والدليل على أن الفم باطن: أنا نعلم بأن الإنسان خلق بأصل الخلقة ومبدئها منطبق الفم، وإنما ينفتح فمه لعارض وحاجة، ولا اعتبار بالعارض.
يدل عليه: أن الظاهر ما تراه العين وتصادفه بأول نظرة، وباطن الفم لا تراه العين إلا بعد أن تفتحه.
يدل عليه: أنه يقال: داخل الفم، ولا فرق بين قولنا باطن وداخل، فدل على أنه باطن في أصل الخلقة، وإذا كان كذلك فالاعتبار بأصل الخلقة.
والدليل عليه: باطن اللحية لما خلق ظاهراً ـ وإنما استتر بعارض ـ وجب إيصال الماء إليه.
والدليل عليه من حيث الشرع ـ فإنه جعلهما في حكم الباطن أيضاً ـ: أنه لو جمع الريق في فمه وبلعه لا يفطر، ولو أخرج الريق إلى ظاهر الفم وعاد فازدرده (١) أفطر، وكذلك يثبت في الفم والأنف حكم الجائفة (٢) إذا جرحه في فكه، أو منخره فنفذ إلى الباطن، ولو كان في حكم الظاهر لم يثبت فيه حكم الجائفة.
وقد عبر بعضهم بأنه: عضو مضموم، بالكلام موسوم، فلم يكن غسله محتوم، دليله الحلقوم.
وربما قالوا: عضو لا يجب غسله في حق الميت، فلا يجب في حق الحي، دليله داخل العين، وهذا صحيح؛/ فإن غسل الميت يعم جميع البدن، وهو آخر زاده من الاغتسال، فهو أحق بالكمال، ثم لا تجب المضمضة والاستنشاق، فأولى أن لا تجب في الوضوء.
стр. 107
قالوا: ولأنه تطهر تعلق بالفم فلم يجب كالسواك.
وربما قالوا: طهارة عن حدث فلم يجب فيها إيصال الطهور إلى الفم والأنف كالتيمم.
أما القاضي أبو زيد (١) فإنه قال (٢): الفم والأنف قد أُعطي لهما حكم الظاهر من وجه بدليل ما قلتم، وقد أعطي لهما حكم الباطن بدليل ما قالوا، فلما أخذا حكم السنة من الحالين جميعاً عملنا بالشبهتين.
فنقول: الطهارة تنقسم إلى عامة، وإلى خاصة، فالعامة هي الغسل، والخاصة هي الوضوء، والكل طهارة شرعية تعبدية، فقلنا: لما كان الغسل طهارة عم وجوبها الأعضاء وجب فيها المضمضة والاستنشاق احتياطاً، وعملاً بالتعميم الذي وضع الغسل فيه، ولهذا يجب غسل ما تحت اللحية الكثيفة، وباقي البدن، وما تحت الخفين من الرجلين لما بيَّنَّاه من كونها طهارة عامة، والوضوء لما كان طهارة خاصة لا يجب فيه غسل كل الأعضاء الظاهرة، وإنما يجب غسل الأعضاء البادية، وكيف يجب فيه غسل ما كان باطناً من وجه! ولهذا اختص الوضوء بالأعضاء التي [تبدو] (٣) فضلاً كالوجه واليدين وبعض الرأس والقدمين، فلم يجب غسل الفم والأنف في الوضوء، وقلنا يستحب، ولهذا وجب غسل الفم والأنف من النجاسة؛ لأن إزالة النجاسة طهارة عامة يجب إزالتها عن كل محل.
стр. 108
الجواب:/
أما الحديث الأول: فقد طعن فيه الدارقطني، وقال: يرويه القاسم بن غصن (١)، عن إسماعيل بن مسلم (٢)، وهما ضعيفان (٣). ويدل على ذلك أن رواية عطاء ومذهبه وجوبهما (٤).
ثم يحمل قوله: «سنة»؛ أي: شريعة، بدليل قوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ (٥) أي: شرعة، وبدليل قوله ﵇: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي» (٦)، أي: شريعتي، وقال علي: «من السنة أن لا يقتل حر بعبد» (٧)، وأراد الشريعة.
стр. 109
وأما الحديث الثاني: فالمعروف خبر أبي هريرة: «من توضأ فليستنشق» (١)، وهو أمر، ولو قدر صحته فالاستنثار غير الاستنشاق؛ لأن النثر هو الامتخاط، والاستنشاق تحصيل الماء في طرف الأنف، والنثر إن فعله فقد أحسن، وإن تركه فلا شيء عليه.
وأما الفقه؛ قولهم: إنه باطن، ممنوع؛ ولهذا لو ترك الإنسان وشؤم طباعه فإن فمه مفتوح، ولهذا إذا نام انفتح فمه، على أنهما قد جُعلا في الشرع في حكم الظاهر بدليل سبعة أشياء:
أحدها: أنه يجب غسلهما من النجاسة.
والثاني: أنه يشرع غسلهما في الوضوء.
والثالث: أنه لا يفطر بحصول الطعام فيهما.
والرابع: أنه لا يحد بحصول الخمر فيهما.
والخامس: أنه لا ينشر حرمة الرضاع بحصول اللبن فيهما في حق الطفل.
السادس: أنه إذا استدعى القيء إليهما أفطر.
السابع: أنه يجب القصاص في العظام من الأسنان، وقصبة الأنف، والقصاص لا مدخل له في العظام الباطنية.
فأما ما تعلَّقوا به من بلع الريق فإن جمعه وبلعه أفطر، وإن جرى على عادته إلى حلقه لم يفطر؛ لأنه لا يمكنه/ الاحتراز من ذلك، وهو فيه أعذر ممن دخل حلقه ذبابة، أو بقة (٢)، أو تراب الطريق، فقد قال أحمد في ازدراد النخامة: إنه يفطر (٣).
стр. 110
وأما حكم الجائفة فلا يثبت، وليس عن إمامنا ﵁ ما يضاد ذلك، ومن سلّم ذلك فإن الجائفة تثبت لكون الفم أجوف، لا لأنه باطن، فلم يستقم ما ذكروه.
على أنا نقابل بمثله فنقول بأن تغطية الأسنان بالشفتين لو زال فإن انكشف عظم السن بالخرم فإنه إذا صار أخرم لا يكون كشف السن بخرم الشفة إيضاحاً (١)، والإيضاح من حكم الرأس، وينحصر بعظم الرأس، ثم لا يجعل ذلك إيضاحاً، فلما لم يكن العظم بكشفه موضحة لم يكن له حكم الباطن، وإذا لم يكن للعظم وهو أبعد عن الباطن من الفم، لا يكون له حكم الباطن فيما وراءه؛ لأن الشفتين للأسنان كالشدقين (٢) للفم في حصول الستر، فإذا تعلقتم بأن وصول الجراحة إلى ما وراء الشدق يكون جائفة فدل على أنه جوف، استدللنا على أن كشف السن لا يكون موضحة فلا يكون الفم باطناً، فتقابلا وبقي الترجيح معنا بما ذكرنا.
فإن قيل: فيلزم على ما ذكرتم داخل العين يجب غسله من النجاسة، ولا يُحدُّ بحصول الخمر فيه، ولا يفطر بحصول الماء فيه، ثم هو في حكم الباطن لا يجب غسله في الوضوء، وكذلك باطن اللحية.
