشريفا وتكريما وتعظيما ومهابة وبرا، وزد من شرفه ممن حجه واعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا»، وروى بإسناده عن سعيد بن المسيب أنه كان حين ينظر إلى البيت يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام» (٥) اه. وبعد دخوله المسجد فليكن أول ما يقصده بعد نية الطواف الركن الأسود فإذا وصل إليه (يستلم) بمعنى يلمس (الحجر الأسود (٦) بفيه إن قدر) على

стр. 750

ذلك (وإلا)؛ أي: وإن لم يقدر على استلامه بفيه (وضع يده عليه)؛ أي: على الحجر الأسود (ثم وضعها على فيه من غير تقبيل)؛ أي: تصويت، فإن لم يصل إليه مسه بعود ثم يضعه على فيه من غير تقبيل، فلا يكفي العود مع إمكان اليد، ولا اليد مع إمكان التقبيل. وهذا الاستلام سنة في أول الطواف مستحب في باقيه لحديث ابن عمر هـ قال: «كان رسول الله ﷺ حين يقدم مكة، يستلم الركن الأسود، أول ما يطوف» (١) وفي رواية: «يستلمه ويقبله» (٢).، وعن عابس بن ربيعة، عن عمر الله أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال: «إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك» (٣)، وعن ابن عباس قال: «طاف النبي ﷺ على بعير كلما أتى الحجر أشار إليه بشيء في يده وكبر» (٤)؛ وروي عن النبي ﷺ أنه قال لعمر: «إنك لرجل شديد تؤذي الضعيف إذا طفت بالبيت. فإذا رأيت خلوة من الحجر فأدن منه وإلا فكبر ثم امض» (٥)، فإن أمكنه استلام الحجر بشيء في يده كالعصا ونحوها فعل. فقد روى ابن عباس: «طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير، يستلم الركن بمحجن» (٦)، وهذا كله مستحب. • دعاء التقبيل للحجر الأسود: أخرج البيهقي عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا استلم الحجر الأسود يقول: «باسم الله والله أكبر» وعن نافع قال: كان ابن عمر ما إذا استلم الحجر قال: «اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء

стр. 751

بعهدك، واتباعا لسنة نبيك محمد ﷺ (١). صفات استلام الحجر الأسود: ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى (٢): صفات استلام الحجر الأسود وكيفية ذلك: ١ - تقبيله، ووضع شفتيه ﷺ يبكي طويلا. ٢ - استلامه باليد توضع عليه، ثم تقبل. ٣ - استلامه بمحجن (٣). ٤ - تقبيله والسجود عليه. ٥ - الإشارة إليه من غير استلام ولا تقبيل. ٦ - تقبيله ووضع الخد عليه اه وقد وردت في ذلك أحاديث. من فضائل استلام الحجر الأسود: ما جاء في الحديث الصحيح لغيره عن عبد الله بن عبيد بن عمير ﵁ أنه سمع أباه يقول لابن عمر ﵁: ما لي لا أراك تستلم إلا هذين الركنين الحجر الأسود والركن اليماني، فقال ابن عمر: إن أفعل فقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن استلامهما يحط الخطايا» (٤). وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في الحجر: «والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق» (٥)،

стр. 752

والحديث صحيح (١)، وروى ابن ماجة عن ابن عمر ها قال: «استقبل رسول الله ﷺ الحجر، ثم وضع شفتيه عليه، يبكي طويلا، ثم التفت، فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي، فقال يا عمر: ها هنا تسكب العبرات» (٢). طواف القدوم: (ثم) إذا فرغ من استلام الحجر الأسود فإنه (يطوف) بالبيت الشريف طواف القدوم وهو واجب على كل من أحرم من الحل سواء كان من أهل مكة أو غيرها أما إذا أحرم من الحرم فإنه لا قدوم عليه لكونه غير قادم. وللطواف من حيث هو سواء كان ركنا أو واجبا أو مندوبا واجبات وسنن ومستحبات. أما واجباته فستة: الأول: شرائط الصلاة من طهارتي الحدث والخبث وستر العورة، فلو أحدث في أثنائه تطهر وابتدأ، ولا يبني على المشهور - وانتبه للمشهور؛ أي: ما كثر قائله فقد يفيدك خلافه أيام الحج والزحام وإن كنت مفتيا فارفق بالآخرين، والقول بالبناء رواية لابن حبيب عن مالك (٣) - ويباح فيه الكلام وذلك لحديث عائشة ﵂: «أن أول شيء بدأ به النبي ﷺ حين قدم، أنه توضأ ثم طاف بالبيت» (٤) وعنها ﵂: أنها لما حاضت قال لها رسول الله ﷺ : افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري (٥)، وفي لفظ لمسلم «حتى تغتسلي» (٦)

