стр. 386
← Фикх ханбали следующие страницы →
Фикх ханбали · id 30143
المفردات
ابن الزاغوني
Полный текст (748 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 387
стр. 388
وأبي بكر ابن أبي شيبة (١).
والرواية الثانية: أنه لا يحكم بكفره؛ بل يقتل (٢)، اختارها ابن بَطة (٣).
وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وداود: لا يكفر بترك الصلاة (٤).
ثم اختلفوا في حكمه، فقال أبو حنيفة: يستتاب، ويحبس، ولا يقتل (٥).
وقال مالك، والشافعي: يقتل (٦).
الأوّلة:
قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٧)، وهذه الدلالة ذكرها النقاش (٨) في كتاب «الرسالة» (٩).
стр. 389
ومن السنة ما روى الإمام أحمد بإسناده عن جابرٍ، قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة»، أخرجه مسلم، وابن أبي حاتم (١).
وفي لفظٍ آخر: «ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة» (٢).
وفي لفظٍ آخر: «بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة، وبينه وبين الكفر أن يترك الصلاة» (٣).
وروى الإمام ـ أيضاً ـ بإسناده، وأخرجه ابن أبي حاتم، عن بريدة الأسلمي (٤) قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ «بيننا وبينهم ترك الصلاة،
стр. 390
стр. 391
стр. 392
стр. 393
وعن أبي الدرداء أنه قال: لا إيمان لمن لا صلاة له (١).
وروينا عن ابن عباس أنه قال: من ترك الصلاة فقد كفر (٢).
وقال حذيفة لرجلٍ لا يتم الركوع والسجود: ما صليتَ منذ كَيْتَ؛ لأن الرجل ذكر أن ذلك صلاته منذ أربعين سنة، فقال: لو مِتَّ وأنت على هذا لمِتَّ على غير فطرة النبي ـ صلَّى الله عليه ـ التي فُطر عليها (٣).
وروينا عن بلال أنه قال لرجلٍ لا يتم الركوع والسجود: لو مِتَّ الآن لمِتَّ على ملة عيسى بن مريم هذه (٤).
وقال عبد الله بن شقيق (٥): لم يكن أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه ـ يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة (٦).
وروي عن الحسن أنه قال: بلغني أن أصحاب رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ كانوا يقولون:/ بين العبد وبين أن يشرك، فيكفر أن يدع الصلاة (٧).
стр. 394
وهذه نصوص قاطعة من الرسول، وقول الصحابة لا يقدمون على مثله إلا أن يكونوا سمعوه من النبي ـ صلَّى الله عليه ـ.
فإن قيل: المراد بهذه الأخبار من تركها معتقداً أنها لا تجب، ونحن نقول: إنه يكفر.
الثاني: أن المراد بقوله: «فقد كفر» تهديداً وتغليظاً، كما قال ﵇: «شارب الخمر كعابد وثن» (١).
الثالث: أنَّ الكفرَ كلمة مشتركة تطلق على التغطية، يحمل قوله: «فقد كفر» معناه: قد غطّى دينه بهذه المعصية، والكفر في اللغة من قولهم: أكفرت العجين، إذا غطّيته، وسُمِّي الزّارع كافراً؛ لأجل تغطية البذر.
وقال الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . … في ليلةٍ كفَر [النُّجومَ غمامُها] (٢)
أي: غطَّاها، ويطلق على كفران النعمة، وعلى الكفر بالإيمان، فلا يتخصص بأحدهما إلا بدلالة.
الرابع: يحتمل ليس بيننا وبينهم أمارة دالة إلا الصلاة، فإن القوم كانوا ينافقون، فلا يكون بين الكفر والإيمان علامة إلا الصلاة.
الخامس: إنّا نحمل قوله: «فقد كفر» بمعنى قارب، وأشرف على الكفر، كقوله: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (٣)، وذلك أن تعويد النفس،
стр. 395
وتمرينها على المخالفة بترك الأوامر، وارتكاب النواهي، [فيرقّ في] (١) نفسه تعظيم الله ـ سبحانه ـ، والاستجابة لأوامره، فيصير ذلك مع طول الزمان إهمالاً، وترك الأوامر من طريق الإهمال كفر، فلما كان ذلك داعية للكفر سمي كفراً، كما سمى الصلاة إيماناً بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٢)، يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس، وسماها إيماناً؛ لأنها تحقق التصديق.
قلنا: أما الأول فليس بشيء؛ لأنه لا فائدة في تخصيص الصلاة بذلك؛ فإن العبادات كلها في ذلك سواء.
الثاني: أن الخبر يقتضي تعليق الحكم بترك فعل الصلاة، لا بترك اعتقاد/ وجوبها، فوجب حمله على الحقيقة.
الثالث: أنه لا يجوز حمله على ترك الاعتقاد؛ لأن الترك إنما يكون بالفعل لا بالجحود، ألا ترى إلى قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٣)، إنما كان تركهم بالفعل، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٤)، فأمرهم بإقامتها وكانوا مقرين بها، ذكر هذا الجواب النقّاش في «الرسالة».
وأما الثاني فلا يصح؛ لأن إطلاق الكفر [على] (٥) ما يضاد الإيمان حقيقة، لا سيما وقد تكرر قوله ﵇ بألفاظٍ مختلفةٍ: «فرقٌ بين الكفر والإيمان الصلاة»، وقوله: «فقد خرج من الملة» وغير ذلك.
وما رووه ـ إن صح ـ فمعناه: أنه شبهه به [في] (٦) نقص العقل،
стр. 396
والغفلة عن الصواب، أو أنه يأثم إثمه، ولم يقل: شارب الخمر قد عبد الوثن، كما قال هاهنا: «فقد كفر»، على أنّا لو خُلِّينا وظاهره لقلنا: إن شارب الخمر كعابد الوثن في شركه، لكن الإجماع انعقد على أنه ليس كعابد الوثن في الدين، فتركناه، وتبقى أخبارنا على ظاهرها، فإنه لم يرُدّها ما هو أقوى منها، ولا مثلها، وهذا هو الجواب عن السؤال الثالث؛ فإنه في الشريعة هو الخروج من الإسلام، والدخول في الشرك، فأما حدُّه في اللغة [فليست الأسماء] (١) باقية على حكم اللغة، وإنما هي منقولة؛ ولأن الكفر هو التغطية والستر كما قالوا، وعندهم أن دينه لم يستتر، و ـ أيضاً ـ قوله ﵇: «بني الإسلام على خمسٍ» (٢)، فبيَّن أنه يقوم بخمس، وما قام بخمسٍ لا يقوم بأربع.
فإن قيل: فما بال العبد والصبي لا عمل له من هذه الأركان وهو مسلم؟
قلنا: سقوط بعضها بالعذر يسقط حكمها في حق ذلك الشخص حتى إنه يبقى مؤمناً على ما بقي، وهذا بمثابة قول النبي ـ صلَّى الله عليه ـ، أن لو قال: بنيت الصلاة على خمسة، أو ستة أركان، فسقط بعضها بعذرٍ من مرضٍ، أو كسرٍ، أو رقٍّ، أو ما شاكل ذلك/ من سفر كان ما بقي صلاة في حق ذلك المعذور، كذلك هاهنا.
