← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30143

المفردات

ابن الزاغوني

Полный текст (748 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قلنا: لا فرق بينهما؛ فإن هذا التيمم مبناه ـ أيضاً ـ على التخفيف، فاقتنع فيه بأول الاسم، وهذا سقط منه عضوان، فمبناه على الإسقاط كالحد سواء. وقد قيل: إنه عضو محدود في التيمم، فكان يحل فرضه في بدله المؤقت ناقصاً عن محل فرضه في الأصل، دليلنا الرِّجلان؛ فإنه يُمسح بعض القدم منه بخلاف ما إذا غسل، وقد قيل: بأن الوضوء إحدى الطهارتين، فكان محل فرض اليدين فيهما إلى الآباط، وقد نقص عن ذلك في التيمم، كذلك في الوضوء فرض اليدين فيه إلى المرفقين، فيجب أن ينقص عن ذلك في التيمم، والاعتماد على الخبر. طريقة أخرى: أنا نقول: اليد المطلقة في العرف عبارة عن الكفِّ، ولذلك قطعت يد السارق من الكف، ودية اليد تجب من الكف إذا قطعت، وذلك أن أكثر أعمال اليد من القبض والبطش بالكف، لا بالذراع، والعضد، والساعد، فصار الاسم مقصوراً عليه (١)، ولذلك لما شرع الغسل ممدوداً قُرن بقوله ـ تعالى ـ: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٢)، وإلى أن كلمة المدّ إلى الغاية، ولو كانت اليد متناولة/ جميع الأقسام إلى الإبط لم يستقم الإمداد بالمرافق بل كان إسقاطاً، وروي أنه ﵇ قال لعمار: «يكفيك ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة للكفين» (٣). وقد يدل عليه ضرب من المعنى، وهو أن الغبار اللاصق بالكف مع استحباب التقليل لا يعمّ الساعد، وكان رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ ينفخ في التراب ليقل ما على اليد منه (٤).

стр. 177

ولأن التيمم بُني على التخفيف، فلم يشرع في العضو الذي يستر عادة تخفيفاً، ألا ترى أنه لا يشرع في الرأس المستور بالعمامة، والرجل المستور بالمكاعب، فيشرع في الوجه البادي، وكذلك الكفان يبدوان عادة، وكذلك حرم من المرأة إلا ما ظهر منها في نص الكتاب، وكان عبارة عن الوجه والكفين. قالوا: اليد مطلقة إلا أنها في الوضوء مقيدة فحملت عليه. قلنا لهم: حمل المطلق على المقيد دون قياس ممتنع. قالوا: الدليل على الحمل أنه ـ تعالى ـ لما شرع التيمم في اليدين عُلم أنه جعل هذا العضو محلاً، وأنه في كونه محلاً لا يتجزأ، فاستدعى بعضُه ما بقي، وصار تبعاً له. قلنا لهم: عدم التجزؤ في الوضوء دون التيمم، ألا ترى كيف تجزأ في حق سائر الأعضاء، وإن كان لا يتجزأُ في حق الوضوء. قالوا: الصعيد جُعِل بدلاً عن الماء في أنه طهور، فأما الطهارة المؤداة فهو ذلك بعينه، وكان ينبغي أن لا يتجزأ في حق كل الأعضاء؛ لأنها تلك الطهارة، إلا أنا لم نقل بالعموم للنص، فأما اليد فما فيها نصّ ما نع من القول بعدم التجزؤ. قيل لهم: كيف [يستقيم] (١) ذلك منكم مع تجويزكم إغفال لمعة، فلم يجدوا عليه كلاماً ظاهراً، ومما قيل فيه: إن التراب لا يصل مع/ التقليل وآثاره، وهذا ـ أيضاً ـ لازم جداً لمن تأمل. واحتج بعضهم بأن اليد مطلقة، والمطلق إما أن يقتضي كل اليد كما قاله الزهري؛ فإنه أوجب مسح اليد إلى الإبط (٢)، وإذا تعدى ذلك لدليل

стр. 178

فأقْصَدُ الطرق الاكتفاء بالمستيقن منه، سيما وقد اقترن به ما يدل على التبعيض، وهذا ليس بشيء لما ذكرنا. احتجوا: بقوله ـ تعالى ـ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (١)، وإطلاق اليد يقتضي التعميم إلى المَنْكِبين (٢)، وإنما أخرجنا ما جاوز المرفقين بتقييد القرآن في طهارة الماء، وبقي ما دونها داخلاً في فرض طهارات الأحداث بماء كانت أو تراب. والدليل على أن الكلّ يد، وأن الإطلاق يتناولها وجوب الدية في جميعها فهي كالكمرة (٣) مع الذكر، والمَارِن (٤) مع الأنف تجب الدية في جميعه، وتجب في طرفه جميعها إذا أفرد بالقطع. ومنهم من قال: إن الله ـ سبحانه ـ علّق [التيمم] (٥) بالوجه واليدين مطلقاً، وقيّدهما في الوضوء إلى المرفقين، وعندكم أن المطلق يحمل على المقيد، ولذلك حملتم كفارة الظهار على كفارة القتل في اعتبار أثمان الرقبة مع اختلاف السبب هناك، فأولى أن تحملوا هذه. قالوا: وقد روى ابن عمر، وجابر (٦)، وأسلع بن شريك (٧)،

стр. 179

عن النبي ﵇ أنه قال: «التيمم ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» (١).

