← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 30141

منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام

علاء الدين مغلطاي

Полный текст (2 959 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والمنتقيات عوام بالنسبة إلى علم النقل الحديثي، وما تجب العناية به من معرفة صحيحه من سقيمه، فاعلمه. وكلامه يقضي ظاهره بأنها صحيحة، وليست بصحيحة، ويمكن في كلامه التأويل، والله أعلم. ١٩ - وذكر (١) حديث أبي هريرة يَرْفَعُه، قال: «وَالَّذِي نفسي بِيَدِهِ، لَا يسمع بي أحَدُ من هَذِه الأمة، يَهُودِيّ أَوْ نَصْرَانِي … » الحديث من كتاب مسلم (٢)، ثم أردفه من كتاب عبد بن حمد (٣) رواية فيه (٤)، وهي: «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة وَلَا يَهُودِي وَلَا نَصْرَانِي». وهو حديث صحيح عند عبد (٥)، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة فذكره (٦). إلا أنه أبعد (٧) فيه النجعة، وأوهم قارئه أنه محتاج فيه إلى كتاب عبد بن حميد (٨). وابن أبي شيبة قد ذكر من حديث أبي موسى صحيحًا، ذلك المعنى بعينه، وكتابه عندنا أشهر وأكثر وجودًا.

стр. 142

٢٠ - قال ابن أبي شيبة (١): حدثنا عفان (٢)، حدثنا شعبة، حدثنا أبو بشر (٣)، سمعت سعيد بن جبير، يحدث عن أبي موسى، عن النبي ﵇ قَالَ: «مَنْ سَمِعَ بِي من أمتي، أَوْ يَهُودِيّ، أَوْ نَصْرَانِيّ، ثمَّ لم يُؤمن بي دخل النار». هذا حديث صحيح الإسناد فاعلمه (٤). واعلم أنه لو كان أبو محمد يذكر الأحاديث موصلة منه بأسانيدها، لم يلزمه أن يوردها إِلَّا من حيثُ (٥) اتصلت له، كما قد يسوق ابن عبد البر من طريق قاسم (٦)، أو ابن أيمن (٧)، أو غيرهما ما هو عند البخاري أو مسلم بإسناده موصلا،

стр. 143

فأما من اعتمد نسبة الأحاديث إلى مواضعها المشهورة كطريقته هو في كتابه هذا، فعليه الدَّرك في إيراده من موضع خامل إذا كان في أشهر منه، لا سيما مع ما صح في الوجود من أن هذه المختصرات، أكثر من يلجأ إليها ويعتمد قراءتها، إنَّما هو (١) مَنْ لا علم عنده بالحديث، وإن كان منهم (٢) من يطلب أنواعًا من العلم غيره. فإذا كان الأمر هكذا، فأول حاصل عند من يرى الحديث هنا منسوبًا إلى موضع، عدمه في غيره، والاحتياج فيه إلى من ذكره عنه، فيحصل من هذا مع أهل هذا الشأن في مثل ما يحصل فيه من ينسب مسألة من النحو إلى المهدوي (٣)، أو ابن النحاس (٤)، وهي في كتاب سيبويه. وفي الحقيقة ليس هذا بواجب، ولكنه مكمل، وإن اتفق أن يكون من أذكر الحديث عنه [الآن] (٥) غير مشهور عند من يُفرده (٦)، كالَّذي أخرجه أبو محمد من عنده في حقه، فليعد الفائدة فيه تكثير مواضعه وتبيين مواقعه، والله تعالى أعلم. ٢١ - وذكر (٧) من طريق أبي أحمد (٨) من حديث العلاء بن كثير، عن مكحول،

стр. 144

عن أبي ذر وعبادة بن الصامت، قالا: قال رسول الله ﷺ : «أَقِرُّوا بِالإِيمَانِ، وَتَسَمَّوْا به … » الحديث (١). ثم قال (٢): العلاء بن كثير منكر الحديث ضعيفه، ولا يصح سماع مكحول من عبادة، هذا ما ذكره به، وهو كما قال، ولكنه ترك أن يبين أنه من رواية أبي غانم الكاتب قال: حدثنا سليمان بن عمرو، سمعت العلاء بن كثير، فذكره (٣). وأبو غانم لا تُعرف حاله (٤)، وسليمان بن عمرو (٥) لا يُعرف، إِلَّا أَنْ يكون النخعي، فهو كذاب، والله تعالى أعلم. ٢٢ - وذكر (٦) من طريقه أيضًا (٧)، من حديث حجاج بن نصير، حدثنا المنذر بن زياد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، [قال:] (٨) سمعت عمر بن الخطاب

