← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 30141

منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام

علاء الدين مغلطاي

Полный текст (2 959 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٤ - كتاب منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام، كتاب كبير، والفن الذي يبحث فيه علل الحديث وَعِرٌ جدًّا، والبشر جُبلوا على الخطأ والسهو والنسيان، لذلك وقع للحافظ مُغلطاي أو لناسخ الكتاب شيء من السقط أو التصحيف أو الوهم في هذا الكتاب، وهو قليل جدًا.

стр. 107

المبحث الرابع مصادر المؤلف في كتابه لاشك أنّ للمصادر التي يعتمد عليها مؤلّف الكتاب أهمية بالغة، وأثرًا رئيسًا في عملية الحكم على الكتاب، وبيان قيمته، وبإمعان النظر في كتابنا هذا؛ منار الإسلام بترتيب كتاب بيان الوهم والإيهام، للحافظ علاء الدين مغلطاي، ندرك بأن مصادره تعود في أصلها لكتاب بيان الوهم والإيهام للحافظ ابن القطان الفاسي، والحافظ مغلطاي ناقل لهذه المصادر في كتابه هذا؛ لأن غاية ما قام به الحافظ مغلطاي هو إعادة ترتيب أحاديث كتاب الوهم والإيهام على ما كانت عليه في كتاب الأحكام للحافظ عبد الحق الإشبيلي، كما سبق بيانه وتوضيحه، ومثل هذا الأمر لا يستلزم منه العودة إلى مصادر أخرى غير تلك التي اعتمد عليها الحافظ ابن القطان الفاسي، فهو كما ذكر لم يُدخل في كتاب الوهم والإيهام ما ليس منه، ولم يُخرج منه إلا ما دعت الضرورة إلى إخراجه لتكرُّرِه، أو ما اقتضته طبيعة ترتيبه، من إضافة بعض العبارات التي تُناسب سياق الكلام، بعد حَذْفِه لتلك العبارات التي دعت الضرورة إلى حذفها، حتى يبدو الكلام متسقًا وموصولًا بعضُه ببعض. ولما كان الأمر على ما ذكرته، كان لا بد من الحديث هنا عن المصادر التي توفرت للحافظ ابن القطان الفاسي، ومكنته من نَقْد أبي محمد عبد الحق الإشبيلي في كتابه الأحكام. والمدقق في هذه المصادر يظهر له أنها لم تبتعد عن تلك التي اعتمد عليها الحافظ أبو محمد عبد الحق، وقد كشف هذا أنّ الحافظ ابن القطان كان يُسمِّي تلك المصادر التي كان يستقي منها عبد الحق مادة كتابه، ويشمل هذا تلك التي توافرت بين يديه واستقى منها الأحاديث والآثار والأخبار، وتلك التي كان يبني أحكامه بالرجوع إليها وهي المختصة بالعلل والجرح والتعديل وغيرها. غير أنّ ما توافر للحافظ ابن القطان الفاسي من هذه المصادر كان يربو على ما

стр. 108

وقف عليه عبد الحق الإشبيلي، وهذا ما دعاه لأن يفخر بذلك، وجعله يصرح في مقدمة كتابه بأنه قد تحصل على بعض المصادر التي لم يَتَسَنَّ لأبي محمد عبد الحق رؤيتها ولا الوقوف عليها، ولا حتى السماع بها، وهذا ما عبر عنه في آخر مقدّمته بقوله: «فليس في كتاب أبي محمد عبد الحق حديث إلا وقفت عليه في الموضع الذي نقله منه، بل وفي مواضع لم يرها هو قط، بل لعله ما سمع بها، إلّا أحاديث يسيرة جدا، لم أقف عليها في مواضعها، ولم آل جهدًا، ولا أدعي سلامة من الخطأ، لكنني أتيتُ بالمستطاع» (١). وقد عقد الحافظ ابن القطان في آخر كتابه بيان الوهم والإيهام بابًا خصصه لذكر المصادر التي اشتمل عليها كتاب أبي محمد عبد الحق الإشبيلي، سماه (باب ذكر المصنفين الذين أخرج عنهم في كتابه ما أخرج من حديث، أو تعليل، أو تجريح، أو تعديل) (٢)، وقدَّم لذلك بتمهيد أوضح فيه سَبَبَ عَقْدِه لهذا الباب؛ بأنّه ليس كلُّ مَنْ يُطالع كتاب أبي محمد عبد الحق، ويقف على ما أورده من مرويات، يمكن أن يعرف كلَّ مَنْ يعزو إليه، وإن اتفق لبعضهم أن يعرف المشاهير منهم كمالك والبخاري، فَإِنَّهُ رُبمَا لَا يعرف ابْن سِنْجَر وَلَا أَبَا سعيد الْمَالِيني وأشباههما، ممن لا يعرفه إلّا خواص أهل العلم بهذا الشأن، فَلهَذا المعنى عقدنَا هَذَا الْبَابِ، نَذْكر فِيهِ جميع من أخرج عَنهُ من المصنفين، ليخلص بِهِ من يقرأ كتابه من هجنة (٣) الجهل بمن يعزو إليه الحديث (٤). ثم قام بسرد أسماء أصحاب هذه المصادر مبتدئًا بأبي بكر محمد بن إسحاق بن يسار، ومنتهيا بذكر أبي عليّ بن أحمد بن حزم، منبها على أنه لم يذكرهم على حروف المعجم كما جرت العادة في كتب الرجال؛ لقلة عددهم ـ كما قال ـ ولا بحسب سَبْقِهِم إلى التصنيف، وتقدم بعضهم على بعض، وإنما ذكرهم بحسب أزمان وفياتهم، فقدم ذكر الأسبق وفاةً على متأخرها. _________ (١) مقدمة الحافظ ابن القطان لكتابه بيان الوهم والإيهام (٢/ ١٦). (٢) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٦٢٧). (٣) الهجنة: القبيح الذي يعيبك. لسان العرب (١٣/ ٤٣١)، والمصباح المنير (٢/ ٦٣٥)، مادة: (هجن). (٤) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٦٢٩).