قلنا: قد روى أبو بكر المروذي (٣) عن أحمد ما يدل على وجوب
стр. 111
غسل العين، وباطن اللحية (١)، وقد دل الشرع على ذلك؛ روى أبو هريرة، عن النبي ﵇ أنه قال: «إذا توضأتم فأشربوا أعينكم الماء» (٢).
/ روى ابن عباس: «افتحوا أعينكم عند الوضوء لعلها لا ترى نار جهنم» (٣).
وروي عن عثمان أنه لما وصف وُضوء رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ خلل لحيته ثلاثاً (٤).
وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: يغسل داخل عينيه (٥).
стр. 112
وإن سلمنا فداخل العين يشق إيصال الماء إليه، فعفي عنه، ولا يجب غسلها من النجاسة والجنابة كذلك، ولو سُلِّم فالنجاسة يندر وجودها في العين فلا يشق، وكذلك باطن اللحية لا يتكرر في الجنابة، ويتكرر في الوضوء فيشق، وللمشاق تأثير في العبادات، ولهذا لما تكررت الصلاة في حق الحائض والنفساء سقطت عنها، ولما لم يتكرر الصوم وجب عليها قضاؤه، وكذلك شطر الصلاة الرباعية، وتأخير صوم رمضان يجوز في السفر للمشقة، وتأخير الصلاة عن وقتها للجمع.
وأما تعلقهم بغسل الميت فلا نسلمه، ونقول: يجب غسله على قدر ما يتأتى ولا يفضي إلى المُثلة (١)، وهو أن يبل خرقة فيغسل بها فمه وأنفه.
فإن قيل: الغسل هو طرح الماء في الفم وإدارته وإخراجه، وما ذكرتم هو مسح.
قلنا: هذا هو الغسل الخفيف لأجل المشقة كما فعل في الرأس أصله الغسل؛ لأن به تحصل الوضاءة، فلما شق عدل به تعالى إلى المسح، وكما في الرِّجْل يعدل إلى مسح الخف عنها للمشقة.
وقد سلّم أصحابنا، وقالوا: الميت متى مضمض بأن يطرح الماء في فيه فإنه يخرج من فرجه، فتصير مُثلة، فسقط كما يسقط غسل العضو المجروح.
فإن قيل: في الجرح يعدل إلى بدل، فيجب أن يعدلوا ها هنا إلى بدل، وتحصيل الماء في طرف الأنف/ لا يفضي إلى ذلك، فيجب أن لا يسقط.
стр. 113
قلنا: وقد سقط الشيء لأجل المشقة إلى غير بدل كما سقطت الصلاة في حق الحائض والنفساء، وكما سقطت ركعتان من الرباعية لأجل المشقة.
وجواب آخر: أن غسل الميت أضعف، ولهذا يسقط بالشهادة؛ وفيه ضعف؛ فإن الشهادة أبلغ في العبادة والتطهير من طهارة الماء، ولأنها تشهد عند الله ببذل المهجة في سبيله، ونصرة دينه، فسقطت بها الطهارة، وليس في حق الميت حتف أنفه ما يوفي على ذلك، فَلِم أسقطتم ما تمكن منه.
جواب آخر: أن الميت يصلى عليه فوجب تطهير ظاهره كالبساط الذي يصلى عليه، والحي يصلي به فوجب تطهير باطنه وظاهره كالسترة التي يصلى فيها؛ وفيه ضعف؛ فإنا قد بيّنا أن الفم والأنف في حكم الظاهر، ولأنهما قد استويا في إيجاب غسل النجاسة، واستيعاب الجميع بخلاف البساط، فإنه لو طَهرَ بعضه صحّ الصلاة عليه، ولأنهم فرقوا بين الميت والحي في الاستحباب، فجاز أن يفرق في الإيجاب، وأوجبها أبو حنيفة في غسل الحي، ولم يوجب في غسل الميت (١)، والأولى المنع على ما ذكرنا.
وأما العين: فقد تقدم الجواب عنها.
وأما قياسهم على السواك بعلة أنه تطهير علق بالفم، فنقول: لم إذا علق التطهير بالفم لا يجب، ثم يلزم النجاسة إذا كانت في الفم، فإنه تطهير يتعلق به ويجب، فأما السواك فهو متعلق بالأسنان، فهو هيئة في تطهير/ الفم، ولهذا يستوي فيه إذا أكل ما يغير ريح فمه، وإذا أراد القراءة، وإذا أراد الصلاة، فهو كالجهر في القراءة بخلاف المضمضة، فإنها تطهير يتعلق ببعض الوجه، فهي كغسل الجسد.
стр. 114
ولأن السواك ورد الشرع فيه بترك الأمر، لأنه قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك» (١)، بخلاف المضمضة فإنها أَمَر بها، وبيَّن أنها من الوضوء الذي لابد منه فافترقا.
وأما تعلقهم بالتيمم فلا يصح؛ لأن مبناه على التخفيف، ولهذا يسقط تطهير الرأس والرجلين، ولهذا لا يسن إيصال التراب إلى الفم والأنف، بخلاف طهارة الماء.
ولأنه لم ينقل عن الرسول ـ صلَّى الله عليه ـ ولا عن أحد من أصحابه فعله، وقد فعل ذلك في طهارة الماء وقال: «هذا الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به» (٢)، فسقط ما ذكرتم، والله أعلم.
стр. 115
مسألة
وظيفة الرأس مسح جميعه، هذا مذهبنا في إحدى الروايتين (١)، اختارها عامة الأصحاب (٢)، وهي قول مالك (٣)، وداود (٤)، والمزني (٥)(٦).
والثانية: لا يجب الاستيعاب (٧)، وهي قول أبي حنيفة، والشافعي إلا أنهم اختلفوا؛ فقال أبو حنيفة في رواية: يجب مسح ربعه. وفي رواية: قدر الناصية. وفي رواية: ثلاثة أصابع (٨). وقال بعض الشافعية: ما يقع عليه [اسم] (٩) المسح. وبعضهم قال: ثلاث شعرات (١٠). وبعضهم قال: ما يتعلق به حكم الموضحة (١١).
стр. 116
الأوّلة:
قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ (١) فعلّق المسح بالرأس، والرأس في اللغة عبارة عن الجملة المعروفة، وهو ما ترأس وعلا، ولا [يسمى] (٢) / بعضه رأساً؛ لأن كل جزء له اسم يخصه، الناصية، والقَذال (٣)، والهامة (٤)، والفَوْدَان (٥)، واليافوخ (٦)، وغير ذلك، كما في الوجه: الخدان والأنف، والفم، والعين، فلا يسمَّى الخد، أو الأنف وجهاً، كذلك لا يسمَّى البعض رأساً، فيجب مسحه كله.
فإن قيل: فالبعض يسمَّى رأساً بدليل أنه إذا قُبِّل موضع من رأسه قيل: قد قُبِّل رأس فلان، وكذلك إذا أوضحه، أو شجه في موضع منه قيل: أوضح رأسه، وشجه.
قلنا: البعض لا يسمَّى رأساً حقيقة، ولهذا يقال: ليس هذا الرأس، هذا بعضه، كما يقال: ليس هذا الوجه، هذا الخد، أو العين، فأما المستشهَد به فإنما سُمي بذلك للعرف القائم بين الناس، وأنه إذا قبّل موضعاً قيل: قبّل رأسه، وكذلك إذا أوضح موضعاً، ولأن القُبْلَة، والإيضاح لا تُمكن في جميع الرأس، فلهذا حمل على البعض، ولا عرف بيننا وبينه ـ سبحانه ـ في المسح، ويمكن استيعاب الجميع، فوجب حمله عليه.
