ويموت مطالباً بها؛ لأن استقرار الوجوب ثمرته وفائدته في الدنيا إيجاب القضاء وتقرُّره، وفي الآخرة مأثمُ [تأخّر] (١) الأداء، فإذا لم يحصل علم أنه لم يتحصل.
فإن قيل: لا يلزمنا هذا؛ لأنا نعتبر إمكان الأداء في حال القضاء؛ لأنه لو استدام المرض جميع الشهر، وبعد الشهر إلى أن مات لم يثبت القضاء في ذمته، وإنما يلزمه القضاء إذا زال المرض بعد خروج الشهر زماناً يمكنه القضاء فلم يقض.
قلنا: هذا اعتبار إمكان الأداء في زمان القضاء، ومثله نقول نحن: إذا أدركت من الوقت قدر ركعة ثم طبق (٢) بها الجنون إلى الموت لا تؤاخذ بالقضاء.
فإن قيل: فإذا قلتم هذا زال الخلاف واعتبرتم الإمكان.
/ قلنا: لا يزول الخلاف؛ لأن قولنا: إذا أفاق بعد خروج الوقت يلزمه القضاء، وعندكم: لا يلزمه القضاء (٣)، فالخلاف حاصل، وليس يمتنع أن تستقر العبادة على وجه يعتبر إمكان الأداء حال القضاء؛ بدليل أنه لو مضى من الوقت قدر أربع ركعات، ثم جُنّ، ودام به الجنون إلى الموت لم يكن مطالباً به في الآخرة، ولو أفاق بعد خروج الوقت مقدار الصلاة ثم جُنّ كان مطالباً بالقضاء في الآخرة؛ لوجود الإمكان حال القضاء، كذلك هاهنا.
الجواب:
أما قياسهم على سائر العبادات فلا نسلمها، ونقول: بدخول وقتها
стр. 247
ووجود شرائطها تجب في ذِمّته وإن لم يُمكنه الأداء، نصّ عليه (١) كمسألتنا سواء.
وقولهم: إن هذا فيه تكليف ما لا يطاق؛ فليس كذلك لأنا لا نكلّفه الفعل قبل إمكان أدائه، وإنما نلزمه ذلك في ذمته، ويفعله وقت إمكانه، على أنا نوجب الصوم على المغمى عليه، والحائض، والمريض، ولا يمكنهم أداؤه (٢).
وأما تعلقهم بحقوق الآدميين، فعنه جوابان:
أحدهما: أن في حقوق الآدميين ما لا يعتبر فيه إمكان الأداء كالغصب، والعارية، والمقبوض على وجه السَّوم (٣)، وسائر الديون.
والثاني: أن العلة في حقوق الآدميين أن ما كان متبرعا به اعتبر فيه إمكان الأداء في حقه كالوديعة ونحوها، وما لم [يكن] (٤) متبرعاً لم يعتبر فيه إمكان الأداء، فليكن في حق الله كذلك، والصلاة غير متبرع بها، على أن حقوق الله ـ تعالى ـ آكد من حقوق الآدميين؛ لأن الرسول ﵇ قال: «فدَيْن الله أحق بالقضاء» (٥) فدلّ على تأكده.
وأما فصل الإثم؛ فإنما لم يأثم بالتأخير؛ لأن وقت الوجوب موسّع عليه،/ ولهذا لو مضى من الوقت مقدار إمكان الأداء جاز له التأخير،
стр. 248
ولم يأثم، والموت لا تسقط به الصلاة، وإنما لا تدخلها النيابة، ولهذا لو مات بعد خروج الوقت قد ثبتت الصلاة في ذمته، ولا يناب عنه فيها، ثم هذا يبطل بالدين المؤجل، وبقضاء رمضان، وكفارة اليمين، لا يأثم بتأخيرها وهي واجبة، وكذلك الزكاة عند أبي حنيفة تجب بالحول، ولا يأثم بتأخيرها، وتسقط بالموت (١).
فإن قيل: فكان يجب أن يسقط (٢) عن ذمته بالموت إذا لم يجد كما تسقط الصلاة؛ لأن الإعسار يجعل الدين بمثابة الصلاة لعدم الإمكان.
قلنا: إنما سقطت الصلاة؛ لأن النيابة لا تدخلها، والدين تدخله النيابة، وكذلك ما كان من العبادات تدخلها النيابة لا تسقط بالعجز والموت، وهي الزكاة، والحج، كذلك الدَيْن لما جاز أن يتطوع بقضائه غيره، ويجوز أن [يبرئ ذمته] (٣) من هو له، لم يكن لإسقاطه بالعجز معنى.
فإن قيل: فاعتباركم لإدراك شيء من الوقت لا معنى له؛ لأن اعتبار دخول الوقت إن كان لإيجاب الكل فاعتبروا إدراك وقت يصلح لأداء الكل، وإن كان لإيجاب ما يخص الوقت فأوجبوا من العبادة بمقدار ما أدرك، فأما أن تعتبروا لإيجاب كل العبادة ما لا يتسع إلا لبعضها فلا وجه، بدليل وجود بعض الماء، وبعض الدَيْن، وبعض الستارة، لم يلزمه إلا بمقدار ما وجد.
قلنا: ليس يتقدر الواجب بمقدار المدرك من الوقت؛ لأن الوقت جُعل لأصل الإيجاب شرطاً، ولم يقدر بالفعل المؤدى، بخلاف عين الماء، والدَيْن، والسترة، ولهذا زوال العذر في حق أهل الأعذار يحصّل إيجاب الصلاة/ وإن قلّ عن [اتساعه] (٤) للفعل في الوقت الآخر،
стр. 249
كذلك [يجب] (١) الصوم بإدراك الهلال من غير اتساعه للأداء بأن حاضت المرأة، وثبت الصوم في ذمتها، والله أعلم.
стр. 250
مسألة
التكبير ـ غير تكبيرة الإحرام ـ، والتسبيح في الركوع والسجود، وقول: سمع الله لمن حمده، وقول: ربنا ولك الحمد، وقول: رب اغفر لي بين السجدتين، والتشهد الأول واجب (١)، نص عليه أحمد (٢)، وهو قول داود (٣).
وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: كل ذلك سنة (٤).
لنا:
قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ *﴾ (٥)، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *﴾ (٦)، وهذا أمر يقتضي الوجوب، وأجمعنا أن ذلك لا يجب في غير الصلاة، فدل على وجوبه في الصلاة.
يدل عليه ما روى أبو داود في «سننه» عن عقبة بن عامر قال: لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ *﴾ (٧) قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «اجعلوها في ركوعكم» ولما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *﴾ (٨) قال: «اجعلوها في سجودكم» (٩). وهذا أمر، وهو يقتضي الوجوب.
стр. 251
وروى أبو داود بإسناده عن حذيفة (١) أنه صلى مع النبي ـ صلَّى الله عليه ـ فكان يقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم» وفي سجوده: «سبحان ربي الأعلى» (٢).
وفي لفظ آخر: فكان إذا رفع رأسه من الركوع قال: «لربي الحمد» وإذا قعد بين السجدتين قال: «رب اغفر لي، رب اغفر لي» (٣).
стр. 252
وروى بإسناده عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «إذا ركع أحدكم فليقل: سبحان ربي العظيم. ثلاثاً، وإذا سجد فليقل: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً، وذلك أدنى الكمال» (١). وهو أمر ـ أيضاً ـ.
