← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30143

المفردات

ابن الزاغوني

Полный текст (748 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقد قيل بأنه إغماء فلا يسقط فرض الصلاة، دليله إذا كان بمعصية. طريقة أخرى تخص أبا حنيفة (١): بأنها صلاة تركها في حال إغمائه، فوجب قضاؤها، دليله صلاة يوم وليلة، ونقول: غيبة عقل تجوز على الأنبياء لا تسقط قضاء الصلوات الخمس، فلا تسقط ما زاد عليها كاليوم، ولأن ما لا يسقط قضاء الصلوات/ إذا لم يزد على اليوم لم يسقط وإن زاد على اليوم، كالنوم، والسكر، وعكسه الجنون، والنفاس. فإن قيل: القياس يقتضي أن لا يجب القضاء لصلاة يوم، لكن تركناه لفعل الصحابة استحساناً، ولو عللناه فلأنه إذا كان أكثر من يوم وليلة حصلت الصلاة في حد التكرار، فلم يجب القضاء، وليس كذلك إذا كان يوم وليلة، فإن الصلوات المتروكة لم تحصل في حد التكرار، فوجب قضاؤها، وأما السكر فإنما أوجب القضاء لأنه بمعصية، لأنه هو أزال عقل نفسه، فكان متأخراً عن الصلاة بفعله، وعقله كالمبقى عليه لأجل عصيانه، والمعاصي لا تؤثر في الإسقاط، كما لا يؤثر سفر المعصية في الرخص، وكما جعل القريب المقتول كالحي في حق قاتله في حرمان الإرث، والإغماء غير معصية. قلنا: هذا ممنوع، وكيف نسلّم هذا وقد قربناه من النوم بالوجوه التي قدمنا ذكرها، ولأن فعل الصحابة اختلف على ما روينا، فمن جملته ما زاد على اليوم والليلة فاقتصاركم على صلاة يوم لا وجه له، ولا لتعلقكم بفعل صحابي دون صحابي، ولأن الذي أغمي عليه يوماً اتفق أنه كان إغماؤه يوماً فقضاه، من أين لكم أنه إذا كان إغماؤه أكثر لا يقضيه إذ لم ننقل نحن ذلك عنهم. وقولكم: إنه يدخل في حد التكرار؛ باطل بالسكر؛ فإنه يجب قضاء ما ترك فيه من الصلوات وإن دخل في حيز التكرار، ويبطل بالصوم؛ فإنه يجب قضاؤه وإن دخل في حيز التكرار، على أنه يجب أن توجب القضاء فيما زاد، وتقتطع الخمس صلوات بإيجاب القضاء، كما اقتطعت زمن العادة من الحيض،

стр. 352

فأعطيته حكم الحيض من وجوب قضاء الصوم، ولم توجب قضاء الصوم فيما عدا أيام العادة، فلما لم تقل مثل ذلك في الصلاة دلّ على بطلان ما قلت. وقولهم في/ السكر: إنه بمعصية؛ فباطل بالمرأة إذا ضربت بطنها فنفست لم يجب عليها قضاء الصلاة وإن كان بمعصية، وكذلك من ترك الصلاة حال كفره، فإنه لا يجب القضاء بالترك في هذه المسائل وإن كان السبب معصية، ولأن الصعق، والإغماء قد يحصل بالسماع المطرب، وبالعكس النوم يوجب القضاء وإن كان بغير معصية فبطل ما قالوه. احتجوا: بما روى الدارقطني بإسناده عن عائشة أنها سألت النبي ـ صلَّى الله عليه ـ عن الرجل يغمى عليه يترك الصلاة؟ فقال: «ليس لشيء من ذلك قضاء إلا أن يغمى عليه فيفيق في وقتها» (١)، وهذا نص. والفقه فيه: أنه مرض أزال عقله، فأسقط قضاء الصلوات عنه، دليله الجنون، يوضح هذا أنه بالجنون أشبه لما بينا، مما يتكرر على ما بينا، فصار كإسقاط الصلاة عن الحائض، والنفساء، وتقرير الكلام قد مر. الجواب: أن هذا الحديث غير معروف، ولا تثبت صحته. الثاني: أن أصحاب أبي حنيفة لا يقولون به، فإنّ عندهم إنما يسقط ما زاد على اليوم والليلة، والخبر نص الإسقاط على الإطلاق إلا إذا أفاق في وقت الصلاة.

стр. 353

الثالث: أنا نحمله على الجنون بدلائلنا المتقدمة، وكل جنون إغماء، وهو غيبوبة العقل، وغروبه. وأما قولهم: إنه مرض أزال عقله: ممنوع؛ لا نُسلّم أن الإغماء يزيل العقل، وإنما يغطيه، بخلاف الجنون على ما بينا من قبل، على أن في المجنون هل يجب عليه قضاء الصلوات روايتان (١): أحدهما نقلها حنبل: أنه يجب عليه القضاء، فعلى هذا لا نُسلّم. وقد قال بعض الأصحاب: إن هذه الرواية محمولة على هذا الصرع الذي يعتري الإنسان لحظة أو ساعة فيصادف وقت صلاة فيقضي، إذ لا يجوز/ أن تحمل على جنون مطبق يدوم ويطول (٢)، ولهذا روى جماعة من أصحابه عنه إسقاط القضاء عن المجنون (٣)، وهو [المعول] (٤) عليه، فعلى هذا العذر ما تقدم وهو أن الجنون يزيل العقل، ويثبت الولاية والحجر، ويزيل الولايات، ولا يزول بعلاج، بخلاف الإغماء لأنه لا يزيل ولايته عن ابنته إلى الأبعد من قرابته، ولا يسقط فرض الصوم عنه، ولا يدوم غالباً، ويزول بالعلاج من شمّ النفط، وخلّ الخمر، والأشياء الحادة، ولأنه يجوز على الأنبياء ﵈ حتى عند نزول الوحي، وهي أجل أحوالهم، فهو بهذه الوجوه أشبه بالنوم من الجنون. جواب آخر: أن الجنون غالب أحواله الدوام، فيشق قضاء الصلاة، والصيام، والإغماء لا يدوم، ولذلك أسقط الجنون فرض الصيام عندهم، ولم يسقط الإغماء، وإن كان بهذه المثابة دل على الفرق بينهما. وأما فصل الحرج فقد تقدم الجواب عنه بما فيه كفاية، والله أعلم.

