← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الشرح الصيد لغة: هو مصدر صاد يصيد صيدا، ثم أطلق الصيد على المصيد نفسه، تسمية للمفعول بالمصدر كقوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ٩٥]. أي: المصيد، واستخدم ذلك في أكثر من موضع في القرآن. ومعناه: أي: الصيد لغة: هو الاقتدار على ما كان ممتنعا ولا مالك له (١). والصيد شرعا: قال ابن عرفة: أخذ مباح أكله غير مقدور عليه من وحش طير أو بر أو حيوان بحر بقصد؛ أي: نية الإصطياد (٢). (والصيد للهو مكروه) اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على جواز قتل الصيد للأكل، وأما قتله لغير الأكل فلا لحديث عبد الله بن عمرو ما يرفعه قال: «من قتل عصفورا فما فوقها بغير حقها سأل الله عنها يوم القيامة قيل: يا رسول الله فما حقها؟ قال: حقها أن تذبحها فتأكلها ولا تقطع رأسها فيرمى بها» (٣). قال في «التنبيه»: اللهو مصدر لهوت بالشيء بالفتح لهوا إذا لعبت به لحديث النبي ﷺ : «كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا ثلاث … »، ولحديث ابن عباس ﵄: «من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن» (٤). • وللصيد ثلاثة أحكام: الأول: الإباحة وهذا الذي أشار إليه المصنف بقوله: (والصيد لغير

стр. 842

اللهو مباح) وقد يكون واجبا إذا كان لا يمكنه الإنفاق على عياله إلا منه، وهذا ثابت بالكتاب والسنة، والإجماع؛ فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ [المائدة: ٤]، وأما السنة فوردت أحاديث كثيرة مشتهرة منها حديث عدي بن حاتم، وأبي ثعلبة الخشني، المتفق عليهما وسيأتي ذكر بعضها إن شاء الله تعالى. وأما الإجماع فقد قام على إباحة الصيد (١)؛ وهذا الحكم هو الأصل؛ فالأصل في الصيد أنه مباح لدفع الحاجة، والانتفاع بلحمه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ [البقرة: ٢٩]؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، حتى يقوم دليل على النقل عن هذا الأصل. الثاني: الكراهة. وذلك إذا كان القصد منه التلهي به والمفاخرة، وهو قصد المصنف والله أعلم لقوله ﷺ : «من بدا جفا، ومن تبع الصيد غفل» (٢). الثالث: التحريم ؛ ويحرم الصيد في حالتين: الأولى: إذا ترتب عليه ظلم للناس بالعدوان على زروعهم، وبساتينهم وأموالهم وأراضيهم، وممتلكاتهم؛ لأن ذلك من الاعتداء على أموال الغير؛ ولأن المقاصد لها أحكام الوسائل. الثانية: إذا كان الصيد في الحرم، أو في حال التلبس بالإحرام؛ أما الصيد في الحرم فلقوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا﴾ [العنكبوت: ٦٧]، ولقوله ﷺ : «ولا ينفر صيدها» (٣) وتنفير الصيد: إزعاجه عن موضعه، وتهييجه. فالنهي عن الصيد يكون من باب أولى في الحرمة، أما تحريم الصيد في حال الإحرام لقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ٩٥].

стр. 843

(وكل ما قتله كلبك المعلم أو بازك المعلم فجائز أكله) لقوله تعالى: ﴿يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه﴾ [المائدة: ٤]، ولحديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا نبي الله، إنا بأرض قوم من أهل الكتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ وبأرض صيد، أصيد بقوسي، وبكلبي الذي ليس بمعلم وبكلبي المعلم، فما يصلح لي؟ قال: «أما ما ذكرت من أهل الكتاب، فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها، وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك المعلم، فذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك غير معلم فأدركت ذكاته فكل» (١)، وعن عدي بن حاتم قال: إني أرسل كلبي وأسمي، فقال النبي ﷺ : «إذا أرسلت كلبك وسميت، فأخذ فقتل فأكل فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه» قلت: إني أرسل كلبي، أجد معه كلبا آخر، لا أدري أيهما أخذه؟ فقال: «لا تأكل، فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره»، وسألته عن صيد المعراض، فقال: «إذا أصبت بحده فكل، وإذا أصبت بعرضه فقتل فإنه وقيد، فلا تأكل» (٢). ولا خصوصية لهذين بل كل ما علم بالفعل من الكلاب والسباع والطيور وهو أن يكون بحيث إذا أرسل أطاع، وإذا زجر انزجر، إلا أن يكون طيرا فيكفي فيه الإطاعة عند إرادة الإرسال، ولا يشترط فيه قبول الانزجار بعد الإرسال (إذا أرسلته عليه) فقتله فإنه يجوز أكله لقول النبي ﷺ : «فإن أخذ الكلب ذكاته» (٣). وهناك شروط في الصائد والمصيد والمصاد به. فيشترط في المصاد به: إذا كان حيوانا:

стр. 844

١ - أن يكون علم بالفعل، للآية، ولو كان من نوع ما لا يقبل التعليم كالأسد والنمر والنمس، وأولى ما يقبله من كلب وباز وسنور، ولو كان طبع المعلم بالفعل الغدر كذب فإنه لا يمسك إلا لنفسه. ٢ - وأن يكون مرسلا من يد الصائد. لقول النبي ﷺ : «إذا أرسلت كلبك وسميت فكل». ويشترط في المصيد: ١ - أن يكون مرئيا، أو يكون في مكان محصور كغار أو غيضة علم به أو لم يعلم به أبصره أو لا. ٢ - ويشترط أن لا يكون لهما منفذ آخر (الغار والغيضة) وإلا لم يؤكل ما كان بواحد منهما. ٣ - وأن يكون مما يؤكل لحمه ولو ظن خلافه، كما لو ظنه أرنبا مثلا فأرسل عليه كلبه فإذا هو ظبي. ٤ - وأن يكون غير مقدور عليه؛ أي: جملة أو في القدرة عليه مشقة ككونه في شاهق جبل أو على شجرة ولا يتوصل إليه إلا بأمر يخاف منه العطب، أو كان في جزيرة كبيرة. وأما الصائد فيشترط فيه: ١ - أن ينوي. ٢ - وأن يسمي حال الإرسال فإن ترك التسمية عامدا لم يؤكل مصيده بخلاف النسيان. ٣ - وأن يكون مسلما وهذا خاص بصيد البر، وأما صيد البحر فإنه جائز لكل أحد. ٤ - وأن يكون عاقلا فالمجنون والسكران لا يصح منهما. (وكذلك) جائز أكل كل (ما أنفذت الجوارح مقاتله قبل قدرتك على ذكاته) إذا تبعته ولم تفرط في طلبه (و) أما (ما أدركته قبل إنفاذها) لمقاتله (لم يؤكل إلا بذكاة) ولا يجوز أكله بدون ذكاة. لحديث عدي بن حاتم ﵁

стр. 845

أن النبي ﷺ قال: «إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك، فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل، ولم يأكل منه فكله» وفي رواية: «وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاة» (١). قال ابن عمر: يريد إذا فرط لم تكن عنده السكين وأخذ يطلبها من غيره حتى مات. أما إن لم يفرط فإنه يؤكل وإن لم تنفذ مقاتله إذا نيبه؛ أي: أصابه بنابه إذ لا بد من الإدماء ولو في الأذن سواء شق جلده أم لا، لا أن يكون شق جلده بدون إدماء في وحشي صحيح، فلا يكفي بخلافه في مريض فيكفي، لأنه قد يكون قليل الدم. (وكل ما صدته بسهمك أو رمحك) وكل سلاح عصري ببارود ونحوه وبكل ما له حد ولو غير حديد وقتله السهم أو الرمح أو جرحه ومات قبل قدرتك على ذكاته (فكله) حيث نويت وسميت عند رمي السهم أو الرمح فلو أدركته حيا بعد إنفاذ شيء من مقاتله ندب تذكيته (فإن أدركت ذكاته فذكه، وإن فات بنفسه فكله إذا قتله سهمك) لحديث عدي: وسئل رسول الله ﷺ عن صيد المعراض فقال: «ما خرق فكل وما قتل بعرضه فقتل فلا تأكل، فإنه وقيذ» (٢)، وفي لفظ: «فأدركته حيا فاذبحه». ومفهوم قوله: سهمك أيضا وكلبك فلو قتله سهم آخر أو كلب آخر فلا تأكل؛ لأنك سميت على كلبك ولم تسم على الآخر، ولربما لم يسم عليه صاحبه وذلك لقول النبي ﷺ قال: «إذا أرسلت كلبك وسميت فكل» قلت: أرسل كلبي فأخذ معه كلبا آخر؟ قال: «لا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر» (٣)، وفي لفظ: «وإذا خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل» (٤)، وفي حديث أبي ثعلبة: «وما صدت بقوسك ذكرت اسم الله عليه فكل».