فإن قيل: لا يخلو إما أن يكون المراد به: بني على ذلك اعتقاداً، أو فعلاً.
فإن كان اعتقاداً فنحن نقول به. وإن كان فعلاً فلا يجوز؛ لأن الأصول تمنع ذلك، وأن كل واجب من حقوق الآدميين، والواجبات لله ـ تعالى ـ إذا تركها فعلاً مع اعتقادها لم يكفر، فكذلك هذا الواجب مثله.
стр. 397
قلنا: هذا التقسيم مخيّل غير مسنون، وقد بقي القسم الذي نقول به أغفلتموه، وهو أنه بني عليها اعتقاداً وفعلاً، يوضحه أن الإيمان عندنا قول وعمل (١)، ولا يثبت الإيمان إلا لمن جمع الأمرين، وإذا حملتوه عليهما ـ وهو الظاهر ـ احتجتم في حمله على أحدهما ـ وهو الاعتقاد ـ إلى دلالة.
والسؤال الصحيح الذي لا يلزمهم فيه دلالة أن يقولوا: يحتمل أن يكون البناء على الاعتقاد، ويحتمل البناء على الفعل، فلا يحمل على أحدهما إلا بدليلٍ، فيُردّ ـ أيضاً ـ هذا بما رددنا به التقسيم الأول، فنقول نحن: لا نقول بالفعل، فنحتاج إلى دلالةٍ على صرفه إلى ما ذكرت من أحد محتمليه، بل هو مبني عليهما، هذا كما لو قال ﵇: بني أمر الصلاة على خمسة أركان؛ التكبير، والقراءة، والركوع، والسجود، والتشهد؛ فإن ذلك لا يمنعنا من الأخذ بعموم ذلك في النية، والأفعال، ولا نقول: إن بناءها على النية والاعتقاد، سيما والمنطق به الأفعال، وما ذكرتم من حقوق الآدميين، وأما باقي الواجبات الشرعية فلا يلزم؛ لأن حقوق الآدميين خارجة عما نحن فيه من حقوق الله إجماعاً، فإنا لو علمنا أن على زيد حقّاً لعمرو، فطالبه به، فجحد وقال: لا حق له عليَّ، لم يكفر، ولو قال في جواب اقتضائنا له بالصلاة، أو الزكاة: ليست واجبة عليَّ، ولا حقّاً، كفر.
فإن قالوا: لا فرق بينهما في الاعتقاد؛ لأنه متى اعتقد أن ليس الدِّين واجباً/ كفر، كما إذا اعتقد أن ليست الصلاة واجبة كفر، أو الزكاة.
قلنا: قد بان الفرق بالمسألة التي ذكرناها، وهي إذا جحد لفظاً مع علمنا بأنه يقرّ باطناً بقلبه، أو عدم علمنا، وهاهنا لو جحد بلفظه ولا نعلم حال باطنه كفرناه.
وأما قولكم: إذا اعتقد نفي وجوب الدَين كفر؛ فذاك اعتقاد يعود إلى الشرع، وحقوق الله، فلا تجعلوه من هذا القسم الذي وقع الفرق بينه وبين حق الله، والذي يكشف عن هذا الفرق أن دَين الآدمي إذا جحده، وقال:
стр. 398
ما له عليَّ، فقد صرح بأنه لا واجب عليه للآدمي، ولا يكفر بصريح الجحد، وبمثله لو صرح في حق الله، فقال: لا يجب له عليَّ زكاة، كفر.
فإن قيل: قوله: «بني الإسلام على خمسٍ» (١) يريد به: بني الإسلام على الإسلام، أم بني إسلام هو وراء هذه الأفعال على هذه الأفعال؟ وقد بان من قولكم أن الأفعال إيمانٌ، فتكون هذه حقيقة الكلام، ولو صرح به لما حسن، وما لا يحسن التصريح به لا يحسن إضماره في كلامه ـ صلَّى الله عليه ـ.
قلنا: النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أشار إلى الاعتقاد، وسمّاه إسلاماً؛ لأنه الأخص، وبناه على هذه الخمسة المقتطعة من كثير أفعال وواجبات، أقول: تخصيصاً ـ أيضاً ـ لها؛ ومثل هذا لا يمتنع أن يقع على الجملة؛ المبني، والمبني عليه منها، هذا كما قال: بنيت الصلاة على خمسة أركان؛ تكبيرة الإحرام، والقراءة، والقيام، والركوع، والسجود، وإن كانت الصلاة ليست إلا هذه الأفعال بنية تتقدمها، وكما لو قال القائل: اعتماد بني العباس على بني المقتدر، أو أولاد المقتدر، فإنه يعطي ذلك اعتماد الأكثرين على هؤلاء المذكورين، فلا يعطي أن يكون الإسلام غير الصلاة والزكاة، ولا الصلاة والزكاة غير له، وأن يبنى عليه، لكن يعطي تخصيصاً في بعض الجملة على بعض.
والفقه في المسألة: أنها/ عبادة يحكم بإسلامه بفعلها، فحكم بكفره بتركها، دليله الشهادتين، وهذا وصفٌ صحيحٌ، فإن عند أبي حنيفة إذا فعلها في جماعةٍ حكم بإسلامه (٢)، وعند الشافعي إذا فعلها في دار الحرب حكم بإسلامه (٣).
فإن قيل: إذا قال: أنا أعتقد الإسلام، ولا أنطق بالشهادتين، لم يكفر.
стр. 399
قلنا: ليس هذا بمذهب للفقهاء؛ لأنه لا خلاف بينهم أنه إذا كان كافراً، فقال: أنا مسلم ولا أنطق بالشهادة، أنه لا يُقبل منه، ولا يحكم بإسلامه، على أن هذا يخالف النص، وهو قول النبي ـ صلَّى الله عليه ـ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» (١)، فبطل من هذا الوجه.
فإن قيل: إنما لم يقبل لأنّا نستدل على كذبه فيما أخبرنا به؛ لأنه لا مشقة عليه في القول، فإذا امتنع منه اتهمناه في خبره بالكذب، بخلاف الصلاة؛ فإنه يشق عليه فعلها مع اعتقاده لوجوبها، فإذا أخبر بذلك لم يتهم بالكذب.
قلنا: وقد يترك قول الشهادتين تكبراً، وأنفةً، وخوف العار، كما رُوي أنَّ أبا طالب كان يقول للنبي ـ صلَّى الله عليه ـ إذا دعاه: أنا أعلم بأنك صادق، ولولا أن تعيرني قريش لأقررت بها عينيك (٢).
وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (٣)، قال قتادة: جحدوا الإيمان بها، واستيقنتها أنفسهم، أي: علموا أنها من عند الله، والجحد لا يكون إلا بعد المعرفة (٤).
وكذا قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٥)، قال الحسن: المعرفة في قلوبهم، والتكذيب بألسنتهم (٦).