стр. 145

[يقول] (١): سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كَمَا لَا ينفع مَعَ الشَّرك شَيْء، كَذَلِكَ لَا يضر مَعَ الإِيمَان بِالله شَيْء». ثم قال (٢): حجاج بن نصير، ضعفه ابن معين والنَّسَوي. وقال فيه أبو حاتم والبخاري وابن المديني: متروك. ولفظ البخاري فيه: سكتوا عنه. وقال فيه ابن معين مرّة: «شيخ صدوق، ولكن أخذوا عليه أشياء من حديث شعبة» (٣). وذكر له أبو أحمد (٤) أحاديث، منها هذا، وذكر كلامه إلى آخره. فنقول في اعتنائه من هذا الإسناد بذكر ما قيل في حجاج، وحشر كلامهم فيه، يذهب بقارئ هذا الموضع إلى اعتقاد سلامةِ مَنْ [في] (٥) سائر القطعة، وأنه لا نظر في أحد منهم، ولم يتقدَّم له ذكر فيهم يكون بإبرازه إيَّاهم، محيلا على ما قد قدم فيهم، وذلك من فعله خطأ. والمنذر بن زياد هذا الَّذي يَرْويهِ عنهُ حجَّاجُ، هوَ أبو يحيى الطائي البصري، الراوي عن الوليد بن سريع. قال عمرو بن علي (٦): كانَ كذَّابًا، ينزل في منزل بني مجاشع يعني بالبصرة. ذكر قول الفلاس هذا أبو أحمد بن عدي (٧). وذكر عنه (٨) ابن أبي حاتم قال: سمعت المنذر بن زياد، وكان كذَّابًا.

стр. 146

وإلى هذا، فإنّ دون حجاج مَنْ لا تُعرف حاله، وهو يعقوب بن سفيان (١)، فاعلم ذلك، والله تعالى أعلم. وقد قلنا: إنَّه أعذر في هذا من حيث أبرز ذِكْرَ من لم ينبه عليه، فذلك منه كالتَّبَرِّي من عُهدته، وإحالةٍ للمطَّلِع على ما أبرز من اسمه، ويعارض هذا ما فيه من مسالمته له، المؤكدة بقصده إلى غيره، المُوهِمَةِ أَنه لا نَظَر فيه. فمن ذلك ما يكون من ترك التنبيه عليه من القطع التي يَذْكُر، ضعيفًا، ومنه ما يكون مجهولا لا يُعرف. ومنهم من يكون قد قدم فيهم قولا، يكون هذا الإبراز هنا لاسمه إحالة على ما قدم فيه، ولكن لا يَعرِفُ ذلك مَنْ يقرأُ الموضع. ومنهم من لم يقدّم فيه شيئًا والدَّرك في هذا الْحَقُ له، والله أعلم.

стр. 147

٢ - كتاب العلم ٢٣ - ذكر (١) من طريق البزار (٢)، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد، قال: سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولان: قال رسول الله ﷺ : «إذا سمعتم الحديث تعرفه قلوبكم … » الحديث. ثم قال (٣) بإثره: عبد الملك بن سعيد ذكره أبو محمد بن أبي حاتم، ولم يذكر أحدا روى (٤) عنه إلا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، هذا نص ما ذكر من غير مزيد، فهو عنده مجهول الحال؛ وذلك أنه لم ير راويا عنه غير ربيعة، وقد أهمل من ذكر الجرح والتعديل وكل من لم يذكر فيهم ابن أبي حاتم الجرح والتعديل فهو عنده

стр. 148

مجهولو الأحوال، بيّن ذلك عن نفسه في أول كتابه (١)، وسواء كان من لم يذكر فيه الجرح أو التعديل ممن لم يرو عنهُ إلّا واحدٌ أو ممن قد روى عنه جماعة، ورأى أبو محمد (٢) أن من روى عنه جماعة يقبل، وعلى ذلك بنى نظره، وبه عمل في كتابه. فأما من لم يرو عنهُ إلّا واحد، ولم يعرف فيه جرح ولا تعديل، فهؤلاء لا يقبلهم، ولا يحتج بهم. وقد يعرف فيمن لم يرو عنهُ إلّا واحد أنه ثقة فيُقبل، أو أنه ضعيف فيُردّ، بحكم التضعيف. وقيل: أن يُسمع فيه التجريح يرد بحكم المجهول الحال. وقد يأتي بيان هذا كله، فهو إذًا قد اعتقد في عبد الملك بن سعيد هذا أنه مجهول الحال، وأول ما اعتراه فيه سوء النقل، وذلك بقلّة التَّثَبُّتِ، فإنَّه لو نظر، رأى في كتاب ابن أبي حاتم خلاف ما ذكر. وذلك أن ابن أبي حاتم، قد ذكر عن أبيه أنه روى عنه بكير بن عبد الله بن الأشج، وزاد هو من عنده أن ربيعة روى عنه، فوقع بَصر أبي محمد على قول ابن أبي حاتم: روى عنه ربيعة، فقال ما ذكر من أنه لم يرو عنه غير ربيعة بن أبي عبد الرحمن. ولا ينفعك أقل من الوقوف على نص كلام ابن أبي حاتم، وهذا هو: «عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري، [روى] (٣) عن: عباس بن سهل بن سعد، روى عنه: بكير بن عبد الله بن الأشج، سمعت أبي يقول ذلك. قال أبو محمد: وسمع من أبي حميد، وأبي أسيد الساعدي، وجابر بن عبد الله، روى عنه: ربيعة بن أبي عبد الرحمن» (٤).