стр. 846

(ما لم يبت عنك) لا خصوصية للسهم بذلك الشرط الذي هو قوله: «ما لم يبت عنك، فقد قال في المدونة: إذا بات عنه الصيد ثم وجده منفود المقاتل فإنه لا يؤكل وسواء في ذلك الكلب والباز والسهم، كما نبهنا على ذلك، وحينئذ فالأولى للمصنف أن يحذف قوله: إذا قتله سهمك» (وقيل: إنما ذلك؛ أي: عدم أكل ما فات بنفسه فيما بات عنك فيما قتلته الجوارح، وأما السهم يوجد في مقاتله فلا بأس بأكله) لا بأس هنا بمعنى الجواز. أما السهم فلحديث عدي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «وإن رميت سهمك، فاذكر اسم الله، فإن غاب عنك يوما، فلم تجد فيه إلا أثر سهمك، فكل إن شئت، وإن وجدته غريقا في الماء، فلا تأكل» (١)، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁: «أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أفتني في سهمي قال: قال: ما رد عليك سهمك فكل قال: وإن تغيب علي؟ قال: وإن تغيب عليك، ما لم تجد فيه أثر سهمك غير سهمك أو تجده قد صل» (٢)»، وعن أبي ثعلبة عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا رميت الصيد فأدركته بعد ثلاث وسهمك فيه فكله ما لم ينتن» (٣). ولأن جرحه بسبب سهمه وقد وجد يقينا ولا يدفع بشك عارض. والله أعلم. (ولا تؤكل الإنسية بما يؤكل به الصيد) ظاهره ولو ندت والتحقت بالوحش، وكذلك الحيوان الوحشي إذا تأنس وصار مقدورا عليه، فلا يؤكل

стр. 847

إلا بالذبح هكذا قال مالك، وربيعة، والليث بن سعد، واحتج لمالك بأن الحيوان الإنسي إذا توحش لم يثبت له حكم الوحشي بدليل أنه لا يجب على المحرم الجزاء بقتله، وخالفهم الجمهور، قال أبو عمر (١): وقول الجمهور أظهر في أهل العلم لحديث رافع بن خديج في غنائم خيبر قال: «فند منها بعير، فطلبوه، فأعياهم وكان في القوم خيل يسيرة، فأهوى رجل منهم بسهم، فحبسه الله» ثم قال: «إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا» (٢). وقد علل المالكية بأن فعلهم ذلك للبعير من قبل النادر، والنادر لا يؤخذ به، قلت: لكن يرده قول النبي ﷺ وهو دليل في العموم: «فاصنعوا به هكذا». العقيقة • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والعقيقة سنة مستحبة ويعق عن المولود يوم سابعه بشاة مثل ما ذكرناه من سن الأضحية وصفتها ولا يحسب في السبعة الأيام اليوم الذي ولد فيه. وتذبح ضحوة. ولا يمس الصبي بشيء من دمها. ويؤكل منها ويتصدق وتكسر عظامها. وإن خلق شعر رأس المولود وتصدق بوزنه من ذهب أو فضة فذلك مستحب حسن. وإن خلق رأسه بخلوق بدلا من الدم الذي كانت تفعله الجاهلية فلا بأس بذلك).

стр. 848

الشرح العقيقة هي: الذبيحة التي تذبح عن المولود وقيل: هي الطعام الذي يصنع ويدعى إليه من أجل المولود. قال أبو عبيد: الأصل في العقيقة الشعر الذي على المولود وجمعها عقائق ومنها قول الشاعر: أيا هند لا تنكحي بوهة … عليه عقيقته أحسبا (١) ثم إن العرب سمت الذبيحة عند حلق شعره عقيقة على عاداتهم في تسمية الشيء باسم سببه أو ما جاوره، ثم اشتهر ذلك حتى صار من الأسماء العرفية وصارت الحقيقة مغمورة فيه فلا يفهم من العقيقة عند الإطلاق إلا الذبيحة (٢). • حكم العقيقة: (والعقيقة سنة) في قول عامة أهل العلم منهم ابن عباس وابن عمر وعائشة رضي الله وفقهاء التابعين وأئمة الأمصار أطلقت شرعا على الشاة المذبوحة يوم سابع المولود منقولة من معناها، لغة: وهو شعر رأس المولود، لأنها تذبح عند حلقه، وهي في الأصل: فعيلة بمعنى مفعولة من العق وهو القطع. ولا يخفى وجوده في كل من الشعر، والذبيحة لقطع أوداجها وحلقها وقوله: (مستحبة) فيه نظر لأن الشيء الواحد لا يجتمع فيه حكمان وأجيب عنه بأنه عنى بقوله: مستحبة؛ أي: غير مؤكدة، وحكى ابن عبد البر عن مالك أنها سنة واجبة يجب العمل بها (٣). والأصل في مشروعيتها قوله ﷺ : ﴿من ولد له ولد، فأحب أن ينسك عن ولده، فليفعل﴾ (٤)، وما رواه أحمد بسند جيد من حديث

стр. 849

سمرة بن جندب ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «كل غلام رهينة بعقيقته، يذبح عنه يوم سابعه، ويحلق، ويسمى» (١). (ويعق عن المولود) ذكرا كان أو أنثى (يوم سابعه)؛ أي: سابع ولادته بشرط حياته إليه لحديث سمرة ﵁ (بشاة) من الضأن أو المعز والحجة في ذلك لمالك ولمن قال بقوله ما رواه أيوب عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: «أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن، والحسين كبشا كبشا» (٢)، كان ابن عمر ﵄ يقول: «شاة شاة عن الغلام والجارية» (٣). وعن هشام بن عروة «أن أباه عروة بن الزبير كان يعق عن بنيه، الذكور والإناث، بشاة شاة» (٤). من مات له ولد قبل السابع فماذا يفعل؟ إن مات قبل السابع فليس عليهم أن يذبحوا عنه (٥)، ولكن يسمى (٦). ويشترط في النسيكة أن تكون (مثل ما ذكرناه) فيما تقدم (من سن الأضحية) وهو الجذع من الضأن والثني من المعز (وصفتها) بأن تكون سليمة من العيوب، قال أبو عمر: وقد أجمع العلماء أنه لا يجوز في العقيقة إلا ما يجوز في الضحايا من الأزواج الثمانية، إلا ما شد مما لا يعد خلافا. اه (٧).

