← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30137

فصل المقال في هدايا العمال

تقي الدين السبكي

Полный текст (189 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وإن كان جاهه ولاية، ولم يقصد حكما منه، وإنما قصد استمالة قلبه عسى أن ينتفع به في مهماته، وينال بصحبته خيرًا، فهذا محل التودد، يحتمل أن يقال: إنه هدية؛ لكونه ليس له غرض خاص، ويحتمل أن يقال: هو رشوة؛ لكون المهدى إليه في مَظنَّة الحكم. فاستدل الغزالي بحديث ابن اللتبيَّة (١) على التحريم، ويكون هذا وإن كان القصد استمالة القلب من غير قصد خاص خرج من قسم الهدية، ودخل في قسم الرشوة بالحديث. تعقيب المؤلف على استدلال الغزالي والذي أقوله: إن هذا قسم متوسط بين الهدية والرشوة صورة حكمًا، و [و] (٢)، وأن حكمه أن يجوز القبول ويوضع في بيت المال، وحكم ما سواه من الهدايا يؤخذ ويتملكه المهدى له، وحكم الرشوة أن لا تؤخذ، بل تُرَدُّ إلى صاحبها. وإنما صار حكم القسم المتوسط هكذا بالحديث رشوة، أنه بالنسبة إلى صورته جاز الأخذ لأغراض المعطى عنه، وعدم تعلق قصده بعوض خاص، وبالنسبة إلى معناه، وأن المعطى له نائب عن المسلمين جعلت للمسلمين إن كان واليا عاما أو قاضياً، وإن كان عامل صدقة جعلت في الصدقات الذي هو نائب عن أصحابها. فإن قلت: فإذا كان المهدى إليه غير حاكم. قلت: إن كان نائبه، أو حاجبه، أو من ندبه وولاه إيصال الأمور وما أشبه ذلك، فهو مثله.

стр. 107

وعلى الجملة؛ كلُّ مَنْ تولَّى ولايةً يتعين عليه ذلك الفعل فيها، أو يجب وإن لم يتعين، كما إذا كان اثنان في وظيفة يحرم على كل منهما أن يأخذ على شغل ما يجب أو يحرم. فإن قلت: فإن كان مما لا يجب لا يحرم، بل يجوز، هل يجوز الأخذ عليه؟ قلت: هذا في حق المتولي عزيز، فإنه يجب عليه رعاية المصالح، فمتى ظهرت مصلحة في شيء وجب، ومتى ظهر خلافُها حَرُمَ، ومتى أَشْكَلَ وجب النظر، فإن وُجد في فعل القاضي ونحوه ممن يلي أمور المسلمين ما يتخير بين فعله وتركه على سبيل التشهي. وإن فرض ذلك فيحرم الأخذُ عليه أيضًا؛ لأنه نائب عن الله تعالى في ذلك الفعل، فكما لا يأخذ على حكمه لا يأخذ على فعله، وأعني بهذا ما يتصرف فيه القاضي غير الأحكام من التولية ونحوها، فلا يجوز له أن يأخذ من أحد شيئًا على أن يوليه نيابة قضاء، أو مباشرة وقف أو مال يتيم. وكذلك لا يجوز له أن يأخذ شيئًا على ما يتعاطاه من العقود والفروض والفسوخ، وإن لم تكن هذه الأشياء أحكامًا بمعنى أنها ليست تنفيذا لما قامت به الحجة، بل أشياء (١) تصرفات مبتدأة، ولكن الأخذ عليها ممتنع كالحكم؛ لأنه نائب فيها عن الله تعالى كما هو نائب في الحكم عنه. فإن قلت: قد حَجَرْتَ الأمر على القاضي فيفضي إلى تضييق رزقه. قلتُ: لا يَحِلُّ للقاضي أن يأخذ شيئًا إلا أن يرزقه الإمام من بيت المال، أو يفعل بيده ما يستحق به أجرةً؛ كأن يكتب مكتوبًا يستحق أجرة مثله فيه، ونحو

стр. 108

ذلك، فإن ذلك ليس من الأحكام والأفعال التي هو مستخلف فيها. فإن قلت: فالعالم الذي تعيَّن عليه تعليمُ العِلم، أو وجب فرض كفاية ولم يتعين، هل يجوز قبوله الأجرة أو الهدية عليه؟ قلت: هذا مما اختلف العلماء فيه، والأولى التنزه عنه، ولا يظهر التحاقه في التحريم بالقاضي، فإن القاضي فيه وصفان، أحدهما: الوجوب، والثاني: كونه نائبا عن الله تعالى، والعالم ليس فيه إلا الأول فقط. فإن قلت: فمن ليس متوليا إذا أهدى إليه؛ ليتحدث له في أمر جائز عند ذي سلطان. قلت: إذا كانت تلك الحالة جائزة، ولم يكن المتحدث مرصداً لإبلاغ مثلها بحيث يجب عليه، فإن كان لحديثه فيها أجرة بأن يكون يحتاج إلى عمل كثير، جاز، وإلا فلا. أما الجواز فلأنه إجارة أو جعالة، وأما المنع فلأنَّ الشرع لم يَرِدْ بالمعاوضة في هذا النوع، وإن كان قد يقصده العقلاء. وقد بان بهذا الفرق بين الرشوة والهدية، وأن ما يأخذه القاضي مَرَاتِبُ: أعظمها في التحريم: الأخذُ على أن يحكم بالباطل، فيكون قد غيّر شريعة الله تعالى، وأَكَلَ السُّحتَ. ويليه في التحريم: أن يأخذ ليتوقف عن الحكم بالحق، فإن الحكم بالحق بعد ثبوته واجب متى استحل تركه كَفَرَ. ويليه: بأن يأخذ ليحكم بالحق أو يتوقف عن الباطل، فيكون قد غير طريقة الله تعالى، وباع عدل الله الذي بذله الله لعباده بغير عوض، وهو راجع إلى الحكم

стр. 109

بغير طريقة الله تعالى، ولما امتنع من الحكم إلا بعوض فقد امتنع من حكم الله، فيدخل في قوله: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ (١)، وقوله ﷺ : «لعن الله الراشي والمرتشي» (٢)، يشمل ذلك. ويلي هذا في التحريم: أخذه على التولية والعزل والعقود والفروض والفسوخ؛ لمشابهتها الأحكام، فتدخل في الحديث إما بالنَّص وإما بالقياس، والأقرب أنه بالنص، فإنه إذا وجب ذلك عليه فالتوصل إليه بمال كالتوصل إلى الحكم بمال. وأكثر ألفاظ الحديث أُطلق فيها الراشي والمرتشي، فيَعُمُّ، وفي بعضها مقيد في الحكم، فعلى هذه الرواية إما أن يقول: إن هذه التصرفات حكم، أو في معنى الحكم؛ لأنها وظيفة الخلافة عن الله تعالى، بل هي جُلُّ ما يقصد القاضي له، فإن الحكم الذي هو الإلزام والتقييد لمقتضى الحُجَّة لا يثبت أمرًا لم يكن، بل هو إخبار للمدعى عليه على ما قامت به الحجة. فهو يساوي في الصورة إلزام غير الحاكم ممَّن له يد قوية، وعلم دَيْنًا على شخص وامتناعه ظلمًا من أدائه لصاحبه، فأَكْرَهَه بيده القوية على أدائه له، فهكذا حكم الحاكم وإن فارقه من بعض الوجوه. وأما هذه التصرفات التي يُنشِئُها الحاكم فلا تصح إلا به، وضرورات الناس ماسَّة إليها؛ لاحتياجهم إلى النجاح ونحوه، وإنَّما يتعاطاه فيمن لا ولي

