стр. 141
← Фикх ханбали следующие страницы →
Фикх ханбали · id 30143
المفردات
ابن الزاغوني
Полный текст (748 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 142
طريقة أخرى: أنا نقول: جزء من الحيوان خرج بالموت عن المالية، فلا يعود بالاستصلاح إلى المالية كاللحم، وهذا صحيح؛ وهو أن الموت يخلف الحياة في حلوله جميع ما حلته، فجميع ما كان يحكم له بالحياة مع وجوده يحكم له بالموت مع ارتفاع الحياة، والتنجيس حكم الموت، والموت علته، كما أن الطهارة حصلت بالحياة، فالحياة علتها، والدباغ لا يضاد الموت، ولا ينافيه، لجواز اجتماعهما، وإذا لم يضاد علية التنجيس وجب أن لا يرفع النجاسة؛ لأن الحكم لا ينفك مع [بقاء] (١) علته، يؤكد صحة هذا أن التطهير إنما هو من باب القهر والقوة، فالمطهر قاهر بفعله، فإذن المقهور يجب أن يكون ما أوجب التنجيس وهي العلة، ومتى لم يقهر علة التنجيس فهو قاصر عن تحصيل الحكم.
فإن قيل: نحمل ذلك على ما قبل الدباغ.
قلنا: عنه جوابان:
أحدهما: أنه تسقط فائدة التخصيص بالسباع، فإنه لا يجوز افتراش جلد كل ميتة قبل الدباغ.
الثاني: أنكم قد قلتم: إن الجلد اسم لما بعد الدباغ.
ـ وأيضاً ـ ما روى ابن المنذر، عن عمر (٢)، وابن عمر،
стр. 143
وعمران بن حصين (١)، وعائشة، أنهم قالوا: إن جلود الميتة لا تطهر بالدباغ (٢)./ وقال أحمد: روي عن خمسة من أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه ـ منهم عمر ﵁ (٣).
والفقه في المسألة: أنا نقول: الجلد جزء من الميتة نجس بالموت، فلا يلحقه التطهير، دليله اللحم، وهذا لأن الحكم إذا ثبت بعلة لم يزل مع بقائها، وعلة نجاسة الميتة مفارقة الروح، وذلك لم يزل فلا يزول التنجيس، ويقرب ما بين الأصل والفرع أن حكم الجلد حكم اللحم طرداً وعكساً، بدليل المذكَّى في الطهارة، والكلب والخنزير في النجاسة.
فإن قيل: دعواكم أنه نَجُسَ بالموت ممنوع، وإنما النجس معنى آخر غير الموت وسيأتي بيانه.
الثاني: هب أنه نَجُسَ بالموت، وأن الموت علة التنجيس، إلا أنه قد ترد علة تزيل الحكم مع بقاء علته، بدليل الطلاق الثلاث؛ فإن علة التحريم الطلاق، والتحريم يزول بالزوج والإصابة وإن كانت علته باقية وهي الطلاق، وكذلك التيمم رفع المنع من الصلاة مع قيام المانع وهو الحدث، فهلا جاز أن يكون الدباغ يزيل المنع من الانتفاع بالجلد، والحكم بنجاسته وإن كان المعنى الذي أوجب ذلك باق وهو الموت، وأما اللحم فلا يتأتى فيه الدباغ، بخلاف الجلد.
стр. 144
قلنا: أما الممانعة فباطلة؛ لأنا ندل على أن الموت هو المنجس بعينه شرعاً، وذاك أن الله ـ سبحانه ـ قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (١)، والنبي ﵇ قال: «فلا تنتفعوا من الميتة بجلد» (٢)، فعلّق التحريم، ومَنَع الانتفاع باسم الميتة، كما علّق الجَلْد بالزنا، والسجود بالسهو، وتعليله بغير ذلك يرفع تعليق الحكم بما علقه، وكل تعليل عاد على أصله بالإبطال لم يقبل، ولأن هذا/ الحيوان كان طاهراً ما دام حياً، [فلما] (٣) طرأ عليه الموت حكم بنجاسته، ولم يوجد معنى سوى الموت، فمن ادعى شيئاً آخر فعليه بيانُه.
وأما قولهم: إنه قد ترد علة تزيل الحكم بدليل الطلاق.
قلنا: هناك علّق الشرع التحريم على الزوج والإصابة، فقال ـ تعالى ـ: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٤)، ولم يقل الرسول: لا تنتفعوا من الميتة بجلد حتى يدبغ. ثم لو قلنا: الأمر على ما ذكرتم، إلا أنا لا نسلم أن ها هنا علة تزيل الحكم؛ فإن الدباغ ليس بعلة مزيلة، فما الدليل على أنها أزالت التنجيس.
وقولهم: اللحم لا يتأتى دباغه، غلط؛ فإن اللحم إذا مُلِّح وقُدِّد (٥) في الهواء زالت رطوباته، وذلك دباغه، فإن دباغ كل شيء بحسبه، فكان يحكم بطهارته، ولأن هذا باطل بجلد الكلب؛ فإنه يتأتى دباغه فلا يطهر، وكذلك الخنزير. وهذه الطريقة عليها الاعتماد من جانب المعنى.
طريقة أخرى: أن الدباغ معنى لا يفيد طهارة اللحم، فلا يفيد طهارة الجلد؛ دليله ذكاة المجوسي، والمرتد، وهذا لأن حكم الجلد حكم اللحم طرداً وعكساً، بدليل المذكَّى في الطهارة، والكلب والخنزير في النجاسة.
стр. 145
فإن قيل: هذا القياس إنما يصح لو كان الدباغ يتصور في اللحم حتى يقاس عليه الجلد، فأما والدباغ لا يتصور في اللحم، ويتصور في الجلد، فكيف يقاس ما يتصور على ما لا يتصور.
الثاني: أنا نقول: إنه لا يفيد طهارة؛ لأنه طاهر في حال الحياة، وإنما الدباغ يعيده إلى طهارته الأوّلة.
[أما تخليل الخمر فقد تتوق] (١) / نفسه إليها فيواقعها، فلهذا منعناه، وصار هذا كما نقول في الخلوة بالأجنبية: منعناه منها خوفا أن تتوق نفسه إليها فيواقعها، ليس كذلك الجلد؛ فإن النفوس تنفر عنه، والطباع تشمئز منه، فالعلة مختلفة، ولأن الخمر هي الحجة عليكم؛ فإنها قابلة للتطهير، وتطهر بحال وهو إذا تخللت بنفسها، فقولوا هاهنا: إن الجلد يطهر بحال، ولا طريق إلى تطهيره إلا الدباغ.
قلنا: وهاهنا قد ورد الخبر فقولوا به، وما ذكروه من المعنى لو كان صحيحاً لكان ينبغي أن يقولوا: إذا وكّل وكيلاً [ذميّاً] (٢) ممن يحل له شربها، أو من لا تتوق نفسه إليها، أو يُرمى فيها من علو خَلّ، أو ملح أن تطهر بهذه الأشياء؛ دل على بطلان ما قلتم، ولأن هذا الذي قلتم يوجب أن يمنع من التخليل خاصة، لا أن تطهر، وقد ذكر.