стр. 400
فإن قيل: إنما حكم بإسلامهم بفعلها؛ لأن الإسلام أسرع حصولاً، وأعجل نفوذاً، بدليل حصوله تبعاً بإسلام أحد أبويه، وبالإكراه، والخروج منه إلى الكفر إبطاءً، والأفعال قد يتركها كسلاً، كما يقدم على المنهيات شهوة لا استحلالاً.
/ قلنا: إلا أنهما قد استويا في الكلمة؛ ولأن مثله في الكفر بالكفر بالدار، والأبوين في الأصل، وأما إذا طرأ الإسلام غلّبنا، وإذا طرأت الرِّدة لا نُغلّب فلعمري، ولكن العدالة يحكم بها بالظاهر، والفسق لا يحكم به إلا بفعلٍ من جهته، ويحصل بترك الصلاة، وكذلك القتل عند الشافعي لا يحصل إلا مع عدم الشبهة، ولا يثبت معها، ومع ذلك يحصل بترك الصلاة (١).
وأما المنهيات ففي النفوس شهوات غالبة تحمل على ذلك، وتغلب التدين، وليس في الطبع تكاسل يحمل على الترك، لا سيما مع المراجعة، والقول، والتهديد بالقتل؛ ولأنه يجب على هذا أن يحكم بكفره إذا أكل الخنزير، والدم، والميتة المنتنة، وزنى بالبهائم، والعجائز المشوهات؛ لأنه لا دواعي تحمله على ذلك، بل دواعي الطباع تنفر عن ذلك وأمثاله، ومع ذلك لم نكفره بارتكاب محظورات تتطلبها النفوس، وتميل إليها الطباع، وتتوثب عليها الدواعي، على أن الصلاة قليلة المؤنة فلا تثقل، وإن ثقلت في بعض الأحايين فلا تثقل في كل وقتٍ.
ثم المكروه اللاحق به من العقوبة بالضرب، والحبس، والوعيد بالقتل يوضَّح من حاله أن تركه لها [اعتقاداً] (٢)، لا تكاسلاً.
فإن قيل: [فالشهادتان] (٣) هي الحجة؛ فإنه لو تركها مَنْ حُكم بإسلامه على طريق التبعية لأبويه، أو الحكم بالدار تكاسلاً لم نحكم بكفره،
стр. 401
بل كان على إسلامه، فلتكن الصلاة كذلك، ولأن الشهادتين أصل في الإسلام، فجاز أن يحكم بكفره بتركها، فأما الصلاة فإنها من فروعه، فغاية إيجاب تركها ما تخرج منه من فرع ـ وهو عدالة الإسلام ـ فيصير فاسقاً.
قلنا: أما الشهادة فلا تلزم على التكرار، وإذا لم يأتِ بها في العمر دفعة، وكان قد بلغ أوان التكليف، أو أوان النطق/ عن عقلٍ صحيحٍ كان كافراً، وإن أتى بها دفعة، أو أتى بالصلاة، فقد حكمنا بإسلامه، فهذا دفع للحجة عنا من الشهادتين.
وأما تصوير المكان الملزم عليهم؛ أن يقع فيه شك، أو يُشهد عليه بمعنى ينافي الدين الذي يستدعي منه الإمام بكلمة التوحيد فلما يأتي بها.
وقولهم: إنّ الشهادتين أصل؛ فقد أجاب عنه بعض أصحابنا بأن قال: ليست أصلاً؛ بل هي دلالة، وفرع للتصديق الحاصل في القلب بدليل أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ سوَّى بينها، وبين العبادات في قوله: «بني الإسلام على خمسٍ» (١)، وذكر من جملتها الشهادتين، وجعل الإيمان هو المبني على الخمس.
قال: ومما يكشف عن كون الشهادتين فرعاً لا أصلاً: أنه لو تركها مع الإكراه، وثنَّى، وثلَّث لم يحكم بكفره، ولو أتى بالشهادتين صورة وكان مكذبّاً بقلبه كان كافراً، ولو كانت هي الإيمان كان [الإتيان] (٢) بصورتها إيماناً [كالتصديق بالقلب] (٣) لما كان أصلاً حكم بإيمانه به.
قال: فإن قيل: على هذا الجواب الاعتقاد للكلمة كالنية للعبادات، ولا يقال: إن النية هي العبادة؛ بل شرطها.
قيل: هذا غلطٌ كبيرٌ؛ بل الكلمة مع الاعتقاد، كاستقبال الكعبة،
стр. 402
والختان، وجميع شعائر الإسلام في حق من وجدناه من الأموات والقتلى؛ فإن ذلك دالٌّ على الإيمان الذي كان في القلب.
وقد ذكر بعض الأصحاب طريقة أخرى، فقال: الصلاة عبادة مقصودة، سميت في الشرع إيماناً، وكفر بتركها كالشهادتين، وقد دلَّ على هذا الوصف الشرع، والمعنى.
أما الشرع قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١)، قيل: الصلاة إلى بيت المقدس؛ ولأن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ سمَّاها عماد الإيمان (٢)، وعماد الشيء/ ما يكون بقاؤه به.
وقال ـ أيضاً ﵇: «نهيت عن قتل المصلين، كما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» (٣).
وأما المعنى: فإنها وظيفة دائرة على دور الليل والنهار، وقرارهما؛ ولأنه لا تدخلها النيابة بنفسٍ، ولا مالٍ، مثل الإيمان سواء، و ـ أيضاً ـ لا تسقط بعذر عجزٍ، ومشقة بعد أن أمكن الإتيان بها بوجهٍ ما كالإيمان، فثبت ما قلناه.
فإن قيل: التسمية قد يدخلها المجاز، فلا توجد حقائق الأحكام من مجازات الألفاظ، ولهذا رفع الأذى عن الطريق تعبد ورد الشرع بأنه من شعب الإيمان، فقال: «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (٤).
يوضح صحة دعوانا أنها مجاز: أن الإيمان هو التصديق، والحركات
стр. 403
والهيئات لا تكون تصديقاً، وإنما تُجوّز بتسميتها إيماناً؛ لأنها دلالةٌ على الإيمان، وشعار عليه.
ومن الدلالة على صحة ذلك: أن النبي ﵇ قال: «بني الإسلام على خمسٍ» (١)، وذكر إقام الصلاة منها، والشيء لا يبنى على نفسه، وإنما يبنى على غيره.
قلنا: لا فرق بين الأفعال، والأقوال، والاعتقاد؛ لأن الاعتقاد المجرد ليس بإيمانٍ بدليل تصديق أبي طالب، ولا القول المجرد بدليل شهادة المنافقين، ولا العمل المجرد إيمان بدليل أعمال المنافقين والزنادقة، واستويا في الاسم في الأصل حقيقة، والتصديق المجرد كان إيماناً لغة، فوصل به الأعمال، فصار الكل إيماناً، كما كانت الصلاة في اللغة مجرد الدعاء، ووصل بها غيرها من الأعمال، فصار الكل صلاةً.
