← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين، لأن برهما فرض عين عليه، والجهاد فرض كفاية، فإذا تعين الجهاد فلا إذن. اه (١). (إلا أن يفجأ العدق)؛ أي: ينزلوا (مدينة قوم ويغيرون عليهم)؛ أي: على أهل المدينة أو غيرها من القرى (ففرض عليهم)؛ أي: على أهل المدينة وغيرها (دفعهم) وهذا هو المسمى عند العلماء بجهاد الدفع، ولا يستأذن الأبوان في مثل هذا؛ أي: فيجب على من له أب ومن لا أب له عبدا كان أو حرا، وعلى هذا فيسهم للعبيد هنا لأنهم مخاطبون بالجهاد لأننا إنما منعناهم من السهم لأنهم كانوا غير مخاطبين والآن قد خوطبوا. ويجب على من يليهم أن يعينوهم. وقول المصنف: ولا يستأذن الأبوان في مثل هذا؛ أي: هذا ومثله من فرائض الأعيان كالحج والصلاة وطلب العلم العيني لأنه إنما يلزمه طاعتهما في ترك المباحات والنوافل؛ أي: لا الفرائض المعينة (٢).

стр. 877

باب في الأيمان والنذور • قال المصنف رحمه الله تعالى: باب في الأيمان والنذور: «ومن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». ويؤدب من حلف بطلاق أو عتاق ويلزمه. ولا ثنيا ولا كفارة إلا في اليمين بالله أو بشيء من أسمائه وصفاته. ومن استثنى فلا كفارة عليه إذا قصد الاستثناء وقال: إن شاء الله ووصلها بيمينه قبل أن يصمت، وإلا لم ينفعه ذلك. والأيمان بالله أربعة: فيمينان تكفران وهو أن يحلف بالله إن فعلت أو يحلف ليفعلن، ويمينان لا تكفران إحداهما لغو اليمين وهو أن يحلف على شيء يظنه كذلك في يقينه ثم يتبين له خلافه فلا كفارة عليه ولا إثم، والأخرى الحالف متعمدا للكذب أو شاكا فهو آثم ولا تكفر ذلك الكفارة وليتب من ذلك إلى الله . والكفارة إطعام عشرة مساكين من المسلمين الأحرار مدا لكل مسكين بمد النبي ﷺ . وأحب إلينا أن لو زاد على المد مثل ثلث مد أو نصف مد. وذلك بقدر ما يكون من وسط عيشهم في غلاء أو رخص، ومن أخرج مدا على كل حال أجزاه. وإن كساهم كساهم للرجل قميص وللمرأة قميص وخمار. أو عتق رقبة مؤمنة. فإن لم يجد ذلك ولا إطعاما فليصم ثلاثة أيام يتابعهن فإن فرقهن أجزاه.

стр. 878

وله أن يكفر قبل الحنث أو بعده، وبعد الحنث أحب إلينا). الشرح (باب في الأيمان والنذور) بيان ما يجوز الحلف به من (الأيمان) وما لا يجوز، وما يلزم منها، وما لا يلزم (و) في بيان ما يجوز من (النذور) وما لا يجوز، وما يلزم منها، وما لا يلزم وغير ذلك؛ أي: الجائز وغير الجائز واللازم، وغيره في البابين كالكفارة. واليمين: «أصلها في اللغة اليد، وأطلقت على الحلف، لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه، وقيل: لأن اليد اليمنى من شأنها حفظ الشيء فسمى الحلف بذلك. ويجمع اليمين على أيمان وأيمن كرغيف وأرغف. وعرفت شرعا: «بأنها توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة الله»، وهذا أخصر التعاريف وأقربها (١). والأصل في مشروعيتها وثبوت حكمها قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ [المائدة: ٨٩]، وغيرها من الآيات ومن السنة قول النبي ﷺ : «وإني والله - إن شاء الله - لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها» (٢). وحكمها أنها كما في «المقدمات»: «أن الحلف مباح إذا كان بالله تعالى وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى؛ ومحرم وهو الحلف باللات والعزى وما يعبد من دون الله تعالى، لأن الحلف تعظيم وتعظيم هذه الأشياء كفر؛ ومكروه وهو الحلف بما عدا ذلك» (٣). (ومن كان حالفا فليحلف بالله)؛ أي: أن من أراد الحلف فليحلف

стр. 879

باسم الله أو اسم لا يتسمى به سواه كالرحمن، ولا يجوز الحلف بالنبي ولا بغيره مما هو معظم شرعا، أو غير معظم، فعن سعد بن عبيدة قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عمر فجئت سعيد بن المسيب وتركت عنده رجلا من عندة فجاء الكندي مروعا، فقلت: ما وراءك؟ قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر آئفا، فقال: أحلف بالكعبة، فقال: احلف برب الكعبة؛ فإن عمر كان يحلف بأبيه فقال له النبي ﷺ : «لا تحلف بأبيك فإنه من حلف بغير الله فقد أشرك» (١). وقال قتادة: «يكره الحلف بالمصحف، وبالعتق، والطلاق» (٢)، ويجوز أن يحلف بصفة من صفاته كعزة الله تعالى، وعظمته وجلاله وكبريائه وكلامه فهذه تنعقد بها اليمين في قولهم جميعا وذلك لأن النبي ﷺ كان يحلف فيقول: «لا ومقلب القلوب» (٣) وجاء عنه ﷺ : «أن جهنم تقول: وعزتك وكرمك» (٤) إلى آخر الصفات، (أو ليصمت)؛ أي: لا يحلف لا أنه يلزمه الصمت إذا لم يحلف بالله، وإنما كان منهيا عن الحلف بغير الله لما صح من حديث ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت﴾ (٥)، فأمر بالصمت عما عدا اليمين بالله؛ أي: فاللام لام الأمر، فظاهره الوجوب وهو مستلزم لتحريم اليمين بغير الله قاله ابن عبد السلام (٦)؛ قال اللخمي: «الحلف بالمخلوقات كالنبي ﵇ والكعبة ممنوع، فمن فعل فليستغفر الله تعالى» (٧). (ويؤدب من حلف بطلاق أو عتاق) إذا كان بالغا عالما معتادا للحلف بذلك، ويكون ذلك جرحة في شهادته، وظاهر كلامه أنه يؤدب حنث أو لم

стр. 880

يحنث، والأدب عند مالك غير محدود، بل على ما يراه الإمام من ضرب أو شتم أو غيره، ويختلف باختلاف الأشخاص والأحوال (و) مع تأديب من حلف بطلاق أو عتاق (يلزمه) ما حلف به من طلاق أو عتق إذا أيقن بالحنث، بل لو شك في الحنث أو توهمه أو ظنه فإنه يحنث على المشهور، لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة» (١)، وفي لفظ: «النكاح والطلاق والعتاق»؛ وأما لو شك هل قال: أنت طالق أو لم يقل؟ أو شك هل حلف وحنث أو لم يحلف ولم يحنث؟ فلا شيء عليه. (ولا) تنفع (ثنيا)؛ أي: استثناء بمشيئة الله تعالى مثل أن يقول الحالف بعد تلفظه بالمحلوف به: إن شاء الله، أو إلا أن يشاء الله (٢) لقول ابن عباس ﵄: «إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله فهي طالق» (٣)؛ قال الحافظ: «واحتج من قال: لا يدخل في الطلاق بأنه لا تحله الكفارة وهي أغلظ على الحالف من النطق بالاستثناء، فلما لم يحله الأقوى لم يحله الأضعف». اه (٤)، ولهذا القول في عدم نفع الاستثناء معارض أقوى من هذا كما هو عند الجمهور ورواية عن مالك، كما في حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه»، ولفظ أبي داود فيه: «فقد استثنى» (٥)، ورواية الدارقطني لحديث معاذ المتقدم:

стр. 881

«إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله لم تطلق» (١). (و) كذلك (لا) تنفع (كفارة) كما لا تنفع ثنيا، ومعنى عدم نفعهما أنهما لا يفيدان في شيء من الأيمان (إلا في اليمين بالله )؛ أي: بهذا الاسم العظيم؛ أي: والنذر المبهم كاليمين بالله كما في «المدونة» (٢) وكذا سائر ما فيه كفارة يمين كحلفه بالكفارة، ويمكن دخول هذا في قول المصنف إلا في اليمين بالله؛ أي: حقيقة أو حكما. والمراد به ما فيه كفارة يمين وليس من أسمائه تعالى ولا من صفاته أو بشيء من أسماء الله غير هذا الاسم كالعزيز والباري (وصفاته)؛ أي: أو بشيء من صفاته كالسمع والبصر، وظاهر كلامه أن الثنيا لا تنفع في الطلاق المعلق مثل أن يقول: إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله، وفيه تفصيل فقد قال ابن الماجشون: إن رده للفعل وهو دخول الدار مثلا نفعه ذلك، ومذهب ابن القاسم أنه لا ينفعه ولو رده للفعل وأنه متى دخل الدار وقع عليه الطلاق، وهو الذي ذهب إليه العلامة خليل وهو المشهور (٣). (ومن استثنى) في اليمين بالله أو بصفة من صفاته (فلا كفارة عليه) بشروط ثلاثة: أحدها: (إذا قصد الاستثناء)؛ أي: قصد حل اليمين، لا فرق في القصد بين أن يكون قبل الحلف أو في أثنائه أو بعد تمامه فإنه ينفعه كما شهره التتائي لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث»، وقال: «فله ثنياه» والنسائي وقال: «فقد استثنى» (٤)، أما

