← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30143

المفردات

ابن الزاغوني

Полный текст (748 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وأبو أمامة (١) (٢)، وأنس بن مالك (٣)، وعمرو بن حريث (٤) (٥) ﵃ فإنهم مسحوا على الجورب، وأمروا به في منازل مختلفة، ومواطن عدِّة. فإن قيل: هذه قضية عين وحكاية حال، وإذا احتملت وقفت، فيحتمل أن يكونا مجلدين، أو منعلين، ونحن نقول بذلك. قلنا: قد رُوي في بعض ألفاظ الخبر: كان يمسح. وذلك يقتضي الدوام، ويبعد أن يتفق كونهما على الصفة التي ذكرتم في عموم الأوقات. على أن الجورب المطلق إنما يقع على ما لا نعل له، إذ ليس الاسم إلا على هذا، والعرب لا تعرف منعّلاً سوى الخف، وإنما هذه عادة الأعاجم،

стр. 212

فيجب حمله على عادة العرب، والغالب دون النادر، والجورب المنعّل خف قصير له اسم يخصه، فلو كان منعلاً سماه [باسمه] (١). والفقه في المسألة أنا نقول: حائل طاهر حلال ساتر لمحل الفرض من الرجل تُستر به الرجل في العادة، أو نقول: نعل يستر الرجل غالباً، فجاز المسح عليه كالخف. ولأنه يجوز المسح عليه إذا خُرِز (٢) بالنعل، فجاز المسح عليه وإن لم يخرز بالنعل كالخف. فإن قيل: إلا أنه لا يمكن متابعة المشي فيه بخلاف الخف. قلنا: ليس كل المقصود بالخف المشي، بل الستر لدفع الحر والبرد والغبار، وللجمال، ولتوقي السلاح في الحرب، يوضح هذا أن الراكب يسير بمشي غيره ويلبس الخف، فلو كان قصد/ العقلاء بالخف المشي لم يلبسه من استغنى عن المشي، والمتنقل في داره من مجلس إلى مجلس يلبس الخف كما يلبس النعل، وليس ذلك المشي مما يحتاج إلى خف، ويجوز للابسه المسح، ولو كان زَمِناً (٣) ـ أيضاً ـ جاز له المسح ولا مشي، وإذا ثبت أن للخف مقصودين وجب أن يجعل المسح جائزاً لكل واحد منهما. فإن قيل: فالباتاواه (٤) التي يلبسها الركابية (٥)، والدَّيَالِم (٦)

стр. 213

تحرس الرجل عن الحر والبرد، ولا يجوز المسح عليها، فبطل أن يكون ذلك مقصوداً مبيحاً للمسح. قلنا: تلك يلزمكم منها ما يلزمنا، فإنها مما يمكن متابعة المشي فيها وما جاز المسح، وما ذاك إلا لأنها ليست حائلاً مستقلاً بنفسه، ولا تقوم إلا بغيرها، وهذا حائل مستقل بنفسه، ولهذا يلبسه الناس لما ذكرنا في مجالسهم وسفرهم وحضرهم كالصوفية، ومن يطلب الكن، والدفء، وتوقية الرجل. احتجوا: بأن الأصل غسل الرجلين، فلا يعدل عن ذلك إلا إلى ما نقل إليه، ونُص عليه وهو الخف، وبقي ما عداه على المنع، وإنما نقل الشرع إلى مسح الخف رخصة لأجل مشقة الخلع والرد، وذلك يمحق الزمان، ويورث التعب، وإنما يكون ذلك شاقا [إذا] (١) كان الملبوس معتادا يشق خلعهما لعموم لبسهما، وإمكان إدمان المشي فيهما، فيدفع بالمسح مشقة عامة، وغيرهما فلا حاجة بالناس إليه غالباً، ولا ينتقل إليه عن الأصل المستقر فرضه وهو الغسل، كما لا ينتقل عنه إلى مسح اللفائف والباتاواه. الجواب: قلنا: وقد نُص على الجوربين، واستعمل ذلك الصحابة فقولوا به، وما ذكروه من الحصر باطل بالخف الزجاج والخشب، والخف الذي لا نعل له، والخف/ الزرد (٢) الذي يعمل للتوقي من السلاح في الحرب، هذه كلها ملبوسات بعضها للحال، وبعضها لتوقية الرجل من الحر والبرد،

стр. 214

يُلبس للمشي على البُسُط، وللمتودِّع غير المسافر، ولا الماشي في الطريق، والراكب الذي لا يحتاج إلى المشي، ولا مشياً غالباً كالملوك والأجناد الذين يقل منهم المشي، ويدمنون الركوب للتودّع تارة، وللحروب أخرى، أو للزينة، وكذلك الجوربين من الجلود لا يتابع المشي فيهما ويجوز المسح عليهما، وإذا كان [استعمال] (١) الناس ينقسم إلى نوع مشقة، ونوع تودّع، وجميعاً يستويان في استباحة النص فيهما، كذلك الخف مع الجورب، والله أعلم.

стр. 215

من مسائل الحيض مسألة وطء الحائض يلزم به كفارة في إحدى الروايتين (١)، وهي مذهب ابن عباس، وبه قال النخعي (٢)، وقتادة (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، والحسن (٥)، والأوزاعي (٦)، وإسحاق (٧). والثانية: يستغفر الله، ولا شيء عليه (٨)، وهي قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي (٩). وفي قدر الكفارة روايتان (١٠)؛ أحدهما: دينار، أو نصف دينار (١١).

стр. 216

والثانية: إن كان في إقبال الحيض فدينار، وإن كان في إدباره نصف دينار، وهي قول الأوزاعي (١)، وإسحاق (٢). لنا: ما روى أحمد، وأبو داود، والساجي، وابن أبي حاتم بإسنادهم عن ابن عباس، عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال في الذي يأتي امرأته وهي حائض: «يتصدق بدينار أو بنصف دينار» (٣)، وهذا أمر، وإطلاقه يقتضي الوجوب. فإن قيل: هذا الحديث ضعيف؛ لأن شعبة (٤) رواه موقوفاً على ابن عباس، وإذا كان موقوفاً عليه لم تكن فيه حجة، ولأنه قد روى مِقْسَم (٥)،

стр. 217

عن ابن عباس في الذي يقع على امرأته/ وهي حائض: إن كان الدم عبيطاً فليتصدق بدينار، وإن كان أصفر فبنصف دينار (١). وفي لفظ آخر رواه عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ: «من وطئ امرأته وهي حائض فعليه دينار، وإن أتاها بعد ما رأت الدم ولم تغتسل فنصف دينار» (٢). وروى عمرو بن شعيب (٣)، عن أبيه (٤)، عن جده (٥) أن رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ قال: «من جامع امرأته وهي حائض في أول الدم فليتصدق بدينار، وإن جامع في آخره وقد انقطع قبل أن تغتسل فليتصدق بنصف دينار» (٦).