طريقة أخرى؛ أنا نقول: دبغ بنجس فلا يحصل التطهير؛ كما لو أخذ شَثّاً (٣) وقَرَظاً (٤) نجساً ابتداء، ودبغ به فإنه لا يحصل التطهير، كذلك هاهنا،
стр. 146
والدليل على أنه دبغ بنجس إما أن يدبغ به إذا لاقى الجلد نَجُس، فإذا نَجُس في نفسه كيف يطهر غيره، وهذا لأن تطهيره للغير فرع طهارته في نفسه، فإذا كان في نفسه نجساً كيف يطهر غيره، وصار بمثابة ما إذا كان نجساً ابتداء من غير فرق، إلا أن هناك حصلت النجاسة من غير هذا المحل، وهاهنا حصلت من هذا المحل، والنجاسة في الحالين سواء.
فإن قيل: لا نسلم أنه تنجس بالملاقاة، بل نقدر له بقاء الطهارة ضرورة التطهير، كما في الماء المزال به النجاسة، فإنا نبقي له صفة الطهارة وإن لاقى النجاسة؛ ضرورة للإزالة، كذلك هاهنا.
/ الثاني: سلمنا أنه تنجس بالملاقاة ولكن لم قلت: إنه لا يطهر، وإنه ينجس؛ وهذا لأنه لا يتصور صونه عن النجاسة في حال الملاقاة، بخلاف ما إذا كان نجساً ابتداء فإنه يمكن الاحتراز عنه، وصار هذا بمثابة جلد المذكَّى إذا كان عليه نجاسة ثم دبغه، فإن ما يدبغ به يتنجس بالملاقاة، ومع ذلك يطهر، وكذلك الحجر في الاستجمار تنجس بالملاقاة، ويحصل به التطهير، كذلك هاهنا.
قلنا: أما المنع فباطل من قِبَل أن علة التنجيس قد وجدت وهي الملاقاة، فيستحيل منع الحكم مع وجود علته، وأما الماء فذاك ثبتت طهوريته على خلاف القياس لضرورة حصول التطهر به بالأمر، أما هاهنا فلا ضرورة فبقينا فيه على موجَب القياس.
أما قوله على التسليم لما بينا من أن الطهارة لا تحصل بالنجاسة؛ فأما دباغ جلد المذكى إذا كان عليه نجاسة فلا يطهره، بل لابد من غسله.
وأما الحجر فذاك ليس بتطهير، وإنما هو تخفيف، ولهذا لو لاقى المحل شيء رطب حكم بنجاسته، وإذا كان تخفيفاً فالحجر وإن تنجس إلا أنه لا يمنعه ذلك من حصول التخفيف به، أما هاهنا تطهير، والتطهير بالنجس لا يتصور بحال، فبطل ما قالوه، والله أعلم.
طريقة أخرى: وهو أنه جلد نجس العين فلم يطهر بالدباغ، دليله جلد الكلب والخنزير.
стр. 147
فإن قيل: هذا ممنوع؛ لا نسلم أن نجاسته عينية وإنما هي طارئة، ولو سلمنا فقد تكون نجاسة الشيء عينية وتطهر، ألا ترى أن البول نجاسته عينية/ وإذا وقع في ماء قدره قلتان لم ينجسه إذا لم يتغير وجاز بيعه، وكذلك الجلاّلة على أصلكم صارت بالجَّل (١) كالكلب في النجاسة، ونجاسة السحل (٢)، واللبن، والسؤر، وطهرت بالمعالجة وهو الحبس والعلف بالعلف الطاهر، والمعنى في الكلب والخنزير، أما الكلب فهو ممنوع على قول أبي حنيفة (٣)، والخنزير ممنوع على قول أبي يوسف (٤)، وكل قول لأبي يوسف فهو روايته عن أبي حنيفة ويقول: جلد الخنزير يطهر بالدباغ (٥)، وإن سلمنا فالخنزير لا جلد له فما الذي يدبغ.
جواب آخر: أن الكلب والخنزير نجسان في حال الحياة، فالدباغ يردهما إلى حالة الحياة، وفي حالة الحياة هما نجسان فلم يفد الدباغ في حقهما فائدة بخلاف الشاة؛ فإنها كانت طاهرة في حال الحياة، فردها الدباغ إلى حال الحياة.
قلنا: الدليل على أنه نجس العين؛ منع البيع، وعدم طهارته بالغسل، ولو كانت نجاسته مجاورة لصح بيعه كالثوب النجس.
стр. 148
وأما البول إذا وقع في الماء؛ فعندنا وقوع البول في الماء ينجسه سواء زاد على القلتين، أو نقص، إلا أن يكون الماء لا يمكن نزحه فإنه يعفى عنه لأجل المشقة على ما ذكره الخِرَقِيّ (١) (٢)، ولأن ذلك البول يُستهلك في الماء فيحصل كالمعدوم.
وأما الجلاّلة فهي إنما نجست بالعلف النجس، وطهرت بالعلف الطاهر، فوِزانه زوال الموت عن الجلد.
وأما منع جلد الخنزير على قول أبي يوسف فلا يصح؛ لأن أبا يوسف له مذهب يخالف فيه أبا حنيفة (٣)، فلا يجوز أن يُدَّعى قولُه على أبي/ حنيفة مع وجود النص من أبي حنيفة أن جلد الخنزير لا يطهر بالدباغ (٤)، ثم ندل على ذلك بقوله ـ تعالى ـ: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (٥) وهذا إشارة إلى ذات الخنزير بأنها نجسة، لأن تحريم أكل لحمه قد تقدم بقوله: ﴿إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ (٦) فبقي أن يحمل على أنه أراد بقوله: ﴿لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (٧) جملة الخنزير، ثم سماه رجساً، والرجس: النجس، ثم إذا كان لحمه رجساً فجملته كذلك؛ لأن كل حيوان نجس فجلده كذلك، وإذا ثبت نجاسته عيناً فالدباغ لا يعمل في ذلك.
وأما قولهم: إن الخنزير لا جلد له؛ فهو قول محال لأنه ما من حيوان
стр. 149
إلا وله جلد، وكيف يُدَّعى ذلك وابن المنذر حكى عن الشعبي (١) أنه قال: كان يجلب إلى الكوفة شحوماً في جُرُب من جلود الخنازير (٢). ولهذا اختلف الفقهاء فيه، وأبو يوسف وداود (٣) يقولان: تطهر جلود الخنازير بالدباغ.
وأما قولهم: إن الدباغ [يردهما] (٤) إلى حال الحياة، وهذه الحيوانات طاهرة في حال الحياة بخلاف الخنزير.
قلنا: كان ينبغي على [قولكم] (٥) هذا أن تقولوا: إنه لا تطهر جلود السباع؛ لأنها نجسة في حال الحياة، والخلاف في جميع ذلك واحد.