стр. 882

لو جرى على لسانه من غير قصد كما لو نطق سهوا أو تكلم به تبركا فلا ينفعه في حل اليمين. (و) ثانيها: إذا (قال)؛ أي: تلفظ ب (إن شاء الله) فلا تكفي النية وحدها. (و) ثالثها: إن (وصلها)؛ أي: إن شاء الله (بيمينه قبل أن يصمت)؛ أي: يسكت ما لم يضطر لتنفس أو سعال فإن اضطر لم يضر، قال ابن العربي: «قال سائر العلماء، عن بكرة أبيهم يكون الاستثناء بعد اليمين نسقا لا يكون بينهما من الفصل ما يقطع الاتصال» (١)، (وإلا)؛ أي: وإن لم يقصد الاستثناء أو لم ينطق به أو لم يصله بيمينه (لم ينفعه ذلك) الاستثناء. • أقسام اليمين: (والأيمان بـ) ـــــاسم (الله أربعة) وفي نسخة أربع: (فيمينان تكفران وهو)؛ أي: ما يكفر يمينان أحدهما: اليمين المنعقدة وهي: أن تكون اليمين منعقدة على بر وحقيقتها أن يكون الحالف بأثر حلفه موافقا لما كان عليه من البراءة الأصلية مثل (أن يحلف بالله إن فعلت كذا) أو لا أفعل كذا، ثم يفعل المحلوف عليه. والأخرى: أن تكون اليمين منعقدة على حنث وحقيقتها أن يكون الحالف بأثر حلفه مخالفا لما كان عليه من البراءة الأصلية مثل أن يحلف إن لم يفعل كذا (أو يحلف ليفعلن كذا) ثم لم يفعل المحلوف عليه لقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون﴾ [المائدة: ٨٩]، ولحديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ السالف، واليمين على الحنث مقيدة بما إذا لم يؤجل، أما إن أجل

стр. 883

فإنه على بر إلى الأجل مثل أن يقول: إن لم أفعل كذا قبل شهر فإنه على بر إلى الأجل، وإن ولي صيغة الحنث حرف شرط كقوله: والله إن لم أتزوج لا أقيم في هذه البلدة. وفي صيغة البر حرف نفي إذا لم يكن ثم جزاء نحو: والله إن كلمت فلانا معناه والله لا أكلم فلانا لأن كلم هنا وإن كان ماضيا معناه الاستقبال إذ الكفارة لا تتعلق إلا بالمستقبل، وإن كان ثم جزاء فهي مع الجزاء شرط كقولك: والله إن كلمت فلانا لأعطينك مائة. • حكم يمين اللغو ويمين الغموس في الكفارة: (ويمينان لا تكفران إحداهما لغو اليمين) وهو؛ أي: لغو اليمين على المشهور في تفسيره (أن يحلف على شيء يظنه) بمعنى يتيقنه هذا جواب عما يقال: إن قوله يظنه يقتضي أن اليمين على الظن لغو (١)، وليس كذلك بل من أقسام الغموس أفاده الحطاب (٢). والمراد بالتيقن الاعتقاد لا الجزم المطابق لدليل لقوله: ثم تبين له خلافه (كذلك في يقينه) المعنى يعتقده في عقله مماثلا لنا في نفس الأمر فالمشار له ما في نفس الأمر، ومثل الاعتقاد الظن القوي، لا إن كان غير قوي فغموس وأولى الشك (ثم يتبين له خلافه) قال مالك: أحسن ما سمعت في هذا. أن اللغو حلف الإنسان على الشيء، يستيقن أنه كذلك، ثم يوجد على غير ذلك. فهو اللغو، وليس فيه كفارة اه (٣). وقال ابن الحاجب: «ولا كفارة في لغو اليمين، وهي اليمين على ما يعتقده، ثم تبين خلافه ماضيا أو مستقبلا» (٤)، قال في «التوضيح»: مثال الماضي: والله ما جاء زيد وهو يعتقد ذلك، ومثال المستقبل: والله ما يأتي غدا وهو يعتقده، انتهى (٥).

стр. 884

وقوله: (فلا كفارة عليه) تكرار ذكره ليترتب عليه قوله: (ولا إثم) وإنما لم يكن عليه إثم لقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ [المائدة: ٨٩]، وروى عمر بن قيس عن عطاء عن عائشة في هذه الآية قالت: «هو حلف الرجل على علمه، ثم لا تجده على ذلك، فليس فيه كفارة» (١). وقيل: لغو اليمين ما يسبق إليه اللسان من غير عقد قاله القاضي إسماعيل والأبهري واللخمي وجماعة، وقال ابن عبد السلام: هو الأقرب لأنه أسعد بظاهر قوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ [البقرة: ٢٢٥] ولحديث عائشة في قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو﴾ الآية، أنها كانت تقول: «لغو اليمين قول الإنسان: لا والله، وبلى والله» (٢)؛ قال في «المدونة»: ولا لغو إلا في اليمين بالله أو نذر لا مخرج له؛ أي: النذر المبهم كقوله: «إن فعلت كذا فعلي نذر، ولا يفيد اللغو في نحو طلاق أو عتق أو نذر غير مبهم» (٣). (والأخرى) اليمين الغموس قيل: سميت بذلك، لأنها تغمس صاحبها في النار، وفسرها بأنها (الحالف متعمدا للكذب) مثل أن يحلف أنه لقي فلانا بالأمس وهو لم يلقه، أو يقول: والله لقد كان كذا يوم أمس وهو متيقن أنه لم يكن ونحو ذلك (أو شاكا) مثل أن يحلف، أنه لقيه وهو شاك هل لقيه أم لا؟ ومثل الشك الظن؛ أي: غير القوي وظاهر قوله: (فهو)؛ أي: الحالف متعمدا للكذب أو شاكا (آثم) وإن وافق ما حلف عليه؛ أي: فهو آثم مطلقا وافق أم لا على الراجح.

стр. 885

قال مالك (١): فأما الذي يحلف على الشيء، وهو يعلم أنه آثم، ويحلف على الكذب، وهو يعلم ليرضي به أحدا، أو ليعتذر به إلى معتذر إليه، أو ليقطع به مالا، فهذا أعظم من أن تكون فيه كفارة. وحجتهم قوله ﷺ : «من اقتطع مال امرئ بيمينه حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النار» (٢). فذكر الجزاء في الآخرة ﷺ في اليمين الغموس، ولم يذكر كفارة ولو كان فيها كفارة لذكرها، والله أعلم. (ولا تكفر ذلك) الحلف (الكفارة)؛ أي: فلا كفارة في الغموس إن تعلقت بماض، وأما إن تعلقت بالحال أو الاستقبال كفرت، واللغو كذلك إن تعلقت بمستقبل، وإن تعلقت بماض أو حال لم تكفر (و) إذا كانت الكفارة لا تكفر اليمين ف (ليتب من ذلك إلى الله ) لأنها من الكبائر قال تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾ [النساء: ٣١]، ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس … » (٣). ويتقرب إليه بما قدر عليه من عتق وصدقة وصوم فـ «إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين» (٤) قال ابن مسعود ﵁: «كنا نعد الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذبا ليقتطعه» (٥). • كفارة اليمين: (والكفارة) في اليمين بالله تعالى تتنوع إلى أربعة أنواع:

стр. 886

ثلاثة على التخيير وهي: الإطعام والكسوة والعتق، وواحد مرتب بعد العجز عن هذه الثلاثة وهو: الصوم. قال ابن عباس ﵄: ما كان في كتاب الله (أو) فهو مخير فيه وما كان (فمن لم يجد) فالأول الأول ذكره الإمام أحمد (١) في التفسير اه. وأفضلها الإطعام ولذا بدأ به فقال: (إطعام عشرة مساكين من المسلمين الأحرار، مدا لكل مسكين بمد النبي ﷺ ) لقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفرته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة: ٨٩]، وأخذ من كلام المصنف أن الإطعام له شروط خمسة: ١ - العدد معتبر من قوله: عشرة، فلا يجزئ إعطاؤه لأكثر ولا لأقل ولا لواحد مرارا، فإذا أعطى خمسة مدين مدين بنى على خمسة وكمل لخمسة أخرى، وله نزع الزائد بشرط أن يبقى بيد المسكين لم يتلفه، وكان وقت الدفع له بين أنها كفارة. وإن أطعم عشرين نصف مد نصف مد لم يجزه. ٢ أن يكونوا مساكين، فلو دفعها لأغنياء مع علمه بذلك فإنه لا يجزئه. ٣ - أن يكونوا مسلمين، فلو دفعها لفقراء أهل الذمة فإنها لا تجزئه قياسا على الزكاة. ٤ - أن يكونوا أحرارا فلو دفعها لرقيق فلا يجزئ. ٥ - أن يكون المعطى مدا لكل مسكين بمده ﵊ فلا يجزئ دونه، لما روى مالك من حديث عبد الله بن عمر ﵄: «أنه كان إذا حنث أطعم عشرة مساكين، لكل مسكين مدا من حنطة بالمد الأول» (٢). وعن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يقول: «من حلف بيمين

стр. 887

فوكدها، ثم حنث، فعليه عتق رقبة، أو كسوة عشرة مساكين؛ ومن حلف بيمين فلم يؤكدها، ثم حنث، فعليه إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين مد من حنطة، فمن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام» (١). ويقوم مقام المد شيئان على سبيل البدل: إما رطلان من الخبز مع أدم زيت أو لبن أو لحم، وإما شبعهم غداء وعشاء، أو غداءين، أو عشاءين، ولا يكفي غداء أو عشاء ولو بلغ مدا. (وأحب إلينا) يعني نفسه (أن لو زاد على المد مثل ثلث مد أو نصف مد وذلك)؛ أي: استحباب الزيادة على المد (بقدر ما يكون من وسط عيشهم) ما مصدرية؛ أي: بقدر وجود؛ أي: حال عيشهم الوسط، ووسط العيش الحب المقتات غالبا (٢). قال أبو عمر (٣): من ذهب إلى مد بمد النبي ﷺ كل مسكين تأول قول الله : ﴿من أوسط ما تطعمون﴾ [المائدة: ٨٩] أنه أراد الوسط من الشبع، ومن ذهب إلى مدين من البر، أو صاع من شعير أو تمر، ذهب إلى الشبع، وتأول في: ﴿أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة: ٨٩] الخبز، واللبن، أو الخبز، والسمن، أو الخبز، والزيت، قالوا: والأعلى: الخبز، واللحم، فالأدنى خبز دون إدام، فلا يجوز عندهم للأدنى؛ لقول الله : ﴿من أوسط ما تطعمون﴾. وقوله: (في غلاء) راجع لقوله: ثلث مد، وقوله: (أو رخص) راجع إلى نصف مد (ومن أخرج مدا على كل حال)؛ أي: في كل بلد وفي كل زمان من غير زيادة (أجزأه) لأنه هو الواجب (وإن كساهم)؛ أي: وإن اختار كسوة العشرة مساكين (كساهم للرجل قميص، وللمرأة قميص وخمار) المراد بالرجل الذكر وبالمرأة الأنثى، لأنه لا فرق بين الصغير والكبير في إعطاء الكسوة

стр. 888

والإمداد، ولأنه أحسن ما سمعه مالك في ذلك كما قاله في «الموطأ» (١) وقال: وذلك أدنى ما يجزئ كلا في صلاته. ولحديث عائشة عن النبي ﷺ في قوله: «أو كسوتهم» قال: «عباءة لكل مسكين» (٢)؛ وحديث حذيفة قال: قلنا: يا رسول الله أو كسوتهم ما هو؟ قال: «عباءة عباءة» رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، ولا يشترط في الكسوة أن تكون من وسط كسوة أهله لأن الله تعالى شرط ذلك في الإطعام دون الكسوة. (أو عتق رقبة) شرطوا فيها شروطا: أحدها: أشار إليه بقوله (مؤمنة) حملا للمطلق في العتق على المقيد في آية كفارة القتل فلا تجزئ الكافرة، ولحديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁ في الجارية التي سألها النبي ﷺ عن الله فأشارت إلى السماء فقال ﵊: «اعتقها فإنها مؤمنة» (٣). وثانيها: أن تكون سليمة من العيوب التي تشين كالعمى والهرم والعرج الشديدين أما ما لا يشين كقطع الظفر فيجزى. ثالثها: أن تكون ممن يستقر ملكه عليه بعد الشراء لا ممن يعتق عليه بمجرد الشراء أو يشتريه بشرط العتق. رابعها: أن تكون كاملة لا إن كانت مشتركة. خامسها: أن لا يكون فيها عقد حرية فلا تجزئ أم الولد ولا المكاتب (٤). فإن عجز عن الخصال الثلاثة وهي: الإطعام والكسوة والعتق انتقل إلى

стр. 889

الخصلة الرابعة وهي: الصيام وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: (فإن لم يجد) المكفر (ذلك)؛ أي: العتق؛ أي: أو الكسوة بدليل قوله: (ولا إطعاما فليصم ثلاثة أيام يتابعهن استحبابا لقوله تعالى ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفرة أيمانكم إذا حلفتم﴾ [المائدة: ٨٩] لما روى في التتابع عن أبي بن كعب وابن مسعود ﵄ أنهما كانا يقرآن الآية: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ (١)، ولأن المبادرة إلى براءة الذمة أولى (فإن فرقهن)؛ أي: الأيام الثلاثة (أجزأه) لأنه يصح حمل الآية على التتابع والافتراق، ولكن لا بد من تبييت النية في كل ليلة (٢) (و) يباح (له) أي: للحالف أن يكفر قبل الحنث وبعده) ظاهره مطلقا سواء كانت يمينه على بر أو على حنث كانت كفارته بالصوم أو غيره، لحديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها» (٣)، وفي رواية لهما: «إلا كفرت عن يميني، وفعلت الذي هو خير» (٤) وفي أخرى لهما: «إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني» (٥). وحديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك» (٦)، وفي رواية لهما: «فكفر عن يمينك، وانت الذي هو خير»، (و) لكن تكفيره (بعد الحنث أحب إلينا) ليكون تكفيرا لما قد وقع فعلا، ويعني بقوله: (إلينا) نفسه إشارة إلى الرد على أشهب القائل بعدم الإجزاء أو على من يقول بعدم جواز تقديم الصوم دون غيره، والله أعلم.

стр. 890

النذور • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن نذر أن يطيع الله فليطعه. ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ولا شيء عليه. ومن نذر صدقة مال غيره أو عتق عبد غيره لم يلزمه شيء. ومن قال إن فعلت كذا فعلي نذر كذا، وكذا لشيء يذكره من فعل البر من صلاة أو صوم أو حج أو عمرة أو صدقة شيء سماه فذلك يلزمه إن حنث كما يلزمه لو نذره مجردا من غير يمين. وإن لم يسم لنذره مخرجا من الأعمال فعليه كفارة يمين. ومن نذر معصية من قتل نفس أو شرب خمر أو شبهه أو ما ليس بطاعة ولا معصية فلا شيء عليه وليستغفر الله. وإن حلف بالله ليفعلن معصية فليكفر عن يمينه ولا يفعل ذلك، وإن تجرأ وفعله أثم ولا كفارة عليه ليمينه. ومن قال: علي عهد الله، وميثاقه في يمين فحنث فعليه كفارتان. وليس على من وكد اليمين فكررها في شيء واحد غير كفارة واحدة. ومن قال: أشركت بالله وهو يهودي أو نصراني إن فعل كذا فلا يلزمه غير الاستغفار. ومن حرم على نفسه شيئا مما أحل الله له فلا شيء عليه إلا في زوجته فإنها تحرم عليه إلا بعد زوج. ومن جعل ماله صدقة أو هديا أجزاه ثلثه. ومن حلف بنحر ولده فإن ذكر مقام إبراهيم أهدى هديا يذبح بمكة وتجزئه شاة، وإن لم يذكر المقام فلا شيء عليه. ومن حلف بالمشي إلى مكة فحنث فعليه المشي من موضع حلفه فليمش إن شاء في حج أو عمرة. فإن عجز عن المشي ركب ثم يرجع ثانية إن قدر فيمشي أماكن