стр. 110

لها الحاكم النائب عن الله تعالى، فبفعله يحصل الإباحة، وبفسخه يحصل التحريم، وبحَجْرِه يحصل المنع في التصرف، وببيعه مال يتيم ينتقل الملك، وباستيفائه الحدود يبرأ صاحبها مما عليه لله تعالى؛ فأفعال الحاكم كلُّها منسوبة إلى الله تعالى، والحاكم واسطة. فمتى أخذ عليها أجراً يكون كعبدٍ أَمَرَه سَيِّدُه بإيصال شيء مما للسيد إلى عبد آخر، وأوجبه عليه ومَنَعَه من تأخيره، ولم يجعل له عليه شيئًا، بل مجرد طاعة السيد، والقيام بمصلحة عبيده، فقال: لا أوصله لصاحبه حتى تعطيني جعلا، أما أن (١) يكون أظلم الظالمين؟ فإن قلت: قد عظمت الأمر في ذلك، والقاضي إذا كان متوليا على عمل فلا يجب عليه أن يُوَلِّيَ فيه، والذي يوليه فيه إنما هو نائب عنه يساعده على العمل، فإذا جاز له استنابة من شاء فأعطاه ذلك النائب على استنابته شيئًا لم يعطه على أمر واجب ولا حرام، وهو له فيه غرض صحيح؛ لما يحصل له به من الجاه والرفعة والكَسْبِ، فلِمَ يَحْرُمُ؟ قلتُ: يَحرُمُ الأمور: أحدها: أن القاضي مأمور بالنصح للمسلمين، صح في الحديث: أَنَّ مَنْ وَلِيَ قوماً ثم لم يُحِطهم بنصيحة؛ فالجنة عليه حرام (٢)، ومَن وَلِيَ قوما فولى

стр. 111

عليهم من فيهم خيرٌ منه؛ فقد خان الله ورسوله والمؤمنين (١). فهذا الذي يبذل في النيابة إن لم يكن بهذه الصفة تحرُم توليته، وإن كان بهذه الصفة وجبت توليته، فلا يخرج عن هذين. الثاني: أنا لو سلَّمنا جواز توليته وتركها، فإذا أخذ منه الرشوة فربما بدا ما يُوجِبُ عزله فيحابيه لأجل رشوته فيتركه. الثالث: أن النائب مُوَلَّى على قوم وهم كالخصماء له، يجب على المستنيب في كل وقت أن يتفقد أخباره معهم، وسيرته فيهم، إن عدل استمر به، وإلا صرفه، ولا يُحوجهم إلى شكوى، وكأنَّ النائب [منزل] (٢) منزلة من له خصومة، وقد أجمعنا على أنَّ مَنْ له خصومة فقبول هديته حرام، فهذا كذلك وأولى؛ لأن خصماء هذا لا ينحصرون، وقد يكون فيهم من هو طفل. الرابع: أن النائب إذا أعطى الرشوة في الغالب يقصد أن يأخذ مثلها من أهل عمله، فيحتاج إما إلى الأخذ على ما لا يجوز من الحكم ونحوه، كما سبق،

стр. 112

وإمَّا إلى مُضاعفة الأجرة فيما يستحق للأجرة فيه من الكتابة ونحوها، فيعمُّ ضرره لجميع الخلق، هذا إن احترز عن التعرض لأموال الأيتام والأوقاف. الخامس: أن هذا الفعل لم يعهد في زمن الخلفاء الراشدين، ولا من بعدهم، ولا من بعدهم، بل هو من الأمور المنكرة المعلومِ قُبحها من [الدين] (١) بالضرورة؛ ولهذا إذا اتفق الأخذُ من بعض الفَجَرةِ تَجِدُه يتكتم ذلك ويُخفيه، وما ذاك إلا لمعرفته ومعرفة كلّ أحدٍ بقُبحه، والشيء الجائز يتظاهر به صاحبه، ولا حرج عليه. ولا حاجة إلى الإكثار في ذلك، فإنه لا يشك فيه إِلَّا مَنْ أضلَّهُ الله، وأين هذا من الهدية التي هي وصلة إلى توادد المؤمنين وتراحمهم وتعاطفهم؟ تلك توصل إلى رضا الله، والرشوة وما يؤخذ على الولايات توصل إلى غضب الله. وهذا الذي نقوله ليس خاصًا بالقاضي، بل هو في الإمام فمن دونه من كلّ من تقلد أمور المسلمين، ولكنَّ القاضي يُلام على ذلك أكثر مما يلام غيره؛ لأنه نائب الشرع، ونُوَّابُ الشخص (٢) إذا لم يسيروا بسيرته استحقوا النكال. نصيحة للقاضي وموعظته في ذلك فلينظر القاضي المسكينُ المُشفِقُ على دينه إلى سيرته وسيرة النبي ﷺ وموعظته في والخلفاء الراشدين بعده في أحكامهم وأفعالهم، فإن وجد سيرته قريبةً من ذلك، ذلك فبالحري أن ينجو، وليسأل الله في تقصيره، وإن وجد سيرته مخالفةً لسيرتهم فليعلم أنه كما عدل عن طريقهم في الدنيا، كذلك يعدل عنها في الآخرة.

стр. 113

سبب تمنع العلماء عن القضاء وليقنع بأن يكون في غِمَارِ (١) المسلمين يسأل العافية، ولا يتعرض لهذا سبب تمنع الخطر العظيم، ويتحمل أعباء هذا المنصب الشريف؛ ولهذا كان العلماء من العلماء عن السلف يمتنعون من الدخول فيه؛ لما يعلمون من خطره. القضاء فضل القاضي ولا شك أن من دخل فيه بحق وعدل فيه كان كالمجاهد في سبيل الله له فضل درجة المجاهدين، بل ربما يكون أفضل من بعضهم، وكل قضية يحكم فيها القاضي بالحق فيدفع ظالماً، ويصل حقا هي جهاد، ولا شك أنها أعظم من جميع نوافل العبادات، وأفضل من كثير من فروض الكفايات، ولكن هيهات العدل من صاحبها إلا من عصم الله، فالأولى [للمحتاط] (٢) لدينه الانكفاف عنها. وليعلم أنها ليست جهة مكسب، بل جهة عبادة، وفيها خطر إن زَلَّ هوى في جهنم، فالسلامة في تركها، ويسأل الله من فضله. حكم الأخذ من الجهات الموقوفة للعلم وأحسن أحوال الفقيه عندي أن يشتغل بالعلم الله تعالى، ولا يأخذ عليه حكم الأخذ من شيئًا، ويكتسب بتجارة أو صناعة أو زراعة إن قدر على ذلك، ولم يعطله عن الجهات العلم. الموقوفة للعلم فإن عطله ذلك عن العلم ولم يكن له ما يقوم به، فإن تيسر له رزق حلال ممن يسوقه الله على يديه بلا شبهة، فذلك فضل من الله تعالى، والتناول من الجهات الموقوفة للعلم قريب إذا قام بشروطها، وهي تتفاوت بالنظر إلى حِل مال صاحبها وغير ذلك، فإذا صحت فهي جيدة، وليست كالكسب؛ لأنها على كل حال تشبه الأجر على العلم؛ ففيها نقص من هذا الوجه، ولكن لا يجري فيها الخلاف في أَخْذِ الأجر على العلم؛ لأنَّها ليست أجرًا حقيقةً.

стр. 114

وقد تكلم أهل العصر في كونها إجارة أو جعالة، وكله خبط، والصواب أنها صدقة بصفة، فالذي يأخذها يأخذها لاتصافه بتلك الصفة، ودخوله في الوقف بذلك. فإن تعلَّمَ العلم وعلمه الله خالصاً، وأخذ ذلك لانصافه بالصفة، فذلك أحسن المراتب، ولا ينقص ذلك من ثواب تعلمه وتعليمه شيئًا، وإن تعلَّم وعلَّمَ؛ لينال ذلك، لم يحصل له ثواب إِلَّا أَنْ يُغَيِّرَ الله قصده بعد ذلك. وتناول المعلوم بعد اتصافه بالاستحقاق بالصفة المحضة لا تشبه أجرةً، ولا جعلا، ولا رزقا، وتناوله قبله ليتعلم أو يُعَلِّمَ كتناول الرزق الذي يجعله الإمام من بيت المال على ذلك، حلال. والحاصل: أن المدارس كالأرزاق، وأخذها كأخذ الرزق على العلم، فإن نظر الطالب أو المدرّس في حال اشتغاله إليها ولم يشتغل إلا لأجلها، فلا أجر له، وإن كان يشتغل لله، ولكن سكنت نفسه بسببها، ولولاها لم يشتغل لضرورة كسبه فله أجر، ولكن دون القسم الثالث، وهو أن يعرض عن ملاحظتها بالكلية، ويكون اشتغاله لله تعالى خالصاً، بحيث لو قطعت أو لم يكن لم يتفاوت الحال عنده، وإذا حصلت أخَذَها كالنحلة، فهذا أرفع الدرجات، وعليه يحمل حال السَّلَف الذين كانت لهم الأرزاق من بيت المال. وفي الحال الثاني والثالث لا يأتي الخلاف في أخذ الأجرة على العلم، وفي الحال الأول قد يأتي باعتبار قصده، ومع ذلك ليس من الرشوة في شيء؛ لأن الرشوة صاحبها يتوصل بها إلى غرض نفسه، وهذه صاحبها يتوصل بها إلى غرض للمتعلم وللمسلمين والله تعالى، وهو نشر العلم فلا معنى للرشوة ها هنا أصلا.