ولقد سميت الصلاة قرآناً، فقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٢)، كما سمى الصلاة إيماناً، ولم يكن القرآن نفسه صلاة، ولا الصلاة قرآناً، لكن سميت به؛ لأنه من جملة أركانها، وكذلك/ الحج هو القصد، وجعل الشرع مناسكه، وأركانه المخصوصة مضمومة إلى القصد، فجعل الكل حجّاً، كذلك الصلاة في الإيمان الذي هو مجموع أركان، وبقية الأركان من رفع الأذى عن الطريق هي من جملة الإيمان إذا وجدت من جهة مؤمن، فأما إذا وجدت من جهة كافرٍ لم يدل؛ لأن الكافر قد يفعل الخير، ويتقرب برفع الأذى، لكن الصلاة المخصوصة لا يفعلها إلا من تدين الدين الذي وضعت له.
وقولهم: إن الصلاة دالة من حيث كانت ركناً، وخصيصة دلت، وكما يُستدل على صلاة الإنسان باستقبال القبلة، وقراءته، يستدل على إيمانه بصلاته، وكما يستدل على إحرامه بتجرده وقصده، كذلك هاهنا،
стр. 404
وسوق الهدى، أو التلبية أيهما كان دلّ، وإن كانت التلبية شعار العبادة، وسوق الهدى شعاراً أبعد منه، وجميعاً دلالتان.
طريقة أخرى: أن الشريعة بعد صحة الإيمان تشتمل على أوامر ونواهٍ، ثم في النواهي ما إذا فعله كفر، وهي الردة، يجب أن يكون في الأوامر ما إذا تركه كفر، وليس إلا الصلاة.
طريقة تخص مالك، والشافعي، فنقول: تعبد يقتل بتركه، فكفر بتركه كالشهادتين.
فإن قيل: القتل مشروعٌ في ارتكاب مناهٍ لا تحصل بها الردة، كالربا، والقتل، فإذا لم يدل (١) وجوب القتل في المناهي على الكفر بفعلها، لم يدل وجوب القتل على ترك الأوامر على الكفر بتركها.
قلنا: إن الشرع فرَّق بين الترك والأفعال، فبنى الإسلام على الأعمال، وجعلها أركاناً، ولم يجعل الترك أركاناً، وصلى على المحدودين، وجعل الحدود تطهيراً، وعظم شأن الأركان، وسمى تاركها كافراً، ولم يحكم بالإسلام بتروك الشرع/ المختصة به، وجعل الصلاة دلالة على الإسلام على ما بيَّنا.
احتجوا:
بما روى عبادة بن الصامت أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ قال: «خمس صلواتٍ كتبهنّ الله على العباد في اليوم والليلة، فمن جاء بهن لم ينقص منهن شيئاً جاء وله عند الله عهدٌ أن لا يعذبه بالنار، ومن جاء وقد انتقص منهن شيئاً فأمره إلى الله إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه» (٢). وهذا يدل على أنه لا يكفر.
стр. 405
والفقه فيه: أنها عبادة من شرطها أن يقدم الإيمان، فلم يكفر بتركها، دليله: سائر العبادات من الزكاة، والصوم، والحج، وغير ذلك، وهذا لأن الصلاة من أعمال الأركان، والاعتقاد، والتصديق من أعمال القلب، فلا يزول الإيمان إلا بما ينافيه، وليس ينافيه ترك الأعمال.
قالوا: ولأن الصلاة ثقيلة بكسل المكلف عن فعلها، ويثقل عليه أداؤها، فيصدق في أنه لم يتركها جحداً، ولا كفراً، بل استثقالاً لها، وكسلاً عنها، فصارت كفعل المحظورات التي تميل النفس إليها، يصدق لما يعرف من شدة الدواعي إليها دون معاندة الشرع بمواقعتها.
قالوا: ولأنه لا يخلو إما أن [تحكموا] (١) بكفره بعد فوات وقت الصلاة، أو قبل فواته، أو قبل مجيء الوقت، لا يجوز أن يكون بعد الفوات؛ لأنه قد ثبت في ذمته، ووقته متسع، ولا يجوز أن يكون مع بقاء الوقت؛ لأنه لم يفت، ولا يجوز أن يكون قبل مجيء الوقت؛ لأنه ما وجب عليه شيء يحكم بكفره بتركه، وإذا بطلت هذه الوجوه بطل الحكم بكفره.
واحتج أبو زيد على أن تارك الصلاة لا يكفر ولا يقتل، فقال: ترك الصلاة جناية على حق الله ـ تعالى ـ، فلا يكون موجباً للقتل (٢).
أما قولنا: إن ترك الصلاة جناية على حق الله ـ تعالى ـ فلا/ إشكال فيه من قِبَل أن الصلاة ما وجبت إلا لحقِّ الله ـ تعالى ـ، وما لم يجب إلا لحق الله تعالى يكون خالصاً له، فيكون تركها جناية على حق الله ـ تعالى ـ.
стр. 406
إذا ثبت هذا فما كان جناية على حق الله ـ تعالى ـ تؤخر عقوبته إلى دار الآخرة؛ فإنها دار الجزاء، فأما دار الدنيا؛ فإنها دار تكليف وعمل، فلا يجوز أن تكون دار الجزاء، ألا ترى أن دار الآخرة لمَّا كانت دار جزاء لم تكن دار عملٍ وتكليفٍ، كذلك دار الدنيا لمَّا كانت دار عملٍ وتكليفٍ وجب أن لا يخلص فيها الجزاء حتى تخلص الأعمال والتكاليف، وترك الصلاة لا يستضر به أحد، إنما يستضر به تارك الصلاة، فهو جناية على محض حق الله ـ تعالى ـ، فتكون عقوبته مؤخرة إلى دار الآخرة. وهذا الكلام قد مضى تقريره في عدة مواضع.
وقرر أبو زيد هذا الكلام على وجهٍ آخر، فقال: القتل عقوبة، فلا يستحق إلا بجريمةٍ متناهيةٍ؛ لأن القتل عقوبة متناهية، وأن هذه الجريمة ليست متناهية (١).
وبيان ذلك: أن الترك ليس حراماً لعينه؛ فإن ترك الأكل، وترك الشرب مباح، وإنما صار الترك حراماً؛ لأنه تضمن ترك الصلاة، فإذن هو [حلال] (٢) في نفسه [حرام] (٣) لغيره، فلا يصلح لإيجاب العقوبة؛ فإن الشبهة قد تمكنت منه، وإذا كانت الشبهة متمكنة من الفعل فلا يكون صالحاً لإيجاب القتل، وصار كآخذ مال الغير؛ فإن الأموال في الأصل حيث خلقت إنما خلقت للأكل والتناول، وإنما إذا تعلق بها حق بعض الناس حرم أخذها؛ لكيلا يفضي إلى الإضرار به، فهو حرام [من وجه] (٤) دون وجه، وإذا كان كذلك لم يصلح لإيجاب العقوبة، ولا يلزم على هذا شرب الخمر؛ فإن ذلك [حرام] (٥) لعينه، قال ﵇: «حرمت/ الخمر لعينها» (٦)،
стр. 407
ولهذا يحرم شرب الخمر وإن كانت ملكه، ولا يلزم الزنا؛ لأنه جناية على محض حق الله، ولهذا يحرم وإن رضيت المرأة، وخرج على هذا الكفر؛ فإنه جناية على حق الله ويوجب القتل؛ لأنا نقول: جوابه من وجهين:
أحدهما: أنَّا لا نقول: إن الكافر قتل لكفره، وإنما قتل لحرابه.