стр. 149

هذا نص ما ذكر من غير مزيد، وقد تبين منه كيف اعتراه ما اعتراه من تغيير الموضع. وقد انتهينا إلى المقصود، وهو أن نبين أن الرجل المذكور ليس بالمجهول، لا أقول ذلك من أجل أنه قد روى عنه [بكير بن الأشج، وربيعة بن أبي عبد الرحمن] (١)، كما يُقنعه هو، ولكن لأَن النَّاسَ وثَقُوه وقبلوا روايته (٢) وعملوا بها. قال أحمد بن عبد الله بن صالح الكوفي (٣): عبد الملك بن سعيد بن سويد، مدني تابعي ثقة. وقال النسائي في التمييز: ليس به بأس (٤)، روى عنه بكير بن الأشج، ورواية بكير هذه هي التي أشار إليها أبو حاتم، والنسائي عنه، ليست هي لهذا الحديث. ٢٤ - وإِنَّما (٥) يروي عنه، عن جابر، حديث عمر: «هششت (٦) إِلَى امْرَأَتِي فَقَبَّلْتُهَا وَأَنا صَائِم» الحديث الذي قيل له: «أَرَأَيْت لَو تمضمضت» ذكره أبو داود (٧).

стр. 150

٢٥ - وقد (١) أخرج له مسلم ﵀ محتجاً به - حديثه عن أبي حميد وأبي أسيد في القول عند دخول المسجد، من رواية ربيعة عنه (٢)، وهذه هي رواية ربيعة الَّتِي أَشار إليها ابن أبي حاتم (٣). وقد زعم اللالكائي (٤) أن الدراوردي روى عنه، وهذا لا أعرفه، ولعلي أجدهُ بَعْدُ. وإِنَّما يروي الدراوردي عن ربيعة، عنه هذا الحديث، في القول عند دخول المسجد. ذكره كذلك أبو داود (٥).

стр. 151

٢٦ - وقد (١) ذكر أبو محمد حديثه هذا من عند أبي داود، من رواية الدراوردي، عن ربيعة عنه في القول عند دخول المسجد لزيادة فيه: «فليسلم على النبي ﵇، ثمَّ ليقل: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رحمتك» (٢). ولم يسقه (٣) من عند مسلم؛ لأن زيادة الأمر بالتسليم على النبي ﷺ ليست عنده. فهذا منه قُبول لرواية عبد الملك المذكور واحتجاج به. ٢٧ - وكذلك ذكر (٤) في الصّيام حديث: «أَرَأَيْت إنْ (٥) تمضمضت» من عند النسائي، وهو من رواية بكير بن عبد الله، عنه (٦). وسكت (٧) عنه، مصححًا له، فأينَ ردَّه من أجله حديثه المبدوء بذكره. وقوله: لم يرو عنه إلا ربيعة؛ هذه غفلة بينة، فاعلمه. ٢٨ - وذكر (٨) من طريق البزار (٩)، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ [قال:] (١٠) «من كذب عليّ مُتَعَمِّدًا ليُضِلَّ بِهِ … » الحديث. ثم قال (١١): هذه الزيادة «ليضل بِهِ»، هي من رواية (١٢) يونس بن بكير، عن

стр. 152

الأعمش، عن طلحة بن مصرف، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله، ولا تصح عن الأعمش. كذا قال من غير مزيد. وقد يتوهم من يقف على هذا الموضع ممن لا علم عنده بهذا الشأن، ضعف يونس بن بكير راويها، ولذلك قال: «لا تصح عن الأعمش»، ويونس بن بكير: أبو بكر الشيباني، كوفي، قال ابن معين: كان صدوقا. وقال أبو حاتم: محله الصدق. وقيل لأبي زرعة: أينكر عليه شيء؟ فقال: أما في الحديث فلا أعلمه (١). وقال أبو أحمد بن عدي: سمعت [أبا يعلى] (٢) يقول: كان ابن نمير مُطنِبًا (٣) في مدح يونس بن بكير، وقد أخرج له مسلم (٤). قال الكوفي: كان على المظالم لجعفر بن برمك، ضعيف الحديث (٥).

стр. 153

فإن كان أبو محمد اعتمد في تضعيف هذا الحديث تضعيف مَنْ ضَعَّف يونس، ممن لم يأتِ بحجة في تضعيفه إِيَّاه مع ما وصف به من الصدق وثنائهم عليه، فقد كان يجب أن يبين ذلك، وإن كان لم يضعف عنده إِلَّا مِنْ أَمرٍ آخر، فقد كان قد أوجَبَ داركه أيضًا (١) أَنْ يُعرِّف بهِ. والحديث المذكور أورده البزار هكذا: حدثنا عبد الله بن سعيد، حدثنا يونس بن بكير؛ فذكره بالإسناد المتقدم، ثم قال: وقد رواه غير يونس، عن الأعمش مرسلًا (٢). فاعتمده في تعليله، وهو قد يُعلّل الأحاديث بأن تُروى تارةً متصلةً، وتارة مرسلةً على ما قد تقدَّم بعضُ ذلك عنه، وسيأتي ما له منه بعد إن شاء الله تعالى. فإن كان هذا هو الذي رأى والذي من أجله ضعفه، فقد أخطأ؛ فَإِنَّ كلام البزار ليس فيه ترجيح لرواية مَنْ أرسله على رواية مَنْ أسنده، وإِنَّما أخبر أنه قد أُرسِلَ، وليسَ يَضُرُّ الحديث [تفنن] (٣) رواته في روايته بالوصل والإرسال، والرفع والوقف. ولما ذكر ابن عدي هذا الحديث قال: اختلفوا فيه على طلحة، فمنهم من أرسله، ومنهم من قال: عن عليّ بدل ابن مسعود، ويونس جود إسناده (٤). فهذا غاية ما يُمَسُّ به هذا الحديث: أنه اختلف فيه، وهو لا يضره. ولعلك ترى ما ذكر الدارقطني في «علله» من تعليل رواية عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله لهذا الحديث، فتظنه في حديثنا هذا، وليس كذلك. وإِنَّما هو في قوله: «من كذب عَليّ مُتَعَمدًا فَلْيَتَبَوَّا مَقْعَده من النار» دون الزيادة المذكورة، ولم يعرض لهذه الزيادة بوجه (٥)، والحديث دونها من غير ذلك الطريق،