стр. 117
جواب آخر: لو سُمي كل جزء رأساً، فتعلق الحكم باسم مطلق يعم الجميع، كما لو قال: اقطعوا سُرّاقكم، وحُدّوا زُناكم، عمَّ جميعهم، كذا ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ (١) يعم جميع ما يسمَّى رأساً.
فإن قيل: إلا أنه قد أدخل الباء في الكلام، والباء إذا دخلت في الكلام المستقل بنفسه مع عدمها أفادت التبعيض، كما قال: مسحت برأس اليتيم، وبالمنديل، وأخذت بقميص فلان، وبزمام الناقة.
قلنا: لا يُعرَف عن أحد من أهل اللغة أنه قال: الباء للتبعيض، قال أبو بكر عبد العزيز:/ سألت أبا بكر ابن دريد (٢)، وأبا عبد الله ابن عرفة (٣)، وأبا محمد جعفر بن محمد (٤)، عن الباء تُبعِّض؟ فقالوا: لا نعرف في اللغة أنها تُبعِّض، وإنما جعلت للخفض، وتحسين الكلام (٥).
стр. 118
وقيل: تدخل للإلصاق، يقال: أسندت ظهري بظهره، وكتبت بالقلم.
وقيل: هي للاختلاط، يقال: خلطت الماء باللبن، والدراهم بالدنانير (١).
فإن قيل: فقد روي عن الشافعي: أنها للتبعيض (٢).
قلنا: لا يُعرَف هذا اللفظ عنه، وإنما قال: يجزئ مسح بعض الرأس. فحمله بعضهم على أنه قال: الباء للتبعيض. ولو قدِّر أنه قاله فلا يعارض قولُه قولَ من حكينا عنه.
والذي يدل على أنها ليست للتبعيض: قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ (٣)، وقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (٥).
وقولهم: استعنت بالله، وتزوجت بامرأة، وجُشت بصدره، وما أنت بصديق.
وقال الشاعر (٦):
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . … نضرب بالسيف ونرجو بالفرج (٧)
كل هذا يستقل بنفسه مع إسقاطها ولا تفيد التبعيض.
стр. 119
فأما ما ذكروه فإنما حمل على البعض لقرينة، وهو أن القصد من مسح رأس اليتيم الحنو والشفقة، والمسح بالمنديل قصده تنشيف يده، والقصد من أخذه بقميص فلان إمساكه والتلبب (١) به، وكذا في قولهم: أخذت بزمام الناقة؛ قصده أن يقودها، بخلاف مسألتنا فإن القصد مسح الرأس الحقيقي، يدل عليه أنه لو أسقط الناس جميع ذلك فقال: مسح رأس اليتيم، وأخذ زمام الناقة، عقل ما ذكرناه.
فإن قيل: فأي فائدة في إدخال الباء في قوله ـ تعالى ـ: ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ (٢).
قلنا: فائدتها ما ذكرنا من الخفض، وتحسين الكلام، أو الإلصاق فكأنه/ أمر أن يلصق المسح بالرأس، فعلى هذا يجب أن يعم ما يسمَّى رأساً حقيقة، ولا يعدل عنه.
جواب آخر: أنه لو أريد بالرأس البعض لما حسُن تأكيده بألفاظ الاستغراق، ومعلوم أنه يحسن أن تقول: امسح برأسك كله، وجميعه، ولو قال: امسح ببعض رأسك كله، أو جميعه، لكان عيّاً، ولُكنة (٣)، وقبحاً في القول.
جواب آخر: لو لم يرد الجميع لما حسن الاستثناء، فتقول: امسح برأسك إلا ثلثه، إلا ربعه، إلا الناصية، إلا اليافوخ، كما لا يحسن أن تقول: امسح بعض رأسك إلا ثلثه، إلا ربعه.
فإن قيل: إنما حسن الاستثناء والتأكيد؛ لأن اسم الرأس يصلح للجميع، فمتى استثنى أو أكد علمنا أنه أراد الجميع، ومتى خلا من ذلك جاز حمله على البعض لما ذكرنا.
стр. 120
قلنا: هذا قول من زعم أنه لا صيغة للعموم، فإذا قلنا: فلِمَ نؤكد ونستثني فيه؟ قالوا: لأنه لا يصلح لذلك، وقد أفسدنا هذا واتفقنا أن ألفاظ الجميع من: كل، وجميع؛ تقتضي الاستغراق حقيقة، والدليل على ذلك: أنه لا يحسن أن يدخل تحته كل رجل أشرت إليه وزيد فيهم، فبطل أن يدخل التأكيد والاستثناء على ما يصلح مجازاً.
جواب آخر: لو ثبت أن الآية تحتمل البعض، وتحتمل الجميع صارت مجملة فيجب أن يرجع في البيان إلى الرسول ﵇، وقد روى مالك بن أنس وذكره البخاري (١) في «صحيحه» (٢) بإسناده عن عمرو بن أبي حسن (٣)، أنه سأل عبد الله بن زيد هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ/ يتوضأ. فقال عبد الله بن زيد: نعم. فدعا بماء، فأفرغ على يديه، وذكر الخبر إلى قوله: ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه (٤). وهذا الخبر كفلق الصبح في البيان.
стр. 121
فإن قيل: يحتمل أنّه بين بذلك الاستحباب بدليل ما روي عنه ﵇ «أنه توضأ فمسح بناصيته» (١)، وهي مقدم الرأس.
قلنا: ما خرج مخرج البيان من فعله في أمر واجب يقتضي الوجوب، إلا ما خرج بدليل، فأما خبر الناصية فلا حجة فيه؛ لأنه روي فيه أنه مسح بناصيته وعمامته، فيحتمل أنه كان برأسه عذر فمسح بالناصية، وتمم المسح بالعمامة، وذلك يجزئ عندنا (٢)، على أن الناصية عبارة عن الجملة قال ـ تعالى ـ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ (٣)، وتقول: عندي عشرة نواص من الخيل، كما تقول: عندي عشرة رؤوس من الخيل.
والفقه في المسألة: أنا نقول: عضو غير محدود في الطهارة فوجب استيعابه، دليله الوجه، وهذا صحيح فإنّ غسل الوجه إما أن يكون في الاستيعاب لأنه أمر بتطهيره مطلقاً، [أو] (٤) لأنه مغسول فقوي حكمه فعمّ، فأما الأول فهو قولنا، وأما الثاني فباطل باليدين والرجلين مغسولة ولا يجب [استيعابها] (٥)، والوجه في التيمم ممسوح ويجب استيعابه.
وتحقيق هذه الطريقة: أن الله ـ تعالى ـ علّق الطهارة بالأعضاء على وجهين؛ أحدهما: تعليق مقترن بالتحديد في اليدين والرجلين، والثاني: تعليق مطلق على التحديد وهو الوجه والرأس، فلا يخلو الغرض في/ التحديد أن يكون المراد به الاحتياط، أو قطع التوهم في ظن الزائد، وبيان الاكتفاء بدون التسمية المشتركة في العموم، لا جائز أن يكون لأجل الاحتياط؛ فإنه في الوجه بالعكس، فإنا أوجبنا الإيعاب لعدم التحديد، ولأنه كان الاحتياط في البدن الاستغراق، وكان التحديد لضدِّه،
стр. 122
ولأن التقييد للتخصيص في وضع اللغة على خلاف الإطلاق، لم يبق إلا أن يكون أراد به قطع التوهم في وجوب الزيادة المشتركة في الاسم والاكتفاء بدون الكل، وإذا كان كذلك فالرأس أزيل عنه التحديد فاقتضى الاستغراق.