الثاني: سلمنا أنه مقتول بكفره، إلا أنا نقول: الكفر إنما كان حراماً؛ لأنه تضمن ترك الإيمان، وإنما كان الكفر حراماً؛ لأنه جناية على حق الله ـ تعالى ـ، فأوجب القتل بخلاف الترك؛ فإنه ما كان حراماً إلا لأنه تضمن ترك الصلاة، فهو حرام من هذه الجهة، حلال في نفسه، فافترقا.
الجواب:
أما الخبر؛ فقد روينا عن عبادة عن النبي ﵇ أنه قال: «من تركها متعمداً فقد خرج من الملة» (١).
وروى الشيخ أبو بكر النجاد عين هذا الخبر عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه ذكر الصلاة فقال: «من حافظ عليها كانت له نوراً، وبرهاناً، ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً، وبرهاناً، ونجاة، وكان يوم القيامة مع فرعون، وهامان، وقارون، وأُبيّ بن خلف» (٢)، وهذا زيادة، فالأخذ بها أولى، على أنَّا نحمل:
стр. 408
«من انتقص منها شيئاً» أي: ترك سنة (١) من واجباتها، مثل: التكبير، والتسبيح، والتشهد الأول، وغير ذلك؛ فإنه يكون عندنا عاصياً، وأمره إلى الله ـ تعالى ـ.
وفي هذا التأويل [جمع] (٢) بين الأخبار، وترك التناقض في الروايات، فدلَّ على صحته.
وأجاب بعض أصحابنا، فقال: يحتمل أنه أراد بالمغفرة تأخير عذاب الدنيا عنهم، كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (٣)، يؤخر العذاب في الدنيا، أو يقيضهم لتوبةٍ، فيتوب عليهم بقبولها، كذلك قوله: «وإن شاء غفر له» بأن يقيض/ له توبة يغفر بها ذلك الانتقاص.
وأما قياسهم على سائر العبادات؛ قلنا: في الصوم، والزكاة، والحج روايتان (٤):
أحدهما: أنه يكفر بتركه، فلا فرق؛ لأنه كله فرض كالتوحيد.
والثانية ـ وهي ظاهر المذهب ـ: أنه لا يكفر.
فعلى هذا الفرق واضح، وذلك أن [مالكاً] (٥)، والشافعي: لا يقتلون بترك شيء من العبادات، ويقتلون بترك الصلاة (٦)، كذلك الكفر.
الثاني: أن الصلاة سميت إيماناً، ولهذا لما نسخت القبلة، قالوا: كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فنزل:
стр. 409
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١)، رواه البراء (٢)، وهو مجمع على صحته، ولأنه يحكم بإيمانه بفعلها، بخلاف بقية العبادات، ولأن الزكاة يمكن أخذها قهراً، والحج والصوم تدخله النيابة في الجملة بعد الموت، فأما الصلاة فلا يتطرق إليها ذلك، فهي كالتوحيد سواء، ولهذا روي أن «الصلاة عماد الدين» (٣)، وهي واجبة على كل مكلفٍ، فلا تسقط بعذرٍ ما دام عقله ثابتاً عليه على ما سبق تقريره، بخلاف بقية العبادات، فافترقا.
وأما قولهم: إن الإيمان هو التصديق، والصلاة من أعمال الأركان.
قلنا: هذا ليس بمذهبٍ للفقهاء، وإنما مذهب الفقهاء، وأهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل (٤).
وأما قولهم: إنه يتركها تكاسلاً كما تقدم على المنهيات لغلبة الشهوة؛ فقد تقدم جوابه بما فيه كفاية.
وأما التقسيم الذي ذكروه فيلزم عليه الحبس، والتعزير، والتضييق، والقتل، على أن الرواية قد اختلفت عن الإمام أحمد، فروي عنه: إذا ترك ثلاث صلوات (٥)؛ فظاهر هذا أنه إذا تضايق وقت الرابعة عن فعلها وجب كفره، وإنما أمهلناه؛ لأنه قد يجوز أنّ تركها لشبهةٍ عارضةٍ كشبهة الردة.
стр. 410
وروي (١): إذا تضايق وقت/ الظهر على من ترك الفجر؛ فعلى هذا يعتبر ترك صلاة واحدة، وتضايق وقت الثانية، ويعضد هذه الرواية [ظواهر] (٢) الأخبار في تارك صلاة الفجر، والعصر.
وأما دعواكم أن وقت القضاء موسّع؛ ممنوع؛ بل وقت القضاء موسّع مع عدم الأعذار، وهو على الفور، فلا يسلم أن الوقت في قضائها موسّع، ويشهد لهذا المذهب قول النبي ـ صلَّى الله عليه ـ: «من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فذلك وقتها، لا وقت لها غيره» (٣)، فبطل ما قالوه.
وأما قول أبي زيد: هذا جناية على محض حق الله ـ تعالى ـ (٤).
قلنا: لم إذا كان جناية على حق الله ـ تعالى ـ لا يوجب العقوبة في الدنيا، وقد بيَّنا فساد هذا في مسألة قتل المسلم بالذمي.
أما الكلام الثاني؛ فقوله: ترك ليس بحرام لعينه، وإنما هو حرام لا يتضمن ترك الصلاة.
قلنا: ليس كذلك؛ بل هو حرام لعينه، فإنه لمَّا كان متضمناً ترك الصلاة كان حراماً من أوَّله إلى آخره، كما أن أفعال الصلاة لمَّا كانت مأموراً بها كانت طاعة من أولها إلى آخرها، وكذلك سائر الأفعال، وهذا لأن الأفعال لا تكون حراماً لعينها، فإنها لو كانت حراماً لعينها لما أبيح مثلها، فالزنا حرامٌ، والنكاح حلالٌ، والوطء مثل الوطء، وكذلك القتل حرام، وأنه مثله حلال، فدلّ على أنه لا يحرم شيء لعينه، وإنما يحرم لتعلق النهي به، ويصير طاعة لتعلق الأمر به، وكذلك الكفر ما كان كفراً من حيث جرّ اللسان؛ بل كان كفراً؛ لأنه تعلق به نهي الشرع.
стр. 411
قوله: الكفر ما أوجب القتل، وإنما الموجب المحاربة.
قلنا: قد بيَّنا فساد ذلك في مسألة [قتل] (١) المسلم بالذمي، وغيرها من المسائل، وكذلك باقي كلامهم على ما عرف في موضعه، والله أعلم.
стр. 412
مسائل الجنائز
مسألة
كفن المرأة، ومؤنة جهازها إلى الآخرة/ في تركتها دون مال الزوج (١)؛ نصَّ عليه أحمد (٢)، وهو مذهب الشعبي (٣)، ومحمد بن الحسن (٤)، وبه قال ابن أبي هريرة (٥) من أصحاب الشافعي (٦).
