← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30143

المفردات

ابن الزاغوني

Полный текст (748 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

لأن أثره يحصل به الإرث، وهو نوع ارتفاق (١) بمالها، فكان هذا النوع من الملك أحق بإيجاب المواراة، وهذا لأن عقد النكاح أوجب بينهما من الموالاة ما إذا تمت به العصمة إلى حين الوفاة كان من حقها عليه القيام بمؤونة المواراة، ولهذا أوجب هذه الوصلة للإرث، وإباحة الغسل، وأوجبتْ عندكم تقدمه في الصلاة عليها، على الأولياء كلهم من أقاربها/ وعشائرها (٢). وفي ترك تجهيزها ـ لا سيما إذا لم يكن لها مال ـ هجنة في الألفة، فلا يحسن بمحاسن الشرع اطّراح الحرمة، وإسقاط حكم الألفة المتمسك بها إلى حين الموت، وهذا كلّه لمعنى، وذلك أن الشرع ورد بمكارم الأخلاق، وليس من المكارم استصحاب نكاح إلى حين الموت، ثم نكل الموت إلى مالها. ومنهم من قال: من كانت نفقته عليه في حال حياته، وجب عليه تكفينه بعد موته، دليله الوالدان و [المولودان] (٣). الجواب: أما الحديث فيحتمل قوله: «كفنتك» على وجه الكرم والتفضل، لا على وجه الإيجاب. الثاني: أن قوله: «كفنتك» ليس فيه ما يدل على أن الكفن من ماله؛ لأنه يجوز: كفنتك من مالي، ويحتمل: كفنتك من مالك، وإذا كان محتملاً متردداً، حملناه على تكفينه بمالها، بدليل ما ذكرنا. وأما قياسهم على المملوك فلا يصح؛ لأن المملوك لا مال له، والسيد أخص بنفقته ومؤنته، ولهذا النفقة المختصة بالمرض لازمة له من ثمن الدواء، وأجرة الطبيب، بخلاف الزوجة، ولأن المملوك لا تسقط نفقته بالإباق إذا كان عبداً، والأمة إذا منعته من الاستمتاع بها، كما تسقط في حق الزوجة بالنشوز، ولأنه يملك من الرقيق حال الحياة ما لا يملكه من زوجته، وهو البيع،

стр. 422

والإجارة، والإعارة، فجاز أن يتخصص بمؤنته حال حياته، وبعد وفاته، بخلاف الزوجة، ولهذا لو كانت بهيمة كان نقل جيفتها عليه، وكانت نفس جيفتها له، ويكون أخص بها من بين سائر الناس، لإطعام [صقوره] (١)، وكلابه، و [فهوده] (٢)، وإذا اندبغ جلدها كان له. وأما تعرضهم [للعصمة] (٣)، وحق النكاح، فباطل بنفقة المرض؛ فإنه لا أهجن وأشنع في اطراد عادة الناس، وحقوق العشرة من الإعراض عن نفقة زوجةٍ/ يستمتع بها على مر السنين، ويرزق منها الأولاد من البنات والبنين، يعرض لها ما يوجب إخراج الدم فلا يدفع أجرة طبيب ولا حجام؛ بل يعتمد على دفع ذلك مما يقيمه لها من ثمن الخبز، والإدام، ولا يقضي عنها ديناً ـ وإن قل ـ إذا كانت معسرة، ولا يخرجها من حبس الحاكم، فلا يكون ذلك هجنة في الشرع! ولأن هذه العشرة المتأكدة الموجبة لإرث كل واحد منهما من صاحبه لا توجب تكفينه عليها مع تمسكه بعصمة نكاحها إلى حين وفاتها، كذلك لا يجب لها ذلك مع ما ذكرتم. وأما قياسهم على الأقارب أن النسب الذي يستحقون به النفقة باق لم يزل، وهو النسب، وليس كذلك الزوجية؛ فإنها قد انقطعت بالموت؛ ولأن فقر الأبوين يوجب أن تكفينهم في أقرب المال إليهم، وأقربه مال ولده؛ ولأن الشرع قد جعل ذلك ماله، فقال: «أنت ومالك لأبيك» (٤)، ولم يجعل ذلك [لغيره] (٥)، فدل على الفرق، والله أعلم.

стр. 423

مسألة الصلاة على الميت تستفاد بالوصية، ويكون الوصي أولى بالصلاة عليه من الولي، والوالي عندنا (١)، نص عليه أحمد (٢)، وهو اختيار الخِرقي (٣)، وأبي بكر عبد العزيز (٤)، وهو مذهب أنس بن مالك، وزيد بن أرقم، وأبي هريرة، وسعيد بن زيد (٥)، وأم سلمة (٦)، وابن سيرين (٧) (٨)، وإسحاق (٩). وعند أبي حنفية، ومالك، والشافعي: لا تستفاد الصلاة بالوصية بحال، والولي أولى (١٠).

стр. 424

لنا: قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ (١)، فتهدد مبدل الوصية، وكذلك أثبت حقوق الورثة في ماله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ (٢)، فدل على أنه لا يثبت لهم حق إلا بعد الوصية، وإذا كان هذا فيما ينتقل/ إليهم، ويعود نفعه عليهم، يقطعه عنهم بالوصية، فما هو له ويعود نفعه إليه أولى بأن يكون له قطعه عنهم بالوصية. والمعتمد في المسألة: [ما] (٣) احتج به الإمام أحمد ﵁ من إجماع الصحابة ﵃. فروي أن أبا بكر ﵁ أوصى أن يصلي عليه عمر (٤). وعمر وصّى أن يصلي عليه صهيب (٥)، فلما وضع سرير عمر ابتدره اثنان، فروي أنهما عثمان، وعلي، وروي أنهما علي، والزبير (٦)،

стр. 425

فقال لهما صهيب: اُدخلا في الصف، ما أحب إليكما الإمرة، ما رأيت من أمركم أعظم من هذا. فدخلا في الصف (١)، روى ذلك الإمام أحمد، وابن حامد، وذكره ابن جرير (٢) في «تاريخه» (٣).

стр. 426

وأوصى ابن مسعود أن يصلي عليه الزبير (١). وأوصى أبو بكرة (٢) أن يصلي عليه أبو [برزة] (٣). وأوصت عائشة أن يصلي عليها أبو هريرة (٤). وأوصت أم سلمة أن يصلي عليها سعيد بن [زيد] (٥).

стр. 427

وأوصى أبو [سريحة] (١) (٢) أن يصلي عليه زيد بن أرقم، فلما وضعت جنازته جاء عمرو بن حريث ليتقدم، وكان أمير الكوفة، فقال له ولده: أصلح الله الأمير، إن أبي وصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم، فقدم زيد (٣). وأوصى أبو ميسرة (٤) أن يصلي عليه شريح (٥) (٦).

