← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وأنت، قال: فحكما عليه بعنز، فولى الرجل وهو يقول: هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي حتى دعا رجلا فحكم معه، فسمع عمر قول الرجل فدعاه فسأله: هل تقرأ سورة المائدة؟ فقال: لا، فقال: هل تعرف هذا الرجل الذي حكم معي؟ فقال: لا، فقال: لو أخبرتني أنك تقرأ سورة المائدة لأوجعتك ضربا ثم قال: إن الله ويقول في كتابه: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم هديا بلغ الكعبة﴾ وهذا عبد الرحمن بن عوف) (١). ومن شرط حكمهما أن لا يجتهدا بحكمهما في غير ما حكم به النبي ﷺ والصحابة، فإن حكما بما لم يتقدم فيه حكم من مضى فإنه يرد ولا ينفذ. ولا يخرج أحد جزاء من غير حكم فإن أخرجه من غير الحكم أعاده. ولو وافق فيه حكم من مضى وخرج عن ذلك حمام مكة والحرم ويمامه فإنه لا يحتاج في لزوم الشاة لحكم لخروجه عن الاجتهاد بالدليل، فكان حكما مقررا كغيره. (ومحله)؛ أي: محل نحره؛ أي: جزاء الصيد إن كان مما ينحر، وذبحه إن كان مما يذبح (منى إن وقف به هو أو نائبه (بعرفة وإلا فمكة)؛ أي: وإلا يقف به هو أو نائبه. فمحل ذبحه أو نحره مكة. قال مالك في «الموطأ» والذي يحكم عليه بالهدي في قتل الصيد أو يجب عليه هدي في غير ذلك فإن هديه لا يكون إلا بمكة كما قال الله ﵎: ﴿هديا بلغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥] قال الباجي: وهل يجزيه أن ينحره بمنى أم لا ظاهر قوله ههنا يمنع من ذلك ويقتضي اختصاصه بمكة، وكذلك يقتضيه استدلاله بقوله ﵎: ﴿هديا بلغ الكعبة﴾ غير أن حكم الهدي حكم غيره من الهدايا إن ساقه وهو معتمر أو حلال نحره بمكة ولو ساقه في حج فوقف به في عرفة لم يجزه أن ينحره إلا بمنى في أيام منى قاله أشهب وابن القاسم عن مالك، ووجه ذلك أنه هدي وقف به في عرفة فوجب أن ينحر في أيام منى كهدي المتعة؛ وهذا التفصيل في حق الحاج، وأما المعتمر أو الحلال فمحله مكة لا غير (و) حيث كان محله مكة فإنه يدخل به من الحل)، لأن من شرط

стр. 807

الهدي أن يجمع فيه بين الحل والحرام، فإن ملكه في الحرم فلا بد أن يخرج به إلى الحل. ثم أشار إلى وجوب مثل ما قتل على التخيير بقوله (وله)؛ أي: لمن قتل صيدا (أن يختار ذلك)؛ أي: مثل ما قتل من النعم (أو) يختار أحد شيئين أحدهما (كفارة طعام مساكين) وصفة الإطعام (أن ينظر إلى قيمة الصيد طعاما) من غالب طعام الموضع الذي قتل فيه الصيد بالغا ما بلغت، فإن لم يكن له قيمة هنالك اعتبرت قيمة أقرب المواضع إليه، (فيتصدق به) عليهم. وإذا أطعم فلكل مسكين مد ولو أعطى ثمنا أو عرضا لم يجزه. والشيء الآخر أشار إليه بقوله: (أو عدل ذلك)؛ أي: أو يختار عدل طعام المساكين (صياما) وصفة ذلك (أن يصوم عن كل مد يوما ولكسر المد يوما كاملا) وإنما وجب في كسر المد يوم؛ لأنه لا يمكن إلغاؤه ولا يتبعض الصوم فلم يبق إلا جبره بالكمال، كالأيمان في القسامة. واختلف في العدل في الآية فقيل: ما عدل الشيء من غير جنسه، كالعشرة الأيام فإنها عدلت العشرة الأمداد وليست من جنسها. وقيل: عدل الشيء بالفتح مثله وليس بالنظير المساوي كما في المصباح؛ أي: أن صيام العشرة الأيام ليس مساويا للعشرة الأمداد لاختلاف الجنس، والمساواة تقتضي اتحاد الجنس. (فائدة) مثلثات: الحج أوجه الإحرام الثلاثة، وهي حق وعمرة وقران والإطلاق والإحرام بما أحرم به زيد يرجع إلى أحدها، والاغتسالات ثلاثة على المشهور والركوع ثلاثة للإحرام ولطواف القدوم، وللإفاضة، ومن يجمع بين الحل والحرم ثلاثة الحاج والمعتمر والهدي والخبب في ثلاثة مواضع في الطواف، وفي السعي، وفي بطن محسر وخطب الحج ثلاثة والجمار ثلاثة وأيام التشريق ثلاثة وأيام النحر ثلاثة ومتعدي الميقات ثلاثة مريد النسك ومريد مكة بغير النسك وغير مريد لمكة والمحرمون بالنسبة إلى الحلق والتقصير ثلاثة قسم يتعين لهم الحلق، وهم الملبدون، ومن كان شعره قصيرا، ومن يكون

стр. 808

برأسه شعر وقسم يتعين لهم التقصير، وذلك في حق المرأة الكبيرة وقسم يجوز في حقهم الأمران والحلق أفضل، وهم من عدا من ذكر والهدي ثلاثة إبل وبقر وغنم، وعلاماته ثلاثة تقليد وإشعار وتجليل، وذلك في الإبل، أما البقر، فتقلد فقط إلا أن يكون لها أسنمة، فتقلد وتشعر فقط، ولا يفعل في الغنم شيء من ذلك، وقال الشيخ زروق في شرح الرسالة وكل أفعال الحج يطلب فيها المشي إلا الوقوف بعرفة بالمشعر ورمي جمرة العقبة انتهى. وانظر الجزولي، والله أعلم (١). • حكم العمرة: (والعمرة سنة مؤكدة مرة في العمر) وهو المشهور في المذهب، وذهب ابن حبيب إلى الوجوب، واستدل المالكية على سنيتها بما رواه الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر أنه قال: «أتى أعرابي النبي ﷺ فقال يا رسول الله؛ أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: لا، وأن تعتمر خير لك» (٢) .. وذهب المالكية والأحناف إلى أن القران في قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]، لا يوجب التسوية بينهما في غير ذلك الحكم المذكور في الآية. قال في «المراقي» (٣): أما قران اللفظ في المشهور … فلا يساوي في سوى المذكور وذلك لأن العمرة والحج من المسائل التي يلزم إتمامها إذا شرع فيها عند المالكية قال صاحب المراقي مضمنا قول الحطاب: قف واستمع مسائلا قد حكموا … بكونها بالابتداء تلزم

стр. 809

صلاتنا وصومنا وحجنا وعمرة لنا واستدلوا بقوله ﷺ : «بني الإسلام على خمس … » كما في حديث ابن عمر (١) ﵁ فذكر الحج ولم يذكر العمرة؛ ولحديث طلحة نهي عنه مرفوعا: «الحج جهاد والعمرة تطوع» (٢)؛ قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ تعال (٣): - الذي يظهر لي أن ما احتج به كل واحد من الفريقين، لا يقل عن درجة الحسن لغيره، فيجب الترجيح بينهما، والذي يظهر بمقتضى الصناعة الأصولية ترجيح أدلة الوجوب على أدلة عدم الوجوب؛ وذكر الأوجه التي رجح بها الوجوب. ولها ميقاتان مكاني وهو ميقات الحج، وقد تقدم الكلام على المواقيت، وزماني وهو جميع السنة، لفعل النبي ﷺ إياها في عدة أشهر مختلفة (٤)، وفعل أصحابه ﵃. وقد تقدم ذكر أركانها؛ وصفة الإحرام بها في استحباب الغسل، وما يجوز من اللباس، وما يحرم عليه في إحرامه كالطيب إلخ، كالحج. ويكره تكرارها في العام الواحد على المشهور ومقابله لا كراهة وهو المشهور وهو قول مطرف وابن الماجشون من جواز التكرار، بل قال ابن حبيب لا بأس بها في كل شهر مرة. • أذكار الأوبة إلى الديار: (ويستحب لمن انصرف من مكة من حج أو عمرة أن يقول: آيبون

стр. 810

تائبون) هما بمعنى واحد وهو الرجوع عن أفعال مذمومة إلى أفعال محمودة (عابدون لربنا) بما افترض علينا (حامدون) له على ذلك (صدق الله وعده) لنبيه محمد من النصر وإنجاز الوعد بدخول مكة بقوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾ [الفتح: ٢٧] (ونصر عبده) محمدا (وهزم الأحزاب وحده)، لحديث أنس هـ: "كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة، يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» (١)، وذلك أن المشركين تحزبوا على النبي ﷺ ونزلوا بالمدينة فأرسل الله عليهم ريح الصبا وهو الريح الشرقي قال: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» (٢) وهو الريح الغربي. وإنما استحب قول هذا لأن النبي ﷺ كان يقوله إذا انصرف من غزو أو حج أو عمرة. تم بحمد الله وتوفيقه ما تعلق بالعبادات