стр. 109

وقد بلغ عدد ما سرده ابن القطان من هذه المصادر خمسة وخمسين مصدرًا، ذاكرًا أسماء أصحابها، دون أن يصرح باسم كتابه الذي نقل عنه، إلا في القليل منهم. وقد ذكر محقق بيان الوهم والإيهام، هذه المصادر، وزاد عليها أشياء أخرى من المصادر التي نَقَل عنه الحافظ ابن القطان في كتابه الوهم والإيهام، وقد قسم المحقق هذه المصادر إلى أربعة أقسام، فأفرد قسمًا خاصًا بالمتون الحديثية، وقسما خاصًا بمصادر التراجم، وقسمًا خاصًا بالمصادر اللغوية، وقسما رابعًا بالمصادر المتنوعة (١). وهذا كما هو ظاهر من طبيعة التقسيم تنوع هذه المصادر ووفرتها، والناظر فيها يلحظ أنها في غالبها مصادر أصيلة لِقِدَمها وأصالتها، وهذا بدوره قد انعكس على قيمة هذا الكتاب، وأكْسَبَه أهميّةً كبيرةً سيما وأنه اشتمل على أقوال نُخبة من الأئمة والعلماء في مجال التعديل والتجريح والأحكام خاصةً، وإن توفر هذه المصادر التي استقى منها الحافظ ابن القطان الفاسي أقوالهم وآراءهم ووظفها في خدمة ما كان ينتقد فيه عبد الحق الإشبيلي في أحكامه على بعض الأحاديث والروايات، قد أتاح له التوسع في استدراكاته عليه في كثير من المواضع التي كان يرى أنها تُوجب ذلك، وهذا بدوره قد جعل هذا الكتاب يبدو وكأنه كتاب عِلل نثر فيها قواعده ومنهاجه في التصحيح والتضعيف، ولا يخفى ما في هذا من فوائد جمَّةٍ لا يَعْدَمُها كلُّ مَنْ طَالَعَ هذا الكتاب، وخاصّةً بعدما أعاد الحافظ مغلطاي ترتيبه على النحو الذي سهل على مطالعيه قَطْفَ فوائده، وهي جَمَّةٌ، يستفيد منها المحدِّثُ والفقيه، وطلبة العلم عامَّةً. وإن ما يُميز أيضًا مصادر هذا الكتاب أنها اشتملت على العديد من المصنفات والمؤلفات التي يمكن وَصْفُها بالأصيلة، لم يتسن لأبي محمد عبد الحق الإشبيلي الوقوف عليها والأخْذِ منها إلا بواسطة مَنْ أخذ عنهم، وقد سَرَد الحافظ ابن القطان الفاسي أسماء أصحاب هذه المصنفات والمسانيد، التي لم ير الإشبيلي كتبهم موضحًا ذلك بقوله: «وهؤلاء الذين لم يَرَ كُتبهم: هم حماد بن سلمة، ووكيع، وأبو سعيد ابن الأعرابي … » (٢). _________ (١) بيان الوهم والإيهام (٣٢١ - ١/ ٣١٢). (٢) المصدر السابق (٥/ ٦٤٥).

стр. 110

المبحث الخامس وصف النسخة الخطية المعتمدة في التحقيق، ونماذج منها كتاب منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام، بحثت عن أصوله الخطية في مكتبات المخطوطات العالمية العامة، ومراكز تواجدها، وتتبعت فهارس كثير من هذه المكتبات والمراكز، فلم أجد فيها ذكرًا لهذا الكتاب، إلا نسخة وحيدة في المكتبة السليمانية، سيأتي الحديث عنها قريبًا. فلجأت إلى الشبكة العنكبوتية، فبحثت فيها عبر محركات بحث كثيرة، فلم أجد ذكرًا لكتاب المنار إلا ما جاء عن النسخة السليمانية. وبعدها توجهت لمخاطبة بعض المؤسسات العلمية، فلم أجد فيها ذكرًا لهذا الكتاب إلا النسخة الوحيدة الموجودة في المكتبة السليمانية. ومع ذلك لم أمل من البحث والتفتيش عن نسخة أخرى غير السليمانية، فلجأت إلى سؤال أهل الاختصاص ممن لهم دراية بالمخطوطات وتتبع أماكن وجودها في المكتبات، فسألت كثيرًا منهم، فالكل أفادني أنه لا علم له عن وجود نسخة أخرى غير السليمانية. وبعد طول نَظَر وبحث وتفتيش بشتى الوسائل المتاحة لدي، تيقنت أن هذا الكتاب ليس له ـ في حد علمي، والله أعلم - غير هذه النسخة الخطية الوحيدة، وفي المطلبين الآتيين تعريف بها وبيان وصفها، ونماذج منها: المطلب الأول وصف النسخة الخطية المعتمدة في التحقيق كتاب منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام، عثرتُ له على نسخة خطية وحيدة، بمكتبة رئيس الكتاب مصطفى أفندي، ضمن المكتبة السليمانية، بتركيا، محفوظة برقم (٢٨٦)، وعلى صفحة غلافها ختم تملك لمصطفى أفندي رئيس الكتاب، وختم آخر يظهر رقمها في المكتبة السليمانية، بتركيا.

стр. 111

كتب عنوان الكتاب على غلاف المخطوطة، وهو وجه الورقة الأولى: «منار الإسلام في الحديث»، وصرح المصنف باسمه في مقدمته، فقال: «وسميته: منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام» (١)، وقد ذكرت في المبحث الأول من هذا الفصل، أن هذا هو الاسم المعروف والمشهور لهذا الكتاب، وهو ما أثبته. وهي نسخة كاملة، عدد صفحاتها (٣١١) ورقة، في كل ورقة وجهان، وعدد الأسطر في كل وجه خمسة وعشرون سطرا، وفي كل سطر نحو سبع عشرة كلمة، كتبت بخط شرقي واضح وجميل من أولها إلى آخرها، ضبط بعض ما يشكل منها بالشكل، كما ضبطت بعض الأسماء أيضا بالشكل، وناسخها كاتب واحد، وهو محمد بن أبي محمد الحنبلي (٢)، وقد أشار في خاتمتها إلى أنه نقلها من خط مؤلفها، ميزت فيها أسماء الكتب والأبواب بحرف غامق كبير، كما ميزت الكلمة الأولى من بداية كل حديث بحرف غامق هو أكبر من المعتاد في النسخ لإبراز الحديث الجديد. وإذا انتهى الكلام على حديث معين أو فقرة ما، وبقي في السطر الأخير منها فراغ يكفي لكلمة واحدة، فأحيانا لا يبدأ الناسخ الفقرة التي تليها بعدها مباشرة، إنما يضع في هذا الفراغ دائرة صغيرة وسطها نقطة، على هذا النحو (O)، إشارة منه إلى انتهاء الكلام على الحديث، أو نهاية الفقرة، ويبدأ الفقرة التي تليها بسطر جديد، أو أنها علامة على انتهاء المقابلة. وإذا ورد في النص كلمة أو جملة قد يظن أن خطأ وقع فيها، فيضع الناسخ فوقها كلمة: (صح)، تنبيها للقارئ أن المذكور صحيح، مثل أن يذكر حديثا، فيقول فيه: (روي مرفوعا وموقوفا)، فيضع كلمة (صح) بينهما، للإشارة إلى صحة ما ذكر، أنه روي مرفوعا وموقوفا، ومن ذلك إذا تكرر ذكر كلمتين متشابهتين، فيضع فوقهما كلمة (صح)، لبيان صواب ذكرهما، ونحو ذلك، وأحيانا يكرر الناسخ وضع الحرف _________ (١) منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام، وينظر ما يأتي (ص ١٣١). (٢) محمد بن أبي محمد الحنبلي، أخو عبد الجليل، قدم القاهرة، ودرس بمدرسة السلطان حسن، واشتهر بالفضل، ثم أضر بآخرة، ومات في شعبان سنة (٧٧٧ هـ). إنباء الغمر بأبناء العمر (١/ ١٢٥).