стр. 218

على أنه لو قدر صحته فهو محمول على الاستحباب دون الحتم والإيجاب. قلنا: قد صححه أحمد في رواية أبي داود، فقال أبو داود: سمعت أحمد يقول ـ وقد سئل عن الرجل يأتي امرأته وهي حائض ـ: ما أحسن حديث عبد الحميد (١). قيل له: فتذهب إليه. فقال: نعم (٢). [وكان] (٣) عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ـ ولي الكوفة لعمر بن عبد العزيز (٤) ـ يروي في الرجل يأتي امراته وهي حائض: يتصدق بدينار ولا بأس به (٥). وقد روى الناس عنه، وكان يسنده، فأما شعبة فروى عنه يحيى القطان (٦)،

стр. 219

وغُنْدَر (١)، ومعاذ بن معاذ (٢) مسنداً، وروى عنه وكيع (٣)، وابن مهدي (٤) موقوفاً على ابن عباس، ونحن نقول بهما، والرواي إذا صح عنده الحديث تارة يرفعه، وتارة يفتي به. وأما الأخبار التي ذكروها فجميعها ضعاف؛ فالحديث الأول يرويه عبد الكريم بن [أبي] (٥) المخارق (٦) وهو متروك الحديث، وظاهره مُطّرح؛

стр. 220

لأنه اعتبر صفات الدم فلا أحد اعتبر ذلك، وكذلك الأحاديث الأُخَر شرط فيها انقطاع الدم، وأنتم لا تشترطون ذلك. ولأن هذا يؤكد إثبات الكفارة، ويبين تكرر كلام النبي ـ صلَّى الله عليه ـ في إيجابها،/ ولأنا [لا] (١) نقول به في الكيفية، ولا يضرنا في إيجاب أصل الكفارة. وحملهم إياه على الاستحباب غلط؛ لأن إطلاق الأمر يقتضي الإيجاب، فمن حمله على الاستحباب احتاج إلى دليل. وروى أبو إسحاق إسماعيل بن سعيد الكسائي (٢) في كتاب «البيان» (٣) قال: أخبرنا عيسى بن يونس (٤)، عن زيد بن عبد الحميد (٥)، عن أبيه، قال لنا عمر بن الخطاب ﵁ [إنه أتى] (٦) جارية له فقالت: إني حائض.

стр. 221

فكذّبها، فوقع عليها، فوجدها حائضاً، فأتى النبي ـ صلَّى الله عليه ـ، فذكر ذلك له، فقال: «يغفر الله لك أبا حفص تصدق بدينار» (١). وهذا أمر، وهو ـ أيضاً ـ على الوجوب، هذا هو المعتمد من جانب السنة. وقد تعرض الأصحاب لضرب من الفقه، فقالوا: وطء حُرّم لعارض، فجاز أن تجب فيه كفارة، دليله وطء المحرِمة، والصائمة، ولا يلزم عليه وطء المظاهر عنها قبل التكفير أنه محرم لعارض ولا تجب به كفارة، لأن ذلك العارض قد يتعلق به وجوب الكفارة، وهو إذا عزم على الوطء فإنه تجب عليه كفارة، ويسند وجوبها إلى ذلك التحريم الذي هو عارض، وهو الظهار. قالوا: أو نقول: أحد نوعي التحريم الطارئ على البضع (٢)، فكان منه ما تجب به كفارة كالتحريم الطارئ لأجل عبادة؛ منه ما يوجب كفارة وهو الإحرام والصيام، ومنه ما لا يوجب وهو الصلاة والاعتكاف، كذلك النوع الثاني لغير عبادة يجب أن ينقسم منه ما لا تجب كالردة وغيرها، ومنه ما تجب به وليس إلا الحيض. وذكروا ـ أيضاً ـ أنه وطء في حال الحيض، فجاز أن تتعلق به كفارة، دليله المحرِم إذا وطئ فأفسد/ إحرامه، ثم عاد فوطئ حائضاً قبل أن يكفِّر، فإنه تجب به الكفارة عند الشافعي في أصح القولين (٣)، وعند أبي حنيفة في غير المجلس (٤).

стр. 222

ولا يقال هناك: لو كانت طاهراً وجبت الكفارة، ولأن هناك لا تجب كفارة الحيض، لأنّا لا نُسلّم هذا، ونقول: إذا كانت طاهراً لا تجب الكفارة، وإذا كانت حائضاً فالواجب عندنا هناك كفارة الحيض. وذكروا ـ أيضاً ـ أن الكفارة حق لله ـ تعالى ـ يتعلق بالمال، فجاز أن تتعلق بالذهب، دليله الزكاة. والمعتمد ما ذكرناه من السنة. احتجوا: بأنه وطء حُرِّم لأجل الأذى، فلا يوجب كفارة كالوطء في الموضع المكروه، وكوطء النُفَساء، وهذا لأن الأذى يأباه الطبع، وفي صرف المكلف عنه طبعاً ما يغني عن صارف من الشرع، ولذلك لم يجب الحدّ بشرب مائع نجس، ولا أكل طعام نجس، لمعافاة النفس له واستقذاره، ولا قطع سارق الأشياء التافهة الناقصة عن النصاب لاستقلال النفس له، وحُدّ في شرب الخمر، وسرقة النصاب لتوقان النفس إليه. قالوا: ولأنه وطء في حيض، فلم تجب به كفارة، دليله إذا وطئها لا يعلم حيضها. يدل عليه أنه لو وطئها بعد انقطاع الدم، وقبل الغسل لا كفارة عليه، وإن كان حدث الحيض باقياً، كذلك قبل انقطاعه. يدل عليه أن هذا الفعل لو أوجب كفارة لكانت في نمط الكفارات؛ إما عتق، وإما إطعام، وإما صيام، ولكان ذلك إما تخييراً، أو ترتيباً، ولوجب صرفها إلى عدد مخصوص، ولم يجز الاقتصار في دفعها على واحد من المساكين، ولكان/ لها بدل عند التعذر. ولأنكم قلتم: الكفارة هاهنا يخير فيها بين دينار، أو نصف دينار. وما ثم يرتفع بدينار كيف يرتفع بنصفه. الجواب: أنه لا ثبات لقياس مع ورود السنة بإيجاب الكفارة.