وعند أبي حنيفة، والشافعي: كفنها على زوجها (٧).
لنا:
أن الموت معنى يزيل النكاح، ويقطعه، فوجب أنْ يمنع وجوب الكفن على الزوج؛ دليله الطلاق.
أو نقول: الموت يُوجب فرقة تحريم الاستمتاع، ويقطع الانتفاع، ويزيل الملك (٨) بحيث تباح له أختها، وأربع سواها (٩)، فأسقط المؤنة،
стр. 413
والنفقة، كالطلاق؛ وهذا لأن وجوب الكفن لا بدَّ له من سبب، ولا سبب هاهنا؛ لأن السبب كان هو النكاح، وقد ارتفع، وصار كالعدم.
وإنما قلنا ذلك؛ لأن النكاح إنما يبقى في محل النكاح، والميت ليس بمحل؛ لأنه جماد؛ ولأنه أدنى من البهيمة، فيستحيل أن يكون محلاً للنكاح؛ ولأن النكاح ملك فلا يبقى إلا في محل الحياة، كملك اليمين، لا يتصور بقاؤه في الميت، ويدل عليه أنه يجوز له نكاح أختها، وأربع سواها، ولولا أن النكاح ارتفع لم يحلّ؛ لأنه يصير جامعاً بين أختين، أو بين خمسة نسوة نكاحاً، وتصور فيما لو ماتت المرأة، وتزوج هو بأختها في الحال؛ فإن عندكم يجب عليه كفنها، ونفقة الحية.
فإن قيل: ليس فرقة الموت فرقة قطع للعصمة، ولا مزيلة للحرمة، وإنما هي كاشفة عن التمسك المكمل المستوعب لجميع العمر، وقد جعل الشرع ذلك كإتمام الوصلة بما أثبت من الحرمة، فأوجب التوارث بغير حجبٍ، وقدمه عندكم على جميع الأقارب في الصلاة عليها (١)، وبقاء حرمة أوجبت إباحة غسل كل واحدٍ منهما لصاحبه، وقرر الصداق (٢) كاملاً، وجعل الموت كالدخول؛ لأن الدخول غاية الاستيفاء، والموت على العقد غاية/ التمسك والوفاء بالعقد، بخلاف الطلاق الذي هو قطع له دون غايته.
قلنا: التمسك بالعصمة إلى حين [الموت] (٣) أوجب النهاية والغاية، والغاية في كل شيء تخالف ما قبلها من الملك وأحكامه، فأما الإرث فإنه في مقابلة أن لو كان هو الميت، وهو من خصائص زوال الملك، لا من دلائل الملك، وإنما أجري مجرى القرابة فورث به تشبيهاً بالقرابة،
стр. 414
والمبتوتة (١) ترثه ولا يكفنها، والمولى من أسفل (٢) لا يلزم مولاه كفنه وإن كان يرثه.
وأما تقرير المهر؛ فإن الملك للغير تلف على ملكه، وهو من ضمانه عندنا وإن لم يقبض (٣)، أو نقول: إن تلف ما لا يعتبر له القبض مضمون، وهذا مما لا يعتبر لو أن ملكه انقبض، ولأنه الغاية، فهو كانقضاء مدة الإجارة.
وأما إباحة الغسل، فلا يعطي ثبوتها وبقاؤها بقاء الزوجية، بدليل تحريم الغسل على الزوج بنفس الموت عند أبي حنفية (٤)، ومحال أن يكون الموت ـ وهو معنى واحد ـ مزيلاً للنكاح في حقه، غير مزيل له في حقها.
وأما الشافعي قال: الغسل من آثار النكاح التي لا يجوز أن تقتضي إيجاب مال، ولا يدل عليه، كما أن التحريم الباقي بعد النكاح ـ وهو من آثاره ـ لا يدل على بقاء إيجاب النفقة، على أن جواز الغسل هو ستر لها حيث كان في حال الحياة أخصّ من أهلها بها، وبالوقوف على عورتها، فكان من سترها توليه لها، وهو نوع منّة، فلا يجوز أن يُجعل مثل هذا موجباً لتغريم في ماله (٥).
طريقة أخرى: أن الكسوة في مقابلة الاستمتاع، وقد تعذر ذلك من جهتها، فيجب أن تسقط، دليله حالة الحياة إذا تعذر ذلك بنشوزها؛ بل هذا أولى؛ لأن النشوز يرجى زواله، وهذا لا يرجى زواله،
стр. 415
يدل عليه أن الناشز باقية على حبسه/ لكن لما أُجل استمتاعه بامتناعها سقطت نفقتها مع ترجّي التمكين، والموت حصل به الإياس من المتعة.
فإن قيل: المعنى في النشوز إنما أسقط النفقة؛ لأنه جاء من جهتها، وليس كذلك الموت؛ فإنه جاء من غير جهتها.
قلنا: يبطل على أصل أبي حنيفة به إذا قتلت نفسها قبل الدخول؛ فإنه لا يُسقِط المهر وإن كانت الفرقة جاءت من جهتها (١).
وعلى أصلهما جميعاً بقتلها نفسها، فإنه يُوجبُ تكفينها على الزوج وإن كان موتها بسبب من جهتها، وهو القتل، وكذلك العبد والأمة إذا قَتَلا أنفسهما وجب تكفينهما على السيد وإن كان موتهما بسبب من جهتهما.
وعلى أن الإجارة والبيع قبل التسليم إذا جاء التعذر من قِبَل البائع والمؤجر سقط العوض، ولو جاء من قِبَل الله ـ تعالى ـ بالموت، وانهدام [للدار] (٢) المستأجرة سقط العوض.
طريقة أخرى: نقول: أجمعنا، واتفقنا على أن النفقة في حالة المرض لا تجب، كذلك الكفن بعد الموت، ونعني بالنفقة مما يُحتاج إليه من الدواء، وأجرة الطبيب، والرياحين (٣) الموصوفة لتقوية أنفاسها، بما يزيد على نفقة الصحة، وهذا لأن المرض بريد الموت ورائده، قال ﵇: «الحمّى رائد الموت» (٤)، فإذا لم تجب النفقة المختصة بالمرض،
стр. 416
وهي من علق الحياة، وأسبابها المعتادة، والنكاح قائم، والعصمة باقية، ومحل الاستمتاع باقٍ، فأولى أن لا يلزمه الكفن في حال الموت، مع فوات المحل، وزوال النكاح، كان ذلك بطريق الأولى؛ لأن نفقة المرض لاستصلاح ملكه، ونفقة التجهز إلى القبر أمر أحوج إليه بعد زوال ملكه عنها.
يدل عليه: أن النكاح قد أُجري مجرى الإجارة؛ لأنه عقد على المنافع، فحالة المرض هي كحالة تشعّث (١) / الدار على المالك، وموت الزوجة كخراب الدار، وذلك على المؤجر ـ أيضاً ـ، كذلك هاهنا.
