← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

قلت: والحديث الذي أشار إليه تكلم عنه الحافظ أنه لا أصل له فقال: وأما ما ذكره رزين في «جامعه» مرفوعا: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم عرفة وافق يوم الجمعة، وهو أفضل من سبعين حجة في غيرها» فهو حديث لا أعرف حاله، لأنه لم يذكر صحابيه ولا من أخرجه بل أدرجه في حديث «الموطأ» الذي ذكره مرسلا عن طلحة بن عبد الله بن كريز، وليست الزيادة المذكورة في شيء من الموطات، فإن كان له أصل احتمل أن يراد بالسبعين التحديد أو المبالغة، وعلى كل منهما فثبتت المزية بذلك، والله أعلم اه (١). المبيت بمزدلفة: وتسمى جمع بفتح الجيم ثم سكون والمشعر الحرام، وسبب تسميتها بذلك: قال التتائي: وهل سميت بمزدلفة لقربها من عرفة، أو من التقرب لأن العبادة تؤدى فيها، أو لأن آدم ﵇ تقارب مع حواء بها، أقوال؟ (٢). (ثم) بعد غروب الشمس من يوم عرفة وتمكن الليل (يدفع بدفعه)؛ أي: بدفع الإمام إلى المزدلفة، فإن دفع قبل دفعه بعد غروب الشمس كان تاركا للأفضل، فإذا وصل إليها فليكن أول اهتمامه إقامة الصلاة بعد حط ما خف من رحله (فيصلي معه)؛ أي: مع الإمام (بمزدلفة المغرب والعشاء) جمعا وقصرا للعشاء لغير أهل مزدلفة والمذهب أن هذا الجمع سنة، واحذر من تأخير الصلاة عن وقتها إن لم تتمكن من الوصول قبل منتصف الليل أو قبل ثلث الليل الآخر، ويرخص للنساء والضعفة ومن في حكمهم الدفع بعد مغيب الغاسق، ولا يرمون إلا بعد طلوع الفجر، والأفضل بعد طلوع الشمس. (و) إذا طلع الفجر استحب له أن يصلي مع الإمام (الصبح) أول الوقت أخذ من هذا أنه يطلب منه البيات بالمزدلفة على جهة الاستحباب كما نص عليه في «المختصر». وأما النزول فهو واجب ولا يكفي فيه إناخة البعير بل لا بد من حط الرحال. قال الحطاب: وهذا ظاهر إذا لم يحصل لبث، أما إن

стр. 772

حصل لبث ولو لم يحط الرحال بالفعل فالظاهر أنه كاف. ومن ترك النزول من غير عذر حتى طلع الفجر لزمه دم، ومن تركه لعذر فلا شيء عليه، قال خليل: والسنة النزول بمزدلفة والمبيت بها، فإن نزل بها ثم دفع فلا دم مع كونه خالف السنة، وإن لم ينزل فالدم على الأشهر، والظاهر أنه لا يكفي في النزول إناخة البعير بل لا بد من حط الرحل (١). (ثم) بعد ذلك يستحب له على المشهور أن (يقف معه بالمشعر الحرام) ويجعل وجهه إلى البيت؛ والمشعر جبل بالمزدلفة سمي بذلك لأن الجاهلية كانت تشعر هداياها فيه، وقيل لأنه كان يشعر بعضهم بعضا، أو لتفاخرهم بالآباء، أقوال، ويسمى قزح، وأينما وقف الحاج بمزدلفة فيجزئه لقول النبي ﷺ : «وقفت ها هنا، وجمع كلها موقف» (٢) (يومئذ)؛ أي: يوم النحر، المستفاد بطريق اللزوم لأنه لم يتقدم ذكر ليوم النحر، والعامل في قوله يومئذ: ليصلي الصبح المقدر أو ليقف وقوله: (بها)؛ أي: بالمزدلفة أطلق اليوم على بعضه وهو من صلاة الصبح إلى قرب طلوع الشمس يدل عليه قوله: (ثم يدفع بقرب طلوع الشمس إلى منى) ظاهره ك «المختصر» جواز التمادي بالوقوف بالمشعر إلى الإسفار؛ والذي في المدونة: لا يقف أحد بالمشعر الحرام إلى طلوع الشمس أو الإسفار، ولكن يدفع قبل ذلك. وفي الصحيح ما يدل للأول ففيه أنه: «حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس، … » (٣). ويلقط حصى رمي الجمرة الكبرى من مزدلفة لفعل النبي ﷺ ذلك فعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على ناقته: «القط لي حصى» فلقطت له سبع حصيات، هن حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه

стр. 773

ويقول: «أمثال هؤلاء فارموا ثم قال: يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (١). إذا فالسنة في الوقوف الدعاء، والذكر من تكبير، وتهليل، وتوحيد لرب الأرض والسماء، ثم الدفع منها قبل طلوع الشمس مخالفة للمشركين، واتباعا لشرع سيد الأولين والآخرين. فائدة قال ابن عباس ﵁: «المشاعر: الركن، والصفا، والمروة، والمشعر الحرام، والهدي» (٢). (و) الدافع إلى منى إن كان راكبا (يحرك دابته) على جهة الاستحباب (ببطن محسر) بكسر السين المهملة وهو واد بين مزدلفة ومنى، والطريق في وسطه، وبين كل موقف وموقف من مشاعر الحج برزخ، فبين عرفات ومزدلفة وادي عرنة، وبين منى ومزدلفة وادي محسر، وإن كان ماشيا أسرع الرجل ولا تسرع المرأة وهذا الإسراع تعبدي (٣). رمي جمرة العقبة وما يليها من أعمال الحج: أعمال الحج يوم النحر: سمي اليوم العاشر من ذي الحجة بيوم الحج الأكبر لاشتماله على عدة مناسك وهي: صلاة الصبح بمزدلفة. الوقوف بالمشعر الحرام. الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس. الإسراع في بطن وادي محسرا للماشي في مشيته، وللراكب بدابته المجيء إلى منى.

стр. 774

رمي جمرة العقبة الكبرى. النحر للهدي لمن ساقه أو كان عليه من متمتع وقارن. الحلق أو التقصير للرجل، والتقصير للمرأة. طواف الإفاضة، وتعجيله يوم النحر أفضل. السعي لمن لم يسع أولا. أن يعود إلى منى. أن يبيت بها (١). قال المصنف رحمه الله تعالى: (فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة)؛ يعني: بدأ برميها أول ما يأتي منى وهو على حالته التي هو عليها من ركوب أو غيره. وهي آخر منى من ناحية مكة سميت جمرة باسم ما يرمى فيها، وهي الحجارة. وللرمي وقت أداء وهو من طلوع الفجر إلى غروب شمس يوم النحر ووقت قضاء، وهو كل يوم من أيام الرمي بل الليل عقب كل يوم قضاء لذلك اليوم. ولا خلاف في وجوب الدم مع الفوات، والفوات يكون بغروب الشمس من اليوم الرابع من أيام منى، واختلف في وجوبه وسقوطه مع القضاء. ولا يبطل الحج بفوات شيء من الجمار، وللرمي شروط صحة فمن شروط الصحة: ١ - أن يجعل الحصاة بين إبهامه وسبابته. وقيل: يمسكها بإبهامه والوسطى. ومنها ما أشار إليه الشيخ، ٢ - (بسبع حصيات) واحدة بعد واحدة فلا يجزئ أقل من ذلك. ولو رمى السبع في مرة واحدة احتسب منها بواحدة، ٣ منها أن يكون المرمي به حجرا ونحوه، فلا يجزئ الطين ولا المعادن كالحديد.

стр. 775

٤ - وأن يكون الرمي في أسفل البناء القائم. ٥ - وأن يكون رميا لا وضعا فلا يجزئه عند ابن القاسم. واختلف في مقدار المرمي به فالذي عليه أكثر الشيوخ ما أشار إليه بقوله: (مثل حصى الخذف) كما في «صحيح مسلم» (١)، وعن عبد الرحمن بن معاذ أن رسول الله ﷺ كان يأمر الناس بالمناسك فقال: «ارموا الجمار بمثل حصى الخذف» (٢)، والخذف بخاء وذال ساكنة معجمتين وفاء، ومقدار حصى الخذف، قيل: قدر النواة، وقيل: قدر الفولة، فلا يجزئ الصغير جدا كالحمصة. والأصل في الخذف النهي؛ أي: أنه منهي أن ترمي الآخرين بالحجارة الصغيرة، لأنه من فعل الجاهلية كانوا يترامون بها فنهى عنها النبي ﷺ والمثلية هنا في القدر لا في الصفة (٣). (ويكبر مع كل حصاة)؛ أي: على جهة الاستحباب فإن لم يكبر أجزأه الرمي، وأن يتابع الرمي وأن يلتقط الحصيات. ويكره له أن يأخذ حجرا ويكسره ويأخذ الحصيات، بل المندوب أن يلتقطها من الأرض وأن تكون طاهرة فيكره الرمي بالنجس، وأن تكون من غير ما رمى به أولا، لأنه أدي به عبادة فلا يكرر (٤)، وقيل يجزئ، وأن يكون رميها من بطن الوادي، وبرمي جمرة العقبة يحل من كل شيء ما عدا النساء والصيد، ويسمى التحلل الأصغر (٥).