стр. 428

ذكر هذه الأخبار شيخنا (١) ابن حامد، وغيره (٢). فوجه الدلالة: أن أبا بكر وصى أن يصلى عليه عمر، وكان له أولاد، وعمر وصى وكان له أولاد، وبقية الصحابة وصوا بذلك، فمنهم من كانت له مناسب، ومنهم من كان السلطان أحق بالصلاة عليه، ولم ينقل عن أحد منهم أنه خالف ذلك، ولم يتقدم. الثاني: أنه لو لم تستفاد الصلاة على الميت بالوصية لما وصوا بذلك؛ لأنها تكون وصية بما لا يلزم، فلا تفيد فائدة، كالوصية بأكثر من ثلث المال.

стр. 429

فإن قيل: ماله والولاية على أولاده الأصاغر حق ثابت له (١) / في حال حياته، فجاز أن يوصي به، بخلاف مسألتنا، فإن الصلاة عليه ليست بحق له حال الحياة، وإنما تجب بالموت، وهو في تلك الحالة لا يملك الحقوق، وإنما يحدث الحق بعد موته للأولياء، فلا يملك أن يوصي بما لا يملكه. قلنا: لو لم يملكه لم ينتقل إلى ورثته؛ لأن الرسول قال: «من ترك حقّاً فلورثته» (٢)، فإن لم يكن هذا حقه فكيف يكون الورثة أحق به؟ بل يجب ـ إن لم ينتقل ـ[أن] (٣) يكون المسلمون فيه سواء، كما قال داود (٤). على أنا نقول: بل هو المتسبب إلى ما يعود بنفعه في ثوابه، وتحمله، ومنفعته في الدنيا، وهو أن ينسب إليه بتحصله له بعد موته، ولهذا ينسب إلى تعلم العلم، وإيقاف الوقوف ليجري له ثواب ذلك بعد موته على ما قال ﵇: «كلّ عمل ابن آدم ينقطع بموته، إلا من ثلاث: علم ينتفع به بعد موته، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له» (٥). وقولكم: إنه لا يملك الحقوق بعد موته؛ فلا نُسلّم ذلك؛ فإنه لو نصب شبكة، ومات فتعلق فيها صيد، كان له حتى تقضى منه ديونه، وتنفذ وصاياه، وكذلك لو جرحه إنسان خطأ فمات، كانت الدية حادثة على ملكه، وكذلك إذا وصّى كانت الوصية سبباً قاطعاً لحق الورثة،

стр. 430

فثبت ماله بحق الورثة فيه بعد الموت لولا [حدث] (١) الوصية، وكان ينقطع بالوصية، وكذلك النظر في حق أطفاله، يحدث بموته للحاكم، ثم يقطعه بوصيته. على أن علة الأصل قد مضت عليهم بما زاد على الثلث من ماله، وبولاية النكاح في حق بناته، هو حق له في حالة الحياة، ولا يملك نقله بالوصية عندهم في المسألتين، وعندنا في المسألة الأولى. فإن قيل: يحتمل أن يكون الأولياء رضوا بذلك وأذنوا. قلنا: لو كان ذلك لنقل،/ على أنه قد روى إسماعيل الصفّار (٢) في «فضائل الصحابة» (٣): أن عبد الله بن عمر أراد أن يتقدم، فقال له عبد الرحمن: [إنّ] (٤) عمر أمر صهيباً بالصلاة (٥). وهذا يدل على أنه لم يخبر، وهو الظاهر؛ فإن ولد أبي بكر، وابن عمر كانوا يرثون التقدم على آبائهم، وإنما تأخروا بالوصية. ولأن الوصية لو لم تكن مؤثرة ما استجاز أبو بكر، وعمر، ومن ذكرنا من الصحابة فعلها؛ لأنه يقع عبثاً عندكم؛ ولأنهم يقطعون حق وليهّم؛ ولأن [صهيباً] (٦) علّل بأن عمر وصّى، ولم يعلل بأن القريب رضي،

стр. 431

فلم لم تكن الوصية حجة أُنكِر عليه، وقيل له: الوصية لا تؤثر في هذا؛ فلما اتفق الصحابة على ذلك دل على إجماعهم أن الوصية مؤثرة. والفقه في المسألة: أنا نقول: الصلاة على الميت حق له، فجاز له نقله بالوصية إلى من يختاره، دليله: بيت ماله، والنظر في حقوق أولاده الأصاغر، وهذا لأنه إذا نقل عن الورثة ما كان يصل إليهم من المال، وعن الحاكم ماله من النظر في حق الأيتام؛ فلأن ينقل خالص حقه، وما يختص به منفعته أولى. والدليل على أن منفعته له: أنه دعاء، وشفاعة له، ورحمة، وشكر، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (١)، ولهذا يشرف بشرف من يصلى عليه من أهل الدين، ويَتَّضِع بترك الصلاة من أهل الفضل عليه، حتى قال أصحابنا: لا يصلي الإمام على الغالّ (٢) من الغنيمة، ولا على من قتل نفسه (٣)، حتى إنَّ الكافرَ لا يُصلِّي عليه مسلمٌ إهانة له، وإذا كان كذلك ثبت أنه من حقه، ونفعه عائد إليه، فله أن يوصي به إلى من يراه الأفضل الأكمل ليتوفر مقصوده. طريقه المعنى: وهو أن الوصايا في الأصل وضعت/ لمنافع الموصي؛ إن كانت بمال فانتفاع به فيما يصير إليه، ويقدم عليه، وإن كان بولد فيما يصير إليه من الأقرب، فاستخلاف على الولد من يتوفر عليه، وعلى منافعه ومصالحه، وأحق ما نفع الإنسان نفسه، فإذا كان حال حياته يدعو لنفسه، ويسأل الله فيها لمنافع دنياه وآخرته، ثم إن الصلاة عليه وصف شفاعة فيه، وجب أن يقدم من اختاره لنفسه، ورضيه شفيعاً له إلى ربه، فيكون مقدماً على أقاربه؛ بل لو عرف في الأقارب خيراً يوفي على هذا الوصي

стр. 432

لما أوصى إليه وتركهم، ومازالت الأئمة يختارون للأمة من يتصوّن عليه، والأمة تختار لنفسها مع عدم نص الإمام من ترتضي به، والآباء يختارون لنكاح بناتهم، والنظر في أموال أولادهم من يرتضون المال عند الجماعة، والنكاح على الخلاف، وكذلك يجب أن يختار لنفسه من رضى دينه وأمانته، واختار شفاعته. فإن قيل: هذا كما ذكرتم فيما يكون من حقوق النفس، وحظوظها، فأما الصلاة فهي من حقوق الله ـ تعالى ـ التي فرضها على عباده، ولم يكن له فيها تصرف بخلاف سائر الولايات في ماله، ومال غيره، ويضعه ويضع غيره؛ فإن له فيها تصرفاً حال الحياة، فكان له نقلها إلى غيره بعد الوفاة، والصلاة عليه فرض يتجه على غيره بعد وفاته، فأين هذا من سائر الولايات والمصالح؟ وما صارت الصلاة إلا حقّاً ينتقل إلى الأقرب، الأشفق حكماً، فلا ينقطع بالوصية قولاً، وكإقامة الحدود وسائر المصالح لا يصح الإيصاء بها. قلنا: لو لم يملكه لم ينتقل إلى ورثته؛ لأن الرسول ﵇ قال: «من ترك حقّاً فلورثته» (١)، فإن لم يكن هذا حقه، فكيف يكون الورثة أحق به؛ بل يجب أن يكون/ المسلمون فيه سواء كما قال داود (٢)، على أنه ليس الكلام فيما لا ينتقل، ولا يقبل الاستنابة، ولا في ذات الصلاة التي هي العبادة المفروضة على الكفاية، لكن الكلام فيما اتفقنا على قبوله للنقل عندكم حكماً، وعندي حكماً وإيصاء، وقد ذكرتم في أثناء الكلام أنه ينتقل إلى الأقارب حكماً، فقد بان أن الصلاة بمعزل عن التقدم وأنه نوع حق بني على الإشفاق. فإن قالوا: فأليس التقدم وصف في الصلاة؟ فلا يكون إلا حكماً من أحكامها وتبعا لها.

