← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

الحديد لا يساوي ربع دينار وهو مما لا جواب عنه ولا عذر فيه» (١)، وقال أبو عمر: واحتجوا أيضا بأن الله لما شرط عدم الطول في نكاح الإماء، وأباحه لمن لم يجد طولا دل على أن الطول لا يجده كل الناس، ولو كان الفلس، والدانق، والقبضة من الشعير، ونحو ذلك طولا لما عدمه أحد. اهـ (٢). وقال الحطاب: التحديد بربع دينار لم يرد فيه نص بل الظاهر خلافه لقوله: «التمس ولو خاتما من حديد» فتأمله والله أعلم (٣). (وللأب إنكاح ابنته البكر بغير إذنها)؛ أي: جبر ابنته البكر على النكاح ممن شاء بما شاء ولو كان أقل من صداق المثل فله أن يزوجها بربع دينار، وإن كان صداق مثلها ألفا ولا كلام لها لحديث: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها» (٤)، قال أبو عمر: في الحديث دلائل، ومعان، وفوائد: منها: «أن الأيم إذا كانت أحق بنفسها، فغير الأيم وليها أحق بها من نفسها، ولو كانتا جميعا أحق بأنفسهما من وليهما، لما كان لتخصيص الأيم معنى، والولي ها هنا: الأب - والله أعلم - دون سائر الأولياء، ألا ترى أن سائر الأولياء غير الأب ليس له أن يزوج الصغيرة ولا له أن يزوج البكر الكبيرة إلا بإذنها، وذلك للأب في بناته الأبكار، بوالغ أو غير بوالغ». اه (٥). (وإن بلغت) ولو عانسا وهي التي طال مكثها في بيت أهلها بعد بلوغها على المشهور لحديث ابن عباس ﵄ المتقدم وفيه: « … والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها»، ووجه الدليل منه أنه قسم النساء قسمين، وأثبت الحق لإحداهن فدل على نفيه عن الأخرى وهي البكر، فيكون وليها أحق منها بها

стр. 912

سواء بلغت أم لا، لأن لفظ البكر يعمها، واختلف في حد التعنيس فقيل: ثلاثون سنة، وقيل: أربعون (١). (وإن شاء شاورها) التخيير من غير أرجحية على حسب ظاهر قول المصنف، والذي في «الجواهر» وغيرها يستحب له استئذانها لحديث ابن عباس المذكور لأنه محمول على البكر إذا بلغت لأن غيرها لا يتأتى استئذانها (٢). (وأما غير الأب في البكر وصي أو غيره فلا يزوجها حتى تبلغ وتأذن، و إذنها صماتها) لحديث أبي موسى أن النبي ﷺ قال: «تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فقد أذنت وإن أبت لم تكره» (٣) وفي رواية أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها﴾ (٤)، وفي الباب عن غيرهما، قال في «المدونة» (٥): «لا تزوج اليتيمة التي يولي عليها حتى تبلغ وتأذن»، قال ابن ناجي: «إلا أن يكون نص الأب في الوصية على الإجبار فينزل منزلته»، ونص في «المختصر»: على أن الوصي ووصيه ينزل منزلة الأب في الإجبار بشرطين على سبيل البدل أحدهما: أن يعين له الزوج، والآخر: أن يأمره الأب بإجبار (٦). وهذا الثاني نص عليه الشيخ بعد قوله: ولا يزوج الصغيرة إلا أن يأمره الأب بإنكاحها فعلى هذا يحمل قول الشيخ هنا حتى تبلغ على ما إذا لم يأمره الأب بالإنكاح، وما ذكره الوصي كالجد والأخ هو المعروف من المذهب (٧)،

стр. 913

وقيل: له جبرها إن كانت مميزة وخيف فسادها مع بلوغ سنها عشر سنين مع مشورة القاضي المراد أن يثبت عند القاضي موجبات التزويج من خوف فسادها بزنا أو ضيعة لفقر، وكونها بلغت عشر سنين فأكثر. (ولا يزوج الثيب) البالغة العاقلة الحرة التي لم تزل بكارتها بعارض أو بزني رشيدة كانت أو سفيهة (أب ولا غيره إلا برضاها وتأذن بالقول) لحديث ابن عباس ﵄ السابق فيه: «الثيب أحق بنفسها» (١)، وحديث خنساء بنت خذام الأنصارية: أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك «فأتت النبي ﷺ فرد نكاحها» (٢)، فرضاها معتبر ومخالفته مردودة، قال الحافظ (٣): ورد النكاح إذا كانت ثيبا فزوجت بغير رضاها إجماع اهـ. وقيدنا بالبالغة احترازا من الصغيرة التي ثيبت قبل البلوغ فلا يتوقف تزويجها على رضاها بل حكمها حكم المجبرة، وبالعاقلة احترازا عن المجنونة؛ أي: عن الثيب البالغ المجنونة فإن الأب يجبرها ولو كان لها أولاد، وكذا الحاكم يجبر المجنونة البالغة إذا لم يكن هناك أب، وبالحرة احترازا من الأمة فإن للسيد جبرها اتفاقا، وبالتي لم تزل بكارتها إلخ مما أزيلت بكارتها بعارض فإن للأب جبرها اتفاقا، ومن أزيلت بكارتها بزني فكذلك على ما في «المدونة» (٤)، وما ذكر من أنها تأذن بالقول فهو كذلك لما رواه مالك ومسلم أنه ﷺ قال: «الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها» (٥) والمراد بالأيم الثيب، والفرق بين البكر والثيب أن الحياء قائم في البكر، والثيب قد زال منها ذلك؛ أي: لم يوجد بتمامه. (ولا تنكح المرأة) ذات الحال وهي التي لها شأن في قومها (إلا بإذن وليها) أو وكيله لما تقدم أن الولي شرط في صحة العقد ولا خلاف في ذلك.

стр. 914

عندنا (أو) بإذن (ذي الرأي من أهلها كالرجل من عشيرتها أو السلطان) للأحاديث السابقة في اشتراط الولي، ولقول عمر بن الخطاب ﵁: «لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان» (١)، وعن عبد الرحمن بن القاسم: «أن عائشة كانت يخطب إليها المرأة من أهلها فتشهد فإذا بقيت عقدة النكاح قالت لبعض أهلها زوج فإن المرأة لا تلي عقدة النكاح» (٢). وعن ابن عباس بلفظ: «لا نكاح إلا بولي مرشد أو سلطان» (٣). • شروط ولاية النكاح: ذو الرأي من اجتمعت فيه شروط الولاية: وشروطها: الذكورة، والحرية، والعقل، والبلوغ، وعدم الإحرام، وعدم الكفر في المسلمة، وقوله: كالرجل من عشيرتها تفسير لذي الرأي وقوله: أو السلطان معطوف على ذي الرأي فأو للترتيب وإنما قيدنا المرأة في كلامه بذات الحال لقوله: (وقد اختلف في الدنية) وهي التي لا يرغب فيها لكونها ليست ذات جمال ولا مال ولا حال، فمتى اتصفت بجمال أو مال أو حال تكون شريفة، والحال ما يعد مفخرة كالنسب والحسب ككرم الآباء هل لها (أن تولي أجنبيا) وهو من له ولاية الإسلام مع وجود الولي الخاص الذي لا جبر له فقال ابن القاسم: يجوز لها أن توليه ابتداء مع وجود القريب؛ وقال أشهب: لا يجوز ذلك إلا لعدم القريب، فالشيخان متفقان على الصحة وإنما الخلاف بينهما في الجواز ابتداء هذا ما أفاده بعضهم، وأفاد التتائي خلاف ذلك وأن الخلاف بينهما إنما هو بالصحة وعدمها، فابن القاسم يقول بالصحة؛ أي: مع الكراهة وهو المعتمد،

стр. 915

وأشهب يقول بعدمها (١). • مراتب أولياء المرأة الثيب: انتقل يتكلم على مراتب الأولياء بالنسبة للثيب فقال: (والابن أولى أولى) بتزويج أمه على المشهور (من الأب)؛ لأنه أقوى العصبة بدليل أنه أحق بموالي مواليها من الأب؛ وقيل: إن الأب أولى منه حكاه الباجي من رواية المدنيين، واختار بعض الشيوخ أن لا ولاية للابن في هذا الباب إلا أن يكون من عشيرة أمه وهو القياس كما قال الباجي (٢)، وفي «البداية» روي عن مالك أن الأب أولى من الابن وهو أحسن (٣)، (والأب أولى) بنكاح ابنته للإجماع على ذلك (٤) (من الأخ) الشقيق أو لأب، ولو اقتصر على قوله: ومن قرب من العصبة فهو أحق لكفى، ومعنى أحق على جهة الأولوية بدليل قوله (وإن زوجها البعيد) كالعم مع وجود الأقرب الخاص كالأخ (مضى ذلك) التزويج لأن الترتيب بينهما إنما هو على جهة الأولوية فقط كما أفاد ذلك معظم شيوخ المدونة، وأن مخالفته مكروهة فقط إن كان التزويج بكفء ولم يكن الخاص مجبرا (٥)، فإن زوجها بغير كفء فإنه يرد؛ أي: يجب على الولي الأقرب رد النكاح ولو رضيت المرأة بذلك فإن لم يرده رفعت ذلك للإمام؛ أي: وجوبا لرده، ولا يجوز لها الرضا وإن زوجها مع وجود المجبر فسخ (وللوصي أن يزوج الطفل) الذكر الذي في (ولايته)؛ أي: له جبره على التزويج كالأب حيث كان في ذلك مصلحة كنكاحه من المرأة الموسرة أو الشريفة لأن إيجاب الوصي كإيجاب الأب، والأب له أن يزوجه بلا خلاف بين أهل العلم كما قال ابن المنذر (٦)، لما روي أن ابن عمر ﵁