стр. 223

الثاني: أنا نقول: لِمَ قلتم بأنه إذا كان وطء حُرِّم لأجل الأذى لا يوجب الكفارة، ولا نسلم العلة في الأصل؛ وهو أنه حُرِّم لأجل الأذى، على أن ما ذكرتموه ليس بأصل مستمر شرعاً ولا مارّاً على نمط واحد، بدليل أن الزنا بهذه الحائض يوجب من الحد ما يوجِبُه وطء الطاهر، والخمر التي ماتت فيها فأرة، وتغيرت بالنتن والفساد كالخمر السليمة من ذلك، ووطء الشوهاء المسنة كوطء الشابة المستحسنة، والشافعي أوجب الحد على اللائط كإيجابه بالزاني بالنساء في القتل، ووطء البهائم (١). والتعازير واجبة بأكل جميع المستقذرات، والوعيد لاحق بأكل كلّ نجس وشربه وإن كان مستقذراً. فمتى [كان] (٢) مَنْعُ الشرع يصادف الطباع حتى تتعلق به، وتعتمد عليه. وسرقة الأشياء التافهة الجنس تأباها النفوس كالتافهة في المقدار، وذلك كقشور الرمان، والنوى. والكُدْسُ (٣) يوجب القطع كما توجب سرقة الديباج، والجواهر، واللآلئ، وخاصة إيجاب الكفارات، فإنها تجب بكل وطء وفعل مما يلائم الطباع كوطء الطاهرات المستحسنات في الحج، والصوم، والاعتكاف، والعمرة، ووطء الحيض، والوطء في الموضع المكروه كل ذلك يوجب الإفساد، والتكفير، ولا يؤثر رادع الطبع في منع رادع الشرع، ولا تقليله. / وأما دم النفاس فيوجب الكفارة كدم الحيض سواء. وأما فصل الناسي فممنوع في أحد الوجهين؛ لأنه أطلق في الخبر وجوب الكفارة، ولأن الخطأ لا يؤثر في الكفارة كغير الخطأ،

стр. 224

وكذلك إذا حلق، أو لبس، أو قتل الصيد ناسياً وجبت الكفارة، وكذلك الصبي والمجنون إذا قتلا وجبت الكفارة، ولا قصد لهما، كذلك هاهنا. والوجه الثاني: لا تجب الكفارة لعدم الإثم، على أنه لا يجوز اعتبار العلم بعدمه بدليل أنه [لو] (١) وطئ الأجنبية يظنها زوجته فإنه لا يجب عليه الحدّ، وإذا كان عالماً وجب الحدّ، كذلك هاهنا. وأما إذا وطأها بعد انقطاع الدم وقبل الغسل، قلنا: هناك الحيض قد زال، وإنما بقي حكمه في بعض الأشياء، ولا يجوز اعتبار الحيض ببقاء حكمه في باب الكفارة، كما لم يجز اعتبار الإحرام ببقاء حكمه في وجوب البَدَنَة (٢)، ولا يجوز اعتبار الحيض بانقطاعه، ألا ترى أن بقاءه يمنع صحة الصلاة، وبقاء الغسل لا يمنع. وأما قولهم: إنها ليست على نمط الكفارات. قلنا: الكفارات الناس فيها قائلان؛ قائل يقول: تثبت توقيفاً، وقياساً. وقائل يقول: تجب توقيفاً فقط، ولا تجب قياساً. فأما أن نقول: إذا لم تكن على طريق القياس لم تجب. فلا قائل يقول بذلك، وخروجها عن الكفارات إنما كان توقيفاً، والكفارات على الاختلاف؛ ولأن العتق يصرف إلى وجه واحد، والزكاة نوع طُهرة ثم يجوز صرفها إلى واحد عندنا، وعند أبي حنيفة (٣)، وإذا جاز أن يصرف بعضها إلى عشرة، وبعضها إلى ستين، وبدل الرقبة في بعضها ثلاثة أيام، وبعضها بدل/ الرقبة من الصوم، وبعضها ستين يوماً، ولا معنى للتعلق في إسقاط أصل التكفير لأجل الاختلاف.

стр. 225

وأما قولهم: إنه خير بين الدينار ونصفه، وما ثم يرتفع بدينار كيف يرتفع بنصفه. قلنا: قد يقوم الأقل مقام الأكثر، بدليل أن عتق الرقبة في كفارة اليمين خُيّر بينه وبين الإطعام، وعتق الرقبة أكثر، وهُما سواء، وكذلك عند أبي حنيفة يجزئ نصف صاع من البر في صدقة الفطر، ويقوم مقام صاع كامل (١)، ولذلك من ثبت له القصاص خُيِّر بينه وبين الدية، وإن كانت الدية أنقص، وكذلك التخيير بين الماء، وبين الأحجار في الاستنجاء، والماء آكد لرفعه العين والأثر، وقد استويا، وكذلك الإمام خير في الأسارى بين الرق، والفداء، والقتل، وإن كان القتل أعلى الأشياء، وكذلك خير بين الفطر، والصوم، وكذلك المسافر خير بين القصر وهو أنقص، وبين الإتمام وهو آكد، وكذلك المسح على الخفين أنقص من غسل الرجلين، وقد قام مقامه، وغير ذلك من المسائل، جاز أن يكون في مسألتنا كذلك. فإن قيل: ما بيّنتُم لنا هو نقصان في جنس واحد وهو القصر، وهو من جنس الأرفع وهو الصلاة، وقد أجزأ، والمسح على الخفين من جنس الغسل، وقد قام مقامه في استباحة الصلاة، كذلك هاهنا، والله أعلم (٢).

стр. 226

مسألة يحل للزوج أن يستمتع من الحائض بما دون الفرج (١)، نص عليه أحمد (٢)، وهو قول عكرمة (٣)، والشعبي (٤)، وعطاء (٥)، والحكم (٦) (٧)، والثوري (٨)، والنخعي (٩)، وإسحاق، وأبي ثور (١٠)، ومحمد بن الحسن (١١)، وداود (١٢)، وأصبغ (١٣) (١٤) من أصحاب مالك.