стр. 112

(م) فوق كلمتين متتاليتين إشارة منه إلى أنهما مقلوبتان، فتقدم الثانية وتؤخر الأولى. وقد اختصَرَ الناسخ فيها بعض الجمل أو الكلمات، مثل جملة: ﷺ كتبها مختصرة على هذا النحو: (صلى الله علم)، وكلمة: (الحديث) التي يذكرها المصنِّفُ في نهاية متون الأحاديث التي يختصرها، إشارةً منه إلى أنه ذكر الحديث مختصرًا، اختصرها الناسخ فذكر بدلًا منها في نهاية متن الحديث الحرف (ح) (١)، كما اختصر بعض أدوات التحمّل والأداء، مثل: (حدثنا) اختصرها إلى: (ثنا)، و (حدثني) إلى: (ثني)، و (أخبرنا) إلى: (أبنا)، ونحوها من الاختصارات. كما ضرب ناسخها على بعض الكلمات المتكررة سهوًا أو الخاطئة، ويذكر الصواب عقبها مباشرة إن كان له متسع، وإن لم يكن له متسع؛ فيكتبه أحيانًا بحرف صغير فوق الكلمة التي ضرب عليها، ويضع بعده كلمة (صح)، وأحيانًا يذكر بعض الاستدراكات أو التصويبات على هامش النسخة الخطية من جهة اليمين أو الشمال، ويكتب بجانبها كلمة (صح) أو يقول قبله: (صوابه)، ويشير إلى مكان استدراكها في النص بسهم معقوف إلى جهة الهامش الذي كتب فيه الاستدراك أو التصويب، على هذا النحو: ()، ويجعله مرتفعًا فوق السطر قليلا. وهذا كله يدلّ على مقابلة النسخة الخطية، والعناية بها بعد نسخها، إلا أنها نسخة عارية من أي سماعات عليها. ويظهر أن ناسخها مع دقته في النسخ ليس له معرفة واسعة بعلوم الحديث، وأسماء الرواة، والألفاظ الغريبة في الأحاديث وغيرها، إنما معرفته بذلك محدودة، وذلك أن هذه النسخة قليلة السقط، لكنها حوت جملة من الأخطاء أو التصحيفات في أسماء الرواة أو ألفاظ الحديث. وهي وإن كانت نسخة وحيدة للكتاب، فهي سليمة من الحُرْم أو البياض، أو التآكل في أوراقها، إلا ما وقع في آخر ستة ألواح منها، حيث وقع بياض في رأس كل ورقة منها، نحو نصف سطر إلى سطر ونصف. _________ (١) وهو غير حرف (ح) الذي اعتاد المحدثون وضعه وسط الإسناد للإشارة إلى تحويل فيه.

стр. 113

المطلب الثاني نماذج من النسخة الخطية المعتمدة في التحقيق فيما يأتي نماذج من النسخة الخطية، تظهر غلافها، والصفحة الأولى منها، وفيها مقدمة المؤلف، والصفحة الثانية التي صرّح المصنف فيها باسم كتابه: منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام، والصفحة الأخيرة، وفيها خاتمة المؤلف، وما ختم الناسخ به هذه النسخة.

стр. 114

[مقدمة المؤلف] (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اللَّهُمَّ ربّ يسر يا كريم بمنك ومعونتك ولطفك الحمد لله رب العالمين، وصلواتُه على سيّدنا سيّد البشر محمّد وآله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله جل وعزَّ لما يسر عليَّ مطالعة كتاب «الوَهَم والإيهام»، للحافظ أبي الحسن ابن القطان ﵀، ونور ضريحه، وأسكنه بَحْبُوحة جنّته، رأيته كتابًا جم الفوائد لِمُطالعه، ويحتاج المحدّث والفقيه إلى مُودَعِه (٢)، استَحسَنتُه جدًّا، وأحمدته (٣) سعيًا وكدًّا، غير أنه كتاب نَظَر لا كتاب كشف يُعثر على فوائده من غير علم بالمظنة، ولا يقتبس فوائده من كان ذا مُنَّة (٤) إلا بعد كشفه جل الكتاب، وذلك يتعذر على أكثر الطلاب، فلذلك أضحى مُجانَبًا وإن عَظُمت فيه الرغبات، مُقصَيًا وإن كثرت إليه الحاجات، وذلك أن مؤلفه ﵀ رتبه على العلل لا على المسانيد، وذلك يوجب أن يذكر حديثًا في الطهارة بجوار آخر في العتق، وحديثًا في الفرائض بجوار آخر في الصوم؛ لاشتراكهما في علَّةٍ بوب عليها أبو الحسن بابا، فيحتاج

стр. 115

الناظر أولا أن يعرف تلك العلة ليكشف الحديث المطلوب من بابها، ومن عرف عِلَّةَ حديث فلا حاجة به إلى كشفه ثُمَّ. فاستخرت الله جلَّ وعزَّ ورتبته على رتبة كتب الأحكام، ولم أُدخل فيه ما ليس منه، ولم أخرج منه إلا ما دعت الضرورة إلى إخراجه لتكرره، كذكره حديثًا في مواضع عديدة لأمر أدّى إلى ذلك، كحديث أنس من عند الترمذي (١)، قال رسول الله ﷺ : «الدعاء بين الأذان والإقامة لا يُردّ»، ذكره في باب أحاديث حسنها الإمام أبو محمد عبد الحق وهي ضعيفة (٢)، لأنه من رواية العَمِّي (٣)، ثم أعاد ذكره في باب أحاديث أسانيدها جيدة، من غير طريق العَمِّي (٤)، ثم أعاد ذكره في باب الزيادات في الأحاديث (٥)، وذلك أنهم قالوا: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: «سَلُوا الله العافية» (٦)، إلى غير ذلك مما يكثر تعداده، فإني أذكره في موضع واحد، لم أحذف منه إلا تعريفه به في كل باب، وتنبيهه على ذكره حديثًا إن كان تقدم أو سيأتي، كقوله: «وقد نبهنا على هذا الحديث في الباب الفلاني» (٧). وإذا ذكر أبو الحسن رجلًا تناقض نَظَرُ أبي محمد فيه، كابن إسحاق (٨) مثلا،