стр. 916

زوج ابنه وهو صغير فاختصما إلى زيد فأجازاه جميعا (١)، ثم هذا في الغلام السليم من الجنون أما غيره ففيه خلاف. (ولا يزوج الصغيرة إلا أن يأمره الأب بإنكاحها) وأن يعين له الزوج كما لبعضهم كأن يقول له: «زوجها من فلان، لحديث قدامة بن مظعون لما زوج ابنة أخيه، فقال: أنا عمها، ووصي أبيها، فلم ينكر عليه» (٢)، وعلى ما في «المختصر» يكفي إذا أمره بالإجبار أن يزوجها ممن شاء ولأن إنكاح البنت يراد منه دفع العار، والوصي لا ضرر عليه في وضعها عند من لا يكافئها وما يلتحق بذلك من العار فلم تثبت له الولاية كالأجنبي بخلافه في الذكر، ولأن الذكر له الفسخ إذا بلغ بخلاف الأنثى. (وليس ذوو الأرحام من الأولياء) في النكاح وهم من كان من جهة الأم سواء كان وارثا كالأخ للأم أو غير وارث كالخال. (والأولياء من العصبة) جمع عاصب وهو كل ذكر يدلي بنفسه أو بذكر مثله، والأقوى تعصيبا يقدم فيقدم الأخ الشقيق مثلا على الأخ للأب، قال ابن عمر الأنفاسي: ظاهر كلامه أن الولي لا يكون إلا من العصبة، وقد قال قبل هذا: أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان فتنافى كلامه سابقا ولاحقا ويجاب بمنع المنافاة برد ما هنا إلى ما تقدم بأن نقول: الولي لا يكون إلا من العصبة؛ أي: لا من ذوي الأرحام فلا ينافي أنه قد يكون غير عاصب بأن يكون كافلا أو حاكما فالحصر إضافي واختلف في قدر الكفالة التي يستحق بها الكافل تزويج المكفولة، فقيل: عشر سنين، وقيل: أقله أربعة أعوام، وقيل: العبرة بمدة يعد فيها مشفق ولأن الولاية في النكاح تثبت للأولياء لدفع

стр. 917

العار عن النسب والنسب إنما هو للعصبة، ولهذا رجح بعضهم عدم ولاية الابن لأنه لا نسب بينه وبين الأم إلا أن يكون ابن عمها كما سبق. • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يخطب أحد على خطبة أخيه ولا يسوم على سومه وذلك إذا ركنا وتقاربا. ولا يجوز نكاح الشغار وهو البضع بالبضع. ولا نكاح بغير صداق ولا نكاح المتعة وهو النكاح إلى أجل. ولا النكاح في العدة ولا ما جر إلى غرر في عقد أو صداق ولا بما لا يجوز بيعه وما فسد من النكاح لصداقه فسخ قبل البناء فإن دخل بها مضى وكان فيه صداق المثل. وما فسد من النكاح لعقده وفسخ بعد البناء ففيه المسمى وتقع به الحرمة كما تقع بالنكاح الصحيح ولكن لا تحل به المطلقة ثلاثا ولا يحصن به الزوجان). الشرح • حرمة خطبة المسلم على خطبة أخيه إذا تراكن الطرفان: (ولا يخطب أحد على خطبة أخيه) بكسر الخاء طلب التزويج (ولا يسوم على سومه) لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، ولا يسوم على سوم أخيه، … » (١)، زاد ابن جريج عن نافع عن ابن عمر ﵁: «ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب» (٢). قال الفاكهاني: رويناه في هذا الموضع بضم الفعلين، وقال الأقفهسي:

стр. 918

الفعلان مجزومان على النهي هكذا الرواية نقلا للحديث بلفظه، وعلى ما قال الفاكهاني يكون بلفظ الخبر ومعناه النهي (١) (وذلك) النهي عن الخطبة على الخطبة، والسوم على السوم حرام بشرط (إذا ركنا) بفتح الكاف وكسرها، وإضافة شرط إلى ما بعده للبيان (وتقاربا)؛ أي: الزوجان، أو المتبايعان، والتراكن في النكاح أن تميل إليه ويميل إليها، والتقارب في النكاح اشتراط الشروط بحيث لم يبق بينهما إلا الإيجاب والقبول، فإذا صار التراكن والتقارب حرمت خطبة الثاني، وإذا عقد عليها، ندب فسخ النكاح إن اطلع على هذا التعدي قبل الدخول، وقيل: يجب فسخه قبل الدخول وبعده، لأن فاعل ذلك بمنزلة من تزوج زوجة غيره (٢)؛ لحديث فاطمة بنت قيس أنه خطبها معاوية وأبو جهم وأسامة بن زيد فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «أما معاوية فرجل ترب لا مال له، وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء، ولكن أسامة … الحديث» (٣)، ووجه الدلالة منه عدم إنكاره ﷺ على خطبة الثلاثة، وإشارته بإنكاح أسامة وذلك محمول على أنه لم يحصل منها ركون إلى أحد من الثلاثة، وأحاديث النهي محمولة على ما إذا حصل الركون جمعا بين الأدلة، ومثله حديث الثلاثة الذين كلموا عمر ﵁ أن يخطب عليهم امرأة من دوس، «فخطبها لنفسه لأنه لم يحصل منها ركون لأحدهم فزوجت نفسها عمر ﵁» (٤). اهـ. • الأنكحة الفاسدة: نكاح الشغار: شرع يبين الأنكحة الفاسدة فقال: (ولا يجوز نكاح الشغار) بكسر الشين وبالغين المعجمتين؛ وهو على ثلاثة أقسام:

стр. 919

١ - صريح الشغار. ٢ - ووجه الشغار. ٣ - ومركب منهما. واقتصر الشيخ على الأول فقال (وهو البضع بالبضع) لحديث ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ليس بينهما صداق (١)، وفي رواية بعضهم: أن التفسير مدرج من كلام نافع ولحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا شغار في الإسلام»» (٢). وهل الشغار مشتق من الرفع تقول: شغر الكلب إذا رفع رجله للبول، وإنما يفعل ذلك عند بلوغه وهو موجود في المرأة عند الجماع. أو من الخلو: وهو رفع الصداق بينهما تقول: شغرت البلد؛ أي: خلت من الناس ولذا استعمل في النكاح بدون مهر (٣). وصريح الشغار: أن يزوج الرجل ابنته لرجل على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق. ووجه الشغار: أن يسمى لكل واحدة صداقا، مثل أن يقول: زوجني ابنتك بخمسين على أن أزوجك ابنتي بخمسين. والمركب منهما: أن يسمى لواحدة دون الأخرى مثل أن يقول: زوجني ابنتك بخمسين على أن أزوجك ابنتي بغير شيء. وحكم الأول: أنه يفسخ بطلاق على المشهور قبل الدخول وبعده وإن ولدت الأولاد وللمدخول بها صداق المثل ولا شيء لغير المدخول بها.

стр. 920

وحكم الثاني: أنه يفسخ قبل البناء لا بعده على المشهور ولكل واحدة منهما الأكثر من المسمى وصداق المثل. وحكم الثالث أنهما يفسخان ويثبت نكاح المسمى لها بعد البناء واختلف هل لها صداق المثل أو الأكثر من المسمى وصداق المثل تأويلان (١). ويفسخ نكاح التي لم يسم لها وليس لها إلا صداق المثل (ولا) يجوز (نكاح بغير صداق) للآيات المتقدمة والأحاديث وذلك إذا شرطا إسقاطا فإن وقع فالمشهور أنه يفسخ قبل الدخول وليس لها شيء، وفي فسخه بطلاق قولان، ويثبت بعده بصداق المثل ويلحق به الولد ويسقط الحد لوجود الخلاف (٢). نكاح المتعة: (و) كذلك (لا) يجوز (نكاح المتعة وهو النكاح إلى أجل) إجماعا، والفسخ فيه بغير طلاق وقيل: «بطلاق ويعاقب الزوجان» (٣)، وللأحاديث الكثيرة الدالة على تحريمها منها حديث علي ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية» (٤) وحديث سبرة الجهني (٥) أنه كان مع النبي ﷺ فقال: «يا أيها الناس، إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» (٦)، وفي رواية عنه: «أن النبي ﷺ نهى عن نكاح المتعة» (٧) وذهب إلى أنه أصح ما روي في ذلك،