الثاني: أن الطهارة في حال الحياة استفادها بالحياة، والحياة لا تعود بالدباغ، فكيف يقال: إنه يرده إلى تلك الحال، وعلى أنه لا يجب أن يقال: إن اللحم والعظم يطهر بعد الموت بالدباغ لأنه يرده إلى حال الحياة، فبطل هذا التعليل.
احتجوا:
بحديث شاة أم ميمونة (٦) / وقد جِيز بها على النبي ـ صلَّى الله عليه ـ فقال: «ما على أهل هذه الشاة لو أخذوا إهابها، فدبغوه، فانتفعوا به» قيل: يا رسول الله إنها ميتة. فقال: «إنما حرم من الميتة أكلها» (٧).
стр. 150
стр. 151
وروت عائشة عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «طهور كل أديم دباغه» (١).
قالوا: وهذه الأخبار نصوص في الباب.
وبما روي أن الصحابة لما فتحت بلاد المجوس انتفعت بجلودها وذبائحهم ميتة (٢)، ولو كانت نجسة لامتنعوا من ذلك.
وروي عن ابن مسعود أنه كان يقول في جلد الميتة: دباغها طهورها (٣).
وعن أنس: لا بأس بجلود الميتة؛ دباغها طهورها (٤). وعن ابن عباس نحو ذلك (٥).
стр. 152
والفقه فيه: أنه جلد طاهر طرأت عليه نجاسة فلحقه حكم التطهير، دليله جلد المذكَّى إذا أصابته نجاسة، وهذا لأن الموت ليس بمنجس لعينه، بل لمعنى فيه وهو: أن بالموت تزول القوى التي تحجز الرطوبات النجسة كالدم وغيره عن السيلان من مقارِّها، فيسيل الدم والرطوبات النجسة، فتختلط باللحم والجلد، فينجسان بذلك، ولهذا إذا سفح الدم بالذكاة لا يحكم بنجاستهما بخروج الرطوبات المنجسة من الدم وغيره عن الاختلاط، ولهذا قال ﵇: «ما أنهر الدم فكل» (١). ولهذا نجس من الدم ما كان مسفوحاً، فقال: ﴿إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (٢) فحكم/ بنجاسته لأنه (٣) سيّال، وحتى إن دم البق، والبراغيث، والسمك لا يحكم بنجاسته لأنه دم غير سيال، وحتى إن ما لا دم له سائل كالعقرب، والزُّنْبُور (٤)، والذباب، وغير ذلك إذا مات لم يحكم بنجاسته لأنه [لا] (٥) دم فيه يختلط بذاته بالموت، ولذلك صوف الحيوان وشعره لا يحكم بنجاسته بموت الحيوان لأنه لا دم فيه، وهذه أصول قد وافقتمونا فيها، ولا علة إلا ما ذكرنا، وإذا ثبت أن التنجيس
стр. 153
لما ذكرنا فالدباغ يزيل تلك الرطوبات والفساد عن الجلد، فيعيده إلى حال الحياة، وخرج على هذا اللحم؛ فإن الدباغ لا يتأتى فيه فبقي على نجاسته.
قالوا: ولأن الدباغ كالحياة في حفظ الصحة، فكان كالحياة في التطهير.
قالوا: ولأن الدباغ يحيل الجلد، والإحالة مطهرة، وهذا لأن الجلد قد تغيرت صفاته التي كان عليها قبل الدباغ، وتبدلت، وصار على وصف آخر، ولذلك استجدّ له اسم آخر، فصار يقال: أديماً، واختلاف الأسماء يدل على اختلاف المسمَّيات، يدل عليه أن الجلد بالدباغ يصير في حيِّز ما لا يتأتى فيه الأكل، فجرى ذلك مجرى الاستحالة التي تحصل في العين فتؤثر في طهارتها.
قالوا: ولأن جلود الميتة بعد الدباغ يجوز الانتفاع بها في اليابسات، كذلك في المائعات كجلود المذكَّى.
قالوا: ولأن الدباغ لو لم يكن مطهراً للجلد لوجب أن يكون فعله محرماً، ولمَّا قلتم: إن فعل الدباغ مباح، دلّ على أنه يُطهِّره؛ وهذا لأن الدباغ لا يراد لعينه وذاته، وإنما يراد للتطهير، فلولا أنه يفيده مقصودَه، وإلا لما كان مشروعاً،/ وصار هذا بمثابة تخليل الخمر لما كان لا يراد لعينه، وإنما يراد لغيره وهو حصول التطهير والإباحة، لا جرم لما لم يحصل مقصوده كان التخليل في نفسه حراماً غير مشروع، فلما أجمعنا على مشروعية الدِّباغ ما كان ذلك إلا لكونه يفيد مقصوده وهو حصول الطهارة.
الجواب:
أما أخبارهم فقد قال الإمام أحمد ﵁: لم يصح عندي في الدباغ حديث، وأصحها حديث عبد الله بن عُكيم (١). والجرح مقدم على التعديل.
стр. 154
ونقل أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الطائي النيسابوري (١)، قال (٢): سمعت أبا عبد الله (٣) سئل عن حديث ابن عباس: «إيما إهاب دبغ فهو طهوره» (٤)، فقال: قد اختلفوا فيه؛ أما ابن وعلة (٥) فقال: سمعت النبي ﵇، وأما الزهري فروى عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة (٦)، والشعبي، عن عكرمة (٧)، عن ابن عباس، عن سَوْدَة (٨)، فقد اختلفوا فيه، وقد روى عطاء مرة:
стр. 155
دبغ، ومرة لم يقل: دبغ، فقد اختلفوا فيه، وأما حديث ابن عُكيم [فهو] (١) الذي أذهب إليه؛ [لأنه] (٢) آخر أمر النبي ـ صلَّى الله عليه ـ، أحرى أن يتبع الآخر، فالآخر من أمر النبي ـ صلَّى الله عليه ـ[يُتّبع] (٣).
ولأن خبر ابن عباس يرويه عبد الرحمن بن وعلة المصري وهو مجهول، ولأن خبر شاة أم ميمونة مطَّرح الظاهر؛ لأنه قال: «إنما حرم أكلها»، وأجمعنا على أنه يحرم الانتفاع بدهنها ولحمها في غير الأكل، ولأنا نحمل قوله: «ألا أخذوه، فدبغوه، فانتفعوا به» في استعماله في اليابسات؛ من الأشنان (٤)، ونقل التراب، والافتراش، ولهذا قال: «فانتفعوا به» ولم يقل: [فادبغوه] (٥) ليطهر، وعندنا/ يجوز الانتفاع به في ذلك في إحدى الروايتين (٦)، ولأنكم لا تقولون بخبر ابن عباس وعائشة، فإن جلد الكلب والخنزير إهاب ولا يطهر، فلابد من تأويل وإن بَعُد، فنتأول الخبر على جلد المذكَّى ويكون قوله: «قد طهر» معناه: تنظف من الرطوبات المفسدة له، وما يلحقه من النجاسة العارضة من دم وغيره، والطهارة عبارة عن النظافة والوضاءة، ولهذا قال ﵇: «دباغ الأديم ذكاته» (٧) فجعل الأشياء المزيلة للدم دباغاً.