стр. 115

بخلاف الذي يعطي عالماً مالاً؛ ليعلمه مسألة فهذه هي التي ظهر اختلاف العلماء فيها لعود الغرض فيها إلى الباذل، وإن اشترك هذان القسمان في الأخذ على ما هو واجب، وللعلماء اختلاف فيه، ولكن المرتبتان مختلفتان، والخلاف في الثانية أظهر منه في الأولى. وأما الأرزاق بجميع وجوهه (١) فلا خلاف فيه، إلا ما أشرنا إليه بالنسبة إلى غرض الآخذ له. اعتذار المؤلف عن الإطالة في الكلام على الفرق بين الهدية والرشوة وقد أطلنا في هذا، وكان القصد تحقيق الفرق بين الهدية والرشوة فقط، ولكن اتسع الكلام فلنقتصر على هذا القدر، ونذكر بعده ما وقفنا عليه من كلام العلماء في الفرق بينهما. قال القاضي ابن كج فيما حكاه الرافعي عنه: العطية للحكام إن كانت على أن يحكم بغير الحق، أو يقف عن الحكم بالحق فهي الرشوة، وإن كانت مطلقة فهي الهدية (٢). انتهى. تعقب على قول القاضي ابن كج وفيه قصور؛ فإنه لم يذكر التي تعطى على أن يحكم بالحق، وهي رشوة على ما قررناه بعموم الحديث، بل هي أحق باسم الرشوة كما قدمنا. ويدل عليه ما حكيناه عن أبي علي الطبري، عن الشافعي، أنه إذا أهدي له على دفع باطل أو إيصال إلى حق فهو محرَّم، فيُحمل كلام ابن كج على أنه ذكر أعلى مراتب الرشوة، وذكر أحد القسمين، واكتفى به عن الآخر، أو على أن الحكم بالحق يجعل [حكماً] (٣) بغير حق، فيدخل القسمان في كلامه.

стр. 116

وأما قوله: إن كانت مطلقة فهي الهدية، فإن عنى بالإطلاق أن لا يقترن بها لفظ يدل على الشرط، فالهدايا لا تشترط فيها لفظ، وإنما الاعتبار فيها بالفعل والقصد، فمتى قصد ترتب عليه الحكم، وإن لم يترتب وليست كعقود البيع والهبة ونحوهما ممَّا يُنظر فيه إلى اللفظ من غير اعتبار القصد. على أنا هنا يجب أن ننظر إلى القصد حتى لو باعه بمحاباة لأجل ذلك كان كالهدية، كما أنا في الوصية نجعلها من الثلث، أعني: قدر المحاباة، ومحاباة القاضي كالهدية؛ يعتبر فيها القصود المذكورة، فإذا كانت لأجل الحكم فهي رشوة. وإن عنى بالإطلاق أن لا يقترن بها قصد التوصل بها إلى الحكم، فصحيح أنها هدية، وليست برشوة حقيقة، ولكن هل يسلك بها مسلك الرشوة فيحرمها، أو مسلك الهدايا المباحة؟ ليس في كلامه تصريح بذلك، وقد تقدم قولنا وقول الغزالي فيها. وقال الماوردي: العطية إن تقدمت الحاجة فهي رشوة، وإن تأخرت فهي الهدية (١). انتهى. وهذا ظاهره يقتضي أن العطية لأجل الحاجة، وحينئذ فهو صحيح في كونها إذا تقدمت كانت رشوة؛ لأنها بذلت للتوصل إلى غرض خاص، فهو كما قلناه، ويشمل إذا كانت الحاجة هي الحكم بحق أو بخلافه. وأما قوله: وإن تأخرت فهي الهدية، فلا شك أنَّها لا تسمى رشوة؛ لأنه لم يتوصل بها إلى غرض، اللهم إلا/ [٣٤/ ب] إن كان المهدى إليه بقرينة الحال قضى تلك الحاجة لتوقع ما يناله من صاحبها، فهي الرشوة بعينها، وتصير رشوة بآخر قبضها.

стр. 117

وإن لم يكن في نفس كل منهما ذلك، ولكن قصد إثابته على قضاء حاجته، فينبغي أن يكون حكمها حكم ما لو بذلها قبل قضاء الحاجة، فإنه جعلها عوضا عنها؛ ولهذا جاء عن السلف الاحتراز عنها وإن لم يقصد الإثابة عليها ولكن التودد، فهي الهدية. وإن أراد الماوردي هذا القسم فموافقه حق، وإلا ففيه ما قد علمته. وقال الغزالي في «الإحياء»: باذل المال إنما يبذله لغرض، فإن كان غرضه ثواب الآخرة، إما أن يكون المصروف إليه محتاجاً، أو عالمًا، أو صالحًا، أو نسيبًا، فإن علم الآخذُ أنه متصف بتلك الصفة [حَلَّ] (١)، وإلا فلا. القسم الثاني: عوض عاجل معين؛ كفقير يُهدي لغني طمعا في خلعته، فهذه هبة بشرط ثواب. القسم الثالث: أن يريد إعانته بفعل معين؛ كالمحتاج إلى السلطان يُهدي إلى وكيل السلطان وخاصته، ومَن له مكانة عنده، فهي هدية بشرط ثواب يُعرف بقرينة الحال، فإن كان الثواب حرامًا كالسعي في إدرار حرام، أو ظلم إنسان، أو غيره، حَرُمَ الأخذُ، وإن كان راجيًا لدفع ظلم متعين في كل من يقدر عليه أو شهادة متعينة، فيَحرُمُ أخذه، وهي الرشوة التي لا يُشَكٍّ في تحريمها. وإن كان مباحا لا واجبًا ولا حرامًا، وكان فيه تعب بحيث لو عرف جاز الاستئجار عليه، فما يأخذه حلال مهما وَفَى بالغرض، وهو جار مجرى الجعالة، كقوله: أَوْصِلْ هذه القصة إلى يد السلطان ولك دينار، وكانت بحيث يحتاج إلى تعب وعمل متقوم.

стр. 118

أو قال: اقترح على فلان أن يعينني في غرض كذا، أو يُنعم علي في كذا، وافتقر في تنجيز غرضه إلى كلام كثير، فذلك جُعل كما يأخذه الوكيل في الخصومة بين يدي القاضي، فليس بحرام إذا كان لا يسعى في حرام. وإن كان مقصوده يحصل تكلمه بلا تعب، ولكن تلك الكلمة من ذي الجاه تفيد، فهذا حرام؛ لأنه عوض عن الجاه، ولم يثبت في الشرع جواز ذلك، بل ثبت ما يدل على نهيه، كما سيأتي في هدايا الملوك. وإذا كان لا يجوز الأخذُ عن حق الشفعة، فكيف يؤخذ عن الجاه والحاذق في صناعته، كالذي يُزيل اعوجاج السيف بدَقَّةٍ واحدة مثلا؛ لحسن معرفته، لا أرى بأسا بأخذ الأجرة عليه؛ لأن مثل هذه الصناعات يتعب في تحصيلها ليكسب بها، ويُخَفِّفُ عن نفسه كثرة العمل. قلت: وفي تحريم ما قاله مما يحصل به غرض صحيح، وإن لم يكن [يكن] (١) فيه تعب، نظر، وقد أجاز أبو إسحاق الاعتياض عن حقه للشفعة. الرابع: ما يقصد للمحبة لا لغرض معين، فهذه هدية يحل أخذها. الخامس: أن يقصد تَحَبُّبه؛ ليتوصل بها بجاهه إلى أغراض [له] (٢) ينحصر جنسها وإن لم ينحصر نوعها، فإن كان جاهه لعلم أو نسب، فالأمر فيه أخف، وأخذه مكروه؛ لمشابهة الرشوة، وإن كان جاهه بولاية؛ من قضاء، أو عمل، أو ولاية صدقة، أو جباية مال، أو غيره من أعمال السلطنة حتى ولاية الأوقاف مثلاً، ولولا الولاية لم يُهْدِ إليه، فهذه رشوة في معرض الهدية.