стр. 116

صحَّحَ أحاديثه في مواضع، وحسَّنها في مواضع، وضعَّفها في مواضع، وسكت عنها في مواضع، فإنه يذكره أوّلًا بجميع أحاديثه التي تناقض أبو محمد فيها، ويبيّن صواب ذلك من خطئه، ثم يعيد ذلك بعينه إذا مرّ له حديث يناسب ما بوَّب، فإني أذكر أحاديث ذلك الشخص عند ذكره إياه مُجمَلًا، ولم أعد ذكره مفصلًا إلا إذا زاد أبو الحسن في بيان ذلك، أعدت ذكره في بابه مفصلًا لتكمل الفائدة به، وإن كنت قد ذكرته مُجمَلًا مُختصرًا. وأما خطبة الكتاب، فإني ذكرتها بكمالها إلا موضع ذكر الترتيب، فإني حذفت ذلك. وأما الباب الذي ذكر فيه أبو الحسن أمورًا جُمَليَّةً من أحوال رجال يجب اعتبارها، فإني ذكرته آخر الكتاب عند ذكر باب المصنّفين الذين خرج أبو محمد عنهم الأحاديث أو غيرها. وإذا ذكرنا بابًا وذكر في أوّله ضابطًا لِمَا يأتي ذكره في ذلك الباب أو غيره، فإني أذكره عند ذكري أوَّل حديث من ذلك الباب. وأما الباب الذي عقده آخرًا كالفهرست لأحاديث الكتاب، فإني حذفته بجملته للاستغناء عنه، فمجموع ما حذف منه على ما ذكرناه لا يقارب ربع الكتاب بل أقل، وذلك لعدم حاجتنا إلى إبقاء ذلك، وضرورته إلى إبقائه، لاختلاف المقصد منه. وأما غير هذا فإني لم أُخلّ منه بحرف واحد إلا ما في جِبِلَّة البشر من سهو أو نسيان، وسمَّيته: «منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام». ولو تقدَّمني أحد في ترتيبه على ما شرطته، لكفاني مؤنة الدُّلب (١)، وصعوبة الطلب. والله أسأل أن يجعله خالصًا لوجهه، موجبًا للقرب لديه، إنه حسبي ونعم الوكيل. وهذا حين الشروع:

стр. 117

[مقدمة الحافظ ابن القطان الفاسي] (١) قال الشيخ الإمام، العالم، الأوحد، الحافظ، الفقيه، المتقن، المتفنن، أبو الحسن علي بن محمد: الحمد لله كما يحق له ويجب، والصَّلاة والتسليم على محمد نبيه المصطفى المنتخب. وبعد: فإن أبا محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي، ثم الإشبيلي رحمة الله عليه، قد خلد في كتابه الذي جمع فيه أحاديث أحكام أفعال المكلفين علما نافعًا، وأجرًا قائما، زكا به عمله، ونجح فيه سعيه، وظهر عليه ما صلح فيه من نيته وطويته، فلذلك شاع الكتاب المذكور وانتشر، وتُلقي بالقبول، وحق له ذلك، لجودة تصنيفه، وبراعة تأليفه واقتصاده، وجودة اختياره، فلقد أحسَنَ فيهِ ما شاء، وأبدع فوق ما أراد، وأربى على الغاية وزاد، ودلّ منه على حفظ وإتقان، وعلم، وفهم، واطلاع، واتساع، فلذلك لا تجد أحدًا ينتمي إلى نوع من أنواع العلوم الشرعية، إِلَّا والكتاب المذكور عنده، أو نفسه متعلقة به. وقد حذَّاهُم (٢) حُسْنُ تأليفه إلى الإكباب عليه وإيثاره، وخاصةً مَنْ لا يشارك في طلبه بشيء من النظر في علم الحديث، من فقهاء، ومتكلمين، وأصوليين، فإنَّهم الذين قَنِعُوا به، ولم يبتغوا سواه، حتَّى لربما جرَّ عليهم جهالاتٍ ضَرَّتْهُم بها كما يقعُ غيرهم ممن ينظر في هذا العلم.

стр. 118

منها اعتقاد أحدهم أنه لو نظر في كتب الحديث نظر أهله، فرآها (١) وتفقد أسانيدها، وتعرَّف أحوال رواتها، فعلم بذلك الصحيح منها، وسقم السقيم، وحسن الحسن، فاته كثير ممّا احتوى عليه الكتاب المذكور من مشتت الأحاديث، التي لا يحتوي عليها إلا ما يتعذر على الأكثر من الناس جمعه. وهذا ممَّن اعتقده غلط، بل إتقان كتاب من كتب الحديث، وتعرفه كما يجب، يحصل له أكثر ممَّا يحصل له الكتاب المذكور من صناعة النقل؛ فإِنَّهُ ما من حديث يبحث عنه حق البحث، إِلَّا ويجتمع له من أطرافه، وضم ما في معناه إليه، والتنبه لما يعارضه في جميع ما يقتضيه أو بعضه، أو يُعاضده ومعرفة أحوال نَقَلَتِه وتواريخهم، على ما يفتح له في الألف من الأحاديث. وكذلك يَجُرُّ عليهم أيضًا اعتقاد أن ما ذكره من عند البخاري مثلا لا بد فيه من البخاري، وما علم أنه ربما يكون عند جميعهم، وما ذكره من عند أبي داود، ربما ليس هو عند الترمذي، أو النسائي، ولذلك ذكره من عند أبي داود وما علم أنه ربما لم يَخْلُ منه كتاب. وكذلك أَيضًا يَجُرُّ عليهم تحصيل الأحاديث مُشتّتة غاية التشتيت بحيثُ يتعرض للغلط في نسبتها إلى مواضعها بأدنى غيبة عنها، ولذلك ما ترى المشتغلين بيه، الآخذين أنفُسَهُم بِحِفْظِه، يَنْسِبُون إلى مسلم ما ليس عنده أو إلى غيره ما لم يذكره، وكذلك ربما شعر أحدُهُم بأَنَّهُ بذلك مدلس كتدليس مَنْ يروي ما لم يسمع عمن قد روى عنه، من حيثُ توهّم قوله: ذكر مسلم والبخاري (٢) كذا، أنه قد رأى ذلك في موضعه، ونقله من حيث ذكر، فيتَحَرَّج من ذلك أحدهم فيُحْوِجُه ذلك إلى أن يقول: ذكره عبد الحق، فيحصل من ذلك في مثل ما يحصل فيه من يذكر من النحو مسألةً في كتاب سيبويه (٣)، فيقول: ذكرها

стр. 119

المهدوي (١) في «التحصيل»، أو مَكِّيُّ (٢) في «الهداية»، أو يذكر مسألة من الفقه، هي في أُمَّهات كتبه، فينسبها إلى متأخري الناقلين منها، بخلاف ما يتحصل الأمر عليه في تفسير قارئ كتاب مسلم، أو أبي داود مثلًا، فإِنَّهُ يعلم الأبواب مرتبة مصنفة، وأطرافها من غيرها وما عليها من زيادات أو معارضات، أو معاضدات، مرتبة عليها في خاطره بحيثُ لا يختل (٣) ولا يتثبج (٤) إِلَّا في الندرة. والذي يحصل من علم صحة هذا الذي وصفناه للمزاول، أكثر وأبين مما وصفنا فيه، فالكتاب المذكور من حيثُ حسنه وكثرة ما فيه، قد جَرِّ الإعراض عن النظير الصحيح، والترتيب الأولى، من تحصيل الشيء من معدنه، وأخذه من حيثُ أَخْذِه هو وغيره، هذا على تقدير سلامته من اختلال نقل، أو إغفال، أو خطأ، في نظر أهل هذا الشأن. فأما والأمر على هذا، فقد يجب أن يكون نظر من يقرؤه وبحثه أكثر وأكبر من بحث من يقرأ أصلا من الأصول، لا كما يصنعه كثيرٌ ممَّن أَكَبَّ عليه ممن اعتمادهم على ما نقل، وتقليدهم إيَّاه فيما رأى وذهب إليه من تصحيح أو تسقيم. وقد يُعَمِّم بَعضُهم هذه القضيَّة في جميع نظر المحدث، ويقول: إنه كله تقليد،