стр. 850

(ولا يحسب في السبعة الأيام اليوم الذي ولد فيه) من بعد الفجر، فإن ولد مع الفجر حسب (١)، وقال أصبغ: يلغى ذلك اليوم وإن حسب سبعة أيام من تلك الساعة إلى مثلها أجزأ (٢). (وتذبح ضحوة) قياسا على الأضحية على جهة الاستحباب، ويكره من بعد الزوال إلى الغروب فلا يجزئ ذبحها ليلا على المشهور، ولا قبل طلوع الشمس (٣). (ولا يمس الصبي بشيء من دمها) كما تقدم من قول مالك وذلك حذرا مما كان يفعله أهل الجاهلية لأن النبي ﷺ قال: «مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دما، وأميطوا عنه الأذى» (٤) وهذا يقتضي أن لا يمس بدم لأنه أذى. وروى يزيد بن عبد المزني عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «يعق عن الغلام، ولا يمس رأسه بدم» (٥). (ويؤكل منها ويتصدق)؛ أي: يستحب أن يطعم منها أهل بيته وجيرانه. ولا حد للإطعام فيها بل يأكل ما شاء ويتصدق بما شاء، ولو قدم الصدقة لكان أولى لما قيل: إنها لا تكون عقيقة حتى يتصدق بها كلها أو بعضها، فالمقصود من العقيقة الصدقة، والصدقة تكون منها طريا ومطبوخا (٦)، لما روي عن عائشة أنها قالت: «عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة تقطع جدولا (٧)، ولا يكسر لها عظم، فيأكل، ويطعم، ويتصدق» (٨)

стр. 851

(وتكسر عظامها) استحبابا مخالفة للجاهلية، فإنهم كانوا لا يكسرون عظامها مخافة ما يصيب الولد (١)، وقال عبد الوهاب: مباح وليس بمستحب (٢)، (وإن حلق شعر رأس المولود) ذكرا كان أو أنثى (٣) (وتصدق بوزنه من ذهب أو فضة فذلك مستحب) لما في حديث علي ﵁: أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن بكبش وقال: «يا فاطمة احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة» فوزناه فكان درهما أو بعض درهم (٤). وقوله: (حسن) تأكيد فإن المستحب هو الحسن، ويستحب أن يسمى يوم سابعه إن عق عنه، وإن لم يعق عنه سمي قبل ذلك، لأن النبي ﷺ قال: «ولد الليلة لي غلام فسميته باسم أبي إبراهيم» (٥)، وسمى الغلام الذي جاءه به أنس بن مالك فحنكه وسماه عبد الله (٦). ويستحب أن يسبق إلى جوف المولود الحلاوة لأنه ﷺ حنك عبد الله بن أبي طلحة بتمرة، ويستحب أن يحسن اسمه لأنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم» (٧)، وعن أبي وهب الجشمي ﵁ وكانت له صحبة قال: قال رسول الله ﷺ : «تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام» (٨) حديث صحيح.

стр. 852

(وإن خلق رأسه بخلوق) بفتح الخاء كالطيب والزعفران، ابن العربي (١). ولا يسمى خلوقا حتى يعجن بماء الورد لما مر من حديث بريدة وعائشة ﵂، وذلك (بدلا من الدم الذي كانت تفعله الجاهلية فلا بأس بذلك) لما في حديث بريدة ﵁ قال: «كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح شاة، ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران» (٢). مسألة: إن ذبح أضحيته للأضحية والعقيقة، أو أطعمها وليمة، قال ابن العربي: قال شيخنا أبو بكر الفهري: إذا ذبح أضحيته للأضحية والعقيقة لا يجزيه، وإن أطعمها وليمة أجزأه. والفرق أن المقصود في الأولين إراقة الدم وإراقته لا تجزئ عن إراقتين، والمقصود من الوليمة الإطعام وهو غير مناف للإراقة فأمكن الجمع اه (٣). فرع: قال الشبيبي: سئل مالك عن ادخار لحم العقيقة؟ فقال: شأن الناس أكله وما بذلك بأس اه (٤). الختان • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والختان سنة في الذكور واجبة، والخفاض في النساء مكرمة). الشرح (الختان): بكسر المعجمة وتخفيف المثناة مصدر ختن؛ أي: قطع، والختن بفتح ثم سكون قطع بعض مخصوص من عضو مخصوص، قال

стр. 853

الزرقاني: «الاختتان: هو قطع القلفة التي تغطي الحشفة من الرجل، وقطع بعض الجلدة التي بأعلى الفرج من المرأة كالنواة أو كعرف الديك، ويسمى ختان الرجل إعذارا، وختان المرأة خفضا بمعجمتين» (١). (والختان سنة في الذكور) وكذا عبر في آخر الكتاب وزاد هنا (واجبة)؛ أي: مؤكدة (٢)، وقال سحنون بوجوبه (٣)، لحديث أبي هريرة له: «أن رسول الله ﷺ قال: الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب» (٤) ولحديث عثيم عن أبيه عن جده له أنه جاء إلى النبي ﷺ فقال له: «ألق عنك شعر الكفر، واختتن» (٥)، ولحديث أبي المليح بن أسامة عن أبيه عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء» (٦) • وقت الختان: قال مالك: وحد وقت الختان من وقت يؤمر بالصلاة من سبع سنين إلى عشر؛ وكره أن يختن يوم يولد أو يوم سابعه، وقال: هو من فعل اليهود، ولم يكن هذا من عمل الناس إلا حديثا (٧)، قلت: جاء من حديث جابر: «أن

стр. 854

رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين، وختنهما لسبعة أيام (١). واختلف في الكبير إذا أسلم وخاف على نفسه هل يختن أم لا؟ قال سحنون يلزمه الختان، قائلا: أرأيت إن وجب قطع سرقة أيترك للخوف على نفسه؛ ومن ترك الختان لغير عذر لم تجز إمامته ولا شهادته. (والخفاض في النساء) مكرمة، وليس بسنة واجبة (٢)، ويستحب قطع الجلدة المستعلية من الفرج دون استئصاله فإنه (مكرمة) بفتح الميم وضم الراء؛ أي: كرامة بمعنى مستحب، فعن أم عطية ﷺ أن امرأة كانت تختن بالمدينة فقال لها النبي ﷺ : «لا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة» (٣). وهنا انتهى الكلام على النصف الأول من الرسالة ولله الحمد ثم انتقل يتكلم على النصف الثاني فقال:

стр. 855

كتاب الجهاد • قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب في الجهاد: والجهاد فريضة يحمله بعض الناس عن بعض. وأحب إلينا أن لا يقاتل العدو حتى يدعوا إلى دين الله إلا أن يعاجلونا فإما أن يسلموا أو يؤدوا الجزية، وإلا قوتلوا. وإنما تقبل منهم الجزية إذا كانوا حيث تنالهم أحكامنا فأما إن بعدوا منا فلا تقبل منهم الجزية إلا أن يرتحلوا إلى بلادنا، وإلا قوتلوا. والفرار من العدو من الكبائر إذا كانوا مثلي عدد المسلمين فأقل فإن كانوا أكثر من ذلك فلا بأس بذلك. ويقاتل العدو مع كل بر وفاجر من الولاة. ولا بأس بقتل من أسر من الأعلاج. ولا يقتل أحد بعد أمان ولا يخفر لهم بعهد ولا يقتل النساء والصبيان ويجتنب قتل الرهبان والأحبار إلا أن يقاتلوا، وكذلك المرأة تقتل إذا قاتلت. ويجوز أمان أدنى المسلمين على بقيتهم، وكذلك المرأة والصبي إذا عقل الأمان وقيل: إن أجاز ذلك الإمام جاز. وما غنم المسلمون بإيجاف فليأخذ الإمام خمسه ويقسم الأربعة الأخماس بين أهل الجيش. وقسم ذلك ببلد الحرب أولى. وإنما يخمس ويقسم ما أوجف عليه بالخيل والركاب، وما غنم بقتال.