стр. 180

وروى أبو جهم بن حذيفة (١) أنّ النبي ﵇ تيمم فمسح وجهه وذراعيه (٢). قالوا: وهذا نص. والفقه في ذلك: أنه ممسوح في التيمم، فكان على حدّه في الوضوء كالوجه، أو نقول: طهارة عن حدث فدخل فيها الذراع كالوضوء. قالوا: ولأن/ الطهارة في أربعة أعضاء كالصلاة أربع ركعات، ثم إذا رجعت الصلاة إلى ركعتين أُتِي بها على الكمال كذلك الطهارة. الجواب: عن الأول: أنا قد جعلنا هذا الإطلاق حجة لنا، وأن اليد المطلقة

стр. 181

في الشرع والعرف محمولة على الكف فقط، ولكل عضو بعدهما اسم يخصه، وإنما ذكر الله ـ سبحانه ـ ما وراء الكوعين للإدخال لا للإخراج. والدليل عليه: أن الله ـ تعالى ـ أطلق في القطع، فقطع النبي ﵇، فكان فعله تفسيراً لإطلاق القرآن، وقد عقل هذا أكثر الصحابة والتابعين، فروي عن علي (١)، وعمار (٢)، وابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، ومكحول (٣)، والشعبي (٤) أنهم قالوا كذلك (٥)، فكان حجة لنا لا لهم. وأما الدية فلا نسلم، وقد تقدم بيان الكف، ولو سلمنا فوجوب الدية في الجميع إلى المنكب لا يدل على أن [الكف بعض اليد] (٦)، بدليل أنها لو كانت بعضاً لأثر فقدها في القصاص، أو الدية، ومعلوم أنا نقتل الصحيح بالمجذم (٧)، ونوجب في الأقطع دية الصحيح.

стр. 182

على أنه لو كان على ما ذكر من العموم فما رويناه من الأخبار صالحة لتخصيص عموم القرآن، وصرفه عن ظاهره بتصريح تقديره ـ صلَّى الله عليه ـ بالكفين، أو اقتصاره عليهما، بل يُقضى بخبر الواحد على براءة الذمم الذي طريقه القطع بأدلة العقل. وأما قولهم: إنه قد قيد في الوضوء، ومن مذهبكم حمل المطلق على المقيد. قلنا: لا يُحمل عندنا في إحدى الروايتين (١)، وهذا لأن تعيين الخطاب بشيء في موضع لا يوجب تقييد مثله في موضع آخر، كما أن تخصيص العموم [في موضع] (٢) لا يوجب تخصيص العموم في موضع آخر. / ولأنه لو وجب حمل المطلق على المقيد بظاهر الخطاب لم يكن ذلك أولى من حمل المقيد على المطلق بظاهر الورود، وهذا لأن التقييد له حكم، والإطلاق له حكم، وحمل أحدهما على صاحبه مثل حمل صاحبه عليه. وإن سلمنا على الرواية الأخرى فإنا نحمل [ذلك] (٣) إذا كان جنساً واحداً، ولم يرد فيه تقدير شرعي، وقد ورد في مسألتنا ما منع الحمل، فأما التيمم فليس من جنس الوضوء، ولهذا لا يعمّ ما يعمه الوضوء في الوجه من الفم، والأنف، وتخليل الشعور، وذلك مسح عن غسل، وتراب عن ماء، فصارا كالجنسين لتباعد معناهما. فأما الأخبار فغير ثابتة في صحيح ولا سنن، ثم قد طعن أصحاب الحديث فيمن رواها، فقال أبو زرعة الرازي (٤) في حديث ابن عمر:

стр. 183

يرويه سليمان بن أبي داود (١)، وهو ضعيف، وحديث أسلع يرويه الربيع بن بدر (٢)، وهو متروك الحديث (٣). وقال غيره (٤): هي موقوفة على ابن عمر، وجابر (٥). ولو قدر صحتها فإنا نحملها على الاستحباب، وأخبارنا نحملها على الجواز وقدر الكفاية، فنجمع بين الأخبار، وأنتم لا يمكنكم ذلك، فنكون أسعد. وأما قولهم: ممسوح في الفم والوجه. قلنا: لم كان كذلك، ولا نسلم أن الوجه على حده في الوضوء، فإنه يسقط منه في التيمم الفم، والأنف، ودواخل الشعور، على أن الوجه يبدو جميعه، وهو غير محدود في الوضوء بخلاف اليدين، ولأن الوجه هو الحجة من حيث إنه لم يقع المسح على ما يزيد على اسم الوجه، وهو ما تحصل به المواجهة، يجب أن لا يزيد هاهنا على ما يقع عليه اسم اليد. ولأن الوجه آكد من اليدين،/ ألا تراهما في المبدل وهو الغسل

стр. 184

يجب الاستيعاب فيه، وفي اليدين لا يجب استيعابهما، لأن الآباط من جملتها على قولكم، ومع هذا لم يجب دخولها في الغسل، فجاز أن يختلفا في باب المبدل. وأما قياسهم الثاني على الوضوء فلا يصح؛ لأنه قياس المنصوص على المنصوص، ثم التيمم لا يعتبر بالوضوء؛ لأن مبناه على الإسقاط، والتخفيف، ويستوي فيه الجنابة، والحدث، بخلاف طهارة الماء. ولأن التيمم بدل، والأبدال مبناها على التخفيف، بخلاف الوضوء فإنه أصل، ومبنى الأصول على التكميل. وأما الكلام الأخير فلا يصح؛ لأن البدل في الطهارة أخف من البدل في الصلاة، وهو المسح على الخفين. الثاني: أن بدل الصلاة من جنسها أفعال من مثلها، وبدل الطهارة من غير جنسها وهو المسح، فهو أخف من بدل الصلاة، والله أعلم.

стр. 185

مسألة إذا كان على بدنه نجاسة، ولا حدث عليه، ولم يجد ما يزيلها به تيمم عنها كما يتيمم للحدث، هذا مذهبنا في إحدى الوجهين (١)، نص عليه (٢)، [و] (٣) اختاره أبو بكر الخلال (٤) (٥). والوجه الثاني: أن التيمم لا يعمل في رفع حكمها (٦)، اختاره ابن حامد (٧) (٨)، وهو قول أكثر الفقهاء (٩). ومأخذ المسألة: أن الطهارة الحكمية بُنيت على وفاق الحسيّة عندنا، وعندهم لا.