على أن هذه الأخبار لو صحت، وسلمت على الوجه الذي يقولون
стр. 156
فهي منسوخة بحديث ابن عُكيم؛ لأنه قال فيه: «كنتُ رخّصتُ لكم» ولفظة «كنتُ» تستعمل فيما نُسخ، وهذا كقوله ﵇: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها تذكركم الآخرة»، «كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروها» (١)، وإذا كانت منسوخة سقط الاحتجاج بها.
ولأن خبرنا يعضده ظاهر القرآن، وفيه احتياط، فكان مقدماً على أخباركم إن لم تكن منسوخة.
وأما ما ذكروه عن الصحابة؛ فقد روينا فيما تقدم خلاف ذلك، فحصل خلاف فيما بينهم، ولأن بلاد المجوس قد كان يدخلها أهل الكتاب، وذكاتهم مباحة، ولأنه يحمل أنهم استعملوها في اليابسات.
وأما المعنى، وقولهم: إنه جلد طاهر تنجس.
قلنا: إن أردتم أن نَجُس نجاسة عينية، لم يصح في الأصل، ولم يسلم في المذكَّى، وإن أردتم نُجِّس نجاسة مجاورة، لم يسلم في الفرع،/ ولهذا لا يجوز بيع جلد الميتة قبل دباغه، ويجوز بيع المذكَّى قبل دباغه.
ولأنا نقول: فلم يطهر مع بقاء ما كان السبب في تنجيسه، كالمذكَّى لا يطهر مع بقاء عين النجاسة عليه، فيجب أن لا يطهر هذا مع بقاء الموت.
وقولهم: إن المنجِّس هو الرطوبات، والدماء السيالة.
قلنا: هذا الكلام لا يحسن إيراده من شافعي (٢)؛ لأن عنده أن الموت هو المنجِّس لعينه، ولهذا يُسوِّي في الميتة بين تنجيس ما له دم، وما لا دم له من الذباب، والبق، وغيره، ويحكم بنجاسة دم السمك،
стр. 157
والبق، والبراغيث في ظاهر مذهبه في جميع ذلك، ويحكم بنجاسة ما ذبح مما لا يؤكل لحمه، وإن كان دمه قد سفح وزال.
على أن هذا التعليل في الجملة باطل؛ فإن جلد الميتة نجس، ولا دم فيه، ولا رطوبة فيه إلا ما يوجد مثلها في جلد المذكى المحكوم بطهارته، والذي يوضح ذلك أن ما يذبحه المجوسي والمرتد، وما يذكَّى وتترك التسمية عليه، وما يذبح من قفاه، وما يقطع إربا ليسيل دمه وينسفح وهو نجس، وما يقتله الكلب من الصيد، أو يجرح في فخذه، أو خاصرته لا ينسفح الدم وهو طاهر، وكذلك تحصل ذكاة الجنين بذكاة أمه ولم يسفح دمه، فكيف يصح هذا التعليل عند من له أدنى تحصيل.
وأما المسائل من دم السمك وغيره؛ فليست معللة بما ذكرتم، بل دم السمك مأكول، فإنه أباحه مع كونه ميتة، ولهذا لو ذُبحت السمكة وقُطِّعت خرج منها دم مسفوح، ولا يحكم بنجاسته.
وأما موت ما لا نفس له سائلة؛/ فلا يحكم بنجاسته، لا لما ذكرتم، لكن لأن الشرع قال: «إذا سقط الذباب في إناء أحدكم فليَمْقُله» (١) ومعلوم أنه بذلك يموت في الأشياء الحارة والباردة، فلو نجس لم يأمر به.
ولأن النجاسة سبب لتحريم الأكل المتعلق بالموت، بدليل أن لو ذكينا ما مات حل أكله، والله ـ سبحانه ـ قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٢)
стр. 158
فحرُم بالموت ما كان يباح أكله بالذكاة، وما ليس له دم سائل لا يكون تحريمه بسبب الموت، بل بسبب خبثه، أو أنه غير مغذٍ، ولهذا يحرم أكل التراب والحجر ولا يموت، وإذا لم يوجب الموت التحريم لم يوجب النجاسة، فإن النجاسة غليظة الحرمة على ما تقدم، فصار كقوله: «أحلّت لنا ميتتان ودمان» (١).
ولهذا نقول فيما لا يؤكل لحمه: إذا ذبح لا يطهر وإن كان دمه قد انسفح، وإذا بطل ما ذكرتم دل على أن علة التنجيس الموت، وذلك لا يزول بالدباغ، ولا يحصل به التطهير كما لا يحصل في اللحم.
[وقولهم في اللحم] (٢): لا يتأتى دباغه. قد تقدم جوابه فبطل قولهم.
جواب آخر عن أصل الكلام وهو: أنه لو كان الدباغ مطهرا للجلد لما يحدث به من زوال الخبث، والاستحالة، وحصول التطييب، والاستعمال مع عدم الفساد لكان العظم لا ينجس بالموت، لأن غاية ما ينتهي إليه الجلد بالدبغ موجود في العظم في أصل الخلقة، وهو التماسك، وعدم الرطوبة، وطيبته مع [إمكان] (٣) الاستعمال، وعدم دخول الفساد إليه فهو مدبوغ بخلق الله له على الصفة الموجودة منه، ولم يحكم بأنه لا ينجس بالموت، فإذا لم يمنع ما فيه من هذه الصفات نجاسةَ الموت،/ فلأن لا يرفع الدباغ نجاسة حصلت واستقرت بالموت أولى.
فإن قيل: قد يحصل بفعل الآدمي من التطهير ما لا يحصل بفعل الله
стр. 159
وإن كان على صفة فعل الآدمي؛ بدليل أن بهيمة من الحيوان لو دَهْدَهَ (١) السيل على حلقها حجراً محدداً، فأفرى (٢) أوداجها (٣)، وأراق دمها، وأزهق نفسها لم تبح، وبمثله لو ذبحها مُذكٍّ طهرت، وكذلك الحيوانات التي خلقها الله بغير دم قد فعلها على الوجه الذي يُفعل فيها بالذبح ومع ذلك لا [تباح] (٤)، كذلك هاهنا.
قلنا: الذبح إنما طهر لأنه أُهل به لله تعالى، وما ذبحه الحجر لم يُهَل به لله، والإهلال معتبر، والدباغ لا يحتاج إلى إهلال، ولذلك حصل الدبغ بفعل المجوسي، والوثني، وطهر الجلد وإن لم يطهر ذبحهما، وكذلك لو أن جلداً جرى عليه السيل، وسفت الريح عليه شَثّاً، وطلعت عليه الشمس، فاندبغ طهر عندكم بفعل الله بعمل كما يعمل فعل الآدمي، فلما لم تمنع نجاسة الموت في العظم علم أنه لا يعمل بفعل الآدمي [في] (٥) الميت النجس تطهيره، كما أن تطييب المذبوح بالذبح منع نجاسته.
