قلنا: أما المنع فليس بمذهب، فلا يلتفت إليه، وأما العذر فلا يصح؛ لأنها إذا كانت قربة فلا انفصال للقربة عن الفرض، فهي مفروضة متقرب بها، فإذا سقط معنى التقرب لم تبق صلاة فريضة، ولا الصلاة المأمور بها، فالإتيان بها بلا قربة كعدم الإتيان بها، ولسنا نعرف صلاة ليست قربة/ يسقط بها الفرض، ولا عبادة لله ـ سبحانه ـ أصلاً تقع على غير وجه القربة، بل قربة لا تقع فرضاً وهي النافلة، لأن كل فريضة قربة على صفة الإيجاب والإلزام، فمن ألزمه الله ـ سبحانه ـ صلاة على وجه القربة، فأتى بصلاة لا على وجه القربة كان كمن أمره بصلاة بطهارة، وستارة، فجاء بصلاة لا بطهارة، ولا ستارة.
فإن قيل: يجوز أن يسقط الفرض وإن كان الشرط حاصلاً بمحظور، بدليل أن من تقوّى على أداء العبادات البدنية بطعام، مثل إنْ تزوّد في الحج بطعام مغصوب، فقوي به على السعي إليه، والنهوض بمناسكه، وأفطر وتسحّر في رمضان بطعام مغصوب، فقوي به على الصوم في الطرفين إفطاراً وسحوراً، وكان يضعف عن القيام في الصلاة في زمن قحط ومجاعة، أو لفقر يخصه، فغصب طعاماً فقوي بأكله، ونهض فصلى قائماً، فإنه تصح صلاته وإن كان [ما] (١) تجدد من القوة عن الأكل المحظور للطعام المغصوب.
قلنا: الطعام منذ مضغه، (٢) صار في ذمته بإتلافه، وقوى أكله له، حيث استحال، وخرج [عن] (٣) كونه طعاماً ومالاً، ولم يبق في صلاته سوى شغل ذمته بالغرامة، والقوة ليست عين الغصب، ولا توصف بالتحريم، ولهذا برئ من ضمان الغصب، ومأثمه بالغرامة للمال، والندم على فعاله، والعزم على أن لا يعاود إلى مثله، وهاهنا قد استعمل في الشرط عين الغصب، ونفس الحركات، والسكنات المتعدّى بها لا يجوز أن تقع قربة،
стр. 282
ولا طاعة على ما تقدم بيانه، فأما الإفطار فإنه حصل بعد مصارفة العبادة، والخروج منها، فيصير كغصب ثوب بعد/ الصلاة، فيبقى حكم الغصب، لا عين الغصب.
وأما السحور فصادف ما قبل التلبس بالعبادة، فهو كتلبسه بالغصب قبل الصلاة، وكذلك لو ذبح في الهدي والأضحية شاة الغير لم يصح، ولو أكل شاة الغير ثم تقوى بها على صوم هو بدل الهدي لم يمنع الصحة، لما كان [أثراً] (١) له، وقوة عن المغصوب، لا عين المغصوب.
وكذلك لو أكل الميتة، وشرب الخمر، ولم يزل كذلك يتقوى على الصلاة لم تقع الصلاة باطلة، وإن كانت قوة صدرت عن أعيان نجسة مثلها يمنع صحة الصلاة، وإن كانت القوى الصادرة عنها تصح معها وبها الصلاة، فبطل أن يؤخذ ما يحدث عن الغصب مأخذ الغصب.
احتجوا:
بما روى عقبة بن عامر قال: أهدي لرسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ[فَرّوجٌ] (٢)(٣) من حرير، فلبسه، وصلى فيه المغرب، فلما قضى الصلاة نزعه نزعاً عنيفاً، فقلنا: يا رسول الله لبسته، وصليت فيه. فقال: «ليس هذا من لباس المتقين» (٤). وفي لفظ آخر: «إن هذا لا ينبغي للمتقين» (٥).
стр. 283
فوجه الدلالة: أنه خلعه بعد الفراغ، ولم يعد الصلاة، والخلاف في الحرير والغصب سواء.
قالوا: ولأن الأمة لم تخل فيما سلف من قوم يصلون في غير أملاكهم، وفي أراض غصبوها من أقوام، ولم يسمع في ذلك تشاجر، فلا مناظرة، ولا نكير تبعه الأمر بقضاء الصلوات، وهذا دليل على أن الأمة أجمعت على أن الصلاة مجزئة، فلا يلتفت إلى خلاف من خالف؛ لأن الإجماع قد سبقه.
قالوا والفقه في ذلك: أنه أتى بشرائط العبادة، وأركانها على تمامها وكمالها، فصحت عبادة وإن كان في موضع غصب، كما لو توضأ/ بمائه في موضع غصب، أو صام في غصب، أو زكى وهو في موضع مغصوب، وهذا لأن الشيء إذا وجد بشرائطه، وأركانه، فلابد من الحكم بوجوده، بدليل الحسيّات؛ فإن الشيء المحسوس إذا ثبت في محلّه، وصدر من أهله ثبت قطعاً، كذلك هاهنا.
قالوا: وأما النهي الوارد من الشرع فهو الدليل على تحقيق الصلاة؛ لأن النهي عما لا يتصور سفه وعبث، وإنما يتصور النهي عن متكون، فأما عما لا يتكون فلا؛ لأنه لا يقال للأعمى: لا تبصر، ولا للآدمي: لا [تطر] (١)، فدلّ عين النهي عن الصلاة على تحقيق الصلاة.
قالوا: ولا يجوز أن يقال: إنه يتصور محسوساً وإن لم يتصور مشروعاً؛ لأن الصلاة صلاة بالشرع، لا بالحسّ، وكذلك الصوم، والنهي عن الصلاة ينصرف إلى صلاة حقيقة، وكذلك النهي عن الصوم ينصرف إلى صوم حقيقة، والذي هو صلاة حقيقة صلاة منعقدة صحيحة، فالنّهي عنها دلّ على تكوّنها، يُبيّنه أن حقيقة النهي طلب الكف عن الفعل، وحقيقة الأمر طلب الفعل، فإذا لم ينكف، وفعل فماذا؟ حكمه موقوف على الدليل.
стр. 284
وقال القاضي أبو زيد في «أصوله» (١): النهي ليس لإعدام الشيء بنفسه، بل هو طلب الإعدام بكف العباد عنه، كما أن الأمر ليس بإيجاد الشيء بنفسه، لكنه طلب الإيجاد بفعل العبد إياه، وإنما يتصور الإعدام بكف العباد عنه إذا كان يتصور وجوده بفعله، فإذا لم يتصور وجوده بفعله لم ينعدم بكف العبد عنه (٢).
قالوا: ولأن النهي في مسألتنا لمعنى في غير المنهي عنه، فلا يمنع صحة الصلاة، كما إذا صلى وهو مدافع للأخبثين (٣)،/ أو صلى وهو مماطل بالوديعة، أو صلى وإنسان يغرق، أو يحترق وهو قادر على خلاصه، ومن غير هذا الباب الطلاق في حالة الحيض، والخطبة على خطبة أخيه، والدليل عليه أنه ممنوع من الغصب في غير الصلاة، وإذا لم يكن المنع يختص بالصلاة يجب أن لا يؤثر فيها، كما قلنا في تلك الأشياء.
يدل عليه: أن الكون في الدار المغصوبة معصية، والصلاة فيها ليس هو الكون، بل هي الأفعال المخصوصة، وهي طاعة لله ـ سبحانه ـ في نفسها، والدليل على أن الكون في الدار غير الصلاة، والصلاة غير الكون في الدار أنه قد يفعل الكون في الدار من ليس بمصلّ فيها، ويكون مصلياً من لا يفعل الكون فيها بأن يصلي في غيرها، فأوجب هذا التقرير أن الصلاة طاعة، وقربة منفصلة عن الكون في الدار، فلا يعود الكون الذي هو [حيّز] (٤) لها بإبطالها، وإخراجها عن كونها طاعة، ومجزئة.
стр. 285
ومنهم من قال: بقعة طاهرة مستقبَل بها القبلة، وسترة طاهرة محيلة بين عورة المصلي وبين القبلة، أو موازية للعورة أشبهت الحلال المختصة به ملكاً واستئجاراً.
قالوا: ولأن كل بقعة صحّت فيها صلاة الجمعة صحّت فيها صلاة الظهر كالحلال، وقد نص على هذا أحمد (١).