وروى ـ أيضاً ـ بإسناده عن رفاعة بن رافع (٢)، عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ: «لا تتم صلاة أحدكم» وذكر الخبر إلى أن قال: «وفي التكبير في كل خفض/ ورفع، وقول: سمع الله لمن حمده» (٣)، فعلق تمام الصلاة على ذلك.
стр. 253
وروى ـ أيضاً ـ بإسناده عن ابن عباس: كان النبي ـ صلَّى الله عليه ـ يقول بين السجدتين: «اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني» (١).
وروى ـ أيضاً ـ بإسناده عن رفاعة بن رافع أنه ذكر حديثه فقال فيه: «فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهد، ثم إذا قمت فافعل مثل ذلك حتى تفرغ من صلاتك» (٢). يعني بقوله: «مثل ذلك» ما تقدم من التكبير، والقراءة، والطمأنينة، وهو أمر بالتشهد، والتكبير، فاقتضى الوجوب.
وروى أحمد بإسناده عن أبي موسى الأشعري أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ خطبنا فعلمنا صلاتنا وذكر الخبر بطوله إلى قوله: «فإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم» (٣).
وكذا في حديث أبي هريرة: «فإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد» (٤). وهو في الصحاح، وهذا أمر، وهو يدل على الوجوب.
стр. 254
وبالجملة إنّ جميع هذه الأذكار والتكبيرات قد كان ﵇ يقولها، ويأمر بها، واشتهر ذلك في الأخبار، وقد قال ﵇: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١)، فوجب امتثال أمره.
وقد اشتهر ذلك في الصحابة، فروي عن الأئمة أبي بكر (٢)، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃ أنهم كانوا يكبرون في كل خفض ورفع (٣).
وفي السلف ـ أيضاً ـ حتى إنهم قالوا: إذا أخل بشيء منه وجبت الإعادة.
стр. 255
فروى ابن المنذر في «الإشراف» (١)(٢) عن قتادة أنه قال: من نسي شيئاً من تكبير الصلاة فإنه يقضيه حين يذكره (٣).
وعن الحسن البصري أنه قال: التسبيح التام في السجود سبعاً والمجزئ ثلاثاً (٤).
وعن الأوزاعي: يقضي ما سهى عنه من التكبير (٥).
/ وعن إسحاق: إن ترك التسبيح عامداً أعاد (٦).
وعن الحكم وأبي ثور فيمن ترك تكبيرة: سجد سجدتي السهو (٧).
فإن قيل: يحمل جميع ذلك من أمره وفعله على الاستحباب، بدليل أنه قال في حديث ابن مسعود: «إذا ركع أحدكم فليقل: سبحان ربي العظيم ثلاثاً» (٨). وكذا في السجود، ولا يجب الثلاث،
стр. 256
وكذلك نُقل عنه ـ صلَّى الله عليه ـ أنه كان يقول دعاء الاستفتاح (١)، والتعوذ (٢)، و «ملء السماء وملء الأرض» بعد التحميد (٣)، وكل ذلك مستحب، وكذلك في هذه الأذكار، ولهذا لو ترك جميع ذلك ساهياً لم تبطل صلاته، ولو كان ذلك واجباً لم يسقط بالسهو.
قلنا: ظاهر أمره على الوجوب، وقوله في خبر رفاعة: «لا تقبل» يقطع العذر أصلاً، ورأساً، فأما حديث ابن مسعود فيسقط فيه الثانية والثالثة؛ لأنه أمر في غيره بمرة واحدة، فأَخذْنَا بما [اتفقت] (٤) الأخبار عليه، وحملنا الزائد على الندب.
وأما دعاء الاستفتاح، والتعوذ، وبقية الأدعية، فقد روى أبو طالب
стр. 257
عن أحمد ﵁ أنه سُئل عن من ترك شيئاً من الدعاء في الصلاة عامداً: يعيد (١). فظاهره أن جميع ذلك واجب.
وقد اختاره الشيخ أبو عبد الله بن بطة فقال: من ترك شيئاً من الأدعية المشروعة التي يقصد بها الثناء على الله كالاستفتاح والتسبيح أعاد، ومن ترك الأدعية التي يقصد بها مصلحة نفسه لم يُعد (٢).
[ولا] (٣) نُسلِّم ذلك، وإن سُلِّم على ما اختاره الخرقي (٤) فإن تلك الأذكار محلها غير واجب، ولهذا لو كبّر، وقرأ قدر الفاتحة، أو الآية، ولم يقف غير ذلك جاز، بخلاف مسألتنا؛ فإن محل هذه الأذكار واجب وهو الركوع، والسجود، والرفع منهما، فجاز أن تجب كصلاة الجنازة لما/ كان محل التكبيرات فيها واجب [وجبت] (٥) التكبيرات.
وأما إذا تركه ساهياً؛ فقد نقل حنبل (٦) عنه فيمن نسي تكبيرة من صلاته حتى قضى صلاته: يعيد الصلاة (٧)؛ لأنها نقصت، فإن كان وراء إمام فهو أسهل.
стр. 258
فعلى هذا لا نسلم أنه يسقط بالسهو، وقد ذكرنا مثل ذلك عن السلف، وإن سلمنا فلا يمتنع أن يكون واجباً ويسقط بالسهو كالأكل في الصيام، وترك التسمية على الذبيحة، [والكلاب] (١)، والوقوف بعرفة.
فإن قيل: تلك الأشياء منهيات فلهذا افترق عمدها وسهوها، وهذا مأمور به فلم يفترق الحال بين عمده وسهوه.
قلنا: علة الأصل باطلة بالخلاف، وتقليم الأظفار، وقتل الصيد، والحدث في الصلاة، فإنه منهيّ عنه ويسوّى بين عمده وسهوه، وعلّة الفرع باطلة بالوقوف بعرفة، والتسمية على الذبيحة مأمور به ويُفرّق بين عمده وسهوه، وكذلك الإمساك في الصوم مأمور به ويفرق بين عمده وسهوه.
والفقه في المسألة أنا نقول: الركوع، والسجود، والاعتدال بينهما ركن من أركان الصلاة فتضمنت ذِكراً واجباً؛ دليله القيام؛ وهذا لأن الصلاة تشتمل على التذلل لله ـ تعالى ـ بالفعل، والثناء عليه بالقول، فكل ركن منها يفتقر إلى ذلك، فيجب أن لا نخليه منه؛ لأنها وضعت على ما يعرفه الناس من تعظيم ملوكهم، وهم لا يخضعون بالفعل إلا موشحاً بالثناء، والدعاء لملوكهم، وكذلك يجب في الصلاة.
فإن قيل: المعنى في القيام أنه يفعله الناس عادة، فافتقر إلى الذكر ليفرق به بين العادة والعبادة، بخلاف الركوع، والسجود فإنه لا يفعل إلا عبادة، فلم يفتقر إلى ما يخلصه للعبادة.
قلنا:/ يكفي في الفرق بين القيامين تكبيرة الإحرام، والنية، واستقبال القبلة، وترك الكلام، ثمّ يلزم أبا حنيفة الجلوس للتشهد الأخير، والشافعي الجلوس للتشهد الأوّل، [و] (٢) تشترك فيه العادة والعبادة،
стр. 259
ولا يجب الذكر عندهما (١)، وكذلك القيام في ركعتين من الصلاة، والقيام خلف الإمام، تشترك فيه العادة والعبادة ولا يجب فيه الذكر عند أبي حنيفة (٢)، وكذلك الاعتدال من الركوع والسجود عند الشافعي، يشترك فيه ذلك ولا يوجب فيه ذكراً (٣)، فبطلَ قولهما.