стр. 120

وإن غاية ما ينتهي إليه الناظر بنَظَرِهم تقليد معدل أو مجرح، فهو كتقليد مصحح أو مضعف للحديث. وهذا ممن يقوله خطأ بل ينتهي الأمر بالمحدّث إلى ما هو الحق من قبول الرواية وردّ الرَّأي، فهو لا يقلّد مَنْ صحح ولا من ضعف، كما لا يقلّد من حلل ولا من حرَّم، فإِنَّها في العالمين (١) مسائل مجتهدة، لكنه يُقبل من رواية العدل الناقل له من أحوال من روى عنه الحديث، ما يحصل عند الثقة بنقله، أو عكس ذلك. ونقلهم لذلك إما مفصلًا وإِمَّا مجملا، بلفظ مصطلح عليه، كألفاظ التعديل والتجريح، فإنَّهم قد تواضعوا عليها بدلًا من التَّطوُّفِ على جزئيات الأحوال، وتأديتها على التفصيل. فكما كان يحصل لنا من نقل العدل إذا قال لنا: إِنّ فلانًا كَانَ وَرِعًا، حافظًا، ضابطا، فهما، عالمًا، أن فلانًا المذكور مقبول الرواية، مرجح جانب صِدْقِه على جانب كذبه، فكذلك يحصل لنا ذلك، إذا قال لفظًا من الألفاظ المصطلح عليها. ولبيان هذا المعنى وللانفصال عمَّا يُعْتَرض به عليه مواضعه. ولما كان الحال على ما وصفت من احتواء الكتاب المذكور على ما لا يُعْصَمُ منه أحدٌ، ولا سيّما من جَمَعَ جَمعَهُ، وأكثَرَ إكثاره، وكفى بالمرء نُبلًا أَنْ تُعَدَّ مَعايِبُه، تجردت لذكر المعثور عليه من ذلك، فذكرته مفيدًا بهِ ومُمثلًا لما لم أعثر عليه من نوعه، إذ الإحاطة متعذرة. وذلك محصور في أمرين: نقله ونظره، والحمد لله وحده.

стр. 121

١ - كتاب الإيمان (١) ١ - ذكر (٢) حديث عمر في صفة الإيمان والإسلام، وسؤال جبريل النبي ﷺ عن ذلك، وأغفل من أطرافه الصحيحة فيه المفسرة لما قصد بيانه ما ذكر الدارقطني من رواية يونس بن محمد المؤدب، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر عن عُمر؛ الحديث، وفيه: «الإسلام أَنْ تشهد أَنْ لا إِله إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول الله، وتقيمَ الصَّلاة وتؤتي الزَّكَاة، وتحج وتعتمر، وتغتسل من الجَنَابَة، وتتمَّ الوُضُوءَ، وتصومَ رَمَضَانَ» قال: فإِن فعلت هذا فأنا مسلم؟ قال: «نعم»، قال: صَدَقت، وفي آخره: «هَلْ تَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ هَذَا جِبْرِيلَ، أَتَاكُم يُعَلِّمُكُم دينكُمْ، فَخْذُوا عَنهُ، فوالذي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا شُبِّه عَليّ مُنْذُ أَتَانِي قبل مرَّتي هَذِهِ، وَلا (٣) عرفته حَتَّى ولى» (٤). قال الدارقطني: هذا إسناد ثابت صحيح، أخرجه مسلم بهذا الإسناد (٥). يعني أن مسلمًا أورد هذا الإسناد عاضدًا به، ولم يذكر متنه، ففيه كما ترى زيادة: «تعتمر، وتغتسل، وتتم الوضوء»، وما ذكر من أنه لم يعلم به حتّى ولى، وقوله: «خُذُوا عَنهُ».

стр. 122

واعلم أن الزيادات التي توجد في الأحاديث كثيرة جدا، ولكن ليس أكثرها من غَرَضِنَا في هذا الباب، فإن الزّيادة إذا كانت في معنى آخر، فكأنها حديث آخر، ونحن لم نتعرَّض لذكر ما تُرِك من الحديث في الأحكام التكليفية، فإن هذا لو تتبع لم يصلح؛ لكثرته أن يكون بابًا في كتاب، بل كتابًا قائما بنفسه. وإِنَّما المقصود في هذا الباب من الزيادة، ما يكون تفسيرًا لمجمل، أو تتميمًا لمعنى ناقص، أو مكملا له على وجه، وقد يكون ما نورده في ذلك زيادة في الحكم المقصود بيانه من رواية في ذلك الحديث، وقد يكون من غيره، ولم نذكر من ذلك إِلَّا ما هو صحيحٌ أو حسن، فأما الضعيف فكثير، لم نعرض له. ٢ - وقد ذكر أبو داود في سننه (١) حديثًا صحيحًا أيضًا، من رواية عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عن سليمان بن بُرَيْدَةَ، عن يحيى بن يَعْمَرَ، عن ابن عُمر، عن عُمر في هذا الحديث: «والاغتسالُ من الجَنَابَةِ». ٣ - وذكر أبو داود الطيالسي في مسنده (٢)، من رواية مَطَر الوراق، عن عبد الله بن بُرَيْدَةَ، عن يحيى بن يَعْمَرَ في هذا الحديث: ما الإيمان؟ قال: «تؤمن بِالله وَمَلائِكَته وكتبه وَرُسُله، والبعث بعد المَوْت، وَالجَنَّة وَالنَّار، وتؤمن بالقدر خيره وشره»، قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال: «نعم». ومَطَر صالح الحديث (٣)، يُشبه في سُوءِ الحفظ بابن أبي ليلى (٤).

стр. 123

وقد أورد أبو محمد رواية مطرٍ: «وَإِنْ لم يُنْزِلْ» (١) مصححا لها، غير معترض عليها. ٤ - وقد أخرج مسلم روايته لهذا الحديث مستشهدًا بها، ولم يذكر لفظها (٢). وفي هذا الحديث، الذي أورد من كتاب مسلم: «فَلَبِثت مَلِيًّا»، وهو لفظ أورده مسلم عن عبيد الله بن معاذ العنبري، عن أبيه، عن كَهْمَس (٣)، عن ابن بُرَيْدَةَ (٤)، عن يحيى بن يَعْمَرَ (٥). والخلاف فيه بين مسلم وأبي داود، وذلك أن أبا داود رواه عن عبيد الله بن معاذ المذكور، فقال بدلا من: (مليا): (ثلاثا) (٦). وذكره النسائي (٧) من رواية النضر بن شُمَيْلٍ، وهو أحد الأثبات، عن كَهْمَسٍ كذلك.