стр. 186

وهذا يبتني على أن على أعضاء المحدث نجاسة مقدرة حكمية، حتى إنّا نقول بنجاسة الماء المنفصل عن أعضائه في رواية (١). وهل يفتقر التيمم عنها إلى النية؛ فيه وجهان (٢)، فإن كان محدثاً فنواهما بالتيمم فهل يجزئه تيمم واحد، فيه وجهان (٣). وجه الأول: قول النبي ﵇: «التراب كافيك ما لم تجد الماء ولو عشر حجج» (٤). فجعل التراب طهوراً/ لمن لم يجد الماء، وهذا عام في الطهارة عن الحدث، وعن النجس. والفقه في المسألة أنا نقول: إحدى الطهارتين (٥) فجاز أن يكون للتيمم فيها مدخل، دليله الطهارة عن الحدث. أو نقول: طهارة تراد للصلاة، أو طهارة واجبة أشبه الأصل، وهذا لأن الحدث وإن لم يكن فيه نجاسة عينية فإن فيه نجاسة مقدرة حكمية، وهذا لأن استعمال الماء في الحدث لمّا وجب باسم الطهارة فلا بدّ من نجاسة لتكون ملائمة للتطهير، فثبت في المحل نجاسة حكمية، إذ الطهارات لا تكون إلا عن نجاسة، ولهذا المعنى تأثَّر الماء بالاستعمال حتى صار عندكم مستعملاً (٦)، وعندنا نجساً (٧).

стр. 187

يدل عليه: أن الطهارة لا تجب إلا عن خارج نجس على ما عرف في موضعه، فدل بذلك أن الحدث في حكم النجاسة، ثم ثبت وتقرر أن التيمم له مدخل في طهارة الحدث، كذلك في طهارة النجس. يدل عليه أنه لا معنى للنجاسة إلا المنع من الصلاة، والحدث بهذه المثابة، فلا فرق بينهما بوجه. يدل عليه أن الميت ينجس بالموت عند أبي حنيفة (١)، وعندنا في رواية (٢)، ثم إذا عدم الماء في حقه فإنه يُيمَّم وتستباح بهذا التيمم الصلاة عليه، ويقوم مقام الغسل، وهذا تَيمُّم عن نجاسة، وقد أثر في رفع حكمها، كذلك هاهنا. فإن قيل: التيمم إنما كان له مدخل في طهارة الحدث؛ لأنه رافع له على ما ذكره القاضي أبو زيد، فإنه خرَّج على مسائل من مذهب أبي حنيفة أنه يرفع الحدث (٣)، وحكاه بعضهم رواية عن أبي حنيفة (٤)، بخلاف النجاسة فإن التيمم ما أزال عينها، ولا حقيقتها. والدليل على أنه يرفع الحدث/ أن التيمم بدل عن الوضوء، والبدل يسدُّ مسدَّ المبدل، فإذا كان المبدل يرفع المانع، كذلك البدل، يوضح هذا أن المنع قد ارتفع به، والمنع حكم المانع، ومحال أن يكون المانع باقياً وحكمه مرتفعاً. والدليل على أن حكم البدل حكم المبدل ما ذكرناه من الأبدال في الكفارات تبرئ الذمة، ويرتفع ما شغلها حسبما رفع صحتها وأبرأها المبدل، وكذلك العِدد فعل البدل فيها وهو الشهور ما فعل الحيض والولد من إبراء الرحم، وترتب عليه إباحة العقد على المرأة.

стр. 188

قلنا: أولاً: الصحيح والمشهور من مذهب أبي حنيفة، وما ذكروه في كتبهم أن التيمم لا يرفع الحدث (١)، فلا يلتفت إلى غيره. ثم ندل عليه بقول النبي ـ صلَّى الله عليه ـ لعمرو بن العاص (٢) في الحديث المشهور: «صليت بأصحابك وأنت جنب» لما كان قد تيمم لأجل خوف البرد (٣)، فسماه جنباً، وهذا يدل على أن الجنابة حاصلة بعد التيمم. ثم التيمم لو رَفع الحدث لوجب إذا تيمم الجنب والمحدث ثم وجدا الماء أن لا يختلفا في [ما] (٤) يلزمهما؛ لأن وجود الماء في حقهما على حال واحد، فلما اختلفا فلزم الجنب الغسل، والمحدث الطهارة، دل على أن حدثهما لم يرتفع، فاختلف ما يلزمهما لاختلاف حال حدثهما. فأما قولكم: إن البدل يعمل عمل المبدل؛ ليس بصحيح؛ لأن المبدل يرفع بنفسه بغير نية عندكم، والتراب يحتاج إلى نية، والماء لا يتوقف، ولا يعود الحدث إلا بسببه، وفي التيمم يعود الحدث بغير سببه وهو وجود الماء.

стр. 189

وقولكم: إنه لا يزول الحكم مع بقاء سببه، فإذا كان الحدث باقياً فكيف يزول المنع، والمنع حكم/ الحدث، ولهذا الماء لم يزل المنع به إلا بتوسط رفع المانع؛ فهذا ليس بصحيح ـ أيضاً ـ؛ لأن الحكم قد يرتفع مع بقاء سببه، بدليل أن السبب لتحريم أكل الميتة كونها نجسة العين ميتة [مستحيلاً] (١) فيها الدماء والنتن والخبث الحاصل فيها، ثم إن الضرورة لما جاءت أزالت المنع من الأكل، وأباحت الأكل، وإن كان المعنى الذي تعلق عليه حكم [المنع] (٢) باقياً، ولم يحكم الشرع بزوال المانع، وزوال المنع، بل اللحم نجس وميتة، والإباحة حاصلة لأجل الضرورة، كذلك جسدُ المحدثِ؛ مُحدِثٌ جُنبٌ وغيره من الأحداث (٣)، وأتيح له لأجل الضرورة الصلاة، فالبدن المحدث كالشاة الميتة، والأكل للضرورة كالصلاة مع الحدث للضرورة، وكذلك وضوء المستحاضة لا يرفع الحدث، بل الحدث مستدام في حقِّها، ومع ذلك تستباح الصلاة، فالمنع زال بطهارتها، والمانع مستدام، وإذا ثبت أن التيمم لا يرفع الحدث، لم يكن بينه وبين النجاسة فرق في أن التيمم رفع حكمه مع بقاء عينه، وسيظهر ـ بمشيئة الله ـ هذا الكلام فيما بعد. وقد سلك بعض الأصحاب في المسألة طريقة أخرى، فقال: إن محل النجاسة يجب تطهيره تعبداً حكميّاً، ولهذا نخصه بالماء والخل أبلغ منه في الإزالة، ونوجب غسل النجاسة سبعاً وهي تزول بدون ذلك، ويزول بلل البول بالشمس والهواء ولا يطهر المحل، وإذا ثبت أنه تطهير حكمي صار كالحدث في الأعضاء فدخله التيمم عند عدم الماء. ولا يقال: النجاسة معقولة بخلاف الحدث؛ فإنا قد بينا أن محلها بعد الإزالة تطهيره بحكم، ولهذا ورد الشرع بأن فَركَ المنيّ من الثوب تطهيره، ورش بول/ الغلام تطهيره، وكذلك أسفل الخف بالتراب تطهيره،