стр. 856

ولا بأس أن يؤكل من الغنيمة قبل أن يقسم الطعام والعلف لمن احتاج إلى ذلك. وإنما يسهم لمن حضر القتال أو تخلف عن القتال في شغل المسلمين من أمر جهادهم ويسهم للمريض وللفرس الرهيص. ويسهم للفرس سهمان وسهم لراكبه. ولا يسهم لعبد ولا لامرأة ولا لصبي إلا أن يطيق الصبي الذي لم يحتلم القتال ويجيزه الإمام ويقاتل فيسهم له ولا يسهم للأجير إلا أن يقاتل. ومن أسلم من العدو على شيء في يده من أموال المسلمين فهو له حلال. ومن اشترى شيئا منها من مال العدو لم يأخذه ربه إلا بالثمن. وما وقع في المقاسم منها فربه أحق به بالثمن، وما لم يقع في المقاسم فربه أحق به بلا ثمن. ولا نفل إلا من الخمس على الاجتهاد من الإمام. ولا يكون ذلك قبل القسم. والسلب من النفل. والرباط فيه فضل كبير وذلك بقدر كثرة خوف أهل ذلك الثغر، وكثرة تحرزهم من عدوهم. ولا يغزى بغير إذن الأبوين إلا أن يفجأ العدو مدينة قوم ويغيرون عليهم ففرض عليهم دفعهم ولا يستأذن الأبوان في مثل هذا). الشرح (باب في) حكم (الجهاد): والجهاد بكسر الجيم أصله لغة: المشقة، يقال: جهدت جهادا بلغت المشقة.

стр. 857

واصطلاحا: قتال مسلم كافرا غير ذي عهد، لإعلاء كلمة الله أو حضوره له، أو دخوله أرضه له (١). • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والجهاد فريضة) من فروض الكفايات لا يجوز تركه إلا لعذر، وقال المازري: قال ابن المسيب وغيره: هو فرض على الأعيان (٢) قال تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ [التوبة: ٣٦]، ولقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾ [البقرة: ٢١٦] الآية. ولا يكف عن الكفار إلا أن يدخلوا في ديننا أو يؤدوا الجزية في بلدنا، ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع: أحدهما: إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان حرم على من حضر الانصراف وتعين عليه المقام لقول الله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا﴾ [الأنفال: ٤٥]. الثاني: إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم (٣). الثالث: إذا استنفر الإمام قوما لزمهم النفير معه لقول الله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم أنفروا في سبيل الله أنا قلتم إلى الأرض﴾ [التوبة: ٣٨] الآية والتي بعدها، وقال النبي ﷺ : «إذا استنفرتم فانفروا» (٤)؛ أي: إذا طلب الإمام منكم الخروج إلى الجهاد. (فانفروا)؛ أي: فاخرجوا. وما عدا هذه يكون فرض كفاية (٥). وإليه أشار بقوله: (يحمله بعض الناس عن بعض) لقوله تعالى: ﴿لا﴾

стр. 858

يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى [النساء: ٩٥]؛ أي: المثوبة الحسنى وهي الجنة، وهذا يدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم وقال تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا﴾ [التوبة: ١٢٢]. وتواتر في السنة أنه أرسل قوما دون آخرين، وبقي مع أصحابه في المدينة. • تشوف الإسلام لدخول الناس فيه بدل القتال: (وأحب إلينا)؛ أي: المالكية أن لا يقاتل العدو حتى يدعوا إلى دين الله؛ أي: حتى تدعى كل فرقة إلى الخروج عما كفرت به فيدعى إلى الشهادتين من لم يقر بمضمونهما، ويدعى إلى عموم رسالة المصطفى ﷺ من ينكر العموم ويدعون إلى ذلك ثلاثة أيام متوالية في كل يوم مرة لحديث سهل بن سعد ﷺ أنه سمع النبي ﷺ يوم خيبر فقال: «أين علي؟ فقيل: إنه يشتكي عينيه، فأمر فدعا له فبصق في عينيه فبرأ مكانه حتى كأن لم يكن به شيء فقال: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهتدي بك رجل واحد خير لك من حمر النعم» (١). (إلا أن يعاجلونا)؛ أي: يبادرونا بالقتال فإن الدعوة حينئذ لا تستحب بل يجب قتالهم لقوله تعالى: ﴿فإن قتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين﴾ [البقرة: ١٩١]. وظاهر قوله (فإما أن يسلموا أو يؤدوا الجزية) أنهم يخيرون بين الأمرين دفعة واحدة فإن أجابوا إلى أحدهما كف عنهم لقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صغرون﴾

стр. 859

[التوبة: ٢٩]، ولحديث بريدة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم الذي يجري على المسلمين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم» … . الحديث (١). (وإلا قوتلوا)؛ أي: فلو أسرعوا لمقاتلتنا كافين عن دعوتنا؛ أي: تاركين لها قوتلوا دونها لأن الدعوة حينئذ حرام وإنما تقبل منهم الجزية إذا كانوا حيث تنالهم أحكامنا، فأما إن بعدوا منا فلا تقبل منهم الجزية إلا أن يرتحلوا إلى بلادنا وإلا قوتلوا كما مر في حديث بريدة وغيره، قال ابن عمر: هذا الشرط في أهل العنوة، وأما أهل الصلح فلا يشترط فيهم هذا الشرط وتقبل منهم الجزية في موضعهم لأنهم منعوا أنفسهم حتى صالحوا على أنفسهم وبلادهم. • حكم من فر من العدو: (والفرار) بكسر الفاء أن يولي (من العدو) عده العلماء (من الكبائر) لقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار﴾ [الأنفال: ١٥]، ولحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا

стр. 860

السبع الموبقات، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» (١). ومحل ارتكاب الكبيرة (إذا كانوا)؛ أي: العدو من الكفار (مثلي عدد المسلمين فأقل) سواء كان المسلمون مثلهم في القوة أو أشد أو جهل الأمر، وهو المشهور، إذ المشهور يعتبر الضعف بحسب العدد لا القوة، ومحل حرمة الفرار إذا فر ونيته عدم الرجوع، أما إذا فعل ذلك مكيدة أو تحيزا إلى فئة بأن يرى العدو الانهزام حتى يتبعه فيكر عليه أو يرجع إلى الأمير أو إلى جماعة المسلمين لأجل أن يستعين بهم فلا يحرم الفرار إذا فعن ابن عباس: «لما نزلت ﴿إن يكن منكم عشرون صبرون يغلبوا مائتين﴾ [الأنفال: ٥٦] فكتب عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين. ثم نزلت: ﴿الئن خفف الله عنكم﴾ [الأنفال: ٦٦] الآية فكتب أن لا تفر مائة من مائتين» (٢)؛ وقال ابن عباس: «من فر من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فلم يفر» (٣). (فإن كانوا)؛ أي: العدو (أكثر من ذلك)؛ أي: من مثلي عدد المسلمين (فلا بأس بذلك) الفرار من العدو، وظاهره ولو بلغ المسلمون اثني عشر ألفا وهو كذلك في النوادر عن سحنون، ونقل ابن رشد عن جمهور أهل العلم وارتضاه: أن المسلمين إذا بلغوا اثني عشر ألفا لا يجوز لهم الفرار وإن كان الكفار أكثر من مثليهم (٤). وقيد به بعضهم كلام الشيخ، واعتمده صاحب المختصر (٥). فعن ابن عباس له عن النبي ﷺ قال: خير الصحابة أربعة

стр. 861

وخير السرايا أربع مائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة» (١). • وجوب الجهاد مع الأمراء برهم وفاجرهم: (ويقاتل العدو) بالبناء للمفعول؛ أي: ويجب على كل من وجب عليه الجهاد أن يقاتل العدو من الكفار (مع كل بر) بفتح الموحدة وهو الموفي بالعهود (و) مع كل (فاجر) وهو الجائر في أحكامه (من الولاة) لقوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩]، ولحديث أبي هريرة: «الجهاد ماض مع البر والفاجر» (٢)، قال القرافي: «في الكتاب لا بأس بالجهاد مع ولاة الجور، لأنه لو ترك لأضر بالمسلمين، واستدل البخاري على ذلك بقوله ﷺ : «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» (٣)، ولأنا إن استطعنا إزالة منكرهم أطعنا طاعتين بالجهاد وإزالة المنكر، وإلا سقط عنا وجوب الإنكار فنطيع بالجهاد» (٤)، وقال النووي: «المراد بأولي الأمر من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير العلماء من السلف والخلف من المفسرين والفقهاء». اه (٥). قوله: «لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل» فيه دليل على أنه لا فرق في حصول فضيلة الجهاد بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل أو الجائر.