стр. 154

ومن طرق شتى، صحيح لا شك فيه (١)، فاعلم ذلك. ٢٩ - وذكر (٢) ما هذا نصه: وممَّا رويته بالإسنادِ المتّصل إلى ابن عباس يرفعه: «إن الله تجاوز لي عَنْ أمتي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٣).

стр. 155

ثم قال (١): ذكرت إسناده في الكتاب الكبير (٢) وقد ذكره الأصيلي (٣) في «فوائده»، وابن المنذر في كتاب «الإقناع» (٤). هكذا قال، إلا أن الحديث في كتاب الدارقطني، وهو أكثر الناس نقلا منه.

стр. 156

قال الدَّارَقُطْنِيُّ: حدثنا أبو بكر النَّيْسَابُوري، وأبو محمد بن صاعد، وموسى بن جعفر بن قُرَيْن، وأحمد بن إبراهيم بن حبيب الزراد، وعبد الله بن أحمد بن إسحاق المصري، قالوا: حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا بشر بن [بكر] (١)، حدثنا الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: … الحديث (٢). [وهو في «المحلى» (٣) لابن حزم أيضًا، وهما (٤) يُكثران النقل منه أيضًا] (٥). ٣٠ - وذكر (٦) من طريق أبي (٧) داود (٨)، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلمًا … » الحديث.

стр. 157

ثم قال (١): ٣١ - (٢) خرج مسلم (٣) من أول هذا الحديث إلى قوله: «من طرق الجنة»، لم يزد على هذا. ورأيت في بعض النسخ: خرج مسلم، عن أبي هريرة، من أول هذا الحديث إلى قوله: «من طرق الجنة». وزيادة (عن أبي هريرة) صواب، يسلم به الحديث من خلل يعطيه الكلام دونها من الإرداف، لما هو من رواية أبي هريرة على ما هو من رواية أبي الدرداء (٤). والمقصود الآن بيانه: هو أن حديث أبي الدرداء هذا، سكت عنه متسامحا فيه، لأنه من رغائب الأعمال، فوجب بيان أمره، ليعلم أنه ليس من الصحاح. قال أبو داود (٥): حدثنا مسدد (٦)، حدثنا عبد الله بن داود، قال: سمعت

стр. 158

عاصم بن رجاء بن حيوة، يحدث عن داود بن جميل، عن كثير بن قيس، قال: «كنتُ جَالِسًا مع أبي الدَّرْدَاء، … » فذكر الحديث. داود بن جميل وكثير بن قيس، لا يُعلمان في غير هذا الحديث، ولا يُعلم روى عن كثير غير داود والوليد بن مرة (١)، ولا يعلم روى عن داود، غير عاصم بن رجاء (٢)، وقد نص البزار (٣) على ما قلناه من هذا. ولما ذكره الدَّارَقُطْني في «علله» (٤) قال: عاصم بن رجاء ومن فوقه إلى أبي الدَّرْدَاء ضعفاء، ولا يثبت. وقال أيضًا (٥): داود بن جميل مجهول. وزيادة إلى هذا اضطراب عاصم بن رجاء فيه، فعَنْهُ في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: قول عبد الله بن داود هذا الذي تقدم. وَالثَّانِي: قول أبي نعيم: عن عاصم بن رجاء، عمن حدثه عن كثير بن قيس. وَالثَّالِث: قول محمد بن يزيد الواسطي، عن عاصم، عن كثير بن قيس، لم يذكر بينهما أحدًا (٦).

стр. 159

وغير الدَّارَقُطْنيّ، يقول في عاصم بن رجاء: إِنَّه لا بأس به، قاله أبو زُرْعَةَ (١). والمتحصل من علة الخبر، هو الجهل بحال راويين من رواته، والاضطراب فيه ممن لم تثبت عدالته. واعلم أن مؤاخذته في هذا الباب إِنَّما هي على مصطلحه الذي أخبر به في أول كتابه حيث قال: إن الحديث إذا لم تكن فيه علّة، كان سكوته عنه دليلا على صحته، وإِنَّهُ إِنَّما يعلّل الحديث إِذا كان فيهِ أَمرٌ، أو نهي، أو يتعلق به حكم، وأما ما سوى ذلك فربما كان في بعضها سَمْحٌ. قال: وليس منها شيء عن متفق على تركه. قال: وليس فيها من هذا النوع إلا قليل (٢). فأقول - وبالله التوفيق -: إن الأحاديث التي سكت عنها: منها: ما ذكرها بأسانيدها، أو بقطع من أسانيدها، وهذا سيأتي بعد. ومنها: ما ذَكَرَها مُقتصِرًا من أسانيدها على الصحابي الذي يروي الحديث؛ فهذا القِسْمُ هو الذي يُعتمد في هذا الباب بيانُ ما سَكَتَ عنه مما ليس صحيحًا إن شاء الله تعالى (٣). وذلك أن ما سكت عنه من الأحاديث المذكورة هكذا بغير أسانيد ولا قطع منها. منها: ما هو صحيح لا شك في صحته، وهو الأكثر. ومنها: ما ليس بصحيح؛ بل إِمَّا حَسَنٌ، وإِمَّا ضعيفٌ، سَكت عن جميعها سكوتا واحدًا، وهكذا الأمر فيما هو منها؛ مما لا يُحكم فيه لفعل مكلّف، مما هو من قبيل الترغيب والإخبار عن ثواب الأعمال.