стр. 354

مسألة تجوز صلاة الجمعة قبل الزوال (١)، نص عليه أحمد (٢)، وهو مذهب أبي بكر، وعمر، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص (٣)، وابن مسعود، وأنس (٤)، وغيرهم (٥)، وبه قال إسحاق (٦). واختلف أصحابنا في الوقت الذي يجوز فعلها فيه: فقال الخرقي: في الساعة الخامسة. وفي نسخة: السادسة (٧).

стр. 355

وقال عمر بن بدر المَغَازِلي (١) فيما حكاه عنه أبو إسحاق بن شَاقلا: تجوز في وقت صلاة العيد عند ابيضاض الشمس (٢). وهو المنصوص عن أحمد (٣). وهل ذلك وقت وجوبها أم لا، على روايتين (٤): أحدهما: أنه وقت الوجوب. والثانية: ليس بوقت الوجوب (٥). خلافاً لأكثر الفقهاء في قولهم: لا يجوز فعلها إلا بعد الزوال (٦). لنا: الحديث المذكور في كل الصحاح والسنن رواه أبو هريرة عن النبي/ ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «من اغتسل في يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولة فكأنما قرّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشاً، ومن راح في الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الخامسة فكأنما قرّب بيضة، فإذا خرج الإمام طويت الصحف،

стр. 356

وحضرت الملائكة يسمعون الذكر» (١)، وهذا يدل على أنه يخرج في الخامسة، أو عقيب الخامسة للصلاة، وعندكم لا يجوز ذلك. فإن قيل: لعله يخرج بعد السادسة. قلنا: فكان يجب أن تذكر السادسة بوجه. فإن قيل: فلعله يخطب في السادسة ويصلي بعدها. قلنا: عندكم لا يجوز ذلك؛ فإن الأذان يقع إذا صعد المنبر، وهو لا يجوز قبل الوقت، وكذلك الخطبة قائمة مقام ركعتين من الصلاة فكيف تفعل قبل وقتها. و ـ أيضاً ـ ما روى مسلم، وأبو عبد الرحمن بإسنادهما عن جابر قال: كنا نصلي مع رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ الجمعة ثم نرجع فنريح نواضحنا (٢)، فقيل لجعفر: متى ذاك، قال: زوال [الشمس] (٣). وإذا كان عند رجوعهم زوال دلّ على أنها كان يفعلها قبل الزوال [يقيناً] (٤). و ـ أيضاً ـ ما روى البخاري، ومسلم بإسنادهما عن سهل بن سعد قال: كنا نتغدى، ونقيل بعد الجمعة (٥). فأخبر أن الغداء والقيلولة [بعد الجمعة، ولا يسمى غداء، ولا قائلة إلا ما كان قبل الزوال.

стр. 357

فإن قيل: لعله أراد أنهم كانوا يؤخرون الغداء والقيلولة] (١) في يوم الجمعة إلى بعد الصلاة تهيئاً للجمعة كما يقول القائل: هذا غدائي وعشائي، إذا شغل عن الغداء إلى وقت العشاء، فأما أن يراد به أنها كانت تفعل قبل الزوال فلا. قلنا: لو أراد ذلك لقال: ما كنا نطعم ولا ننام إلا بعد الصلاة؛ فأما حقيقة الغداء والقيلولة/ فهو قبل الزوال، وبعد الزوال يسمى عشاء، ذكر ذلك ابن قتيبة (٢) وغيره فقال: الغداء مأخوذ من الغداة، والعشاء مأخوذ من العشي، فإذا انبسطت الشمس سمي الغداء ضحى، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى *﴾ (٣)، فإذا كان نصف النهار سمي ظهيرة، ويكون الأكل بعد الظهيرة عشاء (٤). وقال غيره: الغداء من الغداة إلى قبل الزوال، يقال: غدوت إلى فلان، أي: قصدته في صدر النهار (٥). ويوضح ذلك: ما روى أنس أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ صلى إحدى صلاتي العشاء ـ الظهر، أو العصر ـ فسلّم من ركعتين، في حديث ذي اليدين (٦).

стр. 358

ويوضح ذلك: أنه لو حلف لا يتغدى فأكل بعد الزوال لم يحنث. فأما الذي استشهدوا به فلا يعرف عن العرب، وإنما هو تجوُّز العوام فلا يلتفت إليه، ولا يعوّل عليه، والذي يدل على بطلان هذا التأويل ما روى الأثرم قال: حدثنا عبد الله بن بكر السهمي (١)، قال: حدثنا حميد (٢)، عن أنس قال: كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعدها (٣). و ـ أيضاً ـ إجماع الصحابة، روى أحمد بإسناده عن وكيع السلمي (٤)، عن عبد الله بن سيدان السلمي (٥)، قال: صليت الجمعة مع أبي بكر (٦) فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، وصليتها مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أن نقول: [انتصف النهار، ثم صليتها مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن نقول:] (٧) قد زال النهار. فلم أسمع أحداً عاب ذلك (٨). فدلّ على أنه إجماع. قال القاضي: وهذا هو المعتمد عليه في المسألة (٩).

стр. 359

وقد رواه الساجي، وابن أبي حاتم، والنجاد من أصحابنا. فإن قيل: قال هبة الطبري: [ابن] (١) سيدان مجهول لا تقوم بروايته حجة (٢). ولو قبلنا روايته؛ فيحتمل أن يكون ابن سيدان ظنّ أن النهار لم ينتصف؛ فإن الزوال معنى يخفى على كثير من الناس. قلنا: ما ذكر عن هبة لا يصح؛ لأنه/ معروف من كبار التابعين من بني سليم، وقد صحح أحمد حديثه وأخذ به؛ فنقل عنه الترمذي (٣) أنه قال: يجوز فعلها قبل الزوال على ما جاء من فعل أبي بكر، وعمر ﵄. وقولهم: يحتمل أنه لم يعلم؛ غلط؛ لأن الظاهر معرفة الرجل وعلمه، ولهذا فصل بين صلاة كل واحد من الصحابة وخطبته، وهذا يدل على ضبطه ومعرفته للوقت، ولأن زمان الخطبة والصلاة يطول فلا [يخفى] (٤) في مثله الزوال على أحد. الثالث: أن هذا إضافة خطأ إلى السلف بالظن، وهذا لا يجوز؛ لأن الظاهر صدقهم؛ ومعرفتهم فيما يقولون. وروى البخاري، وأبو داود، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة عن سعد، وسهل، وأنس أنهم قالوا: كنا نجمع ونرجع فنقيل (٥).

