احتجوا:
بما رُوي عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ [بخمس] (١) وعشرين درجة» (٢)، ورُوِي: «[بسبع] (٣) وعشرين درجة» (٤).
فأثبت للفذ صلاة صحيحة فاضلة؛ لأنه لا يجوز المفاضلة إلا بين فاضلين، فأما من لا فضل فيه فلا يقال: فلان أفضل، كما لا يقال: فلان العالم أعلم من فلان وهو جاهل لا علم له، ولا يقال: العسل أحلى من الخل.
وعندكم تارك الجماعة عاصٍ مأثوم لا فضل في صلاته بحال، وقد تواترت الأخبار أن أصحاب رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ كانوا يصلون في رحالهم، ويتركون الجماعة، وقال ﵇ للرجلين اللذين صليا في رحالهما: «إذا أدركتما الجماعة وقد صليتما في رحالكما فصليا معنا» (٥)، ولم ينكر عليهم ترك الجماعة، وهذا نص.
والفقه في ذلك: أنها صلاة، وليس من شرطها الاستيطان، فلم يكن من شرطها الجماعة، دليله: النافلة، والمنذورة، والفائتة، وفيه احتراز من الجمعة،
стр. 317
أو نقول: صلاة تصح حال الانفراد، ويسقط الفرض بفعلها، فلم يجب لها الاجتماع، دليله صلاة الجنازة، والاستسقاء، والكسوفين؛ وهذا لأن الاجتماع لها لا يخلو أن يكون شرطاً، أو ركناً، أو واجباً ليس بركن، وهو أدنى المراتب في باب اللزوم، وما دونه إلا السنة والندب، لا يجوز أن يكون ركناً؛ لأن منزلة الركن أن لا تصح الصلاة دونه، ولا يجوز أن يكون شرطاً؛ لأن خصيصة الشرط أن لا تنعقد الصلاة دونه، ولا يجوز أن يكون واجباً؛ لأن جميع واجبات الصلاة، وسائرها متى تركت عمداً بطلت الصلاة، وهذه الصلاة تصح/ على الانفراد وتعمد ترك الاجتماع لها، فلم يبق إلا أنها سنة، أو فضيلة، وهو قولنا.
ومنهم من قال: لو كانت الجماعة واجبة ما وجبت بعينها وإنما وجبت للصلاة، وما كان وجوبه لغيره لا لعينه كان شرطاً، ولم يقع ذلك الشيء موقع الإجزاء دونه.
وربما قالوا: ما لا يجب في قضائها، لا يجب في أدائها، كالاستفتاح، والاستعاذة، وهذا صحيح؛ لأن القضاء يحاكي الأداء؛ لكونه بدله، وخلفه، وعوضه، ويقوم مقامه في إسقاط الفرض.
وربما قالوا: كل من لا تكون الجماعة شرطاً في صحة صلاته لم تكن في حقه [واجبة] (١)، الدليل عليه: العبد والمرأة؛ وهذا لأنه لا فرق بين الحر، والعبد، والمرأة في أركان الصلاة، وواجباتها، وشرائطها، اعتبر هذا بسائر الأركان، والشرائط.
قالوا: وهذا كله راجع إلى معنى، وهو أن كُلاً مصلٍّ لنفسه، ويتقرب إلى الله تعالى، فلا حاجة في أدائه ما وجب عليه إلى أداء غيره إلا فيما استثناه الشرع.
قالوا: ولا شك أن الأوامر المطلقة في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ (٣)، تتناول المنفرد، والمصلي في جمع.
стр. 318
الجواب: عن الحديث أن صلاة الفذ صحيحة، إلا أنه آثم بترك الجماعة، والمفاضلة تحصل بين ما فيه فضل، وما لا فضل فيه، قال ـ تعالى ـ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً *﴾ (١)، ولا خير في أصحاب النار، وقال تعالى: ﴿وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ (٢)، ولا خير في المشركة، وقولهم: الصدق خير من الكذب، وقال الله ـ تعالى ـ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣).
جواب آخر: أن المراد بالخير أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ الذي صلاها منفرداً/ لعذر من مرض، أو فوات الجماعة، أو نحو ذلك، وتلك صلاة صحيحة، وفيها فضل، وفاعلها غير عاصٍ، ولا آثم، ولو لم تكن الجماعة واجبة في الصلوات؛ لما لزم بالنذور فروع الأوامر، وكلما ثبت في الأمر ثبت في النذر مثله، يدل عليه: أنه لا يجب في النذر إلا ما حبسه واجب الشرع، فدلّ على أنها فروعها، يدل على ذلك: أنه لو قال: لله علي أن أعود المرضى، لم يجب عليه ذلك بحكم النذر؛ لأن عيادة المرضى ليس بواجب، فلا يجب بالنذر، وإذا نذر الصوم، أو الصلاة، أو الحج، أو غير ذلك [مما] (٤) له أصل في الشرع صح ذلك باعتبار أن له أصلاً في الشرع، كذلك هاهنا.
قال: وهذا على أصل أبي حنيفة ألزم، قال: لأنه قال في وجوب الصوم بالاعتكاف: إنه يجب بالنذر (٥)، فدلّ على أنه يجب بأصل الشرع، وكذلك قال ـ أيضاً ـ في مسألة الأضحية (٦).
стр. 319
وأما قولهم: إن الصحابة كانوا يصلون في رحالهم.
فهذه دعوى، بل كانوا يفعلون ذلك في بعض الأوقات للعذر من مطر وغيره، وقد كان النبي ـ صلَّى الله عليه ـ يأمر مناديه أن ينادي عند المطر إذا ابتلت النعال [بالصلاة] (١) في الرحال، وكيف يظن بهم أنهم يتخلفون عن الجماعة مع رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ، ويخلون بفضيلتها من غير عذر، هذا لا يليق بقدرهم، فأما الرجلين الذين صلّيا في الرِّحال فلعلّهُما صلّيا في جماعة، وهذا هو الظاهر من حال الصحابة على ما مرّ.
وأما قولهم: صلاة ليس من شرطها الاستيطان.
قلنا: إذا لم يكن من شرطها ذلك لا تجب لها الجماعة، والمعنى في النوافل أنها أنقص رتبة من الفريضة والمستحب إخفاؤها (٢)، فالفريضة عالية الشأن، وأقوى أركان الإسلام فكانت بالجمعة أشبه.
وأما الصلاة المنذورة؛ فلا نسلمها/ ونقول: تجب لها الجماعة؛ لأن النذور محمولة على أصولها في الشرع؛ لأن النذور فروع الأوامر، وإن سلمنا فلأن من شرط الجماعة موافقة نية المأموم لنية الإمام، ولا يتفق ذلك في النذر.
على أن بعض أصحابنا المتأخرين قد جعل النذر حجة لنا، وجعل منه طريقة تصلح أن يستدل بها ابتداء في المسألة، فقال: أجمعنا على أنه لو نذر أن يصلي صلاة في جماعة فإنه يجب بالإجماع.
وأما الفائتة؛ فلا نُسلِّم، ونقول: تجب فيها الجماعة على احتمال ذكره شيخنا ﵀ (٣)، وإن سلّمنا فالفائتة يتعذر فيها الجماعة؛
стр. 320
لأنها لا تصلى عندنا خلف مؤدٍّ (١)، ولا تفوت في غالب الحال جماعة ناس في وقت، فيجتمعون فيصلونها قضاء، فسقط اعتبار الجماعة فيها لذلك، بخلاف الأداء، ولأن اعتبار المؤداة بالفائتة غلط؛ كما نقول في الجمعة يشترط في إدائها الجماعة، وإذا فاتت لم يشترط لها ذلك، ولأن القضاء يخالف الأداء، بدليل أن المسافر يقضي ما فاته في الحضر تامة، ولا يدل على أنها كانت واجبة تامة، والمريض يقضي الصلاة بحسب حاله جالساً، أو مضطجعاً، ومن عدم الماء في حال القضاء يؤديها بالتيمم، كل ذلك اعتباراً بحكم حاله حال القضاء، كذلك هاهنا.