стр. 862

• حكم من يستحق القتل من الأسرى وغيرهم ومن لا يستحق ذلك: (ولا بأس بقتل من أسر من الأعلاج): جمع علج وهو الرجل من كفار العجم؛ أي: إذا كان في قتله مصلحة بل لا مفهوم هنا للأعلاج فكل من أسر فالإمام مخير فيهم فإن رأى القتل فعله للنكاية في العدو، وإن رأى الاسترقاق فعل أو المن أو الفداء (١) لقوله تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أتخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها﴾ [محمد: ٤]، فخير سبحانه بين المن والفداء، ولحديث جبير بن مطعم ﵁: «أن النبي ﷺ قال في أسارى بدر: لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له» (٢). (ولا يقتل أحد من العدو بعد أمان) كان الأمان من الإمام أو غيره على المشهور (٣)، لحديث عبد الله بن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما» (٤). (ولا يخفر لهم)؛ أي: للعدو (بعهد) والإخفار نقض العهد وليس هذا تكرارا مع ما قبله، فإن الأول خاص بالقتل، وهذا عام في القتل وغيره، لما روى مسلم بلفظ: «إن ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» وهو أيضا متفق عليه من حديث علي من طريق أخرى بأطول من هذا (٥)، (ولا يقتل النساء و) لا (الصبيان) لما صح من نهيه ﵊ عن قتلهم، في أحاديث منها حديث ابن عمر ا قال: «وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي ﷺ فنهى رسول الله ﷺ عن

стр. 863

قتل النساء والصبيان» (١). وكذلك لا تضرب عليهم الجزية ويتخير الإمام فيهم بين ثلاثة أوجه: الاسترقاق والعتق والفداء ويجتنب قتل الرهبان جمع راهب وهو العابد، ليس النهي عن قتل الرهبان ونحوهم لفضل ترهبهم بل هم من الله أبعد من غيرهم لشدة كفرهم، وإنما تركوا لتركهم أهل دينهم فصاروا كالنساء (٢)، (و) قتل (الأحبار) جمع حبر بفتح الحاء وكسرها وهو الأفصح: العالم. لحديث ابن عباس ﵄: «ولا أصحاب الصوامع» (٣). واختلف في مرجع الضمير من قوله: (إلا أن يقاتلوا) فقيل: عائد على جميع من تقدم من النساء والصبيان والرهبان والأحبار، وقيل: عائد على الرهبان وما بعده واستقرب لسلامته من التكرار مع قوله: (وكذلك المرأة تقتل إذا قاتلت) ظاهره كان ذلك في حال القتال أو بعده، وقيده ابن عمر الأنفاسي بقوله - يعني حال القتال: وأما إذا برد القتال فلا تقتل، والراجح أنها إذا قاتلت بسلاح تقتل مطلقا حال القتال وبعده، ولو لم تقتل أحدا (٤)، وذلك لحديث ابن عباس لا قال: رأيت رسول الله ﷺ قد رأى امرأة فقال: «من قتل هذه؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله نازعتني سيفي، فسكت رسول الله ﷺ » (٥)؛ قال أبو عمر: «لم يختلف العلماء فيمن قاتل من النساء والشيوخ أنه مباح قتله، ومن قدر على القتال من الصبيان وقاتل» قتل (٦)

стр. 864

• إجارة المسلم الكافر: (ويجوز أمان أدنى المسلمين) وهو الخسيس الذي إذا غاب لا ينتظر، وإذا حضر لا يستشار (على بقيتهم) لحديث علي ﵁: عن النبي ﷺ أنه قال: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم» (١). فأمان الشريف أحرى بالجواز، وهذا في قوم مخصوصين؛ أي: في قوم كفار مخصوصين. وأما أهل ناحية أو بلد فلا يعقد لهم الأمان إلا السلطان فإن عقد غيره نقضه إن شاء. قال في «الجواهر»: وشرط الأمان أن لا يكون على المسلمين ضرر فلو أمن جاسوسا أو طليعة أو من فيه مضرة لم ينعقد (٢). (وكذلك المرأة) يجوز أمانها لحديث أبي هريرة ﵁: «عن النبي ﷺ قال: إن المرأة لتأخذ للقوم يعني تجير على المسلمين» (٣). ولأن أم هانئ ﵂ أجارت فأجاز النبي ﷺ جوارها وقال: «لقد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» (٤). (والصبي) مثلها يجوز أمانه (إذا عقل الأمان)؛ أي: علم أن نقض الأمان حرام يعاقب عليه والوفاء به واجب يثاب عليه لقوله ﷺ : «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم» (٥)، (وقيل: إن أجاز ذلك)؛ أي: أمان الصبي (الإمام جاز) وإن لم يجزه لم يجز (٦). • حكم الغنائم: الغنائم: جمع غنيمة، يقال: غنم فلان الغنيمة، يغنمها. وأصل الغنيمة: الربح والفضل.

стр. 865

قال ابن عرفة: «الغنيمة ما كان بقتال أو بحيث يقاتل عليه» (١). وقد كانت الغنائم محرمة أخذها في الأمم السابقة (٢)، وفضل الله تعالى بها نبينا ﷺ وأمته على سائر الأمم، فقد جاء عنه ﷺ أنه: « … وأحلت لي الغنائم، وحرمت على من كان قبلي … الحديث» كما في «الصحيحين» من حديث جابر بن عبد الله ﵁ (٣). قال المصنف رحمه الله تعالى: (وما غنم المسلمون) من العدو (بإيجاف)؛ أي: تعب وحملات في الحرب جمع حملة وهي الكرة في الحرب كما في «القاموس» (٤)، (فيأخذ الإمام خمسه) يتصرف فيه بما شاء فإما أن يضعه في بيت المال، وإما أن يصرفه في مصالح المسلمين من شراء سلاح أو غيره مما يراه مصلحة للمسلمين، وإن شاء دفعه لآل النبي ﷺ أو لغيرهم أو يجعل بعضه فيهم وبقيته في غيرهم (٥) لقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ [الأنفال: ٤١]، وهذا إذا كان الذي غنموه غير أرض من كراع - بوزن غراب - الخيل كما في «المصباح»، وقماش وعبيد ومال وحنطة، وأما الأرض فلا تخمس ولا تقسم بل توقف ويصرف خراجها في مصالح المسلمين (٦)، (و) بعد أن يأخذ الإمام خمس المغنم (يقسم الأربعة الأخماس) الباقية (بين أهل الجيش المجاهدين) الإضافة للبيان؛ أي: أهل هم الجيش، ولا خلاف في ذلك (٧)، لحديث عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين قال: أتيت النبي ﷺ وهو بوادي القرى وهو يعرض فرسا، فقلت: يا رسول الله، ما تقول في