стр. 753

وعن ابن عباس ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله قد أحل فيه النطق فمن نطق فيه فلا ينطق إلا بخير» (١). والثاني: أن يكون الطواف داخل المسجد لفعله ﷺ ، ومنعه عائشة من فعله لكون الحائض لا يحل لها أن تدخل المسجد ولأنه صلاة ولا تحل الصلاة لمحدث. والثالث: جعل البيت على يساره، وإليه أشار بقوله: (والبيت) الشريف (على يساره) فلو جعله على يمينه لم يصح طوافه ولزمته الإعادة، لأن النبي ﷺ لما طاف بدأ بالحجر الأسود ثم جعل البيت على يساره وطاف، فعن جابر ﵁ «أن النبي ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه، ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثا ومشى أربعا» (٢). وينبغي أن يحتاط عند ابتداء الطواف فيقف قبل الركن بقليل بحيث يكون الحجر عن يسار موقفه ليستوعب جملته بذلك لأنه إن لم يستوعب الحجر لم يعتد بالشوط الأول فليتنبه لذلك، فإن كثيرا ما يقع فيه الجهال ويكون في طوافه خارجا عن البيت، فعلى من قبل الحجر الأسود أن لا يمشي إلا بعد أن ينتصب قائما كما كان، ولا يجوز له أن يقبله ثم يمشي وهو مطأطئ رأسه أو يده لئلا يحصل بعض الطواف وليس جميع بدنه خارجا عن البيت لأنه يكون بعض البدن على الشاذروان وهو من البيت فلا يصح طوافه (٣). والرابع: أن يطوف (سبعة أطواف) جمع طوف وهو الشوط لما في حديث جابر ﵁ الطويل: «أن النبي ﷺ رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعا» (٤)،

стр. 754

وابتداؤه من الحجر إلى الحجر؛ أي: الحجر الأسود، فلو ابتدأ من الركن اليماني أتم إليه وعليه دم. الخامس: الموالاة، لأن النبي ﷺ والى بين أشواط الطواف ولم يثبت أنه فصل بينها، ثم لو نسي شوطا وذكر بالقرب ولم ينتقض وضوءه عاد إليه بالقرب، كما يرجع إلى الصلاة وإن طال بطل الطواف قياسا على الصلاة. السادس: أن يركع ركعتين عقبه لما في حديث جابر ﵁ قال: «حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين ثم قرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥] (١)؛ وفي رواية مسلم أيضا: «فصلى ركعتين فقرأ فاتحة الكتاب وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد» (٢) تنبيه: يجوز فعل ركعتي الطواف في أي مكان من المسجد قال الحافظ (٣): الإجماع على أن ركعتي الطواف أينما صليت في المسجد الحرام جاز، ويجوز فعلهما خارج المسجد الحرام لفعل أم سلمة ﵂ وحديثها في «الصحيحين». اه (٤). بل يجوز فعلها خارج مكة لفعل عمر ﵁ روى: «أن عمر طاف بعد صلاة الصبح فلما قضى طوافه نظر فلم ير الشمس، فركب حتى أناخ بذي طوى فصلى ركعتين» (٥). وأما سننه فأربعة: أحدها: الرمل بفتح الراء والميم، وهو الإسراع في المشي مع تقارب الخطا دون الوثوب والعدو، وإليه أشار بقوله: (ثلاثة خببا) لما مر قريبا من حديث جابر، وهو في حديث ابن عباس وابن عمر وكلها أحاديث متفق

стр. 755

عليها، الخبب: الرمل وهو الهرولة فوق المشي دون الجري، وهو سنة الرجل لا المرأة ولو مريضا ولا دم في تركه ولو مع القدرة (١) (ثم أربعة مشيا) ولا يسن إلا في طواف القدوم فقط، ودليل هذا كله فعله ﵊. وعلة الرمل ما رواه عن ابن عباس ﵄ قال: «قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب، قال المشركون: إنه يقدم عليكم غدا قوم قد وهنتهم الحمى ولقوا منها شدة فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جلدهم» فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم هؤلاء أجلد من كذا وكذا. قال ابن عباس: «ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم» (٢). ثانيها: الدعاء، وهو غير محدود. والثابت منه ما تقدم عند استلام الحجر وكذلك في الطواف ما بين الركنين اليمانيين لما روى الإمام أحمد في المناسك عن عبد الله بن السائب ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ﴿بين ركن بني جمح والركن الأسود ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وكل به يعني: الركن اليماني - سبعون ملكا فمن قال: اللهم أني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ قالوا آمين» (٤)، وصح عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقول بين الركنين ويرفعه إلى النبي ﷺ : «رب قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف علي كل غائبة

стр. 756

لي بخير» (١). ثالثها: استلام الحجر الأسود أول الطواف سنة، وفي الباقي مستحب كما تقدم. رابعها: استلام الركن اليماني أول شوط. فعن ابن عمر ﵄ قال: «لم أر النبي ﷺ يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين» (٢) وروى الطبراني بإسناد جيد أن النبي ﷺ : «كان إذا استلم الركن اليماني قال: بسم الله والله أكبر، وكان كلما أتى على الحجر الأسود قال: الله أكبر» (٣). وأما مستحباته فأربعة: الأول: استلام الحجر الأسود في أول كل شوط ما عدا الأول، وإليه أشار بقوله: (ويستلم الركن)؛ يعني: الحجر الأسود (كلما مر به كما ذكرنا) أولا. وهو أن يستلمه بفيه إن قدر وإلا وضع يده عليه ثم يضعها على فيه من غير تقبيل. وظاهر قوله: (ويكبر) أنه يجمع بين الاستلام والتكبير. وظاهر المدونة خلافه، لكن الراجح الجمع بينهما. لما مر من حديث الطبراني. الثاني: استلام الركن اليماني في أول كل شوط غير الأول، وإليه وإلى صفة استلامه أشار بقوله: (ولا يستلم الركن اليماني بفيه ولكن بيده ثم يضعها على فيه من غير تقبيل) ونحوه في المدونة. قال ابن عبد البر: جائز عند أهل العلم أن يستلم الركن اليماني والركن الأسود لا يختلفون في شيء من ذلك، وإنما الذي فرقوا به بينهما التقبيل فرأوا تقبيل الأسود، ولم يروا تقبيل اليماني، وأما استلامهما فأمر مجمع عليه، وقد روى مجاهد عن ابن عباس قال: «رأيت رسول الله ﷺ إذا استلم الركن قبله ووضع خده الأيمن عليه» قال: وهذا لا يصح، وإنما يعرف التقبيل في الحجر الأسود وحده، وقد روى ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ كان لا يستلم إلا الحجر والركن