وعلّة الفرع تبطل بالإحرام، لا تشترك فيه العادة والعبادة وفيه ذكر واجب عند أبي حنيفة، وهو التلبية (٤)، والقيام على المنبر في الجمعة، لا تشترك فيها العادة والعبادة ويجب الذكر وهو الخطبة عندهم جميعاً (٥).
وقد قيل طريقة أخرى، نقول: التكبير في الركوع، والسجود تكبير في صلاة الفرض، فكان واجبا، دليله تكبيرة الإحرام.
فإن قيل: المعنى في الأصل أنها ركن بخلاف مسألتنا.
قلنا: يجوز أن تكون واجبة وإن لم تكن ركناً، بدليل الرمي، وطواف الوداع، وغير ذلك، يجب في الحج وليس بركن، وكذلك عند أبي حنيفة تجب التلبية، وركعتا الطواف (٦)، وليسا بركن، ولأنها عبادة لها تحليل وتحريم، فكان في بعض واجباتها ما يفرق بين عمده وسهوه، دليله الحج، منه ما يفرق بين عمده وسهوه وهو الوقوف، ولا يلزم الصيام؛ لأنه لا تحليل له، ولا تحريم.
стр. 260
وقد قيل طريقة أخرى: ذكر شرع تكراره في كل ركعة، فكان واجباً، دليله القراءة.
فإن قالوا: لا تأثير لهذا؛ فإن تكبيرة الإحرام لا تتكرر في كل ركعة وهي واجبة، وكذلك السلام.
قلنا:/ تأثيره في الاستفتاح، والاستعاذة، [لمّا] (١) لم يتكرر لم يكن واجباً.
الثاني: أن هذا مما يؤكد؛ لأنه إذا بين أن ما لا يتكرر هو واجب، فأولى أن يجب ما يتكرر لحاجة الصلاة إليه، ولأنها صلاة يتكرر فيها التكبير، فتكرر وجوبه كصلاة الجنازة، أو نقول: تشهد أشبه الأخير، أو نقول: فعل من أفعال الصلاة له ثان من جنسه، فكان حكمه في الوجوب حكم الثاني، كالسجود، والركوع.
فإن قيل: إذا جاز أن يكون الثاني ركناً ويخالفه الأول في الركنية، لم تجب مساواته له في الإيجاب، وكذلك لم تجب مساواة الأول للثاني في إبطال الصلاة بتركه سهواً، وإن كان أول الثاني هذه صفاته وأحكامه ولم يكن مثله فيها.
قلنا: الظاهر من كل جنس تساوي أجزائه في المعاني، والأحكام إلا ما قامت عليه دلالة الفرق، ألا ترى أن جميع أركان الصلاة استوت في الوجوب وإن اختص بعضها بتأكيد، وبعضها بضعف، كالقيام يسقط في النفل، والتوجه يسقط ـ أيضاً ـ على الراحلة، وبقية الأركان والشروط لم تسقط، وغير ذلك.
احتجوا:
بقول الله ـ تعالى ـ: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٢)، فأمر بالركوع المجرد،
стр. 261
فمن أتى به خرج عن عُهدة الأمر، ولأن اعتبار الذكر فيه زيادة في نص القرآن بما ليس بقرآن وهي نسخ.
وبما روى عبد الرحمن بن أبزى (١) قال: صليت خلف النبي ـ صلَّى الله عليه ـ فلم يكبِّر بين السجدتين (٢).
وروي عنه أنه سها فقام إلى ثالثة ولم يرجع (٣)، ولو كان واجباً لرجع.
وحديث الأعرابي لمّا علّمه النبي ـ صلَّى الله عليه ـ ولم يذكر له هذه الأذكار، وإنما قال له: «اركع حتى تطمئن، وارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد/ حتى تطمئن ساجداً» (٤)، ولم يأمر بالتكبير، ولا بتسبيحات الركوع، وهو موضع حاجة؛ لأن الرجل كان جاهلاً، ولذلك أساء في صلاته،
стр. 262
ويبعُد أن يقال إن رسول الله سمعه يسبِّح سرّاً، ويأتي بالأذكار التي كان يخافت بها وراءه، فيقول: «قل الله أكبر ثم اقرأ»، وكيف كان يأتي بتكبيرات الانتقال ولم يأت بالتكبير الأول! فهذه الأوجه له أصل.
وروى أبو هريرة عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «أما الركوع فعظِّموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء» (١).
قالوا: ويشهد لهذا ضرب من الفقه، وهو: أنها تكبيرات تردف تكبيرة الإحرام، فلم تكن واجبة كتكبيرات العيدين.
قالوا: ولأنه ذكر من غير جنس المعجز، شُرع بعد التحريمة أشبه الاستفتاح، والاستعاذة، وقول: «ملء السماء، وملء الأرض»، وغير ذلك.
أو نقول: ذكر يسقط بالسهو، فلم يكن واجباً كهذه الأشياء، وهذا لأنه ليس في الصلاة واجب لا يتعين فعله، ولا يعفى عنه بسهو، ولا جهل، ولا عذر سوى العجز، ولأنه لو كان واجباً لم يسقط إذا أدرك الإمام راكعاً.
وقد نص أحمد ـ رضي الله [عنه] (٢) ـ على ذلك فقال: إذا أدرك الإمام في الركوع كفاه تكبيرة الإحرام (٣).
وقال: إذا جاء والإمام جالس لم يكبر لجلوسه (٤).
ونحن نُسقط القراءة في حق المسبوق؛ لأن الإتيان بها غير ممكن فسقوطها للحاجة، ولا حاجة إلى إسقاط تكبيرة الركوع في حق المسبوق، وهذا لازم.
ومنهم من قال: إن القيام متردد بين العادة والعبادة، فيجوز أن يصير بالمذكور متميزاً، والقعود كمثل والركوع، والسجود لا عادة فيها، فتمحض عبادة.
стр. 263
الجواب:
أما الآية؛ قلنا: قد يقع عليه الاسم/ في اللغة، وقد بينا أنه لا يكفي في ذلك ما يقع عليه الاسم في اللغة، فأما في الشريعة فلا نُسلّم أن هذا يسمى ركوعاً شرعياً.
الثاني: أن هذه الآية دلت على أصل الركوع والسجود دون الذكر فيهما، والذكر ثبت بالسنة، وليس في إثبات تسبيح إلى ركوع بأكثر من إثباته [في] (١) الابتداء؛ لأنه زيادة في الشرع، والتشريع بأخبار الآحاد جائز ابتداءً، فإثباته بعد تشريع بالكتاب لا يزيد عليه.
ودعواهم أنه نسخ لا يصح؛ لأن النسخ رفع، وهذا زيادة، ولأنه لو كان نسخاً لكان كل عبادة وردت بعد عبادة نسخاً، وكل زيادة يتغير بها حكم الشرع، وليس كل زيادة نسخاً عندهم، على أنا قد استوفينا الكلام على هذا فيما تقدم.
وأما حديث عبد الرحمن: فقد نقل مُهنَّا (٢) عن أحمد أنه قال: هو حديث منكر (٣).
стр. 264
ونقل عنه حنبل أنه قال: ما أراه محفوظاً (١).
وهو يخالف الأحاديث؛ حديث عليّ، وأبي هريرة، كانوا يكبرون في كل خفض ورفع، ويروون ذلك عن النبي ﵇ (٢).
على أنه يحتمل أنه كان خفض صوته، أو كان بالبعد منه؛ لأن السادات الأكابر كانوا في الصف الأول، فلم يسمعه، أو نسي ذلك، وكذلك في التشهد.