стр. 921

قال أبو عمر في «الاستذكار» (١): لم يختلف العلماء من السلف والخلف أن المتعة نكاح إلى أجل لا ميراث فيه. والفرقة تقع عند انقضاء الأجل من غير طلاق وليس هذا من حكم الزوجة عند أحد من المسلمين. وقد حرم الله الفروج إلا بنكاح صحيح، أو ملك يمين. وليست المتعة نكاحا صحيحا، ولا ملك يمين، وقال ابن أبي ذئب: سمعت ابن الزبير يخطب، فقال في خطبته: إن الذئب يكنى أبا جعدة، ألا وإن المتعة هي الزنا … حتى قال ابن الزبير: لو متع ابن عباس لرجمته. اهـ. وظاهر كلام المصنف كخليل والمدونة وغيرها قرب الأجل أو بعد بحيث لا يدركه عمر أحدهما (٢). قال ابن رشد: هو نكاح بصداق وولي وشهود وإنما فسد من ضرب الأجل، وحكمه أنه يفسخ أبدا بغير طلاق، فيفيد أنه من المتفق على فساده، وعليه فمن نكح امرأة نكاح متعة ولم يتلذذ بها جاز لأبيه وابنه نكاحها، ويعاقب فيه الزوجان ولا يبلغ بهما الحد لأن الحدود تدرأ بالشبهات، لكن يؤدبان أدبا غليظا لأن خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب ﵁ فقالت: «إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة فحملت منه، فخرج عمر بن الخطاب فزعا يجر رداءه، فقال: هذه المتعة، ولو كنت تقدمت فيها لرجمت» (٣)، والولد لاحق لأبيه لأن النكاح فيه شبهة، وعليها العدة كاملة، ولا صداق لها إن كان الفسخ قبل الدخول، وإن كان بعد الدخول فلها صداق المثل مطلقا سمي لها صداقا أم لا. أما إذا تزوج ولم يذكر الأجل في عقد النكاح، وأضمره الزوج في نفسه

стр. 922

فليس ذلك من نكاح المتعة المحرم، وهذا ما لم يتكلم به الزوج ولو تبين للمرأة أن الرجل يريد فراقها بعد حين لما في «صحيح مسلم» أن النبي ﷺ قال: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم» (١). النكاح في العدة: (و) كذا (لا) يجوز (النكاح)؛ بمعنى: العقد على المرأة حال كونها (في العدة) إجماعا، سواء كانت عدة وفاة أو طلاق كان الطلاق بائنا أو رجعيا، لقوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتب أجله﴾ [البقرة: ٢٣٥] (٢)، ولحديث فاطمة بنت قيس وفيه: أن النبي ﷺ قال لها: «إذا حللت فاذنيني» (٣)، وفي لفظ: «لا تسبقيني بنفسك» وفي آخر: «لا تفوتينا بنفسك» ولأن طليحة الأسدية كانت تحت رشيد الثقفي فطلقها فنكحت في عدتها فضربها عمر بن الخطاب وضرب زوجها بالمخفقة ضربات وفرق بينهما ثم قال عمر بن الخطاب أيما امرأة نكحت في عدتها فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول ثم كان الآخر خاطبا من الخطاب وإن كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول ثم اعتدت من الآخر ثم لا يجتمعان أبدا، وقال: قال سعيد بن المسيب: «ولها مهرها بما استحل منها» (٤).

стр. 923

وكما قلنا فالإجماع على ذلك فمن عقد على معتدة فسخ بغير طلاق؛ لأنه مجمع على فساده، فإن دخل بها عوقبا والشهود إن علموا، ولها المسمى، ويلحق الولد، ولا يتوارثان إذا حصل موت قبل الفسخ لفساد العقد، ويتأبد تحريمها عليه وعلى أصوله وفروعه بشرط كونها معتدة من وفاة أو طلاق بائن، ومقدمات الوطء كالقبلة والمباشرة في العدة كالوطء فيها، وتخالفه إذا وقعت بعد العدة فلا تحرم بها كما إذا لم يدخل بها أصلا ولا حصل منه مقدمات لا قبل ولا بعد وإنما حصل مجرد عقد وفسخ فلا يتأبد تحريمها ويجوز له أن يتزوجها بعد العدة إن شاء. • أنواع أخرى من الأنكحة الفاسدة: (ولا) يجوز النكاح على (ما جر إلى غرر في عقد) كالنكاح على الخيار، لأنه لا يدري هل من له الخيار يمضي العقد أو لا (أو) جر إلى غرر (صداق) كالنكاح على عبد آبق أو بعير شارد، لأنه عقد بمعين لا يملكه الناكح، ولأن الصداق عوض في عقد فلا يجوز بما ذكر كالعوض في البيع والإجارة (و) كذا (لا) يجوز النكاح (بما لا يجوز بيعه) شرعا كالخمر والخنزير لحديث عائشة مرفوعا: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد» (١)، والنكاح أمر شرعي فلا يجوز بمحرم في الدين فإن وقع شيء من ذلك فسخ قبل البناء ولا صداق لها ويثبت بعده بصداق المثل. مسألة: (وما فسد من النكاح لصداقه) كالنكاح بما لا يجوز تملكه شرعا كالخمر أو يجوز لكنه لا يصح بيعه كالآبق (فسخ قبل البناء) بطلاق ولا صداق فيه، وإن قبضته ردته لقوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾ [النساء: ٢٤]، والمحرم ليس من أموال المسلمين فارتفعت الحلية ووجب الفسخ (فإن) لم يعثر عليه إلا بعد أن (دخل بها مضى)؛ أي: ثبت (وكان فيه صداق المثل)؛ أي: مثلها في الحال؛ أي: الدين والحسب

стр. 924

والنسب والجمال واليسار، لأن صداق المثل يقل ويكثر باختلاف ما ذكرناه في النساء من الجمال والمال والشرف فقد أخبر النبي ﷺ في قوله: «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك» (١) أن الغرض الذي يقصد من المرأة وعليه يبذل الصداق هو هذه الأشياء (٢)، ولأن الصداق حينئذ وجب بالدخول فلا يوجد المعنى الذي لأجله فسخ قبل الدخول ثم لما كان المسمى حراما وجب صداق المثل (وما فسد من النكاح ل أجل (عقده) كالنكاح بغير ولي فسخ قبل البناء (و) وإذا فسخ قبل البناء لا صداق فيه وإذا (فسخ بعد البناء ففيه المسمى) هذا إن سمى صداقا وإلا فصداق المثل لحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها، فنكاحها باطل»، ثلاث مرات «فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» (٣)، وفي رواية: «فلها ما أعطاها»، وهذا كله إن سمي صداقا وإلا فصداق المثل (وتقع به)؛ أي: بالنكاح الذي يفسخ بعد البناء وكان متفقا على فساده (الحرمة كما تقع بالنكاح الصحيح) للإجماع حكاه ابن المنذر (٤)؛ ولأنه وطء يلحق به النسب فأثبت التحريم كالوطء المباح. قال الأقفهسي: معنى وقوع الحرمة به أن المرأة التي بنى بها بالنكاح الفاسد تحرم عليه أمها وابنتها، وتحرم هي على آبائه وأبنائه كتحريم النكاح الصحيح، وأما لو فسخ النكاح الفاسد المتفق على فساده قبل البناء لم تقع به حرمة إلا أن يفعل شيئا من مقدمات الوطء كالقبلة والمباشرة، وأما النكاح المختلف في فساده فتقع الحرمة بعقده (٥). ولما شبه النكاح الفاسد بالصحيح في الحرمة وخشي أن يتوهم مساواته

стр. 925

له في كل الوجوه رفع ذلك بقوله: (ولكن لا تحل به المطلقة ثلاثا)؛ أي: بالنكاح الفاسد بعد البناء؛ أي: المتفق على فساده ولو تكرر وطؤه لقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠] وإطلاق النكاح يقتضي الصحيح وهذا فاسد، وأما المختلف في فساده وطلقت بعد الوطء فإن تكرر وطؤه بحيث ثبت النكاح حلت، وأما لو طلقت بعد أول وطأة ففي حلها تردد مبني على أن النزع هل هو وطء أو لا؟ وإنما حصل التحريم بالوطء دون التحليل احتياطا من الجانبين، (ولا يحصن به الزوجان)، لأن من شروط الإحلال والإحصان صحة العقد، ولأن الإحصان متعلق بالكمال وتمام الحرمة فلم يؤثر فيه العقد الفاسد، لأنه مضاد للكمال ومناف له فلا تحصل به صفات الكمال، فما قاله هنا مفسر لما قاله أول الكتاب: «إن مغيب الحشفة يحصن الزوجين، ويحل المطلقة ثلاثا للذي طلقها»، بأن يحمل ما تقدم على ما إذا كان صحيحا أو مختلفا في فساده. • المحرمات بالنسب والرضاع وغيرهما: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (وحرم الله سبحانه من النساء سبعا بالقرابة وسبعا بالرضاع والصهر فقال جل: ﴿حرمت عليكم أمهتكم وبناتكم وأخواتكم وعمتكم وخلتكم وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ فهؤلاء من القرابة. واللواتي من الرضاع والصهر قوله تعالى: ﴿وأمهتكم التي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسابكم وربائبكم التي في حجوركم من نسابكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلبل أبنابكم الذين من أصلابكم﴾ [النساء: ٢٣]. ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ وقال تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ وحرم النبي ﷺ بالرضاع ما يحرم من النسب. ونهى أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها فمن نكح امرأة حرمت بالعقد دون أن تمس على آبائه وأبنائه وحرمت عليه أمهاتها ولا تحرم

стр. 926

عليه بناتها حتى يدخل بالأم أو يتلقذ بها بنكاح أو ملك يمين أو بشبهة من نكاح أو ملك ولا يحرم بالزنا حلال. وحرم الله سبحانه وطء الكوافر ممن ليس من أهل الكتاب بملك أو نكاح، ويحل وطء الكتابيات بالملك، ويحل وطء حرائرهن بالنكاح، ولا يحل وطء إمائهن بالنكاح لحر ولا لعبد. ولا تتزوج المرأة عبدها ولا عبد ولدها، ولا الرجل أمته ولا أمة ولده، وله أن يتزوج أمة والده وأمة أمه وله أن يتزوج بنت امرأة أبيه من رجل غيره، وتتزوج المرأة ابن زوجة أبيها من رجل غيره. ويجوز للحر والعبد نكاح أربع حرائر مسلمات أو كتابيات وللعبد نكاح أربع إماء مسلمات وللحر ذلك إن خشي العنت ولم يجد للحرائر طولا). الشرح • المحرمات من النساء بالقرابة على جهة التأبيد (١): (وحرم الله سبعا بالقرابة) لقوله : ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعمتكم وخلتكم وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ [النساء: ٢٣]، والأمهات جمع أم وهي المرأة التي ولدتك وإن علت، فأمك المباشرة عليك وكذلك الجدات سواء كن من جهة الأب أو من جهة الأم، كأم الأب وأم الأم، وأم الجد للأب وأم الجد للأم. (وبناتكم) جمع بنت وهي كل من لك عليها ولادة وإن بعدت، سواء كانت من جهة أبنائك أو بناتك مهما نزلت. (وأخواتكم) جمع أخت وهي كل امرأة شاركتك في رحم أو صلب أو فيهما معا.