وأما الحيوانات التي لا دم لها؛ فما لم يخلف عدم الدم فيه خبث صار كالمذكَّى وهو الجراد، فأما الحشرات؛ [فقد] (٦) زال الدم عنها لكن خلفتها علة هي الخبث، واستخباث العرب بقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٧)، فأما العظم فلا علة تخلف الرطوبة، فوجب أن يكون مدبوغاً خلقة،
стр. 160
فيكون طاهراً، فلما لم يكن طاهراً بطل أن تكون صورة الدبغ في الجلد تعمل عمل ذلك في حقه.
وتلخيص الجواب أنا نقول: غاية كلامهم أن مقصود الدباغ:/ استخراج الفضول، وتماسك البَين، وهذا أمر لا يفيد الطهارة لا بطريق الوضع، ولا بطريق الانفصال مرسلاً، ألا ترى أن الكلب، والخنزير، والعظم، والشعر، واللحم من ذلك ما استصلاحه بطريق الوضع، ومنه ما يحصل بطريق الانفصال لكن لا يحكم بطهارته، فحينئذ يجب أن يكون الدباغ مقصوراً على مقصوده، ومثل ذلك لا يحصّل الطهارة.
وأما قولكم: إن الدباغ كالحياة؛ ممنوع، والتقديد في اللحم يساوي الحياة في [حفظ] (١) الصحة، ولا يساويها في التطهير، ولأن الحياة تبيح الانتفاع بالكلب، فهلا أباح الدباغ الانتفاع بجلده عند الشافعي (٢).
وأما الاستحالة فعندنا لا تطهّر (٣)، ولا تؤثر في طهارة العين، ولهذا نقول: لو استحال العظم النجس فصار رميماً لم يطهر، والخنزير لو استحال في المَلاَّحَة (٤) لم يطهر.
وأما جواز الانتفاع بها في اليابسات؛ فممنوع على إحدى الروايتين (٥)، وإن سلمنا على الرواية الأخرى فليس جواز الانتفاع في حال مما يدل على الطهارة، ولهذا الميتة تطعم للكلاب، والبُزاة (٦)،
стр. 161
والصقور فلا ينتفع بها في غير ذلك، وكذلك عند الشافعي الخمر يستعمل للتداوي (١)، وعند أبي حنيفة يستعمل عند العطش، ولا يستعمل في غير ذلك (٢).
وهذا لأن استعمالها في اليابسات فلاقى نجاسة يابسة فإنه لا ينجس، ولو أن النجاسة مائعة فكل محل تلاقيه تنجسه، أو كان الثوب رطباً، والنجاسة يابسة.
وأما جواز فعل الدباغ فليس عن الإمام فيه رواية، ويجب أن يقال إن قلنا: يجوز الانتفاع بها في اليابسات: لم يحرم لأنه يفيد انتفاعاً مباحاً. وإن قلنا: لا/ يجوز الانتفاع به احتمل المنع منه لوجهين؛ أحدهما: قوله ـ تعالى ـ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٣) ومعناه: حرمت عليكم أفعالكم في الميتة، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٤) معناه: حرمت أفعالكم، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ﴾ (٥)، والدباغ إيقاع فعل في الميتة؛ لأن الجلد من جملتها، ولا يجوز حمل ذلك على الأكل لأنه عام، على أن حمله على الأكل حمل على ما قد استفيد بالإجماع، ولأنه لما كان فائدة الدباغ الانتفاع، والانتفاع يحرم بما تقدم من الدليل، وجب أن يحرم في نفسه، كما قلنا في آنية الذهب، والفضة، وآلة اللهو لما كان القصد منها الاستعمال ـ وذلك محرّم ـ حرم اتخاذها.
ويحتمل أن يباح فعل الدباغ وإن لم يطهّر، كغسل النجاسة بالمائع وبالماء المستعمل مباح وإن لم يطهّر.
وفارق الدباغ تخليل الخمر؛ لأن تخليلها لا يؤمن معه مواقعتها، وهذا معدوم هاهنا، والله أعلم.
стр. 162
مسألة
الردة تُبطل الوضوء (١). هذا مذهبنا فيما ذكره الخِرَقِيّ (٢)، وهو قول الأوزاعي (٣).
خلافاً لأكثرهم في قولهم: لا تبطل (٤).
وقال أبو ثور: تبطل التيمم دون الوضوء (٥).
وأصل المسألة: يرجع إلى أن الإسلام شرط أهلية أداء العبادة، أو شرط أهلية العبادة.
عندهم شرط أهلية أداء العبادة، وشرط أهلية الأداء يشترط عند الأداء، ولا يشترط [أهلية] (٦) الأداء لبقاء الأداء.
وعندنا يشترط أهلية العبادة، ويشترط شرط أهلية الشيء لبقائه، فإن الحياة شرط أهلية الإملاك يشترط بقاؤها لبقاء الإملاك، وكذلك الذمة شرط/ أهلية وجوب الدين فيشترط بقاؤها لبقاء الديون، وكذلك الحرية شرط أهلية ملك اليمين فيشترط أهلية بقائها لبقاء ملك اليمين.
стр. 163
لنا:
قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (١)، والطهارة عمل له حكم يمتد إلى غاية هي أداء الصلاة بها، فدخلت تحت الإحباط بعموم الآية، والحَبْط: هو البطلان، فينبغي أن يبطل وضوءُه.
فإن قيل: هذه الآية عامة في مرتدٍّ مات على ردته، وفيه إذا عاد إلى الإسلام، وقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ (٢) يقتضي أن جنس الكفار الذين تنحبط أعمالهم بالردة هم الذين ماتوا على ردتهم؛ لأنه أدخل الألف واللام بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ (٣) فهذا يقتضي الجنس (٤)، فلا يبقى أحد يَنْحَبِط عمله بالردة إلا بهذين الشرطين؛ الردة، والموت عليها، وهذا هو [مقتضى] (٥) اللغة كقول القائل: من قتل عمداً مُكافِئاً له فأولئك الذين وجب قتلهم. فإنه يقتضي الجنس، وأنه لا يجب القتل إلا لمن هذه صفته، على أن الإحباط يرجع إلى إسقاط الثواب دون البطلان.
قلنا: لا نسلم أن هذا يقتضي الجنس، وليس هذا إلا كما احتج به مالك في أنه لا يجوز بيع الطعام قبل قبضه، ويجوز في غيره (٦)؛ بنهي النبي ـ صلَّى الله عليه ـ عن بيع الطعام قبل قبضه (٧)، وقال بأنه خص الطعام، فاقتضى ذلك جنس المبيع الذي لا يجوز بيعه قبل قبضه، فقلنا له: هذا لا يقتضي الجنس، بل يقتضي [نوعاً] (٨) من البيع لا يجوز بيعه قبل قبضه،
стр. 164
بدليل نهي النبي ـ صلَّى الله عليه ـ عن بيع ما لم يقبض (١)، وأنه أعم/ من ذلك اللفظ، كذلك هاهنا.