وأما حديث الأعرابي: فليس فيه حجة؛ لأن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ قد بيّن في موضع آخر، وبيانه كاف، على أنه يحتمل أن يكون وجوب الأذكار نزل بعد ذلك، كما نزل الآيتين التسبيح للركوع، والسجود، فلا يمنع وجوب التكبير ـ أيضاً ـ بعد وجوب الركوع والسجود.
ويحتمل أنه كان أساء في الأفعال خاصة وأتى بالأذكار، فعلّمه ما ترك، ولم يذكر له ما أتى به ولم يتركه.
وأما حديث أبي هريرة؛ وذكره/ للتعظيم فيه: فالتعظيم هو بقوله: سبحان ربي العظيم، فهو حجتنا، والسجود يجتهد في الدعاء بعد التسبيح بدليل ما ذكرنا.
ولأن أخبارنا أولى؛ لأنها أصرح، وأصح، وأكثر رواة، وفيها زيادة، وإثبات، واحتياط، وتنقل من العادة إلى العبادة.
стр. 265
وأما قياسهم على تكبيرات [العيد] (١) فباطل بصلاة الجنازة، على أن محل ذلك التكبير غير واجب، ومحل هذا التكبير واجب، فهو يجري مجرى تكبيرات صلاة الجنازة محلها واجب وهي في أنفسها واجبة، ولأن تكبيرات صلاة العيد جاءت قبل القراءة، وبعد تكبيرة الإحرام، فكانت بين ذكرين واجبين، فما خلا القيام عن ذكر واجب لا سيما من جنسها، والركوع والسجود ليس فيهما ذكر واجب يخصهما، فلا يجوز أن يخلى كل واحد منهما عن ذكر مع كونه ركناً، فكان الأشبه، والأظهر أن [يكون] (٢) ما وضع له من الأذكار واجباً.
وأما قولهم: إنه يسقط بالسهو؛ فقد تقدم جوابه.
وأما الاستفتاح، والاستعاذة فذاك دخل تابعاً، ومتقدماً على الذكر الواجب، وهو القراءة، فاستقل الركن الذي هو القيام بالقراءة، وتكبيرة الإحرام، فكانت زوائده سنة وفضيلة، وهذا ليس فيه ذكر إلا هذا، فكان واجباً؛ لئلا تخلو هيئة هي ركن عن ذكر أوجبه الله .
وأما إذا أدرك الإمام راكعاً فقد أجاب القاضي ﵁ عن هذا في كتاب «الخلاف» (٣)، فقال: سقوطه في حق المسبوق لا يمنع أصل وجوبه،
стр. 266
كالقراءة على قول الشافعي، وإنما لم يكن إذا أدركه جالساً؛ لأن هذا التكبير لا يعتد به (١).
وذكر في كتاب «المجرد» (٢): أنها لا تسقط عنه، ويأتي بتكبيرتين (٣).
وهذا صحيح؛ لأنه انحطاط إلى ركن/ معتد به، والتكبيرة واجبة، ومحلها وهو الانحطاط قد وجب عليه الإتيان به، واتسع الوقت لفعله بكون الإمام راكعاً، وليس الإتيان به مما يعيق عن المتابعة، فيقال: إنه إذا تشاغل به ترك ما أدركه، بل هو يأتي به بلسانه حال انحطاطه، فلا يأخذ من وقت الانحطاط شيئاً؛ لأنه معه، ومصاحب له، فلا أجد لإسقاطها وجهاً، وعساه أراد به: لا يكن جهراً؛ لئلا يسمعه بعض الصفوف، فيظن أنه تكبير الإمام، أو تبليغ عنه، فيشوش على المأمومين، والله أعلم.
وأما قول من قال منهم: إن الركوع، والسجود لا عادة فيه، فتمحض عبادة، والقيام، والجلوس متردد، فاعتبرنا فيه الذكر.
قلنا: هذا غلط؛ فإن القيام عبادة محققة بالنية، والتكبير، ونحن بمجرد النية محّضنا الصوم عبادة، وإن كان الإمساك متردداً، واللبث في مكان مخصوص دون الذكر صيرناه عبادة وهو الوقوف بعرفة، فبطل ما قاله.
стр. 267
مسألة
إذا صلى في ثوب غصب، أو أرض غصب، أو ثوب حرير لم تصح صلاته (١)، هذا مذهبنا في أصح الروايتين (٢)، اختارها شيوخ المذهب ﵏ (٣)، وهو قول أبي علي الجُبَّائي (٤)، وأبي هاشم ولده (٥)، وأبي شمر (٦)،
стр. 268
وأهل الظاهر، والزيدية (١).
والثانية: هو مأثوم، وصلاته صحيحة، وهي قول أكثر الفقهاء (٢).
وهكذا الخلاف فيه إذا غصب ما يتوضأ به، أو غصب خفاً ومسح عليه، أو حج بمال حرام؛ على روايتين (٣).
الأوّلة:
ما روى أحمد في «المسند» بإسناده عن ابن عمر أنه قال: «من اشترى ثوباً بعشرة دراهم وفيه درهم حرام لم يقبل الله له صلاة ما دام عليه»، ثم أدخل أصبعيه في أذنيه، ثم قال: صُمَّتا إن لم يكن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ سمعته/ يقوله (٤). وهو نص.
وروى أبو حفص العُكْبَريّ (٥) من أصحابنا بإسناده عن علي بن أبي طالب
стр. 269
قال: كُنّا عند النبي ﵇ فقال: «من كسب مالاً من حرام فأنفقه لم يقبل الله منه، فإن ادّخر منه شيئاً كان زاده إلى النار، ومن لبس سِرْبالاً (١) حراماً لم يقبل الله منه صلاة ما دام السِّربال عليه، إنّ الله أجلّ وأكرم أن يقبل صلاة رجل ودعاءه وعليه سِربال حرام» (٢).
وروى أبو بكر النجاد (٣) من أصحابنا بإسناده عن ابن عباس، قال:
стр. 270
إذا حجّ الرجل بمال حرام فقال: لبيك اللهم لبيك، قال الله: لا لبيك ولا سعديك (١).
وهذه الأخبار كلها تدل على ما قلنا.
والحديث الصحيح المتفق عليه قول النبي ـ صلَّى الله عليه ـ: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ» (٢)، وقوله ﵇ في خبر آخر: «من أحدث في ديننا ما ليس فيه فهو ردّ» (٣)، [والردّ] (٤) إذا أضيف إلى عقود المعاوضة اقتضى الفساد، وإذا أضيف إلى العبادات اقتضى نفي القبول والاعتداد، والغصب ليس من ديننا، والاستتار به في الصلاة ليس عليه أمر النبي، بل نهيه، فكان الستر بهذا الثوب مردوداً مطَّرَحاً، فكأنه ما استتر للصلاة، ومن لم يستتر لها لا يعتدّ بصلاته، كما أن من استتر بالغصب ما اعتد بستره، والرد في الأعمال ضد القبول.
فإن قيل: قد ترد أمثال هذا الوعيد في هذه الأخبار تغليظاً
стр. 271
في المكروهات والمحظورات، غير المبطلات مثل ما رُوِي عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «من شرب الخمر لم يقبل الله منه صلاة أربعين يوماً» (١)، وقوله: «شارب الخمر كعابد الوثن» (٢)، وقوله: «لا صلاة للعبد الآبق» (٣)، «لا صلاة للمرأة الناشِز» (٤)، وقوله ﵇: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (٥)، وغير ذلك من المناهي، ويكون المراد هنا/
стр. 272
التهديد والوعيد دون الإبطال، كذلك هاهنا، أو يحمل قوله في الخبرين الأولين: لم تقبل منه صلاة؛ بمعنى: لم [يثب] (١) عليها.