قالوا: ولأنه غصب استعمل في عبادة، فلا يبطلها، كما لو توضأ بماء مغصوب، أو على يدي عبد مغصوب، أو ورثها بميراث مغصوب، أو استنجى، أو استجمر بحجر مغصوب، أو أحرم [واقفاً] (٢) على جمل مغصوب، وكذلك ـ أيضاً ـ إذا غصب سكّيناً فذبح بها شاته، أو نحر بها الهدي، أو جنى بها فإنه يصح، كذلك هاهنا.
قالوا: ولأنه لما لم يمنع صحة الصلاة كون الجدران/ مغصوبة، وقبلته مغصوبة، كذلك بقعته، ألا ترى أن أحمد منع من الصلاة في مسجد وراء قبلته حش، ومنع من صحة الصلاة إليها كما منع صحة الصلاة في الحش (٣)، فلو كان الغصب مانعاً من الصلاة فيه لمنع صحة الصلاة إليه، ولأنه لو كانت البقعة الحلال شرطاً لما صحّت صلاة من زحم رجلاً عن مكان قد سبق إليه من المسجد، ولمّا صحّت دلّ على ما قلناه.
يدل عليه: أنه لو كان المكان المغصوب يمنع صحة الصلاة لكان الزمان الذي هو أخص بها يمنع صحة الصلاة، وذلك أنه لو تضايق وقت الصلاة المفروضة بحيث لم يبق من الوقت إلا بمقدار فعلها، فعدل عن فعلها إلى صلاة نافلة، فلمّا صحّت صلاة النفل مع غصب وقت الفرض، [كانت] (٤) صلاة الفرض في مكان الغصب أولى أن تصح، ولأنه لو صلى في أرض غصب، أو ثوب غصب وهو لا يعلم بذلك، ثم علم صحت صلاته، كذلك إذا كان عالماً به.
стр. 286
الجواب عن الحديث: أنه يحتمل أنه كان نزول التحريم حين نزعه نزعاً عنيفاً، وهذا هو الظاهر، والذي يعضد هذا التأويل ما روى أبو بكر الخلال في كتاب «اللباس» (١) بإسناده عن أنس بن مالك أن أكيدر دومة الجندل (٢) أهدى إلى رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ جُبَّة (٣) حسنة من سندس (٤)، قال: وذلك قبل أن ينهى عن الحرير، فلبسها، فعجب الناس منها فقال: «والذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن منها» (٥). فدل على أنه قد كان مباحاً، فيحمل نزعه للفَرُّوج على النسخ، وأنه كان ذلك ابتداءً الحظر، والدليل على هذا لبسه لها، فكل جواب لهم عن اللبس هو جوابنا في الإعادة.
الثاني: يحتمل أن يكون أعاد، ولم ينقله الراوي.
وأما دعوى/ الإجماع فغلط؛ لأنهم لا يمكنهم تحصيلها، لأنه يحتاج أن ينقل أن جميع فقهاء العصر عرضت عليهم صلاة غاصب في ثوب، أو أرض، فأفتوا بصحة صلاته، وإجزائها، فأما أن تجعل معولك
стр. 287
على أنه لم ينقل ذلك، فهذا نفي لا يعطي إثباتاً، وكيف يعوّل على النفي مع ما نقلنا من الإثبات، بل الإجماع الذي نتعلق به نحن أوضح وأوضح؛ لأن الناس أجمعوا على تحريم فعلها في الغصب، وعلى أنها معصية، وأن الصلاة تجب ويشترط أن تقع قربة، وتنوى قربة إلى الله ـ تعالى ـ، ولا يمكن هذا نية القربة بفعل هو معصية، فإذا تعذر ذلك لم تقع الصلاة مجزئة إجماعاً، على أنا نتعلق بإجماع سابق وهو أن الصلاة ثابتة في ذمته على وجه لا يختلف الناس فيه، وهو فعلها على وجه القربة المحضة، وأداؤها بسترة مغصوبة في بقعة مغصوبة ليس يتحقق معه نية القربة حيث كان الشرع قائلا له: لا تصل في الغصب، ولا تستقر في البقعة الغصب، وهو فاعل ذلك، ومرتكب له، وإذا كان مؤدياً لا على الوجه الذي أمر به، بل على الوجه المنهي عنه فالصلاة المأمور بها على وجه القربة باقية في ذمته بالإجماع، إذ كان الذي أتى به غير المأمور به، فهو كما لو قيل له: صلِّ مستتراً متطهراً، فصلى عرياناً محدثاً.
فإن قالوا: هذا قول يعطي الإحباط، ولستم قائلين به، ولا أحد من الفقهاء؛ لأنكم إذا جعلتم نية القربة لا تتم إلا بالبراءة من التلبس بالمعصية كان معناه أن نيته الصلاة لا تنعقد قربة لكونه متلبساً بمعصية، وهذا غير صحيح على مذاهب أهل السنة؛ لأن الفقهاء قالوا: إذا نوى بصلاته ظهراً ولم ينوها واجبة/ وقعت واجبة بحكم أنها واجبة، وأغناه ذلك عن نية الوجوب (١)، والإخلال بنيّة الوجوب أبلغ من فعل معصية خارجة عن نيّة الصلاة، فإذا لم يؤثر الإخلال بنيّة الوجوب في خروج الصلاة عن كونها الواجبة المأمور بها، كذلك التلبّس بالغصب مع كونه نوى الصلاة التي هي قربة في أصل وضعها لا يخرجها عن كونها قربة.
قلنا: ليس هذا من قول أهل الإحباط في شيء؛ لأن الإحباط أن تعكّر المعصية على الطاعة بالإحباط، وإن خرجت الطاعة وتمّت على الوجه المأمور به فيبطل ثوابها.
стр. 288
فأما ما نحن فيه فهو إخلال بشرط فيها، والإخلال بشرط الواجب، أو التعبد يخرجه عن كونه المأمور به، وكون الظهر والعصر، وسائر الصلوات المؤقتة إذا نواها ظهراً أو عصراً فقد نوى الموجَب ضمناً؛ لأن الظهر لا تقع من المكلّف إلا واجبة، فدلّوا على أن المصلي في العصر لا تقع صلاته إلا قربة، ولا يمكنكم ذلك؛ فقد صار الموجب لعدم الإجزاء الإخلال بشرطها، وهو نيّة القربة، والإتيان بالسترة، والاعتماد على وقعه على الوجه المأمور به، ولم يحصل، فأما الإحباط فلا يتحقق.
وأما قولهم: إنه أتى بشرائط العبادة، وأركانها.
قلنا: هذا ممنوع، لا نسلم أنه أتى بشرائط العبادة، وأركانها؛ لأن من شرائطها الستارة وهي غصب، وإن من شروطها الشرعية أن تكون طاعة، وأن ينوي بها الواجب، وليس هذان بحاصلين، ولأنه إذا كان من جملة الصلاة ما هو معصية لم يجز أن يكون واجباً فيها من جهة أخرى، ولأن الشرط في صحة شرائطها، وأركانها أن يتناولها التكليف الشرعي، ولم يتناولها،/ فأوقعت على وجه قبيح، والتكليف إنما يتناول الحسن، فإن الله ـ تعالى ـ لا يتعبدنا بالمحرم القبيح.
وما ذكروه فلا نسلمه؛ فإن أحمد ﵁ قد نص في رواية ابن بختان (١) فيمن اكترى (٢) [دُكَّاناً (٣) غصباً] (٤) وهو لا يعلم وقد خرج، ما يصنع بما اشترى؟
стр. 289
قال: يرده في الموضع (١). وقال في موضع: يرجع فيلقيه في المدينة ويخرج (٢).
فإذا قال هذا في البيع وليس بتعبد، فما ظنك فيما قصده به القربة بفعله على وجه منهي عنه.
ثم إن سلمنا فما قاسوا عليه ليس يرجع إلى شرط من شرائط العبادة، فإن الصوم ليس من شرطه المكان، والسترة، وكذلك الزكاة، والوضوء بخلاف الصلاة.
جواب آخر عن أصل الطريقة: دعواهم وجود شرائط الصحة باطل، وما دلّوا عليه فليس بكافٍ، بل لا بدّ مع ذلك من الإتيان بها على شرط الشرع، وهو خلوها من الأسباب المفسدة، وقد سبق بيانه، والتعلق بالحسيّات ليس بشيء؛ لأن الذي اختلفنا فيه إنما هو شرعيّ، وإنما يتبع به مورد النص.