стр. 124

فاحتمل أن يكون تصحيفًا لمَلِيًّا، فإِذا الترمذي قد ذكره من رواية وكيع (١)، عن كَهْمَسٍ، فقال فيه: فلقيني النبي ﷺ بعد ذلك بثلاث، وقال: «أتدري من الرجل؟» (٢). فثبت أنَّها لفظة مصحفة من «مليا» (٣)، وإن لم تكن مصحفة؛ فثلاث تفسير للملي وتقدير له، والله تعالى أعلم. ٥ - وذكر (٤) حديث ابن عباس في بعث معاذ إلى اليمن، قال فيه: «صَدَقَة تُؤْخَذ من أغنيائهم فَتُردُّ في فقرائهم». وهي رواية زكريا بن إسحاق، عن [يحيى بن عبد الله] (٥) بن صَيْفِي، عن أبي مَعْبَد (٦)، عن ابن عباس (٧).

стр. 125

٦ - (١) وترك في كتاب مسلم الذي منه أخرجه، رواية إسماعيل بن أُمية وهو ثقة، عن يحيى بن عبد الله بن صَيْفِي المذكور، وفيها: «زَكَاة تُؤْخَذ من أَمْوَالهم فترد على فقرائهم» (٢). وذكر الأموال هكذا بعموم، زيادة على الأول، يمكن أن يعتمده من يوجب الزكاة في الأموال عموما. ٧ - (٣) وذكر أيضًا من عند مسلم (٤)، حديث سعد: أعط فلانًا فإِنَّهُ مؤمن، فقال: «أو مُسلم». ٨ - (٥) وترك ما ذكر النسائي صحيحًا، من رواية عمرو بن منصور، حدثنا

стр. 126

هشام بن عبد الملك، حدثنا سلام بن أبي مطيع، سمعت معمرًا (١)، عن الزهري (٢)، عن عامر بن سعد، عن أبيه، فذكر الحديث وفيه: «لا تقل مُؤمن، قل: مُسلم» (٣). ففي هذا النهي عن القطع على غَيْبِ الرَّجل، والإحالة على أفعاله الظاهرة. ولم يكن (٤) في الأول إلا تخطئته في قوله عنه: إنه مؤمن، أو بطريق الاحتمال من غير نهي، فأما هذا فنهاه. ٩ - وذكر (٥) من طريق مسلم أيضًا، حديث طلحة بن عبيد الله، وفيه: «والله لا أزيد على هَذَا وَلا أَنْقُصُ مِنْهُ» (٦). ١٠ - (٧) وترك من البخاري؛ رواية إسماعيل بن جعفر، وهو أحد الأثبات (٨)، قال فيه: «والله لا أتطوع شَيْئًا» (٩). ولم يكن الأول ناصا على امتناعه من التطوع، بل كان يحتمل أن يكون معناه:

стр. 127

لا أزيد على هذا ولا أنقص؛ أي: أبلغه كما سمعته، من غير زيادة ولا نقصان (١). ١١ - وذكر (٢) من عند البخاري حديث أنس، عن النبي ﷺ : «لا يُؤمن أحدكم حَتَّى يحب لأَخِيهِ مَا يحب لِنَفْسِهِ» (٣). وترك فيه زيادة: «من الخَيْر»، ذكرها ابن أبي شيبة (٤): حدثنا أبو أسامة، عن حسين المعلم، عن قتادة، عن أنس فذكره. وذكره أيضًا النسائي (٥). ١٢ - وذكر (٦) من عند الترمذي، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : «الإيمَانُ بِضْعُ وَسَبْعُونَ بَابًا، فَأَدْناها إمَاطَةُ الأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ، وأَرْفَعُها قَولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (٧). وهو من مصححات الترمذي، وإن كان من رواية ابن عجلان (٨)، ولا عيب

стр. 128

فيه، بل هو أحد الثقات، إلّا أنّه سَوَّى أحاديث المُقْبَرِيَّ (١). والمقصود الآن، التنبيه على الزيادة فيه، وهي: «والحياء شُعْبَة من الإيمان»، ذكرها مسلم (٢)، ولا يسوغ له تركها، وهي من شرح خِلال الإيمان، التي هي مقصودة في كتاب الإيمان.

стр. 129

وذكرها أيضًا البخاري (١). والمستغربُ إِنَّما هو وجود الحديث المذكور دونها، وقد كنت ظننت أنه تركها إلى أبواب الآداب (٢)، حيث ذكر الأحاديث في الحياء (٣)، فإذا به لم يَذْكُرْهُ (٤). ١٣ - (٥) وكذلك لم يذكر في أن «الحياء من الإيمان»، حديث ابن عمر، في الرجل الواعظ أخاه في الحياء، وهو أيضًا صحيح، أخرجه البخاري (٦)، ومسلم (٧). ١٤ - وذكر (٨) أيضًا من عند مسلم حديث أبي هريرة: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أحدكم فَيَقُول: من خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُول لَهُ: [مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟] (٩) فَإِذا بلغ ذلك فليستعذ بالله وَلْيَنْتَهِ» (١٠).

стр. 130

ذكر (١) هذا ولم يذكر من رواية أبي هريرة أيضًا صحيحًا من عند مسلم: «فَمن وجد من ذلك شَيْئًا فَلْيقل: آمنت بالله» (٢) ١٥ - وذكر (٣) أيضًا حديث أبي هريرة: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» الحديث مرفوعًا، وفيه: «وَلَا ينتهب نُهبةً (٤) ذَات شَرَفٍ (٥) يرفعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُم حِين يَنْتَهِبُها وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (٦). كذا ذكره (٧). وهذا اللفظ إِنَّما هو مرفوع عند غير مسلم (٨)، فأما عند مسلم فمشكوك في رفعه (٩)، ولا يتبين لك هذا إلا بسرد الواقع عنده بنصه.

стр. 131

قال مسلم: نا حرملة بن يحيى، نا ابن وهب (١)، أنبأ يونس (٢)، عن ابن شهاب، سمعت أبا سلمة (٣) وسعيد بن المسيب يقولان: قال أبو هريرة: إن رسول الله ﷺ قال: «لا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن، ولا يسرق السَّارِق حين يسرق وَهُوَ مُؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربهَا وَهُوَ مُؤمن»، قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، أن أبا بكر كان يحدثهم هؤلاء عن أبي هريرة، ثمَّ يقول: وكان أبو هريرة يُلحِقُ معهنَّ: «وَلا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُم حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (٤). هذا نص ما أورد، وهو يحتمل أن يكون معناه: يلحق ذلك في الحديث عن النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون معناه: يلحق ذلك من عنده، وهو الأظهر. فإِنَّهُ لو حدث به في نفس الحديث لأبي بكر بن عبد الرحمن لقال ابن شهاب: كان أبو بكر يحدث به، عن أبي هريرة هكذا، فيذكر المتن كله، ولم يقل: هكذا، وإِنَّما قال: كان أبو بكر يميّز لهم عن أبي هريرة ما كان يلحقه بعد الفراغ مما سمع، ولو كان ملحق الزيادة غير أبي هريرة، أمكن أن يقال: حدث به ابن شهاب دون الزيادة، ثم ذكر ما كان يزيده أبو بكر عن فلان، فأما والراوي (٥) هو أبو هريرة، فالأظهر ما قلناه، وإذا كان اللفظ محتملا لم يكن للناقل رفض الاحتمال وتأديته نصا.