стр. 891

ركوبه فإن علم أنه لا يقدر قعد وأهدى، وقال عطاء: لا يرجع ثانية، وإن قدر ويجزئه الهدي، وإذا كان صرورة جعل ذلك في عمرة فإذا طاف وسعى وقصر أحرم من مكة بفريضة، وكان متمتعا والحلاق في غير هذا أفضل، وإنما يستحب له التقصير في هذا استبقاء للشعث في الحج. ومن نذر مشيا إلى المدينة أو إلى بيت المقدس أتاهما راكبا إن نوى الصلاة بمسجديهما، وإلا فلا شيء عليه. وأما غير هذه الثلاثة مساجد فلا يأتيها ماشيا ولا راكبا لصلاة نذرها وليصل بموضعه. ومن نذر رباطا بموضع من الثغور فذلك عليه أن يأتيه). الشرح بعد أن أنهى المصنف رحمه الله تعالى الكلام عن الأيمان انتقل يتكلم على النذور. النذور جمع نذر: وأصله الإنذار بمعنى التخويف، وعرفه ابن عرفة: بأنه «إيجاب امرئ على نفسه لله تعالى أمرا» (١)، وقال الراغب: «إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر». أو نقول هو شرعا: التزام ما يلزم من القرب. والأصل في النذر الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ [الحج: ٢٩]. وأما السنة فروت عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» (٢). وأجمع المسلمون على صحة النذر في الجملة ولزوم الوفاء به، ولا يستحب، لأن ابن عمر ﵄ روى عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر وأنه قال:

стр. 892

«لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل» متفق عليه (١)، وهذا النهي الوارد نهي كراهة لا نهي تحريم، لأنه لو كان حراما لما مدح الموفين به، لأن ذنبهم في ارتكاب المحرم أشد من طاعتهم في وفائه، ولأن النذر لو كان مستحبا لفعله النبي ﷺ وأفاضل أصحابه رضوان الله عليهم (٢). قال: (ومن نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) ولفظ المصنف هو نص حديث عائشة ﵂ المتقدم قريبا. وهو على قسمين: نذر طاعة يجب الوفاء به، ونذر معصية: لا يجب الوفاء به ومع عدم وجوب الوفاء به فلا كفارة عليه على مذهب الجمهور (٣) وإليه أشار بقوله: (ولا شيء عليه) لأنه نذر غير منعقد فلم يوجب شيئا كاليمين غير المنعقدة لحديث عائشة المذكور، وحديث ابن عباس ﵄ قال: «بينا النبي ﷺ يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم». فقال النبي ﷺ : «مره فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه» (٤)، قال مالك (٥): ولم أسمع أن رسول الله ﷺ أمره بكفارة، وقد أمره أن يتم ما كان الله طاعة، ويترك ما كان الله معصية اه. (ومن نذر صدقة مال غيره أو عتق) رقبة (عبد غيره) كره، و (لم يلزمه شيء) لحديث عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد» (٦)، فلا يلزمه صدقة ولا عتق ما لم

стр. 893

يعلق، فإن علق على شرط لزم عند وجود الشرط على المشهور نحو: الله علي أن أعتق عبد فلان إن ملكته فإن حصل المعلق لزمه (١). وقال القرافي: ومتى التزم ما ليس في ملكه فالمشهور لزومه إذا ملكه (٢). (ومن قال: إن فعلت كذا) سواء كان واجبا أو حراما (فعلي نذر كذا) أي: منذور هو كذا فإنه يلزمه ما نذر إن فعل ما شرطه. (وكذا) إن قال (لشيء) اللام زائدة؛ أي: وكذا إن ذكر شيئا بلسانه أو بقلبه فقوله: (يذكره) توكيد وقوله: (من فعل البر) بيان لشيء، وإضافة فعل لما بعده من إضافة العام للخاص، فهي للبيان وقوله: (من صلاة)؛ أي: صلاة تطوع بيان لفعل البر، واحترز به من الحرام والمباح فلا يلزمه (٣) (أو صوم) كذلك (أو حج) كذلك (أو عمرة أو صدقة شيء سماه)؛ أي: بين قدره لفظا أو نية فالتعميم الأول متعلق بأصل العبادة وهذا متعلق ببيان القدر (فذاك)؛ أي: كل واحد مما ذكر من الصلاة وما بعدها يريد ونحو ذلك من القرب كالعتق والذكر (يلزمه) ما سماه لحديث عائشة المتقدم، ولحديث عمر ﵄ أنه قال: يا رسول الله ﷺ إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له رسول الله ﷺ : «أوف بنذرك» (٤)، ولما روى ابن عباس: «أن أخت عقبة بن عامر، نذرت أن تمشي إلى البيت فأمرها النبي ﷺ : أن تركب وتهدي هديا» (٥)، وغيرها من الأحاديث، (إن حنث)، أما إذا لم ينو الصلاة؛ أي: لم ينو قدرها ولا سماه فيلزمه أقل ما يطلق عليه اسم الصلاة وهو ركعتان، وكذا الصوم إذا لم يسمه فيلزمه أقل ما يطلق عليه اسم الصوم وهو يوم. وأما إن قال: إن كلمت فلانا فعلي المشي إلى مكة فكلمه لزمه المشي في حج أو عمرة.

стр. 894

وأما الصدقة إذا لم يسم شيئا فيلزمه ثلث ماله، أما إذا سمى فظاهر كلامه أنه يلزمه ما سماه، ولو كان كل ماله. قال ابن عمر الأنفاسي: «فإن ذكر الدار ولم يكن عنده إلا هي لزمه ذلك. وهذا بخلاف قوله بعد: ومن جعل ماله صدقة أو هديا أجزأه ثلثه»، فقال الشيوخ قوله: ومن جعل إلى آخره يريد إذا جعله كله ولم يستثن منه شيئا ولا سماه أما إذا سماه فإنه يلزمه ما سمى وهو الذي قال هنا هذا هو المشهور. انتهى (١). (كما يلزمه لو نذره مجردا من غير يمين)؛ أي: وكذلك يلزمه المقيد بوقوع شيء عند وقوع ذلك الشيء، كما يلزمه الذي لا تعليق فيه نحو: الله علي صوم أو صلاة أو غيرهما. (وإن لم يسم لنذره مخرجا من الأعمال)؛ أي: لم يسم لنذره شيئا يخرج منه النذر؛ أي: يتحقق به من تحقق الكلي في بعض جزئياته. كقوله: الله علي نذر ولم يسم هل هو صلاة أو صوم أو حج أو ما أشبه ذلك (فعليه كفارة يمين) على المذهب كما في حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين» (٢)، وحديث ابن عباس ﵁ قال: «من نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا أطاقه فليف به» (٣). (ومن نذر معصية من قتل نفس أو شرب خمر) هو المسكر من ماء العنب أو شبهه كالنبيذ وهو المسكر من غير ماء العنب (أو) نذر (ما ليس

стр. 895

بطاعة ولا معصية) كالمباح والمكروه (فلا شيء)؛ أي: لا كفارة (عليه ليمينه) في الفرعين لقوله ﷺ : «ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» ولم يأمر بكفارة، وقال ﷺ : «لا نذر إلا ما ابتغي به وجه الله» (١)، (وليستغفر الله)، لأنه نذر ما لا يبتغي به وجه الله تعالى، وهل الاستغفار راجع لنذر المعصية فقط، أو له ولما بعده؟ الراجح الثاني، وإن حلف إنسان (ب) اسم (الله) أو بصفة من صفاته (ليفعلن معصية) من المعاصي كشرب الخمر، أو قتل النفس، أو سب من لا يجوز سبه، (فليكفر عن يمينه) الذي حلفه (ولا يفعل ذلك) المحلوف عليه، لما روت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين» (٢). (وإن تجرأ)؛ أي: اقتحم (وفعله)؛ أي: وإن ارتكب فعل المحلوف عليه مع علمه بأنه معصية ولم يبال بعقوبة عاقبته (فهو آثم) لفعله المعصية (ولا كفارة عليه ليمينه) لأنه بر في يمينه. (ومن قال: علي عهد الله وميثاقه في يمين فحنث فعليه كفارتان) لأن العهد يمين، والميثاق يمين قال تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾ [النحل: ٩١]، وقال سبحانه: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به﴾ [المائدة: ٥]، فإذا جمعهما فقد حلف يمينين، وما ذكره خلاف المشهور، والمشهور ما في التوضيح من عدم تعدد الكفارة سواء قصد الحالف التأكيد أو الإنشاء أو لا قصد له إلا أن ينوي كفارات (٣). (وليس على من وكد اليمين فكررها في شيء واحد غير كفارة واحدة) قال مالك: فأما التوكيد فهو حلف الإنسان في الشيء الواحد مرارا يردد فيه الأيمان يمينا بعد يمين كقوله: والله لا أنقصه من كذا وكذا يحلف بذلك مرارا