فأما قولهم: إنّ النهي عن الشيء يدل على تحقق ذلك الشيء، وتكونه.
قلنا: نعم حساً، فأما شرعاً فلا يمكن أن يقال [تحقق] (٣) إلا بالشرع، وقد ذكرنا اعتراضهم على هذا، ووجه الانفصال عنه: أن النهي لطلب الامتناع عن الشيء كما قالوا، ولا يعقل طلب الامتناع إلا بعد تصوّر فعل الشيء منه، فيقال لهم: إنما طلبتم تصحيح النهي عن الشيء معقولاً ومحسوساً لا مشروعاً، فيتبقى الحسّ، فنقول: قد تُصوِّرت الصلاة محسوساً، فتُصوِّر النّهي وعُقل، ثم حينئذ ينظر إلى عمل النهي بحسب ما يدل عليه الدليل، وقد دل على أن/ علة الإعدام عدم المشروعية على ما سبق.
стр. 290
والحرف الوجيز: أن الصلاة محسوس ومشروع، فمن حيث تحقيق النهي عنها معقولاً يعتبر المحسوس، ثم كونها مشروعة يفوت بالنهي، فتبقى صلاة محسوسة لا مشروعة، فلم تصح، ولم يترتب عليها الحكم لما بينّا أنّ المشروع يتبع السبب المشروع، هذا جواب.
جواب آخر وهو: أن النهي عن هذه الصلاة إخبار عن نفي المشروعية من قبل الشارع، وإذا انتفت المشروعية من الشارع انتفت الصلاة المشروعة قطعاً، وهذا مثل النهي عن نكاح المشركات، ونكاح الأمهات، والبنات، ونكاح امرأة الأب، وبيع الحر، وما هو بمسألتنا أخص من النهي عن الصلاة بغير وضوء، وبغير ستارة، وبغير قرآن، وغير ذلك، صح النهي في هذه الصور كلها لتصوّر وجودها من العبد على غاية ما يمكن منهم، ثم انتفت الصحة شرعاً؛ لأن النهي نفى المشروعيّة، ولا يُتصوّر عقد مشروع مع انتفاء المشروعية.
فإن قالوا: فالمناهي كلّها نفي إذاً، والنهي عيّن.
قلنا: بل هي في الشرع نفي المشروعية، وهذا لأنّا نتّبع الدليل، وقد قام الدليل في هذه المواضع فعملنا به، ولا كلام لهم على هذا أصلاً.
أما قولهم: إن النهي لمعنى في غير الصلاة؛ فهذا الكلام لا يرد على هذه الطريقة التي اعتمدنا عليها، ثم نقول: إن النهي عن العبادات وغيرها من العقود الشرعية يوجب فسادها في أي موضع ورد، وعلى أي وجه وجد من غير تفصيل.
ويقال لهم على قولهم في التفريق بين النهي الوارد على الشيء لعينه، أو لغيره: فهذا الفرق لا يعرف، والنهي عن الشيء لعينه/ لا يُتصوّر عندنا؛ لأن النهي بخطاب الشرع، ولا ينهى عن الشيء لعينه بحال، ولأنه لو نهى عن الشيء لعينه لم يتصور إباحة مثله بوجه من الوجوه؛ فإنّ النّهي عن القتل إذا كان لعين القتل فينبغي أن لا يباح القتل بحال، وكذلك الزنا، وغير ذلك، فهذا كلام متلقى من القائلين بكون الأشياء واجبة عقلاً مرة، ومحظورة عقلاً أخرى، وهذا مذهب مردود متروك، وهو بدعة وضلالة، فأما عندنا فالحظر والإيجاب بالسمع لا غير.
стр. 291
يدل على أن النهي عن الشيء يدل على قبحه سواء كان لمعنى في عينه، أو لمعنى في غيره، فكذلك يدل على الفساد.
فإن قيل: إنما يدل على القبح بواسطة دليل، وهو: أن الحكم لا ينهى إلا عن القبيح، وكذلك الأمر يدل على الحسن بواسطة دليل، وهو: أن الحكم لا يأمر إلا بالحسن، فإذا كان القبح بواسطة دليل لم يدل على الفساد بنفسه.
قلنا: نهي الحكم دليل القبح في نفسه، فيكون دليل الفساد في نفسه؛ لأن القبيح والفاسد في الشرع واحد.
وأما قولهم: إن الصلاة تنفرد عن الغصب، والكون.
قلنا: هذا كلام ظاهر الفساد؛ لأن الكون في الدار وإن تصور غيراً ومنفرداً عن الصلاة، والصلاة منفردة عنه، لكن إذا صلى فيها لا يكون مصلياً في الدار إلا بفعل الكون فيها، والكون المفعول في الصلاة في الدار المغصوبة لا ينفرد عنها، وما هذا إلا بمثابة من قال: القعود في الدار غير الكون فيها؛ لأنه قد ينفصل القعود عن الكون فيها بأن يكون فيها قائماً لا قاعداً، فيقال له: هذه أحوال الكون؛ فحالة يكون فيها قاعداً، وحال يكون فيها قائماً، كذلك الكون في الدار وهو غير مصلّ/ لا يُخرج المصلي فيها عن كونه فاعلاً للكون فيها في حال صلاته فيها، وكما لا يعطي ما ذكرت أن يكون القعود في الدار غير الكون فيها، لا يعطي أن تكون الصلاة فيها غير الكون فيها، وما هذا إلا بمثابة من قال: إنّ الكون ليس بحركة؛ لأنه قد يكون في المكان ساكناً، وليس بسكون في المكان؛ لأنه قد يكون فيه متحركاً. وذلك قول فاسد؛ لأنه يعطي أن اللّون غير السواد فإنه قد يكون اللّون بياضاً، وغير البياض؛ لأنه قد يكون حمرة، وإنما الصحيح أن اللّون شامل لهذه الصفات، كذلك الكون شامل لكون الكائن في المكان متحركاً [تارة] (١) وساكناً، كذلك الكون في الدار في حق المصلي لا ينفصل عن كونه مصليا فيها.
стр. 292
وأما قول من قال منهم: إنها بقعة طاهرة مستقبَل بها القبلة.
قلنا: ولم اكتفيت بهذه الأوصاف [في] (١) الإجزاء ووقوع الصلاة موقعها، على أنّك من حيث شرطتَ الطهارة، واستقبال القبلة للاعتداد، يجب أن تشترط الأصل المعتمد وهي كونها غير منهي عن الصلاة فيها؛ لتقع قربة غير محرمة الاستعمال، ليكن الستر والكون واقعين على وجه الطاعة [لا] (٢) المعصية والمخالفة، ولم جعلت الحرام كالحلال، والإخلال كالتحصيل، على أنك تتعلق للإجزاء والصحة بكونها طاهرة، ونتعلق نحن لنفي الإجزاء بكونها مستعملة لا على الوجه المأمور به وهو القربة، ونرجع إلى أصل هو الإيجاب لها، والخطاب بها، ولا يمكن الخروج عن عهدة ذلك إلا بتكامل الشروط المعتبرة، ولا تكامل مع اختلال نية القربة والطاعة، وحصول الستر والاستقرار بغير ما نهي عن الاستقرار عليه، والاستتار به.
/ وأما تعلقهم بصلاة الجمعة، قلنا: لا نُسلّم، ونحمل قول أحمد على الرواية التي يقول فيها بالإجزاء، وقد حَكينا الروايتين في رأس المسألة.
ويحتمل أن أحمد ﵁ قال ذلك لمعنى، وهو أن الجمعة يقيمها السلطان، فتقع في المكان الذي يعينه، وليست الجمعة مما تقام حيث شاء المكلف، بل هي منوطة بالسلاطين والأمراء، وهي من أعلام الدين الظاهرة، فأمر بالصلاة فيها لإقامة العَلَم الظاهر، ولئلا ينسب إلى أنه لا يرى الجمعة، أو يتهم بالطعن في الأمير المقيم لها، أو الإمام المصلي بالناس، فيعطي العَلَم الظاهر حقه ويعيد.
وقد علّل أصحابنا (٣) في قوله بالصلاة خلف الفاسق في الجمعة دون غيرها؛ لأنه يمكنه أن ينتقي الأئمة في الجماعات لأنها كثيرة، فأما الجمعة فلا.