стр. 132

والمتن الذي ذكر أبو محمد إنما هو ملفق من روايات، لفظها كلها في مسلم (١) ليس من رواية واحدة، وله أن يفعل ذلك؛ إذ الراوي واحد، إلا أنه كان عليه التحرز في هذه. ثم كل ما أتبع مسلم هذا الإسناد الذي ذكرناه من الأسانيد المركبة على المرادفة بعده (٢)، مبنية على محتمل ما احتمل، فإنه إنما يقول بمثله أو نحوه، فبقي الأمر كما كان. فالمتحصل هو أن ذكر (٣) النهبة ليس مرفوعا في كتاب مسلم، لا منعوتة بقوله: ذات شرف، ولا غير منعوتة، ولكنها عند غيره مرفوعة (٤).

стр. 133

قال أبو علي ابن السكن: حدثنا محمد بن زياد بن حبيب الحضرمي، حدثنا عيسى بن حماد زغبة، أنبأنا الليث، عن عقيل، [عن ابن شهاب] (١)، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يَزْنِي الزَّانِي حِينِ يَزْنِي وَهُوَ مؤمن، ولا يشرب الخمر شاربها حين يشربهَا وَهُوَ مُؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وَهُوَ مُؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع النَّاسِ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارهم حين ينتهبها وَهُوَ مُؤمن» (٢). فتبين بهذا أن رواية ابن شهاب، عن أبي بكر فيها ذكر (النهبة)، وعقيل حافظ ثقة (٣)، أردف مسلم رواية عقيل هذه إِلَّا أَنه قال فيه: فاقتص الحديث بمثله، مع ذكر

стр. 134

النهبة، ولم يقل: (ذات شرف)، فلم يكن في ذلك الرَّفعُ نَصا، لاحتمال أن يكون معنى قوله بمثله؛ أي: بمثل ما تقدم من احتمال الرفع والوقف (١). وبقي على لفظ: (ذات شرفٍ)؛ فإِنَّهُ إِنَّما [يوجد] (٢) مرفوعًا من رواية الزهري، عن سعيد وأبي سلمة وأبي بكر بن عبد الرحمن، من رواية الأوزاعي عنه، ذكره النسائي في كتاب الرَّجم (٣)، وفي القطع في السرقة (٤)، من رواية الليث، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، وهو صحيح من الطريقين (٥).

стр. 135

ووقع في هذا اللفظ خلاف ننبه عليهِ وإن لم يكن مما نحن فيه؛ لنفرغ من ذكره في موضع واحد، وذلك أن بعضهم رواه بالسِّين المهملة، وبه ذكره الحربي في «غربه» (١)، وعليه فسره، وأورده من رواية ابن أبي أوفى فقال: حدثنا مسدد (٢)، حدثنا يحيى (٣)، عن شعبة، عن فراس (٤)، عن مدرك بن عمارة، عن ابن أبي أوفى، يرفعه (٥)، ثم فسره بالسين؛ أي:: ذات قدر كبير ينكره الناس ويستشرفون له، كنهب الفساق في الفِتَنِ الحادثة، والمال العظيم القدر مما يستعظمه الناس، بخلاف التَّمْرَةِ (٦) والفلس مما لا خطر فيه. وقد كان أبو محمد محتاجًا في هذا المتن الَّذي لُفّق من طرق شتى إلى بيان

стр. 136

صنيعه لمن يقرؤه، كما قد فعل ذلك في حديث ذكره من عند مسلم، وليس عليه فيه نقد، وإنما نورده لبيان الوجه الأصوب في مثل هذا. ١٦ - وذلك أنه ذكر (١) في الجهاد في أحاديث الإمارة، عن وائل بن حجر، سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت إن كان (٢) علينا أمراء يسألوننا حقهم، ويمنعوننا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة، فجذبه الأشعث، فقال رسول الله ﷺ : «اسمعوا وَأَطِيعُوا، فَإِنَّمَا عَلَيْهِم مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُم مَا حُمِّلْتم» (٣). ثم قال (٤): ذكره في سندين عن وائل. انتهى كلامه. وهو صواب، ومعناه أَنْ مسلمًا أورد الحديث أولًا من رواية محمد بن جعفر غندر، عن شعبة، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل (٥) باللفظ المذكور، إِلَّا قوله: فجذبه الأشعث، فقال: «اسمعوا وَأَطِيعُوا» (٦)، بحيثُ يحتمل أن يكون ذلك من قول الأشعث، ويكون الضمير الذي في قال ضميره. ثم أورده من رواية شبابة (٧)، عن شعبة، عن سماك، فأحال على الأول، وقال

стр. 137

فيه: فجذبه الأشعث بن قيس، فقال رسول الله ﷺ : «اسمعوا وَأَطِيعُوا … » الحديث (١). فجاء اللفظ الذي أورد أبو محمد مبرزًا فيه الضمير من مجموع لفظي إسنادين، والله أعلم. ١٧ - وترك (٢) حديث ابن عباس، وفيه زيادة: «لا يقتل»، وهو صحيح. قال النسائي (٣): أنبأنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام، حدثنا إسحاق الأزرق (٤)، عن الفضيل بن غزوان، عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَزْنِي العَبْدُ حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشرب الخمر حين يشربُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» فقلت لابن عباس: كيف ينزع؟ فشبك أصابعه ثمَّ أخرجها (٥)، فقال: هكذا، فإذا تاب عاد إليه هكذا، وشبك أصابعه. وذكر البخاري في «الصحيح» (٦)، في كتاب المحاربين وأهل الكفر والردة (٧)،

стр. 138

في ترجمة إثم الزناة، وقول الله: ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (١)، قال البخاري: حدَّثنا محمد بن المثنى، حدثنا إسحاق بن يوسف، حدَّثنا الفضيل بن غزوان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال رسول الله ﷺ : «لَا يَزْنِي العَبْدُ حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ»، قال عكرمة: قلتُ لابن عباس: كيف ينزع الإيمان منه؟ قال: هكذا، وشبَّكَ بين أصابعه، ثمَّ أَخرجها، فإن تاب عاد إليه هكذا، وشبَّكَ بين أصابعه. ١٨ - وذكر (٢) من منتخب علي بن عبد العزيز (٣)، من رواية يحيى بن يمان، عن سفيان (٤)، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه قال: «من قَالَ: لا إِله إِلَّا الله لم يضره مَعهَا خَطِيئَة، كَمَا لَو أشرك بالله لم تَنْفَعَهُ مَعَهَا حَسَنَة». ثم قال (٥): هكذا قال يحيى بن اليمان، ويحيى لا يحتج بحديثه، وأكثر الناس [يضعفه] (٦)،

стр. 139

والصحيح ما رواه أبو نعيم (١)، عن سفيان، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، قال: جاء رجل أو شيخ، فنزل على مسروق، فقال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﷺ : «من كان لا يُشرك باللهِ شَيئاً» ثُمَّ ذَكَرَ مثله (٢). هكذا أورد هذا الحديث والكلام بعده، ولم نكتبه مستدركين عليه في شيء منه، لكن مبينين لمن يقرأ (٣) فساد ما يوهمه ظاهره من صحة اللفظ الثاني بقوله: والصحيح ما رواه أبو نعيم إلى آخره.