стр. 811

باب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختان وما يحرم من الأطعمة والأشربة • قال المصنف رحمه الله تعالى: والأضحية سنة واجبة على من استطاعها. وأقل ما يجزئ فيها من الأسنان الجنع من الضأن وهو ابن سنة، وقيل: ابن ثمانية أشهر، وقيل: ابن عشرة أشهر والثني من المعز وهو ما أوفى سنة ودخل في الثانية، ولا يجزئ في الضحايا من المعز والبقر والإبل إلا الثني، والثني من البقر ما دخل في السنة الرابعة، والثني من الإبل ابن ست سنين. وفحول الضأن في الضحايا أفضل من خصيانها، وخصيانها أفضل من إناثها، وإناتها أفضل من ذكور المعز ومن إناثها، وفحول المعز أفضل من إناثها، وإنات المعز أفضل من الإبل والبقر في الضحايا، وأما في الهدايا، فالإبل أفضل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز. ولا يجوز في شيء من ذلك عوراء ولا مريضة، ولا العرجاء البين ضلعها، ولا العجفاء التي لا شحم فيها ويتقى فيها العيب كله ولا المشقوقة الأذن إلا أن يكون يسيرا، وكذلك القطع، ومكسورة القرن إن كان يدمي فلا يجوز، وإن لم يدم فذلك جائز. وليل الرجل ذبح أضحيته بيده. بعد ذبح الإمام أو نحره يوم النحر ضحوة. ومن ذبح قبل أن يذبح الإمام أو ينحر أعاد أضحيته. ومن لا إمام لهم فليتحروا صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه.

стр. 812

ومن ضحى بليل أو أهدى لم يجزه. وأيام النحر ثلاثة يذبح فيها أو ينحر إلى غروب الشمس من آخرها وأفضل أيام النحر أولها. ومن فاته الذبح في اليوم الأول إلى الزوال فقد قال بعض أهل العلم: يستحب له أن يصبر إلى ضحى اليوم الثاني. ولا يباع شيء من الأضحية جلد ولا غيره. وتوجه الذبيحة عند الذبح إلى القبلة. وليقل الذابح: بسم الله، والله أكبر. وإن زاد في الأضحية: ربنا تقبل منا، فلا بأس بذلك. ومن نسي التسمية في ذبح أضحية أو غيرها، فإنها تؤكل. وإن تعمد ترك التسمية لم تؤكل، وكذلك عند إرسال الجوارح على الصيد. ولا يباع من الأضحية والعقيقة والنسك لحم ولا جلد ولا ودك ولا عصب ولا غير ذلك. ويأكل الرجل من أضحيته ويتصدق منها أفضل له وليس بواجب عليه. الشرح (باب في الضحايا) حكما وصفة (و) في (الذبائح)؛ أي: بيان ما يذبح وما ينحر وصفة الذكاة (والعقيقة)؛ أي: صفة وحكما (و) في حكم (الصيد)؛ أي: الاصطياد وتقسيمه، (و) في بيان حكم (الختان و) في بيان (ما يحرم من الأطعمة والأشربة) وما لا يحرم منها. الأضاحي بدأ المصنف في الكلام بما صدر به فقال: (والأضحية): بضم الهمزة وكسرها وسكون الضاد وكسر الحاء وتشديد

стр. 813

الياء والجمع أضاحي: بتشديد الياء وهي ما تقرب بذكاته من الأنعام يوم الأضحى وتالييه، سميت بذلك لأنها تذبح يوم الأضحى وقت الضحى، وسمي يوم الأضحى من أجل الصلاة فيه في ذلك الوقت. • حكم الأضحية: وحكمها أنها (سنة واجبة) (١)؛ أي: مؤكدة على المشهور وفي رواية عن مالك أنها واجبة، ولذلك عبر المصنف بالوجوب استنانا ملمحا للرواية والله أعلم، وقال ابن حزم: «لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة، وصح أنها غير واجبة عن الجمهور» (٢) وعن البراء ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، من فعله فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل، فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في شيء» (٣). وهي (على من استطاعها) قال ابن الحاجب والمستطيع من لا تجحف بماله؛ أي: من لا يحتاج إلى ثمنها في عامه (٤)، وذلك لحديث أم سلمة لنهما أن النبي قال: «إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئا» (٥). قال الشافعي «في هذا الحديث دليل على عدم وجوب الأضحية؛ لأنه علقه بالإرادة والإرادة تنافي الوجوب وروى الشعبي عن أبي سريحة الغفاري، قال: رأيت أبا بكر وعمر وما يضحيان» (٦)، قال الحافظ أبو

стр. 814

عمر: ضحى رسول الله ﷺ طول عمره ولم يأت عنه أنه ترك الأضحية، وندب إليها، فلا ينبغي لمؤمن موسر أن يتركها، وأما من تركها من بعض السلف؛ فلأنهم كانوا محل القدوة، فخشوا من المواظبة ظن الناس أنها واجبة اه. والشركة فيها في الأجر جائزة دون الشركة في ثمنها لما روى أبو أيوب ﷺ قال: «كان الرجل في عهد النبي ﷺ يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون الناس» حديث حسن صحيح (١). وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية (٢) • شروط الضحايا والهدايا ومراتب التفاضل بينها: (وأقل ما يجزئ فيها)؛ أي: الأضحية (من الأسنان الجذع من الضأن وهو) على المشهور (ابن سنة)، وعليه اقتصر خليل لحديث جابر ﷺ أن النبي ﷺ قال: ﴿لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن﴾ (٣)؛ قال النووي: قال الجمهور: هذا الحديث محمول على الاستحباب والأفضل وتقديره: يستحب لكم أن لا تذبحوا إلا مسنة فإن عجزتم فجذعة ضأن (٤)، (وقيل) هو (ابن ثمانية أشهر) وهو مروي عن مالك، (وقيل) هو (ابن عشرة أشهر) وهو لابن وهب ولسحنون: ابن ستة أشهر (٥) (والثني من المعز ما أوفى سنة ودخل في الثانية) ما ذكره في سن الثني من المعز هو المشهور، وعليه يظهر الفرق بين سن الجذع من الضأن

стр. 815

والثني من المعز (١) (ولا يجزئ في الضحايا من المعز والبقر والإبل إلا الثني) قال أبو عمر (٢): أمر مجتمع عليه عند العلماء أن الجذع من المعز لا تجزئ اليوم عن أحد؛ لأن أبا بردة خص بذلك. ولحديث جابر المتقدم وفيه: «لا تذبحوا إلا مسنة»، والثني من البقر ما دخل في السنة الرابعة هذا مفسر لقوله في الزكاة: «وهي بنت أربع سنين» (والثني من الإبل ابن ست سنين)؛ أي: ما دخل في السنة السادسة، (وفحول الضأن في الضحايا أفضل من خصيانها)، لما روى أنس قال: «أن النبي ﷺ كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين … » (٣)، (وخصيانها أفضل من إناثها) وفي بعض النسخ: وفحول الضأن في الضحايا، وخصيانها أفضل من إناثها. والنسخة الأولى موافقة للمشهور وهو: أن الفحل أفضل من الخصي وعلل بأنه أكمل منه في الخلقة، وفي حديث جابر: «أقرنين أملحين موجأين» (٤) (٥). وقال مالك: الأفضل الجذع من الضأن، ثم البقرة، ثم البدنة؛ لأن النبي ﷺ ضحى بكبشين ولا يفعل إلا الأفضل، ولو علم الله خيرا منه لفدى إسحاق به (٦). (وإناثها)؛ أي: إناث الضأن (أفضل من ذكور المعز ومن إناثها)؛ أي: وفحول المعز أفضل من خصيانها (وفحول المعز)؛ أي: وخصيانها (أفضل من إناثها، وإناث المعز أفضل من الإبل والبقر في الضحايا)؛ أي: وذكورهما أفضل من إناثهما. عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: «الجذع