стр. 360

وروى الإمام أحمد، وهبة الطبري وغيرهما بإسنادهم عن عبد الله بن سلمة (١) قال: كان عبد الله ينصرف بنا في يوم الجمعة ضحى، ويقول: إنما عجلت بكم خشية الحرّ عليكم (٢). وروى أبو بكر النجاد من أصحابنا بإسناده عن سعيد بن سويد (٣) قال: صلى بنا معاوية الجمعة ضحى (٤). وهذا إجماع منهم؛ لأنهم فعلوه في أزمان متفرقة، وأماكن مختلفة، والجمعة يحضرها الخاص والعام، فلم تقع من أحدهم مخالفة، ولا إنكار، فدلّ على جواز ذلك. والفقه في المسألة: ما ذكره أحمد ﵁ فيما رواه الترمذي فقال: هي عيد من الأعياد كلها أول النهار (٥).

стр. 361

فحرر أصحابنا هذا طريقة، وقالوا: صلاة عيد، فجاز فعلها قبل الزوال، دليله الفطر، والأضحى، والدليل على الوصف قول النبي ـ صلَّى الله عليه ـ: «قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان» (١). وإن شئت أن تقول: صلاة العيد صلاة مضافة إلى يومها فصح فعلها قبل الزوال، دليله صلاة/ العيدين، ولا يلزم عليه صلاة الظهر، وبقية الصلوات؛ لأنها لا تضاف إلى يومها، لأنها تفعل في سائر الأيام، والجمعة تضاف إلى يومها، وهو يوم تفعل فيه، كما أن صلاة العيد تضاف إلى يوم العيد، وهذا لأن كل [واحدة] (٢) منهما تضاف إلى يومها فيقال: صلاة الجمعة، كما يقال: صلاة العيد، وصلاة الأضحى، والفطر، ولهذا تصلى ركعتين بخطبتين، ويجتمع لها الناس الجمع العام، وتؤخذ لها الزينة، ويشترط أصحابنا في العيد العدد، والاستيطان، وإذن الإمام (٣)، وإذا شبهتها من هذه الوجوه، شبهتها في جواز الصلاة قبل الزوال. فإن قيل: لو كانت كالعيد لما جاز فعلها بعد الزوال. قلنا: إنما لم تجز صلاة العيد بعد الزوال؛ لأن وقتها يخرج بالزوال، ووقت الجمعة لا يخرج بالزوال، وغير ممتنع أن يتفقا في جواز فعلهما في ابتداء الوقت، ويختلفا في آخره، كما قال مخالفنا في صلاة الظهر والجمعة: يتفقان في الابتداء، ويختلفان في الانتهاء، فلو خرج وقت الظهر وقد صلى منها ركعة أتمها ظهراً، ولو خرج وقد صلى من الجمعة ركعة لم يتمها جمعة بل يصلي ظهراً. وكذلك طلوع الفجر الثاني وقتان لصلاة الفجر، والصوم، ثم يخرج وقت الفجر بطلوع الشمس، ويمتد وقت الصوم إلى غروب الشمس. وكذلك زوال الشمس وقت لصلاة الظهر، والوقوف عندهم،

стр. 362

ثم يخرج وقت الظهر بكون الظل مثله، أو مثليه على مذهب الحنفي (١)، ثم يمتد الوقت (٢) إلى طلوع الفجر يوم النحر. وقد قيل: بأن الظهر والجمعة صلاتا فرض يجهر في أحدهما، ويُسرّ في الأخرى، فلم يجب اشتراكهما في الوقت، دليله الفجر، والظهر، ولا يلزم عليه النوافل لقولنا: صلاتا فرض؛ ولا يلزم عليه/ صلاة القصر، والإتمام لقولنا: يجهر في أحدهما، ويسر في الأخرى. وقد قال بعض الأصحاب (٣): إن المقصود العبادة دون الوقت، وللجمعة تأثير في إسقاط بعض العبادة وهو الركعتان، فلأن يكون لها تأثير في إسقاط فرض الوقت أولى، كالسفر لما أثر في إسقاط بعض العبادة، أثر في إسقاط الوقت، [كذا] (٤) في الجمعة. قال: وإن شئت قلت: ما أثر في إسقاط بعض الصلاة أثر في إسقاط وقتها، كالسفر يؤثر في إسقاط وقت العصر إلى وقت الظهر، كذلك يؤثر في إسقاط فرض الظهر إلى ما قبله في صلاة الجمعة. احتجوا: بما روى أنس بن مالك قال: كنا نصلي مع رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ الجمعة إذا زالت الشمس (٥). وروى [سلمة] (٦) بن الأكوع قال: كنا نصلي مع رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ الجمعة إذا زالت الشمس (٧). وهذا إخبار عن دوام الفعل.

стр. 363

والفقه فيه: أنها صلاة مقصورة، فلا يجوز فعلها قبل وقت التمام، كصلاة السفر. والدليل على أنها مقصورة: ما روي عن عمر، وعائشة ﵄ أنهما قالا: إنما قصرت الجمعة لأجل الخطبة (١). ولأن الزوال جُعل سبباً لفرض عين وهو الظهر في عموم الأوقات، وقد يقصر بسبب كالسفر، فجاز القول بأنها مقصورة لأجل مشقة الخطبة، والمسافة إلى الجامع، فأما أن يجعل الزوال سبباً لفرض آخر فهو مما لا وجه له، وإذا ثبت أنها ظهر مقصورة لم يجز فعلها قبل الزوال. ومنهم من قال: الجمعة بدل عن صلاة يختص وقتها بالزوال، فكانت في وقتها، لأن البدل يحكي المبدَل. قالوا: ولأنها صلاة مفروضة، فلم يجز فعلها قبل وجوبها متبوعة كسائر الصلوات، ولا يلزم العصر في وقت الظهر يفعل قبل وجوبها تبعا،/ وكذلك العشاء في وقت المغرب.