стр. 433

قلنا: ليس الأمر كذلك، فإن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أقام أبا بكر مقامه في التقدم حال الحياة استخلافاً في ذلك (١)، ولا يصح الاستخلاف منه، ولا الاستنابة في أصل الصلاة، فقد بان أن الحكم في الأصل يخالف حكم الوصف، وكذلك أجمعنا على أن هذا التقدم ينتقل إلى الوليّ حكماً، ونفس الصلاة لا تنتقل. ونعود إلى الكلام على أصل الاعتراض، فنقول: أما قولكم: إنه لا يملك الصلاة على نفسه حال الحياة؛ فلعمري، لكن يملك الشفاعة لنفسه، والسؤال فيها إلى ربه، فإذا مات انقطع سؤاله وأعماله، فاحتيج إلى من يشفع له، ولذلك أخرنا الأعمال إليه، وكذلك تولى الصلاة عليه أقاربه، وجيرانه، وإخوانه من المسلمين. وأما قولكم: ينتقل حكماً؛ فإنما ينتقل إذا لم يمنعه إيصاؤه عن الانتقال، فأما إذا نقله بالإيصاء امتنع انتقاله، كالوصية بالثلث، لولا إيصاؤه لانتقل إلى الورثة حكماً، وكذلك الوصية بمال ولده، لولا وصيته لانتقل إلى الجد، أو الحاكم حكماً، وينقطع الانتقال بإيصائه، وأما الحدود فهي الحجة؛ لأنها تنتقل بنص الإمام (٢) فتستتبع جميع حروبات الولايات/ من إقامة حدودكم في دين، وبُضع، ودم، وغير ذلك. فإن قيل: فتعويلكم على الشفاعة يوجب أن يوصي بصلاة مأمومين يختارهم ـ أيضاً ـ. قلنا: الإمام مقامه نصبة ينفرد بها، ويمنع غيره من المزاحمة، أو النصبة، فأما الائتمام فلا ينحصر، فإنّ حصر المأمومين إذا كان يمنع بإيصائه نفع غيره من الأجر وهو القيراط، ونفع نفسه من كثرة من يشهد له ويشفع، فتكون وصية بباطل، فلا تنعقد؛ لأنها منع الحق المطلق الذي حثّ عليه الشرع،

стр. 434

وهذه وصيّة ومنة بتوفر الأجر على شخص اصطفاه للشفاعة له، وعلى أن المأموم تابع في الشفاعة، فلا وجه للحصر والاقتصار على آحاد وأعداد، فإن الكثرة لا تمنع من يريده [للصلاة] (١) عليه، وهذا المقام إذا تركه ولم يوص بمن اختاره تولاه من لا يؤثره، ففات الغرض في المختار المتبوع في هذا المقام، وكذلك ينتقل التقدم في الصلاة إلى الأقارب حكماً، ولا ينتقل الائتمام، فدل على الفرق. فإن قيل: لو كان التعويل على الإشفاق، والنظر لنفسه لوجب إذا اجتمع الولي وهو الأب الذي هو الغاية في الإشفاق، مع الوالي الذي رتبته دون رتبة الأب أن يقدم الولي وهو الأب، ومن شاكله أو قاربه على الوالي، فلمّا قدمتم الوالي على الولي دل على أن صاحب المذهب (٢) ما لحظ في مذهبه ما لحظتم من الإشفاق؛ لأنه لو قدم الوصي على الأب نظراً إلى إشفاق الإنسان على نفسه، وهو أن نظره إلى الوصي، واختياره له دلّ على أنه رأى فيه من الخير، والديانة، وصلاحية الشفاعة ما ليس في أبيه لوجب بهذه الطريقة أن يقدم/ الأب على الوالي؛ لأن الوالد أشفق وأحنى، وشفاعته في ابنه أقرب إلى الإجابة من الوالي، سيَّما والنبي ـ صلَّى الله عليه ـ يقول: «الآباء أنبياء الأبناء» (٣)، فلما قدّم صاحب المذهب الوالي على الولي الأشفق بطل أن يكون بنى [مذهبه] (٤) على ما بنيتم من هذه الدلالة، وهي النظر والإشفاق، وإذا بنيتم على دلالة تخالف ظاهر ما نحا إليه صاحب المذهب لم [تقم] (٥) بها حجة،

стр. 435

والذي يكشف عن صحة هذا ما استطردت به من ولاية المال والإيصاء به، وبالولاية فيه على الأولاد؛ فإن صاحب مذهبكم، وجماعة الفقهاء (١) لما نظروا في ولاية المال إلى الإشفاق قطعوا ولاية الوالي عن المال بوجود الأب المساوي للوالي في العدالة، وإن كانت عدالته ظاهرة، لا عدالة الوالي والحاكم الباطنة، وأحبطوا الولاية بالأبوة، نظراً إلى إشفاق الأبوة، فدفعوا المال إلى الآباء، دون الحكام والولاة، فلما جاء صاحب مذهبكم هاهنا، وقدم الوالي على الولي، علم أنه نظر إلى أن الصلاة فرض من فروض الكفايات، هذا في أصل وضعها، وأنها من الأعلام الظاهرة، وأن التقدم فيها على الوالي تقدم عليه في رتبة دينية ظاهرة، وعَلَم ظاهر يعتري التقدم فيه عليه نوع من الافتيات، فقدم الوالي نظراً إلى هذا، وأخر الولي، فانطوى النظر في هذا المقام إلى الإشفاق، وصار النظر إلى الرتبة والمقام الذي يليق بذوي الولايات الظاهرة العامة دون الرقة، والإشفاق، والقرابة الخاصة الباطنة، فبطل ما تعلقتم به. ومما يبطل اعتبار الإشفاق ـ أيضاً ـ على أصلكم: أنّ أحمد قدّم الزوج في حق المرأة على الأولياء (٢)، وأي إشفاق للزوج يزيد على إشفاق الأقارب، فبطل هذا التعلق. / طريقة أخرى: أنا نقول الوصية تستفاد به الولاية في مال غيره، فجاز أن تستفاد به الصلاة عليه، دليله النسب، وولاية الحكم، ولا يلزم الكتابة؛ فإنه يستفاد بها التصرف في مال نفسه؛ لأنه مالك إلا أن ملكه غير تام لتعلق الدين به، ونحن قلنا: في مال غيره. ولأنه إذا جاز للإمام أن يوصي بالإمامة الكبرى، وهي تجمع الصلاة وغيرها، فلأن يجوز أن يوصي بالصلاة عليه، وهي نوع مما تشمله الإمامة الكبرى أولى.