стр. 896

ثلاثا أو أكثر من ذلك قال: فكفارة ذلك كفارة واحدة مثل كفارة اليمين اه، قال أبو عمر: وذكر ابن أبي شيبة، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه عن مجاهد قال: خرج ابن عمر، وبعث غلاما له في وجه من الوجوه، فأبطأ، فقال له ابن عمر: إنك تغيب عن امرأتك تخرج كذا، فطلقها، قال: لا والله لا أطلقها، قال: والله لتطلقنها، قال: والله لا أطلقها، فقال: والله لتطلقنها، قال: والله لا أطلقها، قال: فذهب عنه العبد. قال مجاهد: فذكرت له أيمانه، قال: إنها يمين (١). ومفهوم في شيء واحد أنه لو كررها في شيئين أو أكثر مثلا لزم لكل كفارة يمين نحو: والله لا أكلم فلانا، والله لا آكل من هذا الطعام، والله لا ألبس هذا الثوب. (ومن قال:) - والعياذ بالله - (أشركت بالله أو هو يهودي أو نصراني) أو هو عابد وثن ونحو ذلك (إن فعل كذا ثم فعله فلا شيء)؛ أي: لا كفارة (عليه)؛ أي: في شيء من ذلك لأن الحلف بغير أسماء الله أو صفاته لا تنعقد به يمين (ولا يلزمه غير الاستغفار) المراد منه التوبة؛ أي: ولا تطلب منه الشهادة فلا ينافي أنه يطلب منه زيادة على الاستغفار التقرب بشيء من أنواع القربات: كعتق أو صدقة أو صوم لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من حلف منكم، فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله … »، وهذا قول جمهور العلماء، وقال الخطابي: وهذا الحديث دليل على أن لا كفارة على من حلف بغير الإسلام وإن أثم، به لكن تلزمه التوبة لأنه أمره بكلمة التوحيد فأشار إلى أن عقوبته تختص بذنبه ولم يوجب عليه في ماله شيئا (٢). ولحديث الضحاك بن قيس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على

стр. 897

ملة غير الإسلام، فهو كما قال (١)، قال الحافظ: أراد التغليظ حتى لا يجترئ أحد عليه اه، ولو قال: إن فعل كذا يكون مرتدا، أو على غير ملة الإسلام، أو يكون واقعا في حق رسول الله فكذلك. (ومن حرم على نفسه شيئا مما أحل الله له) من طعام أو شراب أو غير ذلك (فلا شيء)؛ أي: لا كفارة (عليه) ويلزمه الاستغفار لأنه أثم بذلك، لأن المحلل والمحرم هو الله تعالى. وقد ذم الله تعالى من فعل ذلك بقوله تعالى: ﴿قل أرءيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: ٥٩]، ولحديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لا يحرم الحرام الحلال» (٢)، وقد عاتب الله نبيه ﷺ في تحريمه على نفسه العسل وزوجتيه كما في سورة التحريم، ولأن تحريم الحلال قلب للمشروع فلا ينعقد به تصرف مشروع وهو اليمين؛ ويستثنى مما قال مسألتان أشار إلى إحداهما بقوله: (إلا في زوجته) إذا قال: هي علي حرام (فإنها تحرم عليه) لأن تحريمها طلاقها ثلاثا لا تحل له (إلا بعد زوج) هذا في المدخول بها، وأما غير المدخول بها فيلزمه فيها الثلاث إلا أن ينوي أقل. والمسألة الثانية: إذا حرم أمته ونوى بها العتق، فإنها تصير حرة بذلك تحرم عليه لا يطؤها إلا بنكاح جديد. وأما إذا لم يقصد العتق فهي كتحريم الطعام والشراب فلا يلزمه إلا الاستغفار. (ومن جعل ماله كله صدقة) لله تعالى كما فعل أبو لبابة ﵁ حين تاب الله عليه فقال: يا رسول الله. اهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأجاورك، وأنخلع من مالي؛ صدقة إلى الله، وإلى رسوله. فقال

стр. 898

رسول الله ﷺ : «يجزيك من ذلك الثلث … » (١)، (أو) نذر ماله (هديا) يبعثه (إلى بيت الله) الحرام (أجزأه ثلثه) كذلك كما جاء عن عائشة أم المؤمنين أنها سئلت عن رجل، قال: مالي في رتاج الكعبة (٢). فقالت عائشة: «يكفره ما يكفر اليمين» (٣) وقال مالك في الذي يقول: «مالي في سبيل الله، ثم يحنث، قال: يجعل ثلث ماله في سبيل الله» (٤). (ومن حلف بنحر ولده) مثل أن يقول: إن فعلت كذا فعلي نحر ولدي (فإن ذكر مقام إبراهيم) الخليل ﵊؛ أي: قصته مع ولده (أهدى هديا) أعلاه بدنة، ثم بقرة، ثم شاة (يذبح بمكة) بعد أن يدخل به من الحل، أو بمنى إن أوقفه بعرفة، واختلف هل الهدي المذكور مستحب وهو قول عبد الوهاب، أو واجب وهو ظاهر قول الشيخ (٥)، ورجحه الأزهري (٦). (وتجزئه شاة)؛ أي: مع الكراهة مع القدرة على أعلى منها والمراد بها هنا الذكر والأنثى لحديث القاسم بن محمد قال: أتت امرأة إلى عبد الله بن عباس، فقالت: إني نذرت أن أنحر ابني، فقال ابن عباس: لا تنحري ابنك، وكفري عن يمينك، فقال شيخ، عند ابن عباس: وكيف يكون في هذا كفارة؟. فقال ابن عباس: «إن الله قال: ﴿الذين يظهرون منكم من نسائهم﴾ [المجادلة: ٢]. ثم جعل فيه من الكفارة ما رأيت» (٧)، والراجح أن الأجنبي مثل ولده في لزوم الهدي إذا حلف بنحره وذكر مقام إبراهيم كما تقدم من

стр. 899

ترجيح الأزهري (وإن لم يذكر المقام فلا شيء عليه) لا هدي ولا كفارة، وإنما عليه الاستغفار من ذلك، قال أبو عمر: الصحيح عندي في هذه المسألة ما قاله مسروق وغيره، وذلك سقوط الكفارة عن من نذر نحر ابنه أنه لا يلزمه في ذلك شيء من الأشياء لما ترك نحره؛ لحديث عائشة، عن النبي ﷺ : «ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» (١)؛ ونحر المسلم معصية، لا شك فيه. ومن جعل فيه كفارة يمين، فللحديث: «لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين» وهو حديث معلول وحديث عائشة أصح منه وأثبت، وبالله التوفيق (٢) اهـ. (ومن حلف بالمشي إلى مكة) مثل أن يقول: إن فعلت كذا فعلي المشي إلى مكة (فحنث فعليه المشي) لزوما (من موضع حلفه) يريد من البلد الذي حلف فيه لا من المكان الذي هو مستقر فيه حال حلفه، إلا أن يعين موضعا بعينه وما ذكره من التخيير في قوله: (فليمش إن شاء في حج أو عمرة) محله إذا لم تكن له نية في أحدهما وهو المشهور (٣)، أي: إن التخيير عند عدم النية هو المشهور وذكر مبدأ المشي ولم يذكر منتهاه، ومنتهاه في العمرة بعد الفراغ من السعي، وفي الحج بعد الفراغ من طواف الإفاضة وما ذكره من لزوم المشي إلى مكة للحالف به محله إن استطاعه (فإن عجز عن المشي) إليها بعد أن شرع في المشي (ركب ثم يرجع) مرة (ثانية) ماشيا (إن قدر) عليه لتلافي ما ركب، فإن لم يقدر فإنه يلزمه الهدي (فيمشي أماكن ركوبه) ويركب التي مشى إذا علم ما ركب فيه وما مشى ويهدي لتفرقة المشي بدنة، فإن لم يجدها فبقرة فإن لم يجدها فشاة، وإن لم يعلم ما مشى وما ركب فإنه يمشي الطريق كله فإن علم هذا مقابل قوله: إن قدر عليه؛ أي: ظن (أنه لا يقدر) على المشي (قعد وأهدى) ولا يلزمه الرجوع مرة ثانية لما روى مالك، عن عروة بن أذينة الليثي؛ أنه قال: خرجت مع جدة لي عليها مشي إلى

стр. 900

بيت الله. حتى إذا كنا ببعض الطريق عجزت، فأرسلت مولى لها يسأل عبد الله بن عمر، فخرجت معه. فسأل عبد الله بن عمر، فقال له عبد الله بن عمر: «مرها فلتركب، ثم لتمش من حيث عجزت». قال مالك: ونرى عليها، مع ذلك، الهدي (١). (وقال عطاء) (٢)؛ أي: ابن أبي رباح من المجتهدين (لا يرجع) مرة (ثانية وإن قدر) على المشي ثانيا، (ويجزئه الهدي) وذكر مالك في هذا الباب، عن يحيى بن سعيد؛ أنه قال: كان علي مشي، فأصابتني خاصرة، فركبت، حتى أتيت مكة، فسألت عطاء بن أبي رباح وغيره. فقالوا: عليك هدي. فلما قدمت المدينة، سألت علماءها فأمروني أن أمشي مرة أخرى من حيث عجزت، فمشيت (٣). قال أبو عمر: فيما ذكره مالك ما يوضح لك أن فتوى أهل مكة، بالهدي بدلا من المشي، وفتوى أهل المدينة بالمشي من حيث عجز من غير هدي. وأجمع مالك عليه الأمرين جميعا احتياطا لموضع تعديه المشي الذي كان يلزمه في سفر واحد، وجعله في سفرين، قياسا على المتمتع والقارن، والله أعلم - فخالف بذلك الطائفتين معا، إلا أنه قد روي مثل قول مالك عن طائفة من السلف (٤). ما ذكر من التخيير المتقدم إذا كان غير صرورة (و) أما (إذا كان صرورة)