стр. 364

أو نقول: ليس بوقت لوجوبها، فلم يكن وقتا لجواز فعلها في غير حال التعذر، كما قبل ابيضاض الشمس. قالوا: ولأنها صلاة يخرج وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله، فلم يجز فعلها قبل الزوال كالظهر. الجواب: أما الأخبار: فنحن نقول [بها] (١)، وأنه وقت الفضيلة، ومداومته على الأفضل، أو إكثاره منه لا يمنع ما روينا عن أن يكون للجواز، فنجمع بين الروايتين، على أنه يحتمل أن يكون ذكر راويكم وقت الفراغ، وراوينا وقت الابتداء والشروع. وأما القياس: فلا نسلم أن الجمعة ظهر مقصورة، وإنما هي فرض آخر مبتدأ، روى جابر عن النبي ﵇ أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا على امرأة، أو مسافر، أو صبي، أو عبد، أو مريض» (٢)، والظهر مفروضة يوم الجمعة، وغيرها، ولأنها لو كانت ظهراً لما استثني هؤلاء؛ فإنه يجب عليهم الظهر، ويجوز قصرها في حقهم بمشقة السفر، كما يجوز في حق الرجل العجز؛

стр. 365

ولأن للجمعة شروطاً ليست للظهر من العدد، والاستيطان، والخطبة، وإذن الإمام، وغير ذلك، ثم الصلاة المقصورة مع التامة لا تختلف شروطها، ولأنها لو كانت ظهراً مقصورة لساوتها في الجهر، والإخفات، والقضاء إذا فاتت، ويبنى بعضها على بعض مع سعة الوقت، كالمقصورة مع التامة. وأما قول عمر، وعائشة ـ إن صح عنهما ـ فإنهما أخبرا بأن الجمعة فرضت ركعتين لأجل الخطبة، على أنّ الصحيح عن عمر أنه قال: صلاة السفر ركعتين، وصلاة الجمعة ركعتين، وصلاة الفطر ركعتين تمام غير قصر على لسان نبيكم (١). أخرج هذا عنه عبد الرحمن بن أبي حاتم (٢). وقولهم:/ إن الزوال سبب لصلاة الظهر في سائر الأيام؛ فهو كذلك إلا في يوم الجمعة؛ فإنها خصت بصلاة أخرى، وفرض آخر قال ـ تعالى ـ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٣)، وإذا ثبت أنها غيرها جاز أن تخالفها في الوقت، كالظهر مع العصر. فإن قيل: فلو كانت غيرها ما جاز فعلها في وقت الظهر، كالعصر مع الظهر، ولما صحّ [فعلها] (٤) مسقطاً لصلاة الظهر ممن لا جمعة عليه كالنساء، والعبيد، فلما سقط فرض الظهر بفعلها في حق من ليس من أهلها عُلم أنها ظهر، كما صحت صلاة التمام من المسافر، ولما صحّ أن يدخل فيها من أدرك التشهد، ثم يبني عليها ظهراً، وإذا انقضى العدد بنى عليها ظهراً، وكذلك إذا خرج الوقت في أثنائها ساغ الاجتهاد في بناء الظهر على ما صلى منها، وهذا كله ممن يعطي كون وقتها واحداً.

стр. 366

قلنا: لو كانت ظهراً، أو بدلاً عن الظهر لصحّت بنية الظهر، كالمقصورة مع التامة في حق المسافر، ولجُمعت في [كلِّ] (١) محلّ يتيح الجمع، و [لخُوطب] (٢) بها كل من يخاطب بالظهر، ولوجب أن تَسُدَّ مَسدَّ الظهر لمن عليه قضاء الظهر. وأما تعلقكم بالشبه في الأحكام التي ذكرتم؛ فنعارضها بما اختصت به من المفارقة للظهر من الجهر، والخطبتين، والعدد، والنية، والاختصاص بأشخاص مخصوصين من غير انعقاد بكل من تجب عليه الظهر، على أن في باب الوقت قد فارقت؛ فإنه لم يجعل وقت العصر في دوامها وقتا لها عند مخالفنا، بل يخرج الوقت، فلا تصح جمعة، ولا تؤخر ـ أيضاً ـ فيكون وقت العصر وقتا لابتدائها بحال، [بخلاف] (٣) صلاة الظهر، فقد خالفت الظهر في سائر أحوالها، كذا الوقت. ولأنه يجوز/ فعل العصر في وقت الظهر، والظهر في وقت العصر لنوع مشقة، وهو السفر، والمرض، والمطر، وهاهنا نوع مشقة يجوز بها تقديم الجمعة، وهو أنها صلاة يجتمع لها الناس من المواضع البعيدة، و [يبكرون] (٤) إليها طلباً للفضيلة، ويتركون أشغالهم، فلو منعنا من فعلها قبل الزوال شقّ عليهم، فصار ذلك [عذراً] (٥) كالسفر، والمرض، وكالاشتغال بالدعاء عند أبي حنيفة في صلاتي عرفة، وصلاتي مزدلفة (٦). جواب آخر: [أنّا لو] (٧) قلنا: إنها ظهر مقصورة، قلنا: أليس الاجتماع لها أسقط شطرها، فلأن يسقط تحتم وقتها أولى، وهذا لما ذكرنا

стр. 367

من أن المقصود العبادة لا وقتها، ألا ترى أن السفر لما أسقط شطر العصر والظهر، [أسقط تحتم] (١) وقتها حتى جاز أن يقدم العصر إلى الظهر، ويقدم الظهر إلى العصر، فكذلك في مسألتنا. وأما قولهم: صلاة مفروضة، فلم يجز فعلها قبل وقتها كسائر الصلوات. قلنا: قد بينا أن قبل الزوال وقت لوجوبها في إحدى الروايتين (٢)، فسقط، ولو سلمنا على الأخرى فيلزم تقديم العصر في السفر، وبعرفة، يجوز ذلك وليست تابعة، بل هي أصل بنفسها، وإنما جاز ذلك لعذر الدعاء والسفر، ويجوز في مسألتنا لما بينا من العذر، وإليه أشار ابن مسعود بقوله: إنما عجلت لكم [خيفة] (٣) الحرّ عليكم (٤). وأما قولهم: بأنها صلاة يخرج وقتها إذا صار ظل الشيء مثله، فلم يجز فعلها قبل الزوال كالظهر. قلنا: ولِمَ إذا خرج وقتها بحصول الظل مثله لا يجوز فعلها قبل الزوال؟ ولا نسلم أن علة الظهر هذا. ثم إنه غير ممتنع أن تتفق العبادتان في الانتهاء، وتختلف في الابتداء كصلاة العصر، مع الصوم يتفقان في خروج وقتهما بغروب الشمس، ويختلفان/ في الابتداء؛ فيجب الصوم بطلوع الفجر، ويجب العصر بخروج وقت الظهر، والله أعلم.