فإن قيل: الدواء ليس بواجب، ولهذا ذهب بعضهم إلى أن تركه أفضل من استعماله، فلما لم يجب عليه في حق نفسه، فأولى أن لا يجب في حق زوجته.
قلنا: الدواء قد أُجري مجرى العقد في حال الصحة؛ لأنه يحفظ القوة، وذلك واجب.
الثاني: أنه قد يلزم الإنسان في حق غيره ما لا يلزمه في حق نفسه، بدليل الناعم من الملبوس، والطيب من المأكول، فجاز أن تلزمه نفقة المرض.
فإن قيل: الجواب عن نفقة المرض من وجهين:
أحدهما: أنها مجهولة، ولا يعلم قدر المرض كم يبقى، وهو من زوائد الإنفاق، فلا يجب، بخلاف الكفن.
стр. 417
الثاني: أن نفقة المرض ليست من جنس ما وجب بعقد النكاح، والكفن من جنس ما وجب بعقد النكاح، وهو الكسوة.
قلنا: أما قولكم: إنها غير مقدرة؛ فليس كذلك؛ بل هي مقدرة بقدر الحاجة، فكان ينبغي أن يُعتبر هذا، ولا يجوز أن يكون عدم العلم ببقاء المرض وقَدْرِه علّة مانعة من وجوب الإنفاق، والدليل عليه: نفقة الأقارب، وفقراء المسلمين؛ فإنها واجبة على القرائب، وفي بيت مال المسلمين، ولم يُنظر إلى ما قالوه قبل، فقام الإنفاق عليهم بقدر الحاجة، كذلك هاهنا، على أن نفقة المرض وإن كانت من زوائد الإنفاق، فالكفن بعد الخروج عن حيز أهل الدنيا، وحيز الاستمتاع والألفة من الحي والميت، بل الأدويةُ تلاقي في حالةٍ عقدُ النكاحِ فيها [باقٍ] (١)، وبعدَ الموت إنما هو ستر غير معقول المعنى؛ لأنه لو كان للستر لكان في التراب كفاية.
وأما قولهم: إن نفقة المرض ليست من جنس ما وجب بعقد النكاح؛ ليس كذلك؛ لأن الأشربة والأدوية من جنس الأغذية، وإن اختلفا في المأكول؛/ لأن الأدوية متولدة مما يتغذى به، وهي من جنسه، ثم هذا المعنى موجود في الكفن؛ لأن الكفن ليس من جنس كسوة النكاح من طريق الصورة، ولا من طريق العدد؛ ولأن جهازها الذي اختلفنا فيه هو عبارة عن الكفن، ومؤونة الغسل، والحَنُوط، وحفر القبر، وليس ذلك من جنس ما أوجبه عقد النكاح.
طريقة أخرى: أن النفقة والكسوة تجب مع بقاء النكاح، فلا تجب مع بقاء سببه، دليله حالة الحياة لا تجب مع بقاء سببه، وهو العدة، وهذه الطريقة تخص الشافعي (٢)؛ لأن عند أبي حنيفة أن المطلقة تستحق النفقة (٣)، يبين صحة هذا أن زمان العدة أقرب إلى النكاح؛
стр. 418
لأنها محبوسة عن الأزواج لحقه، فلا يجوز أن يزوج بأختها، وأربع سواها، وبعد الموت يجوز ذلك، ثم ثبت أن حال الحياة لا تلزم الكسوة، فأولى أن يكون بعد الموت.
طريقة أخرى: أن هذه ليس بينه وبينها نسب، ولا ملك يمين، فلا يلزمه تكفينها، دليله الأجنبية التي لم تكن زوجة.
فإن قيل: إن لم يكن بينهما نسب، فبينهما سبب، وهو الزوجية.
قلنا: ذلك السبب قد انقطع بالموت.
فإن قيل: فالنسب ـ أيضاً ـ (١) قد انقطع بالموت.
قلنا: بل النسب بعد الموت باقٍ، وكذلك حكمه، فإن أولاد المناسبين يرثون، وأولاد الزوجة لا ميراث لهم.
طريقة أخرى: أن إيجاب الكفن لا يخلو إما أن يقولوا: وجب على الزوج في حال الحياة، أو وجب بعد الموت؛ فإن قالوا: وجب في حال الحياة كوجوب الكسوة؛ فليس جنس هذا، ولا صفته صفة الكسوة في حال الحياة، وإن قلتم: وجب بالموت؛ [فالموت] (٢) من شأنه أن يُسقط، فأما أن يوجب فلا.
فإن قيل: قد يوجب الموت، بدليل الميراث.
قلنا: استحقاق/ الميراث إنما هو بسبب الزوجية، وذلك في حال الحياة، وإنما استيفاؤه حصل بعد الموت، فهو كالدين المؤجل، استحقاقه سابق واستيفاؤه عند وجود الأجل.
جواب آخر: يجوز أن يحدث الموت حقّاً لم يجب من قبله،
стр. 419
ولا يوجب التكفين، كطلاق المفوضة (١) قبل الدخول يوجب المتعة، ولو لم يطلقها لم يجب، ولا يجب عليه تكفينها.
طريقة أخرى: أنه أحد الزوجين، فلا يلزمه كفن الآخر، دليله الزوجة، لا يلزمها كفن زوجها، كذلك الزوج.
فإن قيل: الزوجة لا يلزمها كسوته في حال الحياة، فلهذا لم يلزمها بعد الموت، بخلاف الزوج؛ فإنه يلزمه كسوتها في حال حياتها، فلزمه بعد الموت.
قلنا: حال الحياة الزوجية باقية، وبعد الموت قد انقطعت، فلا يجوز اعتبار أحدهما بالآخر في الكفن، كما لم يجز اعتبار أحدهما بالطلاق، وتبطل بالناشز، لا يلزمه كسوتها في حال الحياة، ويلزمه كفنها عندهم، فبطل هذا.
طريقة أخرى: نفرض الكلام في الكفن، فنقول: سترة يختص وجوبها بحق الله ـ تعالى ـ، فلم تجب على الزوج، دليله ثوبي الإحرام، والدليل على أن الكفن تعبد محض لا يعقل معناه أنه إن كان لأجل ستر العورة فيجب أن تستر إلى حين الدفن، والتراب يستره، أو يجب قدر ستر العورة خاصة، والطيب يراد للشم، وذكاء الريح، وهو يَثْوِي (٢) في التراب ويتغير، ويعتبر فيه بعداد الكفن، ولأنه لا يسقط بإسقاط الآدمي، فلا يقدم عليه دين، ولا حق لآدمي، ولا يلزم سترها حال الحياة؛ لأنه لا يجب من السترة ما كان حقّاً لله، وإنما يجب ما كان لدفئها، وطلبها، وزينتها.
فإن قيل: يجوز أن يجب عليه لأجلها ما هو حق لله بعد الموت،
стр. 420
كما وجب عليه صدقة الفطر عنها، وأما الإحرام/ فلا يختص بملبوس؛ لأنه (١) يجوز أن تحرم في ثيابها.
قلنا: صدقة الفطر، وجبت لأجل التزام المؤنة، ولهذا وجبت لأجل القرابة وإن لم يجب الكفن لأجل القرابة.