стр. 190

وولوغ الكلب لا يطهر إلا بسبع إحداهنَّ بالتراب، والخمر المستلذة نجسة، ومخاط المزكوم وريق الأبخر طاهر، وأثر الاستنجاء يعفى عنه، ولا يعفى عن بقية البدن. ولا يقال: فاشترطوا في ذلك النية، والتسمية كالطهارة الحكمية، قال: لأنا نقول: يحتمل أن نقول ذلك. طريقة أخرى قد ذكرها بعض الأصحاب، وذلك أنه قال: نجاسة على بدنه فجاز أن يكون للجامد مدخل في إزالة حكمها، دليله نجاسة السبيلين، للجامد فيها مدخل وهو الأحجار. فإن قيل: المعنى في السبيلين أنه تتكرر ملاقاة النجاسة لهما، وقد لا نجد ما يزيلها، فلهذا عدل إلى غيره. قلنا: الحدث لغير الماء مدخل في طهارته، ويستوي فيه المعتاد وهو البول والغائط، والنادر وهو الدود والدم ونحوه، كذلك النجاسة يجب أن يكون لغير الماء مدخل في المعتاد والنادر. وذكروا طريقة أخرى وهي: أن ما جاز التطهير به عن الحدث جاز التطهير به عن النجس، دليله الماء، يبيّن صحة هذا أن الحدث آكد بدليل أنه لا يعفى عن يسيره، وهو مجمع على وجوب إزالته، ويتعدى محله، ومع هذا للتراب مدخل فيه فأولى أن يكون له مدخل هاهنا. وقد قيل: بأنها عين يجب إزالتها لحرمة عبادة، فجاز إزالة حكمها بالتراب، دليله الطيب من ثوب المحرم، وسنُبيِّن وجه كلامهم على هذا. احتجوا في مسألة منع التيمم عن النجاسة، فقالوا: أجمعنا على أن من توضأ قبل أن يستنجي صحّ وضوؤه، [ولو] (١) تيمم قبل أن يستنجي لم يصح التيمم، وما كان ذلك إلا لأن الوضوء/ عمله، فأما التيمم فإنه وضع لاستباحة الصلاة، وما دامت عليه نجاسة المحل فلا استباحة صلاة.

стр. 191

واحتجوا بأن النجاسة عين، والتيمم ما أزال العين ولا خففها، فكيف يحكم بزوال حكمها به، وهذا لأن كل سارٍ متعدٍ إن لم يعمل في المحل الذي يحل فيه لم يسر ولم يتعد إلى غيره، وإنما ينفذ في المحل ويؤثر، ثم يسري ويتعدى كالعتق الذي يصادف ملكاً فينفذ، ثم يسري إلى غير ملك المعتِق، والجناية تصادف محلاً فيه حياة وحس وألم، فتتعدى إلى غير محل الإصابة، فتجدد ألماً وضرباً وإزالة الحياة عنه، والتيمم في الوجه واليدين لم يصادف حدثاً ولا نجساً عينياً، ولا حكميّاً، فمُحال أن يرفع المنع، أو المانع من محل فيه غير المانع، وإذا لم يوجد في المحل النجس ملاقاة الطهور، ولا تعدى إليه حكمه لم يكن لزوال المنع معنى، وصار كما لو أصابت يده نجاسة فغسل وجهه فإن حكم النجاسة لا يرتفع، كذلك هاهنا. وخُرِّج على هذا الحدث؛ لأنه حكم، وطهارته حكمية، ولهذا يقع الوضوء في الأعضاء الأربعة فيرفع حدث ما عداها، ويرفع المنع الذي كان يمنع من مس المصحف بالبطن والصدر، ويقع على الخف فيرفع المنع عن القدمين، وعلى العمامة عندكم فيرفع حدث الرأس، وعلى الجبيرة فيرفع حدث ما تحتها من محل الجبر في الحقيقة، كأفعال الله ـ سبحانه ـ المتعدية مثل الضرر الحاصل من العين والسحر، فالمعايِن ينظر فيعجب، والساحر يدخن ويعقد، والله ـ سبحانه ـ يحدث عن ذلك ما يحدث من المضار، كتعدي ما كان في جُفّ (١) طَلْعَة (٢) إلى النبي ﵇ حين كان/ يخيل إليه سبب الاغتسال (٣)، ونظر العائن وإعجابه بعددهم يوم حنين والمضرة الواقعة

стр. 192

بهزيمة جيش النبي ـ صلَّى الله عليه ـ فقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (١). وإزالة النجاسة كأكساب الآدميين التي لا تقع إلا محل قدرهم، فلو أثر التراب في رفع حكم النجاسة مع كونه واقعاً في غير محلها لأثر الماء في رفع حكمها مع وقوعه في غير محلها كطهارة الحدث. ولأن هذا لا يليق بمذهبكم؛ لأن أحمد يشدد في باب النجاسة حتى إنه منع من الصلاة إلى حش (٢) وراء قبلة المسجد، ومن الصلاة على بساط في ظاهره نجاسة مع طهارة الجهة التي صلى عليها منه، ومن الصلاة في المقابر، ومدافن النجاسات، ومن الصلاة في الحش مع طهارة البقعة، ومن الصلاة مع حمل قارورة مضمومة في باطنها نجاسة (٣)، مع خلاف غيره له في هذه المسائل، فإذا كان حكم النجاسة في المنع على التعدية كيف يجوز أن يحكم بارتفاع حكم النجاسة بوقوع طهارة في غير محلها، لا مخففة لها، ولا مزيلة. يدل عليه أنه إذا جاز أن يرفع حكم النجاسة وإن لم يكن مخففاً