стр. 927

(وعمتكم) جمع عمة وهي كل امرأة اجتمعت مع أبيك في رحم أو صلب أو فيهما، كالعمة الشقيقة للأب، وأخته لأبيه أو لأمه. (وخلتكم) جمع خالة وهي كل امرأة اجتمعت مع أمك في رحم أو صلب أو فيهما معا، الخالة شقيقة الأم، وأختها لأبيها، أو لأمها، وكذلك خالة الأب وخالة الأم وأمهاتهن مهما بعدن، شقيقات كن، أو لأب أو لأم، لعموم دخول هؤلاء في قوله تعالى: ﴿وعمتكم وخلتكم﴾. (وبنات الأخ) وهي كل امرأة لأخيك عليها ولادة فهي بنت أخيك كان الأخ شقيقا أو لأب أو لأم، وإن بعدت كبنت بنت الأخ وبنت ابن الأخ وإن سفلت. (وبنات الأخت) وهي كل امرأة لأختك عليها ولادة فهي بنت أختك كانت الأخت شقيقة أو لأب أو لأم لعموم دخولهن جميعا في قوله تعالى: (وبنات الأخ). (فهؤلاء) السبعة (من القرابة). • المحرمات من الرضاع والمصاهرة: قال المصنف: وحرم الله سبحانه (وسبعا بالرضاع والصهر، و) أما السبعة (اللواتي من الرضاع والصهر) فأشار إليها بقوله تعالى: (وأمهتكم التي أرضعنكم) سواء كانت المرضعة بكرا أو ثيبا أو متجالة ولو كانت غير بالغ بل ولو كانت خنثى مشكلا حية كانت أو ميتة حيث كان في ثديها لبن ولو مع الشك. (وأخواتكم من الرضعة) كان الرضاع في زمن واحد بأن صاحبتك في الرضاع أو في أزمنة بأن أرضعت قبل أن ترضع أو بعد أن رضعت ولم يذكر في القرآن من المحرم بالرضاع إلا الأم والأخت فالأم أصل والأخت فرع فنبه تعالى بذلك على جميع الأصول والفروع؛ أي: فروع الأصول. (وأمهات نسائكم) وهي كل امرأة لها على زوجتك ولادة فهي أم امرأتك وإن علت وسواء عقد له عليها في حال بلوغه أو صباه وجمهور أهل

стр. 928

العلم على أنها عامة فيمن دخل بها، ومن لم يدخل بها فالعقد على البنت يحرم أمها، وكذا تحرم أم الزوجة بالرضاع وغير الجمهور كعلي وابن عباس ﵄ قالا: إن قوله : ﴿التي دخلتم بهن﴾ شرط في هذه، وفي الربيبة فعلى مذهبهما إذا تزوج رجل امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها فيجوز له أن يتزوج بأمها (١)، قال القرطبي: حديث خلاس عن علي ﵁ لا تقوم به حجة، ولا تصح روايته عند أهل العلم بالحديث، والصحيح عنه مثل قول الجماعة. (وربائبكم) جمع ربيبة فعيلة بمعنى مفعولة أو مربوبة؛ أي: مولى أمرها وهي بنت الزوجة. وقوله: ﴿التي في حجوركم من نسابكم﴾ خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له إجماعا إلا ما روي عن علي ﵁ أنها لا تحرم إذا لم تكن في الحجر، والحجر بفتح الحاء وكسرها مقدم ثوب الإنسان ثم استعمل في الحفظ والستر مجازا مرسلا من استعمال اسم السبب في المسبب، لأن الحجر سبب للستر في الجملة واختلف في معنى الدخول من قوله تعالى: ﴿التي دخلتم بهن﴾ فقال الشافعي ﵁: هو الجماع، وأفاد البيضاوي أن قوله تعالى: ﴿دخلتم بهن﴾؛ أي: دخلتم معهن الستر وهي كناية عن الجماع (٢)؛ أي: كناية مشهورة، وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله هو التمتع من اللمس والقبلة إلخ، فإن لم يقع شيء من ذلك فالربيبة حلال وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم﴾؛ أي: لا إثم عليكم حينئذ في نكاح الربيبة. تنبيه: وهم القرطبي في تخريج حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ : «إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج البنت» فقال

стр. 929

رحمه الله تعالى: أخرجه في «الصحيحين»، وهو ليس كذلك، لأنه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وليس هذا الإسناد من رجال الصحيحين (١)، والله أعلم. وقوله: ﴿وحلبل أبنابكم﴾ جمع حليلة وهي زوجة الابن وإن سفل دخل بها الابن أو لم يدخل وقوله تعالى: ﴿الذين من أصلابكم﴾؛ تخصيص ليخرج من عمومه التبني؛ أي: من عموم أبنائكم الأبناء بالتبني وتحرم عليه حليلة الابن من الرضاع بالإجماع المستند إلى قوله ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (٢)، أي: فالابن من الرضاع حكم ابن الصلب في حرمة حليلته، والمشهور أن أمة الابن لا تحرم على الأب حتى يطأها الابن أو يتلذذ بها (٣). ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ سواء كان بنكاح أو ملك أو كانت واحدة بنكاح وأخرى بملك فيمتنع أيضا، أما الجمع للاستخدام فلا بأس به ﴿إلا ما قد سلف﴾ استثناء منقطع؛ معناه لكن ما قد سلف من ذلك ووقع وأزاله الإسلام فإن الله يغفره والإسلام يجبه؛ أي: يمحوه من الصحف بحيث صار لا يؤاخذ عليه، وليس هذا مثل قوله: إلا ما قد سلف في نكاح منكوحات الآباء؛ لأن نكاح منكوحات الآباء لم يشرع قط، وإنما كانت جاهلية وفاحشة شائعة، ونكاح الأختين كان شرعا لمن قبلنا نسخه الله تعالى فينا. وقال تعالى: (﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾)

стр. 930

[النساء: ٢٢]، سواء دخل بها الأب أولم يدخل فبالعقد تحرم على الابن، وكذلك زوجة الجد لأنه أب، وثبت في بعض النسخ إلا ما قد سلف ومعناه ما تقدم قبل الإسلام، ولما لم يكن في القرآن من المحرمات بالرضاع صريحا إلا الأم والأخت وكان جميع الأصول والفروع حكمهم حكم من ذكر أتى بما يدل على ذلك عموما. ثم قال: (وحرم النبي ﷺ بالرضاع ما يحرم من النسب) فقال: «إن الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب» من حديث علي ﵁ (١)، وعن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (٢)، وللباقين: «ما يحرم من الولادة» (٣)؛ ولما لم يكن في الآية ما يدل على تحريم الجمع بين الأختين وألحقت السنة بهما الجمع بين سائر المحارم نبه على ذلك بقوله: (ونهى)؛ أي: النبي ﷺ (أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها) من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها»، وفي رواية: «أن رسول الله ﷺ نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها» (٤)، قال ابن شاس: والضابط أن كل امرأتين بينهما من القرابة والرضاعة ما يمنع تناكحهما لو قدرت إحداهما ذكرا لحرم الجمع بينهما في العقد والحل؛ أي: حلية الوطء فإن جمعهما في العقد بطل النكاحان وفسخا أبدا، وإن حصل دخول بهما بلا طلاق ولا مهر لمن لم يدخل بها إن جمع بينهما في الحل، فإن علمت الأولى فسخ نكاح الثانية وثبت نكاح الأولى ويفسخ نكاح من ادعى أنها ثانية لكن بطلاق، وإن لم تعلم الأولى من الثانية ولم يدع الزوج العلم بأولية إحداهما فإنه يفسخ

стр. 931

نكاحهما؛ ثم ذكر مسائل داخلة فيما تقدم على وجه التفسير فقال: (فمن نكح امرأة حرمت ب) مجرد (العقد) عليها (دون أن تمس)؛ أي: توطأ (على آبائه وأبنائه) بمجرد العقد عليها ولا تتوقف حرمتها على الوطء، فقوله: حرمت عل آبائه تفسير لقوله: ﴿وحلائل أبنائكم﴾ وقوله وأبنائه تفسير لقوله: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ وقوله: (وحرمت عليه أمهاتها) تفسير لقوله: ﴿وأمهات نسائكم﴾ فبالعقد على البنت تحرم الأم دخل بها أو لم يدخل، فعن يحيى بن سعيد؛ أنه قال: «سئل زيد بن ثابت، عن رجل تزوج امرأة، ثم فارقها قبل أن يصيبها. هل تحل له أمها؟، فقال زيد بن ثابت: لا، الأم مبهمة. ليس فيها شرط، وإنما الشرط في الربائب» (١).، وعن ابن عباس أنه كان يقول: «إذا طلق الرجل امرأة قبل أن يدخل بها وماتت، لم تحل له أمها» (٢). «وعن ابن مسعود أنه رخص في ذلك لما كان بالكوفة ثم قدم المدينة فسأل عن ذلك فأخبر أنه ليس كما قال، وإنما الشرط في الربائب فرجع إلى الكوفة فلم يصل إلى منزله حتى جاء الرجل الذي أفتاه بذلك فأمره أن يفارق امرأته» (٣). وقوله: (ولا تحرم عليه بناتها حتى يدخل بالأم أو يتلذذ بها) ولو بالنظر لغير الوجه ومثل الوجه الكفان (بنكاح أو ملك يمين) هذا خروج لغير الموضوع لأن الموضوع أنه عقد على الأم أو يتلذذ بها (بشبهة من نكاح أو) شبهة (من ملك) تفسير لقوله تعالى: ﴿وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن﴾ مع الآثار السابقة وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «من نكح امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل

стр. 932

بها حرمت عليه أمهاتها ولم تحرم عليه بنتها» (١)، ولما ذكره مالك في «الموطأ»: «أن عمر بن الخطاب وهب لابنه جارية فقال: لا تمسها فإني قد كشفتها» (٢)، وفي «الموطأ» آثار عن بعض التابعين في ذلك (٣)، إذا فبالعقد على الأم لا تحرم البنت وإنما يحرمها الدخول بها؛ أي: وطؤها أو التلذذ ولو بالنظر لجسدها والنظر للوجه ولو مع لذة لغو اتفاقا، ومثله اليدان مثال التلذذ بالنكاح الصحيح ظاهر، ومثال الشبهة من النكاح أن ينكح خامسة أو معتدة غير عالم ويتلذذ بها أو يطأ امرأة يظنها زوجته فيحرم عليه فرع كل واحدة من المذكورات وأصلها. وضابط نكاح الشبهة أن ينكح نكاحا فاسدا مجمعا على فساده لكن يدرأ الحد، كأن يتزوج بمعتدة، أو خامسة، أو ذات محرم غير عالم ويتلذذ بها، أو يطأ امرأة يظنها زوجته فيحرم عليه أصل كل واحدة منهن وفرعها. مسألة: (ولا يحرم بالزنا حلال) المعنى: أن من زنى بامرأة ولو تكرر زناه بها لا يحرم عليه به أصلها ولا فرعها، بل يحل له أن يتزوج بأمها أو بنتها التي لم تتخلق من مائه، وأما هذه فتحرم عليه، ومن باب أولى يجوز لأصله وفرعه أن يتزوج بتلك المرأة، ومثله قول مالك في «الموطأ»: «فأما الزني فإنه لا يحرم شيئا من ذلك» (٤)، وظاهر قوله في «المدونة» خلافه ونصها: وإن زنى بأم زوجته أو بنتها فليفارقها، فحمل أكثر الشيوخ هذه المفارقة على الوجوب فاختلف ما في «الموطأ» وظاهر المدونة، فأكثر الشيوخ رجح ما في «الموطأ» وهو المعتمد، لأن كل أصحاب مالك عليه ما عدا ابن القاسم، ومنهم من رجح ما في «المدونة» لما ذكره ابن حبيب عن مالك أنه رجع عما في «الموطأ» وأفتى بالتحريم إلى أن مات (٥)، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾

стр. 933

ولم يذكر الزنا في جملة ما وقع به التحريم والحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحرم الحرام الحلال» (١)، وفي الباب آثار عن جماعة من الصحابة والتابعين واستدل مالك في «الموطأ» (٢) بقوله تعالى: ﴿وأمهات نسائكم﴾ قال: فإنما حرم ما كان تزويجا ولم يذكر تحريم الزنا فكل تزويج كان على وجه الحلال يصيب صاحبه امرأته فهو بمنزلة التزويج الحلال فهو الذي سمعت والذي عليه أمر الناس عندنا (٣). (وحرم الله ) على المسلم (وطء الكوافر) جمع كافرة (ممن ليس من أهل الكتاب بملك أو نكاح) لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ [البقرة: ٢٢١]، واتفق أهل العلم على أن النكاح والملك فيه سواء، بل حكى بعضهم الإجماع عليه، ولعله لم يعتبر خلاف من خالف فيه لشذوذه، لأن كل صنف حرم وطء حرائرهم بعقد النكاح، حرم وطء إمائهم بملك اليمين كالأخوات والعمات، قال الفاكهاني: الشرك يشمل المجوس والصابئة وهم قوم عدلوا عن اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة، ويشمل عبدة الأوثان وغيرهم وهم من يعبدون غير الصنم، فعبدة الأوثان من يعبدون الصنم، وغيرهم من يعبدون الشمس والقمر. (ويحل) للمسلم (وطء) الإماء (الكتابيات بالملك) لقوله تعالى: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾ [المؤمنون: ٦] (ويحل) للمسلم ولو كان عبدا (وطء حرائرهن)؛ أي: الكتابيات (بالنكاح) لقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين﴾ [المائدة: ٥] وهن الحرائر أو العفائف الكتابيات، وللإجماع حكاه ابن جرير وابن المنذر (٤)، لكن صح عن ابن عمر خلافه، روي عن

стр. 934

عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ عدم جواز نكاح الكتابية الحرة محتجا بآية البقرة، قال: لا أعلم شركا أعظم من قولها: إن ربها عيسى، قال أبو عمر (١): وهذا قول شد فيه ابن عمر عن جماعة الصحابة ﵃ وخالف ظاهر قوله تعالى: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذى أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله، وهو في الآخرة من الخسرين﴾ [المائدة: ٥]، ولم يلتفت أحد من علماء الأمصار قديما وحديثا إلى قوله ذلك، لأن إحدى الآيتين ليست بأولى بالاستعمال من الأخرى، ولا سبيل إلى نسخ إحداهما بالأخرى ما كان إلى استعمالهما سبيل، فآية سورة البقرة عند العلماء في الوثنيات، والمجوسيات، وآية المائدة في الكتابيات، وقد تزوج عثمان بن عفان ﵁ بنت القرافصة النصرانية، وتزوج طلحة بن عبيد الله ﵁ يهودية، وتزوج حذيفة ﵁ يهودية وعنده حرتان مسلمتان عربيتان، وقد كره أهل العلم نكاح الحربية منهن والمقام معها في بلدها. اه وكان عمر ﵁ يكره ذلك لئلا يزهد الناس في المسلمات، وروى ابن جرير من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا» ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فالقول به لإجماع الجميع من الأمة عليه اه (٢)، قال في الذخيرة: لما تشرف أهل الكتاب بالكتاب ونسبتهم إلى المخاطبة من رب الأرباب أبيح نساؤهم وطعامهم وفات غيرهم هذا الشرف بحرمانهم (٣)، (ولا يحل وطء إمائهن)؛ أي: إماء الكتابيات (بالنكاح) لا (لحر ولا لعبد) مسلمين سواء خاف على نفسه العنت أم لا لقوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فنيتكم

стр. 935

المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥]؛ أي: فلينكح مملوكة من الإماء المسلمات فشرط الإيمان فيهن. (ولا تتزوج المرأة عبدها) للإجماع حكاه ابن المنذر (١) وسواء كان كامل الرق أو مبعضا أو كان فيه بعض عقد من حرية كالمكاتب لتعارض الحقوق، لأنه لو تزوجها لكان له عليها سلطنة الزوجية وهي لها عليه سلطنة الملك، فإذا وقع فإنه يفسخ بغير طلاق، لأنه متفق على فساده، ولأن أحكام الملك والنكاح تتناقض فالمرأة بحكم الملك تأمر بالسفر إلى المشرق، والعبد بحكم النكاح يأمر بالسفر إلى المغرب، والمرأة بحكم النكاح تطالبه بالنفقة، والعبد بحكم الملك يطالبها بالنفقة، ولخبر جابر بن عبد الله ﵄: «أن امرأة جاءت إلى عمر بن الخطاب ﵁ وقد نكحت عبدها، فانتهرها عمر وهم برجمها، وقال: لا يحل لك» رواه عبد الرزاق (٢)، وروى ابن أبي شيبة عن الحكم: «أن عمر كتب في امرأة تزوجت عبدها أن يفرق بينهما ويقام الحد عليهما» (٣) وروي عنه من وجوه أخرى، وفي الباب آثار ذكر الكثير منها سحنون في المدونة. (و) كذلك (لا) تتزوج المرأة (عبد ولدها) لأنه كعبدها إذ لو مات لورثته، ولأن لها شبهة في ماله إذ لا تقطع إذا سرقت من ماله. (و) كذلك (لا) يتزوج (الرجل أمته) لأن النكاح يوجب للمرأة حقوقا يمنع منها ملك اليمين فبطل، ولأن ملك الرقبة يفيد ملك المنفعة وإباحة البضع فلا يجتمع معه عقد أضعف منه. (و) كذلك (لا) يتزوج الرجل (أمة ولده) للشبهة التي له في مال ولده، ولحديث: «أنت ومالك لأبيك» (٤)، ولذا لا يقطع إذا سرق من مال ولده، ولا