стр. 368

مسألة إذا اتفق العيد يوم جمعة فالأفضل في حضورهما، فإن حضر العيد ولم يحضر الجمعة فلا شيء عليه (١)، نص عليه أحمد (٢)، وهو مذهب عمر، وعثمان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وبه قال الشعبي، والنخعي، وأبو البختري (٣)، والأوزاعي، ذكر ذلك هبة الله الطبري في «سننه» (٤). واختلفت الرواية عن أحمد في الإمام هل يسقط عنه فرض الجمعة

стр. 369

بحضور العيد، أم لا على روايتين (١): أحدهما: أنها لا تسقط عنه الجمعة، والثانية: إطلاق القول بأنّ العيد يجزئ عن الجمعة. وقال أكثر الفقهاء: حضور العيد لا يسقط الجمعة (٢). لنا: ما احتج به الإمام أحمد ﵁ من حديث زيد بن أرقم رواه الساجي، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة، عن إياس بن أبي رملة الشامي (٣) قال: شهدتُ معاوية يسأل زيد بن أرقم: شهدتَ مع رسول الله عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم، صلى العيد في أول النهار، ثم رخص في الجمعة قال: «من شاء أن يجمع فليجمع» (٤). وروى النجاد بإسناده عن أبي هريرة، عن رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء اجتزأ بالعيد من جمعته، وإنا لمجمعون إن شاء الله» (٥).

стр. 370

وفي لفظ آخر رواه الساجي، وابن أبي حاتم: «ا جتمع لكم يوم عيد ويوم جمعة، وإني مجمع إذا رجعت، فمن شاء أن يشهد الجمعة فليشهدها» (١)، فوجه الدليل أنه علق ذلك بالمشيئة فدلّ على أنه غير واجب. وروى الأثرم بإسناده عن الحسن، عن علي قال: إذا اجتمع عيدان أجزأ أحدهما (٢). وعن مجالد، عن الشعبي في [عيدين] (٣) اجتمعا/ في يوم قال: يجزئ أحدهما من الآخر (٤). وعن الحكم، عن إبراهيم قال: إذا اجتمع عيدان أجزأ أحدهما (٥).

стр. 371

وهذا يدل على صحة الأخبار، واشتهارها بين السلف حتى صاروا إليه (١). فإن قيل: هذه الأحاديث وردت في قوم مخصوصين وهم أهل العوالي (٢)، بدليل ما روى عطاء، [عن عبد الله] (٣) بن السائب (٤) قال: حضرت العيد مع رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ فصلى فلما قضى صلاته قال: «قد قضينا الصلاة، فمن كان من أهل العوالي فأحب أن ينصرف فلينصرف، ومن أحب أن ينتظر الخطبة فليجلس» (٥). وأهل العوالي لا تجب عليهم الجمعة.

стр. 372

قلنا: هذا غلط من أوجه: أحدها: خبر زيد: فرخص في الجمعة؛ ولم يخص، وكذا خبر أبي هريرة: «فمن شاء اجتزأ بعيده عن جمعته» (١)، وهذا إشارة إلى كل أحد ممن تجب عليه الجمعة. الثاني: أنه جعل العلة اجتماع العيدين لإسقاط الجمعة عمن لا تجب عليه ولو لم يصل العيد. الثالث: أن حمله على فائدة أولى من حمله على أهل العوالي الذين استفدنا سقوط الجمعة عنهم بغير هذا. الرابع: أن التعليل أعم من اللفظ، والعلة اجتماع العيدين، وقد روى ابن عباس قال: كان رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ إذا اجتمع عيدان في يوم يقول: «من شهد معنا أول النهار فهو بالخيار في آخره» (٢). وذكر القاضي في «شرح المذهب» قال: حدثني أبو نصر أحمد بن محمد النرسي (٣) بإسناده عن أبي هريرة، قال: سأله أبو صالح (٤):

стр. 373

صليت مع رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ عشر سنين أما اجتمع فيما صليتم عيدان في يوم؟ قال: بلى، كان رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ إذا اجتمع عيدان في يوم [أجزأ] (١) أحدهما (٢). وهذا إخبار عن دوام الفعل من النبي ـ صلَّى الله عليه ـ،/ على أن أهل العوالي إذا حضروا المصر يوم الجمعة فعليهم الجمعة، وهذا كما نقول في المريض: لا يلزمه الحضور، فلو حضر صار فرضه الجمعة. وقد قيل: إن العوالي لم تكن بعيدة من المدينة، بل كانت قريبة بحيث يخاطبون بالجمعة. ويدل عليه: أن الصحابة فعلوا ذلك، وأفتوا به في أزمان مختلفة، وأماكن متباينة، فروى الساجي، وابن خزيمة، وابن أبي حاتم بإسنادهم عن وهب بن كيسان (٣) قال: اجتمع عيدان في عهد ابن الزبير فأخر الخروج، ثم خرج، فخطب، فأطال في الخطبة، ثم صلى ولم يخرج إلى الجمعة، فعاب ذلك قوم، فقال ابن عباس: أصاب السنة، وبلغ ابن الزبير فقال: شهدت العيد مع عمر فصنع كما صنعت (٤).

стр. 374

وفي لفظ آخر: فخرج ابن الزبير فصلى بهم العيد، ثم دخل ولم يخرج حتى صلى العصر، فذكر ذلك لابن عمر فلم ينكره (١). وعن أبي عبد الرحمن السلمي (٢) قال: شهدت عليّاً ﵁ في يوم عيد ويوم جمعة قال: اجتمع لكم في يومكم عيدان فمن شاء أجزأه هذا عن الجمعة (٣). وعن سعد نحو ذلك (٤). وهذه نصوص من الأئمة ـ رضوان الله عليهم ـ تدل على أنهم عرفوا ذلك من قول رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ وفعله.