стр. 119

واتفقوا على أن الكراهة فيه شديدة، واختلفوا في تحريمه، وهو دائر بين الهدية المحضة والرشوة المبذولة في مقابلة غرض معين، فإذا تعارضت الشائبة القياسية وعضدت الأخبار أحدهما تعين، وقد دلت الأخبار على تشديد الأمر فيها، وذكر حديث ابن اللَّتْبِيَّة (١) وغيره وآثارا، منها: سُئل طاوس عن هدايا السلاطين، فقال: «سُحْتٌ» (٢). وقال جابر وأبو هريرة: «هدايا الملوك غُلُول» (٣). وأَهْدَت امرأة أبي عبيدة (٤) إلى خاتون (٥) ملكة الروم خَلُوقًا (٦)، فكافأتها بجوهر، فأخذه عمر، فباعه، وأعطاها ثمن خَلوقها، ورَدَّ باقيه في بيت مال المسلمين. ولمَّا رَدَّ عمر بن عبد العزيز الهدية قيل: كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية، قال: كانت له هدية، ولنا رشوة (٧): أي: كان يُتَقَرَّبُ إليه لنُبُوَّته لا لولايته، ونحن إنما نعطى للولاية.

стр. 120

فإذا ثبتت هذه التشديدات فالقاضي والوالي ينبغي [أن] (١) يقدر في نفسه أنه في بيت أبيه وأُمه، فما كان يُعطى بعد العزل وهو في بيت أُمه يجوز له أخذه في ولايته، وما يعلم أنه يعطى لولايته وما أشكل عليه في أصدقائه أنهم هل كانوا يُعطونه لو كان معزولاً أو لا، فهو شبهه، فليجتنبه (٢). هذا كلام الغزالي ﵀، وهو في غاية الحسن. نقل كلام أبي عبد الله الترمذي في الفرق بين الهدية والرشوة وقال أبو عبد الله الترمذي الحكيم في كتاب «الفروق» (٣) له في الفرق بين الهدية والرشوة: الهدية أن يُعطيك شيئًا يريد أن يهادى بميل قلبك ونفسك إلى نفسه، ومنه يتهادى في مشيه، والهدي؛ لأنه مَيْلُ القلب إلى الله . فإذا أعطاك على أن تُمِيل قلبك إلى نفسه وأنت ذو سلطان، أو ذو سبب من السلطان، فهو رشوة؛ لأن السلطان ظلُّ الله في الأرض، والعدل سبيله، فإذا أعطى السلطان فسلك سبيل العدل فما أخذ عليه كأنه صيَّره ثمنا للعدل، والله لا يرضى أن يُباع عدله في أرضه بحطام الدنيا؛ لأنه قد حمل عليه مُؤنَةَ العدل بعدله، فصار جَوَدًا، فإنه بذل العدل لعباده، ولم يقتض عليه من عباده شيئًا. ولذلك صارت هديته رشوةً مأخوذة من الرشاء؛ لأن الرشاء به يستمد من البئر الماء، فينزعه، ولذلك هذا صيَّر هذه العطية بها يستمد العدل من الحاكم، ولم يؤمر الحاكم بأن يكون على أن يستمد منه العدل بالاحتيال، بل يكون عدله كالماء الجاري الذي لا يكون على الخلق فيه مؤنة، يتناولونه

стр. 121

يُيسَر لا بالاحتيال. فالهدية للسلطان أو لذي سبب منه رِشوة، ألا ترى إلى قوله ﷺ : «أفلا جلس في بيت أبيه وأُمِّه» (١)، فأعلمهم أنه إنما أُهدي له من أجل سلطانه؛ لئلا يجور عليه، وإنما أمره حين ولاه أن يبذل العدل لرعيته بذلا لا مُؤنَةَ لأحد في تناوله. وفي «الروضة في أحكام المفتي»: قال أبو المظفر بن السمعاني من أصحابنا: يجوز له قبول الهدية، بخلاف الحاكم؛ لأنه يلزم حكمه (٢).

стр. 122

الفصل الرابع في بقية كلام الفقهاء في حكم الهدايا وقد وجدت في «السير الكبير» لمحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة -رحمهما الله-، تصنيف شمس الأئمة السرخسي - وهو مجلدان - بابا في هدية أهل الحرب أحببت نقله هنا، فإن فيه تصريحاً بما أشرنا إليه من المعنى المقتضي لوضعها في بيت المال، ويحلُّ ذلك، وفيه أيضًا إشارة إلى الفرق بين الهدية والرشوة. قال: وإذا بعث ملك العدوّ إلى أمير الجند هديةً، فلا بأس بأن يقبلها وتصير فينا للمسلمين؛ لأنَّ النبي ﷺ كان يقبل هدية المشركين في الابتداء على ما رُوي أنه أهدى إلى أبي سفيان تمر عجوة، واستهداه أدما (١)، ثم لما ظهر منهم مجاوزة الحدّ في طلب العوض أبى قبول الهدية منهم بعد ذلك، وقال: إنا لا نقبل زبد (٢) المشركين (٣).

стр. 123

فبهذا تبين أن للأمير رأياً في قبول ذلك، فإن طمع في إسلامهم فهو مندوب إلى تألفهم، وإن لم يطمع في إسلامهم فله أن يُظهر الغلظة عليهم برد الهدية، فإن قبلها كان ذلك فيناً للمسلمين؛ لأنه ما أهدى إليه لعينه، بل لمنفعته ومَنَعَتِه بالمسلمين، فكان هذا بمنزلة المال المصاب بقوة المسلمين. وهذا بخلاف ما كان لرسول الله ﷺ من الهدية، فإن قوته ومنعته لم تكن بالمسلمين على ما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (١)، فلهذا كانت الهدية له خاصةً. ثم الذي حمل المشرك على الإهداء إليه خوفه منه، وطلبه الرّفق به، وبأهل مملكته، وتمكنه من ذلك بعسكره، وكانت الهدية بينه وبين أهل العسكر، وكذلك إن كانت الهدية إلى قائد من قواد المسلمين ممن له عدة ومَنَعَةٌ؛ لأن الرهبة منه والرغبة في التأليف معه بالهدية ليرفق به وبأهل مملكته إنَّما كان باعتبار منعته، وذلك بمن تحت رايته وبجميع أهل العسكر. وإن كان أهدى إلى بعض المبارزين، أو إلى رجل من عرض الجيش فذلك له خاصة؛ لأن الهدية إلى مثله لم يكن على وجه الخوف منه، أو طلب الرفق به، وإن كان فذلك الخوف باعتبار قوته في نفسه؛ إذ لا تبع له، فيكون ذلك سالماً له خاصة. وعلى هذا قالوا: من أهدى إلى مُفت أو واعظ شيئًا، فإن ذلك سالم له خاصةً؛ لأن الذي حمل المهدي على الإهداء إليه والتقرب إليه معنى فيه خاصة بخلاف الهدية إلى الحكام، فإن ذلك رشوة؛ لأن المعنى الذي حمل المهدي على التقرب إليه ولايته الثابتة بتقليد الإمام إيَّاه، والإمام في ذلك نائب عن المسلمين.