وأما تعلقهم بكونها ليست بشرط في الصحة؛ تقدم جوابه.
وأما العبد: فقياس المذهب يقتضي وجوبها عليه، وقد نقل أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن هانئ: سألت أبا عبد الله عن العبد [يرسله] (٢) مولاه في حاجة، فتحضر الصلاة، أيصلي ثم يقضي حاجة مولاه؟ أو يقضي حاجة مولاه ثم يصلي؟ ولعله إذا قضى الحاجة لا يجد مسجداً يصلى فيه؟
قال: إذا علم أنه إذا قضى حاجة مولاه أصاب مسجداً يُصلي/ فيه قضى حاجة مولاه، وإن علم أنه لا يدرك صلى ثم قضى حاجته (٣).
وهذا يدل على وجوب الجماعة عليه، وإن سلّمنا فالعبد لا تجب عليه الجمعة، فلا تجب عليه [الجماعة] (٤)، والحرّ بخلاف ذلك.
وبفصل الجمعة أجاب أصحابنا عن المرأة، وقالوا ـ أيضاً ـ: المرأة يكره لها فعل الجماعة، والرجل يستحب له ذلك، ولأن المرأة لو قلنا: تحضر الجماعات، لم يؤمن الافتتان بها، والرجل بخلاف ذلك.
стр. 321
وعندي أن الإشكال في إلزامهم المرأة باقٍ، وذلك أن إلزامهم إنما هو وجوب الجماعة على النساء في الجملة، وأنهم من أهل إيجابها عليهم، وما اعتذر به أصحابنا لا يصح؛ لأن الكراهة إنما تكون في حضور جماعات الرجال، وإلا فالمستحب للنساء إذا اجتمعن أن يصلين في جماعة، وكان ينبغي أن تجب الجماعة عليهم فيما بينهم إذا اجتمعوا، وكذلك ـ أيضاً ـ فصل الافتتان الذي اعتذر به الأصحاب إنما يكون في حضور جماعات الرجال، ثم المرأة العجوز لا يكره لها حضور الجماعات، ولا يخاف الافتتان بها، والجماعة ليست واجبة عليها (١).
وأما قولهم: كلاً مصلٍّ لنفسه؛ فهذا ممنوع؛ وسيأتي الجواب عنه مستوفى في المسألة التي بعدها، وعلى الفور هو باطل بصلاة الجمعة.
стр. 322
مسألة
لا تصح إمامة الفاسق سواء كان فسقه باعتقاده، أو أفعاله (١)، هذا مذهبنا في إحدى الروايتين (٢)، اختارها الخرقي (٣)، وأبو بكر (٤)، وهي مذهب واثلة بن الأسقع (٥)، والحسن، ومحمد بن الحسن بن محمد بن علي (٦)، وأبي بكر ابن عياش (٧)(٨)، ومعاذ بن معاذ (٩)، وسفيان الثوري (١٠)،
стр. 323
وأنس بن عياض (١)(٢)، وزائدة (٣)(٤)، وشريك (٥)، ومالك (٦)، وغيرهم، ذكره ابن حامد في «شرح الخرقي» (٧).
والثانية: صحة الصلاة خلفه (٨)، وهي قول أبي حنيفة، والشافعي (٩)(١٠).
/ قال صاحب «الإرشاد»: واختلف قوله في الصلاة خلف شارب النبيذ على التأويل ـ إذا لم يسكر ـ على روايتين؛ أحدهما: يجوز الائتمام به، والأخرى: لا يجوز، وعلى من صلى خلفه الإعادة، قال: وبهذه الرواية أقول (١١).
стр. 324
الأوّلة:
قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ *﴾ (١)، وقوله ـ سبحانه ـ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ *﴾ (٢)، فنفى المساواة بين الفاسق والمؤمن، وعامل الخير وعامل السوء.
فإن قيل: المراد بذلك الكافر، بدليل أنه قال في آخر الآية: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ﴾ (٣)، وهذه صفة الكافر.
قلنا: هو عام في كل فاسق، وكل من عمل سوءاً، وعام في نفي المساواة في كل شيء إلا ما خصه الدليل، وتخصيص آخر الآية لا يدل على تخصيص أولها كقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٤) عام في كل مطلقة، وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ (٥) خاص في الرجعيات، ولم يمنع هذا من الاحتجاج بأولها، وكذلك قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ (٦) عام، وقوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ﴾ (٧) خاص في الكفار.
ومن جهة الأخبار: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن مرثد بن عبد الله الغنوي (٨) ـ وكان بدرياً ـ قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «إنْ سرّكم أن تُقبل صلاتكم فليؤمكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم » (٩)،
стр. 325
فوجه الدلالة: أنه علّق قبول الصلاة بالصلاة خلف الخيّر، فدل على أن الفاسق لا تقبل الصلاة خلفه.
وروى بإسناده عن علي قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «لا تُقدِّموا/ صبيانكم ولا سفهاءكم في صلاتكم، ولا على جنائزكم فإنهم وفدكم إلى الله تعالى» (١)، فنهى؛ والنهي يدل على فساد المنهي عنه.
وروى بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «ليؤمكم خياركم، وليؤذن لكم قراؤكم» (٢)، فأمر؛ وأمره على الوجوب.
وروى أبو بكر، وابن حامد بإسنادهما عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ وهو على المنبر: «يا أيها الناس، يا أيها الناس، توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا، وبادروا إليه بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصِلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وبكثرة الصدقة في السر والعلانية ترزقوا، وتنصروا، وتجبروا» وذكر الحديث إلى أن قال: «لا تؤمَّن امرأة رجلاً، ولا يؤمَّن فاجر برّاً» (٣)، فنهى أن يؤمَّن الفاجرُ البرَ،
стр. 326
وفي لفظ آخر: «الفاسقُ المؤمنَ» (١)، والنهي يدل على الفساد.
فإن قيل: المراد بجميع ذلك الاستحباب والفضيلة.
قلنا: لا يصح؛ لأن إطلاق الأمر يقتضي الإيجاب، والنهي يقتضي التحريم.
والفقه: أنها إحدى الإمامتين؛ فنافاها الفسق، دليله الإمامة الكبرى، أو نقول: الإمامة نوع رتبة في الدين مفخمة معظمة، فلم يساو فيها الفاسقُ العدلَ، دليله الشهادة، ولا تلزم ولاية النكاح؛ لأنها كمسألتنا، وهذا صحيح؛ فإن الإمامة فيها نوع ولاية؛ بدليل أنها يستتبع بها غيره،
стр. 327
ويتحمل بها القراءة، وسجود السهو، وتوجب الاقتداء به واتباعه، ولا يجوز الافتيات (١) عليه بسبق في فعل، ولا قول، ولا يسبق بتجميع إذا كان إمام الحي، ويتقدم بفضائل على من وراءه [في] (٢) القراءة، والفقه، والسن، والشرف.
ولهذا استدلّ سادات الصحابة على استحقاق أبي بكر الصديق ﵁ للتّقدم في الخلافة بتقديمه في الصلاة، وما/ رضوا بأن يجعلوه قياساً شبهيّاً (٣) حتى جعلوه تنبيهاً (٤)، فقال بعضهم: رضيك رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ لديننا، لا نرضاك لدنيانا؟ (٥)
وقال الآخر: أيكم تطيب نفسه أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله (٦).