стр. 193

لها، ولا مزيلاً، ولا مصادفاً محلها، فهلا رفع الحكم عن نجاسة سترة المصلي، وما الفرق بين العضو والسترة إذا لم تعتبر مصادفة المحل بتخفيف ولا إزالة. قالوا: وأما ما ذكره بعض أصحابكم من طيب المحرم، فإنما كان للتراب مدخل في الطيب لأنه يخفف عين الطيب ويزيله، وكذلك الأحجار لها مدخل في السبيلين؛ لأنها تخفف عين النجاسة، وكذلك الماء، وليس كذلك التيمم لأنه في أعضاء الطهارة فلا يخفف عين النجاسة. / الجواب: أن التيمم لا يرفع الحدث على ما بيّنا، لكن يرفع حكمه، ومع كونه لم يرفع عين الحدث رفع منع الحدث، فكذلك أكثر ما يتعلقون به هاهنا أنه لا يرفع عين النجاسة، ويجوز أن لا يرفع العين ويرفع الحكم وهو المنع، وكثرة الماء لا ترفع عين النجاسة وتمنع الحكم، فإن الكثير إذا كانت فيه عين نجاسة لم تغيره لا تنجسه، فالعين حاصلة فيه ولا حكم، وكذلك النجاسات الحاصلة على مخرجي الحدث لا ترتفع عينها بالحجر ويرتفع الحكم مع بقاء العين، فإن الأثر اللاصق عين باقية لا حكم لها، فقد بان أن الحكم قد يرتفع عن النجاسة والحدث جميعاً مع بقاء العين، وهذا التيمم [لمّا] (١) جعل رافعاً لحكم الحدث وهو منعه مع بقاء عينه جاز أن يرفع المنع عن النجاسة مع بقاء عينها، وكذلك ـ أيضاً ـ طهارة المستحاضة، ومن به سلس البول لا يخفف ومع هذا يلزم، وكذلك التيمم في حق الميت إذا لم يجد ماء فإنه يجب وإن لم يخفف على ما بيّنا. وأما تعلقهم بالنجاسة على السترة، قلنا: طهارة البدن أدخل في الحصول، وأسرع إلى الصحة من غيره، بدليل أن المسح على غير البدن وهي الحوائل رخصة وضرورة، فيزول المانع أو المنع عن البدن، فيتعدى مسح غير البدن إلى تطهير البدن، وليس لنا طهارة في البدن ترفع مانعاً

стр. 194

على غير البدن، ولأن الثوب وكل ملبوس إذا كان نجساً أمكننا تركه، وليس من ضرورتنا حمله في الصلاة، فإذا لم يجد ما يزيله صار تنجيسه كعدمه فيصلي عرياناً، فأما أعضاؤه فلا قدرة له على تركها، والتيمم طهارةُ ضرورةٍ وُضِعَ ليرفَعَ المنعَ فيُرفع (١). فإن قيل:/ فاجعلوا هذه النجاسة غير المقدور على إزالتها لعدم ما يزيلها بمثابة القليلة التي سقطت إزالتها لأجل المشقة، فاعفُ عنها لمكان عدم ما يزيلها، ولا يستعمل التراب كما لا يستعمل الماء في غير محلها لرفع حكمها في محلها. قلنا: لا وجه لاطِّراحها مع وجود طهور وُضع لإزالة المنع مع وجود المانع وهو الحدث، وله من القوة في رفع المنع بالتعدية ما ليس للماء. والدليل عليه: أنه إذا عدم الماء لجميع أعضائه عندنا (٢)، وعند الشافعي (٣) غسل وجهه ويديه، ثم أوقع التيمم في وجهه ويديه ولا حدث عليها، ولا مانع، فعمل في رفع حدث بقية الأعضاء وجميع [البدن] (٤) في الصغرى والكبرى جميعاً، والماء لا يعمل هذا العمل، بل إذا صادف محلاً فيه حدث رفع حدثه ثم تعدى، وهذا يصادف محلاً لا حدث فيه وهو الوجه واليدان فلا يعمل فيهما، ويتعدى مع ذلك، فيعمل في رفع المنع من الأعضاء، فتخصص بأنه يعتبر استعماله في محل لا يرفع عنه منعاً ولا مانعاً، ويكون ذلك الاستعمال له لرفع المنع من غير محل استعماله، فقد بان بهذا قوة محله في رفع المنع. وأما الطهارة بالماء فإنما لم تؤثر؛ لأنه قادر على إزالة العين بالماء، فإذا عدل عن غسلها مع القدرة لم يجز، وإذا عدم الماء فهو غير قادر، فجاز العدول إلى التيمم كما قلنا في الطهارة عن الحدث: إذا كان واجداً

стр. 195

لما يزيل الحدث لم يجز له التيمم، وإذا لم يجد جاز له لأنه غير واجد، كذلك طهارة النجاسة مثله، وكذلك إذا غسل غير أعضاء الوضوء لم يجزئه لأنه قادر على غسل أعضاء الوضوء، وكذلك إذا كان حيث يغسل أعضاء الوضوء/ دون جميع البدن لم يجزئه؛ لأنه قادر على غسل بدنه، ليس كذلك هاهنا فإنه غير قادر، والله أعلم.