стр. 757

اليماني (١)، وقال ابن عمر: «ما تركت استلام هذين الركنين اليماني، والحجر، مذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمهما، في شدة ولا رخاء» (٢)، ولأن الركن اليماني مبني على قواعد إبراهيم ﵇ فسن استلامه كالذي فيه الحجر، وأما تقبيله فلم يصح عن النبي ﷺ فلا يسن … ». اه (٣). الثالث: الدنو من البيت للرجال دون النساء، لأن الدنو هو المقصود إلا إذا وجد زحاما، وأما النساء فقد روت أمنا أم سلمة ﵂ قالت: «شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي قال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة فطفت ورسول الله ﷺ يصلي إلى جنب البيت يقرأ بالطور وكتاب مسطور» (٤). وروى عطاء قال: كانت عائشة تطوف حجزة (٥) من الرجال لا تخالطهم فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين؛ قالت: انطلقي عني، وأبت (٦). الرابع: الدعاء بالملتزم بعد الفراغ من الطواف، والملتزم ما بين الركن والباب فيعتنقه ويلح في الدعاء. فعن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: طفت مع عبد الله فلما جئنا دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال: "نعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر وأقام بين الركن والباب، فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا وبسطهما بسطا، ثم قال: «هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله» (٧). تنبيه: يجب على الطائف أن يطوف بجميع البيت بما في ذلك الحجر،

стр. 758

وطرف الكعبة ما بين الركنين اليمانيين المسمى بالشاذروان (١)، فمن لم يطف بهما مع البيت لم يعتد بطوافه؛ فعن أمنا عائشة لها قالت: «سألت رسول الله عن الحجر؟ فقال: هو من البيت» (٢)، وعنها قالت: «قال رسول الله ﷺ : «إن قومك استقصروا من بنيان البيت، ولولا حداثة عهدهم بالشرك، أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبا من سبعة أذرع» (٣). (فإذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين) اشتمل كلامه على واجب ومستحبين: فالواجب فعل ركعتين بعد الطواف على المذهب، لما جاء في حديث جابر به وقد تقدم قريبا وفيه «فجعل المقام بينه وبين البيت»، وهل له أن يصلي والناس يمرون بين يديه؟ نعم له ذلك لأن النبي ﷺ صلاهما والطواف بين يديه ليس بينهما شيء» (٤)، ولحديث المطلب قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي مما يلي باب بني سهم والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترة (٥) قال سفيان ليس بينه وبين الكعبة سترة، قلت وقد بوب البخاري باب السترة بمكة وغيرها، قال الحافظ في الفتح: «أراد البخاري التنبيه على ضعف هذا الحديث وأن لا فرق بين مكة وغيرها في مشروعية السترة، واستدل على ذلك بحديث أبي جحيفة وقد قدمنا وجه الدلالة منه. وهذا هو المعروف عند الشافعية وأن لا فرق في منع المرور بين يدي المصلي

стр. 759

بين مكة وغيرها. واغتفر بعض الفقهاء ذلك للطائفين دون غيرهم للضرورة، وعن بعض الحنابلة جواز ذلك في جميع مكة … ... . - وحديث عبد الرزاق أخرجه من هذا الوجه أيضا أصحاب السنن، ورجاله موتقون إلا أنه معلول … » (١)، «وكان ابن الزبير يصلي والطواف بين يديه فتمر المرأة بين يديه فينتظرها حتى ترفع رجلها ثم يسجد» (٢). والمستحبان: كونهما أي الركعتان عند المقام، واتصالهما بالطواف ومفاده أنه ليس في ترك الاتصال دم مطلقا، وليس كذلك بل الدم في بعض الأحوال، فحينئذ ليس الاستحباب مطلقا بل في البعض، والوجوب في البعض الآخر الذي يترتب فيه الدم، لقول مالك أستحب في مثل هذا أن يهرق دما وذلك أن عبد الله بن عباس قال: «من نسي من نسكه شيئا فليهرق دما» (٣)، وحاصل القول أن من لم يفعل الركعتين حتى تباعد أو رجع لبلده فإنه يفعلهما مطلقا. ثم إن كانتا من طواف واجب فعليه الدم، وإن كانتا من غيره لم يجب عليه دم، وإن لم يتباعد ولا رجع لبلده فإن لم تنتقض طهارته أتى بالركعتين فقط مطلقا، وإن انتقضت طهارته عمدا فيأتي بالطواف والركعتين، ولو كانتا من غير فرض ويعيد السعي إن كان فعله، وإن لم يتعمد نقض طهارته ففي الفرض يعيد الطواف والركعتين والسعي، وفي غيره يعيدهما وهل يعيد الطواف أو لا؟ الظاهر ترجيح الثاني. قلت: ومن التيسير على من طاف بلا طهارة سواء طواف فرض أو نافلة