стр. 436

ولأنه لما قدم السلطان على الولي، استدللنا بأن الميت كان راضياً به في حال حياته، فكذا بعد موته فمن صرح بالرضا بوصيته إليه أولى. ولأن الوصية بالصلاة في حق الميت وصية تقرب، فلزم الوفاء بها، دليله الوصية بسائر الطاعات، من الصدقة، والوقف، والوصية بتفرقة مال، ولا يلزم عليه الوصية بأكثر من الثلث؛ فإنه لا يلزم الوفاء به، لقولنا وصية وقربة، وما زاد على الثلث ليس بقربه؛ لأن الشرع جعل للمريض ثلث ماله، فإذا وصى بأكثر من ذلك فقد وصى بغير حقه. وإن شئت احترزت عن هذا، فقلت: وصية بقربة فلزمت إذا لم يكن على الورثة في ذلك ضرر، دليله سائر القرب، ولا يلزم عليه الوصية بما زاد على الثلث؛ فإن على الورثة فيه ضرراً. ولأن الصلاة على الميت عبادة تفعل بعد موته لأجله، فإذا وصى بها إلى شخص لزمه ذلك، دليله الحج؛ فإنه لو وصى أن يحج عنه رجل بعينه لم يجز أن يقام غيره مقامه كذلك هاهنا. فإن قيل: الحج وجب عليه، فجاز له أن يستنيب عنه من شاء، والصلاة عليه لم تجب عليه، فإنما وجبت على [غيره] (١) لأجله. قلنا: يبطل بالعتق؛ فإنه لا يجب/ على الإنسان أن يعتق في غير [كفارة] (٢)، ولا نذر، ولو وصّى أن يُعتق عنه عبد بعينه لم يجز أن يعدل عنه إلى غيره، وكذلك الوصية بثلث المال. احتجوا: بقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٣).

стр. 437

والفقه فيه: أنها عبادة يجب على الحي فعلها في حق الميت بعد موته، فكان وليه أولى بها من وصية، دليله غسله، وتكفينه، ودفنه؛ ولأنه لا حق له في الصلاة [نفسها] (١)، فلم تصح وصيته بها كسائر ما لا حق له فيه، وهذا لأن الصلاة على الميت لا تخلو: إما أن تكون حقّاً على الميت، أو للميت، أو للحي، أو على الحي، لا يجوز أن يستحق على الميت؛ لأن الموت يزيل التكليف، ويقطع الخطاب، ولا يجوز أن تكون للحيّ؛ لأنها فعل على الغير، وشفاعة له، لم يبق إلا أنها على الحيّ، فإذا كانت عليه لم يكن لهذا قطع ما هو على غيره. ولأن القصد من الصلاة (٢) الدعاء، والترحم على الميت، ونسيبه أكبر من وصيه في ذلك لموضع محبته، وتحننه عليه، وأهليته، فكان أحق بالتقديم من غيره. ولأن في تقديم الوصي (٣) تهمة ووصمة، فيقال: لو لم يعلم من ابنه خلّة توجب تأخره، وعدم رضاه به في هذا المقام لما أخّره، فلا بقي ترجيح أجنبي له رتبة بهذا الكسر للأب في أجر وهلات (٤) الغمّ، والناس يلقحون بتعليلات التقديم، والتأخير، والإقبال، والإعراض، حتى قال شاعر الأوائل: يا دار ما طربت إليك النوق … إلا وربعك شائق ومشوق (٥) وذهب بعض الفقهاء: إلى أنه تقتل البهيمة مع المواقع لها (٦)

стр. 438

لئلا يقال: هذه التي، فتتوق نفوس آخرين إلى وقاعها، وهذا من الذرائع التي عوّل على بابها الإمام أحمد (١)، وأبطل بها أشياء كثيرة، وفتك بها الفتك الموفي على/ العقوبة، وأسقطها كثيراً من حيل المتحيلين بالعقود، والأسباب الفقهية، وإذا كان في تقديم الوصي على الأب، ومن ينزل منزلته من الأقارب ما يفضي إلى هذا لم يجز؛ لأن [الله] (٢) ـ سبحانه ـ قد أمر بطاعة الوالدين، فقال: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ (٣)، وهو أدون الأشياء، وأمر بصلة الرحم، وفي تقديم الوصي ما يوفي على قول: أف؛ وفيه قطع للرحم، وما أفضى إلى ذلك كان ممنوعاً منه. وقد احتج بعض المتأخرين بأنها صلاة، فلا تصح الوصية بها كسائر الصلوات، وقال بعضهم: ولأنه يتعلق بالنسب، فلا تصح الوصية بها قياساً على الحضانة، ومنهم من قال: وصية بصلاة فلم تصح، دليله إذا كان الموصى إليه فاسقاً (٤). الجواب: أما الآية؛ فهي واردة في الميراث، لأنهم كانوا يتوارثون بالحِلف، والمعاقدة، فنزلت هذه الآية ناسخة لذلك، ولهذا قال: ﴿إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ (٥). وأما قياسهم على التكفين، والغسل؛ فلا نسلم، ونقول: يجوز الإيصاء بذلك، وهو قياس المذهب؛ لأن الإنسان قد يختار من يأمنه على كتم ما يشهد من حاله، وحفظ قوانين السنن في غسله، لما يعرفه من دينه ومعرفته، فلا فرق.

стр. 439

ومن سلّم ذلك قال: صناعة كحفر القبر، والحمل، وطرح التراب، وذلك لا يختلف إلا بجودة الصناعة، ولهذا يقدم الصناع الحذاق فيه على غيرهم، بخلاف الصلاة؛ فإنها شفاعة، وأصل مقصوده يختلف باختلاف الأشفق الأعدل، والأقرب إجابة عند الله، ثم يلزم الزوج فإنه يغسِّل ويكفِّن مقدَّماً على المناسب (١)، ويقدَّم المناسب في الصلاة عليه عندكم (٢)، وعلى رواية لنا (٣). وأما قولهم: إنه لاحق له في ذلك؛ قد تقدم جوابه بما فيه كفاية. / وأما التقسيم؛ فنحن نقول: إنها حق للميت خوطب بها الحي، وله أن يوصي إلى من شاء في استيفاء حقه، ثم هذا التقسيم يلزم عليه استحقاق الصلاة بالملك، وبالحكم، وبالولاء، وبالنسب، فإن هذا التقسيم موجود، وقد استفيدت بكل واحد من هذه الأشياء، فبطل. وأما قولهم: إن النسيب أشفق. قلنا: لا نُسلّم ذلك؛ فإنه ربما وصى إلى صديقه، ومن يواده لمعرفته بمحبته، وتحننه، وقد [تدل] (٤) الأحاديث في ذلك على الأقرباء، فقد سئل بعضهم أيما (٥) أحب إليك، أخوك، أو صديقك؟ فقال: إنما أحب أخي إذا كان صديقاً (٦)؛ ولأن المناسبات (٧) والمشاحنات من الأقرباء معلومة،