стр. 901

بالصاد المهملة وهو من لم يحج قط إذا حلف بالمشي إلى مكة وحنث أو نذر (جعل ذلك) المشي (في عمرة) وجوبا على ما في المختصر إذا لم تكن له نية، قلت: لأنها المتيسرة طول السنة، وقال في «التوضيح»: وأما من بعد كأهل المغرب فإنما يمشي في حج لأن أكثرهم لا يعرف العمرة ومن يعرفها لا يقصدها بسفر، وهذا في القرون الماضية ولا شك أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان. وفي «الجواهر»: إذا كان الحالف من أهل الأقطار البعيدة، فهل يتعين عليه الحج، أو يتخير بينه وبين العمرة؟ قولان للمتأخرين. اه (١). أما إذا كان له نية مشى فيما نوى (فإذا طاف وسعى وقصر أحرم) من الحل استحبابا فإن لم يحرم منه أحرم (من مكة) ويستحب له أن يحرم من المسجد؛ أي: من جوفه على مذهب «المدونة» (٢)، أو بابه على قول ابن حبيب (بفريضة) وهي حجة الإسلام (وكان متمتعا) إذا صادفت عمرته أو بعضها أشهر الحج والحلاق في غير هذا التمتع (أفضل) من التقصير (وإنما يستحب له التقصير في هذا) التمتع (استبقاء للشعث في الحج) «لأن النبي ﷺ أمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يقصروا» (٣)، ولأنه مرغب في الشعث أيام الحج فعن أبي هريرة ﵁ قال: «إن الله يباهي بأهل عرفات ملائكة أهل السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي هؤلاء جاؤوني شعثا غبرا» … الحديث (٤)، (ومن نذر مشيا إلى المدينة) المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة وأكمل السلام (أو إلى بيت المقدس) مثل أن يقول: الله علي أن أمشي إلى مدينة النبي ﷺ أو أمشي إلى بيت المقدس، وكذا إذا حلف بالمشي إليهما (أتاهما راكبا) إن شاء أو ماشيا على المشهور، وقال ابن وهب: يلزمه الإتيان إليهما ماشيا، واستحسنه اللخمي والمازري وغيرهما لأنها طاعة يجب الوفاء بها ولا يلزمه الإتيان إليهما إلا إن نوى الصلاة المفروضة، وقيل: والنافلة

стр. 902

(بمسجديهما) ومثل الصلاة الصوم والاعتكاف (وإلا)؛ أي: وإن لم ينو الصلاة فيهما (فلا شيء عليه) لأن مجرد المشي ليس بعبادة. (وأما غير هذه الثلاثة مساجد) المفهومة من السياق (فلا يأتيها) من نذر المشي إليها (ماشيا ولا راكبا) قربت داره أو بعدت (ل) أجل (صلاة نذرها)؛ أي: يصليها فيها وليصدها (بموضعه) لما في الصحيحين من قوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» (١). وفي رواية لمسلم: «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد» (٢)، ولحديث جابر ﵁ أن رجلا يوم الفتح قال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: صل ها هنا، فسأله، فقال: صل ها هنا، فسأله فقال: شأنك شأنك إذا» (٣)، وإذا كان هذا في بيت المقدس، لأنه ليس أفضل من المسجد الحرام، ففي غيره أولى، لأنه ليس مسجد أولى من غيره بالصلاة بعد الثلاثة المذكورة فلا يجب الوفاء بإيقاع المنذور به. وهذا الحديث مخصص الحديث: ﴿من نذر أن يطيع الله فليطعه﴾. (ومن نذر رباطا بموضع من الثغور) ولو كان من أهل مكة والمدينة (فذلك) المنذور واجب عليه (أن يأتيه) لأن الرباط قربة، ومن التزم قربة لزمته بلا خلاف. «ومن نذر أن يطيع الله فليطعه … ... . الحديث» تقدم.

стр. 903

باب في النكاح والطلاق والرجعة والظهار والإيلاء واللعان والخلع والرضاع قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب في النكاح والطلاق والرجعة والظهار والإيلاء واللعان والخلع والرضاع. ولا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل فإن لم يشهدا في العقد فلا يبني بها حتى يشهدا. وأقل الصداق ربع دينار. وللأب إنكاح ابنته البكر بغير إذنها وإن بلغت وإن شاء شاورها وأما غير الأب في البكر وصي أو غيره فلا يزوجها حتى تبلغ وتأذن وإذنها صماتها. ولا يزوج الثيب أب ولا غيره إلا برضاها وتأذن بالقول ولا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها كالرجل من عشيرتها أو السلطان وقد اختلف في الدنية أن تولي أجنبيا. والابن أولى من الأب والأب أولى من الأخ ومن قرب من العصبة أحق وإن زوجها البعيد مضى ذلك. وللوصي أن يزوج الطفل في ولايته ولا يزوج الصغيرة إلا أن يأمره الأب بإنكاحها وليس ذوو الأرحام من الأولياء والأولياء من العصبة). الشرح هذه ثمانية أشياء أولها هو الأصل والباقي توابع له، ولكل منها معنى لغة واصطلاحا تذكر في موضعها إن شاء الله تعالى.

стр. 904

أما النكاح لغة: النكاح في كلام العرب: [الجماع] والوطء. يقال: نكح المطر الأرض، ونكح النعاس عينه، وعن الزجاج: النكاح في كلام العرب بمعنى الوطء، والعقد جميعا، وموضوع: مادة ن ك ح في كلامهم: للزوم الشيء للشيء، راكبا عليه. قال ابن جني: سألت أبا علي الفارسي عن قولهم: نكحها، قال: فرقت العرب فرقا لطيفا تعرف به موضع العقد عن الوطء؛ فإذا قالوا: نكح فلانة، أو بنت فلان، أرادوا: تزوجها، وعقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته، أو زوجته: لم يريدوا إلا المجامعة، لأن بذكر امرأته وزوجته يستغني عن العقد (١). واصطلاحا: حقيقة في العقد، مجاز في الوطء من إطلاق المسبب على السبب (٢)، وهو عقد وضعه الشارع ليفيد حل استمتاع كل من الزوج والزوجة بالآخر على الوجه المشروع (٣). ويترتب على كونه مجازا في الوطء لا حقيقة أن من زنى بامرأة لا يحرم عليه بنتها ولا أمها. وقد يستعمل عرفا مرادا به الوطء كقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فيفيد هذا أن الوطء يسند لكل من الرجل والمرأة بأن يقال: نكحت المرأة الرجل؛ أي: وطئته، كما يقال: نكح الرجل امرأته؛ أي: وطئها، إلا أنه ينافيه قول المصباح: وطئته برجلي أطؤه وطا: علوته، إلى أن قال: وطئ زوجته وطا: جامعها لأنه استعلى عليها (٤). والنكاح بمعنى الوطء لا يجوز في الشرع إلا بأحد أمرين عقد نكاح، أو ملك يمين لقوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾ [المؤمنون: ٥، ٦].

стр. 905

• حكم النكاح: حكمه الندب من حيث الجملة، وقد يجب على من لا ينكف عن الزنا إلا به، وفي المقنع لابن بطال: يكره لمن لا يجد طولا، ولا حرفة له، ولا صناعة. اهـ (١). • ترغيب الشارع في النكاح: لقد رغب الشارع الحكيم في النكاح لما فيه من الفوائد العظيمة التي من أهمها: ١ - أنه يوجب إعفاف الزوجين. ٢ - أنه يوجد من يوحد الله تعالى. ٣ - أنه يكاثر به ﵊ الأمم يوم القيامة. ٤ - أن النبي ﷺ قدمه على الصوم. ٥ - بقاء الذكر ورفع الدرجات بسبب دعاء الولد الصالح (٢). ٦ - إخراج الماء الذي يضر احتباسه. ٧ - نيل اللذة (٣). فعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فليصم، فإن الصوم له وجاء» (٤). • أركان النكاح: أركانه أربعة: ١ - الولي.