стр. 160

ويزداد في هذا النوع أَمرٌ آخَرُ: وهوَ أَنه قد يُعتقد في أحاديث أَنَّها لا تعلق لها بالأمر والنهي، وهي في نظر غيره ليست كذلك، وقد كان كافيًا في الرغبة عن عمله أن يكون هذا القسم لا يحصل منه في خاطِر مَنْ يقرؤه في كتابه شيء يعتقد صحته، بل كل ما يراه منه يظنّ بهِ أَنه مما سمح فيه، وربما يكون صحيحًا لا شك فيه، أو يظن به أنه صحيح، وهو ممَّا سَمَح فيه، أو مما اعتقد صحته، مخطئا في ذلك، كما اتفق له في أحاديث الأحكام، فإنَّك سترى له من أحاديث الأحكام أحاديث ليست بصحيحة، قد سكت عنها، وهي إِمَّا حسنة، وإِمَّا ضعيفة. وهذا الذي عمل به في هذا النوع، هو مما يجب التوقف عنه، فإن القذف بالأحاديث الضعيفة دون أسانيدها لا يجوز عمله، وإِنَّما تَسامَحَ النَّاس فيما هوَ حَثٌ وتحريض أن يكتبوه بأسانيده ويُبيِّنُوا عِلَلَه. ودون هذا أن يُكتب بأسانيده، ثمَّ لا تُبيَّن عِلَله، اتكالا على ما أظهر من مواضع علله بذكر أسانيده، أو مواضع النظر منها. ودُونَ هذا أَنْ يُكتَبَ دُون أسانيده، فهذا [يتقرَّرُ] (١) على وجهين: أحدهما: أن يكتب أحاديث في الترغيب، يبين في أولها أنه تسامح فيها، لأنَّهُ حَثٌ وترغيب. وَالثَّانِي: أن يكتبها كذلك مختلطة بما هو - من هذا النوع - صحيح لا شك فيه أَوْ حَسَنٌ، ثمَّ لا يميّز بين الأصناف الثلاثة، فهذا أصعبها وأقبحها، وهو عمل أبي محمد، فإنَّك لا تدري ممَّا في كتابه من هذا النوع، ما هو صحيح، مما هو ضعيف، مما هو حسن. ونعني بالحَسَنِ: ما له من الحديث منزلة بين منزلتي الصحيح والضعيف، ويكون الحديث حسنا [هكذا] (٢). إما بأن يكون أحد رواته مختلفًا فيه؛ وثَّقه قوم وضعفه آخرون، ولا يكون ما ضُعَفَ بِهِ جَرْحًا مُفسَّرًا، فإِنَّهُ إِنْ كانَ مفسّرًا، قُدّم على توثيق مَنْ وثَّقه، فصارَ بهِ الحديث ضعيفًا.

стр. 161

وإِمَّا بأنْ يكونَ أحدُ رُواتِهِ؛ إِمَّا مَسْتُورًا وإمَّا مَجْهُولَ الحالِ. ولنُبَيِّنْ هذين القِسمين: فأما المستور: فهو مَنْ لم تثبتْ عَدالَتُهُ لدَيْنَا مِمَّنْ قدْ روى عنه اثنان فأكثر، فإنَّ هذا يختلف في قبول روايته من لا يرى رواية الراوي العدل عن الراوي تعديلًا له. فطائفة منهم يقبلون روايته، هؤلاء هم الذين لا يبتغون على الإسلام مزيدًا في حق الشَّاهِدِ والراوي، بل يَقْنَعُون بمجرد الإسلام معَ السَّلامة عن فِسْقٍ ظاهر، ويتحققون إسلامه برواية عدلين عنه، إذ لم يُعهد أحد ممَّنْ يتدين يروي الدِّينَ إِلَّا عن مسلم. وطائفة يردُّون روايته، وهؤلاء هم الذين يبتغون وراء الإسلام مزيدًا، وهو عدالة الشَّاهِد أو الرَّاوِي، وهذا كله بناء على أن رواية الراوي عن الراوي ليست تعديلًا [له] (١)، فأما من يراها تعديلًا له فإِنَّهُ يكون بقبول روايته أحرى وأولى، ما لم تثبت جرحته (٢). والحقُّ في هذا أنه لا تقبل روايته، ولو روى عنه جماعة، ما لم تثبت عدالته، ومن يُذكر في كتب الرِّجَال برواية أكثر من واحد عنه، مُهملا من الجرح والتعديل، فهو غير معروف الحال عند ذاكره بذلك، وربما وقع التصريح بذلك في بعضهم. وسيأتي منه إن شاء الله: ٣٢ - حديث (٣) «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» (٤). فإنَّ أبا حاتم قال في رواية موسى بن هلال البصريّ: إِنَّهُ مجهول (٥)، وذلك بعد أن ذكر رواية جماعة [عنه] (٦).