وأما عذرهم عن الإحرام فلا يصح؛ لأنه ينبغي أن يقولوا: ها هي تكفن في ثيابها، ولما قلت: لا تكفن في ثيابها، وتجعل لورثتها، ويلزم الزوج تكفينها، دل على ما ذكرنا.
طريقة أخرى: أن الأصل براءة ذمة الزوج من الكفن، فمن ادعى شغل ذمته بالكفن فعليه الدليل.
فإن قيل: نقابله بمثله، فنقول: أجمعنا على وجوب كسوة المرأة على الزوج في حال الحياة، فمن ادعى إسقاطها عنه بالموت فعليه الدليل.
قلنا: قد دللنا عليه.
احتجوا:
بما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال في خبر طويل لعائشة: «ما عليك لو متِّ، فغسلتكِ، وكفنتكِ، وصليت عليكِ» (٢)، فأخبر أنه كان يكفنها، فدلّ على وجوب الكفن على الزوج.
والفقه فيه: أنه نوع ملك يوجب كسوة حال الحياة، فأوجب المواراة بالتكفين بعد الموت، دليله ملك اليمين في حق العبد والأمة، يقرب ما بينهما أن الملك في كل واحد منهما يزيله الموت، بل النكاح آكد دواماً وبقاء؛
стр. 421
لأن أثره يحصل به الإرث، وهو نوع ارتفاق (١) بمالها، فكان هذا النوع من الملك أحق بإيجاب المواراة، وهذا لأن عقد النكاح أوجب بينهما من الموالاة ما إذا تمت به العصمة إلى حين الوفاة كان من حقها عليه القيام بمؤونة المواراة، ولهذا أوجب هذه الوصلة للإرث، وإباحة الغسل، وأوجبتْ عندكم تقدمه في الصلاة عليها، على الأولياء كلهم من أقاربها/ وعشائرها (٢).
وفي ترك تجهيزها ـ لا سيما إذا لم يكن لها مال ـ هجنة في الألفة، فلا يحسن بمحاسن الشرع اطّراح الحرمة، وإسقاط حكم الألفة المتمسك بها إلى حين الموت، وهذا كلّه لمعنى، وذلك أن الشرع ورد بمكارم الأخلاق، وليس من المكارم استصحاب نكاح إلى حين الموت، ثم نكل الموت إلى مالها.
ومنهم من قال: من كانت نفقته عليه في حال حياته، وجب عليه تكفينه بعد موته، دليله الوالدان و [المولودان] (٣).
الجواب:
أما الحديث فيحتمل قوله: «كفنتك» على وجه الكرم والتفضل، لا على وجه الإيجاب.
الثاني: أن قوله: «كفنتك» ليس فيه ما يدل على أن الكفن من ماله؛ لأنه يجوز: كفنتك من مالي، ويحتمل: كفنتك من مالك، وإذا كان محتملاً متردداً، حملناه على تكفينه بمالها، بدليل ما ذكرنا.
وأما قياسهم على المملوك فلا يصح؛ لأن المملوك لا مال له، والسيد أخص بنفقته ومؤنته، ولهذا النفقة المختصة بالمرض لازمة له من ثمن الدواء، وأجرة الطبيب، بخلاف الزوجة، ولأن المملوك لا تسقط نفقته بالإباق إذا كان عبداً، والأمة إذا منعته من الاستمتاع بها، كما تسقط في حق الزوجة بالنشوز، ولأنه يملك من الرقيق حال الحياة ما لا يملكه من زوجته، وهو البيع،
стр. 422
والإجارة، والإعارة، فجاز أن يتخصص بمؤنته حال حياته، وبعد وفاته، بخلاف الزوجة، ولهذا لو كانت بهيمة كان نقل جيفتها عليه، وكانت نفس جيفتها له، ويكون أخص بها من بين سائر الناس، لإطعام [صقوره] (١)، وكلابه، و [فهوده] (٢)، وإذا اندبغ جلدها كان له.
وأما تعرضهم [للعصمة] (٣)، وحق النكاح، فباطل بنفقة المرض؛ فإنه لا أهجن وأشنع في اطراد عادة الناس، وحقوق العشرة من الإعراض عن نفقة زوجةٍ/ يستمتع بها على مر السنين، ويرزق منها الأولاد من البنات والبنين، يعرض لها ما يوجب إخراج الدم فلا يدفع أجرة طبيب ولا حجام؛ بل يعتمد على دفع ذلك مما يقيمه لها من ثمن الخبز، والإدام، ولا يقضي عنها ديناً ـ وإن قل ـ إذا كانت معسرة، ولا يخرجها من حبس الحاكم، فلا يكون ذلك هجنة في الشرع!
ولأن هذه العشرة المتأكدة الموجبة لإرث كل واحد منهما من صاحبه لا توجب تكفينه عليها مع تمسكه بعصمة نكاحها إلى حين وفاتها، كذلك لا يجب لها ذلك مع ما ذكرتم.
وأما قياسهم على الأقارب أن النسب الذي يستحقون به النفقة باق لم يزل، وهو النسب، وليس كذلك الزوجية؛ فإنها قد انقطعت بالموت؛ ولأن فقر الأبوين يوجب أن تكفينهم في أقرب المال إليهم، وأقربه مال ولده؛ ولأن الشرع قد جعل ذلك ماله، فقال: «أنت ومالك لأبيك» (٤)، ولم يجعل ذلك [لغيره] (٥)، فدل على الفرق، والله أعلم.
стр. 423
مسألة
الصلاة على الميت تستفاد بالوصية، ويكون الوصي أولى بالصلاة عليه من الولي، والوالي عندنا (١)، نص عليه أحمد (٢)، وهو اختيار الخِرقي (٣)، وأبي بكر عبد العزيز (٤)، وهو مذهب أنس بن مالك، وزيد بن أرقم، وأبي هريرة، وسعيد بن زيد (٥)، وأم سلمة (٦)، وابن سيرين (٧) (٨)، وإسحاق (٩).
وعند أبي حنفية، ومالك، والشافعي: لا تستفاد الصلاة بالوصية بحال، والولي أولى (١٠).
стр. 424
لنا:
قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ (١)، فتهدد مبدل الوصية، وكذلك أثبت حقوق الورثة في ماله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ (٢)، فدل على أنه لا يثبت لهم حق إلا بعد الوصية، وإذا كان هذا فيما ينتقل/ إليهم، ويعود نفعه عليهم، يقطعه عنهم بالوصية، فما هو له ويعود نفعه إليه أولى بأن يكون له قطعه عنهم بالوصية.
والمعتمد في المسألة: [ما] (٣) احتج به الإمام أحمد ﵁ من إجماع الصحابة ﵃.
فروي أن أبا بكر ﵁ أوصى أن يصلي عليه عمر (٤).
وعمر وصّى أن يصلي عليه صهيب (٥)، فلما وضع سرير عمر ابتدره اثنان، فروي أنهما عثمان، وعلي، وروي أنهما علي، والزبير (٦)،
стр. 425