стр. 776

وبطواف الإفاضة يحل له كل شيء حتى النساء والصيد في غير الحرم، ويسمى التحلل الأكبر. وهل تجوز الإنابة في الرمي؟: قال خليل: «من عجز عن الرمي بيديه ولم يجد من يحمله استناب وعليه الدم إن ظن أن لا يقدر أن يرمي قبل فراغ أيام الرمي، وفي الرمي عنه إذا ظن من حاله أنه يقدر على الرمي ولو في آخر وقته، خلاف» (١). ومن خصائص الجمرة الكبرى: أن رميها بعد طلوع الشمس قبل الزوال، وانفرادها بالرمي يوم النحر، وعدم الوقوف عندها للدعاء، ورميها من أسفلها (٢). (ثم) بعد فراغه من رمي جمرة العقبة (ينحر) ما ينحر، ويذبح ما يذبح (إن كان معه هدي) وقف به في عرفة، ومنى كلها محل للنحر، لقول النبي ﷺ : «نحرت هاهنا ومنى كلها منحر» (٣)، إلا ما وراء جمرة العقبة. ولا ينتظر الإمام في ذلك إذ ليس هناك صلاة عيد (ثم) إذا فرغ من النحر (يحلق) أو يقصر إن كان رجلا لم يلبد رأسه ولم يعقصه. أما إن لبد أو عقص فالحلاق ليس إلا؛ أي: يجب فيهما الحلاق. ولا بد من حلق الرأس كله فبعضه كالعدم وذلك لقول الله تعالى: ﴿محلقين رءوسكم﴾ [الفتح: ٢٧]، وهذا عام في جميعه ولأن النبي ﷺ حلق جميع رأسه تفسيرا لمطلق الأمر به فيجب الرجوع إليه، ولنهيه ﷺ عن القزع وهو حلق بعض وترك بعض آخر (٤)، ومن برأسه وجع لا يقدر على الحلاق أهدى. وأما المرأة فالسنة في حقها التقصير ليس إلا كما تقدم في حديث جابر ﵁، ومن كان أصلعا فليمر بالموسى على رأسه تعبدا، والله أعلم.

стр. 777

• فضائل الوقوف بعرفة وما تبعه من شعائر: ومن فضائل الوقوف بعرفة وما تبعه من شعائر؛ ما روى ابن عمر- ﵄ قال: «كنت قاعدا مع النبي ﷺ في مسجد منى فأتاه رجل من الأنصار ورجل من ثقيف فسلما، ثم قالا: يا رسول الله، جئنا نسألك فقال: إن شئتما أخبرتكما بما جئتما تسألاني عنه فعلت، وإن شئتما أن أمسك وتسألاني فعلت. فقالا: أخبرنا يا رسول الله فقال الثقفي للأنصاري: سل، فقال: أخبرني يا رسول الله قال: جئتني تسألني، عن مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام، وما لك فيه، وعن ركعتيك بعد الطواف، وما لك فيهما، وعن طوافك بين الصفا والمروة، وما لك فيه ووقوفك عشية عرفة، وما لك فيه، وعن رميك الجمار، وما لك فيه، وعن نحرك، وما لك فيه، وعن حلقك رأسك، وما لك فيه، وعن طوافك بالبيت بعد ذلك، وما لك فيه مع الإفاضة. فقال: والذي بعثك بالحق، عن هذا جئت أسألك. قال: فإنك إذا خرجت من بيتك تؤم البيت الحرام لا تضع ناقتك خفا، ولا ترفعه إلا كتب الله لك به حسنة ومحا عنك خطيئة وأما ركعتاك بعد الطواف كعتق رقبة من بني إسماعيل وأما طوافك بالصفا والمروة بعد ذلك كعتق سبعين رقبة وأما وقوفك عشية عرفة فإن الله ﵎ يهبط إلى سماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة يقول: عبادي جاءوني شعثا من كل فج عميق يرجون رحمتي فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل، أو كقطر المطر، أو كزبد البحر لغفرها، أو لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفورا لكم ولمن شفعتم له وأما رميك الجمار فلك بكل حصاة رميتها كبيرة من الموبقات وأما نحرك فمذخور لك عند ربك وأما حلاقك رأسك فلك بكل شعرة حلقتها حسنة ويمحى عنك بها خطيئة وأما طوافك بالبيت بعد ذلك فإنك تطوف، ولا ذنب لك يأتي ملك حتى يضع يديه بين كتفيك فيقول: اعمل فيما تستقبل فقد غفر لك ما مضى» (١)؛ ورواه الطبراني في

стр. 778

«الأوسط» من حديث عبادة بن الصامت وقال فيه: «إن لك من الأجر إذا أممت البيت العتيق ألا ترفع قدما أو تضعها أنت ودابتك إلا كتبت لك حسنة، ورفعت لك درجة، وأما وقوفك بعرفة فإن الله ﷻ يقول لملائكته يا ملائكتي ما جاء بعبادي، قالوا: جاؤوا يلتمسون رضوانك والجنة فيقول الله ﷻ فإني أشهد نفسي وخلقي أني قد غفرت لهم عدد أيام الدهر وعدد القطر وعدد رمل عالج وأما رميك الحمار فإن الله ﷻ يقول: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٧]» (١). الركن الرابع: طواف الإفاضة: (ثم) بعد الحلاق (يأتي البيت) الحرام (فيفيض)؛ أي: يطوف طواف الإفاضة ويسمى طواف الزيارة، وطواف الركن والإفاضة، وهو آخر أركان الحج الأربعة التي لا تنجبر بالدم ويحل به جميع ما كان ممنوعا منه حتى النساء والصيد. وأخذ من كلام الشيخ أن المبادرة به يوم النحر أفضل لفعل النبي ﷺ إياه في يوم الحج الأكبر، كما في حديث جابر ﵁، وهو كذلك. ولو أخره عن أيام التشريق لا يلزمه دم، وإنما يلزمه الدم إذا تركه حتى خرج ذو الحجة على المشهور ومقابله إذا أخره الحادي عشره لزمه الدم (٢). وقوله: (ويطوف سبعا ويركع) تفسير لقوله: فيفيض ولا يرمل في هذا الطواف، لأن الرمل كما تقدم خاص بطواف القدوم أو العمرة كيفما كانت، ولا يسعى لأنه سعى بعد طواف القدوم وهذا في حق غير المراهق. وأما

стр. 779

المراهق الذي ضاق عليه الزمن فلم يتيسر له طواف القدوم فيرمل في طواف الإفاضة ندبا، عند بعض الفقهاء. (ثم) لا تفيد التراخي؛ أي: بعد الفراغ من طواف الإفاضة وركعتيه يرجع إلى منى فيصلي بها الظهر، وقد ورد ما ظاهره التعارض في بعض الأحاديث الصحيحة أنه أفاض ثم صلى الظهر كما في «مسلم»، وفي «البخاري» عن عائشة وابن عباس لله: «أن النبي ﷺ أخر - يعني - طواف الزيارة إلى الليل»، وقد جمع النووي رحمه الله تعالى فقال: «ووجه الجمع بينهما أنه طاف للإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك، فيكون متنفلا بالظهر الثانية التي بمنى، وهذا كما ثبت في «الصحيحين» في صلاته ببطن نخل أحد أنواع صلاة الخوف فإنه ﷺ صلى بطائفة من أصحابه الصلاة بكمالها وسلم بهم، ثم صلى بالطائفة الأخرى تلك الصلاة مرة أخرى، فكانت له صلاتان، ولهم صلاة». وأما الحديث الوارد عن عائشة وغيرها أن النبي ﷺ أخر الزيارة يوم النحر إلى الليل فمحمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه لا لطواف الإفاضة، ولا بد من هذا التأويل للجمع بين الأحاديث (١). (يقيم بمنى ثلاثة أيام) بلياليها إن كان غير متعجل فلو ترك جل لياليها لزمه دم والإقامة هنا لغوية فيقصر الصلاة، لا شرعية إذ لو كانت شرعية لأتم. ولا يجوز المبيت دون جمرة العقبة من جهة مكة، لأنه ليس من منى واستثنوا من لزوم البيات بمنى من ولي السقاية؛ لأنه ﵊ أرخص للعباس البيات بمكة من أجل السقاية (٢). قال ابن حبيب وأرخص للرعاة (٣) أن ينصرفوا بعد جمرة العقبة يوم النحر ويأتون ثالثه فيرمون لليومين؛ أي: ثاني النحر وثالثه، ثم إن شاؤوا

стр. 780

تعجلوا فسقط عنهم رمي الرابع، وإن شاؤوا أقاموا اليوم الرابع فيرمونه مع الناس. وأما أهل السقاية فيرمون كل يوم، وإنما يرخص لهم في ترك البيات بمنى لا في ترك الرمي نهارا فيبيتون بمكة ويرمون الجمار نهارا ويعودون لمكة كما في الطراز. (فإذا زالت الشمس من كل يوم منها)؛ أي: من الأيام الثلاثة (رمى الجمرة الأولى التي تلي مسجد منى بسبع حصيات) بالشروط المتقدمة (يكبر مع كل حصاة ثم يرمي بعدها الجمرتين) فيبدأ بالوسطى ثم يختم بالثالثة وهي جمرة العقبة (كل جمرة بمثل ذلك؛ أي: بسبع حصيات مثل حصى الخذف ويكبر مع كل حصاة ويقف للدعاء بأثر الرمي في الجمرة الأولى) التي تلي مسجد منى بقدر المسرع في قراءة سورة البقرة، وهو زمن لا يقل عن نصف ساعة تقريبا فتأمل أحوالنا (و) في الجمرة (الثانية) وهي الوسطى، قال الأقفهسي: قوله: فإذا زالت يريد قبل الصلاة، فإن رمى قبل الزوال لم يجزه ويعيد بعد الزوال. كما إذا رمى جمرة العقبة قبل الفجر (ولا يقف) للدعاء عند جمرة العقبة، ولينصرف أمامه أي: سريعا عقب رميها من غير دعاء فعن سالم عن ابن عمر ا: «أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم حتى يسهل (١)، فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلا، ويدعو، ويرفع يديه ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال، فيستهل ويقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلا ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلا، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ثم ينصرف فيقول هكذا رأيت النبي ﷺ يفعله» (٢). (فإذا رمى في اليوم الثالث وهو رابع يوم النحر انصرف) من منى (إلى مكة) شرفها الله تعالى.