الثاني: أنا لو سلّمنا أن هذا يقتضي الجنس، فإنه اقتضى ذلك في حق من هو خالد في النار؛ لأنه قال ذلك في آخر الآية: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢) فيكون الشرطان؛ الردة والموت، شرطان في الخلود، لا في حَبْط العمل.
وحملهم إياه على الثواب لا يصح؛ لأنه عام في الثواب وغيره، ولأن الثواب ثمرة الأعمال، وفرع عليها فإذا حَبِط دل على حَبْط الأعمال.
وقد روى ابن شاهين في كتاب «السنن» (٣) بإسناده عن ابن عباس، عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «الحدث حدثان؛ حدث باللسان، وحدث بالفرج منهما الوضوء جميعاً» (٤).
والفقه في المسألة أنا نقول: عبادة من شرطها النية، فأبطلتها الردة،
стр. 165
دليله الصوم، والصلاة، والحج، وما شاكل ذلك، وقد أقمنا الدلالة على كونها عبادة في مسألة التسمية بما فيه كفاية، وهذا لأن الإحباط إخراج العمل عن أن يكون قربة، والطهارة عبادة عندنا، وعند الشافعي، تحتاج إلى نية (١)، ولا عبادة مع الكفر.
والتحقيق في ذلك: أن الطهارة حكمها باقٍ بعد الفراغ منها، والردة اعتقاد يخرج الشخص عن أن يكون من أهل القربة، فتخرج الطهارة عن كونها عبادة، ومحال بقاء العبادة بعد خروج المتعبد عن كونه أهلاً للعبادة والقربة، لا سيما في حق من يعتبر النية، فإذا نوى بالوضوء الثور، أو الصنم لم يجز أن يقع موقع التعبد، ولهذا متى طرأت الردة على عبادة قبل تمامها أبطلتها، كذلك إذا طرأت على الطهارة مع بقاء حكمها القابل للإبطال بسائر مبطلاتها.
ولأن/ الطهارة المغلَّب في التعبد فيها حكمها المستدام بعد الفراغ منها، لا نفس الغسل، يوضح هذا أَنْ تكون لِما بعد الغسل وهو استباحة الصلاة، أو رفع الحدث، و [جمعهما] (٢) أمران مختلفان عن فعلها، بخلاف الصلاة وسائر العبادات؛ فإن نيّتها نيّة لفعلها، وإذا انقضى الفعل فلا حكم يبقى، ولهذا [لا] (٣) يظهر حكم التعبد فيها بعد الفراغ منها، وكما نقول للصائم: لا تأكل ولا تشرب ـ حال صومه ـ، وللمصلي: لا تتكلم، لا تعمل عملاً، ونقول بعد الفراغ من الغسل هاهنا: لا تمس النساء، لا تمس ذكرك.
و ـ أيضاً ـ فإن الشافعي قد قال: لو توضأ في حال ردته لم يصح (٤). فنقول كل معنى إذا قارن العبادة أبطلها فإذا طرأ عليها ينبغي أن يبطلها، دليله الحج، والصلاة، وهذا لأنه لما امتنع ابتداؤها مع الكفر
стр. 166
ولم تصح لحق الله تعالى، فكذلك دوامها، لأن دوامها كابتدائها بدليل تطرق الإبطال عليها بعد الفراغ منها لبقاء حكمها، بخلاف الصلاة، والصوم بعد الفراغ منهما.
فإن قيل: لا يجوز اعتبار الطارئ بالمقارِن بدليل أن العدّة، والردّة، والإحرام لو قارن النكاح أبطله، وإذا طرأ عليه لم يبطله.
قلنا: وقد يستويان بدليل الحدث سواء كان [طارئاً] (١)، أو [مقارناً] (٢) في نقض الوضوء، وكذلك تحريم النكاح بالرضاع لا فرق بين أن يطرأ على النكاح، أو يقارنه في منع صحته، وكذلك تحريم المصاهرة لا فرق بين أن يتقدم العقد، أو يطرأ عليه.
فإن قيل: الحدث أمر حسيّ فلهذا أبطل،/ بخلاف مسألتنا فإنه حكم.
قلنا: لا فرق بين الحسي والحكمي في نقض الوضوء، بدليل رؤية الماء في حق المتيمم، وانقطاع دم المستحاضة، وانقضاء مدة المسح، وظهور شيء من القدمين، وخروج الوقت في التيمم.
وقد قيل: بأن الردة قول منكر وزور، فأوجبت تطهيراً، دليله الظهار، والقذف.
وقيل: بأن الردة سبب يمنع تلاوة القرآن، فإذا طرأ على الطهارة أفسدها، دليله الحيض، والنفاس.
احتجوا:
بأن ما صح من الطهارة لا تبطل بالردة كإزالة النجاسة، وغسل الجنابة، والحيض، ولأن الردة كبيرة من الكبائر فلم تبطل الوضوء، دليله سائر الكبائر، ولأنه قول منكر وزور فلم ينقض الوضوء، دليله الظهار، وقذف المحصنات، وسب الصالحات.
стр. 167
والمعتمد لهم من وجهين؛ أحدهما: أنه وجد المطهّر فلا يجب الغسل، وهذا لأن الإسلام قد وجد وهو المطهر الأعظم من [الآثام] (١)، وغيرها، ولأن الكفر لما أوجب النجاسة، كان الإسلام موجبا للطهارة.
وتحقيق هذه الطريقة: أن الأمر لما أوجب نجاسة حكميَّة، كان زواله ـ أيضاً ـ حكميّاً، والإسلام يوجب الطهارة حكماً، فاكتفي به في الزوال؛ لأن الشيء يزول على وفق ثبوته.
الوجه الثاني: أن وجوب الطهارة لابد له من سبب يحال عليه، ولا سبب هاهنا؛ لأن الموجود الإسلام، وهو لا يصلح أن يكون سبباً لوجوب الطهارة.
الثاني: أن سبب الطهارة في الشريعة قد استقر أنه لا يجب إلا بخارج نجس، أو ما أقيم مقامه، ولم يوجد واحد منهما فلا تجب، وهذا لأن الأحكام إنما ثبتت ابتداء، أو [بناء] (٢) وليس/ معكم واحد منهما.
أو نقول: الحكم إنما يثبت بالنص، أو الإجماع، أو قياساً على المنصوص، ولا نصّ، ولا إجماع، بقي القياس على المنصوص، وليس معكم ـ أيضاً ـ؛ لأن المنصوص من الأحداث معلوم، وليس هاهنا ما هو في معناه حتى يلحقونه، فانقطع الإلحاق، فلا حكم يدل عليه، لأن الأحداث لا تثبت قياساً؛ لأنها غير معقولة المعنى، وتقرير هذه الطريقة معلوم، وكلا الطريقتين قد ذَكرتُهما أنا للخصم في هذه المسألة.