стр. 293
وقد كان جماعة من أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه ـ يصلون خلف الحجاج (١) مع ظهور فسقه اتّقاء شرِّه، وإقامةً للعَلَم الظاهر، والشعار الذي [إن] (٢) تركوه أخلد العوام إلى إهماله، والغالب ممن يتولاها من بين ظالم، أو لابس حرير، أو متسلِّط، فيفضي تحري البقاع، وشروط الاتباع إلى أحد أمرين؛ إما إسقاطها وفيه إسقاط للشعار الكثير الظاهر المستحسن الذي يخسف صدور الملحدين والجاحدين، أو إلى المخاطرة بالنفس، ووقوع الهَرْج (٣)، بخلاف الصلوات الخمس فإنه يمكن التحري لها، والبقاع وغيرها من الشروط في إقامتها، والجوامع يتولى بناءها الأمراء [الذين] (٤) لا يتحرون في أبنيتهم، فيصلي على ما ذكرنا، وفي إيجاب الإعادة روايتان (٥).
فإن قالوا: فعلى [قولكم] (٦) هذا يجب أن تقولوا: يستتر بالسترة المغصوبة إذا لم يجد/ سواها.
قلنا: إن كانت عليه وهو مكتوف لا يمكنه خلعها فكذلك نقول،
стр. 294
وإن كانت بحيث يمكن خلعها فلا يصلي فيها، بل يصلي عرياناً؛ لأنه (١) يمكنه أن يصلي تاركاً لها، وأما البقعة فلا يمكنه الانفكاك عنها، فمتى أمكنه ذلك لم تصح الصلاة فيها، فهما سواء أعني السترة والبقعة، فإن صلاة العريان صحيحة مع العذر، والجمعة لا تصح مع منفرد، [وفعل] (٢) الجمعة في بقعة مخصوصة [وضعها] (٣) السلطان لا يمكن تركها إلا بترك الجمعة، وهذه يمكن تركها، وتصح على وجه التجرّد والتعرِّي، كمن عُدم السترة رأساً، بخلاف النجسة، فتلك حق لله ـ تعالى ـ يسقط في [حقٍّ له] (٤)، وحقُّ الآدميّ لا يسقط لحقِّ عبادةٍ، بل يسقط حقّ الله لأجله، بدليل تنجية الغريق في الصلاة؛ يقدَّم عليها.
وأما قولهم: غصب استعمل في عبادة كالمسائل؛ فقد تقدم جوابها بين المنع والتسليم والاعتذار، ولأن الوضوء في أرض كالوضوء في طست مغصوب، والبقعة والطست لو كان نجساً لم يمنع، [لأن] (٥) إخراج الماء المستعمل إلى الطست والأرض والقرار ليس بمعتبر.
وأما الاستجمار، والاستنجاء؛ فقد قال بعض الأصحاب: يحتمل أن يُعتبر كون المستعمل حلالاً (٦)، كما اعتبر أن لا يكون عظماً ولا روثاً، [ولو] (٧) سلّم فذاك إزالة عين، فهو كرد الغصب؛ يحصل برده على يدي عبد مغصوب، إذ ليس القصد إلا حصول العين في يد مالكها، وهاهنا القصد القربة بالفرض الكامل الشرط، ولا كمال شرط مع كون السترة، أو البقعة المغصوبة، فأما التقرب بالاستجمار، والاستنجاء بالماء المغصوب فلا يحصل.
стр. 295
وأما الذبح بالسكين الغصب؛ فقال أبو بكر عبد العزيز: تصير الذبيحة ميتة (١)./ وقال أحمد: لا يحرم؛ لأن الضرورة تبيح ذلك (٢).
وأما إذا ختن فهناك إتلاف لا يمكن استدراكه فهو كالعتاق، والطلاق في الغصب فإنه يقع.
وأما إذا أسلم، أو اعتقد الإيمان في الدار الغصب؛ فإنما صح لأنه لا يتصرف به في الدار، وهاهنا حركاته إنما تقع في الدار.
وأما إذا كانت الحيطان مغصوبة؛ فلا نُسلِّم على ما نقله المروذي (٣)، وإن سلمنا فالقرار مخالف للأبنية، ولهذا تعتبر طهارة القرار، ولا تعتبر طهارة البناء المحيط بالمصلي، ولأن البقعة شرط لصحة الصلاة؛ فإنه لو صلى في البرّ الذي لا عوج فيه ولا شخص صحت الصلاة فافترقا.
وأما إذا زحم رجلاً عن مكانه؛ فقد ذكر بعضهم فيها نوع احتمال، وعلى التسليم إنما لم تبطل؛ لأنها منفعة مشتركة في الأصل، وإنما يصير دفعاً عن حق.
قال بعض أصحابنا المتأخرين (٤) ـ والأرجح عندي ـ بطلان الصلاة؛ لأن السبق أزال حكم الشركة، فهو كنوم الشريك في المهايأة (٥).
وأما إذا تضايق وقت الفريضة لفعلها، فأوقع فيه نافلة؛ فقد قال بعض أصحابنا: إن النافلة لا تصح (٦)؛ لأن النافلة محض القربة،
стр. 296
ولا قربة في التنفل في وقت المفروضة المتضايق، قال النبي ﵇: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» (١). فكان تنبيها على تضايق الوقت؛ لأن الإقامة قد تتسع معها الصلاة الحاضرة وغيرها، وهذا الوقت الضيق لا يتسع إلا لها، ويشهد لذلك ـ أيضاً ـ قول النبي ـ صلَّى الله عليه ـ: «لا صلاة لمن عليه صلاة، لا صدقة وذو رحم محتاج» (٢).
وأما إذا صلى وهو غير عالم؛ فليس عن أحمد في ذلك نص، فيحتمل أن لا نسلم، وإن سلّمنا فلأن الجاهل بذلك لا إثم عليه، والعالم مأثوم ممنوع، والقُرَب إذا وقعت على الوجه المحرّم نافى القربة، فأما حق الآدمي فلا يسقط بالنسيان/ وهو أجرة المثل، ولأن الشافعي قد قال: لو صلى وهو حامل لنجاسة ناسياً لم تبطل صلاته، ولو كان عالماً بطلت (٣). كذلك الغصب، والله أعلم.
وقد احتج بعضهم في هذه المسألة بأن قال: ليس في هذا أكثر من إسخاط آدمي، ولا يجوز أن يبلغ سخط الآدمي إلى رتبة إبطال العبادات لله ـ سبحانه ـ.
وهذا ليس بشيء؛ لأنا لا نُسلِّم أنه ليس سوى إسخاط الآدمي، بل سخط الله ـ سبحانه ـ لأجل الآدمي، ولهذا اتفقنا نحن والشافعي على أن القصر والفطر رخصة (٤) في تعبد الله ـ سبحانه ـ، سقطت للسفر في قطع الطريق، وأخذ أموال الناس، والغصب، ولا يقال بأنه ليس من رتبة سخط الآدمي سقوط رخصة في عبادة لله ـ سبحانه ـ، وصلاة القصر صحيحة في (٥) السفر المباح، فإذا كان السفر محظوراً لكونه سفراً لغصب أموال الناس بطلت المقصورة، وما بطلت إلا لأجل الناس، لكن لما كان في ذلك سخط الله أبطل، وإن قلت: ليس فيه سخط الله وقد أبطل؛ كان إبطالاً لما تعلقت به من الدعوى.
стр. 297
مسألة
الجماعة في الصلاة المكتوبة واجبة (١)، نص عليه أحمد (٢)، وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز (٣)، وأبي عبد الله ابن بَطة (٤)، وهو قول عطاء بن أبي رباح (٥)، والأوزاعي (٦)، وابن المنذر (٧)، وداود (٨)، وأبي ثور (٩).
وهل وجوبها شرط في صحة الصلاة أم لا؟
قال القاضي: المنصوص عنه في رواية حنبل: ليس بشرط في صحة الصلاة (١٠)، قال: ومن أصحابنا من قال: إن وجوبها شرط في صحتها، فإن تركها مع القدرة عليها لم تصح صلاته، والأول أصح (١١).
فإن صلى كلّ رجل في بيته جماعة يؤم بأهله، فهل يسقط عنه فرض الحضور، أم لا؟
стр. 298
على روايتين؛ نقل حرب (١): أن حضور المسجد واجب في الجماعة، ونقل المروذي وصالح (٢): أنه ليس واجباً/ إذا حضرت الجماعة في بيته (٣). قال القاضي: وهو أصح (٤).
وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: الجماعة في غير الجمعة سنة (٥).
وتحقيق مذهب الشافعي: أن الجماعة ليست بفرض على الأعيان، واختلفوا هل هي فرض على الكفاية أم لا؟
فمنصوص الشافعي في كتاب «الإمامة»: أنها فرضٌ على الكفاية (٦)،
стр. 299
وإليه ذهب أبو العباس (١)، وأبو إسحاق (٢)، وأكثر أصحابه (٣).
ومن أصحابه من قال: إنها سنة (٤).
لنا:
قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (٥) الآية.
فوجه الدلالة من وجهين:
أحدهما: أنه أمرٌ، وأمرُه ـ سبحانه ـ يدل على الوجوب.
والثاني: أنه أَمَرَ باعتماد الصلاة جماعة مع الحال الشاقّة، وإسقاط [هيئات] (٦) مقصودة بتكلف حمل الأسلحة، وتغيير وضع الصلاة على اختلاف المذاهب، فطائفة من الفقهاء يجعل صفاً يحرس حال سجود
стр. 300
صف (١)، وطائفة تقول: يخرجون وهم في صلاة ويعودون فيتمون (٢). فقد أسقط وقار الصلاة، وأدخل عليها أعمالاً ليست منها، يمكن التخلص منها بالصلاة فرادى، وما كان ذلك إلا لحفظ الجماعة، وهذا يدل ذوي الحجى على أنه ما شرع ذلك إلا لشدة الاعتبار بالجماعة؛ إذ كانت الضرورة في الأصل مؤثرة في إسقاط الفروض، فلما أوجبها حال الضرورة، وأدخل عليها أفعالاً مثلُها يُبطل الصلاة في غير حال الخوف توفُّراً على الجماعة، عُلم أنها واجبة وجوباً متأكداً.
فإن قيل: هذا محمول على الندب، والاستحباب؛ لأن أيسر الأعذار يسقط وجوبها، مثل الأعذار العامة كالأمطار، والأوحال، والخاصة كالخوف من تلف/ خبز في التَّنُّور (٣)، أو قدر على النار، أو نِطَارَة (٤) بستان، أو رعى ماشيةٍ فخاف عليها التندد (٥) والضياع، بل كانت في حال هذه الأعذار غير واجبة، ولم يوجد من الأمر بها على تلك الحال إيجابا لها مع الأعذار التي هي دون تلك الحال، بل التنبيه على أن سائر هذه الأعذار لا تؤثر في إسقاطها، فلمّا لم توجب ذلك لم يعط هذا وجوبها؛ فإن العذر على العذر أدل، فلم يبق إلا أن ذاك أمر ندب، أو إيجاب لإظهار شعائر الإسلام، وإشعار المشركين تأكيد طاعة المتبعين له ـ صلَّى الله عليه ـ، وتحقيق ما جاء به من الشرع، وتوفر الاعتقادات له، لا لتأكيد الجماعة في الصلاة، ألا ترى أنه أمر مناديه فنادى عند ابتلال النعال بالمطر:
стр. 301
ألا صلوا في رحالكم (١). فإن تعلقت بذاك على الوجوب، نعلق عليك بهذا النداء على نفي الوجوب، فكيف توجبها مع الأشد من الأعذار، وتسقطها بالأقل، فلم يبق إلا أنه خصّ تلك الحال للغرض الذي استخرجناه وهو إظهار ما يقطع قلوب الكفار من شده الالتحاف به، والاجتماع عليه، وتأكد الطاعة له.
قالوا: ولأنهم لو صلوا فرادى واحداً بعد واحدٍ لفاتت، ولو صلوا فرادى في حالة واحدة لا على وجه الاحتياط والحراسة لألَّب عليهم العدو.
قلنا: إطلاق الأمر يقتضي الوجوب على ما مرَّ، وما ذكروه من التعليل فلا يختص النبي ـ صلَّى الله عليه ـ، بل موجود في كل أمير سرية أو إمام عصر؛ لأنّ كل عصر من الكفار إذا شاهدوا حرص المسلمين على الطاعة كان ذلك مغيظاً لهم، ومؤيساً لهم من العُلو على هذه الملّة، والغلبة لأهلها، مع الحرص الذي يُشاهد من المحافظة على العبادات حتى أوقات الضرورات مع تطاول العهد، وقد بقي الرَّمَل (٢) سنة دائمة/ باقية، كل ذلك ترغيماً للشيطان، كذلك هذا يجوز أن يبقى لما بقي من تعظيم طاعة الرسول ـ صلَّى الله عليه ـ، والتزام قوانينه بعد موته في أشدّ خوف، وأعظم مشقّة، وليس من حيث أسقطتها بعذر من الأعذار تخرج عن الإيجاب، بدليل أن الله ـ تعالى ـ أوجب الثبات في الصّف، وتواعد على المولِّي عنه بالغضب والنار وإن كان ذلك ساقطاً بأيسر عائق من مرض، أو كون قدر على النار، أو خبز في التَّنُّور، أو دابة يخاف ندودها، أو صداع، أو حمى، أو كونه حافياً، وكذلك الجمعة واجبة على الأعيان بما دل عليه الأثر الجمُّ، والوعيد الحتم، ولم يطعن في وجوبها بالأدلة ما قامت عليه الدلالة من سقوطها بالأعذار التي تسقط بمثلها الجماعة من مطر،
стр. 302
أو [تعرض] (١) ضرر خاص في الأموال كخوف احتراق خبز في التَّنُّور، أو قدر على النار، أو مرض، وما شاكل ذلك.
وتعليلهم بفوات الصلاة إذا تفرقوا في الأداء واحداً واحداً فلا يصح؛ لأنه قد يمكن أن تصلي كل طائفة لنفسها لكن لا يمنع الإمام عشرة عشرة، أو مئة مئة، على قدر الكثرة والقلة.
ومن جهة الأخبار: ما روى مسلم بن الحجاج في صحيحه بإسناده عن أبي هريرة قال: جاء أعمى إلى النبي ـ صلَّى الله عليه ـ فقال: إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد. فسأل النبي ﵇ أن يرخص له، فرخص له في بيته، فلما ولى دعاه فقال: «هل تسمع النداء» قال: نعم. قال: «فأجب» (٢). فأمره بعد أن رخص له.
وفي لفظ آخر، قلت: إن المدينة كثيرة الهَوَامّ (٣) والسباع، فقال: «هل تسمع حيّ على الصلاة، حي على الفلاح، فحيَّ هلاً»، أخرجه أبو داود، وابن خزيمة وابن أبي حاتم، وأبو عبد الرحمن (٤)(٥).
стр. 303
وعن عمرو بن أم مكتوم (١) قال: جئت إلى رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ فقلت: إني كبير [ضرير] (٢) البصر، شاسع الدار، ولي/ قائد لا يلائمني فهل تجد لي رخصة فقال: «ما أجد لك رخصة»، أخرج هذا الحديث أبو داود، وابن خزيمة، وابن أبي حاتم (٣).
стр. 304
وروى أبو داود بإسناده عن ابن عباس، عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «من سمع النداء فلم يجب من غير عذر فلا صلاة له». وأخرجه ـ أيضاً ـ ابن أبي حاتم، وهبة الله الطبري (١).
وفي لفظ آخر عن ابن عباس قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر لم يقبل الله منه الصلاة التي صلاها» قيل له: وما العذر، قال: «خوف، أو مرض» (٢).
стр. 305
فإن قيل: المراد بهذه الأخبار صلاة الجمعة بدليل أنه قال في الأخبار الأخيرة: «فلا صلاة له»، وعندكم إذا خالف وصلى فرادى وقعت صحيحة.
قلنا: اللفظ عام في الجمعة وفي غيرها؛ لأنه ذكر الصلاة بالألف واللام، فاقتضى استغراق الجنس، ولأنه قد نُقل في الجماعة صريحاً، روى الدارقطني في «مسنده» (١) بإسناده عن عبد الله بن شداد بن الهاد (٢)، عن ابن أم مكتوم أنه قال: يا رسول الله إني لا أقدر على قائد هو يلائمني في كل ساعة، وبيني وبين المسجد أنهار وأشجار، فيسعني أن أصلي في بيتي، فقال: «أتسمع الإقامة» قال: نعم، قال: «فأتها» (٣)، وكل ساعة لا تكون في الجمعة، وإنما التكرار في المكتوبات.