стр. 760

وسافر يفتى له بصحة طوافه لما في ذلك من الاختلاف في وجوبها عند الفقهاء، - ويستحب بعد استلام الحجر الأسود أن يمر بزمزم فيشرب منها. لفعله كما في حديث جابر ﵁ في وصفه حجة النبي ﷺ قال: « … ثم عاد إلى الركن فاستلم ثم خرج إلى الصفا … » (١). الركن الثاني: السعي بين الصفا والمروة: (ثم يخرج إلى الصفا) صرح الأقفهسي وابن عمر باستحباب الخروج من باب الصفا لكونه أقرب إلى الصفا، وكان يسمى باب بني مخزوم. ونقل زروق عن ابن حبيب أن النبي ﷺ خرج منه (فيقف عليه ل) أجل (الدعاء (٢)) فعن جابر ﵁ «ثم خرج - أي: النبي ﷺ من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إن الصفا والمروة من شعابر الله﴾ [البقرة: ١٥٨] «أبدأ بما بدأ الله به» فبدأ بالصفا، فرقي عليه، حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده»، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك، قال: مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدنا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة، … الحديث» (٣). (ثم) إذا فرغ من الدعاء نزل منه فـ (ـيسعى)؛ أي: يمشي (إلى

стр. 761

المروة (١) و) الحال أنه (يخب)؛ أي: يسرع في مشيه وهذا سنة الرجل دون المرأة (في بطن المسيل) خاصة في المرور إلى المروة، فعن جابر به … . «ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة، … . الحديث» (٢)، والمسيل ما بين الميلين الأخضرين وهما اليوم مضاآن بمصابيح خضراء تحدد المسافة بينهما، فإذا أتى المروة وقف عليها ل أجل (الدعاء) والدعاء عليها وعلى الصفا غير محدود والوقوف عليهما سنة، ومن المأثور ما ذكرت لك، وكان ابن عمر كما قال نافع: أنه كان يخرج إلى الصفا من الباب الأعظم فيقوم عليه فيكبر سبع مرات ثلاثا ثلاثا يكبر. ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. ثم يدعو فيقول: اللهم اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك. اللهم جنبني حدودك، اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وإلى رسلك وإلى عبادك الصالحين، اللهم يسرني لليسرى، وجنبني العسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، واجعلني من أئمة المتقين، واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين اللهم قلت وقولك الحق ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ وإنك لا تخلف الميعاد. اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تنزعني منه ولا تنزعه مني حتى توفاني على الإسلام. اللهم لا تقدمني إلى العذاب ولا تؤخرني لسوء الفتن» (٣) قال: ويدعو دعاء كثيرا حتى إنه ليملنا وإنا لشباب.

стр. 762

واختلف هل يرفع يديه أم لا، وترك الرفع أحب إلى مالك (١). (ثم) بعد فراغه من الدعاء على المروة (يسعى)؛ أي: يمشي (إلى الصفا يفعل ذلك)؛ أي: ما ذكر من الوقوف على الصفا والمروة والدعاء عليهما والخبب في بطن المسيل (سبع مرات) فيتحصل مما ذكرنا أنه (يقف لذلك أربع وقفات على الصفا وأربعا على المروة) وهذا السعي ركن من أركان الحج والعمرة التي لا بد منها، لا يجزئ في تركه هدي ولا غيره، وأصل السعي قصة هاجر لما نفد الماء عنها وعن صبيها فقامت إلى الصفا وسعت إلى المروة (٢)، والسعي دل على فرضيته الكتاب والسنة فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم﴾ [البقرة: ١٥٨]. وعن عروة قال: سألت عائشة ﵂ فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة﴾ فما أرى على أحدنا جناحا أن لا يطوف بهما؟ فقالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي، إنها لو كانت على ما أولتها، كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها إنما نزلت أن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله، فقالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿إن الصفا والمروة﴾ الآية، قالت عائشة ﵂: «ثم قد سن رسول الله ﷺ الطواف بهما، فليس لأحد يدع الطواف بهما» (٣). قال الحافظ: ويمكن أن يكون الوجوب مستفادا من قول عائشة: «ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة» (٤).