قلنا: لا يجوز أن يحمل الوعيد من جهة صاحب الشرع إلا على الحقيقة، فإما على ضرب من المجاز، وإما ما ذكروا من المناهي، فلو خلينا والظاهر لقلنا بظواهرها، لكن قام دليل الإجماع على صحة الصلاة وهي [في] (٢) ما عداه على ظاهره.
وأما حملهم إياها على الثواب فلا يصح؛ لأن قوله: «لم تقبل منه صلاة» عائد إلى عين الصلاة، والثواب شيء آخر، على أنه عام في الجميع فمن خصّه فعليه الدليل.
والفقه في المسألة: أن الصلاة لم تعرف صلاة إلا بورود الشرع بها، ولو لم يرد الشرع بها لم تعرف الصلاة، وهذا أمر لا يختلف الفقهاء فيه، وإذا ثبت أنها مشروعة من قبل الله فلا تثبت إلا على الوجه المشروع، والصلاة على الصفة التي اختلفنا فيها مثل الصلاة في الدار الغصب، والثوب الحرير غير مشروعة، فلا تفيد الصحة؛ لأن المشروع للعباد بأفعالهم لا يثبت إلا بأفعال مشروعة، ولا نعني بالمشروعة إطلاق الشرع وإباحته، ولا نعرف المشروعية في العبادات إلا بهذا.
ثم الدليل على أن هذه الصفة غير مشروعة: ورود النهي عليها،
стр. 273
والنهي عنه ضد الإطلاق، فلا يكون المنهي عنه مطلقاً، وإذا لم يكن مطلقاً لا يكون مشروعاً، يبيّنه أن النهي يدل على القبيح، والقبيح محظور، والمحظور والمشروع ضدان لا يجتمعان، يدل عليه: أن النهي ضد الأمر، فإن كان الأمر يفيد كون المأمور مشروعاً، فالنهي يفيد كون المنهي عنه غير مشروع، ولأن المشروع له درجات، وأدنى درجاته الإباحة، فإذا لم يكن مباحاً لم يكن له/ أدنى درجاته، والنازل على أدنى الدرجات نازل على العدم.
يدل عليه: أن الصلاة من حقها أن تكون طاعة وقربة، والصلاة في الدار المغصوبة معصية؛ لأنها تشتمل على القيام، والقعود، والركوع، والسجود، وهذه الأشياء تَصرُّفٌ في الدار المغصوبة، وشُغلٌ لأماكنها وأهويتها، ومنعٌ لربِّ الدّار منها لو حضر، وذلك معصية كالقعود، ووضع المتاع فيها، وإذا ثبت ذلك فالواجب لا يتأدى بالمعصية، والطاعة تنافيها المعصية، وكذلك القربة، وقد قال ﵇: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) فما ظنك بعمل فيه نهيه، فهو أولى بالردّ، والردّ ما لا يقبل، ولا له نفاذ، كالمردود عن دخول الدار، والمردود بالعيب.
فإن قيل: أفعال الصلاة ما يفعله المصلي في نفسه من القيام، والركوع، والسجود، وليس ذلك شُغلاً للدار، وإنما هو شُغلٌ للهواء، وإنما تُشغل الأرض باستقرار قدميه، وليس ذلك من الصلاة، لأنه لو أمكنه أن يصلي من غير أن تستقر [قدماه] (٢) في الدار جازت.
قلنا: هذا لغو بيِّن؛ فإنَّ استقرار قدميه من جملة صلاته، والقيام، والسجود، والجلوس جميعه من أركان الصلاة، وذلك شُغلٌ لعَرْصة (٣) الدار.
стр. 274
وقولكم: لو أمكنه أن يصلى في الهواء جازت صلاته؛ غلط؛ فإنه يمكنه أن يعلّق بحبل [تحت] (١) إبطيه في الهواء، ولكنه لو صلى معلقاً لم تصح صلاته، إلا أن يُفعل به ذلك مكرهاً.
ثم هبْ صحّ لكم ذلك، فشُغله لهواء الدار غصب منه؛ لأن مالك الدار أحق بهواء داره، ألا ترى أن إنساناً لو أراد أن يشرع [جناحاً] (٢) إلى هوائه كان له منعه.
فإن قيل: فهذا المنع إنما هو لحق [الغير] (٣)، وإلا فالصلاة قد/ استوفى أركانها، وشرائطها الشرعية، والنهي لمعنى في غير المنهي عنه لا يبطله؛ لأنه كالأجنبي.
قلنا: من شروط الصلاة أن تكون طاعة، وأن ينوي بها أداء ما وجب عليه، وليس هذان بحاصلين، فإنا قد بينّا كون حركاته بالأركان معصية، ونيته أداء الواجب بما يعلم أنه ليس بواجب ـ بل هو معصية ـ محال، ولأنه إذا كان من جملة الصلاة ما هو معصية لم يَجُز أن يكون واجباً من جهة أخرى.
على أن النهي عن الشيء لمعنى في غيره يمنع صحته، بدليل أن نكاح المُحْرِم، وابتياعه للصيد باطل، وهو [لمعنى] (٤) في غير الصيد، والمرأة، والعاقد، وإنما هو الإحرام، وكذلك بيع المفلس المحجور عليه باطل، وهو لأجل الغرماء لا لمعنى فيه وفي ماله، وكذلك بيع الفُضُولِي (٥)، وتزويجه باطل، لا لمعنى فيه، وإنما لحق المالك،
стр. 275
وكذلك إذا فرق بين الأمة وولدها في البيع لا يصح العقد، وليس لمعنى في العاقد، ولا في المعقود عليه، وإنما لأجل الحزن، وكذلك البيع بشرط مجهول، أو خيار مجهول باطل، وليس لمعنى يرجع إلى العاقد، ولا إلى العقد، وإنما هو شرط خارج عن العقد، وكذلك جميع الشروط الفاسدة، فسقط ما ذكروه.
فإن قيل: فقد يكون مأمورا بها، ويؤدى بها حق الآمر وإن كانت في الغصب، ألا ترى أن مشيه في الدار الغصب ليخرج منها حركات في الغصب، وهي طاعة، ويقضى بها حق الآمر في ترك الغصب، كذلك فعل الصلاة يقع طاعة وإن كان حركات في الغصب.
قلنا: لا نُسلِّم أن حركاته للخروج طاعة، ولا مأمور بها، وإنما هي معصية، إلا أنه يفعلها لدفع أكثر المعصيتين بأقلهما، لأن دوامه في الدار معصية تطول، وخروجه/ معصية قليلة، ولهذا الكذب معصية، ثم لو قصد إنسانٌ نبيّاً أو مؤمناً ليقتله ظلماً، فهرب منه واختبأ، فجاء إلى من قد رآه، فقال: أرأيت الذي فرَّ منِّي الآن (١) أين اختبأ؟ ـ وهو يعلم به ـ، جاز أن يقول: لم أره، ولم أعلم أين هو؛ ليدفع أعظم المعصيتين بأقلهما، فكذلك هاهنا، وهذا الدليل بعينه يجيء في الثوب الغصب؛ لأن حركاته في غصب، وذلك محرم، [فلا تتأدى] (٢) فيه الطاعة.