стр. 816

«من الضأن خير من السيد من المعز». قال داود: «والسيد الجليل» (١). فالمراتب اثنا عشر أعلاها فحل الضأن، وأدناها أنثى الإبل والبقر. وهذا آخر الكلام على التفضيل في الضحايا (٢). (وأما في الهدايا فالإبل أفضل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز) هذا هو المشهور لأن المقصود من الهدايا تكثير اللحم للمساكين، والمقصود من الضحايا طيب اللحم؛ أي: لإدخال المسرة على الأهل كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» (٣). قال بهرام: والحجة لنا في الموضعين أن النبي ﷺ كان أكثر هداياه الإبل، وضحى ﵊ بكبشين، كما ورد في الصحيح. العيوب التي تتقى في الضحايا والهدايا: شرع في الكلام عن هذه الصفات التي إذا وجدت منعت من الإجزاء فقال: (ولا يجوز) بمعنى لا يجزئ (في شيء من ذلك)؛ أي: من الضحايا والهدايا (عوراء) هي من ذهب نور إحدى عينيها، وإن بقيت صورتها، أما إن كان على الناظر بياض يسير لا يمنع الإبصار فلا يمنع الإجزاء، وإذا لم تجز

стр. 817

العوراء فالعمياء أولى (و) كذلك (لا) تجزئ فيهما (مريضة) مرضا بينا، أما إن كان خفيفا لا يمنعها التصرف فتجزئ، ومنه الجرب الكثير، وسقوط الأسنان كلها أو بعضها ما عدا الواحدة إذا كان السقوط لغير إثغار أو كبر وإلا فتجزئ ولو الجميع. (و) كذلك (لا) يجزئ فيهما (العرجاء البين ضلعها) بفتح الضاد المعجمة واللام. وروي بالظاء المشالة؛ أي: المرتفعة؛ أي: البين عرجها وهي التي لا تلحق الغنم أما إن كان العرج لا يمنعها أن تسير بسيرهم فلا يمنع الإجزاء. (و) كذلك (لا) يجزئ فيهما (العجفاء) بالمد هي التي لا مخ في عظامها. وهذه العيوب الأربعة مجمع عليها وبها ورد الحديث، لما روى البراء قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: «أربع لا يجزن العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسيرة التي لا تنقي» (١)، والنقي المخ. واختلف هل يقاس عليها غيرها من العيوب أم لا؟ المشهور القياس، قال أبو عمر (٢): ومعلوم أن ما كان في معناها داخل فيها … اه. وعليه مشى الشيخ رحمه الله تعالى فقال: (ويتقى فيهما)؛ أي: في الهدايا والضحايا (العيب كله إذا كان كثيرا ويغتفر اليسير، ويعني بذلك: الخرقاء: وهي التي في أذنها خرق مستدير. والمقابلة: وهي التي قطع من أذنها من قبل وجهها وترك معلقا. والمدابرة: وهي التي قطع من أذنها من جهة قفاها. والشرقاء: وهي المشقوقة الأذن، وإليها أشار بقوله: (ولا المشقوقة الأذن إلا أن يكون) الشق (يسيرا) وهو الثلث فما دونه، وكذلك القطع)؛

стр. 818

أي: قطع الأذن لا يجوز إلا أن يكون يسيرا لحديث علي ﵁ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، ولا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا شرقاء، ولا خرقاء» (١)، والراجح: أن ذهاب ثلث الأذن يسير، وذهاب ثلث الذنب كثير؛ لأن الذنب لحم وعصب ولا كذلك الأذن وهذا في ذنب الغنم التي لها إلية كبيرة. وأما نحو الثور والجمل والغنم في بعض البلدان مما لا لحم في ذنبه فالذي يمنع الإجزاء منه ما ينقص الجمال ولا يتقيد بالثلث. وقيل: تجزئ الأضحية بمقطوعة الذنب من الإبل والبقر والمعز مع الكراهة قياسا على مقطوعة الأذن؛ ولأن في بعض ألفاظ حديث علي ﵁: «أمرنا رسول الله ﷺ أن لا نضحي ببتراء» (٢)، ومن مقطوعة الذنب، هذه الغنم التي ترد من أستراليا فإنه ليس لها أي إلية في أصل الخلقة وإنما لها ذيل كذيل البقر وهي مقطوعة الذيل، فمن ضحى بها أجزأت، ولكن الأفضل أن لا يضحي بها؛ لأنها ناقصة الخلقة، أما مقطوعة الإلية من الضأن فلا تجزئ في الأضحية وإن كانت من نوع لا إلية له من أصل الخلقة فلا بأس بها. • ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومكسورة القرن إن كان يدمي)؛ يعني: لم يبرأ (فلا يجوز) وقد كرهه مالك (وإن لم يكن يدمي) بأن برئ (فذلك جائز) وهو قول جمهور العلماء، ومن لازم الجواز الإجزاء. • ما يستحب فعله للمضحي: (وليل الرجل ذبح أضحيته) أو نحرها وكذلك هديه (بيده) على جهة الاستحباب إن أمكنه ذلك اقتداء برسول الله ﷺ ، لحديث أنس ﵁ قال: «أن النبي ﷺ كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين، ويضع رجله على صفحتهما

стр. 819

«ويذبحهما بيده» (١)، وروى البخاري تعليقا: «أن أبا موسى أمر بناته أن يضحين بأيديهن» (٢)، فإن لم يمكنه ذلك لعذر وكل مسلما، فقد وكل النبي ﷺ عليا فنحر ما بقي من البدن بمنى (٣)، قال البخاري: «وأعان رجل ابن عمر في بدنته» (٤)، ويستحب أن يكون من أهل الفضل والصلاح، فإن وكل تارك الصلاة كره وتجزئ على المشهور، وإن وكل كافرا كتابيا أو غيره لم تجزه. • وقت الذبح: وابتداء زمن الذبح في الأضحية (بعد ذبح الإمام) ما يذبح (أو نحره) ما ينحر (يوم النحر)؛ أي: في يوم النحر، وهو العاشر من ذي الحجة وذبح الإمام يوم النحر يكون (ضحوة) وهو وقت حل النافلة، فمن ذبح قبل يوم النحر أو يوم النحر بعد الفجر وقبل طلوع الشمس لم يجزه وأعاد أضحيته، (و) كذا (من ذبح قبل أن يذبح الإمام أو ينحر) لم يجزه (وأعاد أضحيته) لقوله تعالى: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: ١]، قال الحسن البصري: نزلت في قوم ذبحوا قبل الإمام (٥). ولحديث جابر: «صلى بنا النبي ﷺ يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا، وظنوا أن النبي ﷺ قد نحر، فأمر النبي ﷺ من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي ﷺ » (٦)، والأحاديث في هذا كثيرة أوردنا بعضها هناك. (و) أما (من لا إمام لهم فليتحروا صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه) فيذبحون حينئذ، فلو نحروا ثم تبين خطؤهم أجزأهم على المشهور، والمعتبر إمام الصلاة على المشهور، لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦].

стр. 820

(ومن ضحى بليل) في ليلة اليوم الثاني أو الثالث (أو أهدى لم يجزه) لقوله تعالى: ﴿فذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾ [الحج: ٢٨] فذكر الأيام دون الليالي، والمراد بالليالي هنا من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، قال القرافي: وفي الإكمال روي عن مالك الإجزاء بالليل (١)، ومن ضحى في اليوم الثاني أو الثالث بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس أجزأه، ويكون تاركا للمستحب، بخلاف من ضحى في اليوم الأول بعد الفجر وقبل طلوع الشمس فإنه لا يجزئه. (وأيام النحر) عند مالك تبعا لجماعة من الصحابة (ثلاثة)؛ أي: ثلاثة أيام يوم النحر ويومان بعده، وهو قول عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأنس ﵃ (٢) (يذبح فيها) ما يذبح (أو ينحر) ما ينحر. وقد تقدم أن ابتداء زمن النحر والذبح من ضحوة يوم النحر بعد صلاة الإمام وذبحه، وأما آخره ف (إلى غروب الشمس من آخرها)؛ أي: من آخر الأيام الثلاثة، وهي متفاوتة في الفضيلة روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله: «قال: الأضحى يومان بعد يوم الأضحى»، وذكر مالك: «أنه بلغه عن علي رضي الله مثله» (٣)، وقد بين ذلك بقوله: (وأفضل أيام النحر) للأضحية (أولها) لمواظبة النبي ﷺ على الذبح فيه ولقول علي ﵁: «الأيام المعدودات ثلاثة أيام يوم الأضحى ويومان بعده اذبح في أيها شئت وأفضلها أولها» (٤)، ولفعله ﷺ والخلفاء الراشدين بعده، ولأنه اليوم المقصود بذلك، وقيل في تأويل قوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢] صل العيد، وانحر الأضحية (٥) قاله قتادة وعطاء وعكرمة (٦)، (ومن فاته الذبح) أو النحر (في اليوم الأول