стр. 763

وعن حبيبة بنت أبي تجراة - بكسر المثناه وسكون الجيم بعدها راء ثم ألف ساكنة ثم هاء وهي إحدى نساء بني عبد الدار أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي»، قال الحافظ (١): أخرجه الشافعي وأحمد وفي إسناده عبد الله بن المؤمل وفيه ضعف. قال الحافظ: وله طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة مختصرة، وعند الطبراني عن ابن عباس كالأولى وإن انضمت إلى الأولى قويت. اه. وسئل صاحب «الذخيرة»: هل الصفا أفضل أم المروة؟ فأجاب بأن الصفا أفضل، لأن السعي منه أربعا، ومن المروة ثلاثا، وما كانت العبادة فيه أكثر فهو أفضل (٢). شرائط السعي وسننه ومستحباته: أما شرائطه فأربعة: الأول: الترتيب وهو أن يأتي بالسعي بعد الطواف، لفعل النبي ﷺ ذلك وقوله: «لتأخذوا عني مناسككم» (٣) فلو بدأ بالسعي رجع فطاف وسعى. الثاني: الموالاة فإن جلس وطال وصار كالتارك ابتدأ السعي وإن كان شيئا خفيفا لم يضر، وإن أصابه حقن؛ أي: حبس بول توضأ وبني؛ والكلام فيه أخف من الكلام في الطواف؛ أي: لا ينبغي له الكلام إلا أنه أخف، وليشتغل بالذكر والدعاء. الثالث: إكمال العدد، وإليه أشار بقوله: سبع مرات فمن ترك شوطا من حج أو عمرة سواء كانا صحيحين أو فاسدين فليرجع لذلك من بلده، ومن ترك من السعي ذراعا لم يجزه. الرابع: أن يتقدمه طواف صحيح ولا يشترط فيه أن يكون واجبا بل

стр. 764

يكفي؛ أي: طواف كان على ما صدر به ابن الحاجب وفهمه خليل من المدونة وهو الراجح. وقال زروق: المشهور اشتراط كونه واجبا كطواف الإفاضة والقدوم. سنن السعي ومستحباته: ١ - الذكر والدعاء على الصفا والمروة ويستحب أن يقول بين الصفا والمروة: «اللهم اغفر وارحم وأنت الأعز الأكرم» رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر ما ٢ - أن يسعى على طهارة كاملة، وستر عورة، فلو سعى على غير طهارة صح سعيه. ٣ - يستحب له السعي في موضع السعي وهو الإسراع للرجل بين العلمين. تنبيه: سأورد حديث جابر ﵁ الذي أورد فيه مناسك الحج من يوم التروية إلى آخر ما فعله ﷺ ، وما بين القوسين فهو إما من رواية حديثه من طريق غير طريق مسلم أو من روايات أخرى سأبينها بحول الله تعالى. فعن جابر ﵁ (١): قال: « … فلما كان يوم التروية توجهوا إلى مني، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس وقال: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن

стр. 765

أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال: بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس «اللهم، اشهد، اللهم، اشهد» ثلاث مرات، ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله ﷺ ، حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا، حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، [فإذا وجد فجوة نص] (١) ويقول بيده اليمنى: أيها الناس؛ السكينة السكينة؛ كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد [وأفاض من طريق المأزمين] (٢) حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر، حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء، حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس [وقال: لابن عباس القط لي حصى، فالتقطت له

стр. 766

سبع حصيات، هن حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول: أمثال هؤلاء فارموا ثم قال: يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين، فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين] (١) حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليا، فنحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، [ثم حلق رسول الله ﷺ وحلق طائفة من أصحابه، وقصر بعضهم وقال: رحم الله المحلقين (ثلاثا) والمقصرين] (٢) [وقال: ليس على النساء حلق، وإنما يقصرن] (٣)، ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر [ولابن عمر: ثم رجع فصلى الظهر بمنى] (٤) [ومكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية، فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة فلا يقف عندها (٥) (ثم ينصرف) (٦)] إلى الأبطح فيـ[صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب ثم ركب إلى البيت فطاف به] (٧) [قبل صلاة الصبح، ثم خرج إلى المدينة] (٨). وعن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه،

стр. 767

فقال رسول الله ﷺ : [لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض] (١). قال المصنف رحمه الله تعالى: (ثم) بعد فراغه من السعي إذا قرب وقت الوقوف فإنه يخرج يوم التروية إلى منى سميت بذلك لأن إبراهيم ﵊ تمنى فيها كشف ما نزل به من الأمر بذبح ولده. وقيل: لأن الدماء تمنى؛ أي: تراق فيها، بينها وبين مكة ستة أميال. ويستحب أن يكون خروجه إليها بقدر ما إذا وصل إليها حانت الصلاة (فيصلي بها الظهر والعصر) قصرا كل صلاة في وقتها (و) يستحب أيضا أن يبيت بها فيصلي بها (المغرب والعشاء) قصرا للأخيرة وإتماما للمغرب، ومن ترك المبيت بها كره له ذلك ولا دم عليه، وخالف الأكمل؛ (ثم) إذا صلى الصبح من اليوم التاسع بمنى يستحب له أن لا يخرج منها إلا بعد طلوع الشمس ف (يمضي إلى عرفات) وهو موضع الوقوف فإذا وصل إلى عرفة فالمستحب أن ينزل بنمرة وهو من آخر الحرم وأول الحل ولا يدع التلبية في هذا كله؛ أي ما ذكر من الخروج بعد طلوع الشمس إلخ (حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها) وهو مسجد نمرة، وقد تقدم الكلام على وقت قطع التلبية، (وليتطهر)؛ أي: يغتسل بعد الزوال (قبل رواحه إلى المصلى) ولا يتدلك في هذا الغسل دلكا بالغا بل بإمرار اليد فقط، وهذا آخر اغتسالات الحج الثلاثة. لما روى مالك في «الموطأ»: «أن ابن عمر ﵁ كان يغتسل لوقوفه عشية عرفة» (٢). وقد تقدم بيان حكمه وهو للوقوف لا للصلاة فتخاطب به الحائض والنفساء (ف) إذا وصل إلى المصلى (يجمع بين الظهر والعصر مع الإمام) جمعا وقصرا؛ زاد في المدونة بأذانين وإقامتين والقراءة في ذلك سرا لا