стр. 162

٣٣ - وكذلك (١) عبد الله بن أبي سفيان راوي حديث: «حمى (٢) حول المَدِينَة بريدًا (٣) من كل ناحية» (٤). قال أبو حاتم: لا أعرفه، بعد أن ذكر رواية زيد بن الحباب وأبي عامر العقدي عنه (٥).

стр. 163

٣٤ - وكذلك (١) زياد بن جارية الذي يروي عن حبيب بن مسلمة حديث التنفيل (٢). قال فيه (٣): مجهول، وهو قد ذكر رواية جماعة عنه. وكذلك أبو مرحوم عبد الرَّحيم بن كَرْدَم بن أرْطَبان، ابن عم ابن عون (٤)، ذكره أبو حاتم برواية جماعة عنه، منهم أبو عامر العقدي، وأبو أسامة (٥)، ومعلى بن أسد، وإبراهيم بن الحجاج السامي (٦)، ثم قال فيه: مجهول (٧).

стр. 164

وكذلك أبو يسار القرشي، ذكر أنه روى عنه الليث، والأوزاعي، وقال - مع ذلك - إنَّه مجهول (١). وعلى هذا نظرت مع أبي محمَّد في أحاديث أذكرها (٢)؛ فإِنَّهُ قد صحح كثيرًا من الحديث بسكوته عنه، وهو من هذا القبيل، وتوقف أيضًا عن تصحيح أحاديث عملًا منه بالصَّوابِ (٣) الَّذي ينبغي أن يقال به فيهم. فمما عمل فيه بالصَّوابِ من أحاديث هذا الصنف: ٣٥ - حديث (٤): «صَلُّوا فِي نعالكم، خالفوا اليهود» (٥). وذلك أنه أتبعه أن قال (٦): فيه يعلى بن شداد، ولم أَرَ (٧) فيه تعديلا ولا تجريحًا (٨)

стр. 165

٣٦ - وحديث (١): «دَعُوا الحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُم» (٢) (٣). أتبعه أن قال (٤): فيه أبو سكينة: زياد بن مالك، ولم أسمع فيه بتعديل ولا تجريح، وقد روى عنه أبو بكر بن أبي مريم، وجعفر بن برقان (٥).

стр. 166

٣٧ - وحديث (١) جابر في الضحايا الَّذي فيه: «اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، عَنْ مُحَمَّد وَأُمَّتِه» (٢). أتبعه أن قال (٣): فيه أبو عياش روى عنه: خالد بن أبي عمران، ويزيد بن أبي حبيب، ولم أسمع فيه بتعديل ولا تجريح (٤). وأحاديث كثيرة من هذا الصنف، لم يصحّحها بالسكوت عنها، بل إمَّا حسنها هو، أو حسنها اتباعًا للترمذي في ذلك، تُذكَرُ في مواضِعِها (٥). وهذا (٦) الذي عمل به من التَّوقف عن تصحيح أحاديث هذا الصنف صواب.

стр. 167

فأما ما يقع له مما أثبته (١)، من سكوته عن الأحاديث ـ وهي من رواية هذا الصنف - فخطأ، فهذا قسم المساتير. فأما قسم مجهولي الأحوال، فإِنَّهم [قوم] (٢) أَنما رَوى عن كلِّ [واحد] (٣) منهم واحد، لا يُعلم روى عنه غيره، فهؤلاءِ إِنَّما يقبل رواية أحدهم من يرى رواية الراوي العدل عن الراوي تعديلا له، كالعمل بروايته، فأما من لا يرى رواية الراوي عن الراوي تعديلا له، فإِنَّهم لا يقبلون رواية هذا الصنف إِلَّا أَنْ تُعلم عدالة أحدهم، فإِنَّهُ إِذا علمت عدالته، لم يضره أن لا يروي عنهُ إِلَّا واحد، فأما إذا لم تُعلم عدالته، وهو لم يَرْوِ عنه إِلَّا واحد، فإِنَّهُ لا يقبل روايته لا مَنْ يبتغي على الإسلام مزيدًا، ولا من لا يبتغيه. وقد عمل أبو محمد في هَذَا بالصَّوابِ مِنْ رَدّ روايتهم وقبول رواية مَنْ عُلمت عدالته منهم، وأخطأه ذلك في قوم [منهم] (٤)، صحح أيضًا أحاديثهم بالسكوت عنها، سنبين ذلك (٥) إن شاء الله تعالى. فإن قيل: ولعله فيمن سكت عن حديثه من هؤلاء الذين ترى أنت أنه لم يرو عنهُ إِلَّا واحد، قد رأى هو فيهم ما لم ترَ، وعَلِم ما لم تعلم، وكذلك أيضًا في أحاديث المساتير الذين قد روى عن كل واحد منهم أكثر من واحد، إلَّا أن عدالة أحدهم لم تثبت لعله قد علم من تعديلهم ما لم تَعْلَم. فالجواب أن أقول: فأعني على تعرُّف صوابه أو خطئه ببحث يرقى بك عن حضيض تقليده، وإذا فعلت ذلك فقد حصل المقصود [٩/ ٢]، ولعلك إذا فعلت ذلك عرفت صحة قولي، فإن آحاد من اعتراه ذلك فيهم استوى أهل هذا الشأن في العلم بأحوالهم، وسترى ذلك بعد (٦) إن شاء الله تعالى.