стр. 821

إلى الزوال فقد قال بعض أهل العلم) (١) وهو ابن حبيب ونقله بهرام من روايته عن مالك: (يستحب له أن يصبر إلى ضحى اليوم الثاني) قال بهرام: لا خلاف أن ما قبل الزوال من أول يوم أفضل مما بعده. واختلف هل ما بعد الزوال منه أفضل مما قبل الزوال من اليوم الثاني؟ وهو ظاهر لفظ المختصر (٢)، وهو مذهب الرسالة وغيرها. وإليه ذهب ابن المواز، أو ما قبل الزوال من الثاني أفضل مما بعده من الأول، وهو قول مالك في كتاب ابن حبيب وهو ضعيف، فالمعتمد أن جميع اليوم الأول أفضل مما بعده، حتى أن القابسي أنكر رواية ابن حبيب. (ولا يباع) على جهة المنع (شيء من الأضحية) التي تجزئ بعد الذبح، وكذا كل ما هو قربة كالهدي والعقيقة، لحديث علي ﷺ قال: ﴿بعثني النبي ﷺ ، فقمت على البدن، فأمرني فقسمت لحومها، ثم أمرني فقسمت جلالها وجلودها﴾، وفي لفظ: «أن أقوم على البدن، ولا أعطي عليها شيئا في جزارتها» وقال: «نحن نعطيه من عندنا» (٣). وقوله: (جلد ولا غيره) لحديث أبي سعيد أن قتادة بن النعمان أخبره أن النبي ﷺ قام فقال: إني كنت أمرتكم أن لا تأكلوا الأضاحي فوق ثلاثة أيام، لتسعكم وإني أحله لكم، فكلوا منه ما شئتم قال: «ولا تبيعوا لحوم الهدي والأضاحي فكلوا، وتصدقوا، واستمتعوا بجلودها، وإن أطعمتم من لحومها شيئا فكلوه إن شئتم» (٤). (وتوجه الذبيحة) في الأضحية وغيرها (عند الذبح إلى القبلة)

стр. 822

استحبابا لقول ابن عمر (١) ﵄ في ذبح النبي ﷺ كبشي العيد ثم وجههما وقال … الحديث، فإن تركه لعذر أو نسيانا أكلت اتفاقا. (وليقل الذابح) عند الذبح: (باسم الله والله أكبر) والجمع بين التسمية والتكبير هو الذي مضى عليه عمل الناس أما التكبير فسنة؛ أي: مستحب، وأما التسمية فيؤخذ من كلامه بعد وهو مذهب المدونة: أنها واجبة مع الذكر، والقدرة ساقطة مع العجز والنسيان: وإن اقتصر عليها أجزأه لقوله تعالى: ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١١٨] ولأن النبي ﷺ كان إذا ذبح قال: «بسم الله والله وأكبر» (٢) وفي حديث أنس ﵁: وسمى وكبر (٣) وكذلك كان يقول ابن عمر ﵁. (وإن زاد) الذابح على التسمية والتكبير (في) ذبح (الأضحية): والهدي أو النسك والعقيقة اللهم هذا منك ولك (ربنا تقبل منا) أو من فلان (فلا بأس بذلك) وبه قال أكثر أهل العلم: لأن النبي ﷺ أتي بكبش له ليذبحه فأضجعه ثم قال: «اللهم تقبل من محمد وآل محمد وأمة محمد ثم ضحى» (٤)، وفي حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اللهم منك ولك عن محمد وأمته، بسم الله والله أكبر، ثم ذبح» (٥). قيل: لا بأس هنا بمعنى الاستحباب، وقيل: بمعنى الإباحة. (ومن نسي التسمية في ذبح أضحية أو غيرها فإنها تؤكل)؛ لحديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما

стр. 823

استكرهوا عليه» (١)، وفي «الموطأ» عن يحيى بن سعيد أن عبد الله بن عباس ﵄ سئل عن الذي نسي أن يسمي الله تعالى على ذبيحته فقال: يسمي ويأكل فلا بأس (وإن تعمد ترك التسمية لم تؤكل) لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ [الأنعام: ١٢١]، هذا على مذهب المدونة أنها فرض مع الذكر ساقطة مع النسيان. (وكذلك) من نسي التسمية (عند إرسال الجوارح) أو رمي السهم وغيره مما يصاد به (على الصيد) فإنه يؤكل وإن تعمد ترك التسمية لم يؤكل، ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه﴾ [المائدة: ٤]، ولحديث عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك، فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل، ولم يأكل منه فكله، وإن وجدت مع كلبك كلبا غيره، وقد قتل فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله، وإن رميت سهمك، فاذكر اسم الله، فإن غاب عنك يوما، فلم تجد فيه إلا أثر سهمك، فكل إن شئت، وإن وجدته غريقا في الماء، فلا تأكل» (٢). وفي قوله: (ولا يباع من الأضحية والعقيقة والنسك لحم ولا جلد ولا ودك)؛ أي: دهن (ولا عصب)؛ أي: عروق (ولا غير ذلك) مثل القرن والشعر والصوف تكرار مع قوله: ولا يباع شيء من الأضحية. وقد تقدمت أدلة ذلك، قال ابن عمر: يحتمل تكراره ليرتب عليه قوله: (ويأكل الرجل) يريد أو غيره (من أضحيته) لحديث ثوبان ﵁ قال: «ذبح رسول الله ﷺ أضحيته» ثم قال: «يا ثوبان أصلح لي لحم هذه فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة» (٣)، ويتصدق منها أفضل له لقوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾ [الحج: ٣٦] وقوله تعالى: ﴿وأطعموا البائس الفقير﴾ [الحج: ٢٨] القانع الفقير؛ أي: سواء كان يسأل أم لا؛ وقيل: الفقير الذي لا يسأل،

стр. 824

والمعتر: الزائر المتعرض لما يناله من غير سؤال. ويكره التصدق بالجميع، وليس لما يؤكل أو يطعم حد؛ «لأن النبي ﷺ أهدى مائة بدنة، وأمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها»، ونحر بدنات أو ست بدنات وقال: «من شاء فليقطع ولم يأكل منهن شيئا» (١)، والجمهور على منع إطعام الكافر منها مطلقا كتابيا كان أو مجوسيا. وقوله: (وليس بواجب عليه) تكرار مع قوله: أفضل له، وإنما هو مباح لا سيما وأن الأمر بعد الحظر يفيد ذلك كما هو معلوم عند الأصوليين، فقد نهى النبي ﷺ عن الادخار فوق ثلاث ثم أباحه، قال الطبري (٢): (فكلوا .. ) هو أمر بمعنى: الإطلاق والإذن للأكل، لا بمعنى: الإيجاب، ولا خلاف بين سلف الأمة وخلفها في عدم الحرج على المضحي بترك الأكل من أضحيته ولا إثم، فدل على أن الأمر بمعنى الإذن والإطلاق اه. والأكل من أضحية التطوع والواجب غير المنذور سنة مستحبة لما مر أنه ﷺ كان لا يأكل يوم النحر شيئا حتى يرجع فيأكل من أضحيته (٣). • حكم التصرف في الفدية والنذر والهدي والعقيقة: قال المصنف رحمه الله تعالى: ﴿ولا يأكل من فدية الأذى وجزاء الصيد ونذر المساكين، وما عطب من هدي التطوع قبل محله ويأكل مما سوى ذلك إن شاء﴾. الشرح لما كان يتوهم من مشاركة الفدية والهدي للأضحية في أحكام كثيرة

стр. 825

مشاركتها لهما في جواز الأكل قال: (ولا يأكل) الرجل أو غيره ممن وجب عليه هدي (من فدية الأذى) المترتبة في ذمته إذا بلغت محلها هذا إذا جعلها هديا بأن قلدها أو أشعرها؛ فإن لم يجعلها فإنه لا يأكل منها بلغت محلها أم لا. (و) كذلك لا يأكل من (جزاء الصيد) الذي ترتب في ذمته بعد بلوغ محله (و) كذا لا يأكل من (نذر المساكين) غير المعين بعد محله (و) كذلك لا يأكل ما عطب من هدي التطوع قبل محله؛ أي: لاتهامه على عطبه، لحديث ذؤيب بن حلحلة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يبعث معه بالبدن ثم يقول: «إن عطب منها شيء، فخشيت عليه موتا فانحرها، ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اضرب به صفحتها، ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك»» (١)، و (ويأكل مما سوى ذلك) كفدية الأذى قبل بلوغ محلها، وجزاء الصيد قبل محله ونذر المساكين قبل محله، وما عطب من هدي التطوع بعد محله وهدي القران والتمتع، وهدي الفساد وكل هدي لنقص شعيرة من شعائر الحج. وقوله: (إن شاء) إشارة إلى أن الأصل في الهدي عدم الأكل بخلاف الأضحية. ثم اعلم أن المحل هو منى إن وقف بها بعرفة وكان في أيام النحر ومكة، إن لم يقف بها أو خرجت أيام النحر قال في «الذخيرة» (٢): قال ابن القصار: يستحب لمن أراد التضحية ألا يقص شعره ولا ظفره إذا أهل ذو الحجة حتى يضحي، فعن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره. - وفي رواية -: « … فلا يمس من شعره وبشره شيئا» (٣) فإذا ضحى أخذ من كل ما منع من أخذه.