стр. 781

قال ابن عمر: ولا يقيم بمنى بعد رميه في اليوم الثالث. والمستحب أن ينزل بالمحصب فيصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، والمحصب هو البطحاء التي تقع فيه إمارة مكة حاليا، عند مسجد الإجابة، ويدخل مكة ليلا لفعله ذلك ﵊، وكذا الصحابة بعده رضوان الله عليهم أجمعين. وإن صلى الظهر قبله فلا شيء عليه، كما أنه لو ترك النزول به لا دم عليه، وقيل يفعله من يقتدى به ولم تر عائشة ﵂ نزوله استنانا وإنما نزله ﵊ لأنه كان أسمح له في الخروج كما في «الصحيحين» (١). وفي قوله: (وقد تم حجه) شيء وهو أن يقال ماذا أراد بالتمام فإن أراد بسننه وفرائضه وفضائله فقد بقي عليه طواف الوداع، وإن أراد الفرائض فقد تمت قبل هذا، فالجواب أنه أراد تم بفرائضه وسننه ولم يعتبر طواف الوداع، لأنه لا يختص بالحاج بل يفعله كل من خرج من مكة حاجا أو غيره. وقوله: (وإن شاء تعجل في يومين من أيام منى فرمى وانصرف) قسيم قوله: يقيم بمنى ثلاثة أيام هذا ما لم تغرب الشمس من اليوم الثاني، فإذا غربت فلا تعجيل لأن الليلة إنما أمر بالمقام فيها من أجل رمي النهار، فإذا غربت الشمس فكأنه التزم رمي اليوم الثالث. طواف الوداع: (فإذا خرج من مكة)؛ أي: أراد الخروج منها (طاف للوداع) بكسر الواو وفتحها، ويسمى طواف الصدر لأن الناس يصدرون بعده إلى آفاقهم، وحكم هذا الطواف الاستحباب فلا دم في تركه (٢) لحديث ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال رسول الله ﷺ : «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» (٣)، وعنه ﵁ قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض»، إلا أن مالكا ﵀

стр. 782

تعالى رأى أنه لو كان واجبا لوجب على الحائض البدل فلما لم يكن، دل على عدم وجوبه، وأن الأمر للاستحباب، والنهي للكراهة والله أعلم، (و) إذا فرغ منه (ركع) قال ابن فرحون: لطواف الوداع ركعتان إن تركهما حتى تباعد أو بلغ بلده ركعهما ولا شيء عليه، وإن قرب وهو على طهارته رجع لهما، وإن انتقض وضوءه تطهر وابتدأ الطواف وركعهما (وانصرف) إلى حيث أراد، وليس على المكي والمستوطن بها طواف الوداع. هل يجوز لمن طاف طواف الوداع أن يتسوق وينام أم لا بد من المغادرة؟. سمي طواف الوداع، لأنه يغادر بعده البيت الحرام، وقال بعض أهل العلم لا بأس بالشيء الخفيف الذي لا ينتفي معه معنى الوداع، ولا شك أنه إذا كان جائعا جاز له شراء الأكل ونحوه بلا مكث طويل، والله أعلم (١). أحكام العمرة: قال المصنف رحمه الله تعالى: (والعمرة يفعل فيها كما ذكرنا أولا إلى تمام السعي بين الصفا والمروة، ثم يحلق رأسه وقد تمت عمرته. والحلاق أفضل في الحج والعمرة والتقصير يجزئ والتقصير من جميع شعره. وسنة المرأة التقصير ولا يجوز لها الحلاق وتأخذ المرأة من أطراف شعرها قدر الأنملة من جميعه طويله وقصيره والرجل من قرب أصله).

стр. 783

الشرح قوله: (والعمرة يفعل فيها كما ذكرنا أولا إلى تمام السعي بين الصفا والمروة) أخذ منه أن أركانها ثلاثة: ١ - الإحرام ٢ - والطواف ٣ - والسعي. ولها ميقاتان: زماني ومكاني، فالزماني الوقت كله، والمكاني هو الحل سواء كان أفقيا أو مقيما بمكة وقد تقدم الكلام على المواقيت، وظاهر قوله: (ثم يحلق رأسه أو يقصره) وقد تمت عمرته أن العمرة لا تتم حتى يحلق رأسه، وليس كذلك لأن مالكا قال: تتم عمرته بالطواف والسعي. وأما الحلاق فمن شروط الكمال؛ أي: ليس شرط صحة، فلا ينافي أنه واجب ويمكن الجواب بأن المراد بتمام العمرة كمالها فلا ينافي تمامها بالفراغ من طوافها وسعيها. وقوله: (والحلاق أفضل في الحج والعمرة) من التقصير ليس على إطلاقه فإن التقصير في عمرة التمتع أفضل لاستبقاء الشعث للحج، قاله زروق (١) ولا يتم نسك الحلاق إلا بجميع الرأس لفعله ﷺ كما تقدم [حلق رسول الله ﷺ وحلق طائفة من أصحابه، وقصر بعضهم]، قال عبد الله: إن رسول الله ﷺ قال: «رحم الله المحلقين» مرة أو مرتين، ثم قال: «والمقصرين» (٢)، وكما قال أهل العلم الأفضل الحلاق للأفضل وهو الحج والتقصير للعمرة كما ذكر إذا كان متمتعا وقرب الحج. (والتقصير يجزئ) عن الحلاق (و) المقصر إن كان رجلا ف (ليقصر من جميع شعره) قال ابن الحاجب: وسنته؛ أي: التقصير من الرجل أن يجز

стр. 784

من قرب أصوله (١)؛ أي: الصفة الكاملة؛ أي: المندوبة أن يجز إلخ، وأقله أن يأخذ من جميع الشعر؛ أي: الذي لا يجزئ بدونه أن يأخذ من جميع الشعر ولو قدر الأنملة، فإن اقتصر على بعضه فكالعدم. (وسنة المرأة التقصير)؛ أي: الطريقة المتعينة في حقها التقصير، ويكره لها الحلاق، وقيل: هو حرام؛ لأنه مثلة وعليه اقتصر في التحقيق فيفيد اعتماده، وقد قال رسول الله ﷺ : «[وقال: ليس على النساء حلق، وإنما يقصرن]» (٢). ولم يذكر المصنف حكم العمرة: كما ذكر في الحج وإن كان ذكر أنها سنة واجبة في باب جملة من الفرائض، واختلف في وجوبها. هل يجوز تكرار العمرة في سفرة واحدة؟ بمعنى: يعتمر عمرته الواجبة أو النافلة ثم يذهب إلى التنعيم أو أي جهة من الحل ثم يحرم ويعتمر في نفس السفرة؟ قال مالك رحمه الله تعالى: «يكره تكرارها في العام الواحد، واستدل على ذلك بأنه ﵊ لم يكررها في عام واحد مع قدرته على ذلك، فقد روي أنه اعتمر أربعا، كل واحدة في سنة» (٣). وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بجواز تكرارها واستدلوا بما روت عائشة وغيرها أن النبي ﷺ اعتمر عمرتين في ذي القعدة وفي شوال وسنده صحيح (٤). ما يجوز للمحرم قتله: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا بأس أن يقتل المحرم الفارة والحية والعقرب وشبهها والكلب

стр. 785

العقور وما يعدو من الذتاب والسباع، ونحوها ويقتل من الطير ما يتقى أذاه من الغربان والأحدية فقط). الشرح قال المصنف: ولا بأس؛ أي: يجوز جوازا مستوي الطرفين (أن يقتل المحرم الفأرة بالهمز وبدون همز والتاء فيه للوحدة لا للتأنيث، (و) يجوز أيضا أن يقتل (الحية والعقرب وشبهها)؛ أي: شبه الفأرة والحية والعقرب، فشبه الفأرة ما يقرض الثياب كابن عرس، وشبه الحية الأفعى والثعبان، وشبه العقرب الزنبور (و) يجوز قتل الكلب العقور وما يعدو من الذئاب والسباع ونحوها)، وينظر لم خالف في الأسلوب، حيث قال أولا: ولا بأس إلخ، ثم قال هنا: (ويقتل من الطير ما يتقى أذاه من الغربان والأحدية) فهنا أشياء ثبت جواز قتلها إجماعا ونصا كما في حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «خمس من الدواب، كلهن فاسق، يقتلهن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» (١)، وفي رواية: «يقتلن في الحل والحرم»، ولحديث ابن مسعود ﵁ أنهم كانوا مع النبي ﷺ بمنى إذ وثبت حية فقال رسول الله ﷺ : «اقتلوها»، قال: فابتدرناها فذهبت، فقال النبي ﷺ : «وقيتم شركم كما وقيتم شرها» (٢)، والباقي كالأسد والنمر والفهد والذئب فهو عقور واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ [المائدة: ٤] فاشتقها من اسم الكلب، وبقوله ﷺ على عتبة بن أبي لهب: «اللهم سلط عليه كلبا من كلابك» (٣). وقوله: والأحدية قال ابن العربي: صوابه الحدأ بالهمز والقصر، وظاهر كلامه أن هذين النوعين يقتلان وإن لم يبتدئا بالأذية كبيرا كان أو صغيرا، وهو كذلك ومفهوم قوله: (فقط) إن ما آذى من الطير غيرهما وما آذى من غير