стр. 306
وروى أبو بكر من أصحابنا وغيره بإسنادهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «لقد هممتُ أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أنطلق مع الرجال معهم حزم الحطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» (١)، وهذا خاص في غير الجمعة؛ لأنه إذا أمر رجلاً بفعلها فاتته ومن معه، وهو لا يترك الواجب، فدل على أنه أراد الصلاة التي يمكنه أن يعود ويصليها هو ومن معه.
ورواه الشيخ أبو عبد الله ابن بَطة بإسناده عن عبد الله بن شداد أن رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ/ استقبل الناس في صلاة العشاء فقال: «لقد هممتُ أن آمر بالصلاة فينادى بها، ثم آتي قوماً في بيوتهم لم يشهدوا الصلاة فأحرقها عليهم» (٢). وهذا صريح في صلاة العشاء، أو يكون التهديد عائداً إلى صلاة الجمعة.
وقد روي ذلك مفسراً فيما رواه أبو القاسم الطبراني (٣) في
стр. 307
«المعجم الصغير» (١) بإسناده عن عبد الله قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي يوم الجمعة بالناس، ثم أحرق على قوم يتخلفون عنها بيوتهم» (٢).
فإن قيل: لعل هذا الوعيد انصرف إلى المنافقين، وهذا هو الظاهر؛ لأن الذين كانوا يتخلفون عن الصلاة مع المسلمين كانوا منافقين في ذلك، وكانوا على ما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ (٤)، وقال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ﴾ (٥)، فكان تخلفهم عن الجماعة علامة لنفاقهم، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٦)، وقال: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٧)، ثم لما ترسخ الإسلام قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ (٨)، بعد أن قال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ (٩) الآية، ويدل على ذلك: أن الأداء جماعة في البيت
стр. 308
مع الأهل جائزة بلا خلاف، فهذا التغليظ إن لم يحمل على ما قلناه لم يظهر له معنى على موجب قولكم، بدليل ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «أثقل الصلاة على المنافقين الفجر والعشاء» (١).
قلنا: بل هو منصرف إلى كل مؤمن؛ لأنه خاطبهم كلهم فقال: «من سمع النداء فلم يجب فلا/ صلاة له» (٢)، وبدليل قوله ﵇: «هلاك أمتي في اللبن» قيل: يا رسول الله ما اللبن، قال: «يحبون اللبن ويدعون الجماعات والجمع» (٣)، روى هذا الحديث أبو بكر من أصحابنا بإسناده (٤)، عن عقبة بن عامر، عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ، وأمته أهل الإيمان، وقال لابن أم مكتوم: «لا أجد لك رخصة» (٥)، وكان من خيار المسلمين.
ويعضد ذلك أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ لم ينقل عنه ولا صلاة واحدة أنه صلى إلا في جماعة، حتى إنه ـ صلَّى الله عليه ـ خرج في حال مرضه التي توفي فيه ورجلاه تخطان الأرض (٦)، وهذا يدل على أنها في حال الرفاهية والدَّعة أولى، ولو كانت الجماعة ليست واجبة لقد كان يخلّ بها، ويصلي فرادى ولو مرة واحدة، حتى كان يبيّن الجواز؛ كما فعل في الوضوء وغيره،
стр. 309
فلما لم ينقل عنه هاهنا إلا المداومة على الجماعات دلّ على وجوبها، فدخل تحت قوله: «خذوا عني مناسككم» (١)، «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢).
فأما قولهم: إن المراد به الجمعة، فلا يصح؛ لأن الأخبار وردت في الصلوات على الإطلاق، وفي بعضها عشاء الآخرة فلا وجه لما ذكروه.
وأما الخبر الذي ذكروه، فلا يصح؛ لأنه تفرد به عن الرُّحَيْل بن معاوية (٣): زياد (٤).
الثاني: أنه لا يظن بالنبي ﵇ أنه يترك الجمعة لا يصليها، ويصلي بالناس غيره لأجل ما ذكروه، ولو قدر صحته فنقول: هذا الحديث وارد في الجمعة، وأخبارنا في بقية الصلوات، فنقول بها جميعاً ونكون أسعد، وهم لا يمكنهم العمل بها.
ويدل على ما ذكرنا: إجماع الصحابة.
روى أبو بكر عبد العزيز بإسناده عن الحسن، عن علي ـ كرّم الله وجهه ـ (٥) أنه قال: من سمع النداء فلم يأته لم تجاوز صلاته رأسه
стр. 310
إلا من عذر (١).
وعن أبي موسى: من سمع النداء فلم يجب من غير عذر فلا صلاة له (٢).
وعن عائشة: من سمع النداء فلم يجب من/ غير عذر فلم يُرِد خيراً، ولم يُرَد به (٣).
وعن ابن مسعود: من سرّه أن يلقى الله ـ تعالى ـ مسلماً فليحافظ على الصلوات المكتوبات حين ينادى بهن، فإنهنّ من سُنن الهدى، ولو صليتم في بيوتكم لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتني وما يتخلف عنها إلا منافق، ولقد رأيت الرجل يتهادى بين الرجلين حتى يقوم في الصف (٤).
стр. 311
وهذا إجماع منهم ﵃.
والفقه في المسألة أنا نقول: صلاة مفروضة على الأعيان، فكانت الجماعة واجبة فيها، دليله الجمعة.
أو نقول: صلاة مكتوبة، فوجب فعلها في جماعة، أصله الجمعة، وهذا لأن المفروضات، والمكتوبات أعلى مراتب العبادات من الصلاة، وغيرها، فجاز أن يختص بمزية احترام وجمع له.
يدلّ عليه: أن الجمعة ليست بأكثر من أنها تجمّع الجماعات، وهي [إما] (١) ظهر مقصورة، أو بدل عن ظهر، أو تكون هي الأصل، والظهر بدلها عن الفوات، فلو لم تكن الجماعة واجبة في كل ظهر لما تجدد الوجوب لاجتماع الجماعات، فلما كان اجتماع الجماعات لها واجباً حتى إنه لا يحلّ اجتماع في مسجد من المساجد يوم الجمعة يصلى فيه ظهر من غير عذر، عُلم أن الجمعة إنما حكت ما هو الأصل وجَمَعَتْه، وإذا كان مجموع الشيء واجباً دلّ على وجوب آحاده كالعمرة، والحج، والظهر، والعصر لما كان مجموعهما على صفة كان انفرادها على تلك الصفة، الجمعة نسك، وكل واحدة على حدتها نسك، ولما كانا واجبتين في الجمُع كانا في الانفراد كذلك، فلما كان جمع الجماعات يوم الجمعة واجباً (٢) دلّ على أن الجماعات للظهر في سائر البقاع واجبة، لكنها امتازت يوم الجمعة باجتماع الجمع.
فإن قيل: المعنى في الجمعة أنها لما/ وجبت لها الجماعة
стр. 312
كانت شرطاً في صحتها، بخلاف مسألتنا؛ فإن الجماعة ليس بشرط في صحتها، فلم تكن واجبة، فإن جميع ما يجب للصلاة المفروضة لا تصح الصلاة دونه مع اعتماد تركه، فلما لم يجب هذان الوصفان كون الجماعة لها شرطاً لم يجب كونها واجبة فيها.
الثاني: أن الجمعة يشترط لها المصر، والعدد المخصوص، والخطبة، وصفات من يحضرها من ذكورية، وحرية، واستيطان، وبلوغ، أو مقام في بنيان يستوطنه أربعون عند من لم يعتبر المصر الجامع، فما يؤمنكم أن يكون حاصلاً في الإجماع لها كما كان محصلاً سائر هذه الشروط، وهذه الصلوات بخلاف ذلك، وتكون العلة في ذلك أن الجمعة تندر وتقل، والصلوات الخمس تكثر، وتعمر أوقاتها، وتصادف الآحاد المنفردين بالأشغال المانعة، والعوائق السانحة من الاجتماع، فانتفى الوجوب للجماعة فيها لهذه العلة، بخلاف الجمعة، فدل على الفرق.