стр. 168

وينبغي الآن أن نعرض عليك مُثلًا يَتَبَيَّنُ بها من مذهبه ما أخبرتك به من قبول أحاديث من ثبتت عدالته من هذا الصنف، ورد أحاديث من لم تثبت عدالته منهم. فأما ما اعتراه في ذلك من الخطأ [بتصحيح] (١) أحاديثهم، فيأتي ذكر ذلك، فمما قبل من أحاديث من ثبتت عدالته منهم: ٣٨ - حديث (٢) «الأمر بدفن القَتْلَى فِي مصارعهمْ» (٣). قال بإثره (٤): فيه نُبيح العَنَزيّ، وهو ثقة لم يرو عنه غير الأسود بن قيس (٥)،

стр. 169

وصحح حديثين من روايته في ذلك، وفي الصحابة جماعة قبل أحاديثهم، وإن لم يرو عن أحدهم إلا واحد كقيس بن أبي [غرزة] (١) وغيره. وأما ما ردّ من أحاديث من لم تثبت عدالته منهم، فكثير أيضًا، نذكر منه ما تيسر عفوا. ٣٩ - كحديث (٢) «الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وَأَنْ الأَرْضِ لَا تَأْكُل أجساد الأنبياء» (٣).

стр. 170

رده بأن قال (١): زيد بن أيمن، لا أعلم روى عنه إلَّا سعيد بن أبي هلال (٢). ٤٠ - وحديث (٣) في «ساعة الجمعة» (٤).

стр. 171

رده بأن قال (١): يحيى بن ربيعة، لا أعلم روى عنه غير عبد الرَّزَّاق (٢). ٤١ - وفي (٣): «التهجير إلى الجمعة» ذكر حديثًا (٤).

стр. 172

ثم قال (١): أوس بن خالد، لا أعلم روى عنه إلا علي بن زيد بن جدعان (٢). وقد كان له أن يقول في هذا أكثر من هذا؛ فإن له ثلاثة أحاديث عن أبي هريرة منكرة، وليس له كبير شيء، بل كان له أن لا يرد هذه الأحاديث المتقدمة الذكر كلها؛ لأنها في الترغيب، وليست من أحاديث الأحكام، ولكنه مع ذلك لم يقبلها، فكان ذلك منه صوابا. ٤٢ - وحديث (٣) الفراسي (٤) في: «ماء البحر» (٥). رده بأن قال (٦): مسلم بن مخشي، لا أعلم روى عنه إلا بكر بن سوادة (٧). ٤٣ - وحديث (٨): «فطر المسافر على ثلاثة أميال» (٩).

стр. 173

رده بأن قال (١): منصور الكلبي، لا أعلم روى عنه إلَّا أبو الخير (٢). ٤٤ - وحديث (٣): «ثَلَاثُ مِنْ أصل الإيمان» (٤). رده بأن قال (٥): يزيد بن أبي نُشْبَة (٦) رجل من بني سليم، لم يرو عنهُ إِلَّا

стр. 174

جعفر بن برقان (١). ٤٥ - وحديث (٢): «قصة ثقيف ومحاصرة صخر (٣) إيَّاهم» (٤). رده بأن قال (٥): عثمان بن أبي حازم، لا أعلم روى عنه إلَّا أبان بن عبد الله (٦). ٤٦ - وحديث (٧): «غزو النّساء وإسهامهِنَّ» (٨). رده بأن قال (٩): حشرج بن زياد، لا أعلم روى عنه إلَّا رافع بن سلمة بن زاد (١٠). ٤٧ - وحديث (١١): معيقيب في «خاتم النبي ﷺ » (١٢).

стр. 175

رده بأن قال (١): فيه إياس بن الحارث، لا أعلم روى عنه إلا نوح بن ربيعة (٢). وما عمل به من هذا هو الصواب، لا ما عمل به من تصحيح أحاديث جماعة من هذا الصنف، والضعيف الذي أُنبه عليهِ ممَّا سكت عنه، هو ضعيف إِمَّا بضعف راو من رواته، وإما بكونه مجهولا البتَّةَ عَيْنُه وحاله، وإما بالانقطاع، أو الإعضال، أو الإرسال، وكل ذلك نبيِّنه إن شاء الله تعالى، وإما باضطراب في متنه، وإما الاضطراب في الإسناد، فلا نعده عليه، ولا نؤاخذه بهِ، إِلَّا أَنْ يكون الذي اضطربت روايته واختلف ما جاء عنه، من لم تثبت لدينا عدالته: إما من المساتير، وإما من مجهولي الأحوال، فإِنَّهُ إِذا كان كذلك، كان اضطرابه زيادة في ضعف الحديث به (٣). وأقبح ما يكون التضعيف لأحاديث - سكت عنها - إذا كانَ بأحد ممن قد قدَّم هو فيه التضعيف ورد روايته، ولم يبين فيما سكت عنه أنه من روايته. وسترى (٤) من ذلك كثيرا (٥). وأقلُّ ما كان يلزمه أن ينبه على كون الحديث من رواية أحدهم، وإن لم يُعد القول فيه. وكثير من الأحاديث التي صححها بسكوته، اعتراه ذلك فيها لخفاية (٦) التجريح عليه في بعض رواتها، إما فيمن قد وثقه موثّقٌ، أو موثقون، وإما في المساتير، فعثر بهذا البحث على التجريح فيهم، فإن كان مفسرا فالخبر ضعيف، لوجوب تقديم جرح