стр. 786

الطير لا يقتل وهو أحد قولين حكاهما ابن الحاجب، الراجح منهما قتل ما ذكر حيث ابتدأ بالأذية. محظورات الإحرام: قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويجتنب في حجه وعمرته النساء، والطيب، ومخيط الثياب، والصيد، وقتل الدواب، وإلقاء التفث، ولا يغطي رأسه في الإحرام ولا يحلقه إلا من ضرورة ثم يفتدي بصيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين مدين لكل مسكين بمد النبي ﷺ أو ينسك بشاة يذبحها حيث شاء من البلاد، وتلبس المرأة الخفين والثياب في إحرامها وتجتنب ما سوى ذلك مما يجتنبه الرجل وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، وإحرام الرجل في وجهه ورأسه، ولا يلبس الرجل الخفين في الإحرام إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما أسفل من الكعبين). الشرح و (يجتنب) المحرم (في حجه وعمرته) وجوبا، المحظور الأول: (النساء) ؛ أي: الاستمتاع بهن بالوطء وغيره. أما الوطء فموجب للإفساد مطلقا بإجماع، قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن من جامع عامدا قبل وقوفه بعرفة عليه حج قابل والهدي» (١) وسواء كان في قبل أو دبر، آدميا كان الموطوء أو غيره، وقع عمدا أو نسيانا أو جهلا، أنزل أو لا، مباح الأصل أو لا، كان موجبا للحد والمهر أو لا، وقع من بالغ أو لا، وظاهر كلامهم كما في «الأجهوري»: ولو لم يوجب الغسل كأن لف على الذكر خرقة كثيفة، أو أدخله في هواء الفرج أو في غير مطيقة، ويجب عليه إتمام ما أفسده لبقائه على إحرامه.

стр. 787

فعن يزيد بن نعيم الأسلمي أن رجلا من جذام جامع امرأته وهما محرمان، فسألا النبي ﷺ فقال: «اقضيا نسكا، وأهديا هديا» (١). وهناك آثار موقوفة منها ما روي عن ابن عباس في رجل وقع على امرأته وهو محرم، قال: «اقضيا نسككما وارجعا إلى بلدكما، فإن كان عام قابل، فاخرجا حاجين، فإن أحرمتما فتفرقا، ولا تلتقيا حتى تقضيا نسككما، وأهديا هديا» (٢)، وما روى مالك أن عمر وعليا وأبا هريرة رضي عنه سئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج؟، فقالوا (ينفذان يمضيان لوجههما حتى يقضيا حجهما، ثم عليهما حج قابل والهدي)، قال: قال علي رضي عنه: «وإذا أهلا بالحج من عام قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما» (٣)، وعن ابن عباس رضي عنه أنه سئل عن رجل وقع بأهله وهو بمنى قبل أن يفيض؟ (فأمره أن ينحر بدنة)، ولمالك عن عكرمة مولى ابن عباس ﵁ أنه قال: «الذي يصيب أهله قبل أن يفيض: يعتمر ويهدي. قال مالك: وذلك أحب ما سمعت إلي في ذلك» (٤). فإن لم يتمه ظنا منه أنه خرج منه بإفساده وتمادى إلى السنة الثانية وأحرم بحجة القضاء فإنه لا يجزئه ذلك عن الفائت، وإحرامه الثاني لغو لم يصادف محلا وهو على إحرامه الفاسد. ولا يكون ما أحرم به قضاء عنه، ومحل كونه يجب عليه إتمامه إذا أدرك الوقوف في العام الواقع فيه الفساد فإن لم يدركه فإنه يؤمر أن يتحلل منه بفعل عمرة وجوبا. ولا يجوز له البقاء على إحرامه اتفاقا لأن فيه التمادي على الفاسد مع تمكنه من الخلوص منه. فتلخص عندنا أن من جامع قبل التحلل أن عليه: أن الجماع يفسد الحج ويستوي في ذلك الرجل والمرأة.

стр. 788

أنه يجب عليه المضي في فاسده. أن عليه بدنة. أنه يجب عليهما قضاؤه وذلك بالإجماع. أن عليهما أن يتفرقا في القضاء حتى يتما حجهما وجوبا. وأما مقدمات الوطء كالقبلة والمباشرة فحرام، فإن قبل أو باشر وحصل إنزال أفسد وإلا فليهد بدنة؛ وأما النظر والفكر فلا يحصل فساد بخروج المني بسببهما إلا إذا كان كل منهما للذة وإدامة. وأما خروجه بمجرد النظر والفكر فإنما فيه الهدي فقط. هذه أحكام خروج المني، وأما خروج المذي فموجب للهدي مطلقا خرج بعد مداومة النظر أو الفكر أو القبلة أو المباشرة أم لا. المحظور الثاني: الطيب: (و) يجتنب المحرم في حجه وعمرته (الطيب) مذكرا كان كالورد والياسمين ولا فدية فيه، أو مؤنثا وهو ما له جرم يعلق بالبدن والثوب كالمسك والزعفران، وفيه الفدية ولو أزاله سريعا، ومن أدلة تحريم الطيب على المحرم حديث ابن عباس لا في الذي وقصته راحلته قال: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» (١)، وفي رواية (٢): «ولا يمس طيبا» وفي رواية: «ولا تقربوه طيبا»، ولحديث يعلى بن أمية له أن النبي لله جاءه رجل متضمخ بطيب فقال يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بطيب فقال: «أما الطيب الذي بك، فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك، ما تصنع في حجك» (٣)، ولم يأمره بفدية.

стр. 789

• المحظور الثالث: لبس الثياب للرجل والنقاب والقفازين للمرأة: (و) يجتنب المحرم أيضا في حجه وعمرته (مخيط الثياب) لا خلاف في تحريمه على الرجال دون النساء، والمراد به كل ما أحاط بالبدن أو ببعضه مخيطا كان أو غيره، فيحرم عليه أن يلبس ما لبد أو نسج على شكل المخيط، ويحرم عليه أيضا أن يلبس العمائم والسراويل والبرانس، أما لو أحرم في إزار مخيط أصله ولم يلبسه على عضو فلا بأس في ذلك إذ المنهي عنه ما كان على هيئة العضو ولبس؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵁ قال: سأل رجل رسول الله ﷺ ؟ ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله ﷺ : «لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين، فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران أو ورس» (١)، وزاد البيهقي: «ولا يلبس القباء» (٢) وقال هذه زيادة صحيحة محفوظة، وعن ابن عباس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يخطب يقول: «السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفاف لمن لم يجد النعلين» (٣) وأخرج البخاري نحوه عن ابن عباس (٤)، ومسلم مثله عن جابر ﵁ وأما النساء فلهن أن يلبسن ما شئن من أنواع الثياب، إلا أنه لا يجوز لهن أن ينتقبن ولا أن يلبسن القفازين، لأن إحرام المرأة في وجهها وكفيها، فعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: «قام رجل فقال يا رسول الله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب؟ .. الحديث وفيه: «ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين» (٥)؛ فإذا خشيت المرأة

стр. 790

من أن يراها الرجال جاز لها أن تسدل خمارها، فعن عائشة ﵂ قالت: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه» (١). وعن فاطمة بنت المنذر أنها قالت: «كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق» (٢)؛ ويجوز للمحرم لبس الساعة والهميان (وهو الحزام الذي يشد في الوسط) من أجل أوراقه ونفقته، لما روي عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن الهميان للمحرم فقالت: «وما بأس ليستوثق من نفقته» (٣). وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: «رخص للمحرم في الخاتم والهميان وروى نافع: أنه وجد القر، فقال: ألق علي ثوبا يا نافع، فألقيت عليه برنسا فقال: تلقي علي هذا وقد نهى رسول الله ﷺ أن يلبسه المحرم» (٤). المحظور الرابع: الصيد: (و) كذلك يجتنب المحرم في حجه وعمرته (الصيد)؛ أي: ما شأنه أن يصاد في البر فيحرم صيده والتسبب في اصطياده، سواء كان مأكول اللحم كالغزال وحمار الوحش أو لا كالقرد من غير فرق بين أن يكون متأنسا أو وحشيا، مملوكا أو مباحا. قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن المحرم ممنوع من الجماع، وقتل الصيد، إلخ … ». ولقول الله : ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ٩٥]؛ وقوله ﵎: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ [المائدة: ٩٦]؛ فدلت الآية على حل صيد