ويدل عليه: أن المنهي عنه لم يتناوله التكليف، وما لم يتناوله التكليف لا يسقط به التكليف، وهذا لأن التكليف لا يتناول إلا ما له صفة زائدة على حسنه، والنهي إنما يتناول ما ليس بحسن، فدل على أن التكليف لم يتناوله، ويوضح ذلك أنه ـ تعالى ـ لو قال: صلوا، ثم قال: لا تصلوا بغير طهارة، دلّ على أن قوله: صلوا، لا يتناول الصلاة بغير طهارة؛ لأن أمره يدل على حسن الصلاة، ونهيه عن الصلاة بغير طهارة يدل على قبح الصلاة بغير طهارة، وأحدهما غير الآخر.
стр. 276
فإن قيل: فمن أين معكم أن ما لم يتناوله التكليف لا يسقط به التكليف.
قلنا: من حيث إن فاعله لم يفعل ما كُلِّفَه، وتُعُبِّد به، فهو بمثابة أن يقول ـ تعالى ـ له: صل، فيصوم، أو يقول: صم، فيتصدق، فإنه لا يسقط عنه ما أمر به.
فإن قيل: فقد يجوز أن يكون الفعل [منهيّاً] (١) عنه لنوع قُبح، لكن يقوم مقام المأمور في باب مصلحة هذا، كما لو جعلت الصلاة مصلحة في النهي عن الفحشاء، فلا يخرجها فعلها في الدار الغصب عن ذلك، ولهذا يجوز أن يقول ـ تعالى ـ: لا تصلوا في الدار المغصوبة، فإن صلّيتُم سقط عنكم الفرض.
قلنا: لا نسلم ذلك؛ فإنّ مرتكب المنكر بصلاته لم تنهه صلاته عن المنكر الفاحش، ثم ليس/ إذا ورد دليل على سقوط الفرض لمنهي عنه، يجب إذا لم يرد دليل أن يكون كذلك، ألا ترى أنه لو قال: صلوا بطهارة، فإن صليتم بغير طهارة سقط فرضكم، [لا] (٢) يدل على ذلك أنه إذا صلى من غير ورود الدليل بغير طهارة يسقط فرضه، وكذلك لو قال: صلوا، فإن صمتُم قام مقام الصلاة، لا يجيء منه أنه إذا لم يَرِد ذلك، وقال: صلوا، تجزئ الصلاة عن الصوم، كذلك في مسألتنا لم يرد دليل بإسقاط التّعبد بما لم يتناوله التّعبد من المنهي يسقط به التّعبد.
ومن أصحابنا من قال: إنّ مخالفينا من الفقهاء وافقوا أن النهي إذا كان لمعنى يختص الصلاة والعبادة في الجملة كان دالاً على فسادها، ومعلوم أنه كما يبطل الشيء لفساد يرجع إليه يبطل بفساد شرطه، وقد ثبت أن الاستتار في الصلاة شرط لصحة الصلاة مع القدرة بلا خلاف بيننا (٣)،
стр. 277
فإذا كانت السترة مغصوبة عاد النهي إلى نفس الشرط، فالشرع يقول: استتر للصلاة، ثم إنه هو القائل: ولا تستتر بهذه السترة المغصوبة، فإذا استتر بها حسّاً كان عرياناً حكماً؛ إذ لم يمتثل الأمر بالاستتار، بل خالف، وكذلك البقعة المغصوبة يصير هذا الاستقرار كلا قرار، فيصير ـ وإن كان معتمداً، ومستقراً حساً ـ كالمعلّق في الهواء حكماً، فيصير كالمصلي في أرجوحة، أو لا ترى أنّ ما كان عدمه لا يؤثر ـ لما كان فساده كعدمه ـ لم يبطل، كالمهر إذا سماه فاسداً بأن جعله خمراً، أو خنزيراً صار بالفساد كعدم التسمية، ولو عقد نكاحاً بلا تسمية مهر لانعقد وصحّ، وكذلك إذا أفسد التسمية صار كعدمها، وعدمها لا يبطل عقد النكاح، كذلك تسمية عوضه إذا كانت فاسدة.
فإن قيل: هذا باطل بالسترة الثانية والثالثة؛/ ليست شرطاً، وتبطل الصلاة بكونها غصباً.
قالوا: وفارق ما نقوله نحن وأنتم في السترة الثانية إذا كانت نجسة؛ فإنها تبطل الصلاة وإن استقل الستر والشرط بالطاهرة، لكن السترة لم تُبطل بنجاستها من حيث كونها سترة، لكن أبطلت الصلاة من حيث كونها كانت نجسة محمولة، فكلّ نجاسة حملها المصلي في صلاته أبطلت سواء ستر محلها أو لم يستره، ولهذا لو كان الثّوب النّجس في كُمِّه وهو حامل له في صلاته أبطل صلاته، ولو كان الغصب في كمِّه لم يبطل فعلم فرق ما بينهما.
جواب آخر عن أصل الدليل: أنه لو كان الاستتار بالغصب [كالتعري] (١) حكماً لوجب إذا استتر بالغصب عن أعين الناس أن لا يخرج عن عهدة النهي عن الكشف بذلك الستر، ويكون عليه إثمان؛ إثم الغصب، وإثم كشف العورة، كما اجتمع في الصلاة إثم تركها، وإثم الغصب وإبطالها، فلما لم نقل ذلك، بل كان مأثم الغصب خاصة، دل على بطلان دعواكم أن المستتر بالسترة المنهي عنها كالتعري.
стр. 278
وجواب آخر: أنه كان يجب إذا لم يجد ثوباً يستتر به، فاستتر بالغصب أن تصح صلاته؛ لأنه في حالة يصح أن يصلي فيها عرياناً من طريق الحس، فإذا كان فيها عرياناً من طريق الحكم أولى أن تصح.
قلنا: أما الأول فلا يصح؛ لأنه [و] (١) إن لم تكن الثانية شرطاً، إلا أنها من جنس الشرط، وما كان من جنس الشيء، وعاملاً عمله أجري مجراه، كالسترة الثانية، والثالثة في كفن الميت؛ يتم بها النِّصاب، فيقطع بها، وبالكفن عندنا (٢)، وعند الشافعي (٣)، ولو كانت منفصلة عنه مدفونة معه لا عليه لم يقطع بها، ولم يتمم بها النصاب؛ لأن الستر لا يتعين بواحدة؛/ فالحلال والمغصوب جميعاً ساترة، فالمخالفة عادت إلى السترة، وكل من الثياب ساتر، ويستعمل في الستر الذي هو مشروط في الصلاة.
وأما إذا استتر بالغصب عن أعين الناس، قلنا: يجوز أن تسقط عهدة الستر لحق الآدمي، كالاستتار بجلد الكلب، والخنزير، وسائر الستر النجسة؛ لا يحصل بها قضاء حق الستر للصلاة، ويحصل بها امتثال الستر عن أعين الناس، ويخرج به من عهدة مأثم الكشف بينهم.
وأما إذا لم يجد غير الثوب المغصوب، قلنا: أبطلنا صلاته؛ لأنه مستتر بالغصب حسّاً، ويكفي الإبطال أحد أمرين؛ إما تعريه حكماً، أو الاستتار بالغصب حسّاً.