стр. 124

والأصل في ذلك قوله ﷺ : «هدايا الأمراء غُلُولٌ» (١)، يعني: إذا حبسوا ذلك لأنفسهم فذلك بمنزلة الغلول منهم، والغلول اسم خاص لما يؤخذ من المغنم، فعرفنا أن ذلك بمنزلة الغنيمة، وتخصيص الأمير بذلك دلنا على أن مثله في حق الواحد من عرض الناس لا يكون غلولاً. وفي الحديث: «فهلا جلس في بيت أبيه وأُمه» (٢)، وفيه إشارة إلى ما قلنا، وأن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين، فجاء بمال، فقال عمر: سرقت مال الله؟ قال: لم أسرق مال الله، ولكن خيلي تناتجت وسهامي اجتمعت، فلم يلتفت عمر إلى قوله، وأخذه فجعله في بيت المال (٣). وكذلك لو بعث الخليفة عاملاً إلى كُورَة (٤) فأهدي إليه، فإن علم الخليفة أنه أُهدي إليه طوعاً أخذ ذلك منه، فجعله في بيت المال، وإن علم أنهم أهدوا مكرهين فينبغي أن يَرُدَّه إلى أهله، فإن لم يقدر عَزَلَه في بيت المال حتى يأتي أهله بمنزلة اللُّقَطَة. وبهذا الطريق أمر عمر بن عبد العزيز حين استخلف برد الأموال التي اجتمعت في بيت المال؛ لأنه علم أن من قبله من المروانية (٥) أخذوها بالإكراه (٦)، وعلى هذا لو أن ملك العدو أهدى إلى ملك الثغر أو إلى قائد من

стр. 125

قواده لا ينبغي له أن يَرْزَأَ (١) من ذلك شيئًا، ولكن الخليفة يأخذها منه، فيجعلها في بيت المال. وإن كانت الهدية إلى شجاع من المسلمين فهو سالم له؛ لأن طلبهم الرفق من مال الثغر باعتبار قوته بالمسلمين، ومن المبارز باعتبار قوته في نفسه. ولو أن أمير عسكر المسلمين أهدى إلى ملك العدو فعوضه، فإن كان مثله أو فيه زيادة يتغابن بها، فهو سالم له، وإن كان أكثر فله من ذلك قيمة هديته، والفضل فيء لجماعة المسلمين الذين معه. وكذلك الحكم في القائد الذي يُرجى ويُخاف؛ أهدت امرأة عمر إلى امرأة ملك الروم، فأهدت إليها امرأة الملك فأعطاها عمر من ذلك مثل هديتها، وجعل ما بقي في بيت المال، فكلمه عبد الرحمن بن عوف فقال له عمر: قل لصاحبتك فليُهدِ إليها حتى ننظر أيهدى إليها مثل هذا (٢). وإن أهدى مبارز إلى رجل من أهل الحرب؛ قائد أو ملك، فأهدى إليه أضعافها، فهو سالم له؛ لأنه لم يكن باعتبار تعززه بغيره. ولو أن المسلمين حاصروا حصنًا فباعهم أمير العسكر متاعاً فإن كان بقيمته أو بغَيْنِ يسير، فالثمن سالم له، وإن كان بغبن فاحش فله من الثمن قدر قيمة ملكه، والباقي يكون فيا لأهل العسكر، وإن كان البائع رجلا من عرض العسكر فالثمن سالم له قل أو كثر، ولو أن أمير العسكر بعث رسولا إلى مَلِكِهم في حاجةٍ

стр. 126

فأجازه الملك بجائزة، فذلك سالم له خاصةً؛ لأن الجائزة للرسول ما كانت لرغبة أو لرهبة، بل للإنسانية والمروءة. وكذلك إن أهدى الرسولُ إلى مَلِكِهم فعوضه أضعافا، سلم كله له، ولو أن ملك العدو أهدى إلى أمير العسكر فأراد أن يعوّضه من الغنيمة، ففي القياس ليس له ذلك، ولكنه استحسن فقال: ما أهدي إليه نظير من الغنيمة فيجوز له أن يعطيَ عوضه من الغنيمة؛ لأنه لو أراد أن يرد ما أُهدي إليه كان متمكنا من ذلك، وإن كان فيه إبطال حق الغانمين عنه. فكذا إذا أراد أن يقبل ويعوّضه من الغنيمة ورأى النظر للمسلمين في ذلك، إلا أنه لا يعوّضه من الغنيمة أكثر من الهدية مما لا يتغابن به. والحاصل: أن الثواب مقصود من الهدية فيكون كالمشروط (١). هذا كلام محمد بن الحسن، نقلت جميع الباب لم أحذف منه إلا شيئًا يسيرًا لا يُخِلُّ بالمعنى. وما ذكره من قبول النبي ﷺ هدية المشركين خالفه فيه أبو عبيد القاسم بن سلام، فقال في «كتاب الأموال»: إن الثبت عندنا أنه لم يقبل هدية مشرك من أهل الحرب، بذلك تواترت الأحاديث. وقال في الدنانير التي وصلت إليه من قيصر وهو بتبوك وجعلها فيا: إنها لو كانت هدية ما قبلها. وكان عياض المجاشعي يخالط رسول الله ﷺ قبل الإسلام، فلما كان

стр. 127

الإسلام أهدى إليه هديةً فردَّها، وقال: إِنَّا لا نقبل زبد المشركين (١)، قال ابن عون: يعني: رفدهم (٢). وأهدى عامر بن مالك مُلاعِبُ الأسنَّة إلى النبي ﷺ حين قَدِمَ إليه فقال: إنِّي لا أقبل هديَّةَ مُشرِك (٣)، وأهدى إليه عامر بن الطفيل فرسا، وكتب إليه أنه ظهر بي مثل الدبيلة (٤)، فابعث إليَّ بدواء من عندك، فرد رسول الله ﷺ الفرس من أجل أنه لم يكن مسلما، وأهدى إليه عكة (٥) عسل، وقال: تداوى به من هذا الذي [بك] (٦) (٧). بل أهل العلم يقولون: عامر بن الطفيل، وأهل المغازي يقولون: أبو البراء عامر بن مالك، وأن عامر بن الطفيل لم يزل على عداوة رسول الله ﷺ حتى مات. وأما هدية أبي سفيان (٨) فقال أبو عبيد: وجه هذا عندنا أن الهدية كانت في

стр. 128

الهدنة التي كانت بين رسول الله ﷺ وأهل مكة قبل فتحها، فأما مع المحاربة فلا. وكذلك قبوله هدية المقوقس (١)؛ لأنه كان قد أقر بنبوته ولم يُظهر التكذيب، ولم يؤيسه من الإسلام، وأما النجاشي (٢) فقد أسلم، وكذلك الأُكَيْدِر (٣). فالثابت عندنا أن النبي ﷺ لم يقبل هدية مشرك محارب (٤). انتهى كلام أبي عبيد. وقالت الحنفية: لا يقبل القاضي الهدية إلا من ذي رَحِمٍ محرم منه، أو ممَّن جَرَتْ عادته بمهاداته قبل القضاء (٥).

стр. 129

الفصل الخامس فيما قاله أصحابنا في قبول هدايا المشركين قال الخطابي في قوله ﷺ لعياض: إنَّا لا نقبل زبد المشركين (١): يشبه أن يكون هذا الحديث منسوخا؛ لأنه قد قبل هدية غير واحد من المشركين، أهدى له المقوقس وأكيدر دومة (٢)، فقبل منهما. وقيل: إنما رد هديته؛ ليغيظه بردَّها، فيحمله ذلك على الإسلام، وقيل: ردُّها؛ لأن للهدية موضعاً من القلب، ولا يجوز عليه أن يميل بقلبه إلى مشرك، فردَّها قطعاً لسبب الميل. وقيل: ليس ذلك مناقضا لقبوله هدية النجاشي والمقوقس وأكيدر؛ لأنهم أهل كتاب (٣)، وعياض المجاشعي لم يكن من أهل الكتاب. فأما قبوله من كسرى وليس هو من أهل الكتاب؛ فالحديث فيه مقال (٤).