الجواب:
عن الأول: أن صحتها مشروطة في دوامها بعدم المانع لصحتها في ابتدائها، وذلك أنه شرط لصحة الدوام أن لا يكون خروج حدث متجدد، كما شرط في الابتداء أن لا يكون خروج حدث مقارن، فكما شرط
стр. 168
لصحة ابتداء الطهارة أن لا يكون مرتداً، كذلك شرط أن تبقى الطهارة بشرط عدم الردة.
فإن قال أصحاب أبي حنيفة: لا نسلم أنها لا تصح إلا مع عدم الردة، بل تصح مع الردة، كما لا تبطلها الردة (١).
قلنا: ندل عليه بأنها عبادة محضة، فنافاها الكفر كالصلاة، والدليل على كونها عبادة: اعتبار العقل بصحتها، وأن (٢) يكون أهلاً، وبهذا فارقت إزالة النجاسة؛ لأنها صحت من المجنون، وبغير قصد أصلاً بصوب الغمام (٣)، والاستحالة عند أبي حنيفة في كل شيء (٤)، وعند الجماعة في الخمر إذا استحالت خلاً (٥)، ثم كيف يجوز أن تكون العبادة صحيحة ممن لا يثبت معبوداً يتعبد له، والعبادات تابعة للإيمان كتبعية أركان الصلاة للتحريم والنية،/ ولا صحة لركوع وسجود مع عدم نيته وتحريمه، كذلك لا عبادة مع عدم الإيمان، وقد رفعت الردة أصل الإيمان، فلا صحة لعبادة بعدمها، ولا معها، فلا يسلم غسل الجنابة بل يبطل بالردة، ويجب الغسل عن الردة ـ أيضاً ـ ابتداء، ويصح بعد إسلامه، والإسلام من الكفر كالطهر من الحيض، فهو مصحح للغسل، لا موجب، لكن الحيض موجب، كذلك الكفر موجب، والإسلام مصحح.
ولو سلمنا فالردة أكثر ما تنزل منزلة الحدث، وغسل الجنابة لا يبطله الحدث.
وأما قولكم: كبيرة من الكبائر، فهو تعليق على العلة ضد المقتضي، فلأنه يبطل بالزنا، وشرب الخمر النبيذ إذا تعقبه سكر؛ فإنه من الكبائر،
стр. 169
ومع هذا يبطل الوضوء، والمعنى في سائر الكبائر أن مقارنتها للوضوء لا تمنع من صحته، وهاهنا بخلافه.
وأما قولهم بأنه منكر وزور، فهو ـ أيضاً ـ تعليق على العلّة ضد المقتضي؛ لأن من شأن المنكر والزور [التغليظ] (١) والعقوبة، والحكم ببقاء الوضوء في حقه يقتضي التسهيل.
وأما الأصل فقد بينا أنه حجة لنا من حيث إنه ما خلا من إيجاب تطهير، أما [الظهار] (٢) فكفارته، وأما القذف فحده، فينبغي هاهنا أن لا يخلو من إيجاب تطهير، وليس إلا الوضوء، والله أعلم.
стр. 170
стр. 171
стр. 172
الثاني: المطلق هل يحمل على المقيد، وفيه روايتان (١)؛ أحدهما: لا يحمل، والثانية: يحمل.
الثالث: أنّا علّقنا الحكم على أوائل الأسماء، كما قلنا في الشَفَق (٢)، وعندهم يعلّق على الحقيقة، وما يزد على المرافق سقط لقيام الدليل. أو نقول: إطلاق اليد في العرف ينصرف إلى الكف (٣)، وعندهم ينصرف إلى الجميع (٤).
لنا:
قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٥) واليد عبارة عن الكف عرفاً وحكماً.
أما العرف فقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ (٦)، وقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ (٧)، ولا يراد إلا الكف.
стр. 173
فإن قيل: بل اليد تقع على هذا العضو من طرف الأصابع إلى الكتف، ولهذا روي عن عمار أنه قال: تيمَّمنا مع النبي ـ صلَّى الله عليه ـ إلى المناكب والآباط (١). ولهذا لو قطع يده من الكتف لم تجب إلا نصف دية الإنسان.
قلنا: قد بينا أن اليد عبارة عن الكف، فأما خبر عمار فإن صح فإنه فعل ذلك برأيه كما تمعّك في التراب، فلما سأل النبي ﵇ أراه أنه يكفيه مسح الوجه والكفين (٢)، ثم لو تناول ما ذكرتم فلم قال في الوضوء: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٣).
فأما قولهم: إنه تجب نصف دية؛ فلا نسلم، بل تجب نصف دية الإنسان
стр. 174
في الكف، وما زاد تجب فيه حكومة، على أنه لو وقع اسم اليد على ما ذكرتم وما ذكرنا فالواجب من الأمر أقل ما يتناوله الاسم كما لو قال: صلوا أو صوموا.
و ـ أيضاً ـ من جهة السنة؛ الحديث المذكور في جميع الصحاح، رواه أحمد، والبخاري، ومسلم/ عن عمّار: «أن رجلاً جاء إلى عمر ﵁ فقال: أني أجنبت ولم أجد الماء، فقال عمار لعمر: أما تذكر أنّا كنّا أنا وأنتَ في سفر فأجنبنا، فأما أنت فلم تصلِّ، وأما أنا فتمعّكتُ في التراب وصليت فذكرت ذلك للنبي ـ صلَّى الله عليه ـ، فقال: إنما كان يكفيك هكذا، وضرب النبي ﵇ بكفيه على الأرض ومسح بهما وجهه وكفيه» (١)، وهذا يقطع كل إشكال.
وروى الشيخ أبو عبد الله ابن بَطة (٢) في «السنن» (٣) بإسناده عن عمّار أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ، قال: «التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين من مفصل قطع السارق» (٤). وهذا ـ أيضاً ـ نص لا يحتمل التأويل بوجه ما.
والفقه في المسألة، أنا نقول: حكْمٌ علِّق باليد مطلقاً فاختص [بالكوع] (٥)، دليله القطع في السرقة، والمحاربة، وهذا قياس الحبر
стр. 175
عبد الله بن عباس، [فإن] (١) الترمذي روى عنه أنه سئل عن التيمم فقال: إن الله تعالى قال في الوضوء: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٢)، وقال في التيمم: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ (٣)، وقال في السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ (٤)، فكانت السنة في القطع؛ الكفين، فالتيمم إنما هو الوجه والكفان (٥). ولا تلزم طهارة الماء فإنها لم تعلق باليد مطلقاً، وهذه العبارة يرد عليها مسألة اليمين، وهو إذا حلف: لا لمست يد فلان. فإنه لا يختص الكوع، وكذلك مسألة الدية.