стр. 826

الذكاة • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والذكاة قطع الحلقوم والأوداج ولا يجزئ أقل من ذلك، وإن رفع يده بعد قطع بعض ذلك ثم أعاد يده فأجهز فلا تؤكل. وإن تمادى حتى قطع الرأس أساء ولتؤكل. ومن ذبح من القفا لم تؤكل. والبقر تذبح فإن نحرت أكلت، والإبل تنحر فإن ذبحت لم تؤكل وقد اختلف في أكلها، والغنم تذبح فإن نحرت لم تؤكل، وقد أختلف أيضا في ذلك. وذكاة ما في البطن ذكاة أمه إذا تم خلقه ونبت شعره. والمنخنقة بحبل ونحوه، والموقوذة بعصا وشبهها والمتردية والنطيحة، وأكيلة السبع إن بلغ ذلك منها في هذه الوجوه مبلغا لا تعيش معه لم تؤكل بذكاة. ولا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع ويتزود فإن استغنى عنها طرحها. ولا بأس بالانتفاع بجلدها إذا دبغ. ولا يصلى عليه. ولا يباع. ولا بأس بالصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وبيعها. وينتفع بصوف الميتة وشعرها، وما ينزع منها في حال الحياة، وأحب إلينا أن يغسل ولا ينتفع بريشها ولا بقرنها، وأظلافها، وأنيابها. وكره الانتفاع بأنياب الفيل وقد أختلف في ذلك. وما ماتت فيه فأرة من سمن أو زيت أو عسل ذائب طرح، ولم يؤكل ولا بأس أن يستصبح بالزيت وشبهه في غير المساجد وليتحفظ منه. وإن كان جامدا طرحت، وما حولها وأكل ما بقي قال سحنون: إلا أن يطول مقامها فيه فإنه يطرح كله.

стр. 827

ولا بأس بطعام أهل الكتاب وذبائحهم. وكره أكل شحوم اليهود منهم من غير تحريم. ولا يؤكل ما ذكاه المجوسي. وما كان مما ليس فيه ذكاة من طعامهم فليس بحرام). الشرح الذكاة: يقال: ذكى الشاة ونحوها تذكية: ذبحها، والاسم: الذكاة، والمذبوح ذكي، فعيل بمعنى مفعول. واصطلاحا: الذكاة قطع مسلم أو كتابي ذكر أو أنثى مميز تمام الحلقوم والودجين من المقدم (١) • صفة الذبح: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والذكاة قطع الحلقوم) جميعه (و) قطع جميع (الأوداج)؛ أي: الودجين عبر بالجمع عن المثنى (ولا يجزئ أقل من ذلك)؛ أي: من قطع الحلقوم بتمامه والأوداج هذا قول سحنون وشهر لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب﴾ [المائدة: ٣]، ولحديث رافع بن خديج ﵁ أنه قال: «يا رسول الله إنا نرجو - أو نخاف - أن نلقى العدو غدا وليس معنا مدى، فنذبح بالقصب؟» فقال: «اعجل - أو أرني - ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوا ليس السن، والظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن: فعظم، وأما الظفر: فمدى الحبشة» (٢)، ولحديث ابن عباس وأبي هريرة ﵄ قالا: نهى رسول الله ﷺ عن شريطة الشيطان زاد ابن عيسى في

стр. 828

حديثه: «وهي التي تذبح فيقطع الجلد ولا تفرى الأوداج، ثم تترك حتى تموت» (١). وروى مالك: «أنه بلغه أن عبد الله بن عباس ﵄ ما كان يقول: ما فرى الأوداج فكلوه» (٢). وقيل: يكتفى بقطع تمام الودجين ونصف الحلقوم، وظاهر كلام الشيخ: أنه لا يشترط قطع المريء. وقال ابن العربي: «ليس في الحديث الصحيح ذكر الذكاة بغير إنهار الدم، أما فري الأوداج وقطع الحلقوم والمريء فلم يصح فيه شيء» (٣). قال عياض: المريء بفتح الميم وكسر الراء وهمز آخره، وقد يشدد آخره ولا يهمز مبلع الطعام والشراب وهو البلعوم، وفسره الجوهري: بالحلق (وإن رفع) الذابح (يده) عن الذبيحة (بعد قطع بعض ذلك) الحلقوم والأوداج (ثم أعاد يده فأجهز فلا تؤكل) ظاهره سواء طال الرفع أو لم يطل، وهو كذلك باتفاق في الطول واختلف إذا رجع بالقرب، فقال سحنون: تحرم، وقال ابن حبيب: تؤكل لأن كل ما طلب فيه الفور يغتفر فيه التفريق اليسير وهو المعتمد وقال ابن عبد البر: هو الأصح (٤). (وإن تمادى الذابح) عمدا (حتى قطع الرأس) من الذبيحة (أساء) لحديث ابن عباس ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن الذبيحة أن تفرس قبل أن رضي تموت» (٥)، والفرس: كسر رقبتها قبل أن تبرد (٦)، و به سميت فريسة الأسد،

стр. 829

وفي الباب أثر عن عمر بالنهي عن ذلك (ولتؤكل)؛ يعني: وتؤكل ولم يرد الأمر، وإذا أكلت مع العمد فأحرى مع النسيان أو غلبة السكين (١)، ولقول أبي مجلز قال: «سألت ابن عمر عن ذبيحة قطع رأسها فأمر ابن عمر بأكلها» (٢). (ومن ذبح من القفا) أو من صفحة العنق (لم تؤكل) لأنه لم يأت بالذكاة المشروعة ولأنه قد أنفذ المقتل بقطع النخاع (٣)، وإذا أنفذت المقاتل قبل الذبح لم تؤكل، ولو قطع الحلقوم وعسرت السكين على الودجين لعدم حد السكين فقلبها وقطع بها الأوداج من داخل لم تؤكل على المذهب كما قاله سحنون، قال ابن رشد في مقدمته: والقطع من فوق العروق بته … وإن يكن من تحتها فميته حكي عن علي، وسعيد بن المسيب، قال إبراهيم النخعي: تسمى هذه الذبيحة القفينة. (والبقر تذبح فإن نحرت أكلت، والإبل تنحر فإن ذبحت لم تؤكل) فالبقر يجوز فيها الأمران، لأن لها موضع النحر وموضع الذبح، ومحل النحر اللبة وهو موضع القلادة من الصدر من كل شيء، ولا يشترط في النحر قطع شيء من الحلقوم والودجين لأن محله اللبة، وهو محل تصل منه الآلة إلى القلب فيموت بسرعة، لما روى سعيد عن الفرافصة قال: «كنا عند عمر ﵁ فنادى أن النحر في اللبة والحلق لمن قدر» (٤)، ولما في الدارقطني عن النبي ﷺ قال: «الذكاة في الحلق واللبة» (٥)، ويستحب في نحر الإبل أن تكون قائمة، قال ابن العربي (٦): والبقر مذبوحة لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا﴾

стр. 830

﴿بقرة﴾ [البقرة: ٦٧] ومنحورة بحديث النبي ﷺ : «نحر رسول الله ﷺ على نسائه بقرة» (١)، وعن علمائنا في أكل جميع ما ذبح إذا نحر وأكل جميع ما ينحر إذا ذبح على الإطلاق روايتان. (وقد اختلف في أكلها)؛ أي: المذبوحة من الإبل فقوله: إنها لا تؤكل إذا ذبحت مثله في المدونة (٢) وحمله ابن حبيب على التحريم وشهره ابن الحاجب وهو الراجح. وحمله غيره على الكراهة. ومحل الخلاف إذا وقع الذبح لغير ضرورة، وأما إن كان لضرورة كما لو وقع بعير في مهواة ولم يصل إلى لبته فذبح فأكله جائز اتفاقا. أو شرد ولم يقدر عليه إلا برمي جاز أيضا. (والغنم تذبح، فإن نحرت لم تؤكل، وقد اختلف أيضا في ذلك)؛ أي: في أكلها وهو مقيد أيضا بما إذا لم تكن ضرورة، والمشهور التحريم وإن كان لضرورة كما لو وقع في مهواة ونحر أكل اتفاقا، والصحيح عندي في الغنم بنوعيها ذبحها لا نحرها والأصل في ذلك كله حديث رافع بن خديج: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوا ليس السن، والظفر» (٣) اه. (وذكاة ما في البطن ذكاة أمه)؛ معناه: أن البهيمة من ذوات الأنعام إذا ذكيت فخرج من بطنها جنين ليس فيه روح فإنه يؤكل بشروط (إذا تم خلقه ونبت شعره) يريد بتمام خلقه وتناهي خلقته ووصولها إلى الحد الذي ينزل عليه من بطن أمه لا كمال أطرافه فيؤكل ناقص يد أو رجل، كما قال الباجي (٤)، لقوله ﷺ : «ذكاة الجنين ذكاة أمه» (٥)، ولحديث مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يقول: «إذا نحرت الناقة، فذكاة ما في بطنها في ذكاتها. إذا كان قد تم خلقه، ونبت شعره. فإذا خرج من بطن أمه، ذبح حتى يخرج الدم