وكيف يستدلون بهذا المنصب على منصب لا يصح مع الفسق، والذي استدلوا به يصح مع الفسق، ولهذا قال ـ صلَّى الله عليه ـ: «الأئمة ضمناء» (٧)،
стр. 328
وصلاة من خلفه تبطل ببطلان صلاته، والطهارة وجميع الشرائط موقوفة على أمانته، [وهي] (١) أمور يعاب عليها، فتحتاج الثقة به إلى أمانة لا يشهد لها إلا اعتدال أحواله في دينه، والفاسق مبتذل لا يؤمَن على الصلاة وشروطها،
стр. 329
سيما إذا كان فسقه بشرب الخمر، وملابسة النجاسات، وهو ممن لا يقبل قوله في نجاسة الماء، بل هو يخبرنا بنجاسته، وسبب نجاسته، ونحن نبقيه بعد خبره على أصل طهارته وتطهيره، وكيف نثق إلى أمانته فيما نحن متبعون له فيه، وصحة صلاتنا مربوطة بصحة صلاته.
فإن قيل: جميع ما ذكرتم لا يمنع صحة صلاته في نفسه، فلا يمنع صحة [إمامته] (١) وخرج على هذا الإمامة الكبرى؛ لأنها أكمل، ألا ترى أنه يعتبر فيها الحرية، والذكورية، والنسب، والعلم بخلاف الصغرى، فإنه لم يعتبر فيها جميع هذه الأشياء، فلا تعتبر العدالة، وخرج ـ أيضاً ـ الشهادة؛ فإنه يتهم فيها أن يواطئ فيشهد بالزور، بخلاف الصلاة؛ فإنه لا تهمة فيها.
قلنا: أما صلاته في نفسه فلو أبطلناها أفضى إلى أن نخرجه من الإسلام، بخلاف إمامته؛ فإنها إذا بطلت لم تضرّ؛ لأن المأموم يطلب عدلاً فيصلي خلفه.
الثاني: أنه قد يصح الشيء منه في حق نفسه دون غيره، ألا ترى أنه لو رأى هلال رمضان وحده، وردت شهادته لزمه الصوم من رمضان/ وإن لم يلزم غيره، والشهادة على نفسه تصح، وعلى غيره لا تقبل، والمرأة تصح صلاتها، ولا تصح إمامتها، وكذلك العبد يصح أن يصلي الجمعة، ولا يكون إماماً في الجمعة، والأميّ تصحّ صلاته في نفسه، ولا يكون إماماً للقُرّاء، كذلك في مسألتنا، وهذا كلّه لمعنى وهو أن صلاته في حق نفسه كإقراره، وصلاته بغيره [استتباع] (٢) لغيره، وقبول لغيره، وائتمان له على قربة لا تتم إلا بالثقة، أشبه الشهادات، والولايات.
وأما اعتذارهم عن الإمامة الكبرى بكثرة شروطها؛ فليس إذا لم تعتبر هذه الأشياء لا تعتبر العدالة، بدليل أخبار الديانات، والشهادات.
стр. 330
وقولهم: في الشهادة تلحقه التهمة؛ فباطل بأخبار الديانات، والشهادة برؤية الهلال؛ فإنه لا يتهم فيها، ولا تقبل منه.
الثاني: أنّا قد بينّا أنه قد يتهم أن يصلي وفي ثيابه الخمر، أو يرائي بالصلاة؛ لأنه من لا يتحاشا من الزنا، وأكل الربا، وشرب الخمر لا يتحاشا أن يصلي وفي فمه وثيابه الخمر، ولأنه يتهم في الإمامة أن يظاهر بها ليكرَم، ويُشهد له بالخير والصلاح لتقبل شهادته، فيجر بذلك نفعاً إلى نفسه.
طريقة أخرى، نقول: الفسق نقص يؤثر في الشهادة مع قدرته على التحمل، فأثر في الإمامة، دليله نقص الأنوثية؛ وهذا لأن نقص الفسق أكبر من نقص الأنوثية، لأن المرأة يقبل خبرها وشهادتها، والفاسق لا يقبل خبره وشهادته، ثم الائتمام بالمرأة لا يصح، فأولى أن لا يصح بالفاسق.
يدل عليه: أن الفسق نقص في الدين، والصلاة ركن الدين، والجماعة عندنا واجبة (١)، وعندهم لإحراز الفضيلة، فلم يجز أداء الواجب، وإحراز الفضيلة من ناقص الدين، والمرأة ـ أيضاً ـ إنما منع من إمامتها لنقصان دينها بنص الرسول ـ صلَّى الله عليه ـ (٢)،/ ولا بدّ من اعتقاد وجوده، عقلنا معناه، أو لم نعقل.
يدل عليه: أن هذا النقص قد منع قبول قوله في شرط الصلاة مثل القبلة، وطهارة الماء، فلأن لا يقبل قوله في تكميل شروط الصلاة بغيره أولى.
وقد قيل بأنه فاسق في ذمته، فلم تصح إمامته، دليله الكافر.
فإن قالوا: فيجب أن لا تصح صلاته في نفسه مثل الكافر. فقد تقدم جوابه.
стр. 331
احتجوا:
بما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «صلوا خلف كل برّ وفاجر» (١).
وروى الدارقطني بإسناده عن أبي هريرة أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ قال: «سيليكم بعدي ولاة؛ فيليكم البر ببره، والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا فيما وافق الحق، وصلوا وراءهم» (٢).
وروي عنه ﵇ أنه قال: «صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله» (٣).
стр. 332
وروي عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «يؤم القوم أقرؤهم» (١)، ولم يفرق بين أن يكون عدلاً أو فاسقاً.
ولأنه إجماع الصحابة؛ فإن ابن عمر، وأنساً ﵄ كانا يصليان خلف الحجاج (٢).
وكذلك الحسن (٣)، والحسين (٤) ﵄
стр. 333
كان يصليان خلف مروان (١).
ويشهد لذلك ضرب من الفقه، وهو: أن من صحت صلاته في نفسه صحت إمامته لغيره، كالعدل، وهذا لأن [صحة] (٢) صلاة الغير فرع صحة صلاته في نفسه، فإذا صحت صلاته في حق نفسه، صح ما يبنى عليها وهو فرع لها.
قالوا: ولأن من صحت إمامته في الجمعة، صحت في بقية الصلوات، كالعدل، وهذا لأن الجمعة أعلى رتبة من غيرها، وأكثر شروطاً، فإذا صحت إمامته فيها، ففي غيرها من الصلوات أولى.
قالوا: فإن منع مانع دللنا عليه بأنه قد جعل كالعدل في انعقاد الجمعة بأربعين/ من الفساق، والعدد في الجمعة شرط، كما أن الإمام لانعقاد الجماعة شرط، وإذا تم به شرط هذه الصلاة التي هي عَلَم من أعلام الدين الذين لا يتم الشرط إلا بهم، لم لا يتم به الشرط الآخر فيها وهو الإمام.
وربما حرروه قياساً فقالوا: أحد الركنين [المعتبرين] (٣) في صلاة الجمعة، فلم تعتبر له العدالة، كالعدد المعتبر في المأمومين، وضح هذا أن المأموم في الجمعة كالإمام من حيث إنه لم ينعقد العدد إلا بمن يصح أن يكون إماماً، فإنه لا ينعقد بالعبد، ولا المسافر، ولا المرأة، وجماعة سائر الصلوات تنعقد، فإذا صحت الجمعة بأربعين فاسقاً، علم أن الفسق لم يقدح في العدد، وهو أحد قواميها، وركنيها، فلا يقدح في الإمام، وهذا يعطي أن تكون الصلاة صحيحة باطناً عند الله ـ سبحانه ـ، فلا يحتاج إلى إعادة، فإذا ثبتت هذه القاعدة في إمامة الجمعة، قلنا: إن الجمعة يشترط لها الجماعة، والإمامة، وغيرها من الصلوات تجب عندكم،
стр. 334
وتستحب عند غيركم ولا تجب، فإذا لم تعتبر العدالة للإقامة في آكد الصلاتين، فلأن لا تجب وتعتبر للصلاة التي هي أدون الصلاتين أولى.