والأولى أن نقول: تطهُّر عُلّق باليد مطلقاً كالأصل، والحدود لا شك أنها مطهرة من الذنوب، فيطلق عليها هذا الاسم إطلاقاً، وهذا كله لفقه وهو: أن التيمم شرع مخففاً، فأسقط منه ما تيسر عادة وهو مسح الرأس والرجلين، وذلك لاحتمال معنيين:
أحدهما: أن المقصود به إظهار التعبد وإحياء مراسم/ العبادة، وذلك فيما يظهر، والذي يظهر عادة الوجه والكفان، [حتى] (٦) في حق المرأة التي أُمرت بالستر أبيح لها كشف الوجه والكفين في الصلاة والإحرام.
أو يكون لأن الشرع علم أنه يشق على الناس إيصال الماء إلى المستور من أبدانهم، ولا يشق إيصال ذلك إلى ما يظهر عادة وهو ما ذكرنا.
فإن قيل: القطع في السرقة والمحاربة عقوبة، والعقوبات يحتاط في تقليلها، وهي مما يسقط بالشبهة، فإذا عُلِّق باليد اقتنع فيه بأول ما يُسمى [يداً] (٧)، وليس كذلك الطهارات فإنها يُبالغ فيها ويكرر، ومبناها على الزيادة.
стр. 176
قلنا: لا فرق بينهما؛ فإن هذا التيمم مبناه ـ أيضاً ـ على التخفيف، فاقتنع فيه بأول الاسم، وهذا سقط منه عضوان، فمبناه على الإسقاط كالحد سواء.
وقد قيل: إنه عضو محدود في التيمم، فكان يحل فرضه في بدله المؤقت ناقصاً عن محل فرضه في الأصل، دليلنا الرِّجلان؛ فإنه يُمسح بعض القدم منه بخلاف ما إذا غسل، وقد قيل: بأن الوضوء إحدى الطهارتين، فكان محل فرض اليدين فيهما إلى الآباط، وقد نقص عن ذلك في التيمم، كذلك في الوضوء فرض اليدين فيه إلى المرفقين، فيجب أن ينقص عن ذلك في التيمم، والاعتماد على الخبر.
طريقة أخرى: أنا نقول: اليد المطلقة في العرف عبارة عن الكفِّ، ولذلك قطعت يد السارق من الكف، ودية اليد تجب من الكف إذا قطعت، وذلك أن أكثر أعمال اليد من القبض والبطش بالكف، لا بالذراع، والعضد، والساعد، فصار الاسم مقصوراً عليه (١)، ولذلك لما شرع الغسل ممدوداً قُرن بقوله ـ تعالى ـ: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٢)، وإلى أن كلمة المدّ إلى الغاية، ولو كانت اليد متناولة/ جميع الأقسام إلى الإبط لم يستقم الإمداد بالمرافق بل كان إسقاطاً، وروي أنه ﵇ قال لعمار: «يكفيك ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة للكفين» (٣).
وقد يدل عليه ضرب من المعنى، وهو أن الغبار اللاصق بالكف مع استحباب التقليل لا يعمّ الساعد، وكان رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ ينفخ في التراب ليقل ما على اليد منه (٤).
стр. 177
ولأن التيمم بُني على التخفيف، فلم يشرع في العضو الذي يستر عادة تخفيفاً، ألا ترى أنه لا يشرع في الرأس المستور بالعمامة، والرجل المستور بالمكاعب، فيشرع في الوجه البادي، وكذلك الكفان يبدوان عادة، وكذلك حرم من المرأة إلا ما ظهر منها في نص الكتاب، وكان عبارة عن الوجه والكفين.
قالوا: اليد مطلقة إلا أنها في الوضوء مقيدة فحملت عليه.
قلنا لهم: حمل المطلق على المقيد دون قياس ممتنع.
قالوا: الدليل على الحمل أنه ـ تعالى ـ لما شرع التيمم في اليدين عُلم أنه جعل هذا العضو محلاً، وأنه في كونه محلاً لا يتجزأ، فاستدعى بعضُه ما بقي، وصار تبعاً له.
قلنا لهم: عدم التجزؤ في الوضوء دون التيمم، ألا ترى كيف تجزأ في حق سائر الأعضاء، وإن كان لا يتجزأُ في حق الوضوء.
قالوا: الصعيد جُعِل بدلاً عن الماء في أنه طهور، فأما الطهارة المؤداة فهو ذلك بعينه، وكان ينبغي أن لا يتجزأ في حق كل الأعضاء؛ لأنها تلك الطهارة، إلا أنا لم نقل بالعموم للنص، فأما اليد فما فيها نصّ ما نع من القول بعدم التجزؤ.
قيل لهم: كيف [يستقيم] (١) ذلك منكم مع تجويزكم إغفال لمعة، فلم يجدوا عليه كلاماً ظاهراً، ومما قيل فيه: إن التراب لا يصل مع/ التقليل وآثاره، وهذا ـ أيضاً ـ لازم جداً لمن تأمل.
واحتج بعضهم بأن اليد مطلقة، والمطلق إما أن يقتضي كل اليد كما قاله الزهري؛ فإنه أوجب مسح اليد إلى الإبط (٢)، وإذا تعدى ذلك لدليل
стр. 178
فأقْصَدُ الطرق الاكتفاء بالمستيقن منه، سيما وقد اقترن به ما يدل على التبعيض، وهذا ليس بشيء لما ذكرنا.
احتجوا:
بقوله ـ تعالى ـ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (١)، وإطلاق اليد يقتضي التعميم إلى المَنْكِبين (٢)، وإنما أخرجنا ما جاوز المرفقين بتقييد القرآن في طهارة الماء، وبقي ما دونها داخلاً في فرض طهارات الأحداث بماء كانت أو تراب.
والدليل على أن الكلّ يد، وأن الإطلاق يتناولها وجوب الدية في جميعها فهي كالكمرة (٣) مع الذكر، والمَارِن (٤) مع الأنف تجب الدية في جميعه، وتجب في طرفه جميعها إذا أفرد بالقطع.
ومنهم من قال: إن الله ـ سبحانه ـ علّق [التيمم] (٥) بالوجه واليدين مطلقاً، وقيّدهما في الوضوء إلى المرفقين، وعندكم أن المطلق يحمل على المقيد، ولذلك حملتم كفارة الظهار على كفارة القتل في اعتبار أثمان الرقبة مع اختلاف السبب هناك، فأولى أن تحملوا هذه.
قالوا: وقد روى ابن عمر، وجابر (٦)، وأسلع بن شريك (٧)،
стр. 179
стр. 180
وروى أبو جهم بن حذيفة (١) أنّ النبي ﵇ تيمم فمسح وجهه وذراعيه (٢). قالوا: وهذا نص.
والفقه في ذلك: أنه ممسوح في التيمم، فكان على حدّه في الوضوء كالوجه، أو نقول: طهارة عن حدث فدخل فيها الذراع كالوضوء.
قالوا: ولأن/ الطهارة في أربعة أعضاء كالصلاة أربع ركعات، ثم إذا رجعت الصلاة إلى ركعتين أُتِي بها على الكمال كذلك الطهارة.
الجواب:
عن الأول: أنا قد جعلنا هذا الإطلاق حجة لنا، وأن اليد المطلقة