стр. 227

وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي:/ لا يحل إلا ما فوق الإزار (١). لنا: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٢) وهذا الاسم يعبر به عن موضع الدم مثل قولهم: مقيل، ومبيت، لموضع القيلولة، والبيتوتة، وإذا كان كذلك اقتضى أن ما عداه مباح، إذ لو لم يكن كذلك لم يكن لتخصيص النهي بموضع الدم معنى. يوضح هذا ما روى أبو بكر بإسناده في «تفسيره» (٣) عن ابن عباس في قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٤) يقول: اعتزلوا نكاح فروجهن (٥). ويدل عليه ـ أيضاً ـ ما روى أحمد، وأخرجه مسلم عن أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة أخرجوها من البيت، فسُئل رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ عن ذلك، فنزلت هذه الآية، فقال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء إلا النكاح» فقالت يهود: ما يريد هذا الرجل أن يدع شيئاً من أمرنا إلا خالفه (٦). فوجه الدلالة: أنه أباح كل شيء

стр. 228

إلا النكاح، وحقيقة النكاح هو الوطء في الفرج، والذي يدل عليه أن له الجماع فيما فوق المئزر، وإذا ثبت أنه منع من النكاح في الفرج دل على أن ما دون الفرج مباح. وروى أبو بكر بإسناده عن أم سلمه قالت: كنت مع النبي ـ صلَّى الله عليه ـ في لحافه، فنفست، فقال: «مالك؟ نفست؟» قلت: نعم. فأمرني أن أضع على قُبُلي ثوباً (١). وظاهر هذا أن التحريم اختص القُبُل [فحسب] (٢) وهو الفرج، إذ لو لم يكن كذلك لم يختص القُبُل به. وروى أبو داود، وابن بَطة في «سننه» بإسنادهما عن عكرمة، عن بعض أزواج النبي ـ صلَّى الله عليه ـ قالت: كان رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ إذا أراد من الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوبا (٣). وهذا يقتضي أن التحريم يختص الفرج. وروى ابن/ بَطة ﵀ أيضاً ـ عن عائشة أن رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ سئل عما يحل للرجل من امرأته الحائض، فقال: «يجتنب شعار الدم» (٤). ومعنى شعار الدم: الموضع الذي يستشعر وجود الدم فيه، وهذا يختص الفرج.

стр. 229

فإن قيل على الآية: قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (١) قد يعبر به عن حال الحيض، فيكون تقديره: فاعتزلوا النساء في حال الحيض. قلنا: لا يصح حمله على هذا من وجهين: أحدهما: أن محيض مثل مقيل، ومبيت، وذلك اسم لمكان البيتوتة، ومكان القيلولة. والثاني: أجمعنا على جواز قربانها في حال الحيض وإن كنا نختلف في موضع القربان، فلم يجز حملها على موضع يسقط بالإجماع. والفقه في المسألة: أنه موضع منع من الوطء فيه لأجل الإيذاء، فاختص بموضع الأذى كالوطء في المسلك الآخر، وهذا لأن الأصل أن يختص حكم السبب بمحل السبب، والسبب هو الأذى، فإذا عدم فيما دون الفرج يجب أن يزول المنع. والدليل على أنه منع من الوطء في الفرج لما يلحقه من الأذى بدم الحيض قوله ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ هُوَ أَذىً﴾ (٢) وهذا المعنى لا يوجد فيما دون الفرج، كما لا يوجد فيما فوق المئزر، ولا فرق بينهما. يدل عليه أن معنى التحريم هو مصادفة الدم في محله، وليس معناه مصادفة الدم في غير محله، ألا ترى أنه لو أصاب شيء من دم حيضها موضعاً من بدنها لم تحرم مباشرة ذلك الموضع؛ لأنه في غير محله، كذلك هاهنا. ولأنه وطء دون الفرج فلم يحرم، دليله إذا وطئ فوق الإزار، ولأنه لما أبيح المباشرة فيما فوق الإزار أبيح له فيما تحته، دليله إذا كانت مستحاضة،/ وعكس هذا المظاهر منها، والمحرمة، والصائمة لما لم يبح مباشرتها فيما فوق الإزار لم يبح له فيما تحته، ولأنها مباشرة لا تفسد الصوم، والحج فأشبه القبلة.

стр. 230

احتجوا: بما روت عائشة أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ كان يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيِّض (١)، وسئل عما يصلح للرجل من امرأته وهي حائض فقال: «كل شيء فوق الإزار» (٢). والفقه فيه: أن الحيض سبب يوجب تحريم الوطء في الفرج، فأوجب التحريم فيما دونه، دليله الإحرام، والصيام، وهذا لأن تحريم ما دون الإزار مراعاة للاحتياط لئلا يقع في المحظور. قالوا: ولأنه موضع يشتمل عليه المئزر فوجب أن لا يستباح من الحائض،

стр. 231

دليله موضع الدم، ولأنه عورة من الرجل فلا يجوز الاستمتاع به من الحائض كالفرج. الجواب: أما الحديث فقد قال مسروق (١): قلت لعائشة: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ قالت: كل شيء إلا الجماع (٢). وهذا يدل على أنها (٣) أرادت بالإزار الفرج، وكنّى عنه بالإزار، كما كنّى باللّمس عن الجماع، وهذا كما روي أنه لما حكَّم سعداً (٤) في بني قريظة كان يكشف عن مؤتزرهم، فمن كان منهم قد أنبت قتله (٥)، يعني عن فروجهم.

стр. 232

وأما القياس فيبطل بالوطء في الموضع المكروه؛ فإنه معنى يوجب التحريم في ذلك السبيل، ولا يوجب التحريم في الجملة، ألا ترى أنه يمنعه فيما فوق الإزار بخلاف مسألتنا، وبهذا تبطل مراعاتهم للاحتياط، وقياسهم على الفرج غير صحيح؛ لأنه لا يجوز اعتبار الفرج بغيره كالموضع المكروه، ولأن علة تحريم الفرج التأذي بالدم على ما/ بينا، وهو معدوم فيما دون الفرج فافترقا، والله أعلم.