قالوا: ويوضح هذا أنكم عولتم على التهمة في جانب الإمام لتعلق صلاة غيره [عليه] (١)، وهذا موجود في حق المأمومين في الجمعة؛ فإنه لو انخرم واحد من الجماعة بحدث، أو بلبسه ثوبا غصباً، أو حمله لنجاسة، انخرم العدد حيث انخرم الشرط، وهذا لا يؤمن في حصوله من الفاسق إذا كان مأموماً، كما لا يؤمن إذا كان إماماً، وصلاة الإمام، وجميع المأمومين مرتبط بعضها ببعض في الصحة والانعقاد، وما كان بهذه الصفة كان التابع، والمتبوع فيه سواء، وكذلك/ الواحد مع الإمام شرط في انعقاد الجماعة، فينبغي أن لا تنعقد الجماعة بإمام عدل، ومأموم فاسق، ألا ترى أن الشهود متى كان فيهم فاسق لم يصح القضاء بشهادتهم؛ لانخرام العدد المعتبر، فلو كان واحد من ثلاثة أعني شهادة رجل وامرأتين في شهادة المال، أو واحد من اثنين، أو من أربعة في العقوبات، لم يصح الحكم بالشهادة؛ لانخرام ما هو شرط للحكم، فيكون في منع الصحة كفسق الحاكم، وهو المتبوع الجاري في مجرى الإمام.
قالوا: ولأنه لو كان المنع لعدم الثقة لوجب أن لا يصلَّى في سترته، ولا يُتوضأ بمائه، ولا من آنيته، ولا تُستقبل قبلته الموضوعة في داره، ومسجد داره، فلما لم تقولوا ذلك، بطل أن يكون ما قلتم علة.
وقد تعلّق بعض الشافعية بطريقة أخرى (٢)، وذلك أنه قال: إن كل واحد من القوم مؤدٍّ فرضه مثل لو كان منفرداً، وصلاته غير متعلقة بصلاة الإمام في الجواز والفساد؛ لأن الأصل أن الإثنين إذا اجتمعا على أداء الفريضة لا يتعلق أداء أحدهما بأداء الآخر، بل إن جاز فعل كل واحد منهما فجوازه بفعله، وإن فسد ففساده بفعله، لأن الفرض علة على الانفراد، فلا يجوز أن يؤاخذ في فعله بفعل غيره،
стр. 335
وأما الاقتداء فهو مجرد فعل الاتباع في الفعل، لتجتمع الجماعة على أداء هذا الفرض، فيكون أقرب إلى الخشوع، والخضوع، وانعدام السهو والغفلة، وأوفى في المغفرة والرحمة، وإذا ثبت هذا لم يؤثر فسق ذاك في صلاة هذا، كما لو صلى كل منهم منفرداً بجنب الآخر فإنه لا يؤثر، كذلك هاهنا.
وقال أصحاب أبي حنيفة: نحن نُسلِّم أن صلاة المأموم تبتنى على صلاة الإمام، فإذا كانت صلاة الإمام صحيحة كذلك ما ابتني عليها،/ ولا خلاف أن الفاسق صلاته في حق نفسه صحيحة، فكذلك ما يبتنى عليها (١).
الجواب:
أما الخبر الأول؛ فنقل يعقوب بن بختان أن أحمد سئل عن الحديث: «صلوا خلف كلّ بر وفاجر» (٢)، فقال: ما سمعنا بهذا (٣).
ولا خير فيما لم يسمعه أحمد، على أنّا نحمل قوله: «صلوا خلف» أي: صلوا على، لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض بدليل ما ذكرنا، ويحتمل أن يريد به صلاة الجمعة ويعيد.
وأما خبر أبي هريرة؛ فيحتمل ـ أيضاً ـ ما ذكرنا، ويحتمل ـ أيضاً ـ: ادعوا لله وراءهم أن يصلحهم، أو يزيلهم.
وأما قوله: «صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله» (٤)، فمعناه: صلوا عليهم إذا ماتوا، والمصلي فيها خلف الجنازة، وهي قائمة مقام الإمام في تقدمها عليه، ويحتمل: صلوا خلفهم إذا كانوا عدولاً كما قال:
стр. 336
«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» (١)، يعني: ويلتزموا أحكامها، وكذا قوله: «من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة» (٢)، ويدل على ذلك أنه أمر يقتضي الوجوب، ولا أحد يوجب أن يصلَّى خلف الفاسق.
وأما قوله: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» (٣)؛ فالمراد به أقرؤهم من أهل العدالة؛ لأنه خرج مخرج التفضيل، والحثّ على تعلم القرآن، وتقديم أهله لفضلهم، وصلاحهم في الغالب، ولم يرد به الفاسق؛ لأنه نادر في أهل القرآن.
وأما ما نقلوا عن الصحابة فلعلهم صلوا وأعادوا، وقد روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يعيد (٤)، أو يحتمل أنهم فعلوا ذلك مخافة شرهم، فقد كانوا يفعلون ذلك تقية.
روى النجاد من أصحابنا بإسناده عن حبيب بن [عمر] (٥)(٦) قال:
стр. 337
سألت واثلة بن الأسقع: أنصلي خلف القدريّ، فقال: لا تصلِّ خلفه، وإن صليت خلفه أعدت (١).
وقيل للقاسم بن محمد (٢):/ أنت تنهانا عن الصلاة خلفهم، وتصلي، فقال: أنا إذا تأخرتُ قيل تأخر القاسم، وأنت فلا تعرف (٣). وهذا يدل على الخوف، ثم صلاتهم خلفهم الجمعة وكانوا يعيدون ظهراً.
وقد روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال لأبي ذر: «كيف أنت إذا كان عليكم أمراء يؤخرون الصلاة» قال: قلت: فما تأمرني، فقال: «صل الصلاة لوقتها وصل معهم تكن لكن نافلة» (٤).
وأما الفقه، وقولهم: من صحت صلاته.
فنقول: لم إذا صحت صلاته تصح إمامته، ورتبة الإمامة غير رتبة صلاته في نفسه، ألا ترى أن المرأة تصح صلاتها، ولا تصح إمامتها بالرجال، والعبد تصح صلاته، ولا تصح إمامته في الجمعة، وكذلك الأميّ تصح صلاته، ولا تصح إمامته بالقراء، وكذلك الفاسق يقبل النكاح لنفسه، ولا يقبله لغيره، وتصح ولايته في ماله، ولا تصح ولايته في مال غيره،
стр. 338
وهذا لأن صلاته في نفسه شيء يخصه، وصلاته بغيره استتباع يتعدى إلى غيره، فهو كالماء إذا أخبر بنجاسته، وتيمم مع وجوده حكمنا بصحته في حقه، ولا يصح بنا التيمم لبقاء الماء في حقنا ـ مع خبره ـ على أصل طهارته، وخرج على هذا العدل؛ فإنه تصح شهادته، فصحت إمامته، والفاسق لا تصح شهادته، فلا تصح إمامته كالكافر.