стр. 866

الغنيمة؟ قال: «الله خمسها، وأربعة أخماس للجيش». قلت: فما أحد أولى به من أحد؟ قال: «لا، ولا السهم تستخرجه من جنبك ليس أنت أحق به من أخيك المسلم» (١). (وقسم ذلك)؛ أي: ما غنمه المسلمون (ببلد الحرب أولى) لما وقع منه ﷺ من ذلك لما فيه من نكاية في العدو، لحديث رافع ﵁ قال: «كنا مع النبي ﷺ بذي الحليفة فأصبنا غنما وإبلا، فعدل عشرة من الغنم ببعير» (٢)، ولحديث أنس ﵁ قال: «اعتمر النبي ﷺ من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين» (٣)، قال الحافظ (٤): وكلا الحديثين ظاهر فيما ترجم له؛ (أي: البخاري) حيث أشار إلى الرد على قول الكوفيين: «إن الغنائم لا تقسم في دار الحرب، والجمهور أن ذلك راجع إلى نظر الإمام واجتهاده». اه .. (وإنما يخمس ويقسم ما أوجف)؛ أي: حمل (عليه بالخيل والركاب)؛ أي: الإبل، (وما غنم بقتال) عطف عام على خاص. وأما الفيء وهو الذي أخذ بغير إيجاف ولا قتال كالمأخوذ ممن انجلى عنه أهله حين سماعهم بخروج جيش المسلمين عليهم فلا يخمس، ولا يقسم، بل النظر فيه للإمام مثل خمس الغنيمة يصرف حيث شاء (٥)، لقوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ [الحشر: ٧]، ولحديث عمر ﵁ قال: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ ، مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل، ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة، وكان ينفق

стр. 867

على أهله نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله» (١). (ولا بأس) بمعنى ويباح فاستعمل لا بأس هنا فيما فعله وتركه سواء (أن يؤكل من الغنيمة قبل أن تقسم الطعام والعلف لمن احتاج إلى ذلك) (٢) سواء أذن الإمام أم لا، والمراد بالطعام ما يؤكل لحما أو غيره لحديث ابن عمر ﵄: «كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه» (٣)؛ ولحديث عبد الله بن مغفل ﵁ كما تقدم في أخذه جراب الشحم (٤). • شروط من يقسم لهم من الغنيمة: لما كانت أربعة أخماس المغنم لا تقسم بين الجيش إلا بشروط شرع في بيانها فقال: (وإنما يسهم لمن حضر القتال) المراد حضور المناشبة؛ أي: المضاربة سواء قاتل أم لا، لا حضور المواجهة، فإذا قامت الصفوف ولم يتناشب القتال فلا يسهم لمن مات حينئذ، ويسهم لمن مات بعد انتشاب القتال (٥)، لحديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ في قصة بعثه أبان بن سعيد بن العاص على سرية من المدينة قبل نجد وفيه أنه لم يقسم لمن لم يحضر الوقعة (٦)، ولقول عمر ﵁: «إنما الغنيمة لمن شهد الوقعة» (٧).

стр. 868

(أو تخلف عن القتال في شغل المسلمين من أمر جهادهم) ككشف طريق، أو جلب عدد، أو نحو ذلك، لأن النبي ﷺ قسم لطلحة والزبير لأنهما اشتغلا بحاجة المسلمين، وقسم من خيبر لأهل السفينة الذين قدموا مع جعفر (١)، والحديث ابن عمر ﵄ قال: إنما تغيب عثمان عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة فقال له النبي ﷺ : «إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه» (٢). ويسهم لمن ضل عن الجيش في بلاد العدو (و) كذلك (يسهم للمريض) إذا حصل له المرض بعد القتال، أو في حال القتال؛ أي: شهد أوله صحيحا ثم مرض واستمر يقاتل مريضا، أما لو حصل له المرض قبل حضور القتال سواء كان ابتدأ مرضه في دار الحرب أو في بلاد الإسلام فلا يسهم له. (و) كذلك يسهم (للفرس الرهيص) إذا حصل بعد القتال أو في حال القتال (٣). قال ابن عمر الأنفاسي: «ليس الرهص بشرط وكذا إذا مرض بغيره» (٤). (ويسهم للفرس الواحد (سهمان) لحديث ابن عمر ﵄: «إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم» (٥)، وفي لفظ: «أسهم للفرس سهمين، وللرجل سهما» (٦)، واحترز بالفرس عن البعير والبغل والحمار فإنه لا يسهم لها، والتقيد بالواحد لإخراج ما زاد عليه فإنه لا يسهم له (٧)، (و) يسهم (سهم) واحد (لراكبه) وفيه من التسامح ما لا يخفى، فإن الراكب إنما

стр. 869

يقال لراكب الإبل، وأما راكب الفرس فإنما يقال له: فارس. والأصل فيما ذكر ما صح أنه جعل للفرس سهمين، وللفارس سهما كما ذكرنا آنفا. (و) من الشروط التي يستحق بها القسم الحرية ف (لا يسهم لعبد) قاتل أو لم يقاتل فعن عمير مولى أبي اللحم (١) قال: «شهدت خيبر مع ساداتي، فكلموا في رسول الله ﷺ فأمر بي فقلدت سيفا، فإذا أنا أجره، فأخبر أني مملوك، فأمر لي بشيء من خرثي (٢) المتاع» (٣)، (و) منها الذكورية ف (لا) يسهم (لامرأة) قاتلت أو لم تقاتل وهو قول مالك، وفي ذلك أحاديث منها حديث ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ كان يغزو بالنساء فيداوين الجرحى، ويحدين من الغنيمة وأما بسهم فلم يضرب لهن» (٤)، وذهب ابن حبيب إلى أن ذلك مما يستحب للإمام أن يفعله، وهذا على الاختلاف هل للإمام أن ينفل من جملة الغنيمة (٥). وقال ابن يونس: «من قاتل من النساء قتال الرجال أسهم لها؛ ولا يسهم للعبد وإن قاتل لأنه مستحق المنافع ويستحب للإمام أن يجزي العبد والمرأة والصبي من الخمس» (٦). (و) منها البلوغ ف (لا) يسهم (لصبي)، وأما حديث الأوزاعي قال: أسهم النبي ﷺ للصبيان بخيبر (٧)، فقد حمل الإسهام على الرضخ، قلت:

стр. 870

أو أنه يحمل على من أطاق القتال وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله: (إلا) بشروط ثلاثة: ١ - (أن يطيق) الصبي الذي لم يحتلم (القتال). ٢ - (ويجيزه الإمام) لحديث عبد الله بن عمر قال: «أن رسول الله ﷺ عرضه يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني ثم عرضني يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني … .» (١)، وحديث سمرة بن جندب ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يعرض عليه غلمان الأنصار فيلحق من أدرك … » (٢) ٣ - (ويقاتل فيسهم له) والذي نقله بهرام عن المدونة وصرح بمشهوريته: أنه لا يسهم له قاتل أو لم يقاتل، ومقتضى صنيع صاحب المختصر أن ما ذكره الشيخ مشهور أيضا (٣). (و) منها أن يخرج بنية الجهاد ف (لا يسهم للأجير) الخاص الذي ملكت منافعه كأجير الخدمة ومثله الأجير العام في عدم السهم (إلا أن يقاتل) وهو ظاهر المختصر وهو الظاهر، لما صح «أن سلمة بن الأكوع كان أجيرا لطلحة حين أدركه عبد الرحمن بن عيينة لما أغار على سرح رسول الله ﷺ أعطاه النبي ﷺ سهم الفارس والراجل» (٤)، وفرق بينهما ابن عمر الأنفاسي وليس بظاهر. وبقي من الشروط ثلاثة: أ - العقل لأن المجنون غير مكلف.