стр. 906

٢ - والمحل (الزوجان). ٣ - والصيغة. ٤ - والصداق المفروض ولو حكما. بدأ المصنف رحمه الله تعالى بذكر الأركان بالولي اهتماما به فقال: (ولا نكاح إلا بولي) ولفظ المصنف هو من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا نكاح إلا بولي … الحديث (١)»، وفي الباب عن نحو ثلاثين صحابيا وهو حديث متواتر، وعن عائشة لة عن النبي ﷺ أنه قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له (٢)»؛ قال ابن عبد البر: وأجمع العلماء على أن الولي المذكور بالإشارة إليه في هذا الحديث هو الولي من النسب والعصبة؛ واختلفوا في غير العصبة مثل وصي الأب، وذي الرأي من السلطان إلا أنهم أجمعوا أن السلطان ولي من لا ولي له، لأن الولاية بعد عدم التعصيب تنصرف إلى الذي يقف على هذا الأصل. اهـ (٣). وقال ابن عرفة: «من له على المرأة ملك، أو أبوة، أو تعصيب، أو إيصاء، أو كفالة، أو سلطنة، أو ذو إسلام (٤)»، ويشترط فيه الإسلام،

стр. 907

والحرية، والبلوغ، والعقل، والذكورية، ولا تشترط العدالة على المشهور في صحة العقد بل في كماله، ولا الرشد فيعقد السفيه لابنته بإذن وليه عند ابن القاسم، وهو شرط صحة لا يصح العقد بدونه لقوله ﷺ : «لا تزوج المرأة المرأة، ولا المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها» (١)، وهو مروي - أي: عدم صحة العقد عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة ﵃ وغيرهم، فإن وقع بغير ولي فسخ قبل البناء وبعده وإن ولدت الأولاد، وهل الفسخ بطلاق أو بغيره روايتان (٢). قال ابن العربي: وعلى الجملة فلم يختلف علماء المدينة ومكة في أن المرأة مسلوبة العبارة في النكاح كالصبي والمجنون، ولذلك كانت عائشة ﵂ «تخطب، وتقدر المهر ثم تقول: أعقدوا فإن النساء لا يعقدن» (٣). (وصداق) (٤) لأن الصداق شرط صحة في الدخول أيضا لقوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ [النساء: ٤]؛ أي: هبة من الله للنساء، وفي الباب أحاديث منها حديث: «التمس ولو خاتما من حديد» (٥). وحديث أنس ﵁ في زواج عبد الرحمن بن عوف ﵁ وفيه: « … ثم جاء يوما وبه أثر صفرة فقال النبي ﷺ : «مهيم» (٦)، قال: تزوجت، قال:

стр. 908

«كم سقت إليها» قال: نواة من ذهب، أو وزن نواة من ذهب - شك إبراهيم - … » (١). (وشاهدي عدل) والإشهاد شرط صحة في الدخول، لا في صحة العقد ويشترط في شاهدي النكاح العدالة، لما في حديث عمران بن حصين من قوله ﵊: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» (٢)، ولحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة» (٣)، وروي ذلك عن عمر وعلي ومن قول ابن عباس وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد والحسن والنخعي وقتادة والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي (٤). وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل، فإن لم توجد العدول استكثروا من الشهود كالثلاثين والأربعين. ومن شروط صحة العقد الصيغة من الولي والزوج أو وكيله (٥)، فمن الولي بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد في حال الحياة كأنكحتك، أو

стр. 909

زوجتك؛ ومن الزوج ما يدل على الرضا كقبلت أو رضيت، ولا يشترط الترتيب بل هو مندوب، فلو بدأ الزوج بأن قال: زوجني، فيقول الولي: زوجتك لصح، نعم يشترط الفور بين القبول والإيجاب ولا يضر التفريق اليسير بخلاف الكثير إلا في صورة واحدة وهي: ما إذا كان رجل مريضا، وقال: إن مت من مرضي هذا فقد زوجت ابنتي من فلان، ومات بعد شهر مثلا وقبل الزوج بعد موته فإنه يصح. تنبيه: يلزم النكاح بمجرد القبول والإيجاب، ولو قال الأول بعد رضا الآخر: لا أرضى، أنا كنت هازلا، لأن النكاح جد ولو قامت قرينة من الجانبين على إرادة الهزل لما تقدم من حديث: «ثلاثة جدهن جد .. وذكر النكاح … » (١)، وقد ورد عن ابن عمر ﵄ أنه أوصى بتزويج ابنته لشاب وخشي أن يموت على شعبة من النفاق، ورأى أنه قد أعطاه شبه وعد مع أنه استثنى، ولكن أولئك الأخيار كانوا يحاسبون أنفسهم على النيات ونحن لا نبالي في أزماننا حتى على الأقوال والأعمال والأفعال (٢). (فان لم يشهدا)؛ أي: الولي والزوج (في العقد فلا يبنى بها حتى يشهدا) وفي نسخة حتى يشهد بالإفراد؛ أي: الزوج، لأنه شرط في صحة الدخول لا في العقد، لأنه عقد على منفعة فلم تكن مقارنة الشهادة شرطا في صحته كالإجارة، فلو دخل بدون إشهاد فسخ بطلقة بائنة، ويحدان إن لم يفش، ولم يعذرا بجهل، وأقرا بالوطء، أما إن فشا فلا يحدان وإن كانا عالمين، والفشو بالوليمة، والدف، والشاهد الواحد، ويدل على ذلك فعل ابن عمر، والحسن بن علي، وابن الزبير، وسالم وحمزة ابنا عمر وحمل فعلهم على الإعلان (٣). • حكم الزغاريد في الأعراس: هل تجوز الزغاريد في الأعراس؟ إعلان النكاح، واللهو والفرح فيه من

стр. 910

الأمور المشروعة، على أن يكون في حدود ما أباحه الشرع ورخص فيه. فعن عائشة ﵂ أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله ﷺ : «يا عائشة ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو» (١)، والزغاريد نوع من اللهو الشائع في الأفراح والأعراس في بعض البلاد، ولذلك فإن المرأة إذا كان في صوتها نوع تغنج واستلذاذ من قبل الرجال فإنه لا يجوز لها ذلك، قال الخرشي رحمه الله تعالى: «قال الناصر اللقاني في «فتاويه»: رفع صوت المرأة التي يخشى التلذذ بسماعه لا يجوز من هذه الحيثية لا في الجنازة ولا في الأعراس، سواء كان زغاريت أم لا» انتهى (٢). وأما إن كانت المزغرتة بين النساء ولم يسمعها الرجال ولم تكن فيها فتنة أو مفسدة فإن شاء الله لا بأس بها، والله أعلم. • حد الصداق المشروع: (وأقل الصداق ربع دينار) وأقل الصداق بفتح الصاد وكسرها؛ أي: أقل ما يصح به العقد إما ربع دينار من الذهب الخالص، ولا حد لأكثره، لقوله تعالى: ﴿وآتيتم إحدتهن قنطارا﴾ [النساء: ٢٠]، ولأنه في مقابلة البضع وهو عضو آدمي محترم فلا يستباح بأقل مما ذكر قياسا على يد السارق كذا استدل به مالك وتعقبه الجمهور بأنه: قياس في مقابلة النص فلا يصح، وبأن اليد تقطع وتبين ولا كذلك الفرج، وبأن القدر المسروق يجب على السارق رده مع القطع، ولا كذلك الصداق، وقال اللخمي: ليس هذا القياس ببين لأن اليد إنما قطعت في ربع دينار نكالا للمعصية، والنكاح مباح بوجه جائز وكذلك قاله ابن الفخار، ولهذا قال الدراوردي لمالك لما سمع منه هذه المسألة: تعرقت يا أبا عبد الله؛ أي: سلكت مسلك أهل العراق في القياس، وقال ابن العربي: «وزن الخاتم من

стр. 911

الحديد لا يساوي ربع دينار وهو مما لا جواب عنه ولا عذر فيه» (١)، وقال أبو عمر: واحتجوا أيضا بأن الله لما شرط عدم الطول في نكاح الإماء، وأباحه لمن لم يجد طولا دل على أن الطول لا يجده كل الناس، ولو كان الفلس، والدانق، والقبضة من الشعير، ونحو ذلك طولا لما عدمه أحد. اهـ (٢). وقال الحطاب: التحديد بربع دينار لم يرد فيه نص بل الظاهر خلافه لقوله: «التمس ولو خاتما من حديد» فتأمله والله أعلم (٣). (وللأب إنكاح ابنته البكر بغير إذنها)؛ أي: جبر ابنته البكر على النكاح ممن شاء بما شاء ولو كان أقل من صداق المثل فله أن يزوجها بربع دينار، وإن كان صداق مثلها ألفا ولا كلام لها لحديث: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها» (٤)، قال أبو عمر: في الحديث دلائل، ومعان، وفوائد: منها: «أن الأيم إذا كانت أحق بنفسها، فغير الأيم وليها أحق بها من نفسها، ولو كانتا جميعا أحق بأنفسهما من وليهما، لما كان لتخصيص الأيم معنى، والولي ها هنا: الأب - والله أعلم - دون سائر الأولياء، ألا ترى أن سائر الأولياء غير الأب ليس له أن يزوج الصغيرة ولا له أن يزوج البكر الكبيرة إلا بإذنها، وذلك للأب في بناته الأبكار، بوالغ أو غير بوالغ». اه (٥). (وإن بلغت) ولو عانسا وهي التي طال مكثها في بيت أهلها بعد بلوغها على المشهور لحديث ابن عباس ﵄ المتقدم وفيه: « … والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها»، ووجه الدليل منه أنه قسم النساء قسمين، وأثبت الحق لإحداهن فدل على نفيه عن الأخرى وهي البكر، فيكون وليها أحق منها بها