وأما الجمعة؛ فلا نسلم أنه تصح إمامته في الجمعة، ومن صلاها خلفه يعيد، وقد نص أحمد على ذلك في رواية جماعة من أصحابه منهم المروذي، ويعقوب بن بختان، وأبو طالب (١)، ونُقل عنه أن إمامته تصح ولا يعيد (٢)، وهذه الرواية توافق الرواية في أصل المسألة، وأن إمامة الفاسق صحيحة، ونص على المنع.
ومن أصحابنا من أخذ بظاهر هذه الرواية، واعتذر فقال: الجمعة مما يتولاها/ الأمراء، وتكون إقامتها إليهم غالباً، فلا يمكن انتقاء الأئمة فيها، وإن تركها اُتّهِم بأحد أمرين؛ إما بأنه لا يرى الجمعة، أو الطعن على الأئمة والأمراء، وذلك مخاطرة بالنفس، ومؤد إلى الهَرْج والفتنة، فلذلك أمسكنا؛ لأننا لا نُجوِّز ذلك، فإن الناصب (٣) للإمام الفاسق في الجمعة لو سألنا عن إمامته لأفتينا بالنهي عنها، لكن أمسكنا وصلينا خلفه؛ لما بينّا من المصلحة وخوف المفسدة، ـ وإمامنا أحمد ﵁ لا يرى الخروج على الأئمة، ولا منابذتهم، بل لا يرى إلا مناصحتهم (٤) ـ. قال: ولأن الجمعة لا مندوحة (٥) عنها؛ فإن القعود عنها يؤدي إلى إسقاط عَلَمٍ ظاهر من أعلام الإسلام،
стр. 339
وإقامتها على وجه التخصيص لا يمكن؛ إذ لا يصح أن يتولاها إلا الأئمة عند قوم، ولو صح فإن العرف جار بأنه لا يتولاها سواهم، ولنا في صلاة الجماعة عن الفاسق مندوحة؛ فإن الجماعات كثيرة، فلا يتعذر إمام ظاهره العدالة.
والحرف: أن الحال حال عذر، وقد ينبني الاعتداد على الأعذار التي تمنع الإنسان من تولي الأمر بنفسه، كما يتبع الأئمة في الصوم، والفطر بحسب ما يثبت عندهم، وأخذ الغنائم، والتسري بالإماء المغنومات، إذا غزونا مع الأمراء الذين يعرفون أحكام الجهاد، وعقدنا للأنكحة بولاية قضاتهم الذين لا تصح ولايتهم، وفي إيجاب القضاء، وترك الاعتداد بذلك مشقة.
قال شيخنا ﵀: والصحيح عندي المنع، واختياري مع نصرة هذه الرواية أن يتخرج في جميع الصلوات ما فيها من الروايتين؛ لأن الاعتداد عن الجمعة لا يقوم إلا باتباعهم فيها، وأما أن يقوم في ترك القضاء وحصول الاعتداد فلا، ألا ترى أنا نتبعهم في الفطر والصوم بحكم ما ثبت عندهم، وإن كان عندنا/ في الباطن يقين يخالف ما عندهم رجعنا بالتزام القضاء على نفوسنا بما عندنا، فنجمع بين أداء الفرض باليقين، وبين حفظ سياسة الموافقة للأئمة، وترك المفارقة الموجب للفرقة (١) في صوم رمضان، والوقوف بعرفة، وجميع العبادات المختصة بالأزمان (٢).
وأما تعلقهم بانعقاد الجماعة، والجمعة بحضوره؛ فليس بصحيح؛ لأن المأموم في الجمعة، والجماعة يخالف الإمام، ألا ترى أن العبد، والمرأة، والمسافر يصح أن يكونوا مأمومين فيها، ولا يصح أن يكون الإمام في الجمعة واحدا من أولئك، أعني العبيد، والمسافرين، والنساء،
стр. 340
وكان المعنى فيه أن الإمام على اتفاق شرط فيها على الإطلاق، والمأموم لا يعتبر ذلك فيه شرطا على الإطلاق؛ فإنه يصح أن يكون مأموماً بحال، وهو أن يكون زيادة على العدد المعتبر، وتصح منه جمعة يسقط بها الفرض عن ذمته، ولأنا لو اعتبرنا العدالة في المأموم لشق ذلك؛ لأنهم كثرة، والإمام واحد، فلا يشق اعتبار عدالته.
وأما جواز الصلاة إلى قبلته التي في داره في سترته، قلنا: إننا عملنا في ذلك بالأصل، لا ثقة به، فإن الأصل في أهل الإسلام وضع الطاق (١) المعمول نحو الكعبة، وكذلك بقينا على الأصل في الماء، فأما خبره في القبلة فغير مقبول، وكذلك خبره بنجاسة الماء لا ينقل عن الأصل، كذلك هاهنا مثله؛ لأننا لا ننقل عن الأصل الذي هو شغل الذمة بالفرض بالصلاة خلفه لعدم الثقة به.
وأما قول من قال من الشافعية: إن كل واحد يصلي لنفسه (٢)؛ فهو شيء يثبتونه على أصولهم، ونحن نخالفهم في هذا، وعندنا أن الاقتداء يوجب ابتناء صلاة المأموم على صلاة الإمام (٣)، حتى/ تصير الصلاتان كصلاة واحدة جوازاً وفساداً.
والدليل عليه: المنقول، والمعنى، والحكم.
أما النقل: فقول الرسول ﵇: «الإمام ضامن» (٤)، أي ضامن بصلاته صلاة المؤتم، وضمانه صلاته هو أن صلاته صارت في ضمن صلاة الإمام جوازاً وفساداً.
وأما من حيث الحكم: فإن الواجبات على المنفرد تتغير بالاقتداء،
стр. 341
بدليل أنه على أي حال أدركه وجب عليه المتابعة، ولم يجز له أن يفعل ما يوجبه الإفراد، وما هو واجب الصلاة في الأصل، ولو كان على ما زعمتم من قولكم: إن كل واحد يصلي لنفسه. وجب أن يفعل الصلاة على ما هو المشروع في الأصل، وأن الإمام إذا سهى يجب على القوم أن [لا] (١) يسجدوا لسهوه، ولو لم يسجد الإمام سجد القوم عندكم، ولو سهى المؤتمّ لم يجب عليه شيء، فثبت بجميع ما ذكرنا أن الصلاتين قد صارا كصلاة واحدة، فبطل ما ادعوا.
على أن أصل الطريقة ينتقض به إذا كان الإمام كافراً أو امرأة؛ فإن الصلاة لا تصح خلفهم، ولو كان الأمر على ما قلتم لم تبطل صلاة المؤتمين في هاتين المسألتين.
وأما قول أصحاب أبي حنيفة (٢): سلمنا أنها تنبني عليها إلا أنه إذا كانت صلاة الإمام صحيحة كذلك ما ينبني عليها.
قلنا: قد بينا فيما تقدم أن كون صلاته في نفسه صحيحة لا يكفي في الاقتداء به، بل لا بد من اعتبار معنى زائد على ذلك، بدليل ما قدمنا من المسائل، والله أعلم.
стр. 342
مسألة
الإغماء لا يسقط فرض الصلاة بحال (١)، نص عليه أحمد (٢)، واختاره الخرقي (٣)، وهو مذهب مجاهد، وعطاء، وطاوس (٤).
وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: الإغماء مسقط في الجملة (٥).
إلا أن أبا حنيفة قال: يسقط ما زاد على اليوم والليلة (٦).
ومالك/ والشافعي [قالا] (٧): يسقط على الإطلاق (٨).
وحرف المسألة من وجهين:
أحدهما: أن الإغماء لا يزيل العقل عندنا، وعندهم يزيل (٩).
الثاني: أن العجز عن الأداء لا يمنع الوجوب عندنا، وعندهم يمنع الوجوب.
стр. 343
لنا:
ما روى الإمام أحمد بإسناده عن ثلاثة من الصحابة؛ عن عمار، وعمران بن حصين، وسمرة (١).