стр. 233

مسألة إذا انقطع دم النفساء فيما دون الأربعين كُرِه لزوجها وطئها في ذلك الطهر (١)، نص عليه أحمد (٢). وقد أطلق القول في رواية الأثرم وأبي طالب (٣)، وغيرهما: لا يجامعها حتى يمضي أربعون يوماً (٤). قال أصحابنا: وهذا محمول من قوله على الكراهة، لا على التحريم. وكذلك ذكره الخِرقيّ في «مختصره» (٥). وقال أكثر الفقهاء: لا يكره وطؤها (٦). لنا: ما روى ابن شاهين بإسناده (٧) عن معاذ (٨) أنه سمع النبي ـ صلَّى الله عليه ـ،

стр. 234

وذكر أكثر النفاس، ثم قال: «ولا نفاس فوق الأربعين، فإذا رأت النفساء الطهر فيما دون الأربعين صامت، وصلت، ولا يأتيها زوجها إلا بعد الأربعين» (١). وهذا نص، وقد اعتمد الإمام أحمد ﵁ على إجماع الصحابة، فروى بإسناده عن علي، وابن عباس، وعثمان بن أبي العاص (٢)، وعائذ بن عمرو (٣)، أنهم قالوا: لا توطأ المستحاضة إلا بعد الأربعين (٤). ولا يعرف لهم مخالف. والفقه فيه: أن زمان النفاس باقٍ، فلا يأمن معاودة الدم في حال وطئها، فيكون قد صادف وطؤه نفاساً، فكره له ذلك.

стр. 235

ولأن هذا الطهر مشكوك فيه؛ لأنه إن رأت الدم بعده في زمن الأربعين فعند أبي حنيفة هو نفاس (١)، وعند الشافعي إن لم يكن كاملاً فهو نفاس، فإذا كان معرضاً لذلك كره الوطء فيه (٢). احتجوا: بأنها قد رأت النقاء الخالص، فأشبه إذا رأته بعد الأربعين، ولأنها في حكم الطاهرات في جميع الأشياء، كذلك في باب الوطء. قالوا: ولأنها لو كانت معتادة،/ فانقطع الدم في بعض عادتها حل وطؤها، كذلك في [النفاس] (٣). الجواب: أما قياسهم على ما بعد الأربعين فلا يصح؛ لأن بعد الأربعين قد أمن أن يطأ في نفاس، فلهذا لم يكره، بخلاف مسألتنا فإنه لا يأمن ذلك على ما تقدم بيانه، فكُره. وهذا كما قال أبو حنيفة: إذا انقطع دم الحائض لأقل من أكثره حرم وطؤها قبل الغسل لجواز أن يعود الحيض، وإذا انقطع لأكثره لم يحرم الوطء قبل الغسل (٤). وكما قال الشافعي في الناسية لعادتها: لا توطأ وإن صامت وصلت مخافة أن يصادف وطؤه الحيض (٥). وبهذه المسألة نجيب عن قولهم: إنها في حكم الطاهرات، فإن الناسية إذا استحيضت هي في حكم الطاهرات في جميع الأشياء إلا في الوطء،

стр. 236

وكذلك قال الشافعي في الحائض إذا انقطع دمها ولما تغتسل: هي في حكم الطاهرات في جميع الأشياء إلا في الوطء (١)، كذلك هاهنا. وأما مسألة المعتادة إذا انقطع الدم في بعض عادتها؛ قلنا: لا نسلم ذلك، بل يكره وطؤها حتى يتكرر الانقطاع ثلاثاً، فنعلم أن عادتها قد انتقلت، وأن ذلك طهر بيقين، فلا فرق بين ذلك، وبين مسألتنا في إحدى الروايتين (٢)، وفي الأخرى: لا يكره؛ لأن النفاس إذا احتطنا فيه لم يشق، والحيض يتكرر فيشق، ولأن النفاس آكد، ولهذا يمتد زمانه، والأصح المنع، والله أعلم.

стр. 237

كتاب الصلاة مسألة تستقرّ الصلاة في الذمة بدخول الوقت سواء اتّسع الوقت لأدائها أو لم يتسع (١)، نص عليه (٢)، وهو قول أبي يحيى البلخي الشافعي (٣) (٤). وقال أبو حنيفة،/ ومالك، والشافعي: لا تستقر بدخول الوقت (٥). وذكر مثل ذلك القاضي الشريف في «الإرشاد» (٦) فقال: والصلاة تجب بأول الوقت، ويستقر الوجوب بإمكان الأداء (٧). فعلى هذا صار في المسألة خلاف في المذهب. واختلفوا بماذا تستقر؛ فقال أبو حنيفة: تستقر إذا خرج الوقت (٨).

стр. 238

وقال الشافعي: إذا مضى من الوقت ما يمكنه أداؤها فيه (١). وفائدة المسألة: أنه لو دخل من الوقت قدر تكبيرة، ثم حاضت المرأة أو جُنَّت؛ وجب عليها القضاء بعد الطّهر والعقل، وعندهم لا يجب القضاء. لنا: أن الوجوب قد حصل، والوجوب يقتضي اللزوم والثبوت لغة وشرعاً، يقال: وجبت الشمس، ووجب الحائط، إذا سقط سقوطاً لا يمكن رفعه. قال ـ تعالى ـ: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (٢)، وفي الشرع: أوجب القاضي، إذا ألزم. ومُرَّ على النبي ـ صلَّى الله عليه ـ بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال: «وجبت» وأثنوا على الأخرى شراً، فقال: «وجبت». أي: استقر الأمر على ذلك، ولهذا قال: «أنتم شهود الله في الأرض» (٣). [وهذه] (٤) الطريقة إنما تصح إذا ثبت الوجوب، وأبو حنيفة يخالف في الوجوب هل حصل، أم لا. فندل على الوجوب فنقول: الأمر يفيد الوجوب باتفاق منا ومنهم، وقد تناول جميع الوقت؛ لأن الخلاف في أمر موقوت، معلوم الأول والآخر، والأمر المضاف إلى وقت يكون متناولاً جميع الوقت، وإلا فلا يكون الأمر مؤقتاً به، وإذا تناول جميع الوقت ثبت الوجوب في جميع الوقت، فصار الوجوب في أول الوقت ضرورة. ونظير ما قلناه من قول السيد لعبده: افعل كذا غداً، أو افعله