طريقة أخرى: أنه عضو من أعضاء الطهارة فلم يجزئ فيه ما يقع عليه الاسم، ولا [الثلاثة] (١) أصابع، أو الأربع، دليله بقية الأعضاء، وهذا صحيح فإن أعضاء الطهارة على ضربين؛ ضرب يجب استيعابه [وهو الوجه والرأس، وضرب لا يجب استيعابه] (٢) وهو اليدان والرجلان، ثم الجميع لا يجزئ فيها ما ذكرتم، وكذلك الطهارة تحصل بمسح وغسل، والممسوح في الطهارة لا يتقدر بذلك، دليله التيمم، والجبيرة (٣)، و [المغسول] (٤) لا يتقدر بذلك، دليله بقية الأعضاء.
فإن قيل: هذا قياس شبه عضو بعضو، ومبنى الأعضاء على الاختلاف.
قلنا: الحكم تعلق بهذه الأعضاء [تعلقاً واحداً] (٥)، ومقصودها واحد، فهي تقتضي التساوي في الحكم من الاستيعاب، والغسل، إلا أن يخص بعضها دليل، وليس هذا بدون قياس الصحابة ﵃ في الجد أنه لما أسقط الابن ابنَ الابن، كذا يسقط أبو الأب ابنَ الابن، وقياسهم الأصابع على الأسنان، والإخوة بالشجرة والجداول (٦).
стр. 123
وأقوى من هذا قياس صاحب الشريعة ـ صلَّى الله عليه ـ قضاء الحج بقضاء الدين بقوله: «أرأيت لو كان على أبيك دين» (١). وقياسه/ قبلة الصائم على المضمضة (٢)، وأمثال ذلك يطول ذكرها.
طريقة أخرى: أن الطهارة وإن شرعت حكمية إلا أن المعقول من مقصودها التنظيف [والتزين] (٣) للمقام بين يدي الله ، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (٤)، وقال ـ تعالى ـ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٥)،
стр. 124
يريد عند كل صلاة، والغسل أبلغ في التنظيف، وأدخل في التزين، فلو كان المفروض من الرأس ما ذكروه لأوجب ـ سبحانه ـ غسله؛ لأنه متيسر يستعمل عادة مع غسل الوجه [للاتساع] (١) فلما عدل عنه إلى المسح دل على أنه أراد الاستيعاب، وغسله مستوعباً يشق؛ لأنه لا يمكن إلا بكشف الرأس، وبلِّ الثياب فجعل استيعابه بالمسح، ألا ترى أن الطهارة الكبرى لمَّا أُمِن ذلك فيها استوى الرأس مع بقية الأعضاء في الغسل.
احتجوا:
بما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ «أنه مسح بناصيته» (٢)، والناصية هي مقدم الرأس، وذلك بعضه، وروي في لفظ آخر: «أنه مسح ببعض رأسه» (٣).
والفقه فيه: أنه مسح في طهارة لا على وجه الضرورة أشبه المسح على الخفين، وهذا لأن الله ـ سبحانه ـ خص الرأس من بين سائر الأعضاء المغسولة بالمسح، ولا علّة تلوح لذلك إلا صيانته عن الغسل الذي يشق إيقاعه فيه خوف المضرة في النفس واللباس، وما يورث من الصدمات، وهذه العلة صالحة للاقتصار على البعض، ولهذه العلّة قلتم بجواز المسح على العمامة.
وقد قال بعضهم بأنه فعل يتعلق وجوبه بالرأس أشبه التقصير، فإنه لا يجب الاستيعاب فيه، ولا يلزم الكشف في الإحرام لأنه ترك للتغطية، وقد فرقت الأصول بين/ الفعل والترك، ألا ترى أن النجاسة لما كان بابها التروك وجب طهارتها في جميع الأعضاء، ووجب تركها عن جميع البدن، وطهارة الحدث لما كانت [فعلاً] (٤) وجبت في بعضه، كذلك هاهنا.
стр. 125
الجواب:
أما الحديث: فالذي روي أنه مسح بناصيته وعمامته، وذلك يجوز عندنا (١).
الثاني: أن الحديث قضية عين، وحكاية حال، فإذا احتملت وُقِفت، ووجه احتمالها أن تكون كما روي وأنه مسح ما ظهر، وتمم بالمسح على العمامة عما بطن؛ لأن ظهور بعض الرأس معتاد بخلاف ظهور بعض القدم، أو يحتمل أن الراوي ما شاهد إلا مبادأته بالمسح، فنقل ما رأى، ولم يقف حتى يرى تتمة المسح، كما لو رأى جلادَ النبي ـ صلَّى الله عليه ـ يجلد محدوداً في قذف، أو شرب فشهد جلدات فقال: جُلد الشارب بين يدي رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ عشر جلدات. وصدق فيما روى لكن لا يقطع بأن لم يزد عليها، ويحتمل أن يكون عبر عن جميع الرأس بالناصية، كما روي أنه أمر بجز النواصي (٢)، يعني: حلق الرأس؛ لأنه لا يجوز أن يعود إلى بعضٍ، لأنه نهى عن القزع (٣)، والقزع هو حلق بعض الرأس، فوُقِفت القضية لهذا التردد.
الثالث: أنه قد يعبر بالناصية عن الجملة قال الله ـ تعالى ـ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ (٤)، وقول القائل: عند فلان كذا كذا ناصية من العبيد، وأراد به الجملة، ويقال: ناصية مباركة، وناصية مسومة، وغير ذلك، وإذا كان يعبر بالناصية عن الجملة لم يكن فيما ذكروه حجة لهم.
وأما اللفظ الثاني فغير محفوظ، ولأنه يحتمل أن يكون مسح ببعض رأسه، وتمم على العمامة لعذر بدليل ما ذكرنا.
стр. 126
وأما قياسهم وقولهم:/ مسح في طهارة لا على وجه الضرورة، فهي لفظ يعطي ضد مقتضى الأصول؛ لأن الضرورات تفيد في الأصول ما لا تفيد المشاق، من ذلك أكل الميتات، وتجرع الخمر، وترك الوضوء، وترك القيام في الصلاة، والرخص لا تؤثر في ذلك، وأما المسح على الخفين فذلك إيراد أصل على بدل على وجه الرخصة، وهاهنا إيراد أصل على أصل فهو كالغسل.
وأما ما ذكروه من قصد التخفيف؛ فالتعبد في ذلك بعيد عن التعليل، فإن غسل الأعضاء الأربعة دون بقية البدن لا يظهر له تعليل يرضي أهل التحصيل، فكيف بإدخال مسح بين غسلين، ومخالفة ما بين الأعضاء، فإن صح ما ذكرتم فقد كفى تخفيف فرضه بالمسح عن تخفيف في المقدار، وليس من حيث دخل التخفيف في الشيء من وجه مما يدل على أنه يجب التخفيف فيه من كل وجه، ولهذا نظائر يكثر ذكرها.