стр. 176

المجرَّح على تعديل المعدِّل، وإن كان غير مفسّر فالحديثُ حسن، للاختلاف في راو مِنْ رُواته (١)، ويفترق الأمر في هذا في حق مَنْ وثَّقه موثق أو موثقون، ومن هو من المساتير، فإِنَّهُ إِذا جرح [مَنْ] (٢) قد وثقه قوم بجرح غير مفسّر، لم ينبغ أن يُسمع فيه ذلك الجرح ما لم يفسر، فإِنَّهُ لعله قد جرحه بما لا يراه غيره تجريحًا. أما في المساتير فيضُرُّهم، فإنَّا قد كنا تاركين لرواياتهم للجهل بأحوالهم، فكيف وقد سُمِع فيهم (٣) التجريح، ومن لا يبتغي على الإسلام مزيدًا لا أراه يقبل أحاديث من قد يُسْمَعُ (٤) فيه الجرح غير المفسّر. ولست أدَّعي - فيما أنبه عليه (٥) وأزعم أنه ليس بصحيح أو حسن، كما ذهب إليه أبو محمد - أَنِّي مصيب فيما ذهبت إليه من ذلك، ولكنه مبلغ علمي، بعد بحث يغلب لأجله الظن. وإن لم يكن الأمر في بعضها كما ذهبت، فقد حصلت به فائدة الانبعاث للنظر المعرف بخطئي أو صوابي، والله تعالى أعلم. ٤٨ - وذكر (٦) من طريق الترمذي (٧)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 177

«خصلتان لا تجتمعان في منافق: حُسنُ سَمْتٍ (١)، وَلَا فِقْهُ فِي الدِّينِ». ثم سكت (٢) عنه، واحتمل سكوته أن يكون صححه، وأن يكون سمح فيه، معتقدا أنه ليس فيه تكليف، والأول أظهر من حاله لوجهين: أحدهما: بيان مقتضاه الداخل في باب التكليف دخولا بينا، وذلك أنه جعل هاتين الخَصْلَتَينِ مُبرِّئتين للمتصف بهما من النفاق. وَالثَّانِي: أنه لما أورده في كتابه الكبير (٣) اعتنى من إسناده بذكر خَلَفِ بنِ أَيُّوبَ راويه، فقال: روى [عنه أبو] (٤) كريب (٥)، ومحمد بن مقاتل، وأبو معمر (٦)، وإن ابن أبي حاتم سأل عنه أَباه فقال: يُروى عنه (٧). فكان هذا من فِعْله يدلُّ على أنه قَبِلَه باعتبار رواية جماعة عنه، وأنه لم يُضعف، وقد خفي عليه من أمره ما نذكره بعد إسناد الخبر.

стр. 178

قال الترمذي: حدثنا أبو كريب: محمد بن العلاء، حدثنا خلف بن أيوب العامري، عن عوف (١)، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، فذكره (٢). قال الترمذي: «هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث عوف إلا من رواية هذا الشيخ: خلف بن أيوب، ولم أر أحدا يروي عنه غير أبي كريب، ولا أدري كيف هو» انتهى. فأقول: هذا الرجل مرجي، ويروي عن قيس (٣) والأعرابي المناكير، قاله أحمد بن حنبل، ذكر ذلك عنه العقيلي (٤). وضعفه أيضا ابن معين (٥). وبعض هذا كاف فيمن لم يوثقه أحد (٦). ٤٩ - وذكر (٧) عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا

стр. 179

مَنْ (١) لم يُجِلَّ كَبِيرنَا … » الحديث من طريق ابن وهب (٢). ثم قال (٣): خرَّجه أبو جعفر الطحاويُّ في بيان المشكل. هكذا أورده وسكت عنه، وإسناده عند الطحاوي هو هذا: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قالا: حدثنا ابن وهب (٤)، أخبرني مالك بن الخير الزبادي (٥)، عن أبي قبيل (٦)، عن عبادة … فذكره.

стр. 180

ومالك بن الخير الزبادي، روت عنه جماعة، منهم ابن وهب، وحيوة بن شريح، وزيد بن الحباب، وبهذا الاعتبار سكت عنه، وهو ممن لم تثبت عدالته، فاعلمه (١). ٥٠ - وذكر (٢) من طريق الترمذي (٣)، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ النَّاسَ لَكُمْ تَبَعٌ، وَإِنَّ رِجَالاً يَأْتُوْنَكُم مِنْ أَقطَارِ الأَرْضِ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّيْنِ … » الحديث. وسكت عنه (٤)، وهو ضعيف، فإنه من رواية أبي هارون العبدي، واسمه عمارة بن جوين عن أبي سعيد.
следующие страницы →