стр. 239

وقت الظهر، يكون الخطاب متناولاً جميع/ الوقت المذكور حتى يكون فاعلاً بأمره إذا فعله. يدل عليه: أن سبب الوجوب إما أن يكون الأمر، أو الوقت؛ فإن كان الأمر فقد وجد في أول الوقت، وإن كان الوقت فقد دخل، ولا بدّ من الحكم بالوجوب على كل واحد [من] (١) السببين. ونستدل بالأداء في أول الوقت فنقول: أدى بالأمر، بدليل أنه ينوي أداء المأمور، أو ينوي المفروض، وإذا أدى ما أداه بالأمر فقد أدى الواجب، وأداء الواجب أوجب دليل على وجود وقت الواجب، لأن الواجب لا يتأدى إلا في وقته، والكلام في هذا مستوفى في غير هذا الموضع، إلا أن هذا القدر الذي ذكرناه كاف في غرضنا. طريقة أخرى، نقول: أحد طرفي الوقت، فلم يعتبر في الاستقراريّة إمكان الأداء كالطرف الآخر؛ وذلك أنها لو طهرت وقد بقي من الوقت قدر ركعة، أو تكبيرة وجبت عليها الصلاة، وكذلك لو أفاق المجنون، أو أسلم الكافر، أو بلغ الصبي، ولا يعتبر أن يبقى ما يمكن فيه الأداء، وهذا لأن إدراك وقت الوجوب وهو من أهل الوجوب يؤذن بالاستقرار، ولا يقف الاستقرار على الإمكان، ولهذا لو عرض له مرض، أو شغل لا يمكنه الفعل لم يسقط ذلك عنه الاستقرار في ذمته، وكذلك في آخر الوقت. فإن قيل: آخر الوقت يمكنه البناء على الفعل بعد الوقت، وفي أول الوقت لا يمكنه البناء إذا طرأ العذر. قلنا: كلامنا في استقرار الوجوب في الذمة، لا في فعل العبادة ليعتبر إمكان الفعل من عدم إمكانه، على أنّ إمكان الفعل في الوقت غير حاصل في الوقتين معاً، وإمكان فعله في غيرهما ممكن، ثم كان يجب أن تقدروا ذلك بتكبيرة الإحرام/ فإنه يمكن البناء، ثم تقولون يشترط ركعة.

стр. 240

ولأنكم إذا قررتم وجوب ما لم يدرك وقته من الصلاة لأجل ما أدرك بعلة البناء، فنحن نجعل الفعل بعد الوقت مبيناً على وجوب الاعتقاد والعزم الواجبين بنفس دخول الوقت، وبناء الفعل على الاعتقاد صحيح؛ لأنه بناء على ما أوجبه الوقت. فإن قيل: زوال العذر لو وقع في وقت الثانية من صلاتي الجمع وجبت الصلاتان فأولى أن نقول: إذا زال في وقت الصلاة أن تجب، بخلاف مسألتنا فإن وجود العذر في الأولى يُسقط الثانية، فجاز أن يُسقط معه الأولى. قلنا: صلاة الفجر إذا زال العذر وقد بقي منها مقدار ركعة وجبت، ولو زال العذر فيما بعدها لم تجب، على أنّا نقيس على الطرف الآخر من وقت الثانية من صلاتي الجمع إذا أدركت [وقت] (١) الظهر ثم حاضت، فقد روى عبد الله (٢)، عن أحمد: أنه يلزمُها قضاء الظهر والعصر (٣)، وإن سُلِّم [أنه] (٤) وقت لهما في حال العذر فإنه لا يعتبر إمكان أدائهما ويجبان، على أنّ القياس يقتضي أن لا يجب فعل صلاة بإدراك وقت غيرها، لكن تركناه إذا أدرك وقت الثانية؛ لما روي عن عبد الرحمن بن عوف (٥)،

стр. 241

وابن عباس أنهما قالا ذلك (١)، وبقي إدراك وقت الأولى على مقتضى القياس. طريقة أخرى: أنه إدراك يتعلق به وجوب صلاة، فتعلق بتكبيرة الإحرام، أصله إدراك المسافر الجماعة خلف المقيم. فإن قيل: ذلك الإدراك لا يتعلق به وجوب صلاة؛ لأن فرض المسافر أربعاً، ورخص له القصر بشرائط منها: أن لا يبني صلاته على صلاة مقيم، وإذا بناها لزمه الأصل. قلنا: لا خلاف [أن] (٢) للمسافر صلاة ركعتين، فإذا دخل خلف مقيم انحتم عليه [أربع] (٣) / وما لزمت [الركعتان] (٤) إلا لإدراكه.

стр. 242

وفي هذه الطريقة ضعف. طريقة أخرى: نقول: عبادة دخل وقت وجوبها، فلم يقف وجوب أدائها على إمكان الأداء، كالصوم إذا دخل وقته على المريض، والحائض، والمغمى عليه، فإنه يجب عليه قضاؤه وإن لم يمكنه الأداء في الوقت. فإن قيل: الصوم حجة عليكم من وجهين فكان مشترك الدلالة، أحد الوجهين: أنه لو مات قبل إمكان الأداء والقضاء لم يُطعَم عنه، والوجه الثاني: أنه إذا بلغ الصبي، وأفاق المجنون، وأسلم الكافر في بعص اليوم لم يلزمهم قضاء ذلك اليوم لعدم الإمكان. قلنا: إنما اعتبرنا الإمكان في إيجاب الإطعام لأنه يجب على طريق الفدية، والفدية لا تجب إلا كنوع تكفير قال ـ تعالى ـ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ﴾ (١) وتقديره: ولا يصومونه، والفدية تجب على طريق الكفارة قال ـ تعالى ـ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ (٢) يعني: كفارة، والكفارة إنما تجب لضرب من التفريط، فاعتبر لها ضرب من المأثم. وجواب آخر: أن [في] (٣) الصوم يعتبر إمكان الأداء في الطرف الثاني على معنى إن أسلم، أو بلغ في آخر النهار لم يلزمه قضاء ذلك اليوم عندهم، ولا يعتبر إمكان الأداء في الطرف الثاني من وقت الصلاة. وأما الصبي إذا بلغ، والمعتوه إذا أفاق، واليهودي والنصراني إذا أسلم، فالمنصوص عنه القضاء لذلك اليوم مع وجوب الكف عن الطعام (٤).