стр. 375

وقد ذكر أصحابنا طرقاً من الفقه، فقالوا: لنا فريضتان على المكلف يسقط فعل إحداهما فعل الأخرى، وهي الجمعة والظهر؛ فإن من لا يخاطب بالجمعة، لكن لزمه [فرض] (١) الظهر ـ وهو العبد، والمرأة، والمسافر ـ إذا صلوا الجمعة سقطت ظهرهم، جاز أن يسقط حضور العيد حضور الجمعة، والجمعة إلى العيد أقرب؛ إذ هما عيدان، وصلاتان تجتمعان في عدة/ شروط، وحرروا من هذا عبارة فقالوا: صلاة عيد فجاز أن يسقط غيرها بفعلها، دليله صلاة الجمعة، فإن الجمعة تسقط بفعلها صلاة الظهر، وقد دل على صحة التسمية قوله (٢) ﵇: «عيدان اجتمعا» (٣)، سماهما عيدين. فإن قيل: إنما سقطت الظهر بفعل الجمعة؛ لأنهما صلاتا وقت واحد على وجه التخيير، كأنواع الكفارة إذا فعل أحدهما سقط غيره، وليس كذلك العيد؛ لأنهما صلاتا وقتين، فلم يسقط فعل أحدهما الآخر، كصلاة الظهر مع العصر، ولأنّا نقول: إنّ الجمعة أسقطت الظهر؛ لأن الفرض المخاطب به يوم الجمعة هو الجمعة. قلنا: لا نسلم لك هذا في الأصل، ولا في الفرع؛ لأن في الأصل ليس وقت الجمعة [وقتاً] (٤) للظهر؛ لأنه يجوز فعل الجمعة عندنا قبل الزوال، ولا يجوز فعل الظهر في ذلك الوقت، وأما في الفرع فهما صلاتا وقت واحد؛ لأنه (٥) تصلى الجمعة في الوقت الذي تصلى فيه صلاة العيد. جواب آخر: وذلك أن علّة الأصل تبطل به إذا نذر أن يصلي صلاة في إحدى أوقات الصلوات؛ فإن المنذورة وصلاة الوقت قد حصلا صلاتا

стр. 376

وقتٍ واحدٍ ومع هذا فلا يسقط أحدهما بفعل الآخر، ويلزم عليه ـ أيضاً ـ الصلاتين المجموعتين قد جمعهما وقت واحد ومع هذا فلا تسقط أحدهما بفعل الأخرى. وقولهم: إن الجمعة لا تسقط الظهر: لا يصح؛ لأن الجمعة بفعلها سقطت الظهر، ألا ترى أنه لو لم يأت بالجمعة لزمه الظهر. فإن قيل: الجمعة فرض على الأعيان، فتأكدت، فجاز أن يسقط بها فرض مثلها، بخلاف العيد؛ فإنها سنة/ عندنا (١)، وعندكم فرض على الكفاية (٢)، وكيف تسقط [فرضاً متأكداً] (٣) على الأعيان. قلنا: ونحن لا نقول: إنها تسقط فرضاً، [بل] (٤) توجب تخييراً بين فعل الجمعة، وفعل الظهر (٥)، كما يوجب السفر عندنا تخييراً بين فعل القصر والإتمام (٦)، ولا سيما على أصلكم؛ فإن الجمعة عندكم ظهر مقصورة (٧)، والظهر لا تسقط للعيد بحال. فإن قيل: فعندكم المفروض في يوم الجمعة صلاة الجمعة [وقد] (٨) سقطت. قلنا: عندنا قد فرضت الجمعة يوم الجمعة (٩)، وهو غير الظهر، ولم ينسخ الظهر إلا أن الله ـ تعالى ـ خاطبنا أن نفعل الجمعة إذا عدم العذر، وإذا فعلناها دفع عنّا فعلها فعل الظهر، ومتى تعذر فعلها لعذر رجعنا

стр. 377

إلى فعل الظهر، وهاهنا تعذر علينا فعل الجمعة لما ذكرنا من العذر فرجعنا إلى الظهر. على أنه قد قيل: ليس يمتنع أن يُسقط الأضعف الأقوى، كالمقصورة من الصلوات تدفع صلاة التمام، وكذلك المسح على الخف يمنع وجوب غسل الرجلين وإن كان بدلاً ضعيفاً، وكذلك سقوط ستر العورة ـ وهو واجب ـ لأجل مداواة الطبيب للمرض، ولأجل الخيار عند أبي حنيفة ـ وهو سنة ـ (١)، ومن لا يحسن حلق عانته (٢)، أو كان مقطوع اليد فكشف عورته للحلاق. وقد قال بعض أصحاب أبي حنيفة: الصلاة في أول الوقت نافلة تسقط الفريضة (٣). على أن العيد ـ وإن كانت دون الجمعة ـ إلا أن الصلاة في يوم [العيد] (٤) وظيفة العيد، وإظهار الزينة والمسرّة، فأسقطنا [الاجتماع] (٥) للجمعة لما [كان] (٦) يتكرر في السنة، ولم نُسقط الأضعف لكونه في يومه وسلطانه، وهو [وظيفة يومه] (٧) المختصة به.

стр. 378

طريقة أخرى: أن الجمعة إنما فرضت على صفة تخالف سائر الأيام قصداً لاجتماع/ الناس، ووعظهم، وإغاظة عدوهم، وتذكرهم نعم الله عليهم، ولهذا شرطت فيها الخطبة لذلك، وقصرت الصلاة، وإذا صليت العيد فقد وُجد هذا المعنى على أوفى ما يكون؛ لأنا زدنا على صلاة الركعتين التكبير الزائد، والذكر، واستوفينا الخطبتين على أكمل أحوالها، فلا يحتاج إلى التكرار في فعل ذلك، فإن المقصود قد حصل، وتكراره ربما أدى إلى الملل والسآمة، ولهذا قال بعض الصحابة: كان النبي ﵇ يتخوّلنا (١) بالموعظة أحياناً خيفة السآمة (٢). فإن قيل: فكان ينبغي أن لا يجوز فعل الجمعة لأجل ما ذكرتم. قلنا: بل يفعلها؛ ليحضرها من يحب كثرة الطاعة، والاجتهاد في العبادة، ويتركها من هو مترف، وكسلان، وضجر، وتعب، وذو أشغال، كما يفعل النوافل بالليل والنهار من يريد الاجتهاد في العبادة، ويتركها غيرهم، فيكون الأولون أهل الفضائل، والباقون أهل المسامحة، واللطف، والمساهلة. طريقة أخرى: أن الجمعة تسقط بمشقة السفر، والمرض، والمطر، والوحل، وغير ذلك، وفي فعلها مع صلاة العيد مشقة تضاهي ذلك، أو تزيد عليه؛ فإن الناس يبكرون لصلاة العيد، ويجتمعون من أطراف البلد وسواده (٣)، ثم يجلسون للصلاة، وسماع الخطبة، ثم يعودون إلى بيوتهم، فإنه إن كان فطراً فنفوسهم تائقة إلى الطعام والشراب، وإن كان أضحى