стр. 871

ب - الإسلام فلا يصح من كافر ولو أنه مطالب بفروع الشريعة لعدم إيمانه. ج - الصحة، فالمجنون المطبق لا يسهم له اتفاقا، والذمي لا يسهم له اتفاقا إن لم يقاتل ولا إن قاتل على المشهور، والزمن؛ أي: المقعد؛ أي: الذي لا رأي له بل ولو كان ذا رأي وتدبير على المشهور (١)، لكن يجب عليه النصح لقوله تعالى: ﴿وليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم﴾ [التوبة: ٩١] والله أعلم. (ومن أسلم من العدو على شيء في يده من أموال المسلمين فهو له حلال) لقوله ﷺ : «من أسلم على شيء فهو له» رواه ابن وهب (٢)، وقال ابن ناجي ظاهر كلامه لو أسلم على أحرار المسلمين أنهم ينتزعون منه، وهو المشهور. وعليه يكون الانتزاع مجانا بغير عوض، وإنما كان هذا ظاهر كلامه لأنه قال: وفي يده شيء من أموال المسلمين والحر ليس بمال (٣). • حكم ما اشتري من العدو وما وقع في المقاسم: (ومن اشترى من المسلمين بدار الحرب شيئا منها)؛ أي: من أموال المسلمين، وكذا من أموال أهل الذمة (من مال العدو لم يأخذه ربه) ممن اشتراه إلا بالثمن الذي أخذه به في دار الحرب إن كان يحل له تملكه. أما إن كان لا يحل له تملكه كالخمر والخنزير فإن ربه يأخذه من غير شيء لحديث تميم بن طرفة قال: «إن العدو أصابوا ناقة رجل من المسلمين، فاشتراها رجل من المسلمين من العدو فعرفها صاحبها، وأقام عليها البينة، فاختصما إلى

стр. 872

النبي ﷺ ، فقضى النبي ﷺ أن يدفع إليه الثمن الذي اشتراها به من العدو، وإلا خلى بينها وبين المشتري» (١). (وما وقع في المقاسم منها)؛ أي: من أموال المسلمين (فربه أحق به بالثمن) لحديث ابن عباس ﵁ «فيما أحرز العدو فاستنقذه المسلمون منهم، أو أخذه صاحبه قبل أن يقسم فهو أحق فإن وجده وقد قسم فإن شاء أخذه بالثمن» (٢)، هذا إذا وجده مع من اشتراه من الغنيمة، أما إذا وجده في يد من أخذه في سهمه أو جهل الثمن فلا يأخذه إلا بالقيمة لتعلق حق الغير به. (وما لم يقع في المقاسم منها فربه أحق به بلا ثمن) قصده أن المسلم أو الذمي إذا وجد أحدهما متاعه في الغنيمة قبل قسمتها وشهدت له البينة بذلك فإنه يأخذه بغير عوض، لما في حديث ابن عمر ﵄ قال: «ذهب فرس له فأخذه العدو، فظهر عليه المسلمون فرد عليه في زمن رسول الله ﷺ ، وأبق عبد له فلحق بالروم، فظهر عليهم المسلمون فرده عليه خالد بن الوليد رضى الله بعد النبي ﷺ » (٣). قال مالك فيما يصيب العدو من أموال المسلمين: «إنه إن أدرك قبل أن تقع فيه المقاسم، فهو رد على أهله. وأما ما وقعت فيه المقاسم، فلا يرد على أحد». وسئل مالك عن رجل حاز المشركون غلامه، ثم غنمه المسلمون. قال مالك: «صاحبه أولى به بغير ثمن، ولا قيمة، ولا غرم، ما لم تصبه المقاسم.

стр. 873

فإن وقعت فيه المقاسم، فإني أرى أن يكون الغلام لسيده بالثمن، إن شاء» (١)، لكن بعد أن يحلف اليمين الشرعية أنه ما باع ولا وهب ولا خرج عن ملكه بناقل شرعي، وأنه باق على ملكه إلى الآن. (ولا نفل) بفتح الفاء وسكونها وهو لغة: الزيادة، وشرعا: الزيادة على السهم وحكمه أنه مباح لا يعطى (إلا) لمن له سهم في الغنيمة، ولا يكون من أصل الغنيمة وإنما يكون (من الخمس على الاجتهاد من الإمام) لما روى ابن وهب: «أن رسول الله ﷺ إنما نفل يوم حنين من الخمس» (٢) ولما رواه مالك في «الموطأ» عن أبي الزناد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: «إنما كان الناس يعطون النفل من الخمس» (٣)، أما أصل النفل فمن حديث ابن عمر ﵁ له رض عنه: «بعث رسول الله ﷺ سرية إلى نجد، فخرجت فيها، فأصبنا إبلا وغنما، فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرا، اثني عشر بعيرا، ونفلنا رسول الله ﷺ بعيرا بعيرا» (٤). (ولا يكون ذلك) النفل (قبل القسم) ويروى: قبل الغنيمة. وعلى هذا لا يتصور إلا بالوعد بأن يقول مثلا: من قتل قتيلا فله سلبه؛ أي: من يقتل قتيلا وكلامه محتمل للمنع والكراهة؛ أي: نهي الإمام أو أمير الجيش نهي كراهة أو تحريم أن يقول قبل القدرة على العدو: من قتل قتيلا فله سلبه لأن ذلك يؤدي إلى إبطال نياتهم وإلى فسادها لأن بعضهم ربما ألقى بنفسه في المهالك لأجل الغرض الدنيوي فيصير قتاله لا ثواب فيه، وأما بعد انقضاء القتال فلا محذور فيه، ويكون معنى قوله: من قتل قتيلا إلخ من كان قتل قتيلا.

стр. 874

• حكم السلب: (والسلب من) جملة (النفل) فلا يعطيه الإمام إلا من الخمس على حسب اجتهاده. روى عوف بن مالك ﵁: «أن مدديا اتبعهم فقتل علجا فأخذ خالد بعض سلبه وأعطاه بعضه فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: لا تعطه يا خالد» (١). والسلب هو ما يوجد مع القتيل من ثيابه وسلاحه وما شابهها من المعتاد دون ما ينفرد بلبسه عظماء المشركين من سوار وتاج. وكذلك العين فليست هذه المذكورات من السلب على المشهور؛ أي خلافا لابن حبيب في دخول ما ذكر من السوار والتاج والعين في السلب، قال أبو عمر (٢): قال مالك: إنما قال رسول الله ﷺ : ﴿من قتل قتيلا له عليه بينة، فله سلبه﴾ (٣) بعد أن برد القتال يوم حنين، ولم يحفظ عنه ذلك في غير يوم حنين. قال: ولا بلغني عن ذلك عن الخليفتين، وليس السلب للقاتل حتى يقول ذلك. والاجتهاد في ذلك إلى الإمام. قال مالك: والسلب من النفل، ولا نفل في ذهب ولا فضة، ولا نفل إلا من الخمس .. اه. • فضل الرباط في سبيل الله تعالى: (والرباط)؛ معناه: الإقامة بالثغر مقويا للمسلمين على الكفار، والثغر كل مكان يخيف أهله العدو ويخيفهم، قال ابن عرفة: «الرباط المقام حيث يخشى العدو بأرض الإسلام لدفعه، وزاد الباجي: ولو بتكثير السواد» (٤).

стр. 875

وأصل الرباط من رباط الخيل لأن هؤلاء يربطون خيولهم، وهؤلاء يربطون خيولهم كل يعد لصاحبه فسمي المقام بالثغر رباطا وإن لم يكن فيه خيل، و (فيه فضل كبير) روي بالمثلثة والموحدة؛ أي: وفضله عظيم وأجره كبير. قال تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ [النساء: ٢٠٠] فعن زيد بن أسلم قال: «اصبروا على الجهاد، وصابروا العدو، ورابطوا الخيل» (١). ورو سلمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه وأمن الفتان» (٢). (وذلك) الفضل المذكور متفاوت بقدر كثرة خوف أهل ذلك الثغر، وكثرة تحرزهم من عدوهم وقلته والخوف والتحرز متلازمان فمتى اشتد الخوف اشتد التحرز. (ولا يغزى بغير إذن الأبوين) إذا كانا مسلمين عند ابن القاسم وعند سحنون مطلقا مسلمين أو كافرين لحديث عبد الله بن عمرو الله ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فاستأذنه في الجهاد، فقال: «أحي والداك؟»، قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد» (٣)، قال جمهور العلماء: يحرم الجهاد إذا منع الأبوان