стр. 243

فإن قيل: المعنى في الصوم أن المرض لو تقدمه، واتصل بالوقت لم يمنع الإيجاب، وليس كذلك الصلاة؛ فإن العذر وهو الحيض، والجنون، والإغماء لو تقدمت الوقت واستدام مَنَعَ الإيجاب. قلنا: أجاب أصحابنا/ عن هذا بجوابين: أحدهما: أن هذا يؤكد ما ذهبنا إليه؛ لأنه إذا كان العذر في بعض العبادات لا يمنع الفرض وإن تقدّم واستدام، فأولى أن يمنع إذا طرأ بعد دخول الوقت وهي شريطة الإيجاب، وميقات الخطاب، التي جعلت في حيّز الإكساب. وهذا جواب ضعيف؛ لأن لهم أن يقولوا: هذا وإن أكد غرضكم، إلا أنه آكد للفرق، وكان قصدكم بالقياس الجمع بين العبادتين، [فلما] (١) بيَّن تأكيد إحداهما على الأخرى قطع الجمع بينهما. والجواب الثاني ـ وهو الصحيح ـ، وهو: أن تقدّم العذر على وقت الصلاة ليس إذا منَع الفرض يجب أن يمنع إذا طرأ بعد الوقت وقبل الإمكان، بدليل آخر الوقت لو استدام العذر إلا قدر ركعة، أو تكبيرة الإحرام لم يمنع الفرض، ولو استدام منع فدل على الفرق بينهما. فإن أعادوا [السؤال] (٢) إلينا وقالوا: آخر الوقت يحصل على ما بينا علته. قلنا: إذا علل بالبناء في الفعل، فلم لا يعلل بالبناء في الوجوب؟ فإنه إذا كان البناء في الفعل، فلِمَ لا يكون البناء في الوجوب؟ والوجوب أصل للفعل وإيجاده، يوضح هذا: أن الوجوب لا يعتبر بالفعل [بدليل] (٣) أن المسافر إذا أدرك من صلاة المقيم مقدار تكبيرة الإحرام لزمه الأربع ركعات، فقد لزم الكل وما أدرك إلا البعض، على أن الاعتقاد

стр. 244

والعزم [إنما يجب] (١) بدخول الوقت، فإذا جاز العذر، وعمّ الوقت أمكننا بناء الفعل في غير الوقت على وجوب الاعتقاد والعزم في الوقت، وإذا أمكن بناء الوجوب على واجب، تبعه الفعل بحكم الوجوب. طريقة أخرى: أنها أدركت الوقت وهي من أهل فرض الصلاة، واستقر الفرض عليها، كما لو مضى مقدار/ وقت إمكان أدائها على الشافعي (٢)، وكما لو خرج الوقت على أبي حنيفة (٣)، يوضح هذا أن الأوقات متّسعة للفعل وإن لم تتسع للأداء، وهو أن جميع الأوقات صالحة للقضاء، فلا وجه لإعدام صفة الوجوب، [ومنع] (٤) الاستقرار لأجل ضيق وقت الأداء. فإن قيل: إذا أدرك لإمكان الأداء وقتاً فذاك تكليف موافقٌ قانون الشرع، وهو التكليف بحسب الطاقة، فأما إذا لم يتسع كان التكليف مخالفاً للأصل وهو قوله ـ سبحانه ـ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٥)، و: ﴿إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ (٦)، وكما أن الفعل لا يتأتى إلا باستطاعة، فالاستطاعة لا يتأتى بها الفعل إلا في وقت يتقدر به الفعل؛ لأن أفعال المخلوقين لا تصح إلا في وقت، وتعرضكم بالقضاء لا يصح؛ لأن الأداء هو الأصل، والقضاء بدل عنه، فالعبرة باتساع الوقت لأداء الأصل، فإذا اتسع للأصل، وتركها للأصل، فخوطب بالبدل فرعاً وانتقالاً عند إعواز أصل الفرض. قلنا: ليس هذا بتكليف ما لا يطاق؛ لأننا لا نضيق بإيجاب إيجاد الفعل في غير وقت، ولا في وقت يضيق عن الفعل، لكن نوجبه في الذمة، ويتسع لأدائه وقت القضاء، ولو جاز أن يدعى هذا تكليف ما لا يُطاق لكان تكليف الصلاة بإدراك أيسر وقت من آخر وقتها تكليف ما لا يطاق،

стр. 245

ولا يختلف، والمخالف [يرى] (١) أن الحائض إذا طهرت وقد بقي من الوقت ما لا يتسع لأداء الصلاة وجبت، وكذلك زوال سائر الأعذار كبلوغ الصبي وإفاقة المجنون. وأما جوابهم عن القضاء فلا يصح؛ لأن الأداء هو القضاء، والقضاء هو الأداء؛ لأن الصلاة ظهر مفروضة، إنما القضاء اسم لفعلها في وقت مخصوص فإذا صادف وقتاً صالحاً لها لم يختلف وقت الأداء والقضاء. / احتجوا: بأنها عبادة فاعتبر في استقرار وجوبها إمكان الأداء كسائر العبادات من الصوم، والحج، والزكاة، وهذا لأن إمكان الأداء معتبر في التكليف بدليل قوله ـ سبحانه ـ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٢)، و: ﴿إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ (٣)، والوقت من شرط الإمكان، فكان معتبرا في الاستقرار كسائر العبادات. ولأنه أحد الحقين، فاعتبر في إيجابه إمكان الأداء كحقوق الآدميين، مثل ردّ الوديعة، وأموال الشركة، والرهن. يوضح هذا: أن حقوق الآدميين أصعب؛ لأن مبناها على الشح والمضايقة، وحقوق الله أسهل؛ لأن مبناها على التوسعة والمسامحة، فإذا لم تجب حقوق الآدميين مع عدم الإمكان، فما نحن فيه من حقوق الله ـ تعالى ـ أولى أن لا تجب مع عدم الإمكان. ويعنون بحقوق الآدميين: ما ذكرنا من الوديعة والرهن إذا لم يمكنه ردهما حتى تلفا. قالوا: ولأنها لو كانت تستقر بأول الوقت لوجب أن يأثم بالتأخير،