стр. 196

مسألة يجب العدد في سائر النجاسات سبعاً (١)، هذا مذهبنا في أحد الروايات (٢)، وهي اختيار شيوخنا (٣) ﵏. والثانية: أنه يشترط الثلاث (٤)، وهي قول أبي حنيفة (٥)، وفي المذهب تفاصيل، وكذلك في مذهب الخصم [تفصيل] (٦) مذكور في «شرح المذهب» (٧). للأوّلة: أن الرسول ﵇ لما نص على غسل الوُلوغ (٨) سبعاً كان تنبيهاً على البول؛ لأنه أغلظ نجاسة منه، وآكد حكماً، فإنْ مَنَعَ أصحاب أبي حنيفة اعتبار العدد في الوُلوغ (٩) دللنا عليهم بالحديث الصحيح، وهو حديث

стр. 197

أبي هريرة أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ قال: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعاً أولاهنَّ بالتراب»، فعلق التطهير بالسبع، فلا تطهر بدونها، وهذا الحديث متفق عليه؛ أخرجه مسلم في «صحيحه» (١)، وأبو داود (٢)، والساجي، وابن خزيمة (٣) (٤). فإن قيل: نجاسة الوُلوغ أغلظ؛ لأن الكلب نجس في أصل الخلقة، ولا أصل له في الطهارة، [وسائر النجاسات لها أصل في الطهارة] (٥) فكانت أضعف. قلنا: البول مجمع على نجاسته، والوُلوغ مختلف فيه؛ فعند جماعة من الصحابة (٦)، والتابعين (٧)، ومالك (٨)، وداود: أنه ليس بنجس (٩)،

стр. 198

ثم أصل البول تولده عن رطوبات بالمعدة النجسة، فلا أصل له في الطهارة كالكلب سواء، فإن أردتم أن أصل الرطوبات الماء، فأصل الكلب التراب وهو طاهر فلا فرق. ثم يلزم بول الكلب فإن قلتم: إنه يجب غسله سبعاً. فقد قلتم بالتنبيه فإن الرسول نص على الوُلوغ فنبّه على البول، وإن قلتم: لا يجب غسله سبعاً. فقد خالفتم/ الأصول والمعقول؛ فإن بول كل حيوان في العالم أغلظ من ريقه. فإن قيل: إنما نص على الوُلوغ تغليظاً؛ فإن نجاسة وُلوغه كانت مألوفة عندهم، فغلظ كما غلظ في كسر الدِّنان (١)، وتخريق الزِّقاق (٢) في الخمر. قلنا: وجرّ أذيالهم على النجاسات، وترك تنزههم من البول كان مألوفاً، فلحق به التغليظ ـ أيضاً ـ، على أنه لو كان ذلك هو العلة لوجب أن لا يجب غسل الوُلوغ سبعاً، كما لا يجب شق الزقاق وكسر الدنان عندكم، فإنه قد زال الإلف، على [أن] (٣) بوله غير مألوف فَلِم يوجبون عليه سبعاً؟ ثم لو كان هذا هو [العلة] (٤) لكان ينبغي أن يوجبوا غسل ما يصيبه الخمر سبعاً؛ لأن العلة التي عللوا بها موجودة وأكثر. فإن قيل: فالخبر حجتنا؛ لأنه لما خص الوُلوغ بالسبع دلّ على أن بقية النجاسات بخلافه. قلنا: دليل الخطاب عندكم لا يوجد من العدد، ثم نصه على السبع في الوُلوغ لينبِّه على بقية النجاسات، ودليل الخطاب لا حكم له مع التنبيه.

стр. 199

و ـ أيضاً ـ ما روى القاضي ﵀ أن أبا ثعلبة الخُشَنيّ (١) سأل النبي ـ صلَّى الله عليه ـ عن بُرَم (٢) المشركين كيف يصنع بها، فقال: «اغسلوها سبعاً واستعملوها» (٣)، فعلق جواز الاستعمال على السبع. وروى موسى بن عقبة (٤) صاحب «المغازي» (٥) عن ابن عمر أنه قال: أمرنا بغسل الأنجاس سبعاً (٦). والصحابة إنما يأمرهم النبي ﵇، إذ لا أحد يمتثلون أمره سواه. فإن قيل: يحتمل أن يكون ذلك في بُدوّ الأمر؛ بدليل ما روى أحمد بإسناده عن ابن عمر أنه قال: كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة والبول سبعاً، فلم يزل رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ يسأل حتى جعلت الصلاة خمساً، والغسل من/ الجنابة والبول مرة (٧).

стр. 200

قلنا: لم يُذكر هذا الحديث في الصحاح، ثم هو متروك؛ فإنه لو غسل البول مرة فلم يغلب على ظنه أنه طهر وجب الزيادة، ونحمل ذلك إذا كان على الأرض فإنه تجزئ مرة، أو تحتمل المرة أنها ترجع إلى غسل الجنابة، وأدرج الراوي البول ظنّاً منه، بدليل أن ابن عمر إنما قال: «أُمرنا» بعد رسول الله ﵇. والفقه في المسألة: أنها نوع نجاسة يجب غسلها، فوجب العدد فيها، دليله الوُلوغ، وهذا لأنا قد بيّنا أن الوُلوغ أضعف، فإذا وجب فيه العدد فأولى أن يجب في الأغلظ، ولا يلزم بول الغلام إذا لم يطعم الطعام فإنه لا يجب غسله، ولا يلزم إذا كانت على الأرض؛ لأنه يستوي فيه الأصل والفرع. وقد قيل: بأن الماء أحد نوعي ما يسقط حكم نجاسة البول، فاعتبر فيه العدد، دليله الأحجار. فإن قيل: الأحجار لمَّا لم تُزِل الأثر جاز أن يعتبر فيها العدد ليزداد في تخفيف النجاسة، وليس كذلك الماء؛ لأنه يزيل العين والأثر، فلم يحتج معه إلى تَكرار. قلنا: فيجب أن تقولوا مثل هذا في نجاسة الكلب، والخنزير لما كان الماء يزيل العين والأثر لم يعتبر العدد، وقد أوجبنا العدد هناك، كذلك في غيره من النجاسات، ثم يلزم عليه التيمم فإنه لا يرفع الحدث، ولم يعتبر فيه تَكرار يقويه على تخفيف رفع الحدث. ومن أصحابنا (١) من قال: بأنها نجاسة، فاعتبر فيها العدد، كما لو [لم] (٢) يغلب على الظن طهارتها إلا بالسبع، وهذا لأن الاعتبار