على أن التخفيف بالمسح في أثر الاستنجاء، ووجه المتيمم ويديه لم يدل على [تخفيفه] (١) بالمقدار بل وجب بالمسح استيعاب المحل الذي يستوعب بالغسل.
وأما كلامهم الآخر، وفرقهم بين التروك والأفعال، قلنا: إن التروك ـ أيضاً ـ قد لا تعمّ، والدلالة عليه أن أثر الاستنجاء لا يجب إزالته وهو من باب التروك، وبعض اللمعة من الحدث لا يعفى عنها وهي من باب الأفعال، [فأما] (٢) النجاسة فإنما وجب تركها عن جميع الترك؛ لأنه لا مشقة في تركها؛ فإنها عين تَنْدُر ملاقاتها، والحدث لا ينفك الجسد عنه بخروج الخارج والنوم وغير ذلك، ويكثر حصوله على البدن، ألا ترى أن النجاسة التي كثرت ملاقاتها سقط إزالتها وهي محل الاستنجاء للعلة، [وألا ترى أن ترك الحجر على الوليّ في النكاح] (٣) / دفعاً للحرج،
стр. 127
لأن الحجر في النكاح يحرج به (١)، ونقله إلى بلد آخر أشد في ذلك الحرج، فأما لو اختلطت أخته بعشرة من الأجانب لم يجز له التحري، بخلاف الأواني فإنه لو اختلط تسعة أوانٍ نجسة بعشرة طاهرة جاز عندكم التحري، وأيّ وقْع لزيادة هذا الإناء في جواز التحري.
فإن قيل: لأن الحكم في الشرع للأكثر، ولهذا لو غلب صدق الشاهد على أقواله سمعت شهادته (٢)، ولو غلب كذبه لم تجز، وكذلك إذا غلب المباح في مال الرجل حلت معاملته، ولو غلب الحرام لم تحل، وكذلك إذا غلب قتلى المسلمين على قتلى المشركين جازت الصلاة عليهم، ولو غلب المشركون لم تجز الصلاة عليهم، وكذلك يجوز له الرمي إلى دار الحرب؛ لأن الغالب فيها الكفار، ولا يجوز الرمي إلى دار الإسلام؛ لأن الغالب فيها أهل الإسلام، وهذا لأن [الأصل] (٣) في المياه الطهارة، فإذا طرأت نجاسة، وشك في مكانها احتاج إلى الاجتهاد بالعلامات على إخراج الطاهر من النجس، ثم رأينا العلامة ربما دخلها شك فقويناها بمزيد تأكيد وهو اعتبار الكثرة ليقوى الظن، وتقرب الإصابة.
قلنا: دعواكم أن الحكم للأكثر في الشرع ممنوع، ولهذا سوّت الأصول بين القليل والكثير في باب التحري في القبلة والثياب عندكم، وكذلك إذا اشتبهت أخته بعشرة أجنبيات، والصلوات في باب منع التحري.
فأما ما ذكروه من الشاهد والمال؛ فلا نسلمه، ونقول: إذا تكرر منه الكذب لم تقبل شهادته وإن كان صدقه أغلب، وقد روي عن أحمد ﵁/ أنه قال: من كذب في حديث واحد لم أقبل روايته (٤)، وكذلك من خالط ماله الحرام لا تجوز معاملته وإن كان الحلال أكثر.
стр. 128
الثاني: أن هناك إذا غلب الأكثر أسقطنا حكم المغلوب رأساً، وها هنا توجبون التحري والاجتهاد فبطل قولكم.
وأما الصلاة؛ فيصلى على الأموات بنية المسلمين سواء قلُّوا أو كثُروا.
وأما الرمي؛ فلا تعتبر الكثرة فيه، وإنما يعتبر دار الحرب، وأنها دار إباحة، ودار الإسلام دار أمان فحظر الرمي، ولهذا قال أحمد ﵀ فيما نقله بكر بن محمد (١): إذا تَتَرَّسَ (٢) المشركون بالمسلمين لم نرمهم إذا أمِنَّا ضررهم (٣).
وأما قولهم: إن الأصل في الماء الطهارة؛ فهو كذلك حتى تطرأ النجاسة فيصير الأصل في الماء النجاسة.
وأما التقوية بالكثرة لغلبة الظن فغير حاصل؛ لأن زيادة إناء في الطهارة لا يؤثر بحال [في] (٤) تقوية ظن، وربما صادف النجاسة فاستعملها.
وربما قيل: إن التحري في الإناءين أولى من التحري في كله؛ لأن الأواني إذا كثرت كان الإشكال أكثر، ولنا طهور متيقن الطهارة يجوز استعماله مع وجود الماء لنوع عذر من زيادة ثمن، أو مرض، أو خوف عطش، فلا نتركه لأمر مشكوك فيه نخاطر فيه بصلاتنا وهي عماد الدين.
стр. 129
احتجوا:
بقوله ـ تعالى ـ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١)، فأباح التيمم بشرط أن لا يجد الماء، وها هنا هو واجدٌ للماء.
والفقه فيه: أن اشتباه المبدل لا يبيح الانتقال إلى البدل.
أصله إذا وجبت عليه رقبة فاشتبهت بعبيد غيره، فإنه لا ينتقل إلى الصوم، وإذا اختلط دم الحيض بدم الاستحاضة لا/ يبيح الانتقال إلى الشهور، وإذا اشتبه طريق النص هل هو صحيح، أو ضعيف لم ينتقل إلى القياس.
قالوا: شرط من شرائط الصلاة يمكن الوصول إليه بالاستدلال فيجب ذلك، دليله استقبال القبلة، وستر العورة، يبين هذا أن الصلاة بالتيمم لا تجوز إلا بشرط عدم الماء، ولا يجوز ثبوت العدم باشتباه الطاهر بالنجس وإن كانا على السواء، كما لو كان عنده ثوبان أحدهما نجس والآخر طاهر فإنه يتحرى ويصلي كذلك ها هنا، ولأن التحري اجتهاد واستدلال وهو دليل الله نصبه للعباد ليتوصلوا به إلى أحكامه في الشرعيات، والرجوع إليه واجب في كل موضع يمكن الرجوع إليه، بدليل ما ذكرنا من الاشتباه.
الجواب:
أما الآية: فلا حجة فيها؛ لأن الواجد هو القادر على الماء، والاشتباه يعدم القدرة.
فإن قالوا: جهله بالطاهر لا يسلبه القدرة، كما قلتم في الناسي للماء في رحله (٢).
стр. 130
قلنا: قد يقال لمن كُلِّف طلب شيء وتمييزه من غيره إذا اشتبه عليه ولم يعرفه بعينه: ما وجده، ولا قدر عليه، ويخالف من نسي الماء في رحله؛ فإنه لو طلب لوجد، فإن طَلَبَ فلم يجد فقد فرّط في الطلب؛ لأن رحله تحت يده، وهو محصور معلوم لا يشق تفتيشه.
وأما القياس: فهو باطل بالإناءين إذا كان [في] (١) أحدهما بول.
وأما الأصل فهو حجة عليه؛ لأنه لا يجوز التحري فيه، ولأن هناك يمكنه أن يعتق العبد في كفارته وإن لم يعرف عينه،/ وكذلك المعتدة، تقعد أيام أقرائها أو تميز، فإن عدمت هذين فكانت مبتدأة أو ناسية قعدت أقلّ الحيض، أو غالب عادات النساء في أول كلِّ شهر، وفي مسألتنا لا يمكنه التوصل إلى الطاهر؛ لأن العلامات ضعيفة، وقد (٢) يصادف النجس فتفسد طهارته، وبدنه، وثيابه، فبطل ما قالوه من هذا الوجه، والله أعلم.