стр. 246

ويموت مطالباً بها؛ لأن استقرار الوجوب ثمرته وفائدته في الدنيا إيجاب القضاء وتقرُّره، وفي الآخرة مأثمُ [تأخّر] (١) الأداء، فإذا لم يحصل علم أنه لم يتحصل. فإن قيل: لا يلزمنا هذا؛ لأنا نعتبر إمكان الأداء في حال القضاء؛ لأنه لو استدام المرض جميع الشهر، وبعد الشهر إلى أن مات لم يثبت القضاء في ذمته، وإنما يلزمه القضاء إذا زال المرض بعد خروج الشهر زماناً يمكنه القضاء فلم يقض. قلنا: هذا اعتبار إمكان الأداء في زمان القضاء، ومثله نقول نحن: إذا أدركت من الوقت قدر ركعة ثم طبق (٢) بها الجنون إلى الموت لا تؤاخذ بالقضاء. فإن قيل: فإذا قلتم هذا زال الخلاف واعتبرتم الإمكان. / قلنا: لا يزول الخلاف؛ لأن قولنا: إذا أفاق بعد خروج الوقت يلزمه القضاء، وعندكم: لا يلزمه القضاء (٣)، فالخلاف حاصل، وليس يمتنع أن تستقر العبادة على وجه يعتبر إمكان الأداء حال القضاء؛ بدليل أنه لو مضى من الوقت قدر أربع ركعات، ثم جُنّ، ودام به الجنون إلى الموت لم يكن مطالباً به في الآخرة، ولو أفاق بعد خروج الوقت مقدار الصلاة ثم جُنّ كان مطالباً بالقضاء في الآخرة؛ لوجود الإمكان حال القضاء، كذلك هاهنا. الجواب: أما قياسهم على سائر العبادات فلا نسلمها، ونقول: بدخول وقتها

стр. 247

ووجود شرائطها تجب في ذِمّته وإن لم يُمكنه الأداء، نصّ عليه (١) كمسألتنا سواء. وقولهم: إن هذا فيه تكليف ما لا يطاق؛ فليس كذلك لأنا لا نكلّفه الفعل قبل إمكان أدائه، وإنما نلزمه ذلك في ذمته، ويفعله وقت إمكانه، على أنا نوجب الصوم على المغمى عليه، والحائض، والمريض، ولا يمكنهم أداؤه (٢). وأما تعلقهم بحقوق الآدميين، فعنه جوابان: أحدهما: أن في حقوق الآدميين ما لا يعتبر فيه إمكان الأداء كالغصب، والعارية، والمقبوض على وجه السَّوم (٣)، وسائر الديون. والثاني: أن العلة في حقوق الآدميين أن ما كان متبرعا به اعتبر فيه إمكان الأداء في حقه كالوديعة ونحوها، وما لم [يكن] (٤) متبرعاً لم يعتبر فيه إمكان الأداء، فليكن في حق الله كذلك، والصلاة غير متبرع بها، على أن حقوق الله ـ تعالى ـ آكد من حقوق الآدميين؛ لأن الرسول ﵇ قال: «فدَيْن الله أحق بالقضاء» (٥) فدلّ على تأكده. وأما فصل الإثم؛ فإنما لم يأثم بالتأخير؛ لأن وقت الوجوب موسّع عليه،/ ولهذا لو مضى من الوقت مقدار إمكان الأداء جاز له التأخير،

стр. 248

ولم يأثم، والموت لا تسقط به الصلاة، وإنما لا تدخلها النيابة، ولهذا لو مات بعد خروج الوقت قد ثبتت الصلاة في ذمته، ولا يناب عنه فيها، ثم هذا يبطل بالدين المؤجل، وبقضاء رمضان، وكفارة اليمين، لا يأثم بتأخيرها وهي واجبة، وكذلك الزكاة عند أبي حنيفة تجب بالحول، ولا يأثم بتأخيرها، وتسقط بالموت (١). فإن قيل: فكان يجب أن يسقط (٢) عن ذمته بالموت إذا لم يجد كما تسقط الصلاة؛ لأن الإعسار يجعل الدين بمثابة الصلاة لعدم الإمكان. قلنا: إنما سقطت الصلاة؛ لأن النيابة لا تدخلها، والدين تدخله النيابة، وكذلك ما كان من العبادات تدخلها النيابة لا تسقط بالعجز والموت، وهي الزكاة، والحج، كذلك الدَيْن لما جاز أن يتطوع بقضائه غيره، ويجوز أن [يبرئ ذمته] (٣) من هو له، لم يكن لإسقاطه بالعجز معنى. فإن قيل: فاعتباركم لإدراك شيء من الوقت لا معنى له؛ لأن اعتبار دخول الوقت إن كان لإيجاب الكل فاعتبروا إدراك وقت يصلح لأداء الكل، وإن كان لإيجاب ما يخص الوقت فأوجبوا من العبادة بمقدار ما أدرك، فأما أن تعتبروا لإيجاب كل العبادة ما لا يتسع إلا لبعضها فلا وجه، بدليل وجود بعض الماء، وبعض الدَيْن، وبعض الستارة، لم يلزمه إلا بمقدار ما وجد. قلنا: ليس يتقدر الواجب بمقدار المدرك من الوقت؛ لأن الوقت جُعل لأصل الإيجاب شرطاً، ولم يقدر بالفعل المؤدى، بخلاف عين الماء، والدَيْن، والسترة، ولهذا زوال العذر في حق أهل الأعذار يحصّل إيجاب الصلاة/ وإن قلّ عن [اتساعه] (٤) للفعل في الوقت الآخر،

стр. 249

كذلك [يجب] (١) الصوم بإدراك الهلال من غير اتساعه للأداء بأن حاضت المرأة، وثبت الصوم في ذمتها، والله أعلم.

стр. 250

مسألة التكبير ـ غير تكبيرة الإحرام ـ، والتسبيح في الركوع والسجود، وقول: سمع الله لمن حمده، وقول: ربنا ولك الحمد، وقول: رب اغفر لي بين السجدتين، والتشهد الأول واجب (١)، نص عليه أحمد (٢)، وهو قول داود (٣). وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: كل ذلك سنة (٤). لنا: قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ *﴾ (٥)، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *﴾ (٦)، وهذا أمر يقتضي الوجوب، وأجمعنا أن ذلك لا يجب في غير الصلاة، فدل على وجوبه في الصلاة. يدل عليه ما روى أبو داود في «سننه» عن عقبة بن عامر قال: لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ *﴾ (٧) قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «اجعلوها في ركوعكم» ولما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *﴾ (٨) قال: «اجعلوها في سجودكم» (٩). وهذا أمر، وهو يقتضي الوجوب.
следующие страницы →