стр. 440

وتكون ـ أيضاً ـ رغبته في دعائه لدينه، وورعه، وزهده، ويكون ذلك [معدوماً] (١) في القريب، فعدل عنه لأجل ذلك. على أنه لو صح ما ذكروه لما قدم الوالي على الولي، وقد قدم الحسين بن علي ﵁، فقال: تقدم لولا أنها السنة ما تقدمت (٢)، وقيل: كان الوالي مروان فدل على أن سنة النبي تقدم الوليّ. وأما قولهم: إنه يفضي إلى إيحاش الأب والقريب، وهو ذريعة؛ فهو كلام فاسد؛ لأنه يعطي منع الإيصاء بالصلاة، والصحابة أقدموا عليه، وإنما اختلفوا في استحقاق التقدم، فأما في أصل صحته فلا، على أنه باطل بالوصية في المال، وبالوصية بالثلث، وبالإمامة الكبرى، وغير ذلك من الوصايا، وإن كان يفضي إلى ما قالوا. وأما قولهم بأنها صلاة؛ فعنه أجوبة: أحدها: أنا نقول بموجبه، وأن الوصية ما أثرت في الصلاة، وإنما أفادت التقدم، وأنه أحق من سائر الناس. الثاني: لا تأثير لقوله: صلاة؛ فإن ما ليس بصلاة عنده كذلك، وهو الوصية بعقد/ النكاح.

стр. 441

الثالث: أنه ينتقض بالحج إذا أوصى أن تقضى فوائت كانت عليه، فلا يصح؛ لأن تلك مما لا تقبل النيابة في حياته، فلا تصح النيابة فيها بعد مماته. وإن وصى بفعل صلاة منذورة، فذلك مبني على أصل: هل تقضى عنه الصلاة المنذورة بعد الموت؟ وفيها روايتان (١): إحداهما: تقضى عنه بعد الموت؛ كما يقضى عنه الاعتكاف المنذور، والصوم المنذور. وعلى الرواية الأخرى: لا تقضى بعد الموت، فلهذا لم تصح الوصية بها لما قدمناه في الفائتة. ولأن سائر الصلوات لا تستفاد بالنسب، والملك، والولاية؛ فلذلك لم تستفد بالوصية، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإنها لما استفيدت بالنسب، والولاية (٢)، والملك، جاز أن تستفاد بالوصية، كالنظر في المال. ولأن سائر الصلوات تبطل بالموت، وتسقط، فلا وجه للوصية بها. [وأما قولهم] (٣): إنها ولاية تتعلق بالنسب؛ فالجواب عنه من أوجه: أحدها: أن نقول: قولك: تتعلق؛ لا يخلو إما أن تريد به على وجه الاختصاص، أو على وجه الاشتراك، فإن قلت: على وجه الاختصاص؛ فلا نسلم، ولا يحسن ـ أيضاً ـ من المخالف ادعاؤه؛ لأنها لو اختصت بالنسب لما استفيدت بولاية الحكم، وبالملك، وبالولاية، وإن أردت به على وجه الاشتراك، فمسلم، غير أنه ليس كل ما تعلق بالنسب على وجه الاشتراك لم تصح الوصية به، كالولاية في المال.

стр. 442

الثاني: أنه ينتقض [بالإمامة] (١) الكبرى؛ فإنها تتعلق بالنسب، وهو من قريش، ومع هذا تصح الوصية بها، وهو أن يعهد إلى غيره. وأما الحضانة؛ فليست/ ولاية على الحقيقة، ولهذا تثبت للنساء، ولا مدخل لهن في الولايات. [الثالث] (٢): أنها تستحق الأجرة عليها، وليس في الولايات ما يستحق الأجرة عليه. [الرابع] (٣): أنها تسقط بالتزويج، وليس في الولايات ما يؤثر التزويج فيها. جواب آخر: وهو أن الحضانة تسقط بالموت، وليس كذلك الصلاة على الميت؛ فإنها تجب بالموت، فافترقا. وأما قياسهم على ما إذا كان الموصى إليه فاسقاً، فيخرّج على وجهين: أحدهما: صحة الوصية. والثاني: بطلانها. وأصل الوجهين: إمامة الفاسق، وفيها روايتان (٤): أحدهما: أنها لا تصح؛ فعلى هذا لا تصح الوصية إلى الفاسق؛ لأنه ينافي فسقه الإمامة، فهو كما لو وصى إلى صبي، أو كافر. والثاني: تصح؛ لأنه يصح أن يكون مأموماً في صلاة الجنازة، فجاز أن يكون إماماً كالعدل.

стр. 443

كتاب الزكاة مسألة إذا ملك نصاباً من بقر الوحش (١) سائمة (٢) حولاً وجبت فيها الزكاة؛ هذا مذهبنا في إحدى الروايتين (٣)، اختارها عبد العزيز (٤)، والقاضي (٥). والثانية: لا زكاة فيها (٦)، وهي قول أكثر الفقهاء (٧). وحرف المسألة: أنّ مطلق اسم البقر يتناول بقر الوحش عندنا؛ وعندهم: لا يتناول. الأوّلة: قوله ـ صلَّى الله عليه ـ: «في ثلاثين من البقر تبيع (٨) أو تبيعة،

стр. 444

وفي كل أربعين مسنة (١)» (٢)، وهذا عام في بقر الوحش، والأهلية، إلا ما خصه الدليل. فإن قيل: نحمله على البقر الأهلية؛ لأنه ذكرها بالألف واللام، وهي للمعهود، والبقر المعهودة إنما هي الأهلية. قلنا: الخبر عام في الأهلية، والوحشية، فمن خصه فعليه الدليل. الثاني: أن الألف واللام قد تكون للجنس، وجنس الوحش من/ جنس الأهلية. فإن قيل: فالتعلّق بالاسم لا يعطي الوجوب، ولهذا لو ملك ثلاثين من البقر معلوفةً لم تجب فيها الزكاة، وإن كان إطلاق الخبر يقتضي وجوب الزكاة فيها.