فإن قيل: فأليس مسائل الاجتهاد قد تفضي إلى حق، وإلى باطل، ولم يمنع ذلك من سلوك الاجتهاد طلباً للحق، وتحرياً للصواب بطريق إما يترجح به أحد المجوّزَين ظناً، أو غلبة ظن وإن لم يبلغ رتبة اليقين، لكن كفانا أن ترجح عندنا بالدلالة أحد المجوّزَين فنظن أنا جانبنا الباطل، وجُنِّبنا الخطأ، وكفى ذلك غاية.
قلنا: الاجتهاد الذي يشيرون إليه في الأحكام ليس من باب التحري، وإنما كان ذلك لمعنى وهو أن في مسائل الاجتهاد ليس يقع بين شيئين أحدهما محرم قطعاً، وصواب قطعاً، وإنما يكون بين جهتين يترجح الظن بينهما في الجواز والمنع، أو الصحة والفساد، وهاهنا عين يقطع على تحريمها، ويقطع بأنها لا تعمل تطهيراً، ولا طهارة، بل توجب منعاً ونجاسة، وعين تعمل ذلك، والتحري غير موثوق به في أن يهجم بنا
стр. 131
على العين الطاهرة المطهرة للمحل، فكان بالتحري بين التصعير والذمير (١) أشبه، وذلك لا يجوز لعلّتي التي هي تجويز الهجوم على المحظور، كذلك ها هنا، ولا فرق.
وأما قولهم: إنه يمكن الوصول إليه؛ ممنوع، بل بالاشتباه قد تعذر الوصول.
وأما استقبال القبلة فقد تقدم جوابه، وكذلك الثياب لا يتحرى فيها بل يصلي بعدد النجس وزيادة/ صلاة.
فإن قيل: إذا قلتم: نصلي في الثوبين؛ فقد أمرتم بالصلاة مع النجاسة وذلك محرم.
قلنا: لا نسلم أن فعل الصلاة مع النجاسة في حال العذر محرم، ولهذا نجيز الصلاة في الثوب النجس إذا لم يجد غيره، وهل تلزمه الإعادة على روايتين (٢)، وكذلك إذا صلى في ثوب نجس وهو لا يعلم، ثم علم أجزأته صلاته في إحدى الروايتين (٣)، وكذلك إذا صلى في ثوب نجس ليتوصل به إلى تأدية فرضه بيقين فهو معذور، فلم يحرم عليه ذلك، وصار كما نقول في المستحاضة ومن به سلس البول: يصلي، والحدث متجدد، ولكن يجعل ذلك كأنه ليس بحدث؛ للضرورة، وكذلك من لم يجد ماء، ولا تراباً جعل حدثه كالمعدوم في صحة صلاته؛ للضرورة.
فإن قيل: فلو كان العذر يصيّر الثوب كالطاهر، لوجب أن يكون الاشتباه يجعل الثوب النجس كالطاهر، فيصلي في أيهما شاء.
стр. 132
قلنا: إنما نأمره بالصلاة ليؤدي فرضه بيقين، فحاجته دعت إلى الصلاة في الثوبين، فإذا صلى في فرد ثوب فلا حاجة إلى تجويز صلاته، وحكمنا في النجس أنه كالطاهر.
فإن قيل: لا يجعل حال الاشتباه كحال علمه، كما قلنا في الأواني فإنه إذا كان معه إناء نجس حرم عليه استعماله، ولو اشتبه عليه إناءان حرم عليه ـ أيضاً ـ الاستعمال.
قلنا: إنما قلنا ذلك في الأواني لأنا نمنع التحري، ثم لو قلنا له: توضأ بكل إناء وصلِّ، لم يكن كأنه أدى فرضه بيقين؛ لأنه ربما استعمل النجس أولاً فتنجس ثيابه وبدنه، فإذا عاد وتوضأ بالثاني لم تزُل نجاسته، بخلاف الثياب فإن فرضه بيقين يحصل/ فافترقا.
ثم يبطل أصل السؤال بمن اشتبه عليه ثوبان على وجه لا يتميز؛ فإنه يصلي عندهم عرياناً، وصلاة الإنسان [عرياناً] (١) ومعه ثوب طاهر بيقين محرَّمٌ، فلم جوزتم ذلك؟ ولم جوزتم إذا عدم الماء، والتراب أن يصلي وحدثه قائم؟ والصلاة مع قيام الحدث محرمة، ولم جوزتم صلاة المستحاضة ودمها جارٍ؟ وذلك محرم في غير وقت الحاجة، فثبت أن الحاجة تتيح ذلك تيسيراً من الشرع، فبطل ما قالوه، والله أعلم.
стр. 133
مسألة
لا مدخل للدباغ في التطهير بحال، هذا مذهبنا في إحدى الروايتين (١)، اختارها عامة الأصحاب (٢)، وهي قول طاوس (٣)، وسالم بن عبد الله بن عمر (٤)(٥)، ومالك (٦) في إحدى الروايتين عنهما.
والثانية: أن للدباغ [مدخلاً] (٧) في التطهير (٨)، وهي قول أبي حنيفة، والشافعي (٩).
стр. 134
ومأخذ المسألة: أن نجاسة الجلد عندنا نجاسة عينية (١)، وعنده نجاسة مجاورة فتزول بالمعالجة، وهذا ينبني على أصل، وهو: أن الموت عندنا منجس لعينه وذاته، وعندهم المنجس هو الرطوبات المنبعثة، والدماء السيالة.
والثاني: أن الجلد ما انقلبت عينه بالدباغ، وعندهما أن الدباغ يقلب العين.
الأوّلة:
قوله ـ تعالى ـ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٢) فحرّم الله ـ تعالى ـ علينا الميتات كلها بجميع أجزائها، في جميع أحوالها، والجلد من جملتها، فلو قلنا: إنه يطهر بالدباغ؛ لأبحنا الانتفاع به بعد الدباغ، وهو جزء من الميتة، وذلك خلاف التحريم المطلق، لأن ذلك لا يوجب تحريم جميع أنواع الانتفاع بالجلد وبغيره.
فإن قيل: هذه الآية لا حجة فيها من قِبَل أنها تدل على التحريم، ونحن إنما اختلفنا في الطهارة،/ والآية لم تتعرض له، إنما دلت على الحرمة، وليس كل ما كان حراماً كان نجساً.
الثاني: أن المراد به تحريم الأكل، بدليل أنه قرنه بأشياء كان القصد بها تحريم أكلها، لا تحريم الانتفاع بها من وجوه أخر، فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٣) فلما كان القصد بهذه الأشياء تحريم أكلها، فكذلك القصد بالميتة تحريم أكلها، ـ وأيضاً ـ فإنه لما استثنى التذكية بقوله: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٤) وكان الاستثناء وقع لإباحة الأكل، لا لإباحة الدباغ إذ الذكية لا تحتاج إلى دباغ جلدها، كان المستثنى منه تحريم الأكل، لا تحريم الدباغ في جلده، ولأنه قال: ﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٥)، والاضطرار إنما يكون إلى اللحم، وهو للأكل.