стр. 130

وممن ذهب إلى النسخ أبو محمد ابن حزم، قال: إنه منسوخ بخبر أبي حميد (١)، قال: غزونا مع رسول الله ﷺ تبوك، وأهدى ملك أيلة (٢) للنبي ﷺ بغلة بيضاء، وكساه بُرْدَةً (٣)، قال: لأن حديث أبي حميد كان في تبوك، وكان إسلام عياض قبل تبوك (٤). قلت: فحصل في قبول هدية المشركين الحربيين أربعة أقوال: أحدها: أنه كان ممنوعاً فنسخ منعه. الثاني: أنه على التخيير. الثالث: أن المنع مستمر. الرابع: يُقبل إن كانوا أهل كتاب. والأول قول الخطابي (٥)، والثاني قول الحنفية (٦) وهو المختار (٧)، والثالث مقتضى قول أبي عبيد، والحديث حجة له (٨) (٩)

стр. 131

وقد ورد بلفظ أصرح مما ذكرناه، وهو قوله ﷺ : «نهيت عن زبد المشركين»، رواه: أبو داود، والترمذي، وقال: حسن صحيح (١). ويحتمل عندي أنه لا تعارض بين الحديثين ألبتة؛ لأن الزبد هو الرفد، والرفد هو العطاء الذي يرفد به ويُعان، وذلك يدل على ضعف الآخذ له، بخلاف الهدية؛ فإنَّها تؤخذ مع العِزَّ والمَنَعَةِ. وكان عياض صديقا للنبي ﷺ قبل النبوة، فوفد على النبي ﷺ ومعه نجيبة (٢) يُهديها إليه، فقال: أسلمت؟ قال: لا، قال: إن الله نهانا أن نقبل زبد المشركين، فأسلم فقبلها (٣). فالوجه في هذا الحديث حمله على ما أشرنا إليه، أن النبي ﷺ قصد التوصل إلى إسلام عياض برد هديته، وجعلها كالرفد الذي يقصد به الإعانة، وبين النهي عن ذلك، وأنه عام له ولأُمَّتِه؛ لأنَّهم إنَّما يأخذون أموال الكفَّار عن عِزَّ بغنيمة، أو فيء، أو عن هدية يقصد بها التودُّد والمحبة لا غير، ولا يأخذونها عن رفد واحتياج. هذا الذي خطر لي في ذلك، ولا يبقى عليه إشكال، وأما النسخ فبعيد، وكذلك الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم، ويخرج من هذا نهي المسلم عن الاستعانة بمال المشرك. وفي الرافعي عن نص الشافعي في حرملة (٤): أنه إذا أهدى مشرك إلى

стр. 132

الإمام أو الأمير هدية، والحرب قائمة، فهي غنيمة، بخلاف ما إذا أهدى قبل أن يرتحلوا عن دار الإسلام (١). وعن أبي حنيفة: أنه للمهدى إليه بكل حال (٢). وهو رواية عن أحمد (٣). وذكر النووي في «الروضة» هذا الفرع، وقال فيه: «بخلاف ما لو أُهدي قبل أن يرتحلوا عن دار الإسلام؛ فإنه للمهدى إليه» (٤). فأما الحكم بأنها للمهدى إليه؛ فهو مخالف لما قدمناه من كلام محمد بن الحسن (٥)، وظاهر ذلك الكلام وتعليله أنها لا يختص بها المهدى إليه، سواء كانت في حال الحرب أم لا، في دار الإسلام أم لا، إذا كان المهدى إليه الإمام أو الأمير؛ لما تقرَّر أنه يُهدى إليه لقوَّته بالمسلمين فهي للمسلمين. ولم أر في الرافعي أنها للمهدى إليه، وإنَّما هذه الزيادة في «الروضة»، فلعلَّ مُراد الرافعي أنه إذا أهدى إليه قبل ارتحاله من دار الإسلام كانت على حكم الهدايا للأئمة والولاة لا يكون غنيمة، بل يكون فينا.

стр. 133

وإن أُهْدِيَ في حال القتال يكون غنيمة، وهذا مناسب، وهو الذي ينبغي، وإلَّا فما الفرق بينه وبين ما ذكره في «كتاب الأقضية» من حكم هدايا العمال؛ فقوله في «الروضة»: إنها للمهدى إليه، غلط، وقُلْ أن يتفق له مثله. ولا أجزم بأن الخلاف الذي في القاضي هل يملك أو لا؟ يجري فيه؛ لأن القاضي ربما يقال: يقصد عينه، بخلاف الإمام وأمير الجيش الذي هو منصوب لقوة المسلمين. ونقل الرافعي عن أبي حنيفة ورواية عن أحمد: أنها للمهدى إليه بكل حال (١)، إما أن يكون مخالفًا لقول محمد بن الحسن، وإما أن يُحْمَل على أنها ليست بغنيمة، بل يكون المقصود بها الهدية، وحينئذ يكون على حكم الهدايا، سواء كانت في حال الحرب أم لا، والشافعي يقول: إنها في حال الحرب غنيمة لا هدية (٢). وقد رأيت في «البحر» ما يوافق الذي في «الروضة»، فإنه قال: لو كان القوم على القتال فأُهْدِيَ حربيٌّ من الصف إلى مسلم شيئًا كان غنيمة، وهكذا لو أُهْدِيَ إلى الإمام، ولو أُهْدِيَ من دار الحرب إلى مسلم في دار الإسلام لا يكون غنيمة، وينفرد بها المسلم، وكذلك لو أُهْدِيَ إلى الإمام ينفرد بها (٣). وبه قال محمد، وقال أبو حنيفة: يكون للمهدى إليه بكل حال، وبه قال أحمد في رواية. وقال الماوردي ﵀ في «الأحكام السلطانية»: لا يجوز للعامل أن يرتشي،

стр. 134

ولا أن يقبل هدية، والرشوة ما يكون لطلب شيء، والهدية ما يكون عفوا (١). وقال في «الحاوي» في كتاب الأقضية: المهاداة فيما عدا الولاة مستحبة في البذل، ومباحة في القبول، وأما مهاداة الولاة فلولاة السلطنة كالإمام الأعظم، ومن قام مقامه، فكلُّ الناس من رعيته، فإن هاداه أهل الحرب جاز له قبول هداياهم، كما يجوز استباحة أموالهم. وينظر في سبب الهدية، فإن كانت لأجل سلطانه فسلطانه بالمسلمين، فصارت الهدية لهم دونه، وكان بيتُ مالهم أحق بها منه، وإن هاداه أهل الحرب لمودَّةٍ سلفت، جاز أن يتملكها، وإن هادوه لحاجة عرضت إن كان لا يقدر على قضائها إلا بالسلطنة، كان بيت المال أحق بها منه، وإن كان يقدر عليها بغير السلطنة كان أحق بها من بيت المال. وأما هدايا دار الإسلام؛ فإن أهدى إليه من يستعين به على حق يستوفيه له، أو ظلم يدفعه عنه، فهي الرشوة المحرمة، لعن الله الراشي والمرتشي والرائش؛ الراشي: باذلها، والمرتشي قابلها، والرائش: المتوسط بينهما. وأما باذل الرشوة؛ فإن كان لاستخلاص حق، أو دفع ظُلم، لم يحرم البذل كافتداء الأسير، وإن كان لباطل يُعان عليه حَرُمَ بذلها، كما يحرم على المبذول له أخذها، ووجب رد الرشوة على مالكها، ولا يجوز أن توضع في بيت المال. القسم الثاني: أن يُهدي إليه من كان يهاديه قبل الولاية؛ لسبب أو مودة، فهي هدية، فإن كانت بقدر ما كان لغير حاجة، جاز قبولها، وإن اقترنت بحاجة: امتنع، ويجوز أن يقبلها بعد الحاجة، وإن زاد على هديته فإن كانت من الجيش جاز قبولها، وإلا امتنع.

стр. 135

القسم الثالث: أن يُهدِيَ إليه مَنْ لم يكن يهاديه، فإن كان يخطب منه الولاية على عمل يقلّده فهذه رشوة يحرم عليه أخذها، سواء كان خاطب الولاية مستحقا لها أم لا، عليه ردُّها، ويَحرُمُ على باذلها إن كان غير مستحق، وإن كان مستحقًا فإن كان مستغنيا عن الولاية حَرُمَ عليه بذلها، وإن كان محتاجاً إليها، لم يحرم عليه بذلها. وإن أهدى إليه من شكره على جميل كان منه، فهذا خارج من الرشاء لم يلحق بالهدايا؛ لأن الرشوة ما تقدمت، والهدية ما تأخرت، وعليه ردُّها، ولا يجوز له قبولها؛ لأنه يصير مكتسبا بمجامليه، ومعتاضا على جاهه. وسواء كان ما فعله من الجميل واجبًا أو تبرعا، ولا يحرم بذلها على المعطي، وإن أهدى إليه من يبتدئ الهدية لغير مجازاة على فعل سالف، ولا طلبا لفعل مستأنف، فهذه هدية بعث عليها جاه السلطنة، فإن كافأ عليها جاز قبولها، وإن لم يكافئ عليها فوجهان: أحدهما: يقبلها لبيت المال؛ لأن جاه السلطنة لكافة المسلمين. والثاني: يردها ولا يقبلها. وأما ولاة العمالة؛ كالخراج، والصدقات، فإن كان المهدي من غير أهل عمله فالمهاداة بينهما كالمهاداة بين غير الولاة والرعايا، وإن كان من عمله فإن كان قبل استيفاء الحق فرشوةٌ، فيَحرُمُ قبولها؛ لأنها تهمة تعطفه عن الواجب، وسواء كان العامل مرتزقاً أم غير مرتزق، فإن أضاف العامل ولم يُهَادِه، فإن كان العامل مستوطنا لم يجز أن يدخل في ضيافته، وإن كان مجتازا جاز بعد استيفاء الحق منه، ولم يَجُز قبله، وإن أهدى إليه بعد استيفاء الحق منه على جميل قدَّمه إليه، فإن كان ذلك الجميل يجب على العامل وجب رَدُّ الهديَّةِ، وحَرُمَ قبولها،