стр. 379

فقلوبهم مشتغلة بالتضحية، والطبخ، وغير ذلك، فإن أمرناهم بالعود ففي ذلك من المشقة والضجر ما يزيد على فعل المسافر وهو في البلد قد حط رحله، وأقام يومه، ويزيد على المشي في الوحل وتغسيل رجله، وإن مُنعوا/ من الانصراف إلى بيوتهم حتى يصلوا الجمعة كان ما يلحقهم من المشقة والضجر أوفر وأعظم. ومعلوم أن الرسول ﵇ قال: «إذا حضرت الصلاة والعَشاء فابدؤوا بالعَشاء» (١)، فأباح لهم ترك الجماعة لأجل العَشاء ووقتها قصير، فكيف يقعد الناس من بكرة يوم العيد وإلى العصر، أو قريب منه لا يأكلون، ولا يشربون، ولا ينظرون بيوتهم، وصبيانهم، وعيالهم، وفي ذلك أعظم الحرج، وقد قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢)، فكان الأحسن من لطائف الشرع ومسامحته أن يبيح لهم الانصراف إلى منازلهم، والاشتغال بمصالحهم، وأن يصلوا الظهر في محالّهم تخفيفاً، لتتم لهم أفراح عيدهم، والأعياد للفرح، والرفاهة، وكل منصف إذا رجع إلى عقله، وترك العصبية والهوى علم أن ما ذهبنا إليه أليق بمحاسن الشرع ولطفه مما ذهب إليه خصومنا. ولا يلزم على ما ذكرنا أن يقال: فقد نرى من الناس من يسهل عليه العود إلى الجمعة وقد قال الرسول ﵇: «وإنا مجمعون إن شاء الله» (٣)، لأنا لا نمنع من أراد الجهاد في الله بصيام النهار، وقيام الليل، والحج ماشياً، والجهاد [متبرعاً] (٤)، وصدقة ماله من الطاعة، وإنا نقول له: الله ـ تعالى ـ ما أوجب [عليك] (٥) [ذلك، فإن تطوعت به آجرك الله ـ سبحانه ـ،

стр. 380

وأجزل ثوابك، وإن] (١) تركته فلا شيء عليك، وكذلك نقول له في مسألتنا، ولا فرق. ولأن من جعل الخطبتين في الجمعة قائمة مقام الركعتين أسقط شطر الجمعة بما ليس من صلاة ـ وهي الخطبتان ـ تخفيفاً عن المكلفين؛ لئلا يجتمع عليهم خطبتان وصلاة تامة، فلأن يسقط الاجتماع لصلاتين بأربع خطب في يوم واحد ـ وهو يوم مسرة، وأكل، وشرب/ على ما بيناه ـ أولى. فإن قيل: إذا تقابل في يوم العيد هذان الاجتماعان، وكانا من جنسين مختلفين، لم يسقط أحدهما الآخر، بدليل أن الجماعة قبل الجمعة وبعدها واجبة لا تسقط عندكم في صلاة فجر يوم العيد، ولا صلاة عصره، ولا مغربه، ولا عشائه، كذلك العيد والجمعة مع اختلافهما، واختلاف وقتهما. قلنا: أما الجماعات فلكلِّ دربٍ مسجد، فلا [تعسف] (٢) في الاجتماع غالباً، فأما الجامع فإنه يبعد عن منازل الناس غالباً، فيحتاجون إلى الاجتماع إليه، والسعي من الأقطار المتباعدة؛ ولهذا سقط عندكم (٣) عن أهل الرستاق (٤)، ولم يسقط عن أهل المصر للمعنى الذي ذكرنا، كذلك هاهنا. احتجوا: بقوله ـ تعالى ـ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٥)، ولم يفرق، وبقول النبي ﵇: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة» (٦)،

стр. 381

وقوله ﵇: «إن الله فرض عليكم الجمعة في يوم الجمعة» (١)، فهذا عام، فمن خصَّه فعليه الدليل. والفقه فيه: أن الجمعة صلاة يجب فعلها يوم الجمعة، فلم تسقط بفعل العيد، دليله صلاة [العيد] (٢). أو نقول: صلاة تجب في غير يوم العيد، فلا تسقط بالعيد، دليله الأصل. أو نقول: صلاة تجب بزوال الشمس، فلا تسقطها صلاة وجبت قبل الزوال، كالظهر مع الفجر لا تسقطها، كذلك العيد معها. قالوا: ولأن كل من لزمه فعل الجمعة إذا لم يصلِّ العيد لزمه فعلها وإن صلّى، كالإمام، فقد نصَّ أحمد عليه (٣)؛ ولأنه لو جاز أن تسقط الجمعة بالعيد جاز أن تسقط العيد بالجمعة؛ ولأن من يلزمه فرض الجمعة إذا حضرها، كذلك وإن لم يحضرها، دليله من لم يصلِّ العيد؛ ولأنه لو قام/ حضور العيد مقام الجمعة لعملت عمل الجمعة في إسقاط الظهر، كالمقصورة مع التّامة، والجمعة مع الظهر، لمَّا قامت مقام غيرها أسقطت وجوب ذلك الغير رأساً، وهاهنا لا يسقط الظهر، ولأنه لو سقطت عنه الجمعة لجاز له صلاة الظهر قبل صلاة الإمام، كالعبد والمسافر، فلما لم يجز ذلك دلَّ على بطلان ما قلتم. الجواب عن الآية والخبر: أنها عامة، وأخبارنا خاصة، فنخصص بها، كما [خصصتموها] (٤) على من ليس بمسافرٍ، ولا مريضٍ، ولا عبدٍ، ولا امرأةٍ.