стр. 831

من جوفه» (١). قال أبو عمر: لم يرد ابن عمر بذبح الجنين ها هنا شيئا من الزكاة؛ لأن الميت لا يذكى، وإنما أراد خروج الدم من جوفه، ولو كان خرج حيا لم تكن ذكاة أمه له بذكاة، (بإجماع من العلماء). وعن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى؛ أنه كان يقول: «ذكاة ما في بطن الذبيحة، في ذكاة أمه. إذا كان قد تم خلقه، ونبت شعره» (٢). • ما لا تعمل فيه الذكاة من الأنعام: انتقل يبين ما لا تعمل فيه الذكاة من الأنعام (وهو أشياء منها: المنخنقة بحبل ونحوه والموقوذة) وهي المضروبة (بعصا وشبهها) كالرمح والحجر (والمتردية) وهي الساقطة من علو إلى أسفل (والنطيحة)؛ أي: المنطوحة وأكيلة السبع وهي التي ضربها السبع وهو كل ما يتسبع (إن بلغ ذلك) الفعل المذكور (منها)؛ أي: من الخمسة المذكورة في هذه الوجوه من ترد ونحوه مبلغا لا تعيش معه لم تؤكل بذكاة لأن سبيلها سبيل الميتة. والمقاتل خمسة: ١ - انقطاع النخاع وهو المخ الذي في عظام الرقبة والصلب. ٢ - وقطع الأوداج، وقضية كلام التوضيح وكلام أبي الحسن أن شق الواحد ليس بمقتل (٣). ٣ - وخرق المصران. ٤ - وانتشار الحشوة. ٥ - ونثر دماغ (٤).

стр. 832

وأما إذا لم تنفذ مقاتلها فإن كانت مرجوة الحياة فلا خلاف في إعمال الذكاة فيها، وإن كانت غير مرجوة، فعن مالك من رواية أشهب: أنها لا تذكى ولا تؤكل وهو الذي مشى عليه الشيخ، ومذهب ابن القاسم وروايته عن مالك أنها تذكى وتؤكل وهو الراجح، وحرمة ما تقدم لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة: ٣]. ولحديث ابن عباس ﵁ أنه قال: «المنخنقة: التي تخنق قصدا أو اتفاقا، بأن تتخبل في وثاقتها فتموت به، فهي حرام. والموقوذة: التي تضرب بالخشب حتى يوقذها فتموت. والمتردية: التي تتردى من الجبل. والنطيحة: الشاة تنطح الشاة. وما أكل السبع ما أخذ السبع، إلا ما ذكيتم إلا ما أدركتم ذكاته من هذا كله يتحرك له ذنب أو تطرف له عين فاذبح واذكر اسم الله عليه فهو حلال» (١)، ومن طريق قتادة: «إذا أدركت منه عينا تطرف أو ذنبا يتحرك أو قائمة ترتكض فذكيته فقد أحل لك» (٢). (ولا بأس للمضطر) وهو من خاف الهلاك على نفسه، ولا يعني بذلك أن يكون قد أشرف على الموت إذ الأكل حينئذ لا ينفع (أن يأكل الميتة) من كل حيوان غير الآدمي ولو كافرا ولو مما لا حرمة له كالمرتد والحربي إما لأنه يؤذي أكله أو لمحض التعبد، لقوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم﴾ [الأنعام: ١٤٥].

стр. 833

ولو وجد المحرم الصيد والميتة أكل الميتة، وإذا وجد ميتة وخنزيرا أكل الميتة، وإن لم يجد إلا خنزيرا أكل منه ويستحب له تذكيته وذكاته العقر. قال التتائي: والظاهر أنه لا يحتاج إلى تذكيته لأن الذكاة لا تفيد في محرم الأكل (و) كذلك لا بأس للمضطر أن (يشبع ويتزود) من الميتة إذا خاف العدم فيما يستقبل، وقد أكل الصحابة حتى شبعوا وتزودوا من لحم حوت العنبر وذلك قبل أن يعرفوا حله، وإنما جوزه لهم أميرهم لأنهم مضطرون لذلك فدل على أن الميتة للمضطر يباح له منها ذلك قال أبو عبيدة ﵁: «وقد اضطررتم فكلوا، فأكلنا حتى سمنا» (١) قال الحافظ: وحاصل قول أبي عبيدة أنه بناء أولا على عموم تحريم الميتة، ثم تذكر تخصيص المضطر بإباحة أكلها إذا كان غير باغ ولا عاد، وحملوا معهم فلما قدموا المدينة ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «كلوا، رزقا أخرجه الله، أطعمونا إن كان معكم فأتاه بعضهم فأكله. اه (٢). ولحديث جابر بن سمرة ﵁: «أن أهل بيت كانوا بالحرة محتاجين»، قال: فماتت عندهم ناقة لهم، أو لغيرهم، فرخص لهم النبي ﷺ في أكلها»، قال: «فعصمتهم بقية شتائهم، أو سنتهم» (٣). ومحل جواز أكل الميتة للمضطر حيث لم يجد طعام الغير وإلا قدمه حيث لم يكن (٤). (فإن استغنى عنها طرحها)؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها. (ولا بأس بالانتفاع بجلدها)؛ أي: الميتة ويباح الانتفاع به (إذا دبغ) بما يزيل ريحه ورطوبته. لحديث عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ أمر أن ينتفع

стр. 834

بجلود الميتة، إذا دبغت» (١)، وطهارته عامة في المائعات وغيرها كما لسحنون وغيره والمشهور: أن طهارته مقيدة باليابسات والماء وحده من بين المائعات لأن له قوة يدفع بها عن نفسه (٢). (ولا يصلى عليه)؛ أي: ولا فيه على المشهور (ولا يباع) على إحدى الروايتين وهي المشهورة في المذهب (٣)، وطهارته طهارة مخصوصة بجواز استعماله في اليابسات وفي الماء وحده من بين سائر المائعات وليست عامة حتى في جواز بيعه والصلاة فيه وعليه. (ولا بأس بالصلاة) استعمل لا بأس هنا بمعنى الجواز؛ أي: وتجوز الصلاة (على جلود السباع إذا ذكيت)؛ أي: ونحوها من كل حيوان مكروه الأكل ليشمل الفيل والذئب والثعلب والضبع بشرط أن تذكى (و) كذلك لا بأس ب (بيعها)؛ أي: بيع جلود السباع إذا ذكيت (٤)، والظاهر أن هذا (٥) مخالف لما روى مالك عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أكل كل ذي ناب من السباع حرام» (٦) وما حرم أكله حرم الانتفاع به؛ كما قال أبو عمر (٧)، ويشهد له أيضا ما رواه أشهب، عن مالك أنه لا تعمل الزكاة في السباع، لا للحومها، ولا لجلودها، كما (قال): لا تعمل في الخنزير. قال جامع هذه الورقات عفا الله عنه: والأحاديث في النهي عن افتراش جلود السباع كما في «المسند» و «السنن» منها: حديث أبي المليح بن أسامة

стр. 835

عن أبيه: «أن رسول الله ﷺ نهى عن جلود السباع»، وفي رواية: «أن رسول الله ﷺ نهى عن جلود السباع أن تفترش» (١). وغيرها مما ذكرناه في أصل هذا الكتاب ولله الحمد والمنة. إلا أن المهلب قال: وحجة مالك في كراهية الصلاة عليها وبيعها وتجويز الانتفاع بها في بعض الأشياء أن النبي ﷺ أهدى حلة من حرير لعمر، وقال: «إني لم أعطكها لتلبسها، ولكن تبيعها أو تكسوها» (٢) فأباح له ﷺ التصرف في الحلة في بعض الوجوه، فكذلك جلد الميتة يجوز الانتفاع به في بعض الوجوه دون بعض (٣). (وينتفع بصوف الميتة وشعرها) بعد الجز انتفاعا عاما من البيع، والصلاة عليه، والتصدق به، وغير ذلك إلا أنه إذا باع بين على أنها جلد ميتة، لعموم حديث ابن عباس له عن النبي ﷺ : «إنما حرم أكلها» (٤) ولعموم قوله تعالى: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين﴾ [النحل: ٨٠]، ولحديث ابن عباس ﵁: «إنما حرم من الميتة لحمها وأما الجلد والشعر والصوف فلا بأس به» (٥). أما الانتفاع بصوف الميتة (و) كذلك (ما ينتزع منها)؛ أي: الميتة (في) حال (الحياة)؛ أي: على تقدير لو انتزع منها في حال الحياة لم يؤلمها إلا اللبن فإنه نجس وهو مما ينتزع منها في حال الحياة ولا يؤلمها. (وأحب إلينا)؛ أي: المالكية (أن يغسل) ما ذكر من الصوف وما بعده