стр. 791

البحر وحرمة صيد البر للمحرم، ولحديث أبي قتادة: «كنت يوما جالسا مع رجال من أصحاب النبي ﷺ في منزل، في طريق مكة، ورسول الله ﷺ نازل أمامنا والقوم محرمون، وأنا غير محرم، فأبصروا حمارا وحشيا، وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به، وأحبوا لو أني أبصرته، والتفت، فأبصرته فقمت إلى الفرس، فأسرجته، ثم ركبت، ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح، فقالوا: لا والله، لا نعينك عليه بشيء، فغضبت، فنزلت، فأخذتهما، ثم ركبت فشددت على الحمار فعقرته، ثم جئت به وقد مات، فوقعوا فيه يأكلونه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم، فرحنا وخبأت العضد معي، فأدركنا رسول الله ﷺ ، فسألناه عن ذلك، فقال: «معكم منه شيء؟»، فقلت: نعم، فناولته العضد، فأكلها حتى نفدها وهو محرم» (١)، ولمسلم: «هل أشار إليه إنسان أو إمرأة بشيء؟، قالوا: لا؛ قال: فكلوه» (٢)، ولا يستثنى من التحريم إلا ما يتناوله الحديث وهو الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور. وقد تقدم. (و) كذلك يجتنب فيهما (قتل الدواب) التي لا يظهر فيها ضر ولا نفع كالخنافس، والدود، والذباب والبعوض، والبراغيث، فيكره قتلها، ولا يقتل القمل ولا يلقيه عن جسده، إلا إذا لحقته منه مشقة كما وقع لكعب بن عجرة عنه: أنه كان مع رسول الله ﷺ ، محرما. فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق رأسه. وقال له: «صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين. مدين، مدين، لكل إنسان. أو انسك بشاة. أي ذلك فعلت أجزأ عنك» (٣) ونهى النبي ﷺ عن قتل النمل، والنحل، والهدهد، والصرد لحديث ابن عباس: أن النبي ﷺ نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة،

стр. 792

والهدهد، والصرد (١). فيتلخص عندنا أن الصيد أقسام: قسم هو صيد بالإجماع، فيحرم على المحرم صيده، وهو: كل حيوان وحشي بأصل الخلقة، أو طائر، ويكونان مما يؤكل لحمهما، مستأنس، أو غير مستأنس: كالغزال، والظبي، وحمار الوحش، وبقر الوحش، والنعامة، والحمام، وغيرها. قسم يجوز صيده بالإجماع: وهو صيد البحر. قسم ليس بصيد إجماعا ويجوز قتله كالغراب، وما مر معك في الحديث. قسم مختلف فيه وهي السباع مثل الأسد والنمر والفهد والذئب فعند مالك: إذا كان لا يعدو من السباع كالهر والثعلب والدب فلا يقتله المحرم، وإن قتله فداه، وكذلك صغار الذئاب، والقرد والخنزير، وفراخ الغربان لا يقتلها، فإن قتلها فداها، وإن آذته فلا شيء عليه بقتلها، ولا بأس بقتل كل ما عدا على الناس في الغالب كالأسد، والذئب، والنمر، والفهد. (و) كذلك يجتنب (إلقاء التفث) كقص الشارب تمثيل لإلقاء التفث، فالتفث اسم لما تأنف منه النفس وتكرهه، قال ابن المنذر (٢): «وأجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره، وعليه الفدية بأخذها في قول أكثرهم، وكذلك أخذ الشعر .. ». والصحيح من مذهب مالك رحمه الله تعالى، أن من قلم ظفرين فصاعدا لزمته الفدية مطلقا، وإن قلم ظفرا واحدا لإماطة أذى عنه لزمته الفدية أيضا، وإن قلمه لا لإماطة لزمه إطعام حفنة بيد واحدة. وقد جاء عن بعض السلف في تفسير قوله الله تعالى: ﴿ثم ليقضوا تفتهم﴾ [الحج: ٢٩]، على منع المحرم من أخذ أظفاره، كمنعه من حلق

стр. 793

شعره حتى يبلغ الهدي محله، كما روى ذلك ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس، ورواه ابن أبي شيبة عن محمد بن كعب (١). المحظور الخامس: تغطية الرأس للرجل: (ولا يغطي رأسه في الإحرام)؛ أي: يحرم على المحرم أن يغطي رأسه، وكذا وجهه بأي ساتر كان كطين، وأولى العمامة ونحوها كالطربوش، والقلنسوة، والعصابة لقوله: «ولا يلبس العمائم … » ولحديث ابن عباس في الذي وقصته راحلته فقال رسول الله ﷺ : «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة يلبي» (٢)؛ ولقوله: «إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها» (٣). أما لو حمل متاعا له على رأسه فلا شيء عليه لأنه لا يقصد به التغطية غالبا والله أعلم. المحظور السادس: حلق الشعر أو قصه ونحو ذلك: (ولا يحلقه إلا من ضرورة) لإجماع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ شعره إلا من عذر والأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦]. ولما روى كعب بن عجرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: أنه كان مع رسول الله ﷺ ، محرما. فإذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق رأسه. وقال له: «صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين. مدين، مدين، لكل إنسان. أو انسك بشاة. أي ذلك فعلت أجزأ عنك» (٤)، وهذا يدل

стр. 794

على أنه حلق وكان محرما، وشعر الرأس والجسد في ذلك سواء. وقد أشار المصنف رحمه الله تعالى إلى ذلك بقوله: (ثم يفتدي بصيام ثلاثة أيام) ولو أيام منى (أو إطعام ستة مساكين مدين لكل مسكين بمد النبي ﷺ أو ينسك بشاة)؛ أي: يتعبد على التخيير، والآية والحديث نصا على الحلق، وألحق به العلماء في وجوب الفدية الأظافر، واللبس، والطيب، لأنه يحرم بالإحرام لأجل الترفه والزينة، وأشبه الحلق الرأس وسواء كان له عذر أو ليس له عذر؛ متعمدا كان أو مخطئا؛ وقوله: بشاة؛ أي: أو غيرها واقتصر على الشاة لأن الفدية كالضحية الأفضل فيها طيب اللحم، ولا بد من ذبحها ولا يكفي إخراجها غير مذبوحة كما أفاده بعضهم، وقوله: (يذبحها حيث شاء من البلاد) مقيدا بما إذا لم يقلدها أو يشعرها، فإن قلدها أو أشعرها لم يذبحها إلا بمنى. • إحرام المرأة: بين المصنف ما تخالف فيه المرأة الرجل فقال: (وتلبس المرأة الخفين) مطلقا وجدت نعلين أم لا (و) تلبس (الثياب) المخيطة في إحرامها (وتجتنب ما سوى ذلك)؛ أي: ما سوى لبس الخفين والثياب (مما يجتنبه الرجل) في إحرامه من الوطء، ومقدماته، والصيد، وقتل الدواب، وإلقاء التفث، والطيب، وقص الشعر ونتفه وغير ذلك؛ وأما تغطية الرأس فلا تجتنبه وإليه أشار بقوله: (وإحرام المرأة في وجهها وكفيها)؛ بمعنى: أنها تبديهما فيحرم عليها سترهما بكل شيء ولو طينا. وليس لها لبس النقاب ولا البرقع ولا اللثام فإن فعلت شيئا من ذلك افتدت. لما مر من الأحاديث الدالة على ذلك. (وإحرام الرجل في وجهه ورأسه)؛ بمعنى: أنه يبديهما في حال الإحرام ليلا ونهارا فإن غطى شيئا من ذلك وانتفع حرم عليه وافتدى، ناسيا كان أو عالما أو جاهلا. وإن نزعه مكانه فلا شيء عليه ويجوز توسده وستره بيده من شمس أو ريح فاليد لا تعد ساترا إلا إذا ألصقها برأسه وطال فعليه الفدية كما

стр. 795

في العتبية. ويجوز له أن يحمل على رأسه ما لا بد منه من خرجه وعاء عربي معروف - وجرابه وغير ذلك كحزمة حطب يحملها ليبيعها فإن حمل لغيره أو للتجارة فالفدية. ويجوز استظلاله بالبناء والأخبية. وللمالكية قولان في الاستظلال بعصا بها ثوب، أحدهما بعدم الجواز وعليه الفدية، والآخر بالجواز ولا فدية؛ قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (١) رحمه الله تعالى: وهو الحق؛ أي: الأخير. اه. ولعل دليله حديث أم الحصين لا قالت: «حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالا وأحدهما أخذ بخطام ناقة النبي ﷺ ، والآخر رافع ثوبه ليستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة» (٢). (ولا يلبس الرجل الخفين في الإحرام إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما أسفل من الكعبين) كما ورد في الحديث. • أنواع النسك وأفضلها عند المالكية: انتقل المصنف يبين الفاضل والمفضول من أوجه الإحرام بأحد المناسك الثلاثة التي أجمع علماء الأمصار على جوازها وهي: (الإفراد، والقران، والتمتع، واختلفوا في أيها أفضل، واستدل كل فريق بما رآه دليلا لمذهبه. • قال المصنف رحمه الله تعالى: والإفراد بالحج أفضل عندنا من التمتع ومن القران. فمن قرن أو تمتع من غير أهل مكة فعليه هدي يذبحه أو ينحره بمنى إن أوقفه بعرفة وإن لم يوقفه بعرفة فلينحره بمكة بالمروة بعد أن يدخل به من الحل. فإن لم يجد هديا فصيام ثلاثة أيام في الحج يعني من وقت