стр. 136

وإن كان مما لا يجب لم يكن للعامل أن يتملكها ما لم يعجل المكافأة وجهان: أحدهما: تعاد إلى مالكها. والثاني: تكون لبيت المال؛ لأنها مبذولة على فضل ثابت عنهم. وفي مثله الحديث: «هدايا الأمراء غُلول» (١)، والغلول: ما عدل عن مستحقه. وإن أهدى إليه بعد استيفاء الحق على غير سبب، فإن عجل المكافأة بمثل قيمتها جاز أن يتملكها؛ لأنه بالمكافأة معاوض، فجرى مجرى الابتياع، وإن لم يكافئ فقد خرجت عن الرشوة والجزاء، فلم يجب ردُّها ويُعرض بها للتهمة. واختلف أصحابنا فيها على ثلاثة أوجه: أحدها: تُقَرُّ على العامل؛ لأن رسول الله ﷺ أقر ابن اللُّتْبِيَّة (٢) على الهدية، ولم يسترجعها منه. والثاني: أنها تسترجع لبيت المال؛ لأنه أخذها بجاه العمل، ويضم إلى المال الذي استعمل فيه؛ لوصولها بسببه، فإن رأى الإمام أن يعطيه جاز إذا كان مثله يجوز أن يبتدأ بمثلها، وإن رأى أن يشاطره جاز، كما فعل عمر في ابنيه [حين] (٣) أخذا مال العراق قرضاً، واتَّجَرَا فربحا، فأخذ نصف ربحه (٤).

стр. 137

والثالث: إن كان العامل مرتزقا قدر كفايته أُخِذَت منه لبيت المال، وإلا أُقِرَّت عليه. وأما قضاة الأحكام فالهدايا في حقهم أغلظ مأثما، وأشد تحريما؛ لأنهم مندوبون لحفظ الحقوق على أهلها دون أخذها، يأمرون فيها بالمعروف، وينهون عن المنكر. وحال القاضي ثلاثة أقسام: أحدها: هدية في عمله من أهل عمله، فإن لم يهاده قبل الولاية لم يجز أن يقبل هديته، سواء كان له محاكمة أم لا؛ لأنه معرض لأن يحاكم، وهي من المتحاكمين رشوة محرَّمة، ومن غيرهم هدية محظورة، وإن كان يهاديه قبل الولاية لرحم أو مودة وله في الحال محاكمة، لم يَحِلَّ قبول هديَّته. وإن كان يهاديه قبل الولاية وليس له محاكمة، فإن كانت من غير جنس هداياه لم يجز أن يقبلها، وإن كان من جنسها فوجهان؛ لجواز أن يحدث له محاكمة. الثاني: هدية في عمله من غير أهل عمله، فإن كان مهديها دخل بها، صار من أهل عمله، فلا يجوز أن يقبلها سواء كانت له محاكمة أم لا، وإن لم يدخل وأرسلها، وله محاكمة هو فيها طالب أو مطلوب، فهي رشوة محرَّمة. وإن أرسلها ولم يدخل ولا محاكمة له؛ ففي جواز قبولها وجهان: أحدها: لا يجوز؛ لما يلزمه من التزامه. والثاني: يجوز؛ لوضع الهدية على الإباحة. الثالث: هدية في غير عمله ومن غير أهل عمله لسفره عن عمله، فنزاهته

стр. 138

عنها أولى، فإن قبلها جاز (١). قلت: وبقي قسم آخر لم يُصرِّح الماورديُّ ولا غيرُه به، وهو: أن يكون في غير عمله من أهل عمله، وذلك يعرض على وجهين: أحدهما: أن يسافرا جميعًا، وهذا قد يقال: إنه لخروجه صار من غير أهل عمله. والثاني: أن يرسلهما وهو مقيم في عمله إلى القاضي، وهو خارج عن عمله، والجواز في مثل هذا، وإن اقتضاه إطلاق ما تقدَّم من النص، لكنه بعيدًا؛ لا سيّما إذا عُرِف بقرينة الحال أنه إنما يهدي إليه لأجل الولاية، وقد يُتَّخذ مثل هذا حيلة يتوقَّع سفر القاضي فيتخذ عنده يدًا في سفره، فإذا عاد تحاكم إليه. والصواب عندي في هذا، المنع مطلقًا، لا في عمله ولا في غير عمله، لا من أهل عمله ولا من غيرهم، إلّا أن يكون ممَّن لا يتوقَّع له حاجة عنده البتة، ويحمل النص على هذا، فإن من يكون بهذه الحالة لا يكون إهداؤه لأجل الولاية، بل مكارمة. وكذلك أقول: لو أهدى السلطان ونحوه ممَّن لا يتوقَّع له حاجة عند القاضي، ولو حصلت له حاجة كان أمرًا على القاضي، لا سائلًا منه، فمثل هذا ينبغي أن يجوز القبول منه؛ لأنه أهداه إليه ليس لأجل الولاية، ولا لاستجلاب مَيْل يُحَكِّم، وإن كان الأحسن عدم القبول، وإذا قُبل في هذه الحالة يختص بها لما قلنا: إنها ليست لأجل الولاية. والحاصل: أن القول في تحريم القبول دائر مع خوف الميل والتهمة،

стр. 139

والقول في اختصاصه بها دائر مع كون الإهداء بسبب الولاية لا بسبب خاص، فيدور الحكم مع ذلك وجودًا وعدمًا (١). قال الماوردي: فأما [ما] (٢) نزوله ضيفًا على غيره، فإن كان في عمله لم يجز، وإن كان في غير عمله جاز، ولا يكره إن كان عابر سبيل، ويُكره إن كان مقيمًا إذا تقرر ما وصفنا من مهاداة القاضي، فإن أُبيحت له جاز أن يتملكها، ولم يجب ردُّها. وإن حظرت عليه ومُنِعَ منها على ما ذكرنا من التفصيل، انقسمت ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون رشوة؛ لتقدُّمها على المحاكمة، فيجب ردها على باذلها. الثاني: أن يكون جزاءً لتأخرها عن الحكم، فيجب ردُّها. الثالث: أن يبتدئ المهدي بها، فلا يجوز أن يتملكها القاضي؛ لحظرها عليه، وفيها وجهان: أحدهما: تُرَدُّ على مهديها، لفساد الهدية. والثاني: توضع في بيت المال؛ لبذلها طوعاً عن نائب عن المسلمين. ومن شفع لرجل شفاعةً فأهدي له، فإن كانت الشفاعة محرَّمَةً حَرُمَ القبول،

стр. 140

وكذا إن كانت واجبة عليه، وإن كانت في مباح، وحينئذ الهدية لها إن اشترطت حرام، وكذا إن لم تشترط، وجعلها المهدي جزاءً، وإن أمسك المهدي عن الجزاء، والشافع عن الاشتراط، فإن كان مهاديًا قبل الشفاعة لم يمنع من قبولها ولم يكره، وإن كان غير مهادٍ وقبل الشفاعة كره القبول ولم يحرم، فإن كافأ عليها لم يُكره القبول (١).