стр. 836

إذا لم تتيقن طهارته ولا نجاسته، لحديث: «لا بأس بصوفها إذا غسل بالماء» (١)، أما إن تيقنت طهارته فلا يستحب غسله، وإن تيقنت نجاسته وجب غسله. (ولا ينتفع بريشها)؛ أي: الميتة ظاهره معارض لقوله أولا: وما ينتزع منها في حال الحياة، وقد تقدم ما يزيل الاعتراض وهو تخصيص ما تقدم بقوله: ولا يؤلمها، (و) كذلك (لا) ينتفع (بقرنها) أي: الميتة (وأظلافها وأنيابها) ظاهره على جهة التحريم لأن الحياة تحله فتنجس بمفارقتها لحديث: «ما أبين من حي فهو ميت» (٢) (وكره الانتفاع بأنياب الفيل) وكذا عبر في «المدونة» (٣). (وقد اختلف في ذلك)؛ أي: في أنياب الفيل على أربعة أقوال مشهورها: أن ذلك كله نجس بناء على أنه تحله الحياة. قال ابن وهب: طاهر؛ أي: بناء على أنه لا تحله الحياة، وما تقرر من كون ناب الفيل نجسا إذا كان من ميتة مثله المنفصل من الفيل حال الحياة، وحيث كان المنفصل من الميتة نجسا فالكراهة في قول «المدونة»: «ولا أنياب الفيل ولا يتجر فيها ولا يمشط بأمشاطها ولا يدهن بمداهنها» (٤)، لأنها ميتة محمولة على التحريم، قاله ابن ناجي وعزاه للأم (٥). وأما أنياب الفيل المذكى ولو بالعقر فإنه مكروه والكراهة على التنزيه؛ وفي «الجواهر»: قال الشيخ أبو بكر: إذا نحر الفيل انتفع بعظمه وجلده، قال

стр. 837

أبو الوليد: وخصه بالنحر مع قصر عنقه، لأنه لا عنق له (١). قال الزهري رحمه الله تعالى في عظام الموتى نحو الفيل وغيره: «أدركت ناسا من سلف العلماء يمتشطون بها، ويدهنون فيها، لا يرون به بأسا، وقال ابن سيرين وإبراهيم: لا بأس بتجارة العاج» (٢). ولحديث ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: «يا ثوبان اشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج» (٣)؛ وأما الكراهة فالاختلاف في أنها ميتة. (وما مات فيه فأرة) بالهمز (من سمن أو زيت أو عسل) أو ودك (ذائب) راجع للجميع (طرح ولم يؤكل)، لأن المائع تسري فيه النجاسة بخلاف الجامد، إن لم تطل فيه حتى تحللت أجزاؤها لحديث ميمونة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الفأرة تقع في السمن فقال: «إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه» (٤)؛ ولا يباع؛ ومثل الفأرة كل ما له نفس سائلة، ولما ذكر أنه يطرح ولا يؤكل وخشي أن يتوهم أنه لا ينتفع به أصلا رفع ذلك الإيهام بقوله: (ولا بأس) بمعنى ويباح (أن يستصبح بالزيت المتنجس وشبهه) كالودك والسمن في غير المساجد كالبيوت والحوانيت، (و) أما المساجد ف (ليتحفظ منه)، لأنه نجس فلا يستصبح به فيها لتنزيهها عن النجاسات (٥)، فلحديث أبي هريرة ﵁ في المسألة وفيه: «وإن كان ذائبا، أو مائعا، فاستصبحوا به، أو فاستنفعوا به» أو قال: «انتفعوا به» (٦).

стр. 838

ثم صرح بمفهوم ذائب فقال: (وإن كان) ما ذكر من السمن وما عطف عليه (جامدا طرحت الفأرة التي ماتت فيه هي (وما حولها وأكل ما بقي) وله بيعه إلا أنه يبين لأن النفس تكرهه (١)، ولا تحديد فيما يطرح منه، وإنما ذلك على حسب غلبة الظن (قال) سحنون: إلا أن يطول مقامها بضم الميم؛ أي: إقامتها فيه فإنه يطرح كله، لأن النجاسة إذا طال مقامها في الجامد نفذت في جميع أجزائه وقد تقدم لك الدليل. • طعام أهل الكتاب: ولا بأس بطعام أهل الكتاب وذبائحهم لا بأس هنا للإباحة قال تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم﴾ [المائدة: ٥]. «الجمهور من المفسرين على أن المراد بالطعام في الآية هي ذبائحهم، من الصحابة ابن عباس، وأبو أمامة، ومن التابعين مجاهد، وسعيد بن جبير وغيرهما رحمهم الله تعالى، وقال ابن كثير: وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن ذبائحهم حل للمسلمين». اه (٢). ومن شرط تذكية الكتابي: ١ - أن يذبحه بيده لا أن يصعقه بالتيار الكهربائي ونحوه) (٣). ٢ - أن يكون ملكا له. ٣ - وأن يكون مذبوحه حلال له بشرعنا. ٤ - وأن لا يذبحه باسم الصنم. (وكره أكل شحوم اليهود منهم من غير تحريم)؛ أي: مما هو محرم عليهم بشرعنا كشحم البقر والغنم الخالص كالشحم الرقيق الذي يغشى الكرش والأمعاء، وفي «البخاري» من حديث عبد الله بن مغفل ﵁ قال: «كنا

стр. 839

محاصرين قصر خيبر، فرمى إنسان بجراب فيه شحم، فنزوت لأخذه، فالتفت، فإذا النبي ﷺ ، فاستحييت منه» (١)، قال الحافظ (٢): «فنزوت بنون وزاي؛ أي: وثبت؛ وفيه حجة على من منع ما حرم عليهم كالشحوم لأن النبي ﷺ أقر ابن مغفل على الانتفاع بالجراب المذكور، وفيه جواز أكل الشحم مما ذبحه أهل الكتاب ولو كانوا أهل حرب». اه. قال علماؤنا: تبسمه ﷺ إنما كان لما رأى من شدة حرص ابن مغفل على أخذ الجراب ومن ضنته به ولم يأمره بطرحه ولا نهاه. • طعام الكفار غير الكتابيين: (ولا يؤكل ما ذكاه المجوسي) مطلقا وثنيا (٣) كان أو غير وثني، ذكاه لنفسه أو لمسلم لمفهوم قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم﴾ [المائدة: ٥] ففهم منه أن طعام غيرهم من ملل الكفر الأخرى لا يحل، والمقصود الذبائح، ولحديث علي ﵁: «أن النبي ﷺ كتب إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام، فمن أسلم قبل منه، ومن لم يسلم ضرب عليه الجزية غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم» (٤). وكذلك لا تؤكل ذبيحة السكران والمجنون ولو أصابا الذكاة لفقدان عقلهما، قال ابن الحاجب وتصح من الصبي المميز والمرأة، من غير ضرورة على الأصح (٥).

стр. 840

(وما كان مما ليس فيه ذكاة من طعامهم فليس بحرام) يجوز أكله اتفاقا لحديث علي ﵁: «لا بأس بطعام المجوس إلا الذبيحة»، وعن سويد غلام سلمان ﵁ قال: «أتيت سلمان ﵁ يوم هزم الله أهل فارس بسلة وجد فيها خبز وجبن وسكين فجعل يطرح لأصحابه من الخبز ويقطع لهم من الجبن فيأكلون وهم مجوس، فعرفنا أنه لا بأس بطعامهم ما خلا الذبيحة، وفيه دليل أنه لا بأس للغانمين أن يتناولوا من طعام الغنيم قبل القسمة» (١)، هذا إن تيقنت طهارته أما إن تيقنت نجاسته فيحرم أكله، وما شك فيه يحمل على التنجيس، وقد كان سعيد بن جبير يأكل من كواميخ (٢) المجوس، وأعجبه ذلك، وروى هشام عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا بطعام المجوس في المصر، ولا بشواريزهم (٣)، ولا بكواميخهم. الصيد • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والصيد للهو مكروه والصيد لغير اللهو مباح. وكل ما قتله كلبك المعلم أو بازك المعلم فجائز أكله إذا أرسلته عليه، وكذلك ما أنفذت الجوارح مقاتله قبل قدرتك على ذكاته، وما أدركته قبل إنفاذها لمقاتله لم يؤكل إلا بذكاة. وكل ما صدته بسهمك أو رمحك فكله فإن أدركت ذكاته فذكه، وإن فات بنفسه فكله إذا قتله سهمك ما لم يبت عنك، وقيل: إنما ذلك فيما بات عنك مما قتلته الجوارح، وأما السهم يوجد في مقاتله فلا بأس بأكله. ولا تؤكل الإنسية بما يؤكل به الصيد).