стр. 796

يحرم إلى يوم عرفة فإن فاته ذلك صام أيام منى وسبعة إذا رجع. وصفة التمتع أن يحرم بعمرة ثم يحل منها في أشهر الحج ثم يحج من عامه قبل الرجوع إلى أفقه أو إلى مثل أفقه في البعد ولهذا أن يحرم من مكة إن كان بها ولا يحرم منها من أراد أن يعتمر حتى يخرج إلى الحل. وصفة القران أن يحرم بحجة وعمرة معا ويبدأ بالعمرة في نيته وإذا أردف الحج على العمرة قبل أن يطوف ويركع فهو قارن. وليس على أهل مكة هدي في تمتع ولا قران. ومن حل من عمرته قبل أشهر الحج ثم حج من عامه فليس بمتمتع. ومن أصاب صيدا فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل من فقهاء المسلمين، ومحله منى إن وقف به بعرفة، وإلا فمكة، ويدخل به من الحل، وله أن يختار ذلك أو كفارة طعام مساكين أن ينظر إلى قيمة الصيد طعاما فيتصدق به أو عدل ذلك صياما أن يصوم عن كل مد يوما ولكسر المد يوما كاملا. والعمرة سنة مؤكدة مرة في العمر. ويستحب لمن انصرف من مكة من حج أو عمرة أن يقول: آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده) الشرح • قال المصنف: (والإفراد) وهو أن يحرم (بالحج) فقط؛ أي: يقول: لبيك اللهم حجا فهو ال (أفضل عندنا)؛ أي: المالكية (من التمتع ومن القرآن) وإنما كان الإفراد أفضل لما ورد في الأحاديث الصحيحة من رواية جابر، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة وغيرهم أن رسول الله ﷺ أفرد في حجة الوداع. واتصل

стр. 797

عمل الخلفاء، فقد أفرد الصديق في السنة الثانية، وعمر بعده عشر سنين، وعثمان اثنتي عشرة سنة، وبه أخذ جابر، وابن مسعود، وابن عمر، وعائشة وهو مذهب الشافعي. ومن الأحاديث الدالة على فضله ما جاء عن عائشة ﵂ قالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحجة، ومنا من أهل بحج وعمرة، وأهل رسول الله الله بالحج، فأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى يوم النحر» (١). وفي حديث جابر في صفة حجة النبي ﷺ قال: «ولبى رسول الله ﷺ تلبية حتى إذا أتينا البيت معه قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة». وعن ابن عمر (في رواية يحيى) قال أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج مفردا وفي رواية ابن عون أن رسول الله الله أهل بالحج مفردا رواه مسلم. وغيرها من الأحاديث الواردة في إفراد النبي ﷺ . قال الشوكاني (٢): بعد أن ساق أحاديث الأنساك الثلاثة (وقد اختلفت) الأنظار واضطربت الأقوال لاختلاف هذه الأحاديث، فمن أهل العلم من جمع بين الروايات كالخطابي فقال: «إن كلا أضاف إلى النبي ﷺ ما أمر به اتساعا، ثم رجح أنه أفرد الحج، وكذا قال عياض وزاد فقال: وأما إحرامه فقد تظافرت الروايات الصحيحة بأنه كان مفردا، وأما رواية من روى التمتع فمعناه أنه أمر به .. ». وما جاء من أنه قرن أو تمتع فأجاب عنه الإمام بحمله على أن المراد أمر بعض أصحابه بالقران وأمر بعضا بالتمتع، فنسب ذلك إليه على طريق المجاز، ولأن الإفراد لا يحتاج إلى أن يجبر بالهدي بخلاف القرآن والتمتع فإنهما يحتاجان إليه.

стр. 798

• وجوب الهدي على القارن والمتمتع: وإلى ذلك أشار بقوله: (فمن قرن) بفتح الراء (أو تمتع من غير أهل مكة فعليه هدي) لقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦] أما القرآن فلا يجب هديه وجوبا تاما إلا يوم النحر، بعد رمي جمرة العقبة لأن النبي ﷺ لم ينحر هديه يومئذ إلا بعد رمي جمرة العقبة الكبرى، ودم القرآن مقيس (١) على دم التمتع، لأنه في معناه في أنه وجب للترفه في ترك أحد السفرين، وقضائه النسكين في سفر واحد. ومفهوم قول المصنف أن أهل مكة لا هدي عليهم وهو كذلك؛ والمراد بهم من كان حاضرا بها أو بذي طوى وقت فعل النسكين. وسيأتي ذكر شروط المتعة في الحج. • ولوجوب الدم على القارن شرطان: ١ - أن لا يكون حاضرا بمكة أو بذي طوى. ٢ - وأن يحج من عامه، فلو فاته الحج وتحلل بعمرة فلا دم عليه، فإن ترك الأولى في حقه ولم يتحلل بعمرة وبقي على إحرامه لم يسقط عنه. ثم بين محل نحر الهدي وذبحه بقوله: (يذبحه)؛ أي: الهدي إن كان مما يذبح (أو ينحره) إن كان مما ينحر (بمنى)؛ أي: في منى نهارا بعد الفجر فلا يجزئ فعله ليلا، والأصل في هذا كله؛ أي: فيما ذكر من كونه في منى ونهارا وبعد الفجر فعله ﵊ كما في حديث جابر ﷺ . • ولصحة النحر بها شروط: أحدها: (إن أوقفه) من وجب عليه الهدي أو نائبه (بعرفة) ليلا. قال ابن هارون: أما اشتراط كون الوقوف ليلا فلا أعلم فيه خلافا، لأن كل من

стр. 799

اشترط الوقوف بعرفة ليلا كمالك جعل حكمه حكم ربه فيما يجزئه من الوقوف. ثانيها: أن يكون النحر في أيام منى، وهي يوم النحر واليومان بعده فلا يدخل اليوم الرابع. ثالثها: أن يكون النحر في حجة؛ أي: كان الهدي سيق في إحرام حج سواء وجب لنقص فيه، أو في عمرة، أو تطوعا، أو جزاء صيد، فإذا اجتمعت هذه الشروط فلا يجوز النحر بمكة ولا بغيرها؛ أي: فالنحر بمنى واجب، وإن فقد بعضها جاز. وإليه أشار بقوله: (وإن لم يوقفه بعرفة)؛ يعني: أو فاتته أيام منى ولو وقف به بعرفة (فلينحره) أو يذبحه (بمكة) أو ما يليه من البيوت وجوبا. ولا يجزئه الذبح بذي طوى ونحوها مما كان خارجا عن بيوتها ولو كان من لواحقها، وحيث تعين الهدي وذبحه بمكة فلا يفعل ذلك إلا (بعد أن يدخل به من الحل) (١)؛ أي: من أي جهة كانت لأن كل هدي لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرام، والهدي يكون من الغنم والبقر والإبل لكن الأفضل الإبل. ولا يجزئ في الجميع إلا السليم كالأضحية. والهدي من هذه الثلاثة إنما يتعين على المتمتع والقارن إذا وجده (فإن لم يجد هديا) بأن يئس من وجوده (ف) الواجب عليه (صيام ثلاثة أيام في الحج يعني من وقت يحرم)؛ أي: ابتداء الأيام الثلاثة التي في الحج من وقت يحرم (إلى) آخر (يوم عرفة)؛ يعني: أن النقص الموجب للهدي إن كان سابقا على الوقوف بعرفة فإنه يدخل زمن صوم الثلاثة من إحرامه ويمتد إلى يوم عرفة لأن له صومه

стр. 800

وذلك كتعدي الميقات، وتمتع وقران وترك طواف قدوم. ومفهوم قولنا سابقا على الوقوف أن النقص إن تأخر عن الوقوف كترك النزول بالمزدلفة أو ترك رمي أو حلق أو أخر الثلاثة حتى فاتت أيام التشريق فإنه يصومها مع السبعة متى شاء فإن فاته ذلك؛ أي: صوم ثلاثة أيام في الحج (صام أيام منى) ولا إثم عليه إن تأخر الصوم إليها لعذر (و) بعد فراغه من صيام الأيام الثلاثة سواء صامها في الحج أو في منى فإنه (يصوم سبعة)؛ أي: سبعة أيام (إذا رجع) من منى إلى مكة سواء أقام بمكة أو لا فإن أخرها صام متى شاء ويندب التتابع في الثلاثة أيام وليس بلازم وكذا في العشرة وإنما هو مستحب على المشهور. عن سالم بن عبد الله، أن ابن عمر ﵄، قال: «تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، فتمتع الناس مع النبي ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى، فساق الهدي ومنهم من لم يهد، فلما قدم النبي ﷺ مكة قال للناس: «من كان منكم أهدى، فإنه لا يحل لشيء حرم منه، حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى، فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج، فمن لم يجد هديا، فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» … الحديث» (١) قال الزهري وأخبرني عروة عن عائشة بمثل ما أخبرني سالم عن أبيه وهو في صحيح مسلم أيضا؛ وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا أهدى هديا من المدينة قلده وأشعره من ذي الحليفة ثم يساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة ثم يدفع به معهم إذا دفعوا فإذا قدم منى غداة النحر نحره قبل أن يحلق أو يقصر؛ وروي عن نافع أيضا أن عبد الله بن عمر كان يقول: «الهدي ما قلد وأشعر ووقف به بعرفة».