стр. 912

سواء بلغت أم لا، لأن لفظ البكر يعمها، واختلف في حد التعنيس فقيل: ثلاثون سنة، وقيل: أربعون (١). (وإن شاء شاورها) التخيير من غير أرجحية على حسب ظاهر قول المصنف، والذي في «الجواهر» وغيرها يستحب له استئذانها لحديث ابن عباس المذكور لأنه محمول على البكر إذا بلغت لأن غيرها لا يتأتى استئذانها (٢). (وأما غير الأب في البكر وصي أو غيره فلا يزوجها حتى تبلغ وتأذن، و إذنها صماتها) لحديث أبي موسى أن النبي ﷺ قال: «تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فقد أذنت وإن أبت لم تكره» (٣) وفي رواية أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها﴾ (٤)، وفي الباب عن غيرهما، قال في «المدونة» (٥): «لا تزوج اليتيمة التي يولي عليها حتى تبلغ وتأذن»، قال ابن ناجي: «إلا أن يكون نص الأب في الوصية على الإجبار فينزل منزلته»، ونص في «المختصر»: على أن الوصي ووصيه ينزل منزلة الأب في الإجبار بشرطين على سبيل البدل أحدهما: أن يعين له الزوج، والآخر: أن يأمره الأب بإجبار (٦). وهذا الثاني نص عليه الشيخ بعد قوله: ولا يزوج الصغيرة إلا أن يأمره الأب بإنكاحها فعلى هذا يحمل قول الشيخ هنا حتى تبلغ على ما إذا لم يأمره الأب بالإنكاح، وما ذكره الوصي كالجد والأخ هو المعروف من المذهب (٧)،

стр. 913

وقيل: له جبرها إن كانت مميزة وخيف فسادها مع بلوغ سنها عشر سنين مع مشورة القاضي المراد أن يثبت عند القاضي موجبات التزويج من خوف فسادها بزنا أو ضيعة لفقر، وكونها بلغت عشر سنين فأكثر. (ولا يزوج الثيب) البالغة العاقلة الحرة التي لم تزل بكارتها بعارض أو بزني رشيدة كانت أو سفيهة (أب ولا غيره إلا برضاها وتأذن بالقول) لحديث ابن عباس ﵄ السابق فيه: «الثيب أحق بنفسها» (١)، وحديث خنساء بنت خذام الأنصارية: أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك «فأتت النبي ﷺ فرد نكاحها» (٢)، فرضاها معتبر ومخالفته مردودة، قال الحافظ (٣): ورد النكاح إذا كانت ثيبا فزوجت بغير رضاها إجماع اهـ. وقيدنا بالبالغة احترازا من الصغيرة التي ثيبت قبل البلوغ فلا يتوقف تزويجها على رضاها بل حكمها حكم المجبرة، وبالعاقلة احترازا عن المجنونة؛ أي: عن الثيب البالغ المجنونة فإن الأب يجبرها ولو كان لها أولاد، وكذا الحاكم يجبر المجنونة البالغة إذا لم يكن هناك أب، وبالحرة احترازا من الأمة فإن للسيد جبرها اتفاقا، وبالتي لم تزل بكارتها إلخ مما أزيلت بكارتها بعارض فإن للأب جبرها اتفاقا، ومن أزيلت بكارتها بزني فكذلك على ما في «المدونة» (٤)، وما ذكر من أنها تأذن بالقول فهو كذلك لما رواه مالك ومسلم أنه ﷺ قال: «الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها» (٥) والمراد بالأيم الثيب، والفرق بين البكر والثيب أن الحياء قائم في البكر، والثيب قد زال منها ذلك؛ أي: لم يوجد بتمامه. (ولا تنكح المرأة) ذات الحال وهي التي لها شأن في قومها (إلا بإذن وليها) أو وكيله لما تقدم أن الولي شرط في صحة العقد ولا خلاف في ذلك.

стр. 914

عندنا (أو) بإذن (ذي الرأي من أهلها كالرجل من عشيرتها أو السلطان) للأحاديث السابقة في اشتراط الولي، ولقول عمر بن الخطاب ﵁: «لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان» (١)، وعن عبد الرحمن بن القاسم: «أن عائشة كانت يخطب إليها المرأة من أهلها فتشهد فإذا بقيت عقدة النكاح قالت لبعض أهلها زوج فإن المرأة لا تلي عقدة النكاح» (٢). وعن ابن عباس بلفظ: «لا نكاح إلا بولي مرشد أو سلطان» (٣). • شروط ولاية النكاح: ذو الرأي من اجتمعت فيه شروط الولاية: وشروطها: الذكورة، والحرية، والعقل، والبلوغ، وعدم الإحرام، وعدم الكفر في المسلمة، وقوله: كالرجل من عشيرتها تفسير لذي الرأي وقوله: أو السلطان معطوف على ذي الرأي فأو للترتيب وإنما قيدنا المرأة في كلامه بذات الحال لقوله: (وقد اختلف في الدنية) وهي التي لا يرغب فيها لكونها ليست ذات جمال ولا مال ولا حال، فمتى اتصفت بجمال أو مال أو حال تكون شريفة، والحال ما يعد مفخرة كالنسب والحسب ككرم الآباء هل لها (أن تولي أجنبيا) وهو من له ولاية الإسلام مع وجود الولي الخاص الذي لا جبر له فقال ابن القاسم: يجوز لها أن توليه ابتداء مع وجود القريب؛ وقال أشهب: لا يجوز ذلك إلا لعدم القريب، فالشيخان متفقان على الصحة وإنما الخلاف بينهما في الجواز ابتداء هذا ما أفاده بعضهم، وأفاد التتائي خلاف ذلك وأن الخلاف بينهما إنما هو بالصحة وعدمها، فابن القاسم يقول بالصحة؛ أي: مع الكراهة وهو المعتمد،

стр. 915

وأشهب يقول بعدمها (١). • مراتب أولياء المرأة الثيب: انتقل يتكلم على مراتب الأولياء بالنسبة للثيب فقال: (والابن أولى أولى) بتزويج أمه على المشهور (من الأب)؛ لأنه أقوى العصبة بدليل أنه أحق بموالي مواليها من الأب؛ وقيل: إن الأب أولى منه حكاه الباجي من رواية المدنيين، واختار بعض الشيوخ أن لا ولاية للابن في هذا الباب إلا أن يكون من عشيرة أمه وهو القياس كما قال الباجي (٢)، وفي «البداية» روي عن مالك أن الأب أولى من الابن وهو أحسن (٣)، (والأب أولى) بنكاح ابنته للإجماع على ذلك (٤) (من الأخ) الشقيق أو لأب، ولو اقتصر على قوله: ومن قرب من العصبة فهو أحق لكفى، ومعنى أحق على جهة الأولوية بدليل قوله (وإن زوجها البعيد) كالعم مع وجود الأقرب الخاص كالأخ (مضى ذلك) التزويج لأن الترتيب بينهما إنما هو على جهة الأولوية فقط كما أفاد ذلك معظم شيوخ المدونة، وأن مخالفته مكروهة فقط إن كان التزويج بكفء ولم يكن الخاص مجبرا (٥)، فإن زوجها بغير كفء فإنه يرد؛ أي: يجب على الولي الأقرب رد النكاح ولو رضيت المرأة بذلك فإن لم يرده رفعت ذلك للإمام؛ أي: وجوبا لرده، ولا يجوز لها الرضا وإن زوجها مع وجود المجبر فسخ (وللوصي أن يزوج الطفل) الذكر الذي في (ولايته)؛ أي: له جبره على التزويج كالأب حيث كان في ذلك مصلحة كنكاحه من المرأة الموسرة أو الشريفة لأن إيجاب الوصي كإيجاب الأب، والأب له أن يزوجه بلا خلاف بين أهل العلم كما قال ابن المنذر (٦)، لما روي أن ابن عمر ﵁
следующие страницы →