стр. 201

إما أن يكون بالعدد، أو بالظن، لا يجوز تعلقه بالظن، فإنه لو تيقن أن/ الماء قد أتى على جميع أعضائه في الحدث، ولم يغلب على ظنه أن ذلك مطهراً له حصلت الطهارة، وفي مسألتنا لو تيقن أن الماء أتى على جميع محل النجاسة، ولم يغلب على ظنه أنه طهر فإنه يأتي بالعدد، فدل على أن الاعتبار بالعدد. ومنهم من قال: إن المنفصل عن الغسلة الثالثة نجس، وكلما انفصل عن المحل محكوم بنجاسته لم يحكم بطهارة المحل كالمرة الأولى، وهذا لأن المنفصل كبعض الباقي في المحل فكان حكمُه حكمَه، وعكسه السابعة فإنها تنفصل عندنا طاهرة (١). وقد قيل: بأن ما ورد الشرع فيه بعدد محصور كان آخر العدد كأوله في الحكم، أصله الطواف، ورمي الجمار، وعدد الركعات، والنُّصُب (٢)، والحدود، [وعدد] (٣) الجمعة، والمسح على الخف، والاستجمار، ثم قد اتفقنا أن أول الغسلات واجبة، كذلك آخرها. احتجوا: بقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *﴾ (٤)، وقوله ﵇: «صبوا على بول الأعرابي ذنوباً من ماء» (٥)، وقوله ﵇: «حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء» (٦)، ولم يذكر العدد.

стр. 202

والفقه فيه: أنها نجاسة لا يشترط في إزالتها التراب، فلم يشترط فيها العدد كما لو كانت على الأرض، وفيه احتراز من الوُلوغ. ولأنه بول فلم يجب في إزالته العدد، دليله بول الغلام. ولأن ما لا يجب في طهارة الحدث من عدد الغسلات لا يجب في طهارة النجس، كالثمان، والتسع. الجواب: أما الآية فقد قيل فيها أشياء؛ أحدها: أن قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *﴾ (١) أي: عملك فأصلح (٢). وقال أبو سهل (٣): معناها خلقك فحسنه (٤). وقال ابن عباس: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *﴾ (٥) يعني من الإثم (٦)./ وهم يقولون: فلان طاهر الثياب، إذا لبسها على اجتناب المحارم والمكاره، فإذا لبسها على فجره أو غدره قالوا: إنه لدنس الثياب. وقيل: نفسك (٧). وهم يكنون بالثياب عن النفس. وقال ابن عباس (٨)،

стр. 203

وعكرمة (١): قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *﴾ (٢) قال: لا يلبسها على غدره، ولا فجره. ثم تمثل بشعر غيلان بن سلمة (٣): إني بحمد الله لا ثوبَ فاجِرٍ … لبست ولا من غدرة أتقنع (٤) وقال عطاء: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *﴾ (٥) قال: من الإثم (٦). وقيل: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *﴾ (٧) أي: قلبك فطهر (٨). وقد يعبر بالثياب عن القلب، قال امرؤ القيس (٩): فإن تك قد ساءتكِ مني خليقة … فسُلي ثيابي من ثيابك تنسل (١٠)

стр. 204

أي: قلبي من قلبك، وقال عنترة (١): فطعنت بالرمح الأصم ثيابه … ليس الكريم على القَنَا (٢) بمحرم (٣) أي: قلبه، وقيل: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *﴾ (٤) أي: قصِّر (٥). لأنه كان من عادة العرب جر ثيابها على النجاسات فنهى الله نبيه عن عاداتهم تنزيهاً له. على أن الآية والأخبار تدل على إيجاب أصل التطهير والغسل، وكلامنا في الكيفية والعدد، على أنه إذا غسل سبعاً قد امتثل الأمر بالإجماع، فمن ادعى [أنه] (٦) بدون ذلك يكون ممتثلاً فعليه الدليل، ثم [نحمل] (٧): طهر: واغسل سبعاً؛ كما قالوا: طهر: واغسل حتى يغلب على ظنك الطهارة. وأما قولهم: إنها نجاسة لا يشترط في إزالتها التراب. قلنا: هذا ممنوع في أحد الوجهين على ما ذكره أبو بكر (٨)،

стр. 205

ثم يلزم عليه الثوب الذي يهلكه التراب؛ فإنه لا يشترط في الولوغ، ويشترط فيه العدد. وأما إذا كانت على الأرض فالقياس يقتضي فيها السبع/ إلا أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ قال: «صبوا على بول الأعرابي دلواً من ماء» (١)، فأمرنا بالمكاثرة من غير عدد، فاتبعنا ذلك، وتركنا القياس. ولأن مبنى النجاسة على الاختلاف في الحكم، ولهذا نجاسة الخف تزول بالدلك بالأرض، ونجاسة المني تزول بالفرك، وفي الأشياء الصَّقِلَة (٢) تزول بالمسح، وفي بقية المحال بخلاف ذلك. ولأن الشرع ورد في نجاسة الأرض بالمكاثرة بقوله: «صبوا على بول الأعرابي ذنوباً من ماء» (٣)، وفي مسألتنا أمرنا بالسبع في حديث ابن عمر (٤)، ولا يجوز قياس المنصوص على المنصوص عليه؛ لأنه يفضي إلى إسقاط أحد النصين. وأما بول الغلام فليس بواجب الغسل، ولأنه نص فيه بالرش فلم يعدل إلى غيره. وأما تعلقهم بطهارة الحدث؛ فلا يجوز اعتبار النجاسة بالحدث، فإن النجاسة غسلها سبعاً مستحب، وغسل الحدث فوق الثلاث مكروه، ولأن الحدث يتكرر في اليوم دفعات، فلو أوجبنا فيه العدد شقّ وحرّج الناس، بخلاف النجاسة، ولأن الحدث ليس من جنسه ما يجب فيه العدد، وهاهنا من جنس النجاسات ما يجب فيه وهو نجاسة الكلب والخنزير فدل على الفرق بينهما، والله أعلم.

стр. 206

مسألة يجوز المسح على الجوربين الصفيقين (١) الساترين لجميع محل الفرض (٢)، نص عليه أحمد (٣)، وهو مذهب عطاء (٤)، والحسن البصري (٥)، وسعيد بن المسيب (٦)، والنخعي (٧)، وسعيد بن جبير (٨) (٩)،

стр. 207

والأعمش (١) (٢)، وسفيان الثوري (٣)، والحسن بن صالح (٤)، وإسحاق، وأبي يوسف، ومحمد (٥)، وزُفَر (٦)، وأبي ثور (٧). وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: لا يجوز إلا أن يكونا مجلدين، أو بنعلين (٨).