стр. 768

جهرا، ولو وافقت جمعة، لأنه يصلي ظهرا لا جمعة (١)، ومن فاته الجمع مع الإمام جمع في رحله. وما ذكر من القصر فهو في حق غير أهل عرفة أما هم فيتمون، والضابط أن أهل كل مكان يتمون فيه ويقصرون فيما سواه، والقصر بعرفة إنما هو للسنة وإلا فهو ليس بمسافة قصر في حق المكي وأهل المزدلفة ونحوهم. الركن الثالث من أركان الحج: الوقوف بعرفة: (ثم) بعد الفراغ من الصلاة مع الإمام (يروح معه إلى موقف عرفة) وعرفة: اسم الموضع الوقوف: وهو واد فسيح الأرجاء يبعد عن مكة المكرمة مقدار (٢٥) كلم، وفيه الجبل الذي يسمى بجبل عرفة ويسميه العامة بجبل الرحمة، ولا أصل لهذه التسمية، وفيه مسجد نمرة، وكان يسمى مسجد إبراهيم الخليل ﷺ . ويؤخذ من كلامه أن موقف عرفة غير مصلاها، ويصح الوقوف في كل جزء منها إلا أنه يستحب الوقوف عند الصخرات العظام المفروشة في أسفل جبل الرحمة، وهي التي وقف عندها النبي ﷺ راكبا على راحلته يوم عرفة في حجة الوداع، ويؤخذ منه أيضا أن أول الوقوف بعد الزوال. وظاهر قوله: (فيقف معه)؛ أي: مع الإمام (إلى غروب الشمس) على ما قاله الفاكهاني وغيره، أنه لا يؤخذ جزء من الليل. والمذهب أنه لا بد من جزء من الليل (٢). قال ابن الحاجب: والفرض من الوقوف الركن أدنى حضور جزء من الليل وجزء من عرفة حيث شاء، سوى بطن عرنة: بضم العين والراء (٣). وحاصل الفقه أن الوقوف بعرفة بعد الزوال واجب ينجبر بالدم،

стр. 769

والوقوف الركني الوقوف بها جزءا من الليل بعد الغروب. والتعبير بالوقوف بيان للوجه الأكمل، فلا ينافي أنه إذا مر بعرفة ليلا ولم يقف فيها يجزئه بشرطين: أن يكون عالما بأن هذا المحل عرفة، وأن ينوي الحضور بعرفة لا المار الجاهل بأن هذا المحل عرفة. ولكن في «التوضيح»: عن سند من مر بها وعرفها أجزأه، وإن لم يعرفها: فقال أبو محمد: لا يجزئه، والأشهر الإجزاء لأن تخصيص أركان الحج بالنية ليس شرطا، وفي «المختصر»: الجاهل بعرفة لا يجزئه الوقوف بها، قال في منسكه وهو المشهور. لحديث بكير بن عطاء الليثي؛ سمعت عبد الرحمن بن يعمر الديلي ﵁، يقول: شهدت رسول الله ﷺ وهو واقف بعرفة، وأتاه ناس من أهل نجد، فقالوا: يا رسول الله، كيف الحج؟ قال: «الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر، من ليلة جمع، فقد تم حجه» (١). وحديث عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي أنه حج على عهد رسول الله ﷺ فلم يدرك الناس إلا ليلا، وهو بجمع، فانطلق إلى عرفات، فأفاض منها، ثم رجع فأتى جمعا، فقال: يا رسول الله، أنعبت نفسي، وأنضيت راحلتي، فهل لي من حج؟ فقال: «من صلى معنا صلاة الغداة بجمع، ووقف معنا حتى يفيض، وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلا، أو نهارا، فقد تم حجه، وقضى تفثه» (٢). ويلزم المار على هذا الوجه المجزئ الدم لوجوب الطمأنينة بعرفة، كما قال المالكية ولا دليل عليه. ويستحب الوقوف راكبا لفعله ﵊، كما في حديث جابر ﵁ عند مسلم: «ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم

стр. 770

يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص» (١)، ويستحب التسبيح والتحميد والتهليل والصلاة على سيدنا محمد ﷺ ، والدعاء للنفس وللوالدين، ويستحب الفطر ليقوى على العبادة وهذه سنن كلها قد وردت في ثنايا الأحاديث. وقفتان مع عرفات: الوقفة الأولى: لو أخطأ الناس الوقوف بعرفات فما العمل؟ قال الحطاب: إذا أخطأ جماعة أهل الموسم، فوقفوا في اليوم العاشر، فإن وقوفهم يجزئهم وأما إذا أخطئوا ووقفوا في الثامن، فإن وقوفهم لا يجزئهم، وهذا هو المعروف من المذهب، وقيل: يجزيهم في الصورتين، وقيل: لا يجزئ في الصورتين حكى الأقوال الثلاثة ابن الحاجب وغيره (٢)، وعلى التفرقة أكثر أهل العلم، وهو قول مالك والليث والأوزاعي وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن؛ والفرق بين الصورتين: أن الذين وقفوا يوم النحر فعلوا ما تعبدهم الله به على لسان رسول الله ﷺ من إكمال العدة دون اجتهاد بخلاف الذين وقفوا في الثامن، فإن ذلك باجتهادهم وقبولهم شهادة من لا يوثق به. اه (٣). الوقفة الثانية: هل وقفة الجمعة أفضل أم لا؟ قال خليل (٤): «لم أر فيه نصا وينبغي أن تكون أفضل لأنه ورد حديث بذلك، والحديث وإن لم يصح لكن يستأنس به في فضائل الأعمال، ولأنها وقفته الله ولأنه قد ثبت أن الجمعة أفضل الأيام».

стр. 771

قلت: والحديث الذي أشار إليه تكلم عنه الحافظ أنه لا أصل له فقال: وأما ما ذكره رزين في «جامعه» مرفوعا: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم عرفة وافق يوم الجمعة، وهو أفضل من سبعين حجة في غيرها» فهو حديث لا أعرف حاله، لأنه لم يذكر صحابيه ولا من أخرجه بل أدرجه في حديث «الموطأ» الذي ذكره مرسلا عن طلحة بن عبد الله بن كريز، وليست الزيادة المذكورة في شيء من الموطات، فإن كان له أصل احتمل أن يراد بالسبعين التحديد أو المبالغة، وعلى كل منهما فثبتت المزية بذلك، والله أعلم اه (١). المبيت بمزدلفة: وتسمى جمع بفتح الجيم ثم سكون والمشعر الحرام، وسبب تسميتها بذلك: قال التتائي: وهل سميت بمزدلفة لقربها من عرفة، أو من التقرب لأن العبادة تؤدى فيها، أو لأن آدم ﵇ تقارب مع حواء بها، أقوال؟ (٢). (ثم) بعد غروب الشمس من يوم عرفة وتمكن الليل (يدفع بدفعه)؛ أي: بدفع الإمام إلى المزدلفة، فإن دفع قبل دفعه بعد غروب الشمس كان تاركا للأفضل، فإذا وصل إليها فليكن أول اهتمامه إقامة الصلاة بعد حط ما خف من رحله (فيصلي معه)؛ أي: مع الإمام (بمزدلفة المغرب والعشاء) جمعا وقصرا للعشاء لغير أهل مزدلفة والمذهب أن هذا الجمع سنة، واحذر من تأخير الصلاة عن وقتها إن لم تتمكن من الوصول قبل منتصف الليل أو قبل ثلث الليل الآخر، ويرخص للنساء والضعفة ومن في حكمهم الدفع بعد مغيب الغاسق، ولا يرمون إلا بعد طلوع الفجر، والأفضل بعد طلوع الشمس. (و) إذا طلع الفجر استحب له أن يصلي مع الإمام (الصبح) أول الوقت أخذ من هذا أنه يطلب منه البيات بالمزدلفة على جهة الاستحباب كما نص عليه في «المختصر». وأما النزول فهو واجب ولا يكفي فيه إناخة البعير بل لا بد من حط الرحال. قال الحطاب: وهذا ظاهر إذا لم يحصل لبث، أما إن

стр. 772

حصل لبث ولو لم يحط الرحال بالفعل فالظاهر أنه كاف. ومن ترك النزول من غير عذر حتى طلع الفجر لزمه دم، ومن تركه لعذر فلا شيء عليه، قال خليل: والسنة النزول بمزدلفة والمبيت بها، فإن نزل بها ثم دفع فلا دم مع كونه خالف السنة، وإن لم ينزل فالدم على الأشهر، والظاهر أنه لا يكفي في النزول إناخة البعير بل لا بد من حط الرحل (١). (ثم) بعد ذلك يستحب له على المشهور أن (يقف معه بالمشعر الحرام) ويجعل وجهه إلى البيت؛ والمشعر جبل بالمزدلفة سمي بذلك لأن الجاهلية كانت تشعر هداياها فيه، وقيل لأنه كان يشعر بعضهم بعضا، أو لتفاخرهم بالآباء، أقوال، ويسمى قزح، وأينما وقف الحاج بمزدلفة فيجزئه لقول النبي ﷺ : «وقفت ها هنا، وجمع كلها موقف» (٢) (يومئذ)؛ أي: يوم النحر، المستفاد بطريق اللزوم لأنه لم يتقدم ذكر ليوم النحر، والعامل في قوله يومئذ: ليصلي الصبح المقدر أو ليقف وقوله: (بها)؛ أي: بالمزدلفة أطلق اليوم على بعضه وهو من صلاة الصبح إلى قرب طلوع الشمس يدل عليه قوله: (ثم يدفع بقرب طلوع الشمس إلى منى) ظاهره ك «المختصر» جواز التمادي بالوقوف بالمشعر إلى الإسفار؛ والذي في المدونة: لا يقف أحد بالمشعر الحرام إلى طلوع الشمس أو الإسفار، ولكن يدفع قبل ذلك. وفي الصحيح ما يدل للأول ففيه أنه: «حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس، … » (٣). ويلقط حصى رمي الجمرة الكبرى من مزدلفة لفعل النبي ﷺ ذلك فعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على ناقته: «القط لي حصى» فلقطت له سبع حصيات، هن حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه

стр. 773

ويقول: «أمثال هؤلاء فارموا ثم قال: يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (١). إذا فالسنة في الوقوف الدعاء، والذكر من تكبير، وتهليل، وتوحيد لرب الأرض والسماء، ثم الدفع منها قبل طلوع الشمس مخالفة للمشركين، واتباعا لشرع سيد الأولين والآخرين. فائدة قال ابن عباس ﵁: «المشاعر: الركن، والصفا، والمروة، والمشعر الحرام، والهدي» (٢). (و) الدافع إلى منى إن كان راكبا (يحرك دابته) على جهة الاستحباب (ببطن محسر) بكسر السين المهملة وهو واد بين مزدلفة ومنى، والطريق في وسطه، وبين كل موقف وموقف من مشاعر الحج برزخ، فبين عرفات ومزدلفة وادي عرنة، وبين منى ومزدلفة وادي محسر، وإن كان ماشيا أسرع الرجل ولا تسرع المرأة وهذا الإسراع تعبدي (٣). رمي جمرة العقبة وما يليها من أعمال الحج: أعمال الحج يوم النحر: سمي اليوم العاشر من ذي الحجة بيوم الحج الأكبر لاشتماله على عدة مناسك وهي: صلاة الصبح بمزدلفة. الوقوف بالمشعر الحرام. الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس. الإسراع في بطن وادي محسرا للماشي في مشيته، وللراكب بدابته المجيء إلى منى.

стр. 774

رمي جمرة العقبة الكبرى. النحر للهدي لمن ساقه أو كان عليه من متمتع وقارن. الحلق أو التقصير للرجل، والتقصير للمرأة. طواف الإفاضة، وتعجيله يوم النحر أفضل. السعي لمن لم يسع أولا. أن يعود إلى منى. أن يبيت بها (١). قال المصنف رحمه الله تعالى: (فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة)؛ يعني: بدأ برميها أول ما يأتي منى وهو على حالته التي هو عليها من ركوب أو غيره. وهي آخر منى من ناحية مكة سميت جمرة باسم ما يرمى فيها، وهي الحجارة. وللرمي وقت أداء وهو من طلوع الفجر إلى غروب شمس يوم النحر ووقت قضاء، وهو كل يوم من أيام الرمي بل الليل عقب كل يوم قضاء لذلك اليوم. ولا خلاف في وجوب الدم مع الفوات، والفوات يكون بغروب الشمس من اليوم الرابع من أيام منى، واختلف في وجوبه وسقوطه مع القضاء. ولا يبطل الحج بفوات شيء من الجمار، وللرمي شروط صحة فمن شروط الصحة: ١ - أن يجعل الحصاة بين إبهامه وسبابته. وقيل: يمسكها بإبهامه والوسطى. ومنها ما أشار إليه الشيخ، ٢ - (بسبع حصيات) واحدة بعد واحدة فلا يجزئ أقل من ذلك. ولو رمى السبع في مرة واحدة احتسب منها بواحدة، ٣ منها أن يكون المرمي به حجرا ونحوه، فلا يجزئ الطين ولا المعادن كالحديد.

стр. 775

٤ - وأن يكون الرمي في أسفل البناء القائم. ٥ - وأن يكون رميا لا وضعا فلا يجزئه عند ابن القاسم. واختلف في مقدار المرمي به فالذي عليه أكثر الشيوخ ما أشار إليه بقوله: (مثل حصى الخذف) كما في «صحيح مسلم» (١)، وعن عبد الرحمن بن معاذ أن رسول الله ﷺ كان يأمر الناس بالمناسك فقال: «ارموا الجمار بمثل حصى الخذف» (٢)، والخذف بخاء وذال ساكنة معجمتين وفاء، ومقدار حصى الخذف، قيل: قدر النواة، وقيل: قدر الفولة، فلا يجزئ الصغير جدا كالحمصة. والأصل في الخذف النهي؛ أي: أنه منهي أن ترمي الآخرين بالحجارة الصغيرة، لأنه من فعل الجاهلية كانوا يترامون بها فنهى عنها النبي ﷺ والمثلية هنا في القدر لا في الصفة (٣). (ويكبر مع كل حصاة)؛ أي: على جهة الاستحباب فإن لم يكبر أجزأه الرمي، وأن يتابع الرمي وأن يلتقط الحصيات. ويكره له أن يأخذ حجرا ويكسره ويأخذ الحصيات، بل المندوب أن يلتقطها من الأرض وأن تكون طاهرة فيكره الرمي بالنجس، وأن تكون من غير ما رمى به أولا، لأنه أدي به عبادة فلا يكرر (٤)، وقيل يجزئ، وأن يكون رميها من بطن الوادي، وبرمي جمرة العقبة يحل من كل شيء ما عدا النساء والصيد، ويسمى التحلل الأصغر (٥).
следующие страницы →