стр. 936

يحد إذا وطئ أمته، وتجب نفقته عليه إن احتاج فهو في معنى من تزوج أمة نفسه فإن وقع النكاح على شيء مما ذكر فسخ بغير طلاق. (وله)؛ أي: وللرجل (أن يتزوج أمة والده) الحر وإن علا ما لم يستمتع بها الوالد بوطء أو قبلة أو مباشرة لما مر من أقوال الصحابة والتابعين الذين نهوا أبناءهم عن قربان إمائهم اللائي وقع لمسهن أو مباشرتهن أو النظر إليهن بشهوة، ولو كان غير ذلك لجاز، فقد روى مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب ﵁ وهب لابنه جارية، ثم قال: «لا تمسها فإني قد كشفتها» (١)، (و) كذلك يباح له أن يتزوج (أمة أمه) الحرة وإن علت، لأنه لا شبهة له في مالهما إذ لو سرق من مالهما قطع، أو زنى بأمة إحداهما حد، ولا يشترط في جواز تزويجهما خوف العنت، لأن ولده يعتق على أبويه وإنما يشترط ذلك إذا كانا عبدين لأن الولد للسيد. (و) كذلك يباح (له) أيضا (أن يتزوج بنت امرأة أبيه من رجل غيره) هذا واضح إذا كانت البنت معها قبل التزويج وانفصلت من الرضاع، أما إذا تزوجها وهي ترضعها أو طلقها الأب ثم تزوجت بعده برجل وأولدها بنتا فهل لابن الزوج الأول أن يتزوج هذه البنت أم لا؟ في ذلك ثلاثة أقوال: استظهر منها المنع والكراهة احتياطا، ثم ذكر عكس هذه المسألة بقوله: (وتتزوج المرأة ابن زوجة أبيها من رجل غيره)؛ أي: غير أبيها هذا إذا تزوجها أبوها بعد انقطاع الولد من الرضاع، أما إذا تزوجها وهي ترضعه فهو أخو الربيبة من الرضاع. (ويجوز للحر والعبد) المسلمين (نكاح أربع حرائر مسلمات أو كتابيات) اتفاقا في حق الحر لقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: ٣] ولحديث قيس بن الحارث ﵁ قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: «اختر منهن أربعا» (٢)، وحديث

стр. 937

ابن عمر قال: أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه «فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعا» (١)، وعلى المشهور في حق العبد لعموم الآية السابقة وقوله تعالى: ﴿والصالحين من عبادكم﴾ [النور: ٣٢] فهو داخل في عموم الآيتين والحكم له وعليه بما للأحرار وعليهم إلا ما قام الدليل على تخصيصه، ولأن هذه طريقة اللذة والشهوة فساوى العبد الحر فيها كالمأكول. (و) يجوز (للعبد نكاح أربع إماء مسلمات) بدون شرط للأدلة السابقة، ولأنه مساو لهن في الرق فلم يعتبر فيه ما اعتبر في الحر من الشروط كالحر مع الحرة. (و) يجوز (للحر ذلك)؛ أي: تزويج أربع إماء مسلمات مملوكات للغير بشرطين: أحدهما: (إن خشي العنت)؛ أي: الزنى لقوله تعالى: ﴿ذلك لمن خشي العنت منكم﴾ [النساء: ٢٥]، ويتم ذلك بغلبة الشهوة وضعف الخوف من الله تعالى، فإن اشتد الخوف من الله وأمن على نفسه حرمت الأمة، وسمي الزنى عنتا لأن أصله التعب والمشقة لقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾ [البقرة: ٢٢٠]؛ أي: ضيق عليكم. (و) الآخر (لم يجد للحرائر طولا) لقوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنت المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فنيتكم المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥] والطول الغنى. • ما يلزم الرجل المسلم من العدل بين نسائه والنفقة عليهن وغير ذلك من المسائل: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (وليعدل بين نسائه وعليه النفقة والسكنى بقدر وجده ولا قسم في المبيت لأمته ولا لأم ولده.

стр. 938

ولا نفقة للزوجة حتى يدخل بها أو يدعى إلى الدخول وهي ممن يوطأ مثلها. ونكاح التفويض جائز وهو أن يعقداه ولا يذكران صداقا ثم لا يدخل بها حتى يفرض لها، فإن فرض لها صداق المثل لزمها، وإن كان أقل فهي مخيرة فإن كرهته فرق بينهما إلا أن يرضيها أو يفرض لها صداق مثلها فيلزمها. وإذا ارتد أحد الزوجين انفسخ النكاح بطلاق وقد قيل بغير طلاق. وإذا أسلم الكافران ثبتا على نكاحهما وإن أسلم أحدهما فذلك فسخ بغير طلاق فإن أسلمت هي كان أحق بها إن أسلم في العدة وإن أسلم هو وكانت كتابية ثبت عليها فإن كانت مجوسية فأسلمت بعده مكانها كانا زوجين وإن تأخر ذلك فقد بانت منه. وإذا أسلم مشرك وعنده أكثر من أربع فليختر أربعا ويفارق باقيهن). الشرح • وجوب العدل بين الزوجات: (وليعدل بين نسائه) سواء كن حرائر أو إماء مسلمات أو كتابيات لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا﴾ [النساء: ٣]؛ أي: فاختاروا واحدة، أمر الله بالاقتصار على الواحدة إن خاف الجور فدل على أن العدل واجب، ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط» وفي رواية: «أحد شقيه مائل» (١)، وحديث

стр. 939

عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل، ويقول: «اللهم هذا قسمي، فيما أملك فلا تلمني، فيما تملك، ولا أملك» (١)، قال الترمذي: يعني: الحب والمودة، هكذا فسره أهل العلم عند قوله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما﴾ [النساء: ١٢٩]، وقال ابن عباس ﵄: «في الحب والجماع؛ وأجمعت الأمة على وجوبه فمن لم يعدل بين نسائه فهو عاص الله ولرسوله ﷺ لا تجوز إمامته ولا شهادته، والراجح أنه يقصر العدل على المبيت فقط (٢)، وأما الكسوة والنفقة فبحسب حال كل واحدة فالشريفة بقدر مثلها، والدنيئة بقدر مثلها، ولا يجب في الوطء، ويحرم عليه أن يوفر نفسه لينشط للأخرى والقسم بيوم وليلة ولا يقسم بيومين إلا برضاهن، وعماد القسم الليل، قال ابن قدامة (٣): لا خلاف في هذا … إلا أن يكون معاشه بالليل كالحراس، ومن أشبههم … ، ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في أنه لا تجب التسوية بين النساء في الجماع، وهو مذهب مالك، والشافعي، وذلك لأن الجماع طريقه الشهوة والميل، ولا سبيل إلى التسوية بينهن في ذلك، فإن قلبه قد يميل إلى إحداهن دون الأخرى، قال الله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾ وإن أمكن التسوية بينهن في الحب والجماع كان أحسن وأولى، فإنه أبلغ في العدل».

стр. 940

قال الحافظ (١): «إذا وفى لكل واحدة منهن كسوتها ونفقتها، والإيواء إليها لم يضره ما زاد على ذلك من ميل قلب أو تبرع بتحفة». اه. (وعليه)؛ أي: الزوج حرا كان أو عبدا وجوبا (النفقة والسكنى) للزوجة حرة كانت أو أمة مسلمة كانت أو كتابية (بقدر وجده)؛ أي: وسعه لقوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ [الطلاق: ٦]، وفي حديث جابر ﵁: «أن رسول الله ﷺ خطب الناس فقال: اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، … ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (٢)، وحديث معاوية القشيري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أطعموهن مما تأكلون واكسوهن مما تكتسون ولا تضربوهن ولا تقبحوهن» (٣)، وظاهره أنه لا يراعى إلا حال الزوج فقط، والمشهور أنه يراعى حالهما معا فينفق نفقة مثله لمثلها في عسره ويسره، وكذلك الكسوة، ويجوز إعطاء الثمن عما لزمه، ولا يلزمها الأكل معه، واتفق على أنها تطلق عليه إذا عجز عن النفقة بعد التلوم على المشهور، ومقابله أنه يطلق عليه من غير تلوم ذكره بهرام، وطلاقه يكون رجعيا ولو أوقعه الحاكم، ولكن لا تصح رجعته لها إلا إذا وجد يسارا يظن معه دوام القدرة على الإنفاق (٤). (ولا قسم في المبيت لأمته ولا لأم ولده) مع زوجة أو مع أمة أخرى، لأن القسم إنما يجب لمن له حق في الوطء وهاتان لا حق لهما فيه اتفاقا لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾، ولأن النبي ﷺ لم يكن يقسم لمارية القبطية وريحانة، ولأن الأمة لاحق لها في الاستمتاع ولذلك لا يثبت لها الخيار بكون السيد مجبوبا أو عنينا إذ الذي

стр. 941

على سيد المملوك طعامه وكسوته ذكرا أو أنثى، ولسيده عليه الخدمة التي يطيقها، ولو تضررت الجارية من ترك الوطء واحتاجت للزواج لا يجبر سيدها، والعبد مثلها، وأما قوله ﵊: «لا ضرر ولا ضرار» (١) فإنما هو فيما يجب للشخص ومن حقه والرق لا حق له في الوطء هكذا قال الشراح!!! (ولا نفقة للزوجة) يتيمة كانت أو غيرها حرة أو أمة بمجرد العقد عليها على المشهور وإنما تجب بأحد شيئين أحدهما (حتى يدخل بها) المراد بالدخول هنا إرخاء الستور وطئ أم لا، كانت ممن يوطأ مثلها أم لا، بأن كانت غير مطيقة أو بها مانع من رتق ونحوه، بشرط أن يكون الزوج بالغا، وأن يكونا غير مشرفين بحيث يكون أحدهما أو كلاهما مريضا مرض الموت، لأن النبي ﷺ تزوج عائشة ودخلت عليه بعد سنتين (٢) ولم ينفق إلا بعد دخوله ولم يلتزم نفقتها لما مضى؛ ولأن النفقة تجب في مقابلة الاستمتاع وهو غير حاصل قبل الدخول، والشيء الآخر أشار إليه بقوله: (أو يدعى إلى الدخول)، لأنها عرضت عليه ووجد التمكين، ويشترط في هذه أن يكون الزوج بالغا وأن لا يشتد مرضهما بحيث أخذا في السياق والنزع وكذلك بشرط أشار إليه (وهي) أن تكون (ممن يوطأ مثلها) فالصغيرة التي لا يمكن وطؤها لا نفقة لها بالدعوة بل بالدخول، لأنه إذا دخل استمتع بغير الوطء، وإذا اختلفا في الدعوة بأن قالت دعوتك للدخول من شهر كذا والزوج ينكر ذلك فالقول قوله:

стр. 942

(ونكاح التفويض جائز) من غير خلاف (١) لقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ [البقرة: ٢٣٦] ولحديث عقبة بن عامر ﵁ «أن النبي ﷺ قال لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة؟»، قال: نعم، وقال للمرأة: «أترضين أن أزوجك فلانا؟»، قالت: نعم، فزوج أحدهما صاحبه فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقا، ولم يعطها شيئا وكان ممن شهد الحديبية وكان من شهد الحديبية له سهم بخيبر فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله ﷺ زوجني فلانة، ولم أفرض لها صداقا، ولم أعطها شيئا، وإني أشهدكم أني أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهما فباعته بمائة ألف» (٢)، وفي حديث معقل بن سنان: «أن بروع بنت واشق تزوجت ولم يفرض لها زوجها صداقا فقضى رسول الله ﷺ بأن لها مثل مهر نسائها» (٣) (وهو أن يعقداه) بلفظ: التثنية؛ أي: الزوج والولي ويروى يعقده بلفظ الإفراد؛ أي: الزوج (ولا يذكران صداقا) استشكل إثبات النون، لأنه معطوف على المنصوب هذا الإشكال مبني على أن الواو للعطف أما لو جعلت للحال كما فعل التتائي فلا إشكال، وكلام المصنف صادق بصورتين، لأنهما إذا لم يذكرا صداقا إما أن يصرحا مع ذلك بالتفويض نحو أنكحتك وليتي على التفويض أو لا نحو: زوجتك وليتي من غير ذكر مهر، وعلى كلا الوجهين النكاح صحيح، أما لو صرحا باشتراط إسقاط المهر لما جاز وفسخ قبل الدخول، واختلف قول ابن القاسم في فسخه بعده والمعتمد عدم الفسخ وأنه يمضي بصداق المثل (ثم) إذا قلنا بجواز نكاح التفويض وصحته ووقع

стр. 943

ومنعت الزوج من الدخول فإنه (لا يدخل بها حتى يفرض لها) صداق مثلها ويعتبر صداق المثل يوم العقد لأنه يوجب الميراث وغيره من حقوق النكاح الثابتة به وليستحقه بالدخول لا بالعقد ولا بالموت فإن مات أحدهما توارثا ولا صداق إلا بفرض وأثبته بعضهم بالموت وهو ضعيف (فإن فرض) الزوج (لها)؛ أي: الزوجة المنكوحة على التفويض (صداق المثل لزمها) ما فرض لها على المذهب، لحديث معقل بن سنان المذكور، ولأن الزوج قد ملك استباحة بضعها بدليل صحة النكاح، وإذا ملك بنفس العقد لم يلزمه أكثر من قيمته وهو مهر المثل كالسلعة المستهلكة في يد المشتري ببيع فاسد (وإن كان) ما فرض لها (أقل) من صداق مثلها مثل أن يفرض لها خمسين دينارا وصداق مثلها مائة (فهي مخيرة) في الرضا به ورده (فإن) رضيت به وكانت ثيبا رشيدة لزمها ذلك ما لم ينقص عن ربع دينار وإن لم ترض به بأن كرهته فرق بينهما بطلقة بائنة، لأنها قبل الدخول، وأما ذات الأب والوصي فاختلف هل لهما الرضا بأقل من صداق المثل على ثلاثة أقوال مشهورها الصحة من الأب قبل البناء وبعده، ومن الوصي قبل البناء فقط، ثم استثنى من المسألة التي تخير فيها صورتين فقال: إلا أن يرضيها بزيادة شيء على ما سماه مما لم يبلغ صداق المثل أو يفرض لها صداق مثلها بعد أن فرض لها دونه فيلزمها ما أرضاها به في الصورة الأولى وصداق المثل الذي فرضه ثانيا في الصورة الثانية. • أحكام الزواج والطلاق لمن أسلم أو ارتد: (وإذا ارتد)؛ أي: قطع (أحد الزوجين) الإسلام؛ أي: بكلمة مكفرة ودخل في دين غير دين الإسلام (انفسخ النكاح) بينهما ساعة ارتداده لقوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ [الممتحنة: ١٠] (بطلاق) بائن على المشهور؛ أي: فسخ بطلاق على المشهور، بائن على المشهور، فهو راجع للموصوف وصفته، ومحل ذلك ما لم يقصد المرتد منهما بردته فسخ النكاح وإلا فلا فسخ وعليه لو أسلم المرتد فالزوجية باقية ولا تحتاج لعقد ولا رجعة

стр. 944

لبقاء العصمة وإن قتل على ردته لا يرث الآخر وتعتبر ردة غير البالغ على المشهور فيحال بينهما، واتفق على أنه لا يقتل إلا بعد بلوغه واستتابته وينبني على أن ردته معتبرة أنه لا تؤكل ذبيحته ولا يصلى عليه (وقد قيل) الفسخ (بغير طلاق) وهو رواية ابن أبي أويس وابن الماجشون عن مالك، لأنها فرقة عرية عن لفظ الطلاق ونيته فكانت فسخا كسائر الفسوخ؛ ولأنهما مغلوبان على فسخه للآية السابقة، وهل تارك الصلاة كذلك؟ نعم إن تركها جحودا لفرضيتها فهو كافر لا يحل للمرأة المسلمة المصلية أن تبقى معه لحظة من الزمان، وأما إن كان تاركا لها على وجه التهاون ففيه الخلاف المذكور في باب الردة، فلينظر؛ والقول عندي في هذا الزمان الذي لا سلطان فيه يأمر الناس بالصلاة ويدفعهم لأدائها، لو قيل بكفره تغليظا عليه وتخويفا له لكان أولى، وقد أفتى الحنابلة المتأخرون على أنه أصح الأقوال، والله نسأله الثبات على دينه (١). (وإذا أسلم) الزوجان (الكافران) سواء كانا كتابيين أو غيرهما أسلما قبل الدخول أو بعده سواء كان النكاح بولي وصداق أو لا (ثبتا على نكاحهما) للإجماع حكاه ابن عبد البر (٢)، ولأنه أسلم خلق كثير فأقرهم الرسول ﷺ على أنكحتهم منهم: صفوان بن أمية وكانت تحته عاتكة بنت الوليد بن المغيرة، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام كانت تحت عكرمة بن أبي جهل كما في «الموطأ»، وهند بنت عتبة وكانت تحت أبي سفيان، قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله ورسوله، وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها، إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها (٣)، ولحديث ابن عباس ﵄: «أن رجلا جاء مسلما على عهد النبي ﷺ ، ثم جاءت امرأته مسلمة، فقال: يا رسول الله، إنها كانت أسلمت

стр. 945

معي فردها علي فردها عليه» (١)، ما لم يكن ثم مانع مثل أن يكون بينهما نسب أو رضاع أما إن كان ثم مانع من الاستدامة فسخ النكاح. (وإن أسلم أحدهما)؛ أي: الزوجين (فذلك فسخ بغير طلاق) على المشهور وصوروا هذه المسألة بصور منها: أن يسلم الزوج وتحته مجوسية أو نحوها ممن ليست من أهل الكتاب ولم تسلم؛ أي: لم تسلم بالقرب؛ أي: في كالشهر، وأما إذا لم يبعد الزمان بين إسلاميهما بل كان قريبا كالشهر ونحوه فيقر عليها دخل بها أو لا لما مر قريبا؛ ولأنها فرقة واقعة بالشرع من غير موقع فكانت فسخا كالفرقة الواقعة بملك الزوج زوجته. (فإن أسلمت هي)؛ أي: الزوجة كتابية أو غيرها قبل زوجها الذي بنى بها (كان أحق بها إن) كان حاضرا و (أسلم) وهي (في العدة) قال مجاهد (٢): إذا أسلم في العدة يتزوجها ولو طلقها في العدة إذ لا عبرة بطلاق الكافر، وأما لو أسلم بعد انقضاء العدة فلا يقر عليها، لأن إسلامه كالرجعة ولا رجعة بعد انقضاء العدة، فإن أسلمت قبل زوجها الذي لم يبن بها فإنها تبين مكانها لتعدد الوقائع بذلك في زمان رسول الله ﷺ كما جاء من حديث ابن عباس ﵄ قال: «إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه» (٣). وموطأ مالك عن ابن شهاب وكما ورد عن غيرهما من علماء السير مما شهرته تغني عن إسناده. (وإن أسلم هو)؛ أي: الزوج قبلها (وكانت كتابية ثبت عليها)، لأنه يجوز نكاحها ابتداء ما لم يكن ثمت مانع من الاستدامة كنسب أو رضاع، أو تزوجها في العدة، وسواء كان إسلامه قبل الدخول أو بعده (فإن) لم تكن كتابية بل (كانت مجوسية) فلا يخلو إما أن تسلم في الحال أو لا (فإن