طريقة أخرى: أنها بقعة تحرم عليه الصلاة فيها، أو ثوب تحرم الصلاة فيه، فإذا صلى فيه لم تصح الصلاة، دليله: البقعة النجسة، والثوب النجس، ولا تلزم الصلاة في البقاع المنهي عن الصلاة فيها كالحمام، وظهر الكعبة، والمقبرة؛ لأنها كمسألتنا؛ وهذا لأن الصلاة قربة محضة،
стр. 279
وعبادة لا يشوبها غير التعبد لله، والتقرب بها إليه، وقد أخذ عليه أن يخلص النية للفرض، والتقرب إلى الربّ ـ جلّت عظمته ـ، فإذا كان حرام عليه فعلها على هذه الصفة لم تنعقد قربة، إذ من المحال أن يتقرب إلى الله بما هو معصية لله، ومحال أن تنعقد مع انعدام النية المأخوذة عليه لأجلها، يدل عليه أن الفعل الشرعي إما أن يوجد من طريق الوجوب، أو الندب، أو الجواز، وهذه الصلاة لا يوجد فيها شيء من هذه الأوجه، فلم تكن شرعيّة، فبطلت.
فإن قيل: لو كانت الصلاة إذا وقعت على وجه محرّم، أو منهي عنه يبطلها، لوجب أن لا تصح/ صلاة من رأى مسلماً يغرق، أو ناراً تحرق نائماً غافلاً، أو طفلاً عاجزاً، أو شيخاً [هرماً] (١) وهو يعلم من نفسه القدرة على استنقاذه، وكذلك من كان عليه دين، أو عنده وديعة وهو مقتضى بالدين، أو مطالب بالوديعة وهو ممكن من أداء دينه، وردّ الوديعة، فلما صحّت الصلاة مع هذه المناهي، وكان فعل الصلاة محرّماً، وغير متقرّب بها على ما قررت، ثم إنها وقعت مجزئة [فبطل] (٢) تعلقكم بما ذكرتم، واعتلالكم بما ذكرتم، وآكد من هذا صلاة الآبق الذي هو في الحقيقة غاصب لنفسه التي يصلي بها، وفيها ـ وهي للصلاة آثر من السترة، وأخص ـ تقع صحيحة محرمة عندكم وإن كان جميع ما قررتم من العصيان، وعدم التقرّب موجود في صلاته.
فإن قلتم: ليس ذلك منهيّاً عنه لأجل الصلاة.
قيل لكم: وليس الغصب منهيّاً عنه لأجل الصلاة.
وأما إذا كانت السترة نجسة فإنما بطلت الصلاة؛ لأنه يحمل نجاسة، أو يلاقيها، فلم تصح صلاته، بخلاف مسألتنا فإنه صلّى في موضع طاهر، وثوب طاهر، فصحت صلاته.
стр. 280
قلنا: تنجية الغريق من الغرق، وما شاكل ذلك من الهلكى فليس بواجب للصلاة، ولا شرطاً فيها، والسترة والقرار في البقعة شرطان للصلاة، فإذا انعدما لم ينعقد للصلاة مع عدمها، وإذا وجدا على الوجه الذي نهي عنه كانا في الحكم كأن لم يوجدا.
وأما الآبق فأوقات صلاته مستثناة له من ملك سيده، وهو في أوقات الصلوات كالحر، فيصير في أوقات صلواته المستثناة كالمصلي في بيت يختصه إما بالملك، أو الإجارة في الدار المغصوبة فلا تصادف صلاته ما غصبه من سيده.
والمدين ـ أيضاً ـ،/ والمودع لا يجب عليه ذلك في وقت الصلاة، ولهذا نقول: لو أُخرت الوديعة بعد المطالبة لأجل صلاة فرض قد حضر وقتها، فتلفت الوديعة لم يضمن، وكذلك كل شغل يخصه من بول، أو وضوء، أو ما شاكله.
وأما عذرهم عن السترة النّجسة بأنه حامل للنجاسة، وملاقيها.
قلنا: ولم إذا كان حاملاً للنجاسة أو ملاقيها تبطل صلاته إلا لأن الشرع حظر عليه ذلك، وقد حظر عليه الصلاة في البقعة، والثوب الغصب، على أن علة الأصل باطلة به إذا صلى في سترة نجسة لا يجد غيرها، أو حبس في موضع نجس؛ فإنه يصلي وصلاته صحيحة.
طريقة أخرى: أنها صلاة في ثوب غصب، أو أرض غصب فلم تصح، دليله: صلاة النافلة، وكل ثوب لا يصح فيه النفل لا تصح فيه صلاة الفرض، دليله: الثوب النجس؛ وهذا لأن النفل أخف حكماً من الفرض، فإذا لم يصح مع خفّة حكمه، فأولى أن لا يصح الفرض.
فإن قيل: صلاة النفل ممنوعة على أحد الوجهين، وإن سلمنا أنها لا تصح فإنما قلنا ذلك؛ لأن النافلة ليس فيها سوى القربة، فإذا أتى بها على وجه المعصية لم تقع موقعها، ولم يبق شيء يحكم بصحتها لأجله، فأما الفريضة فإنها قربة، وأداء شيء مفروض في الذمة، فإذا زالت القربة بقي أداء ما في الذمة، وإسقاط الفرض.
стр. 281
قلنا: أما المنع فليس بمذهب، فلا يلتفت إليه، وأما العذر فلا يصح؛ لأنها إذا كانت قربة فلا انفصال للقربة عن الفرض، فهي مفروضة متقرب بها، فإذا سقط معنى التقرب لم تبق صلاة فريضة، ولا الصلاة المأمور بها، فالإتيان بها بلا قربة كعدم الإتيان بها، ولسنا نعرف صلاة ليست قربة/ يسقط بها الفرض، ولا عبادة لله ـ سبحانه ـ أصلاً تقع على غير وجه القربة، بل قربة لا تقع فرضاً وهي النافلة، لأن كل فريضة قربة على صفة الإيجاب والإلزام، فمن ألزمه الله ـ سبحانه ـ صلاة على وجه القربة، فأتى بصلاة لا على وجه القربة كان كمن أمره بصلاة بطهارة، وستارة، فجاء بصلاة لا بطهارة، ولا ستارة.
فإن قيل: يجوز أن يسقط الفرض وإن كان الشرط حاصلاً بمحظور، بدليل أن من تقوّى على أداء العبادات البدنية بطعام، مثل إنْ تزوّد في الحج بطعام مغصوب، فقوي به على السعي إليه، والنهوض بمناسكه، وأفطر وتسحّر في رمضان بطعام مغصوب، فقوي به على الصوم في الطرفين إفطاراً وسحوراً، وكان يضعف عن القيام في الصلاة في زمن قحط ومجاعة، أو لفقر يخصه، فغصب طعاماً فقوي بأكله، ونهض فصلى قائماً، فإنه تصح صلاته وإن كان [ما] (١) تجدد من القوة عن الأكل المحظور للطعام المغصوب.
قلنا: الطعام منذ مضغه، (٢) صار في ذمته بإتلافه، وقوى أكله له، حيث استحال، وخرج [عن] (٣) كونه طعاماً ومالاً، ولم يبق في صلاته سوى شغل ذمته بالغرامة، والقوة ليست عين الغصب، ولا توصف بالتحريم، ولهذا برئ من ضمان الغصب، ومأثمه بالغرامة للمال، والندم على فعاله، والعزم على أن لا يعاود إلى مثله، وهاهنا قد استعمل في الشرط عين الغصب، ونفس الحركات، والسكنات المتعدّى بها لا يجوز أن تقع قربة،
стр. 282
ولا طاعة على ما تقدم بيانه، فأما الإفطار فإنه حصل بعد مصارفة العبادة، والخروج منها، فيصير كغصب ثوب بعد/ الصلاة، فيبقى حكم الغصب، لا عين الغصب.