стр. 801

قال الباجي: يريد أن من حكمه وسنته التقليد والإشعار، وأن من حكم ما ينحر منه بمنى أن يوقف بعرفة، والأصل في ذلك أن الهدي من شرطه أن يجمع فيه بين الحل والحرم، ولا يجزي من اشتراه بالحرم أن ينحره بالحرم دون أن يخرجه إلى الحل هذا مذهب مالك (١). • التمتع: (وصفة التمتع أن يحرم بعمرة) أولا (ثم يحل منها، في أشهر الحج) ولا يشترط إيقاع جميعها في أشهر الحج بل لو أحرم بها في رمضان وأكملها في ليلة شوال كان متمتعا إن كان ما أوقعه في أشهر الحج ركنا، فلو لم يبق عليه إلا الحلق وأوقعه في أشهر الحج لا يكون متمتعا. (ثم يحج من عامه)، لأنهما إن لم يكونا في عام واحد لم يحصل التمتع، كما أنه لا يكون متمتعا إذا رجع بعد عمرته في أشهر الحج وقبل إحرامه بالحج إلى بلده، فالتمتع صادق في صورة ما إذا فرغ من العمرة في أشهر الحج وأحرم بالحج قبل رجوعه إلى بلده، وإليه يشير قول المصنف: (قبل الرجوع إلى أفقه) بضم الفاء وسكونها (أو) إلى (مثل أفقه في البعد) ظاهره ولو كان من أهل الحجاز وهو المشهور خلافا لابن المواز القائل بعدم سقوط الدم عمن أفقه بالحجاز إلا بالعودة إلى نفس أفقه لا إلى مثله، إلا أن يخرج عن أرض الحجاز بالكلية، لما رواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ (٢) [البقرة: ١٩٦]، يقول من أحرم بالعمرة في أشهر الحج، وروى مالك عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: «من اعتمر في أشهر الحج في شوال، أو ذي القعدة، أو ذي الحجة، قبل الحج. ثم أقام بمكة حتى يدركه الحج، فهو متمتع، إن حج وعليه ما استيسر من الهدي. فإن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام في الحج،

стр. 802

وسبعة إذا رجع». قال مالك: وذلك إذا أقام حتى الحج، ثم حج، قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ أنه الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج. (ولهذا اللام للإباحة والإشارة عائدة على المحرم بعمرة في أشهر الحج الدال عليه السياق؛ أي: ويباح للمحرم إذا حل من عمرته أن يحرم من مكة إن كان بها لحديث ابن عباس في الميقات عن النبي ﷺ : وكذلك حتى أهل مكة يهلون منها وقد تقدم في المواقيت، والمراد بأهل مكة من كان بها لا فرق بين مستوطن وغيره بالإجماع، ويستحب أن يكون إحرامه من باب المسجد. ف شروط التمتع: ١ - أن يجمع بين الحج والعمرة. ٢ - في أشهر الحج. ٣ - في عام واحد. ٤ - في سفر واحد. ٥ - أن يقدم العمرة. ٦ - أن يتحلل من العمرة ثم يحرم بالحج بعد ذلك. ٧ - أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام. وهم أهل مكة، وذي طوى، وما كان مثل ذلك، ممن هم داخل حدود الحرم. ٨ - ألا يسافر مسافة قصر وقيل إلى الميقات، وقيل إلى بلده. • إحرام أهل مكة بالعمرة: (ولا يحرم منها)؛ أي: من مكة (من أراد أن يعتمر) سواء كان من أهلها أصلا أو ممن لزمته الإقامة حتى يخرج إلى الحل)؛ لأن من شروط العمرة أن يجمع فيها بين الحل والحرم لحديث عائشة: «أن النبي ﷺ أمرها وهي بمكة أن تعتمر من التنعيم» (١) وفي رواية: «أن النبي ﷺ قال

стр. 803

لعبد الرحمن بن أبي بكر: اخرج بأختك من الحرم … الحديث»، وروى الفاكهي في تاريخ مكة عن محمد بن سيرين قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ وقت لأهل مكة التنعيم؛ وروى أيضا عن عطاء قال: من أراد العمرة ممن هو من أهل مكة أو غيرها فليخرج إلى التنعيم أو إلى الجعرانة فليحرم منها. • صفة القرآن: • قال المصنف: (وصفة القرآن أن يحرم بحج وعمرة معا) لما في حديث عائشة وغيره قالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال: من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل … .. وأهل معه ناس بالعمرة والحج … الحديث» (١). وعن نافع قال: «أراد ابن عمر الحج عام حجة الحرورية في عهد ابن الزبير فقيل له: إن الناس كائن بينهم قتال فنخاف أن يصدوك، فقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، إذن أصنع كما صنع رسول الله ﷺ ، أشهدكم أني قد أوجبت عمرة، ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء قال: ما شأن الحج والعمرة إلا واحد، أشهدكم أني قد جمعت حجة مع عمرتي، وأهدى هديا مقلدا اشتراه بقديد وانطلق حتى قدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا ولم يزد على ذلك، ولم يحلل من شيء حرم منه حتى يوم النحر، فحلق ونحر ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول ثم قال: هكذا صنع النبي ﷺ » (٢) ويبدأ بالعمرة في نيته؛ وإذا أردف الحج على العمرة قبل أن يطوف ويركع فهو قارن ظاهر كلامه أنه لا يردف في الطواف، والمشهور جوازه، ويصح بعد كماله وقبل الركوع لكنه مكروه فإن ركع فات الإرداف فإن أردف بعد السعي لم يكن قارنا اتفاقا، وليس على أهل مكة تقدم، لأنهم الحاضرون بها، أو بذي طوى وقت فعل النسكين (هدي في تمتع) اتفاقا.

стр. 804

(ولا) في (قرآن) على المشهور؛ أي: قياسا على التمتع، وأوجبه ابن الماجشون واختاره اللخمي ومن حل من عمرته قبل أشهر الحج، ثم حج من عامه فليس بمتمتع ولو تأخر حلاقه إلى أشهر الحج. • جزاء الصيد: (ومن أصاب)؛ أي: قتل (صيدا) بريا مأكول اللحم أو غير مأكوله غير ما نص عليه الشارع، سواء كان القاتل محرما بأحد النسكين أو كان بالحرم ولو لم يكن محرما، وسواء كان حرا أو عبدا، ذكرا كان أو أنثى، صغيرا كان أو كبيرا، كان القتل عمدا أو خطأ أو نسيانا مباشرة أو تسببا، تكرر ذلك منه أو لم يتكرر (فعليه) وجوبا (جزاء مثل ما قتل من النعم) والمثلية تكون في الصورة والمساواة في القدر أو القرب: فعلى من قتل فيلا بدنة خراسانية ذات سنامين. وعلى من قتل بقرة وحشية أو حمارا وحشيا أو ظبية بقرة إنسية. وعلى من قتل نعامة بدنة لأنها تقاربها في القدر والصورة. وعلى من قتل ضبعا أو ثعلبا أو حماما من حمام مكة والحرم ويمامهما شاة. وفي غير حمام مكة والحرم حكومة؛ أي: فمن قتل حماما في الحل فإنه يلزمه قيمته طعاما؛ أي: حين الإتلاف. فعن جابر قال: «جعل رسول الله ﷺ في الصبع يصيبه المحرم كبشا وجعله من الصيد» (١). وعنه أيضا: «أن عمر ﵁ قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة» (٢). وأخرجه أيضا الشافعي بسند

стр. 805

صحيح عن عمر. وأخرج البيهقي عن ابن عباس أنه قضى في الأرنب بعناق؛ وروى عنه الشافعي من طريق الضحاك أنه قضى في الأرنب بشاة، وأخرج البيهقي: عن ابن مسعود أنه قضى في اليربوع بجفرة، ورواه الشافعي عنه من طريق مجاهد وروى أبو يعلى عن عمر وقال: لا أراه إلا رفعه. قوله: «جفرة» الجفرة بفتح الجيم هي الأنثى من ولد الضأن التي بلغت أربعة أشهر وفصلت عن أمها، والعنز بفتح المهملة وسكون النون بعدها زاي الأنثى من المعز، الجمع أعنز وعنوز وعناز. وعن الأجلح بن عبد الله عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال: في الضبع إذا أصابه المحرم كبش، وفي الظبي شاة، وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع (١) جفرة، قال: والجفرة التي قد ارتعت (٢). وأدنى ما يجزئ في جزاء الصيد الجذع من الضأن والثني مما سواه لأن الله تعالى سماه هديا فيشترط فيه ما يشترط في الهدي. ولما كان وجوب جزاء المثل لا يكتفى فيه بمعرفة نفسه قال: (يحكم به ذوا عدل) لقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره﴾ [المائدة: ٩٥]. فإن أخرج قبل حكمهما عليه أعاد، ولو كان المقوم غير مأكول واشتراط العدالة يستلزم الحرية والبلوغ ولا بد من لفظ الحكم ولا يكفي الفتوى (من فقهاء المسلمين) وعن محمد بن سيرين: أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجريت أنا وصاحب لي فرسين نستبق إلى ثغرة ثنية فأصبنا ظبيا ونحن محرمان فماذا ترى؟ فقال عمر لرجل بجنبه: تعال حتى نحكم أنا