стр. 876

أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين، لأن برهما فرض عين عليه، والجهاد فرض كفاية، فإذا تعين الجهاد فلا إذن. اه (١). (إلا أن يفجأ العدق)؛ أي: ينزلوا (مدينة قوم ويغيرون عليهم)؛ أي: على أهل المدينة أو غيرها من القرى (ففرض عليهم)؛ أي: على أهل المدينة وغيرها (دفعهم) وهذا هو المسمى عند العلماء بجهاد الدفع، ولا يستأذن الأبوان في مثل هذا؛ أي: فيجب على من له أب ومن لا أب له عبدا كان أو حرا، وعلى هذا فيسهم للعبيد هنا لأنهم مخاطبون بالجهاد لأننا إنما منعناهم من السهم لأنهم كانوا غير مخاطبين والآن قد خوطبوا. ويجب على من يليهم أن يعينوهم. وقول المصنف: ولا يستأذن الأبوان في مثل هذا؛ أي: هذا ومثله من فرائض الأعيان كالحج والصلاة وطلب العلم العيني لأنه إنما يلزمه طاعتهما في ترك المباحات والنوافل؛ أي: لا الفرائض المعينة (٢).

стр. 877

باب في الأيمان والنذور • قال المصنف رحمه الله تعالى: باب في الأيمان والنذور: «ومن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». ويؤدب من حلف بطلاق أو عتاق ويلزمه. ولا ثنيا ولا كفارة إلا في اليمين بالله أو بشيء من أسمائه وصفاته. ومن استثنى فلا كفارة عليه إذا قصد الاستثناء وقال: إن شاء الله ووصلها بيمينه قبل أن يصمت، وإلا لم ينفعه ذلك. والأيمان بالله أربعة: فيمينان تكفران وهو أن يحلف بالله إن فعلت أو يحلف ليفعلن، ويمينان لا تكفران إحداهما لغو اليمين وهو أن يحلف على شيء يظنه كذلك في يقينه ثم يتبين له خلافه فلا كفارة عليه ولا إثم، والأخرى الحالف متعمدا للكذب أو شاكا فهو آثم ولا تكفر ذلك الكفارة وليتب من ذلك إلى الله . والكفارة إطعام عشرة مساكين من المسلمين الأحرار مدا لكل مسكين بمد النبي ﷺ . وأحب إلينا أن لو زاد على المد مثل ثلث مد أو نصف مد. وذلك بقدر ما يكون من وسط عيشهم في غلاء أو رخص، ومن أخرج مدا على كل حال أجزاه. وإن كساهم كساهم للرجل قميص وللمرأة قميص وخمار. أو عتق رقبة مؤمنة. فإن لم يجد ذلك ولا إطعاما فليصم ثلاثة أيام يتابعهن فإن فرقهن أجزاه.

стр. 878

وله أن يكفر قبل الحنث أو بعده، وبعد الحنث أحب إلينا). الشرح (باب في الأيمان والنذور) بيان ما يجوز الحلف به من (الأيمان) وما لا يجوز، وما يلزم منها، وما لا يلزم (و) في بيان ما يجوز من (النذور) وما لا يجوز، وما يلزم منها، وما لا يلزم وغير ذلك؛ أي: الجائز وغير الجائز واللازم، وغيره في البابين كالكفارة. واليمين: «أصلها في اللغة اليد، وأطلقت على الحلف، لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه، وقيل: لأن اليد اليمنى من شأنها حفظ الشيء فسمى الحلف بذلك. ويجمع اليمين على أيمان وأيمن كرغيف وأرغف. وعرفت شرعا: «بأنها توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة الله»، وهذا أخصر التعاريف وأقربها (١). والأصل في مشروعيتها وثبوت حكمها قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ [المائدة: ٨٩]، وغيرها من الآيات ومن السنة قول النبي ﷺ : «وإني والله - إن شاء الله - لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها» (٢). وحكمها أنها كما في «المقدمات»: «أن الحلف مباح إذا كان بالله تعالى وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى؛ ومحرم وهو الحلف باللات والعزى وما يعبد من دون الله تعالى، لأن الحلف تعظيم وتعظيم هذه الأشياء كفر؛ ومكروه وهو الحلف بما عدا ذلك» (٣). (ومن كان حالفا فليحلف بالله)؛ أي: أن من أراد الحلف فليحلف

стр. 879

باسم الله أو اسم لا يتسمى به سواه كالرحمن، ولا يجوز الحلف بالنبي ولا بغيره مما هو معظم شرعا، أو غير معظم، فعن سعد بن عبيدة قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عمر فجئت سعيد بن المسيب وتركت عنده رجلا من عندة فجاء الكندي مروعا، فقلت: ما وراءك؟ قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر آئفا، فقال: أحلف بالكعبة، فقال: احلف برب الكعبة؛ فإن عمر كان يحلف بأبيه فقال له النبي ﷺ : «لا تحلف بأبيك فإنه من حلف بغير الله فقد أشرك» (١). وقال قتادة: «يكره الحلف بالمصحف، وبالعتق، والطلاق» (٢)، ويجوز أن يحلف بصفة من صفاته كعزة الله تعالى، وعظمته وجلاله وكبريائه وكلامه فهذه تنعقد بها اليمين في قولهم جميعا وذلك لأن النبي ﷺ كان يحلف فيقول: «لا ومقلب القلوب» (٣) وجاء عنه ﷺ : «أن جهنم تقول: وعزتك وكرمك» (٤) إلى آخر الصفات، (أو ليصمت)؛ أي: لا يحلف لا أنه يلزمه الصمت إذا لم يحلف بالله، وإنما كان منهيا عن الحلف بغير الله لما صح من حديث ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت﴾ (٥)، فأمر بالصمت عما عدا اليمين بالله؛ أي: فاللام لام الأمر، فظاهره الوجوب وهو مستلزم لتحريم اليمين بغير الله قاله ابن عبد السلام (٦)؛ قال اللخمي: «الحلف بالمخلوقات كالنبي ﵇ والكعبة ممنوع، فمن فعل فليستغفر الله تعالى» (٧). (ويؤدب من حلف بطلاق أو عتاق) إذا كان بالغا عالما معتادا للحلف بذلك، ويكون ذلك جرحة في شهادته، وظاهر كلامه أنه يؤدب حنث أو لم

стр. 880

يحنث، والأدب عند مالك غير محدود، بل على ما يراه الإمام من ضرب أو شتم أو غيره، ويختلف باختلاف الأشخاص والأحوال (و) مع تأديب من حلف بطلاق أو عتاق (يلزمه) ما حلف به من طلاق أو عتق إذا أيقن بالحنث، بل لو شك في الحنث أو توهمه أو ظنه فإنه يحنث على المشهور، لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة» (١)، وفي لفظ: «النكاح والطلاق والعتاق»؛ وأما لو شك هل قال: أنت طالق أو لم يقل؟ أو شك هل حلف وحنث أو لم يحلف ولم يحنث؟ فلا شيء عليه. (ولا) تنفع (ثنيا)؛ أي: استثناء بمشيئة الله تعالى مثل أن يقول الحالف بعد تلفظه بالمحلوف به: إن شاء الله، أو إلا أن يشاء الله (٢) لقول ابن عباس ﵄: «إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله فهي طالق» (٣)؛ قال الحافظ: «واحتج من قال: لا يدخل في الطلاق بأنه لا تحله الكفارة وهي أغلظ على الحالف من النطق بالاستثناء، فلما لم يحله الأقوى لم يحله الأضعف». اه (٤)، ولهذا القول في عدم نفع الاستثناء معارض أقوى من هذا كما هو عند الجمهور ورواية عن مالك، كما في حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه»، ولفظ أبي داود فيه: «فقد استثنى» (٥)، ورواية الدارقطني لحديث معاذ المتقدم:
следующие страницы →