وأما السحور فصادف ما قبل التلبس بالعبادة، فهو كتلبسه بالغصب قبل الصلاة، وكذلك لو ذبح في الهدي والأضحية شاة الغير لم يصح، ولو أكل شاة الغير ثم تقوى بها على صوم هو بدل الهدي لم يمنع الصحة، لما كان [أثراً] (١) له، وقوة عن المغصوب، لا عين المغصوب.
وكذلك لو أكل الميتة، وشرب الخمر، ولم يزل كذلك يتقوى على الصلاة لم تقع الصلاة باطلة، وإن كانت قوة صدرت عن أعيان نجسة مثلها يمنع صحة الصلاة، وإن كانت القوى الصادرة عنها تصح معها وبها الصلاة، فبطل أن يؤخذ ما يحدث عن الغصب مأخذ الغصب.
احتجوا:
بما روى عقبة بن عامر قال: أهدي لرسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ[فَرّوجٌ] (٢)(٣) من حرير، فلبسه، وصلى فيه المغرب، فلما قضى الصلاة نزعه نزعاً عنيفاً، فقلنا: يا رسول الله لبسته، وصليت فيه. فقال: «ليس هذا من لباس المتقين» (٤). وفي لفظ آخر: «إن هذا لا ينبغي للمتقين» (٥).
стр. 283
فوجه الدلالة: أنه خلعه بعد الفراغ، ولم يعد الصلاة، والخلاف في الحرير والغصب سواء.
قالوا: ولأن الأمة لم تخل فيما سلف من قوم يصلون في غير أملاكهم، وفي أراض غصبوها من أقوام، ولم يسمع في ذلك تشاجر، فلا مناظرة، ولا نكير تبعه الأمر بقضاء الصلوات، وهذا دليل على أن الأمة أجمعت على أن الصلاة مجزئة، فلا يلتفت إلى خلاف من خالف؛ لأن الإجماع قد سبقه.
قالوا والفقه في ذلك: أنه أتى بشرائط العبادة، وأركانها على تمامها وكمالها، فصحت عبادة وإن كان في موضع غصب، كما لو توضأ/ بمائه في موضع غصب، أو صام في غصب، أو زكى وهو في موضع مغصوب، وهذا لأن الشيء إذا وجد بشرائطه، وأركانه، فلابد من الحكم بوجوده، بدليل الحسيّات؛ فإن الشيء المحسوس إذا ثبت في محلّه، وصدر من أهله ثبت قطعاً، كذلك هاهنا.
قالوا: وأما النهي الوارد من الشرع فهو الدليل على تحقيق الصلاة؛ لأن النهي عما لا يتصور سفه وعبث، وإنما يتصور النهي عن متكون، فأما عما لا يتكون فلا؛ لأنه لا يقال للأعمى: لا تبصر، ولا للآدمي: لا [تطر] (١)، فدلّ عين النهي عن الصلاة على تحقيق الصلاة.
قالوا: ولا يجوز أن يقال: إنه يتصور محسوساً وإن لم يتصور مشروعاً؛ لأن الصلاة صلاة بالشرع، لا بالحسّ، وكذلك الصوم، والنهي عن الصلاة ينصرف إلى صلاة حقيقة، وكذلك النهي عن الصوم ينصرف إلى صوم حقيقة، والذي هو صلاة حقيقة صلاة منعقدة صحيحة، فالنّهي عنها دلّ على تكوّنها، يُبيّنه أن حقيقة النهي طلب الكف عن الفعل، وحقيقة الأمر طلب الفعل، فإذا لم ينكف، وفعل فماذا؟ حكمه موقوف على الدليل.
стр. 284
وقال القاضي أبو زيد في «أصوله» (١): النهي ليس لإعدام الشيء بنفسه، بل هو طلب الإعدام بكف العباد عنه، كما أن الأمر ليس بإيجاد الشيء بنفسه، لكنه طلب الإيجاد بفعل العبد إياه، وإنما يتصور الإعدام بكف العباد عنه إذا كان يتصور وجوده بفعله، فإذا لم يتصور وجوده بفعله لم ينعدم بكف العبد عنه (٢).
قالوا: ولأن النهي في مسألتنا لمعنى في غير المنهي عنه، فلا يمنع صحة الصلاة، كما إذا صلى وهو مدافع للأخبثين (٣)،/ أو صلى وهو مماطل بالوديعة، أو صلى وإنسان يغرق، أو يحترق وهو قادر على خلاصه، ومن غير هذا الباب الطلاق في حالة الحيض، والخطبة على خطبة أخيه، والدليل عليه أنه ممنوع من الغصب في غير الصلاة، وإذا لم يكن المنع يختص بالصلاة يجب أن لا يؤثر فيها، كما قلنا في تلك الأشياء.
يدل عليه: أن الكون في الدار المغصوبة معصية، والصلاة فيها ليس هو الكون، بل هي الأفعال المخصوصة، وهي طاعة لله ـ سبحانه ـ في نفسها، والدليل على أن الكون في الدار غير الصلاة، والصلاة غير الكون في الدار أنه قد يفعل الكون في الدار من ليس بمصلّ فيها، ويكون مصلياً من لا يفعل الكون فيها بأن يصلي في غيرها، فأوجب هذا التقرير أن الصلاة طاعة، وقربة منفصلة عن الكون في الدار، فلا يعود الكون الذي هو [حيّز] (٤) لها بإبطالها، وإخراجها عن كونها طاعة، ومجزئة.
стр. 285
ومنهم من قال: بقعة طاهرة مستقبَل بها القبلة، وسترة طاهرة محيلة بين عورة المصلي وبين القبلة، أو موازية للعورة أشبهت الحلال المختصة به ملكاً واستئجاراً.
قالوا: ولأن كل بقعة صحّت فيها صلاة الجمعة صحّت فيها صلاة الظهر كالحلال، وقد نص على هذا أحمد (١).
قالوا: ولأنه غصب استعمل في عبادة، فلا يبطلها، كما لو توضأ بماء مغصوب، أو على يدي عبد مغصوب، أو ورثها بميراث مغصوب، أو استنجى، أو استجمر بحجر مغصوب، أو أحرم [واقفاً] (٢) على جمل مغصوب، وكذلك ـ أيضاً ـ إذا غصب سكّيناً فذبح بها شاته، أو نحر بها الهدي، أو جنى بها فإنه يصح، كذلك هاهنا.
قالوا: ولأنه لما لم يمنع صحة الصلاة كون الجدران/ مغصوبة، وقبلته مغصوبة، كذلك بقعته، ألا ترى أن أحمد منع من الصلاة في مسجد وراء قبلته حش، ومنع من صحة الصلاة إليها كما منع صحة الصلاة في الحش (٣)، فلو كان الغصب مانعاً من الصلاة فيه لمنع صحة الصلاة إليه، ولأنه لو كانت البقعة الحلال شرطاً لما صحّت صلاة من زحم رجلاً عن مكان قد سبق إليه من المسجد، ولمّا صحّت دلّ على ما قلناه.
يدل عليه: أنه لو كان المكان المغصوب يمنع صحة الصلاة لكان الزمان الذي هو أخص بها يمنع صحة الصلاة، وذلك أنه لو تضايق وقت الصلاة المفروضة بحيث لم يبق من الوقت إلا بمقدار فعلها، فعدل عن فعلها إلى صلاة نافلة، فلمّا صحّت صلاة النفل مع غصب وقت الفرض، [كانت] (٤) صلاة الفرض في مكان الغصب أولى أن تصح، ولأنه لو صلى في أرض غصب، أو ثوب غصب وهو لا يعلم بذلك، ثم علم صحت صلاته، كذلك إذا كان عالماً به.