стр. 445

قلنا: لو خلينا وظاهر الخبر لقلنا: إنه تجب فيها الزكاة، [لكننا] (١) تركناه لقيام الدليل عليه، وبقي ما عداه على الظاهر. والفقه في المسألة: أنا نقول: حرّ مسلم ملك نصاباً من البقر سائمة حولاً، فوجب فيها الزكاة، دليله الأهلية؛ وهذا لأن الاسم حقيقة واقعٌ [على] (٢) الجنس، والزكاة إنما عُلِّق وجوبها بوجود هذا المعنى، وقد وجد فلم يبق إلا المحلّ والمكان، وذلك لا يؤثر في إسقاط الزكاة، كالحبوب النابتة في البراري، والقفار، مع الحبوب النابتة في أفنية البلاد، وما يقارب العمران، يستويان في إيجاب العُشر عبرة بالنوع، والاسم، والانتفاع، وهاهنا الصورة، والنوع، والدر، والنسل، والسوم؛ بل هذا إلى ترجيح، وذلك أن الوحشية إلى السوم أقرب، وعن العلف أبعد، يدل عليه: أن الزكاة إنما وجبت شكراً لنعمة المال. فإن قيل: لا نُسلِّم أنهما جنس واحد؛ فإن الوحش جنس منفرد، بدليل مخالفتها للبقر الأهلية في الصورة، وأنها لا تعمل في الحرث، ولا السقي، والأحكام تدل على ذلك ـ أيضاً ـ؛ فإنه لا ينصرف الإطلاق إليها في الوكالة؛ بل لو وكله في ابتياع بقرة، فاشترى وحشية ملك ردّها، وفسخ العقد، بخلاف الأهلية، ولذلك ـ أيضاً ـ لا تجزئ في الأضحية، يدل عليه: أنه إذا فارقت المعلوفة الأهلية السائمة في وجوب الزكاة، فأولى أن تبعد الوحشية عن الأهلية. قلنا: قد بينا أنه يقع عليها/ الاسم حقيقةً، ثم ندل عليه بأنه لو حلف: لا ملكت بقراً، فملك بقر الوحش حنث، ولو لم يقع عليها الاسم لم يحنث، كما لو اشترى غنماً. قلنا: يبطل جميع ما ذكروه بالجواميس، وأنها لا تصلح لما تصلح له البقر، ولا ينصرف الإطلاق إليها في الوكالة، وتخالفها في الصورة، وفي اللحم.

стр. 446

وكذلك البَخَاتِيّ (١) مع العِراب (٢) في الإبل، وكذلك الضأن مع المعز، والحمام المُطَوَّق (٣) مع الرَّاعِبِيّ (٤)، والقُمْرِيّ (٥)، والوِرْشَان (٦)، والفواخت (٧)، كل ذلك نوع حكم واحد، والحكم الذي يعم ضمان المحرم له بشاة، لم يضم أحدهما إلى الآخر في النصاب. وأمَّا الأضحية فخارجة عما نحن فيه؛ لأن العيوب تمنع من الإجزاء فيها، ولا تمنع إيجاب الزكاة، والمعلوفة لا تضم، ولا تجب فيها بانفرادها، وهي أولى في باب الأضحية. وكذلك العَوَامِل (٨) تجزئ في الأضاحي، ولا تجب فيها الزكاة،

стр. 447

والسِّخال (١) لا تجزئ في باب الأضاحي، وتجب فيها الزكاة وصلاً وأصلاً على الخلاف المعروف؛ ولأن الأضاحي القصد منها إراقة الدم المخصوص، ولا يعقل؛ بدليل أن أبا حنيفة أجاز إخراج القيمة في الزكاة (٢)، ولم يجوِّز إبدال الأضحية بالقيمة (٣). وقد قيل: إن زكاة البقر أحد نوعي الزكاة، فتعلقت ببقر الوحش، دليله زكاة القيمة إذا كانت للتجارة. واحتج: بأنه حيوانٌ وحشيٌّ، فلا تتعلق به الزكاة، كالظِّباء (٤) لا تتعلق بها زكاة الغنم، وإن سميت واحدتها عنز، كما تسمى الأهلية عنزاً، وهذا لأن الوحشي جُعل في الشرع كالجنس المنفرد عن الأهلي، بدليل تحريمه بالحرم والإحرام، وضمانه إذا تلف مع وجود أحدهما، وجعل الأهلي فداءً له، وجزاء عنه، ولم يصح أن يخرج من جنسه بدلاً عنه ولا جزاءً، وإن كان إليه أقرب، وبه أشبه، ولا يجزئ في الهدايا والضحايا، ولا/ يسام غالباً، ولا يعد [لحرثٍ] (٥)، ولا سقي، ولا حمل، ولا يتخذ في الأديان (٦) للسخال والألبان، وله اسمٌ يخصه كثَيْتَل (٧)، وتَيْتَل (٨)،

стр. 448

وأُيَّل (١)، وحَوْشَب (٢)، ولا يدخل في مطلق الوكالة، ولا يدخل لحمه في إطلاق الوكالة ـ أيضاً ـ، ويفارق لحم الأهلي في الرطوبة واللين، وضروعه لا تحمل الألبان كحمل الأهلي، ولا تدر إدرارها، وجنس الأهلي إذا اختلف سائمه، ومعلوفه، وعاملة في باب إيجاب الزكاة، فهذا مع شدة التباين والتنامي أولى. والجواب: أنا نقول: ولم قلتم بأنه إذا كان [وحشياً] (٣) لا تجب فيه الزكاة. ودعواهم أنه جنسٌ منفرد؛ لا نسلم على ما سبق. فأما ما تعلقوا به من إيجاب الجزاء فيه. قلنا: إن إيجاب الجزاء فيه حكمٌ يجب لله ـ سبحانه ـ، فلا يجعل دليلاً على إسقاط حق الله ـ تعالى ـ، ولا يصلح أن يعلل بذلك؛ لأن الإيجاب على الإيجاب أدلّ، على أن [للإبل] (٤) حكماً يختصها من بين حيوان الزكاة، وهو جواز المسابقة عليه، وسوغان الاجتهاد في استحقاقه للمغنم، ولا يدل على مفارقته لبقية الأنعام في إيجاب الزكاة، ولأنه بالتوحش إن لم يكن له مزية في باب إيجاب الزكاة لم يكن ذلك مسقطاً حق الزكاة فيه؛ لأن الأصل في حيوان البيوت والأديان المقتنى للأكل والأعمال إنما هو العلف، وسومه عارض؛ لأنه أهليّ الأصل، وإذا سام أشبه الوحش، وكان ذلك العارض شرطاً لإيجاب الزكاة فيه، فإذا كان الوحشي ناشئاً على هذا الوصف كان بإيجاب الزكاة فيه أولى؛ لأن المعاني والأسماء موجود فيه، والسوم أصل فيه، وقلة المؤنة مع تكامل الصفات موجبة لإيجاب الزكاة فيه من طريق الأولى.