стр. 208

لنا: ما روى أحمد بإسناده (١) / عن المغيرة بن شعبة (٢)، وابن عمر، وأبي موسى الأشعري (٣) أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ مسح على الجوربين. وقد أخرجه الترمذي، وأبو داود، وابن خزيمة (٤)، وقد عمل على ذلك

стр. 209

عمر (١)، وعلي (٢)، وابن عمر (٣)، وابن عباس (٤)، وابن مسعود (٥)، وأبو موسى (٦)، وأبو سعيد (٧) (٨)، وسهل بن سعد (٩) (١٠)،

стр. 210

وعقبة بن عامر (١) (٢)، والبراء بن عازب (٣) (٤)، وبلال (٥) (٦)،

стр. 211

وأبو أمامة (١) (٢)، وأنس بن مالك (٣)، وعمرو بن حريث (٤) (٥) ﵃ فإنهم مسحوا على الجورب، وأمروا به في منازل مختلفة، ومواطن عدِّة. فإن قيل: هذه قضية عين وحكاية حال، وإذا احتملت وقفت، فيحتمل أن يكونا مجلدين، أو منعلين، ونحن نقول بذلك. قلنا: قد رُوي في بعض ألفاظ الخبر: كان يمسح. وذلك يقتضي الدوام، ويبعد أن يتفق كونهما على الصفة التي ذكرتم في عموم الأوقات. على أن الجورب المطلق إنما يقع على ما لا نعل له، إذ ليس الاسم إلا على هذا، والعرب لا تعرف منعّلاً سوى الخف، وإنما هذه عادة الأعاجم،

стр. 212

فيجب حمله على عادة العرب، والغالب دون النادر، والجورب المنعّل خف قصير له اسم يخصه، فلو كان منعلاً سماه [باسمه] (١). والفقه في المسألة أنا نقول: حائل طاهر حلال ساتر لمحل الفرض من الرجل تُستر به الرجل في العادة، أو نقول: نعل يستر الرجل غالباً، فجاز المسح عليه كالخف. ولأنه يجوز المسح عليه إذا خُرِز (٢) بالنعل، فجاز المسح عليه وإن لم يخرز بالنعل كالخف. فإن قيل: إلا أنه لا يمكن متابعة المشي فيه بخلاف الخف. قلنا: ليس كل المقصود بالخف المشي، بل الستر لدفع الحر والبرد والغبار، وللجمال، ولتوقي السلاح في الحرب، يوضح هذا أن الراكب يسير بمشي غيره ويلبس الخف، فلو كان قصد/ العقلاء بالخف المشي لم يلبسه من استغنى عن المشي، والمتنقل في داره من مجلس إلى مجلس يلبس الخف كما يلبس النعل، وليس ذلك المشي مما يحتاج إلى خف، ويجوز للابسه المسح، ولو كان زَمِناً (٣) ـ أيضاً ـ جاز له المسح ولا مشي، وإذا ثبت أن للخف مقصودين وجب أن يجعل المسح جائزاً لكل واحد منهما. فإن قيل: فالباتاواه (٤) التي يلبسها الركابية (٥)، والدَّيَالِم (٦)

стр. 213

تحرس الرجل عن الحر والبرد، ولا يجوز المسح عليها، فبطل أن يكون ذلك مقصوداً مبيحاً للمسح. قلنا: تلك يلزمكم منها ما يلزمنا، فإنها مما يمكن متابعة المشي فيها وما جاز المسح، وما ذاك إلا لأنها ليست حائلاً مستقلاً بنفسه، ولا تقوم إلا بغيرها، وهذا حائل مستقل بنفسه، ولهذا يلبسه الناس لما ذكرنا في مجالسهم وسفرهم وحضرهم كالصوفية، ومن يطلب الكن، والدفء، وتوقية الرجل. احتجوا: بأن الأصل غسل الرجلين، فلا يعدل عن ذلك إلا إلى ما نقل إليه، ونُص عليه وهو الخف، وبقي ما عداه على المنع، وإنما نقل الشرع إلى مسح الخف رخصة لأجل مشقة الخلع والرد، وذلك يمحق الزمان، ويورث التعب، وإنما يكون ذلك شاقا [إذا] (١) كان الملبوس معتادا يشق خلعهما لعموم لبسهما، وإمكان إدمان المشي فيهما، فيدفع بالمسح مشقة عامة، وغيرهما فلا حاجة بالناس إليه غالباً، ولا ينتقل إليه عن الأصل المستقر فرضه وهو الغسل، كما لا ينتقل عنه إلى مسح اللفائف والباتاواه. الجواب: قلنا: وقد نُص على الجوربين، واستعمل ذلك الصحابة فقولوا به، وما ذكروه من الحصر باطل بالخف الزجاج والخشب، والخف الذي لا نعل له، والخف/ الزرد (٢) الذي يعمل للتوقي من السلاح في الحرب، هذه كلها ملبوسات بعضها للحال، وبعضها لتوقية الرجل من الحر والبرد،

стр. 214

يُلبس للمشي على البُسُط، وللمتودِّع غير المسافر، ولا الماشي في الطريق، والراكب الذي لا يحتاج إلى المشي، ولا مشياً غالباً كالملوك والأجناد الذين يقل منهم المشي، ويدمنون الركوب للتودّع تارة، وللحروب أخرى، أو للزينة، وكذلك الجوربين من الجلود لا يتابع المشي فيهما ويجوز المسح عليهما، وإذا كان [استعمال] (١) الناس ينقسم إلى نوع مشقة، ونوع تودّع، وجميعاً يستويان في استباحة النص فيهما، كذلك الخف مع الجورب، والله أعلم.

стр. 215

من مسائل الحيض مسألة وطء الحائض يلزم به كفارة في إحدى الروايتين (١)، وهي مذهب ابن عباس، وبه قال النخعي (٢)، وقتادة (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، والحسن (٥)، والأوزاعي (٦)، وإسحاق (٧). والثانية: يستغفر الله، ولا شيء عليه (٨)، وهي قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي (٩). وفي قدر الكفارة روايتان (١٠)؛ أحدهما: دينار، أو نصف دينار (١١).
следующие страницы →