فروى أنّ عمار بن ياسر أغمي عليه في الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأفاق في بعض الليل فقضى (٢).
ورواه أبو بكر ابن المنذر عن عمار (٣).
وعن سمرة بن جُندب: المغمى عليه يترك الصلاة؟ [قال] (٤) يصلي مع كل صلاةٍ صلاةً حتى يقضيها (٥).
وقال عمران بن حصين: نعم، ولكن يصليهن جميعاً (٦).
стр. 344
وروى بعضهم أن علياً ﵁ أُغمي عليه أربع صلوات فقضاها (١)؛ والقضاء إذا أطلق إنما يكون عن واجب.
فإن قيل: فقد روي عن ابن عمر أنه أغمي عليه ثلاثة أيام فلم يعد الصلاة (٢)، وعن أنس بن مالك أنه أغمي عليه فلم يقض (٣)، فحصلت المسألة خلافاً في الصحابة.
الثاني: أن الخلاف في وجوب القضاء، وأفعالهم لا تدلّ على الوجوب، على أنه يجوز أن يكون قضاء من قضى احتياطاً منه لا على طريق اعتقاد الوجوب، ولأن القضاء قد يطلق على ما ليس بواجب، ألا ترى أننا نقول إذا فاتته ركعتا الفجر، وركعتا الظهر، والوتر: يقضيها (٤)، وليست بواجبة، كذلك هاهنا.
قلنا: ما ذكرتموه لا يعارض روايتنا، لأن روايتنا إثبات، ولا [يسمى] (٥) قضاء لما كان نفلاً، ومن نفى القضاء فما أحاط بأحوال من روى عنه، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن من نوى بصلاته القضاء ولا صلاة عليه لم تقع رأساً (٦)، فالظاهر ممن روى الإثبات أنه علم أنهم اعتقدوا القضاء بما ظهر له عنهم، ولأنه يحتمل أنه لم يعد الصلاة،
стр. 345
ولم يقضها مرتباً، بل/ قضى متفرقاً على نحو ما قال سمرة، خلاف ما حُكي عن ابن عمر وأنه يصليهن مرتباً.
وأما السنن الراتبة فإنما تسمى قضاء على طريق المجاز، وحكم الكلام أن يحمل على الحقيقة، وحقيقته ما قلنا، وهو أن القضاء إذا أطلق إنما يكون لشيء في الذمة؛ لأنه إذا لم يكن واجباً كان تطوعاً مبتدأ، والتطوع المبتدأ لا يكون قضاء.
جواب آخر: أن أفعال الصحابة تقتضي الوجوب كأفعال النبي ـ صلَّى الله عليه ـ فحملها على الندب يحتاج إلى دليل، ولأن القياس لا يقتضي إيجاب القضاء فدلّ أنهم إنما فعلوا ذلك [توقيفاً] (١).
والفقه في المسألة: أنه غروب عقل لا يسقط فرض الصوم، فلا يسقط فرض الصلاة كالنوم، أو نقول: الإغماء لا يمنع الوجوب؛ فإن الوجوب إما أن يكون بالأسباب، أو بالخطاب، وأيهما قدر فإن الإغماء لا ينافيه، أما الأسباب فلا كلام فيها، وأما الخطاب فمتوجه عليه؛ لأن القدرة من حيث الآلة ثابتة للمغمى عليه، والتكليف يُبتنى على قيام القدرة من حيث الآلة، لا القدرة الحقيقية، لأن القدرة الحقيقية لا يسبق العقل إليها، وكان الخطاب متوجهاً عليه، وهو مثل النائم سواء؛ فإن الخطاب كان في حقه بهذا الاعتبار لا غير، والدليل على أن الإغماء لا يمنع الخطاب: أنه مخاطب بالصيام، والزكاة، والحج، وسائر الحقوق.
والحرف أن نقول: سبب الوجوب قد تحقق وهو من أهل الوجوب، وفي الوجوب فائدة، فوجب القول بالوجوب، وإذا ثبت الوجوب وجب القضاء، فمن ادعى إسقاطه بعد وجوبه فعليه الدليل، وهو مثل النائم سواء لا فرق بينهما بوجه ما.
فإن قيل: لا نسلم الوجوب في حق المغمى عليه؛ قولكم: الوجوب بالسبب، أو الخطاب؛ أما/ السبب وهو الوقت فلا تقولوا به
стр. 346
فإنه عندكم ليس بسبب، والوجوب [و] (١) إن كان بالخطاب إلا أنه ليس بأهل للوجوب، والسبب إنما يعمل في حق الأهل لا في حق غيره.
والدليل على أنه ليس بأهل: أن أهل الوجوب من هو من أهل الأداء؛ لأن الوجوب لا يراد لعينه، وإنما يراد به الأداء، وهو ليس بقادر؛ لأن القدرة إنما تكون بقيام الأداء، وآلة الأداء العقل، وقد فات بالإغماء، فلم يبق أهلاً للأداء، فلا يكون أهلاً للوجوب.
قولكم: إنه أهل لسائر الحقوق.
قلنا: [وإن] (٢) كان أهلاً لوجوب سائر الحقوق التي ليست بعبادة لم [يدل] (٣) على أنه يكون أهلاً لوجوب العبادة، وهذا لأنه إنما يكون أهلاً لسائر الحقوق؛ لأنه أهل للأداء نيابة، وهو أنه إذا لم يكن قادراً على الأداء بنفسه فهو قادر بنائبه، والقدرة على الأداء بنيابة كالقدرة على الأداء بنفسه، أما هاهنا ليس بقادر لا بنفسه، ولا بنائبه؛ لأن النيابة لا تجزئ في العبادات، بخلاف الزكاة؛ فإنها ليست بعبادة عندي على ما عرف، فجاز أن يكون أهلاً لها، أما هاهنا بخلافه.
فأما الصوم، والحج، والزكاة ـ أيضاً ـ فإنا لا نقول: إنها وجبت عليه في حال الإغماء، وإنما تجب عند الإفاقة، وكذلك ـ أيضاً ـ نقول في النائم، وهو الصحيح؛ فإنا لا نقول بالوجوب حالة النوم، والإغماء في هذه المسائل، وإنما نقول بالوجوب حالة الانتباه ابتداء، عرفنا ذلك بالنص وهو قوله ﵇: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها لا وقت لها غيره» (٤)، ولا يقال بأنه يسمى قضاء،
стр. 347
ولو وجب ابتداء وقت الانتباه لكان لا يسمى قضاء، وكذلك يشترط نية القضاء، لأنا نقول بأن كان يسمى قضاء ويشترط نية القضاء لم [يدل] (١) على أنه/ لم يجب ابتداء وقت الانتباه، وهذا لأن القضاء والأداء سواء، فإن الأداء يتأدى بنية القضاء، والقضاء بنية الأداء.
الثاني: أنه إنما سمي قضاء؛ لأن هذا الشخص لو كان منتبهاً وقت الظهر كان يجب عليه الأداء، فإذا لم يكن منتبهاً فالشرع أقام الانتباه مقام ذلك الوقت في حق الإيجاب بعذر النوم، وجعل هذا الوقت خلفاً عن ذلك الوقت، فسمي قضاء باعتبار أن هذا الوقت خلف عن وقت آخر، لا باعتبار أن هذا الفعل خلف عن فعل آخر.
قلنا: الكلام على ما مرّ، وهو أن الإغماء لا يمنع الوجوب؛ لأنه غلبة على العقل كالنوم سواء، ومنعهم لا يصح لما ذكرنا أن الوجوب إما أن يكون بالسبب وهو الأوقات، أو خطاب الشرع، وكلاهما قد وجدا.