стр. 841

الشرح الصيد لغة: هو مصدر صاد يصيد صيدا، ثم أطلق الصيد على المصيد نفسه، تسمية للمفعول بالمصدر كقوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ٩٥]. أي: المصيد، واستخدم ذلك في أكثر من موضع في القرآن. ومعناه: أي: الصيد لغة: هو الاقتدار على ما كان ممتنعا ولا مالك له (١). والصيد شرعا: قال ابن عرفة: أخذ مباح أكله غير مقدور عليه من وحش طير أو بر أو حيوان بحر بقصد؛ أي: نية الإصطياد (٢). (والصيد للهو مكروه) اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على جواز قتل الصيد للأكل، وأما قتله لغير الأكل فلا لحديث عبد الله بن عمرو ما يرفعه قال: «من قتل عصفورا فما فوقها بغير حقها سأل الله عنها يوم القيامة قيل: يا رسول الله فما حقها؟ قال: حقها أن تذبحها فتأكلها ولا تقطع رأسها فيرمى بها» (٣). قال في «التنبيه»: اللهو مصدر لهوت بالشيء بالفتح لهوا إذا لعبت به لحديث النبي ﷺ : «كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا ثلاث … »، ولحديث ابن عباس ﵄: «من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن» (٤). • وللصيد ثلاثة أحكام: الأول: الإباحة وهذا الذي أشار إليه المصنف بقوله: (والصيد لغير

стр. 842

اللهو مباح) وقد يكون واجبا إذا كان لا يمكنه الإنفاق على عياله إلا منه، وهذا ثابت بالكتاب والسنة، والإجماع؛ فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ [المائدة: ٤]، وأما السنة فوردت أحاديث كثيرة مشتهرة منها حديث عدي بن حاتم، وأبي ثعلبة الخشني، المتفق عليهما وسيأتي ذكر بعضها إن شاء الله تعالى. وأما الإجماع فقد قام على إباحة الصيد (١)؛ وهذا الحكم هو الأصل؛ فالأصل في الصيد أنه مباح لدفع الحاجة، والانتفاع بلحمه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ [البقرة: ٢٩]؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، حتى يقوم دليل على النقل عن هذا الأصل. الثاني: الكراهة. وذلك إذا كان القصد منه التلهي به والمفاخرة، وهو قصد المصنف والله أعلم لقوله ﷺ : «من بدا جفا، ومن تبع الصيد غفل» (٢). الثالث: التحريم ؛ ويحرم الصيد في حالتين: الأولى: إذا ترتب عليه ظلم للناس بالعدوان على زروعهم، وبساتينهم وأموالهم وأراضيهم، وممتلكاتهم؛ لأن ذلك من الاعتداء على أموال الغير؛ ولأن المقاصد لها أحكام الوسائل. الثانية: إذا كان الصيد في الحرم، أو في حال التلبس بالإحرام؛ أما الصيد في الحرم فلقوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا﴾ [العنكبوت: ٦٧]، ولقوله ﷺ : «ولا ينفر صيدها» (٣) وتنفير الصيد: إزعاجه عن موضعه، وتهييجه. فالنهي عن الصيد يكون من باب أولى في الحرمة، أما تحريم الصيد في حال الإحرام لقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ٩٥].

стр. 843

(وكل ما قتله كلبك المعلم أو بازك المعلم فجائز أكله) لقوله تعالى: ﴿يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه﴾ [المائدة: ٤]، ولحديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا نبي الله، إنا بأرض قوم من أهل الكتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ وبأرض صيد، أصيد بقوسي، وبكلبي الذي ليس بمعلم وبكلبي المعلم، فما يصلح لي؟ قال: «أما ما ذكرت من أهل الكتاب، فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها، وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك المعلم، فذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك غير معلم فأدركت ذكاته فكل» (١)، وعن عدي بن حاتم قال: إني أرسل كلبي وأسمي، فقال النبي ﷺ : «إذا أرسلت كلبك وسميت، فأخذ فقتل فأكل فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه» قلت: إني أرسل كلبي، أجد معه كلبا آخر، لا أدري أيهما أخذه؟ فقال: «لا تأكل، فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره»، وسألته عن صيد المعراض، فقال: «إذا أصبت بحده فكل، وإذا أصبت بعرضه فقتل فإنه وقيد، فلا تأكل» (٢). ولا خصوصية لهذين بل كل ما علم بالفعل من الكلاب والسباع والطيور وهو أن يكون بحيث إذا أرسل أطاع، وإذا زجر انزجر، إلا أن يكون طيرا فيكفي فيه الإطاعة عند إرادة الإرسال، ولا يشترط فيه قبول الانزجار بعد الإرسال (إذا أرسلته عليه) فقتله فإنه يجوز أكله لقول النبي ﷺ : «فإن أخذ الكلب ذكاته» (٣). وهناك شروط في الصائد والمصيد والمصاد به. فيشترط في المصاد به: إذا كان حيوانا:

стр. 844

١ - أن يكون علم بالفعل، للآية، ولو كان من نوع ما لا يقبل التعليم كالأسد والنمر والنمس، وأولى ما يقبله من كلب وباز وسنور، ولو كان طبع المعلم بالفعل الغدر كذب فإنه لا يمسك إلا لنفسه. ٢ - وأن يكون مرسلا من يد الصائد. لقول النبي ﷺ : «إذا أرسلت كلبك وسميت فكل». ويشترط في المصيد: ١ - أن يكون مرئيا، أو يكون في مكان محصور كغار أو غيضة علم به أو لم يعلم به أبصره أو لا. ٢ - ويشترط أن لا يكون لهما منفذ آخر (الغار والغيضة) وإلا لم يؤكل ما كان بواحد منهما. ٣ - وأن يكون مما يؤكل لحمه ولو ظن خلافه، كما لو ظنه أرنبا مثلا فأرسل عليه كلبه فإذا هو ظبي. ٤ - وأن يكون غير مقدور عليه؛ أي: جملة أو في القدرة عليه مشقة ككونه في شاهق جبل أو على شجرة ولا يتوصل إليه إلا بأمر يخاف منه العطب، أو كان في جزيرة كبيرة. وأما الصائد فيشترط فيه: ١ - أن ينوي. ٢ - وأن يسمي حال الإرسال فإن ترك التسمية عامدا لم يؤكل مصيده بخلاف النسيان. ٣ - وأن يكون مسلما وهذا خاص بصيد البر، وأما صيد البحر فإنه جائز لكل أحد. ٤ - وأن يكون عاقلا فالمجنون والسكران لا يصح منهما. (وكذلك) جائز أكل كل (ما أنفذت الجوارح مقاتله قبل قدرتك على ذكاته) إذا تبعته ولم تفرط في طلبه (و) أما (ما أدركته قبل إنفاذها) لمقاتله (لم يؤكل إلا بذكاة) ولا يجوز أكله بدون ذكاة. لحديث عدي بن حاتم ﵁

стр. 845

أن النبي ﷺ قال: «إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك، فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل، ولم يأكل منه فكله» وفي رواية: «وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاة» (١). قال ابن عمر: يريد إذا فرط لم تكن عنده السكين وأخذ يطلبها من غيره حتى مات. أما إن لم يفرط فإنه يؤكل وإن لم تنفذ مقاتله إذا نيبه؛ أي: أصابه بنابه إذ لا بد من الإدماء ولو في الأذن سواء شق جلده أم لا، لا أن يكون شق جلده بدون إدماء في وحشي صحيح، فلا يكفي بخلافه في مريض فيكفي، لأنه قد يكون قليل الدم. (وكل ما صدته بسهمك أو رمحك) وكل سلاح عصري ببارود ونحوه وبكل ما له حد ولو غير حديد وقتله السهم أو الرمح أو جرحه ومات قبل قدرتك على ذكاته (فكله) حيث نويت وسميت عند رمي السهم أو الرمح فلو أدركته حيا بعد إنفاذ شيء من مقاتله ندب تذكيته (فإن أدركت ذكاته فذكه، وإن فات بنفسه فكله إذا قتله سهمك) لحديث عدي: وسئل رسول الله ﷺ عن صيد المعراض فقال: «ما خرق فكل وما قتل بعرضه فقتل فلا تأكل، فإنه وقيذ» (٢)، وفي لفظ: «فأدركته حيا فاذبحه». ومفهوم قوله: سهمك أيضا وكلبك فلو قتله سهم آخر أو كلب آخر فلا تأكل؛ لأنك سميت على كلبك ولم تسم على الآخر، ولربما لم يسم عليه صاحبه وذلك لقول النبي ﷺ قال: «إذا أرسلت كلبك وسميت فكل» قلت: أرسل كلبي فأخذ معه كلبا آخر؟ قال: «لا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر» (٣)، وفي لفظ: «وإذا خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل» (٤)، وفي حديث أبي ثعلبة: «وما صدت بقوسك ذكرت اسم الله عليه فكل».
следующие страницы →