قلنا: عندنا في أحد الوجهين أن الجماعة تشترط في صحتها على ما ذكره القاضي في «شرح المذهب» (١)، وهو قول داود (٢)، وحكى بعض أصحابنا مثل ذلك عن القاضي الشريف أبي علي بن أبي موسى الهاشمي (٣)، والوجه فيه قوله ﵇: «من سمع النداء، ولم يأته فلا صلاة له إلا من عذر» (٤)، وفي رواية: «لم يقبل الله الصلاة منه» (٥)، ولأنه إذا وجبت الجماعة وجبت الصلاة، فكانت شرطاً، والأصل بقاء الأمر عليه إلى أن يمتثل، ولا يمتثل إلا بأداء الجماعة، فله إذن الصلاة مع الجماعة.
стр. 313
وهذا مثل قول أبي حنيفة: إن الطهارة تجب، ثم الطواف يصح بدون الطهارة (١).
ورددنا عليه نحن والشافعي وقلنا: لما وجب كان شرطاً في الصحة (٢). كذلك هاهنا ولا فرق.
والثاني: ليست بشرط،/ فعلى ما ذكروه ليس بلازم ـ أيضاً ـ؛ لأنه (٣) يجوز أن تجلب العلة وجوباً، ولا تجلب اشتراطاً؛ لأن الاشتراط أعلى الوجوبين، ولهذا الصوم، والحج، والزكاة واجبة في الإسلام، وليست بشرط في صحة الإسلام، والإحداد واجب في العدة، وليس بشرط في صحة العدة، وكذلك وجب حمل السلاح عند الشافعي في صلاة الخوف ولم يشترط (٤)، والإحرام من الميقات وجب في الحج ولم يشترط، والرمي، والبيتوتة، وطواف الوداع، والصلاة في أول الوقت وجبت، ولم تشترط، وكذلك المخيرات في التكفير وجبت كل واحدة، ولم تشترط لا على من قال بوجوب الكل، ولا من قال بأن الواجب واحد لا بعينه، بل وسع بالتخيير بين هذا وهذا، ووسّع في الوقت الأول بينه وبين غيره، كذلك جاز أن تكون هذه واجبة على التخيير والتوسعة، وكذلك الصلاة في الوقت واجب، ولا يمنع ذلك عندنا إذا خرج وقتها (٥)، وأن خصيصة الوجوب المأثم، وقد لا يأثم وتحصل الصحة بفعلها بعد خروج الوقت، فإذا كان الوجوب مختلفاً، لم يمنع تعليلنا استدعاء الوجوب، وإن لم يستدع الشرطية، وكذلك كل واحد من المكلفين في فروض الكفايات إن فعل كان مؤدياً فرضاً، وإن لم يفعل لم يكن تاركاً شرطاً في إيمانه، وأركان إسلامه، فبان بهذا أن كونها واجبة على الأعيان كاف في وجوب الاجتماع لها.
стр. 314
فإن قيل: جميع هذا الذي ذكرتم من التوسعة في الأوقات في الصلوات، والأعيان في الكفارات، والأشخاص في فروض الكفايات، لا ينتهي التخيير إلى ترك بالكلية، لابد من فعل الصلاة في الوقت، ولابد من تكفير بعين من الأعيان، ولابد من فعل يقع من أحد الأشخاص في باب فروض الكفايات، وهاهنا/ تُترك الجماعة فلا تسقط إلى شيء رأساً، ولا ينوب عنها نائب بوجه ما.
قلنا: إذا تركت حصل المأثم بترك الجميع، كما يحصل المأثم بترك الوقت عاطلاً عن صلاة، ويحصل المأثم بترك الكل فرض الكفاية، والمأثم كافٍ في الإضلال.
على أن الجماعة لو أبطل تركها الصلوات لشق وجوب القضاء لتكررها، بخلاف الجمعة لأنها واحدة في الأسبوع، والأعذار فيها كثيرة؛ لأنها تدخل على أرباب الأشغال، فأسقط أعلى مراتب الإيجاب وهو الشرطية، ووجبت بحسب الإمكان كإيجاب الصلاة في الوقت الأول، وما ذكرنا من الموسعات في الإيجاب من العبادات.
وأما ما ذكروه في السؤال الأول من أن الجمعة اختصت بزيادة شرائط، قلنا: ولِمَ إذا وجبت هذه الشروط تجب الجماعة؟ ولم إذا سقطت تسقط الجماعة؟ ثم نقول: أما العدد فلأن الجماعة واجبة لها، ولا تكون الجماعة إلا بعدد، ونحن نقول: يجب العدد في جماعة الصلاة، ولأن الجمعة لا تتكرر فاشتراط العدد لها لا يشق، وبقية الفرائض تتكرر دفعات في اليوم فاشتراط العدد لها يشق، وأما الاستيطان فإنما شُرط؛ لأن في السفر قد يتعذر العدد غالباً، وأما إذن الإمام فلا يشترط، وأما الخطبتان فإنها قائمة مقام ركعتين، وفي الصلوات زيادة عدد في ركعاتها؛ ولأن اعتبار شرائط لها لا يدل على إيجاب الجماعة فيها، ألا ترى أن صلاة الكسوف فيها زيادة أركان وليس الجماعة واجبة فيها، وكذلك صلاة العيد، الشروط المذكورة في الجمعة ليست مؤكدة، بل مخففة؛ لأنها معرضة للإسقاط بتعذر بعضها، فتسقط رأساً، وكل شيء كثرت شروط وجوبه/
стр. 315
كان أسرع اختلالاً، وأبطأ صحة ووجوباً، فكان وجوبه ضعيفاً لا متأكداً، مثل اشتراطنا في الحج الزاد والراحلة فيكون تعرض السقوط إذا اختل شرطه، وكذلك إقامة حد الزنا شرط في فاعله شروطاً، وفي المحل المزني به، وفي الإقرار والشهادة ما قصد به إبطاء وجوبه، وإسراع سقوطه لا تأكيده، وما المشروط وجوبه إلا كالطلاق، والعتاق المعلق، وما انعدمت أوائل شروطه كالطلاق المنجز، والعتاق الموقع، ومعلوم ما بين المنجز والمعلق، وإنما كانت الجمعة متأكدة بكثرة الشروط أن لو كانت الشروط للصحة مع كون الوجوب غير مشروط، فكان وجوبها معجلاً، وصحتها متأخرة مبطئة لتكميل الشروط، فهذا هو الوجوب المتأكد حيث شغل الذمة، ثم لم يفرغ الذمة منه إلا بشروط تصاحب الواجب، فيصير الواجب مستتبعاً واجبات عدة لا تفرغ الذمة دون حصولها.
وأما التفريق بالمشقة في اعتبار الجمع في هذه، فإن القدر الذي وجب لم يشترط له ما يتعذر غالباً؛ لأنها تحصل بالاثنين، وأي المكلفين كان من عبد وحر، ومسافر ومقيم، وذكر وأنثى، فإيجاب جماعة هذه صفتها لا يكون مشقاً على المكلف.
فإن قيل: فسهولة حصول الجماعة، وسعة الأمر في تحصيل من تنعقد به أي مكلف كان يجب أن تشترط لها، إذ لا يشق تحصيل الجمع المعتبر في اشتراطه، كما لم يشق في إيجابه.
قلنا: قد ذكرنا المنع على أن للشرطية حكماً ليس للإيجاب، وهو أن الإيجاب يوجب الفعل، ويوجب المأثم بالترك، فيحث على الفعل، والاشتراط يفضي إلى الإبطال، والفوات.
وقد قيل:/ بأن الجماعة من الأعلام الظاهرة، فصارت [واجبة] (١) كالجهاد، وصلاة الجنازة.
стр. 316
احتجوا:
بما رُوي عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ [بخمس] (١) وعشرين درجة» (٢)، ورُوِي: «[بسبع] (٣) وعشرين درجة» (٤).
فأثبت للفذ صلاة صحيحة فاضلة؛ لأنه لا يجوز المفاضلة إلا بين فاضلين، فأما من لا فضل فيه فلا يقال: فلان أفضل، كما لا يقال: فلان العالم أعلم من فلان وهو جاهل لا علم له، ولا يقال: العسل أحلى من الخل.
وعندكم تارك الجماعة عاصٍ مأثوم لا فضل في صلاته بحال، وقد تواترت الأخبار أن أصحاب رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ كانوا يصلون في رحالهم، ويتركون الجماعة، وقال ﵇ للرجلين اللذين صليا في رحالهما: «إذا أدركتما الجماعة وقد صليتما في رحالكما فصليا معنا» (٥)، ولم ينكر عليهم ترك الجماعة، وهذا نص.