стр. 141

الفصل السادس فيما ذكره المالكية في ذلك قال أبو عمر بن عبد البَرِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى في «الاستذكار» في «كتاب الجهاد» في حديث هدية مِدْعَم (١): فيه إباحة قبول الخليفة الهدية، وكان ﵇ يقبل الهدية، ويأكلها، ويُثيب عليها، ولا يأكل الصدقة. وقبوله ﵇ للهدية من المسلمين والكفار أشهر وأعرفُ عند العلماء من أن يحتاج إلى شاهد على ذلك ها هنا، إلا أنَّ ذلك لا يجوز لغير النبي ﷺ ؛ إذ كان منه قبولها على جهة الاستبداد بها دون رعيته؛ لأنه إنما أهدى ذلك من أجل أنه أمير رعيته. وليس النبي ﷺ في ذلك كغيره؛ لأنه مخصوص بما أفاء الله من غير قتال من أموال الكفار مما جلوا عنه بالرعب من غير إيجاف بخيل ولا ركاب، يكون له دون سائر الناس. ومن بعده الأئمة، حُكمه في ذلك خلاف حكمه، لا يكون له خاصةً دون سائر المسلمين بإجماع من العلماء؛ لأنها فيءٌ لمن سمى الله في آية الفيء؛ ولهذا قال ﷺ : «هدايا الأمراء غُلول» (٢).

стр. 142

ويدلك على أن العامل لا يجوز له أن يستأثر بهدية أُهديت إليه بسبب ولايتها، ولأنها له ولجماعة المسلمين: حديث أبي حُمَيْدِ الساعدي، رواه ابن شهاب وغيره: «والذي نفسي بيده، لا ينال أحدكم منها شيئًا» (١)، قال أبو عمر: يعني: من الهدايا. وقال ابن عبد البر: اختلف العلماء في حديث عياض المجاشعي: «نهيت عن زبد المشركين» (٢)، قال منهم قائلون: ذلك نسخ لما كان منه من قبول هدايا الكفار، وقال آخرون: ليس في الحديثين نسخ، وإنَّما المعنى كان لا يقبل هدية من يطمع بالظهور عليه؛ لأن قبولها داعية إلى تركه على حاله، وقال آخرون: بل كان مخيرًا في قبول هدية الكفار، وترك قبولها، وقيل: إنَّما ترك قبول هدية عياض وملاعب الأسنَّةِ ومثلهما، ونهى عن زبد المشركين؛ لما في التهادي من التحابب، ومَن حاد الله ورسولَه حَرُمَت على المسلمين موالاته، وكان ﵇ بخلاف غيره؛ لأنه مأمون منه ما لا يُؤمَنُ من أكثر الأمراء بعده. وروى ابن عبد البر بسنده إلى أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري، قال: قلت للأوزاعي: أرأيت لو أن صاحب الروم أهدى إلى أمير المؤمنين هديَّةً، أترى بأسا أن يقبلها؟ قال: لا أرى بذلك بأسًا، قلت: فما حالها إذا قبلها؟ قال: يكون للمسلمين، قلت: وما وجه ذلك؟ قال: أليس إنَّما أهدى له؛ لأنه ولي عهد المسلمين، فلا يكون أحق بها منهم، ويكافئه بمثلها من بيت مال المسلمين. قال الفزاري: فقلت: لو أن صاحب الباب أهدى له رئيس العدو هدية أو صاحبُ مَلْطِيَّة (٣)، أيقبلها أحبُّ إليك أم يردُّها؟ قال: يردُّها أحبُّ إليَّ،

стр. 143

فإن قَبِلَها فهي بين المسلمين، ويكافئه بمثلها من بيت المال. قال: فصاحبُ الصائفةِ (١) إذا دخل فأهدى له صاحبُ الروم هديَّةً، قال: يكون بين ذلك الجيش، فما كان من طعام قَسَمَهُ بينهم، وما كان سوى ذلك جعله في غنائم المسلمين. وقال الربيع عن الشافعي في كتاب الزكاة (٢): إذا أهدى رجلٌ إلى الوالي هديَّةً فإن كانت لشيء نال منه حقًا أو باطلا فحرامٌ على الوالي أخذها؛ لأنه حرامٌ عليه أن يستجعل على الحق جُعْلا، وقد ألزمه الله تعالى القيام بالحق، وحرامٌ عليه أن يقوم بالباطل، والجُعل فيه [حرامٌ] (٣) (٤)، قال: وإن أهدى إليه أحدٌ ممن هو وال عليه على غير هذين المعنيين تفضُّلا وشكرًا لحسنٍ كان منه في العامة فلا يقبلها، فإن قبلها كانت في الصدقات، ولا يَسَعُه عندي غيرُه، إلا أن يكافئه من ماله بقدر ما يسعه أن يتمولها به (٥). وذكرنا في «التمهيد» من هذا المعنى ما هو أكثر من هذا (٦). وقال أبو الوليد الباجي في «المنتقى»: إن النبي ﷺ قبل هدية المقوقس وأكيدر، ولم يقبل هدية عياض، فقيل: إن ذلك خاصٌّ للنبي ﷺ ، وهذا التأويل

стр. 144

غير صحيح، فإن قبول الهدية من مُشرِكِ ليس في طاعته، ولا يجري عليه حكمه إن كان الكافر المهدي في حال مَنَعَةٍ وقوة فأهدى إلى الخليفة أو الأمير. قال سحنون: لا بأس أن يقبلها وهي له خاصة، وليس عليه أن يكافئه، وقال الأوزاعي: يكافئه من بيت المال، وهي للمسلمين، وقال (١): إن كان الروم في ضعفٍ والمسلمون مُشرفون عليهم فقصدوا إبطال عزمهم؛ فهذه رشوة لا يحل قبولها، وقاله ابن القاسم. بخلاف أن يُهدِيَ العِلْجُ (٢) لرجل من المسلمين يكون له خاصة، زاد ابن الموازعن ابن القاسم: إن الأمير ينتهي الناس إلى أمره ونهيه، وقال: إلَّا أن يبين أنه يهدي للأمير بغير سبب الجيش لمودَّةِ قرابة، أو مكافأة، أو غير ذلك، مما يدلُّ على أنها لخاصته، فذلك له. وأما ردُّه ﷺ هدية عياض وقوله: إنَّا لا نقبل زبد المشركين (٣)، يحتمل إن صح أن يكون على الوجه الممنوع، وأنه أراد بذلك إبطال حق من حقوق المسلمين، وأما إنكاره على ابن اللُّتْبِيَّةِ (٤) فلأنه كان عاملا، وهذه رشوة، فإنَّ عامل الصدقة لا يُهدى له إلا ليترك حقًا وجب، أو يكف عن ظلم إذا ثبت ذلك. قال ابن حبيب: يقبلها الأمير فتكون لأهل الجيش، قال: ولا حُجَّةَ لأحدٍ في هدية المقوقس للنبي ﷺ ؛ لأنه من خواصه يريد الاختصاص بها دون قبولها، وأمَّا رَدُّها فليس بقول لأحد من أصحابنا.

стр. 145

على أن قول ابن حبيب ليس يبين في التخصيص، فإنه كان ما يأخذه يستعمله في مصالح المسلمين، ولا يورث عنه، ولو استعمله الأمير اليوم على هذا الوجه جاز له ذلك. وإن كان المهدي يجري عليه حكم المهدى إليه، قال سحنون وأشهب: لا تقبل هديته مسلما كان أو كافرا، وروى [ابن] (١) نافع عن مالك في السرية يبعثها الوالي فيرجعون بالفواكه فيبعثون إليه مثل فقة عنب، أو تين، لا بأس به، وتركه أمثل؛ لأنا نكره له قبول مثل هذا في غير الغزو، ووجه إباحة ذلك، أن مثل هذا لا يهدى إلا للحاجة إليه، وعدم وجوده مع تفاهة قيمته هناك (٢). وقال ابن يونس: لا يقبل القاضي هدية من أحد لا من قريب ولا صديق، وإن كافأه بأضعافها إلا مثل الولد والوالد وأشباههم من خاصة القرابة التي تجمع من حرمة الخاصة ما هو أكبر من حرمة الهدية. قال سحنون: مثل الخالة والعمة وبنت الأخ. قال ابن حبيب: لم يختلف العلماء في كراهة (٣) [الهدية] (٤) إلى السلطان الأكبر وإلى القضاء والعمال وجباة الأموال، وهو قول مالك، ومن قبله من أهل السنة، وكان النبي ﷺ يقبل الهدية، وهذا من خواصه (٥).
следующие страницы →