قولهم: المغمى عليه ليس بأهل؛ باطل بما ذكرنا من أنه أهل للصوم، والزكاة، والحج، وسائر الحقوق، فيكون أهلاً لوجوب هذا الحق.
قولهم: إنما كان أهلاً لوجوب سائر الحقوق؛ لأنه قادر على الأداء بنائبه.
قلنا: القدرة على الأداء ليست بشرط للوجوب، فالعجز لا يكون مانعاً.
والدليل على أن القدرة على الأداء ليست بشرط للوجوب: أنه ثبت خبراً من الله ـ تعالى ـ لا اختيار لنا فيه، وإنما لنا اختيار في أداء ما أوجب الله علينا، فلا تكون القدرة على الأداء شرطاً للوجوب.
стр. 348
والدليل عليه: الإجماع، وأنه يجب على النائم، وكذلك يجب على المغمى عليه الصيام، والزكاة، والحج.
قولهم: إن الصوم، والزكاة تجب عليهما ابتداء، وكذلك الصلاة على النائم وقت الانتباه بدليل الحديث.
قلنا: هذا فاسد؛ لأن الواجب عليه صلاة الظهر، ووجوب صلاة الظهر في وقت العصر لا يتصور، ولهذا تشترط الأهلية حالة النوم لا حالة الانتباه، حتى لو كان صبيّاً وقت/ النوم، ثم انتبه بعد خروج الوقت وهو بالغ فإنه لا تجب عليه، ولو كان تجب عليه ابتداء وقت الانتباه لكان يشترط قيام الأهلية وقت الانتباه، لا وقت النوم.
الدليل عليه: قوله: «من نام عن صلاة أو نسيها» (١)، وهذا يقتضي أن تكون الصلاة إما موجودة، أو واجبة، ولا شك أنها ليست بموجودة، عرفنا أنها واجبة.
وقوله: «فإن ذلك وقتها» أي: في وقت قضائها.
وقوله: «لا وقت لها غيره» أي: لا وقت لقضائها ابتداء غير هذا الوقت.
وقولهم: إن الوجوب لا يراد لعينه.
قلنا: بلى؛ ولكن القدرة على الأداء في الحال ليست بشرط، بل شرط الوجوب أن يكون قادراً على الأداء في الجملة؛ لأن الشرط أن يكون الإيجاب [مفيداً] (٢) في الجملة، وهاهنا الإيجاب مفيد في الجملة؛ لأنه إن قدر على الأداء في الحال فبها ونعمت، وإن لم يقدر على الأداء يقدر على القضاء في تالي الحال، وبهذا الطريق وجب على النائم لهذا المعنى لما كان قادرا على الأداء في الجملة كفى ذلك الإيجاب، فكذا هاهنا.
стр. 349
على أنه كان يجب أن تقولوا: إنه تجب الصلاة عليه عند الإفاقة؛ كما قلتم: يجب عليه الصيام، والزكاة، والحج عند الإفاقة؛ ولما لم تقولوا ذلك بطل ما قلتموه، ولأي علة أفردتم هذه العبادات بالإيجاب حال الإفاقة، ومنعتم من إيجاب الصلاة، وهل هذا إلا مجرد تحكّم من غير دليل يدل عليه.
فإن قيل: سلّمنا أنه وجب عليه، وأنه أهل، لكن لِمَ قلتم بأنه مع هذا لا يسقط لأجل عارض وعذر، وهذا لأن الإسقاط إنما يكون بعد الوجوب والأهل، والعذر هاهنا هو الإغماء، والصلوات مما يتكرر فإذا قلنا بوجوب القضاء أدى إلى المشقة، فسقط عنه القضاء لأجل ذلك، ولأنا رأينا الشرع قد فعل/ مثل ذلك في حق الحائض، والنفساء، فألحقناه به، وخرج على هذا بقية العبادات بدليل أن الحائض، والنفساء لا يسقط عنهما فرض الصوم، والحج، ويسقط فرض الصلاة، ولأن هذه العبادات لا تتكرر، فلا يؤدي قضاؤها إلى الحرج، والصلاة تتكرر، فيؤدي قضاؤها إلى الحرج، فدل على الفرق، وخرج على هذا النائم ـ أيضاً ـ؛ لأن النوم لا يدوم في الغالب أياماً، والإغماء بخلاف ذلك، ولأن النائم في حكم اليقظان، بدليل أن النائم يوقظ بالإيقاظ، والإغماء [لا] (١) يرتفع بالإيقاظ، ولا يعرض إلا لأمراض، وأعراض ليس من أصل الجبلّة، فهو بالجنون أشبه منه بالنوم، ولأن النوم إنما هو راحة تدخل على البدن الصحيح السليم، يوضح هذا أن جميع ما ذكرتموه من السبب، والخطاب موجود في المجنون، ومع هذا لا يجب عليه القضاء.
قلنا: ثبت [الوجوب] (٢)، فلا طريق إلى الإسقاط إلا بدليل.
قولهم: الحرج دليل مسقط.
قلنا: الحرج إنما يكون في الشيء إذا كان متكرراً، فأما إذا لم يتكرر فلا، [والإغماء] (٣) لا يتكرر؛ فإنه أمر نادر، وإذا وجد لم يدُم،
стр. 350
فلا يؤدي إلى الحرج الذي ذكره، بخلاف الحيض، والنفاس؛ فإنه يدوم الأيام الكثيرة، فيجتمع القضاء والأداء، فيشق، بخلاف مسألتنا؛ فإنه لا يدوم، فصار بمثابة النوم سواء، يوضح هذا أن النوم لا يدوم، لكن يتكرر، والتكرر نوع دوام يشق معه القضاء، وقد أوجب القضاء، وما منع الإيجاب، والإغماء لا يدوم إذا وجد، ولا يتكرر في العادة، فهو أحق بأن لا يسقط الصلاة، بل تجب معه الإعادة، وهذا جواب قولهم: إن النوم لا يدوم.
وقولهم: إن النائم في حكم اليقظان بدليل أنه ينتبه بالإيقاظ، بخلاف المغمى عليه فإنه/ لا ينتبه بالإيقاظ.
قلنا: دعواك أن الإغماء لا يزول بالإيقاظ ليس كذلك، بل بشمّةٍ من نفط، أو خلِّ خمرٍ، أو ما شاكل ذلك من ذات الروائح الحادة إذا قربت من متنشقه ثاب عقله، ولربما عطس فزال ما غام من جوّ عقله، وصحى لأمره، والنائم يستيقظ بالوكزة (١)، أو الزعقة، فيختلفان في كيفية الإيقاظ، لا في أصل الإيقاظ، وخرج على هذا المجنون الذي لا يزول جنونه، ولا يثوب إليه عقله بعلاج، ولا معنى سوى فعل الله ابتداء بغير سبب، وهذا لأن الجنون يعدم العقل، فآلة القدرة في حقه ليست موجودة، أما هاهنا فالإغماء لا يزيل العقل، وإنما يغطيه، فآلة القدرة في حقه موجودة، فاختلفا، ولأن الإغماء إنما يعرض لتكاثف خلط، أو استفراغ دم، ولذلك جاز على الأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ إذ لم يكن عارضاً، وإذا عرض لا يدوم؛ لأن الأنبياء لا يجوز أن يعرض عليهم ما يزيل عقولهم، ولهذا لا يسقط الصوم، والحج، ولو لم يترجح إلى جانب النوم، بل تردد بين الجنون والنوم لما ذكرت أنت من تشبيهه بالجنون، وذكرنا نحن من تشبيهه بالنوم، لكان تردده غير صالح لإسقاط الفرض الواجب بأصل الشرع بالدليل القاطع، وصار كالمتردد بين الحيض والاستحاضة من الدم.