والفقه في ذلك: أنها صلاة، وليس من شرطها الاستيطان، فلم يكن من شرطها الجماعة، دليله: النافلة، والمنذورة، والفائتة، وفيه احتراز من الجمعة،
стр. 317
أو نقول: صلاة تصح حال الانفراد، ويسقط الفرض بفعلها، فلم يجب لها الاجتماع، دليله صلاة الجنازة، والاستسقاء، والكسوفين؛ وهذا لأن الاجتماع لها لا يخلو أن يكون شرطاً، أو ركناً، أو واجباً ليس بركن، وهو أدنى المراتب في باب اللزوم، وما دونه إلا السنة والندب، لا يجوز أن يكون ركناً؛ لأن منزلة الركن أن لا تصح الصلاة دونه، ولا يجوز أن يكون شرطاً؛ لأن خصيصة الشرط أن لا تنعقد الصلاة دونه، ولا يجوز أن يكون واجباً؛ لأن جميع واجبات الصلاة، وسائرها متى تركت عمداً بطلت الصلاة، وهذه الصلاة تصح/ على الانفراد وتعمد ترك الاجتماع لها، فلم يبق إلا أنها سنة، أو فضيلة، وهو قولنا.
ومنهم من قال: لو كانت الجماعة واجبة ما وجبت بعينها وإنما وجبت للصلاة، وما كان وجوبه لغيره لا لعينه كان شرطاً، ولم يقع ذلك الشيء موقع الإجزاء دونه.
وربما قالوا: ما لا يجب في قضائها، لا يجب في أدائها، كالاستفتاح، والاستعاذة، وهذا صحيح؛ لأن القضاء يحاكي الأداء؛ لكونه بدله، وخلفه، وعوضه، ويقوم مقامه في إسقاط الفرض.
وربما قالوا: كل من لا تكون الجماعة شرطاً في صحة صلاته لم تكن في حقه [واجبة] (١)، الدليل عليه: العبد والمرأة؛ وهذا لأنه لا فرق بين الحر، والعبد، والمرأة في أركان الصلاة، وواجباتها، وشرائطها، اعتبر هذا بسائر الأركان، والشرائط.
قالوا: وهذا كله راجع إلى معنى، وهو أن كُلاً مصلٍّ لنفسه، ويتقرب إلى الله تعالى، فلا حاجة في أدائه ما وجب عليه إلى أداء غيره إلا فيما استثناه الشرع.
قالوا: ولا شك أن الأوامر المطلقة في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ (٣)، تتناول المنفرد، والمصلي في جمع.
стр. 318
الجواب: عن الحديث أن صلاة الفذ صحيحة، إلا أنه آثم بترك الجماعة، والمفاضلة تحصل بين ما فيه فضل، وما لا فضل فيه، قال ـ تعالى ـ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً *﴾ (١)، ولا خير في أصحاب النار، وقال تعالى: ﴿وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ (٢)، ولا خير في المشركة، وقولهم: الصدق خير من الكذب، وقال الله ـ تعالى ـ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣).
جواب آخر: أن المراد بالخير أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ الذي صلاها منفرداً/ لعذر من مرض، أو فوات الجماعة، أو نحو ذلك، وتلك صلاة صحيحة، وفيها فضل، وفاعلها غير عاصٍ، ولا آثم، ولو لم تكن الجماعة واجبة في الصلوات؛ لما لزم بالنذور فروع الأوامر، وكلما ثبت في الأمر ثبت في النذر مثله، يدل عليه: أنه لا يجب في النذر إلا ما حبسه واجب الشرع، فدلّ على أنها فروعها، يدل على ذلك: أنه لو قال: لله علي أن أعود المرضى، لم يجب عليه ذلك بحكم النذر؛ لأن عيادة المرضى ليس بواجب، فلا يجب بالنذر، وإذا نذر الصوم، أو الصلاة، أو الحج، أو غير ذلك [مما] (٤) له أصل في الشرع صح ذلك باعتبار أن له أصلاً في الشرع، كذلك هاهنا.
قال: وهذا على أصل أبي حنيفة ألزم، قال: لأنه قال في وجوب الصوم بالاعتكاف: إنه يجب بالنذر (٥)، فدلّ على أنه يجب بأصل الشرع، وكذلك قال ـ أيضاً ـ في مسألة الأضحية (٦).
стр. 319
وأما قولهم: إن الصحابة كانوا يصلون في رحالهم.
فهذه دعوى، بل كانوا يفعلون ذلك في بعض الأوقات للعذر من مطر وغيره، وقد كان النبي ـ صلَّى الله عليه ـ يأمر مناديه أن ينادي عند المطر إذا ابتلت النعال [بالصلاة] (١) في الرحال، وكيف يظن بهم أنهم يتخلفون عن الجماعة مع رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ، ويخلون بفضيلتها من غير عذر، هذا لا يليق بقدرهم، فأما الرجلين الذين صلّيا في الرِّحال فلعلّهُما صلّيا في جماعة، وهذا هو الظاهر من حال الصحابة على ما مرّ.
وأما قولهم: صلاة ليس من شرطها الاستيطان.
قلنا: إذا لم يكن من شرطها ذلك لا تجب لها الجماعة، والمعنى في النوافل أنها أنقص رتبة من الفريضة والمستحب إخفاؤها (٢)، فالفريضة عالية الشأن، وأقوى أركان الإسلام فكانت بالجمعة أشبه.
وأما الصلاة المنذورة؛ فلا نسلمها/ ونقول: تجب لها الجماعة؛ لأن النذور محمولة على أصولها في الشرع؛ لأن النذور فروع الأوامر، وإن سلمنا فلأن من شرط الجماعة موافقة نية المأموم لنية الإمام، ولا يتفق ذلك في النذر.
على أن بعض أصحابنا المتأخرين قد جعل النذر حجة لنا، وجعل منه طريقة تصلح أن يستدل بها ابتداء في المسألة، فقال: أجمعنا على أنه لو نذر أن يصلي صلاة في جماعة فإنه يجب بالإجماع.
وأما الفائتة؛ فلا نُسلِّم، ونقول: تجب فيها الجماعة على احتمال ذكره شيخنا ﵀ (٣)، وإن سلّمنا فالفائتة يتعذر فيها الجماعة؛
стр. 320
لأنها لا تصلى عندنا خلف مؤدٍّ (١)، ولا تفوت في غالب الحال جماعة ناس في وقت، فيجتمعون فيصلونها قضاء، فسقط اعتبار الجماعة فيها لذلك، بخلاف الأداء، ولأن اعتبار المؤداة بالفائتة غلط؛ كما نقول في الجمعة يشترط في إدائها الجماعة، وإذا فاتت لم يشترط لها ذلك، ولأن القضاء يخالف الأداء، بدليل أن المسافر يقضي ما فاته في الحضر تامة، ولا يدل على أنها كانت واجبة تامة، والمريض يقضي الصلاة بحسب حاله جالساً، أو مضطجعاً، ومن عدم الماء في حال القضاء يؤديها بالتيمم، كل ذلك اعتباراً بحكم حاله حال القضاء، كذلك هاهنا.
وأما تعلقهم بكونها ليست بشرط في الصحة؛ تقدم جوابه.
وأما العبد: فقياس المذهب يقتضي وجوبها عليه، وقد نقل أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن هانئ: سألت أبا عبد الله عن العبد [يرسله] (٢) مولاه في حاجة، فتحضر الصلاة، أيصلي ثم يقضي حاجة مولاه؟ أو يقضي حاجة مولاه ثم يصلي؟ ولعله إذا قضى الحاجة لا يجد مسجداً يصلى فيه؟
قال: إذا علم أنه إذا قضى حاجة مولاه أصاب مسجداً يُصلي/ فيه قضى حاجة مولاه، وإن علم أنه لا يدرك صلى ثم قضى حاجته (٣).
وهذا يدل على وجوب الجماعة عليه، وإن سلّمنا فالعبد لا تجب عليه الجمعة، فلا تجب عليه [الجماعة] (٤)، والحرّ بخلاف ذلك.
وبفصل الجمعة أجاب أصحابنا عن المرأة، وقالوا ـ أيضاً ـ: المرأة يكره لها فعل الجماعة، والرجل يستحب له ذلك، ولأن المرأة لو قلنا: تحضر الجماعات، لم يؤمن الافتتان بها، والرجل بخلاف ذلك.