стр. 382

أما قولهم: إنها صلاة تجب يوم الجمعة. قلنا: إن أردتّم يجب فعلها في يوم الجمعة على من صلّى العيد، فلا نُسلّم، وإن أردتم على من لم يصلِّ العيد، فلا يصح قولكم: فلِمَ تسقط بفعل العيد. وقولهم: صلاة تجب في غير يوم العيد؛ فغير ممتنع أن تجب في غير يوم العيد وتسقط بفعل العيد، كالظهر يجب في كل يوم ويسقط بفعل صلاة الجمعة. وقد قال بعض أصحابنا (١): ما سقطت بالصلاة، [بل] (٢) بالمشقة اللاحقة باستئناف سعيٍ آخر في يوم جعل للمسّرة ودعوة الله ـ سبحانه ـ؛ يوضح هذا أن من صلى العيد في بيته فرادى لا تسقط عنه الجمعة، والمعنى في العصر والظهر أنه لا يشق فعلها في بيته، أو في مسجد دربه، وصلاة الجمعة يشق عليه فعلها على ما تقدم بيانه. وأما قولهم: إن كل من لزمه فعل الجمعة إذا لم يصلِّ العيد؛ لزمه وإن صلَّى. قلنا: لِمَ قلتم هذا؟ وإذا صلَّى فقد وجد في حقه من العذر ما يرخص له به في الترك، بخلاف من لم يصلِّ. وأما الإمام؛ فلا نسلم في رواية (٣)، وقد دلَّ عليه/ حديث ابن الزبير، وإن سلّمنا فإنّ في إسقاطها عن الإمام إسقاط صلاة الجمعة عن من لم يصلِّ، ومن يريد الفضيلة والتعبد؛ لأنهم لا يجدون من يصلي بهم، بخلاف بقية الناس. وقال بعض أصحابنا (٤): إن كان للإمام من يستخلفه بعد صلاة العيد

стр. 383

جاز له الاستخلاف في الجمعة، وسقط عنه الخروج إليها كسائر المأمومين، وإنما إذا لم يحضره من يستخلفه لزمه الخروج لأجل غيره، وذلك أن في الناس من لا يحضر العيد لكونها سنة عنده، أو فرضاً على الكفاية. وغير ممتنع أن يلزم الإنسان لغيره ما لا يلزمه في نفسه، كالمحرم للمرأة يخرج معها في الحج، وفي التغريب لأجلها، لا لأجل نفسه، فهو عقوبة للمرأة أو عبادة، وخروجه حفظاً لها وحياطة، ونفقته عليها، أو على بيت المال في الحدِّ على احتمال في المذهب (١). وقولهم: فينبغي أن تسقط الجمعة العيد. قلنا: إن قدم صلاة الجمعة في الوقت الذي نصلي [فيه] (٢) العيد، وصلاها سقط عنه صلاة العيد، ثم كيف يصح هذا منكم؟ وبدخول وقت الجمعة عندكم يخرج وقت صلاة العيد (٣)، فلا يبقى فعل عيد تسقطه الجمعة، على أنا نقول: لِمَ قلتم هذا؟ ونحن نرى الجمعة تسقط الظهر، والظهر لا يسقط الجمعة. وأما قولهم: إنه يلزمه فرض الجمعة إذا حضرها. قلنا: يلزم عليه المريض، والمسافر، والعبد، إذا حضروا لزمهم فعل الجمعة، ولا يلزمهم إذا لم يحضروا، وكذلك من لا تلزمه الجمعة من غير أهل المصر، والمعنى في الأصل أنه لا مشقة في حقه، أو أنه لم يأخذ حظَّه من سماع الذكر، والموعظة، والتعب في الطاعة، بخلاف مسألتنا.

стр. 384

وقولهم: إنه كان ينبغي أن تُسقط الظهر، كالمقصورة مع التامة. قلنا: قد بيَّنا أنها ما أسقطت الجمعة، لكن الذي أسقطت/ حضورها، فكان عليه ما على من سقط عنه حضور الجمعة من أهل الأعذار، لم يسقط أصل صلاة الوقت، وهي الظهر، وسقط عنهم حضور الجمعة لأجل العذر، وها هنا المشقة هي العذر المسقط للحضور. وقولهم: كان ينبغي أن يجوز له صلاة الظهر قبل صلاة الإمام. قلنا: كذا نقول (١).

стр. 385

مسألة إذا ترك صلاة الفرض عامداً (١) حكم بكفره، هذا مذهبنا في إحدى الروايتين (٢)، اختارها أبو إسحاق بن شاقلا، وابن حامد (٣)، والقاضي (٤)، وهي مذهب مكحول (٥)، والحسن (٦)، وحماد بن زيد (٧) (٨)،

стр. 386

وابن المبارك (١)، ووكيع (٢)، وخارجة بن مصعب (٣) (٤)، والنَّخَعي (٥)، وأيوب السّخْتِيَاني (٦) (٧)،

стр. 387

والشعبي (١)، والأوزاعي (٢)، ومحمد الحسن (٣)، وإسحاق بن راهويه (٤)، وأحمد بن سيَّار (٥) (٦)، وقتيبة بن سعيد (٧) (٨)، وسليمان بن داود (٩) (١٠)، وأبي خيثمة (١١) (١٢)،

стр. 388

وأبي بكر ابن أبي شيبة (١). والرواية الثانية: أنه لا يحكم بكفره؛ بل يقتل (٢)، اختارها ابن بَطة (٣). وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وداود: لا يكفر بترك الصلاة (٤). ثم اختلفوا في حكمه، فقال أبو حنيفة: يستتاب، ويحبس، ولا يقتل (٥). وقال مالك، والشافعي: يقتل (٦). الأوّلة: قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٧)، وهذه الدلالة ذكرها النقاش (٨) في كتاب «الرسالة» (٩).

стр. 389

ومن السنة ما روى الإمام أحمد بإسناده عن جابرٍ، قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة»، أخرجه مسلم، وابن أبي حاتم (١). وفي لفظٍ آخر: «ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة» (٢). وفي لفظٍ آخر: «بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة، وبينه وبين الكفر أن يترك الصلاة» (٣). وروى الإمام ـ أيضاً ـ بإسناده، وأخرجه ابن أبي حاتم، عن بريدة الأسلمي (٤) قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ «بيننا وبينهم ترك الصلاة،

стр. 390

فمن تركها فقد كفر» (١). / وروى ثوبان قال: سمعت رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ يقول: «بين العبد وبين الكفر والإيمان ترك الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك»، رواه هبة الطبري، وقال: هذا إسناد صحيح على شرط مسلم يلزمه إخراجه (٢). وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن عبادة بن الصامت (٣)، قال:
следующие страницы →