стр. 449

وأمَّا عدم دخوله في الهدايا فالمغلب في تلك/ قصد اللحم، ولحم الأهلي أطيب، وأوفر، وأشهى إلى فقراء الحرم، وذبحه في الحرم لا يجوز؛ بل يمنع منه عندنا (١)، فلذلك منع من أن يجعل هدياً، وإنما منع منه الحرم وعصمته؛ لأن الأهلي معصومٌ بالإملاك غالباً، والوحش لا يملك غالباً، فعصمها الحرم لتظهر حرمة الحرم فيما لا عاصم له سواه، ولهذا لو عصمنا عن كل دمٍ مباحٍ خارج الحرم ولم نخصه بالأمر من الظلم؛ بل منعنا من الدماء المستحقة ـ أيضاً ـ. وأمَّا الوكالة، والإقرار؛ فإنها تنصرف إلى العرف كما تنصرف إلى نقد البلد، ولا تقف الزكاة على نقد البلد، وإن كان الإطلاق إنما ينصرف إليه دون غيره. وأمَّا الظباء؛ فلا نسلم على أحد الوجهين (٢)، ونقول: تجب فيها الزكاة، وهو اختيار [الشيخ] (٣) أبي عبد الله ابن حامد (٤). والوجه الثاني ـ وهو قول أبي بكر ـ: لا تجب، قال: لأن إطلاق اسم الغنم لا يتناولهما (٥)، بخلاف مسألتنا على ما سبق بيانه، والله أعلم. وذكر بعض أصحابنا المتأخرين: منعاً في الأضحية والجزاء، فقال: لا نسلم ونقول: يجزئ في الأضحية، فلا يجب الجزاء بقتله (٦).

стр. 450

مسألة إذا أخرج بعيراً عن خمس من الإبل لم يجزئ (١)، هذا مذهبنا فيما نص عليه أحمد (٢)، واختاره أبو بكر (٣)، وابن حامد (٤)، والقاضي (٥)، وهو قول مالك (٦)، وداود (٧). وعند أبي حنيفة، والشافعي: يُجزئ (٨). لنا: ما صح من حديث أنس: أن أبا بكرٍ ﵁ كتب لهمذان (٩): هذه فرائض الصّدقة التي فرض رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ، والتي أمر الله بها رسوله: «فيما دون خمس وعشرين من الإبل الغنم، في كل خمس ذَوْد (١٠) شاة» (١١).

стр. 451

وفي حديث عمر: «فإذا بلغت خمسة ذَوْد شاة» (١). وهذا أمرٌ بإخراج الشّاة، والأمر يقتضي الوجوب، ومَن أخرج البعير عن الشاة، فقد خالف أمر الشرع، وقد قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا/ فهو رد» (٢). فإن قيل: هذا لا حجة فيه؛ لأنه معقول منه أنه فرض تخفيف لا فرض إيجاب، يوضح هذا، وأنه تخفيفٌ أنه أخذ الغنم لما كان المال قليلاً، فلما كثر المال انتقل إلى الجنس. قلنا: إطلاق الأمر يقتضي الإيجاب، وليس من حيث كان قليلاً وسهلاً يعطي التنبيه على إيجاب ما زاد عليه بالكثرة والصعوبة، بدليل أن الشاة في الأربعين شاة لم يجعل إيجابها تنبيهاً على أن البقرة الواجبة عن أربعين بقرة، والمجزئة في الهدي مجزئة بدلاً عنها، وكذلك لم يدل على أنه يجزئ البعير عن الشاة في أربعين شاة، وهذا يعود إلى معنى، وذلك أنَّا لا نعرف مصالح التعبدات؛ لأنه قد يكون الأكبر الأصعب مفسدة، والأقل والأسهل مصلحة عند الله ـ تعالى ـ، وكذلك في عبادة البدن لا يجزئ السجود عن الركوع، وإن كان أبلغ في الخضوع والخشوع. والفقه في المسألة: أنَّا نقول: إن المنصوص عليه هو الواجب، فلا يجوز غيره، دليله كل الواجبات في الشرع، والدليل على أن المنصوص عليه هو الواجب أن الواجب [عُلم] (٣) بالشرع، والشرع ورد بالمنصوص عليه، فلا يجب بالنص إلا ما ورد به.

стр. 452

يدل عليه أن الزكاة إنْ كانت عبادةً فلا يجوز في العبادة إلا ما ورد به التعبد، بدليل الصلاة وأفعالها؛ فإنه لا يقوم الركوع فيه مقام السجود، ولا السجود مقام الركوع، وكذلك لا يقوم السجود على الخدِّ والذقن مقام السجود على الجبهة، وكذلك في سائر العبادات، ووجه التقريب بين مسألتنا وهذا الأصل: أن الله ـ تعالى ـ إذا جعل العبادة على جارحة بفعلٍ يوجد فيها [لم] (١) تقم جارحة أخرى مقامها، كذلك إذا وضع العبادة في مالٍ سماه بفعلٍ يوجد فيه، لم يقم الفعل في مالٍ آخر مقامه،/ يدل عليه أن أصل العبادة لا تجب بالتعليل، ولا تقبل، وكذلك كيفيتها. وإن قلنا: إن الزكاة حق الفقراء؛ فالحق الواجب للآدمي في عينٍ لا يقوم غيرها مقامها إلا بسببٍ شرعيٍّ من معاقلة (٢) ومعاوضة وغير ذلك، يدل عليه أن سبب وجوب الحق إذا اتصل بمحلٍ يتعلق الوجوب بصورته ومعناه، مثل ما لو أسلم في شيءٍ، أو اشترى شيئاً، وكذلك إذا أوصى لإنسانٍ بشاةٍ، أو أوصى بشاةٍ من أربعين من الغنم؛ فإنه تعين حقهم بغير ذلك، كذلك هاهنا. وتحرير الأصحاب أنه عدل عن الجنس المنصوص عليه إلى غيره في الزكاة، فلم يجزئه، كما لو عدل إلى جنس البقر عن الإبل، والغنم، أو عدل إلى البعير عن أربعين من الغنم (٣). فإن قيل: المعنى في الأصل أنه عدل إلى غير الجنس المخرج عنه، وهاهنا أخرج من الجنس المخرج عنه، فوجب القول بالإجزاء. قلنا: النص ورد بالإخراج من غير الجنس، فيجب أن ينظر إلى المنصوص، ولا ينظر إلى غيره، ألا ترى أنه لو أعتق العبد، أو تصدق به

стр. 453

على فقيرٍ بدلاً من زكاة الفطر الواجبة عن العبد لم يجزئ وإن كان قد أخرج من الجنس المزكى عنه؛ بل أخرج النصاب رأساً، وإذا أخرج العَرْض عن العروض قيمة عن قيمة لا يجزئ عند الشافعي وإن كان من الجنس المخرج عنه (١)، فبطل الاعتماد على المخرج عنه، وصح الاعتماد على المخرج في الزكاة لمكان النص. ولأن البدنة من البقرة والإبل قامت مقام سبع شياهٍ، وعدلت بسبع من الغنم، ومع ذلك لا تجزئ عن أربعين من الغنم، والواجب هناك شاة، وهي سُبع البدنة في المعنى، فبطل ما قالوه. احتجوا: بما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «خذ البعير من الإبل، والشاة من الغنم» (٢). والفقه/ فيه: أن الأصل في الزكاة وجوبها من الجنس، وإنما أخذ الشاة عن الإبل في أوائل المال رفقاً بأربابها؛ إذ لا يحتمل مع القلة إيجاب الزكاة من الجنس، والجزء السابع يفضي إلى سوء المشاركة، والفَصِيل (٣) يضر بالفقراء؛ لأنه لا ردّ فيه، ولا نسل، ويحتاج إلى مؤنة العلف بغير خلفٍ من النماء، فلم يبق لنا مأخوذ يجمع بين اللطف برب المال،