стр. 135
قلنا: أما قوله: دلت على التحريم، لا على النجاسة.
قلنا: الله ـ سبحانه ـ حرّم الميتة، والتحريم لا توصف به الأعيان، وإنما الحل والحرمة تتصف بها أفعال المكلفين، فتقدير الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ﴾ (١) أي: انتفاعكم بأمهاتكم، وأفعالكم فيهن، والانتفاع بالجلد بعد الدباغ فعل فيه فكان حراماً بالآية، وإنما يحرم استعماله لأجل نجاسته؛ لأن أحداً لا يقول بطهارته وتحريم الانتفاع به، دل أن نجاسته دخلت تحت الآية وإن لم يكن مصرحاً به.
أما قوله: المراد بها تحريم الأكل بدليل القرائن.
قلنا: لا فرق؛ فإن قرائن آي الميتة [ظاهرها] (٢) تحريم أكلها، وكل وجه من الانتفاع بها غير الأكل لحق الظاهر، ألا ترى أن بيعها، وهبتها، ورهنها، وكل نوع من الانتفاع محرم، فليس التحريم/ بمقصور على الأكل في شيء من هذا، وكان حق الظاهر تحريم الانتفاع بدباغ جلودها كلها في جميع الميتات.
فأما قوله: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٣)؛ هذا استثناء رجع إلى ما بينه من قوله: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٤)، ومعناه: ما افترسه السبع إلا ما أدركتموه حيّاً فذبحتموه، فيحل أكله، وهذا الاستثناء لا يرجع إلى قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٥).
وأما قولهم: إنه ذكر الاضطرار وهو لا يكون إلى الجلد، فليس كذلك، إلا أن الاضطرار قد يحصل إلى الجلد كما يحصل إلى اللّحم بأن يؤكل عند الضرورة ـ أيضاً ـ، فبطل ما قالوه.
و ـ أيضاً ـ ما روى عبد الله بن عكيم (٦) أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ
стр. 136
كتب إلى جهينة: «إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب». وفي لفظ آخر رواه ابن أبي ليلى (١)، عن عبد الله بن عكيم أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ «كتب إلى جهينة قبل موته بشهر أن لا ينتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»، وفي لفظ آخر رواه شريك (٢)، عن هلال بن أبي حميد الوزان (٣)، عن عبد الله بن عكيم: «أتانا كتاب النبي ـ صلَّى الله عليه ـ قبل موته بشهرين أن لا تنتفعوا من الميتة»، الخبر، وهذا خبر صحيح، رواه الإمام أحمد في «المسند» (٤)، وأبو داود (٥)،
стр. 137
وابن أبي حاتم (١)، والساجي، والدارقطني، وهبة الله الطبري (٢) في «سننه» (٣)، وقد خرَّج أبو الحسن الدارقطني طرقه في جزء مفرد (٤).
فإن قيل: هذا الحديث لا يصح الاحتجاج به من أوجه:
أحدها: أنه قد/ نُقل اختلاف في إسناده ومتنه يدل على ضعفه،
стр. 138
فإن ابن أبي ليلى يحدث تارة عن أشياخ مجاهيل، عن عبد الله بن عكيم، وتارة عنه، ورُوي عنه أنه قال: وأنا صبي. وفي لفظ: وأنا شاب. وفي لفظ: قبل موته بشهر. وفي لفظ: بشهرين. ولأنه يرويه عن كتاب، وحامل الكتاب مجهول، فدل على ضعفه، ولو صح لم تكن فيه حجة؛ لأنه قال: فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب، والإهاب اسم للجلد ما دام على الميتة، فإذا دبغ سمي جلداً وأديماً. كذا ذكره النضر بن شميل (١)(٢)، وكان إماماً في اللغة.
قلنا: ما ذكرتم لا يقدح في الحديث؛ فإن ابن أبي ليلى يجوز أن يكون سمعه من أشياخ عنه، ثم سمعه منه ثانياً (٣).
وقوله: وأنا صبي. لم ينقل في حديثه، ولو نقل فيريد أنه شاب قريب العهد بالصبا، وقد يسمّى الشاب صبياً ما لم يلتحِ، ثم لو كان صبياً فلا يقدح؛ لأن ابن عباس، وابن الزبير (٤)، وغيرهما سمعوا من النبي ـ صلَّى الله عليه ـ وهم صبيان، وروايتهم عنه صحيحة، ولأن الشهادة ـ وهي أكمل من الإخبار ـ نسمعها من الصبي، ويؤديها بعد بلوغه فتقبل،
стр. 139
فأولى أن يكون الخبر، واختلافهم في الشهر والشهرين يدل على أن أحد [الراويين] (١) سها في هذه اللفظة عنه.
وأما كونه من كتاب؛ فكتب النبي ﵇ جارية مجرى مشافهته، ولذلك قال له: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٢)، وخرج من عهدة البلاغ بالكتاب إلى كسرى، وقيصر، والعرب، فيلزمهم حكم كتابه كما يلزمهم حكم خطابه.
وأما كون حامل الكتاب/ مجهولاً فلا يقدح؛ لأنه صحابي، وجهالة الصحابي لا تضُرّ، فإنهم العدول الثقات المقطوع بقولهم ﵃، قال ﵇: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (٣).
على أن إمام الحديث قد صححه، فقال الإمام أحمد فيما نقله عنه صالح: ليس عندي في الدباغ حديث صحيح، وحديث ابن عكيم أصحها (٤). ورواه جميع من ذكرنا، ولم يطعنوا فيه بما يقدح، وإنما ذكر بعضهم شيئاً مما ذكرتم، وقد بينا أنه ليس بطعن.
وأما قولهم: إن الإهاب اسم للجلد ما دام على الميتة.
فنقول: لو صح ما ذكرتم لم يفد الخبر فائدة؛ لأنه ﵇ قال: «كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي فلا تنتفعوا من الميتة
стр. 140
بإهاب» (١). فيكون معناه: كنت رخصت لكم في الجلد المدبوغ، فإذا جاءكم كتابي فلا تنتفعوا بغير المدبوغ، وغير المدبوغ قد كانوا يعلمون تحريم استعماله، هذا اختلال قد نزه الله ـ سبحانه ـ كلام الرسول ﵇ [عنه] (٢)، بل الجلد يقع على ما قبل الانفصال من الحيوان، وعلى ما بعده، قال ﵇: «فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك» (٣). ويقال: جلد مدبوغ، وجلد غير مدبوغ، وكذلك الإهاب يقع عليهما، بل وقوعه على ما [بعد] (٤) الدبغ أصح؛ لأن الإهاب عبارة عما يتأهب به لحوائجه وسفره، وذلك إنما يحصل في الجلد بعد الدباغ.
فإن قيل: فننزل على ما ذكرتم، ونحمله على أنه رخص في الجلود قبل الدباغ.
قلنا: هذا لا يصح؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﵇ أنه رخص في جلود الميتة قبل الدباغ، ولم يُرْوَ ذلك عن أحد، بل المشهور أنها كانت/ محرمة بالقرآن، فأما أخبارهم فسيأتي الكلام عليها.
و ـ أيضاً ـ خبر آخر روى قتادة (٥)، عن أبي المليح (٦)،
стр. 141
عن أبيه (١)، عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه نهى عن افتراش جلود السباع (٢)، وهذا الحديث أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن أبي حاتم، وذكر عن ابن المنذر (٣)، ورواه ابن عمر، ومعاوية (٤) عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه نهى عن جلود السباع (٥).