стр. 140

وهذا لم يُرد به صحة شيء من هذا الحديث، لا باللفظ الأول ولا بالثاني، وإِنَّما أَرادَ أَنَّ الصحيح عن سفيان أحد القولين، وهو قول أبي نعيم في إدخاله بين مسروق وعبد الله بن عمرو شيخا (١) مجهولا، لا قول يحيى بن يمان في جعله إِيَّاه عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، بغير واسطة. وإِنَّما أراد أن الصحيح في رواية هذا الحديث رواية من زاد فيه رجلًا مجهوللًا، فيكون به ضعيفًا (٢). وكان عليه أن يبين هذا المعنى بيانًا لا يُبقي لقارئه إشكالا، لا سيما وقد ظهر في الوجود أن أكثر من يقتصر على قراءة كتابه هذا وأشباهه من المختصرات

стр. 141

والمنتقيات عوام بالنسبة إلى علم النقل الحديثي، وما تجب العناية به من معرفة صحيحه من سقيمه، فاعلمه. وكلامه يقضي ظاهره بأنها صحيحة، وليست بصحيحة، ويمكن في كلامه التأويل، والله أعلم. ١٩ - وذكر (١) حديث أبي هريرة يَرْفَعُه، قال: «وَالَّذِي نفسي بِيَدِهِ، لَا يسمع بي أحَدُ من هَذِه الأمة، يَهُودِيّ أَوْ نَصْرَانِي … » الحديث من كتاب مسلم (٢)، ثم أردفه من كتاب عبد بن حمد (٣) رواية فيه (٤)، وهي: «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة وَلَا يَهُودِي وَلَا نَصْرَانِي». وهو حديث صحيح عند عبد (٥)، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة فذكره (٦). إلا أنه أبعد (٧) فيه النجعة، وأوهم قارئه أنه محتاج فيه إلى كتاب عبد بن حميد (٨). وابن أبي شيبة قد ذكر من حديث أبي موسى صحيحًا، ذلك المعنى بعينه، وكتابه عندنا أشهر وأكثر وجودًا.

стр. 142

٢٠ - قال ابن أبي شيبة (١): حدثنا عفان (٢)، حدثنا شعبة، حدثنا أبو بشر (٣)، سمعت سعيد بن جبير، يحدث عن أبي موسى، عن النبي ﵇ قَالَ: «مَنْ سَمِعَ بِي من أمتي، أَوْ يَهُودِيّ، أَوْ نَصْرَانِيّ، ثمَّ لم يُؤمن بي دخل النار». هذا حديث صحيح الإسناد فاعلمه (٤). واعلم أنه لو كان أبو محمد يذكر الأحاديث موصلة منه بأسانيدها، لم يلزمه أن يوردها إِلَّا من حيثُ (٥) اتصلت له، كما قد يسوق ابن عبد البر من طريق قاسم (٦)، أو ابن أيمن (٧)، أو غيرهما ما هو عند البخاري أو مسلم بإسناده موصلا،

стр. 143

فأما من اعتمد نسبة الأحاديث إلى مواضعها المشهورة كطريقته هو في كتابه هذا، فعليه الدَّرك في إيراده من موضع خامل إذا كان في أشهر منه، لا سيما مع ما صح في الوجود من أن هذه المختصرات، أكثر من يلجأ إليها ويعتمد قراءتها، إنَّما هو (١) مَنْ لا علم عنده بالحديث، وإن كان منهم (٢) من يطلب أنواعًا من العلم غيره. فإذا كان الأمر هكذا، فأول حاصل عند من يرى الحديث هنا منسوبًا إلى موضع، عدمه في غيره، والاحتياج فيه إلى من ذكره عنه، فيحصل من هذا مع أهل هذا الشأن في مثل ما يحصل فيه من ينسب مسألة من النحو إلى المهدوي (٣)، أو ابن النحاس (٤)، وهي في كتاب سيبويه. وفي الحقيقة ليس هذا بواجب، ولكنه مكمل، وإن اتفق أن يكون من أذكر الحديث عنه [الآن] (٥) غير مشهور عند من يُفرده (٦)، كالَّذي أخرجه أبو محمد من عنده في حقه، فليعد الفائدة فيه تكثير مواضعه وتبيين مواقعه، والله تعالى أعلم. ٢١ - وذكر (٧) من طريق أبي أحمد (٨) من حديث العلاء بن كثير، عن مكحول،

стр. 144

عن أبي ذر وعبادة بن الصامت، قالا: قال رسول الله ﷺ : «أَقِرُّوا بِالإِيمَانِ، وَتَسَمَّوْا به … » الحديث (١). ثم قال (٢): العلاء بن كثير منكر الحديث ضعيفه، ولا يصح سماع مكحول من عبادة، هذا ما ذكره به، وهو كما قال، ولكنه ترك أن يبين أنه من رواية أبي غانم الكاتب قال: حدثنا سليمان بن عمرو، سمعت العلاء بن كثير، فذكره (٣). وأبو غانم لا تُعرف حاله (٤)، وسليمان بن عمرو (٥) لا يُعرف، إِلَّا أَنْ يكون النخعي، فهو كذاب، والله تعالى أعلم. ٢٢ - وذكر (٦) من طريقه أيضًا (٧)، من حديث حجاج بن نصير، حدثنا المنذر بن زياد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، [قال:] (٨) سمعت عمر بن الخطاب

стр. 145

[يقول] (١): سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كَمَا لَا ينفع مَعَ الشَّرك شَيْء، كَذَلِكَ لَا يضر مَعَ الإِيمَان بِالله شَيْء». ثم قال (٢): حجاج بن نصير، ضعفه ابن معين والنَّسَوي. وقال فيه أبو حاتم والبخاري وابن المديني: متروك. ولفظ البخاري فيه: سكتوا عنه. وقال فيه ابن معين مرّة: «شيخ صدوق، ولكن أخذوا عليه أشياء من حديث شعبة» (٣). وذكر له أبو أحمد (٤) أحاديث، منها هذا، وذكر كلامه إلى آخره. فنقول في اعتنائه من هذا الإسناد بذكر ما قيل في حجاج، وحشر كلامهم فيه، يذهب بقارئ هذا الموضع إلى اعتقاد سلامةِ مَنْ [في] (٥) سائر القطعة، وأنه لا نظر في أحد منهم، ولم يتقدَّم له ذكر فيهم يكون بإبرازه إيَّاهم، محيلا على ما قد قدم فيهم، وذلك من فعله خطأ. والمنذر بن زياد هذا الَّذي يَرْويهِ عنهُ حجَّاجُ، هوَ أبو يحيى الطائي البصري، الراوي عن الوليد بن سريع. قال عمرو بن علي (٦): كانَ كذَّابًا، ينزل في منزل بني مجاشع يعني بالبصرة. ذكر قول الفلاس هذا أبو أحمد بن عدي (٧). وذكر عنه (٨) ابن أبي حاتم قال: سمعت المنذر بن زياد، وكان كذَّابًا.
следующие страницы →