стр. 946

أسلمت بعده مكانها كانا زوجين ما لم يكن مانع من الاستدامة كما تقدم (وإن) لم تسلم بعده مكانها بل (تأخر ذلك)؛ أي: إسلامها عن إسلامه (فقد بانت منه) على اختلاف في مدة التأخر، وقد حده أشهب بالعدة وهو القياس لما سبق، وما قاله الشيخ يخالف ما في «المختصر» وهو أنها إن أسلمت بعد زوجها بدون أن يبعد ما بين إسلاميهما ثبت النكاح بالشهر ونحوه وفي بعض الروايات الشهر إن قرب (١)، وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الحسن في مجوسيين أسلما هما على نكاحهما فان أسلم أحدهما قبل صاحبه فقد انقطع ما بينهما من النكاح (٢)؛ وروي أيضا بسند صحيح عن قتادة نحوه وزاد: فلا سبيل له عليها إلا بخطبة وأخرج أيضا عن عمر بن عبد العزيز نحو ذلك (٣). • تخيير من أسلم في اختيار أربع من زوجاته إذا كن أكثر: (وإذا أسلم مشرك وعنده) من النسوة (أكثر من أربع فليختر) منهن (أربعا) ممن يجوز نكاحهن في الإسلام قبل الدخول أو بعده، وسواء عقد عليهن في عقد واحد أو في عقود مختلفة، سواء كن أوائل أو أواخر أسلمن معه أو أسلم هو وكن كتابيات والاختيار يكون بلفظ صريح، أو ما يدل عليه من لوازم النكاح كطلاق أو ظهار أو وطء (ويفارق باقيهن) لحديث ابن عمر ﵄: قال أسلم غيلان الثقفي وله عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، «فأمره النبي ﷺ أن يتخير أربعا منهن» (٤)، وحديث قيس بن الحارث ونحوه وقد تقدم، وحديث نوفل بن معاوية أنه أسلم وتحته خمس نسوة فقال له النبي ﷺ : «أمسك أربعا أيتهن شئت، وفارق الأخرى» (٥). (ومن لاعن زوجته لم تحل له أبدا) زاد في «الموطأ»: وإن كذب نفسه

стр. 947

جلد الحد، وألحق به الولد ولم ترجع إليه أبدا (١) لما سيأتي من الأدلة في اللعان. (وكذلك) مثل تأبيد الزوجة الملاعنة (الذي يتزوج المرأة)؛ بمعنى: يعقد عليها وهي (في عدتها) من غيره سواء كانت عدة وفاة أو طلاق، وإنما قيدنا العدة بكونها من غيره، لأنه لو تزوج بمبتوتته وإن كان حراما قبل زوج، يفسخ ويحد إلا أنه لا يتأبد تحريمها عليه (ويطؤها في عدتها) لحكم عمر ﵁ بذلك أنه قال: «أيما امرأة نكحت في عدتها. فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها، فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، ثم كان الآخر خاطبا من الخطاب، وإن كان دخل بها، فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لا يجتمعان أبدا» (٢)، وروى عبد الرزاق (٣) مثله عن علي ﵁ ولا مخالف لهما من الصحابة، وظاهر كلام المصنف أنه لو عقد في العدة ودخل بعدها لا تحرم، والمشهور تأبيد الحرمة، وظاهره أيضا أن القبلة ونحوها إذا وقعت في العدة لا تحرم وخالفه صاحب «المختصر» قائلا: إذا وقعت القبلة ونحوها في العدة تأبد (٤)، ولأنه استعجل الحق قبل وقته فحرمه في وقته كالقاتل إذا قتل مورثه، وقال في التوضيح: ذكر القاضي عبد الوهاب التأبيد عن عمر ولا مخالف له، وصح رجوع عمر ﵁ عن هذا القضاء فروى الثوري عن الشعبي عن مسروق عن مجاهد عن عمر ﵁ أنه رجع فقال لها: «مهرها ويجتمعان ما شاءا» (٥) وورد أن سبب رجوعه رد علي ﵁ عندما حكم بذلك مرة أخرى فقام عمر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «يا أيها الناس ردوا الجهالات إلى السنة» (٦)

стр. 948

وأما القياس الذي ذكروه فيبطل بما إذا زنى بها فإنه قد استعجل وطأها ولا تحرم عليه مع التأبيد (١). (ولا نكاح) جائز لازم (لعبد ولا لأمة إلا بإذن السيد) فلو تزوج العبد بغير إذن السيد ثم علم بعد ذلك فله الخيار إن شاء أمضاه، وإن شاء فسخه بطلقة بائنة، وكذلك الأمة مع توكيلها في الغير ليزوجها، وإن باشرت العقد بنفسها فليس للسيد الإجازة بحال بل يجب الفسخ اتفاقا لحديث جابر أن رسول الله ﷺ قال: «أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر» (٢). (ولا تعقد امرأة، ولا عبد، ولا من على غير دين الإسلام نكاح امرأة) فالذكورية والحرية والإسلام شروط في صحة العقد، إذ المرأة لما لم يجز لها أن تتولى العقد لنفسها فعقدها لغيرها أحرى ألا يصح، لقوله ﷺ : «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها» (٣)، وقد كانت عائشة ﵂ تتولى نكاح نسائها فإذا بقي العقد أمرت أحد أوليائها أن يتم عقدة النكاح (٤)، وأما العبد فلا ولاية له إلا المكاتب في أمته فإنه يتولى عقد نكاحها، ولا ولاية لكافر على مسلمة وله الولاية على الكافرة زوجها لمسلم أو كافر لقوله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة: ٧١] وقوله تعالى: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ [الأنفال: ٧٣] ولهذا لا يتوارثان، وقال ابن المنذر (٥): «أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم». • التحليل بنيته لا يرفع حرمة المطلقة ثلاثا: (ولا يجوز أن يتزوج الرجل امرأة ليحلها)؛ أي: فالباعث له على

стр. 949

التزويج قصد الإحلال، أو قصد الإحلال مع نية إمساكها إن أعجبته، والعبرة بالنية وقت العقد، فلو طرأت له نية التحليل عند الوطء لا يضر (لمن طلقها ثلاثا) لحديث علي ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له» وفي لفظ: «لعن الله … » (١)، ولقوله ﷺ كما في حديث عقبة بن عامر ﵁: «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟» قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له» (٢). ففي قوله: التيس تشبيه الرجل بالتيس واستعارة اسمه له على طريق التصريح بجامع الدناءة، إشارة إلى أنه بمثابة حيوان بهيمي دنيء ثم قوله: لعن الله المحلل والمحلل له، سماه محللا بحسب زعمهم، والمحلل بكسر اللام الأولى الذي يتزوج مطلقة ثلاثا بعد العدة والمحلل له بفتح اللام الأولى هو الزوج الأول. وسكت ﷺ عن الولي والمرأة والشهود مع أن الحرمة لاحقة للكل لتعلق الحرمة بالزوجين أشد ولذلك أخبر ﷺ بأن الله لعنهما؛ أي: طردهما من رحمته (٣). (ولا يحلها ذلك) الزوج لمن طلقها البتات، وإذا عثر على هذا النكاح فسخ قبل البناء وبعده، وعبارة بعضهم ويفرق بينهما بتطليقة بائنة، ولها بالبناء صداق المثل، فإن تزوجها الأول بهذا النكاح فسخ بغير طلاق، ويعاقب من عمل بنكاح المحلل من زوج وولي وشهود وزوجة، وظاهر كلامه إن قصد المطلق أو الزوجة التحليل بنكاح الثاني لا يضر وتحل به وهو كذلك لحديث نافع عن ابن عمر ﵄ أنه سأله رجل عن رجل فارق امرأته وأنه تزوجها ولم يأمرني ولم أعلمه، فقال ابن عمر ﵄: «لا، إلا نكاح رغبة، إن رضيت

стр. 950

أمسكت، وإن كرهت فارقت، كنا نعد هذا على عهد رسول الله ﷺ سفاحا» (١). قال ابن عبد البر: «نكاح المحلل فاسد مفسوخ … ويفسخ قبل الدخول وبعده» (٢). • نكاح المحرم: (ولا يجوز نكاح المحرم) بحج أو عمرة (لنفسه، ولا يعقد نكاحا لغيره) لحديث عثمان ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب» (٣)، وفي «الموطأ» عن أبي غطفان عن أبيه: «أن عمر فرق بين رجل وامرأته، لأنه تزوج وهو محرم»، فإن وقع نكاحه أو إنكاحه فسخ أبدا قبل الدخول وبعده بطلاق على المشهور، ولا يتأبد التحريم (٤)، وإذا فسخ قبل الدخول فلا شيء لها، وإذا فسخ بعده فلها الصداق، لأن كل مدخول بها لها الصداق. • نكاح المريض: (ولا يجوز نكاح المريض) والمريضة مرضا مخوفا وهو الذي يحجر فيه عن ماله ويلحق به كل من حكم عليه بقطع، أو محبوس لقتل؛ وظاهر كلامه أن نكاح المريض لا يجوز ولو احتاج إلى امرأة تقوم به، وهو كذلك على أحد المشهورين، والمشهور الآخر يجوز مع الحاجة (و) إذا قلنا: لا يجوز نكاح المريض فإنه (يفسخ) ظاهره قبل البناء وبعده، عثر عليه قبل الصحة أو بعدها، والراجح ما في «المختصر» أنه إذا عثر عليه بعد الصحة لا يفسخ،
следующие страницы →