стр. 806

وأنت، قال: فحكما عليه بعنز، فولى الرجل وهو يقول: هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي حتى دعا رجلا فحكم معه، فسمع عمر قول الرجل فدعاه فسأله: هل تقرأ سورة المائدة؟ فقال: لا، فقال: هل تعرف هذا الرجل الذي حكم معي؟ فقال: لا، فقال: لو أخبرتني أنك تقرأ سورة المائدة لأوجعتك ضربا ثم قال: إن الله ويقول في كتابه: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم هديا بلغ الكعبة﴾ وهذا عبد الرحمن بن عوف) (١). ومن شرط حكمهما أن لا يجتهدا بحكمهما في غير ما حكم به النبي ﷺ والصحابة، فإن حكما بما لم يتقدم فيه حكم من مضى فإنه يرد ولا ينفذ. ولا يخرج أحد جزاء من غير حكم فإن أخرجه من غير الحكم أعاده. ولو وافق فيه حكم من مضى وخرج عن ذلك حمام مكة والحرم ويمامه فإنه لا يحتاج في لزوم الشاة لحكم لخروجه عن الاجتهاد بالدليل، فكان حكما مقررا كغيره. (ومحله)؛ أي: محل نحره؛ أي: جزاء الصيد إن كان مما ينحر، وذبحه إن كان مما يذبح (منى إن وقف به هو أو نائبه (بعرفة وإلا فمكة)؛ أي: وإلا يقف به هو أو نائبه. فمحل ذبحه أو نحره مكة. قال مالك في «الموطأ» والذي يحكم عليه بالهدي في قتل الصيد أو يجب عليه هدي في غير ذلك فإن هديه لا يكون إلا بمكة كما قال الله ﵎: ﴿هديا بلغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥] قال الباجي: وهل يجزيه أن ينحره بمنى أم لا ظاهر قوله ههنا يمنع من ذلك ويقتضي اختصاصه بمكة، وكذلك يقتضيه استدلاله بقوله ﵎: ﴿هديا بلغ الكعبة﴾ غير أن حكم الهدي حكم غيره من الهدايا إن ساقه وهو معتمر أو حلال نحره بمكة ولو ساقه في حج فوقف به في عرفة لم يجزه أن ينحره إلا بمنى في أيام منى قاله أشهب وابن القاسم عن مالك، ووجه ذلك أنه هدي وقف به في عرفة فوجب أن ينحر في أيام منى كهدي المتعة؛ وهذا التفصيل في حق الحاج، وأما المعتمر أو الحلال فمحله مكة لا غير (و) حيث كان محله مكة فإنه يدخل به من الحل)، لأن من شرط

стр. 807

الهدي أن يجمع فيه بين الحل والحرام، فإن ملكه في الحرم فلا بد أن يخرج به إلى الحل. ثم أشار إلى وجوب مثل ما قتل على التخيير بقوله (وله)؛ أي: لمن قتل صيدا (أن يختار ذلك)؛ أي: مثل ما قتل من النعم (أو) يختار أحد شيئين أحدهما (كفارة طعام مساكين) وصفة الإطعام (أن ينظر إلى قيمة الصيد طعاما) من غالب طعام الموضع الذي قتل فيه الصيد بالغا ما بلغت، فإن لم يكن له قيمة هنالك اعتبرت قيمة أقرب المواضع إليه، (فيتصدق به) عليهم. وإذا أطعم فلكل مسكين مد ولو أعطى ثمنا أو عرضا لم يجزه. والشيء الآخر أشار إليه بقوله: (أو عدل ذلك)؛ أي: أو يختار عدل طعام المساكين (صياما) وصفة ذلك (أن يصوم عن كل مد يوما ولكسر المد يوما كاملا) وإنما وجب في كسر المد يوم؛ لأنه لا يمكن إلغاؤه ولا يتبعض الصوم فلم يبق إلا جبره بالكمال، كالأيمان في القسامة. واختلف في العدل في الآية فقيل: ما عدل الشيء من غير جنسه، كالعشرة الأيام فإنها عدلت العشرة الأمداد وليست من جنسها. وقيل: عدل الشيء بالفتح مثله وليس بالنظير المساوي كما في المصباح؛ أي: أن صيام العشرة الأيام ليس مساويا للعشرة الأمداد لاختلاف الجنس، والمساواة تقتضي اتحاد الجنس. (فائدة) مثلثات: الحج أوجه الإحرام الثلاثة، وهي حق وعمرة وقران والإطلاق والإحرام بما أحرم به زيد يرجع إلى أحدها، والاغتسالات ثلاثة على المشهور والركوع ثلاثة للإحرام ولطواف القدوم، وللإفاضة، ومن يجمع بين الحل والحرم ثلاثة الحاج والمعتمر والهدي والخبب في ثلاثة مواضع في الطواف، وفي السعي، وفي بطن محسر وخطب الحج ثلاثة والجمار ثلاثة وأيام التشريق ثلاثة وأيام النحر ثلاثة ومتعدي الميقات ثلاثة مريد النسك ومريد مكة بغير النسك وغير مريد لمكة والمحرمون بالنسبة إلى الحلق والتقصير ثلاثة قسم يتعين لهم الحلق، وهم الملبدون، ومن كان شعره قصيرا، ومن يكون

стр. 808

برأسه شعر وقسم يتعين لهم التقصير، وذلك في حق المرأة الكبيرة وقسم يجوز في حقهم الأمران والحلق أفضل، وهم من عدا من ذكر والهدي ثلاثة إبل وبقر وغنم، وعلاماته ثلاثة تقليد وإشعار وتجليل، وذلك في الإبل، أما البقر، فتقلد فقط إلا أن يكون لها أسنمة، فتقلد وتشعر فقط، ولا يفعل في الغنم شيء من ذلك، وقال الشيخ زروق في شرح الرسالة وكل أفعال الحج يطلب فيها المشي إلا الوقوف بعرفة بالمشعر ورمي جمرة العقبة انتهى. وانظر الجزولي، والله أعلم (١). • حكم العمرة: (والعمرة سنة مؤكدة مرة في العمر) وهو المشهور في المذهب، وذهب ابن حبيب إلى الوجوب، واستدل المالكية على سنيتها بما رواه الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر أنه قال: «أتى أعرابي النبي ﷺ فقال يا رسول الله؛ أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: لا، وأن تعتمر خير لك» (٢) .. وذهب المالكية والأحناف إلى أن القران في قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]، لا يوجب التسوية بينهما في غير ذلك الحكم المذكور في الآية. قال في «المراقي» (٣): أما قران اللفظ في المشهور … فلا يساوي في سوى المذكور وذلك لأن العمرة والحج من المسائل التي يلزم إتمامها إذا شرع فيها عند المالكية قال صاحب المراقي مضمنا قول الحطاب: قف واستمع مسائلا قد حكموا … بكونها بالابتداء تلزم

стр. 809

صلاتنا وصومنا وحجنا وعمرة لنا واستدلوا بقوله ﷺ : «بني الإسلام على خمس … » كما في حديث ابن عمر (١) ﵁ فذكر الحج ولم يذكر العمرة؛ ولحديث طلحة نهي عنه مرفوعا: «الحج جهاد والعمرة تطوع» (٢)؛ قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ تعال (٣): - الذي يظهر لي أن ما احتج به كل واحد من الفريقين، لا يقل عن درجة الحسن لغيره، فيجب الترجيح بينهما، والذي يظهر بمقتضى الصناعة الأصولية ترجيح أدلة الوجوب على أدلة عدم الوجوب؛ وذكر الأوجه التي رجح بها الوجوب. ولها ميقاتان مكاني وهو ميقات الحج، وقد تقدم الكلام على المواقيت، وزماني وهو جميع السنة، لفعل النبي ﷺ إياها في عدة أشهر مختلفة (٤)، وفعل أصحابه ﵃. وقد تقدم ذكر أركانها؛ وصفة الإحرام بها في استحباب الغسل، وما يجوز من اللباس، وما يحرم عليه في إحرامه كالطيب إلخ، كالحج. ويكره تكرارها في العام الواحد على المشهور ومقابله لا كراهة وهو المشهور وهو قول مطرف وابن الماجشون من جواز التكرار، بل قال ابن حبيب لا بأس بها في كل شهر مرة. • أذكار الأوبة إلى الديار: (ويستحب لمن انصرف من مكة من حج أو عمرة أن يقول: آيبون

стр. 810

تائبون) هما بمعنى واحد وهو الرجوع عن أفعال مذمومة إلى أفعال محمودة (عابدون لربنا) بما افترض علينا (حامدون) له على ذلك (صدق الله وعده) لنبيه محمد من النصر وإنجاز الوعد بدخول مكة بقوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾ [الفتح: ٢٧] (ونصر عبده) محمدا (وهزم الأحزاب وحده)، لحديث أنس هـ: "كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة، يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» (١)، وذلك أن المشركين تحزبوا على النبي ﷺ ونزلوا بالمدينة فأرسل الله عليهم ريح الصبا وهو الريح الشرقي قال: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» (٢) وهو الريح الغربي. وإنما استحب قول هذا لأن النبي ﷺ كان يقوله إذا انصرف من غزو أو حج أو عمرة. تم بحمد الله وتوفيقه ما تعلق بالعبادات
следующие страницы →