стр. 351
وقد قيل بأنه إغماء فلا يسقط فرض الصلاة، دليله إذا كان بمعصية.
طريقة أخرى تخص أبا حنيفة (١): بأنها صلاة تركها في حال إغمائه، فوجب قضاؤها، دليله صلاة يوم وليلة، ونقول: غيبة عقل تجوز على الأنبياء لا تسقط قضاء الصلوات الخمس، فلا تسقط ما زاد عليها كاليوم، ولأن ما لا يسقط قضاء الصلوات/ إذا لم يزد على اليوم لم يسقط وإن زاد على اليوم، كالنوم، والسكر، وعكسه الجنون، والنفاس.
فإن قيل: القياس يقتضي أن لا يجب القضاء لصلاة يوم، لكن تركناه لفعل الصحابة استحساناً، ولو عللناه فلأنه إذا كان أكثر من يوم وليلة حصلت الصلاة في حد التكرار، فلم يجب القضاء، وليس كذلك إذا كان يوم وليلة، فإن الصلوات المتروكة لم تحصل في حد التكرار، فوجب قضاؤها، وأما السكر فإنما أوجب القضاء لأنه بمعصية، لأنه هو أزال عقل نفسه، فكان متأخراً عن الصلاة بفعله، وعقله كالمبقى عليه لأجل عصيانه، والمعاصي لا تؤثر في الإسقاط، كما لا يؤثر سفر المعصية في الرخص، وكما جعل القريب المقتول كالحي في حق قاتله في حرمان الإرث، والإغماء غير معصية.
قلنا: هذا ممنوع، وكيف نسلّم هذا وقد قربناه من النوم بالوجوه التي قدمنا ذكرها، ولأن فعل الصحابة اختلف على ما روينا، فمن جملته ما زاد على اليوم والليلة فاقتصاركم على صلاة يوم لا وجه له، ولا لتعلقكم بفعل صحابي دون صحابي، ولأن الذي أغمي عليه يوماً اتفق أنه كان إغماؤه يوماً فقضاه، من أين لكم أنه إذا كان إغماؤه أكثر لا يقضيه إذ لم ننقل نحن ذلك عنهم.
وقولكم: إنه يدخل في حد التكرار؛ باطل بالسكر؛ فإنه يجب قضاء ما ترك فيه من الصلوات وإن دخل في حيز التكرار، ويبطل بالصوم؛ فإنه يجب قضاؤه وإن دخل في حيز التكرار، على أنه يجب أن توجب القضاء فيما زاد، وتقتطع الخمس صلوات بإيجاب القضاء، كما اقتطعت زمن العادة من الحيض،
стр. 352
فأعطيته حكم الحيض من وجوب قضاء الصوم، ولم توجب قضاء الصوم فيما عدا أيام العادة، فلما لم تقل مثل ذلك في الصلاة دلّ على بطلان ما قلت.
وقولهم في/ السكر: إنه بمعصية؛ فباطل بالمرأة إذا ضربت بطنها فنفست لم يجب عليها قضاء الصلاة وإن كان بمعصية، وكذلك من ترك الصلاة حال كفره، فإنه لا يجب القضاء بالترك في هذه المسائل وإن كان السبب معصية، ولأن الصعق، والإغماء قد يحصل بالسماع المطرب، وبالعكس النوم يوجب القضاء وإن كان بغير معصية فبطل ما قالوه.
احتجوا:
بما روى الدارقطني بإسناده عن عائشة أنها سألت النبي ـ صلَّى الله عليه ـ عن الرجل يغمى عليه يترك الصلاة؟ فقال: «ليس لشيء من ذلك قضاء إلا أن يغمى عليه فيفيق في وقتها» (١)، وهذا نص.
والفقه فيه: أنه مرض أزال عقله، فأسقط قضاء الصلوات عنه، دليله الجنون، يوضح هذا أنه بالجنون أشبه لما بينا، مما يتكرر على ما بينا، فصار كإسقاط الصلاة عن الحائض، والنفساء، وتقرير الكلام قد مر.
الجواب:
أن هذا الحديث غير معروف، ولا تثبت صحته.
الثاني: أن أصحاب أبي حنيفة لا يقولون به، فإنّ عندهم إنما يسقط ما زاد على اليوم والليلة، والخبر نص الإسقاط على الإطلاق إلا إذا أفاق في وقت الصلاة.
стр. 353
الثالث: أنا نحمله على الجنون بدلائلنا المتقدمة، وكل جنون إغماء، وهو غيبوبة العقل، وغروبه.
وأما قولهم: إنه مرض أزال عقله: ممنوع؛ لا نُسلّم أن الإغماء يزيل العقل، وإنما يغطيه، بخلاف الجنون على ما بينا من قبل، على أن في المجنون هل يجب عليه قضاء الصلوات روايتان (١):
أحدهما نقلها حنبل: أنه يجب عليه القضاء، فعلى هذا لا نُسلّم.
وقد قال بعض الأصحاب: إن هذه الرواية محمولة على هذا الصرع الذي يعتري الإنسان لحظة أو ساعة فيصادف وقت صلاة فيقضي، إذ لا يجوز/ أن تحمل على جنون مطبق يدوم ويطول (٢)، ولهذا روى جماعة من أصحابه عنه إسقاط القضاء عن المجنون (٣)، وهو [المعول] (٤) عليه، فعلى هذا العذر ما تقدم وهو أن الجنون يزيل العقل، ويثبت الولاية والحجر، ويزيل الولايات، ولا يزول بعلاج، بخلاف الإغماء لأنه لا يزيل ولايته عن ابنته إلى الأبعد من قرابته، ولا يسقط فرض الصوم عنه، ولا يدوم غالباً، ويزول بالعلاج من شمّ النفط، وخلّ الخمر، والأشياء الحادة، ولأنه يجوز على الأنبياء ﵈ حتى عند نزول الوحي، وهي أجل أحوالهم، فهو بهذه الوجوه أشبه بالنوم من الجنون.
جواب آخر: أن الجنون غالب أحواله الدوام، فيشق قضاء الصلاة، والصيام، والإغماء لا يدوم، ولذلك أسقط الجنون فرض الصيام عندهم، ولم يسقط الإغماء، وإن كان بهذه المثابة دل على الفرق بينهما.
وأما فصل الحرج فقد تقدم الجواب عنه بما فيه كفاية، والله أعلم.
стр. 354
مسألة
تجوز صلاة الجمعة قبل الزوال (١)، نص عليه أحمد (٢)، وهو مذهب أبي بكر، وعمر، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص (٣)، وابن مسعود، وأنس (٤)، وغيرهم (٥)، وبه قال إسحاق (٦).
واختلف أصحابنا في الوقت الذي يجوز فعلها فيه:
فقال الخرقي: في الساعة الخامسة. وفي نسخة: السادسة (٧).
стр. 355
وقال عمر بن بدر المَغَازِلي (١) فيما حكاه عنه أبو إسحاق بن شَاقلا: تجوز في وقت صلاة العيد عند ابيضاض الشمس (٢). وهو المنصوص عن أحمد (٣).
وهل ذلك وقت وجوبها أم لا، على روايتين (٤):
أحدهما: أنه وقت الوجوب.
والثانية: ليس بوقت الوجوب (٥).
خلافاً لأكثر الفقهاء في قولهم: لا يجوز فعلها إلا بعد الزوال (٦).
لنا:
الحديث المذكور في كل الصحاح والسنن رواه أبو هريرة عن النبي/ ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «من اغتسل في يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولة فكأنما قرّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشاً، ومن راح في الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الخامسة فكأنما قرّب بيضة، فإذا خرج الإمام طويت الصحف،