стр. 142
طريقة أخرى: أنا نقول: جزء من الحيوان خرج بالموت عن المالية، فلا يعود بالاستصلاح إلى المالية كاللحم، وهذا صحيح؛ وهو أن الموت يخلف الحياة في حلوله جميع ما حلته، فجميع ما كان يحكم له بالحياة مع وجوده يحكم له بالموت مع ارتفاع الحياة، والتنجيس حكم الموت، والموت علته، كما أن الطهارة حصلت بالحياة، فالحياة علتها، والدباغ لا يضاد الموت، ولا ينافيه، لجواز اجتماعهما، وإذا لم يضاد علية التنجيس وجب أن لا يرفع النجاسة؛ لأن الحكم لا ينفك مع [بقاء] (١) علته، يؤكد صحة هذا أن التطهير إنما هو من باب القهر والقوة، فالمطهر قاهر بفعله، فإذن المقهور يجب أن يكون ما أوجب التنجيس وهي العلة، ومتى لم يقهر علة التنجيس فهو قاصر عن تحصيل الحكم.
فإن قيل: نحمل ذلك على ما قبل الدباغ.
قلنا: عنه جوابان:
أحدهما: أنه تسقط فائدة التخصيص بالسباع، فإنه لا يجوز افتراش جلد كل ميتة قبل الدباغ.
الثاني: أنكم قد قلتم: إن الجلد اسم لما بعد الدباغ.
ـ وأيضاً ـ ما روى ابن المنذر، عن عمر (٢)، وابن عمر،
стр. 143
وعمران بن حصين (١)، وعائشة، أنهم قالوا: إن جلود الميتة لا تطهر بالدباغ (٢)./ وقال أحمد: روي عن خمسة من أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه ـ منهم عمر ﵁ (٣).
والفقه في المسألة: أنا نقول: الجلد جزء من الميتة نجس بالموت، فلا يلحقه التطهير، دليله اللحم، وهذا لأن الحكم إذا ثبت بعلة لم يزل مع بقائها، وعلة نجاسة الميتة مفارقة الروح، وذلك لم يزل فلا يزول التنجيس، ويقرب ما بين الأصل والفرع أن حكم الجلد حكم اللحم طرداً وعكساً، بدليل المذكَّى في الطهارة، والكلب والخنزير في النجاسة.
فإن قيل: دعواكم أنه نَجُسَ بالموت ممنوع، وإنما النجس معنى آخر غير الموت وسيأتي بيانه.
الثاني: هب أنه نَجُسَ بالموت، وأن الموت علة التنجيس، إلا أنه قد ترد علة تزيل الحكم مع بقاء علته، بدليل الطلاق الثلاث؛ فإن علة التحريم الطلاق، والتحريم يزول بالزوج والإصابة وإن كانت علته باقية وهي الطلاق، وكذلك التيمم رفع المنع من الصلاة مع قيام المانع وهو الحدث، فهلا جاز أن يكون الدباغ يزيل المنع من الانتفاع بالجلد، والحكم بنجاسته وإن كان المعنى الذي أوجب ذلك باق وهو الموت، وأما اللحم فلا يتأتى فيه الدباغ، بخلاف الجلد.
стр. 144
قلنا: أما الممانعة فباطلة؛ لأنا ندل على أن الموت هو المنجس بعينه شرعاً، وذاك أن الله ـ سبحانه ـ قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (١)، والنبي ﵇ قال: «فلا تنتفعوا من الميتة بجلد» (٢)، فعلّق التحريم، ومَنَع الانتفاع باسم الميتة، كما علّق الجَلْد بالزنا، والسجود بالسهو، وتعليله بغير ذلك يرفع تعليق الحكم بما علقه، وكل تعليل عاد على أصله بالإبطال لم يقبل، ولأن هذا/ الحيوان كان طاهراً ما دام حياً، [فلما] (٣) طرأ عليه الموت حكم بنجاسته، ولم يوجد معنى سوى الموت، فمن ادعى شيئاً آخر فعليه بيانُه.
وأما قولهم: إنه قد ترد علة تزيل الحكم بدليل الطلاق.
قلنا: هناك علّق الشرع التحريم على الزوج والإصابة، فقال ـ تعالى ـ: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٤)، ولم يقل الرسول: لا تنتفعوا من الميتة بجلد حتى يدبغ. ثم لو قلنا: الأمر على ما ذكرتم، إلا أنا لا نسلم أن ها هنا علة تزيل الحكم؛ فإن الدباغ ليس بعلة مزيلة، فما الدليل على أنها أزالت التنجيس.
وقولهم: اللحم لا يتأتى دباغه، غلط؛ فإن اللحم إذا مُلِّح وقُدِّد (٥) في الهواء زالت رطوباته، وذلك دباغه، فإن دباغ كل شيء بحسبه، فكان يحكم بطهارته، ولأن هذا باطل بجلد الكلب؛ فإنه يتأتى دباغه فلا يطهر، وكذلك الخنزير. وهذه الطريقة عليها الاعتماد من جانب المعنى.
طريقة أخرى: أن الدباغ معنى لا يفيد طهارة اللحم، فلا يفيد طهارة الجلد؛ دليله ذكاة المجوسي، والمرتد، وهذا لأن حكم الجلد حكم اللحم طرداً وعكساً، بدليل المذكَّى في الطهارة، والكلب والخنزير في النجاسة.
стр. 145
فإن قيل: هذا القياس إنما يصح لو كان الدباغ يتصور في اللحم حتى يقاس عليه الجلد، فأما والدباغ لا يتصور في اللحم، ويتصور في الجلد، فكيف يقاس ما يتصور على ما لا يتصور.
الثاني: أنا نقول: إنه لا يفيد طهارة؛ لأنه طاهر في حال الحياة، وإنما الدباغ يعيده إلى طهارته الأوّلة.
[أما تخليل الخمر فقد تتوق] (١) / نفسه إليها فيواقعها، فلهذا منعناه، وصار هذا كما نقول في الخلوة بالأجنبية: منعناه منها خوفا أن تتوق نفسه إليها فيواقعها، ليس كذلك الجلد؛ فإن النفوس تنفر عنه، والطباع تشمئز منه، فالعلة مختلفة، ولأن الخمر هي الحجة عليكم؛ فإنها قابلة للتطهير، وتطهر بحال وهو إذا تخللت بنفسها، فقولوا هاهنا: إن الجلد يطهر بحال، ولا طريق إلى تطهيره إلا الدباغ.
قلنا: وهاهنا قد ورد الخبر فقولوا به، وما ذكروه من المعنى لو كان صحيحاً لكان ينبغي أن يقولوا: إذا وكّل وكيلاً [ذميّاً] (٢) ممن يحل له شربها، أو من لا تتوق نفسه إليها، أو يُرمى فيها من علو خَلّ، أو ملح أن تطهر بهذه الأشياء؛ دل على بطلان ما قلتم، ولأن هذا الذي قلتم يوجب أن يمنع من التخليل خاصة، لا أن تطهر، وقد ذكر.
طريقة أخرى؛ أنا نقول: دبغ بنجس فلا يحصل التطهير؛ كما لو أخذ شَثّاً (٣) وقَرَظاً (٤) نجساً ابتداء، ودبغ به فإنه لا يحصل التطهير، كذلك هاهنا،