стр. 454

ونفي الإضرار بالفقراء إلا الغنم، فإذا ثبت أنه رفق، فإذا تطوع على الفقراء بالبعير، فقد عاد إلى الأصل، وسمح بما أرفق به إرفاقاً للفقراء، وإسقاطاً لحقه، كما لو دفع أعلى السنين فأعطى بنت لَبُون (١) عن بنت مَخَاض (٢)، والحِقَّة (٣) عن بنت لَبُون، والجَذَعَة (٤) بدلاً من الحِقَّة. الجواب: أما الحديث فهو مطرح الظاهر؛ فإنه لا يملك الساعي الأخذ؛ بل المالك المزكي يعطي، ولا يأخذ من الخمس إلا الشاة، ولا يأخذ بعيراً، فلا حجة فيه في موضع الخلاف. الثاني: أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ لمَّا قال: «خذ البعير من الإبل» بيَّن مكان الأخذ، ومحله، ونص على عين الجنس قبل المحل، فالمحل الذي نص على أخذ البعير منه بعد الخمس وعشرين قال: «وفي خمس وعشرين بنت مَخَاض» (٥)، وأنتم تستدلون بقوله: «خذ البعير من الإبل»

стр. 455

وقد بيَّن المحل الذي يؤخذ منه البعير وأخذتم من غيره، وما قبل خمس وعشرين، قال ﵇: «في كل خمس ذود شاة» (١). وساق الغنم إلى الخمس وعشرين، فعدلتم عن الشاة في محلها إلى البعير قبل محله. وأمَّا قولهم: إن الأصل في الزكاة وجوبها من الجنس. قلنا: هذه دعوى لا دليل عليها؛ لأن الأصل ما أصَّله الشرع، فإذا أوجب الغنم ابتداء في الإبل لم يجز أن نقول: الأصل في الإبل الإبل؛ بل الأصل في كل محلّ ما شرعه، ووضعه من الجنس الذي أوجبه، على أن إيجابه لشاةٍ عن أربعين من الغنم لطفٌ، ورفقٌ ـ على زعمك ـ لقلّة المال، فإذا زادت/ على المئتين صار في كل مئة شاة، كثر المال، فقلَّ الواجب للفقراء، فما هذا على نمط، ولا يتضح منه ما ذكرت من التعليل، ولا يستمر، ولو تكلّف ربّ المال إخراج بقرة، أو بدنة، وجعل ذلك بدلاً من الشاة عن الأربعين سماحةً للفقراء بالجنس الأعلى عن الأدنى لم يقبل منه، ولم يجزئه عندنا (٢)، وعند الشافعي لا بطريق التقويم ولا غيره (٣)، وعلى قول أبي حنيفة لا يجوز بغير طريق التقويم (٤). على أنه لو كان لما ذكرتم لكان يوجب التفضيل، وإن لم يكن درّ، ولا نتاج لما يفضي إليه، وينتفي في ثاني الحال كما أوجب بنت مَخَاض وإن لم يكن على صفة النماء، لكن لمَّا كانت من الجنس مارَّة إلى النماء أجزأت، ولا تصلح للحمل على ظهرها، ولا العمل عليها، فلمَّا عدل إلى الغنم علم أنه لا لما ذكرتم. على أن الحج أفعالٌ، وجُعِل [جزاؤه] (٥) أموالاً، والصلاة

стр. 456

جعل جزائها أفعالاً، ووقفنا على ذلك الجبران لأجل النص لا غير، حتى لو صام شهراً مع وجود الدم لم يجزئه، وأدخل الدراهم والغنم جبراناً للسن في الزكاة، ولم يُجوِّز الشافعي العدول إليهما أصلاً في الإخراج، ولا قيمة (١). واحتج بعضهم: بأن النصّ على السن الأدنى لم يمنع الانتقال إلى الأعلى، فإنه لمَّا نصّ على بنت مَخَاض في خمس وعشرين لم يمنع ذلك قبول بنت لَبُون عنها، والحِقَّة عن بنت لَبُون أجزأ السن الأعلى مع ترك النص على الأدنى. والجواب: أن السن وصفٌ، فهو كالسمن والهزال في الغنم، وهذا عدولٌ إلى غير الجنس، فهو كالعدول عن الشاة الواجبة في أربعين من الغنم إلى البقر، أو الناقة، وكذلك في باب الصلاة السيء، كتطويل القراءة، والركوع، والسجود، والعدول إلى البعير عن الشاة، كإقامة السجود مقام الركوع، فبطل ما قالوه. قال أصحاب الشافعي: قولنا بجواز أخذ البعير عن الخمس من الإبل لا يناقض/ أصلنا من أنه لا يجوز إخراج القيمة في الزكاة، فأما ما أجزنا أخذه هاهنا بطريق القيمة لا بطريق القياس، وإنما جاز أخذه بدليل النص؛ لأنه إذا جاز عن أضعاف الخمس فعن الخمس أولى (٢). قلنا: هذا باطلٌ بما لو أخرج ست حِقاق عن إحدى وستين مكان جَذَعَة، فإنه لا يجوز، وهذا نظير مسألتنا؛ لأن ست حِقاق واجب خمسة أمثال إحدى وستين، وهو ثلاث مئة وخمسة مثل البعير في مسألة الخلاف، وبما تقدم.

стр. 457

وقد قال بعضهم: إن الواجب في خمس من الإبل خُمس بعير؛ فلأن يجوز ببعيرٍ كاملٍ أولى. قلنا: ليس كما زعمتم، بل الواجب في خمسٍ من الإبل شاة، وإنما يجب البعير عند بلوغه خمساً وعشرين، فقبل بلوغه هذا القدر لا يقدر فيه إيجاب شيء من الإبل، كما أن الشاة تجب عند بلوغ الغنم أربعين، فقبل بلوغه هذا القدر لا يقدر فيه إيجاب شيء من الشاة، يبينه أنه كيف يقدر إيجاب خُمس من البعير في خمس من الإبل وقد وجبت الشاة فيها، فثبتَ ما قلنا، وأنه إنما امتنع إخراج القيم؛ لأنه عدولٌ عن المنصوص عليه، وهذا في مسألتنا موجود، ولا فرق، والله أعلم.

стр. 458

مسألة إذا قصد الفرار من الزكاة بفعلٍ مِثْلُه يُسقط الزكاة؛ لم تسقط الزكاة. مثال ذلك: أن يقصد ذبح شاةٍ لأهله من الأربعين؛ ليحول الحول ولا نصاب له، أو يهبها لبعض ولده، فإذا حال الحول استردها، أو كانا شريكين في أربعين فلما قارب الحول تفرقا، أو كانا مفردين كل واحدٍ أربعون، فلما مضى بعد الحول اشتركا ليجتمعا أكثر الحول، فتجب شاة. هذا مذهبنا (١)، وهو اختيار الخِرَقي (٢)، وهو مذهب مالك (٣). وعند أبي حنيفة، والشافعي: أنه تسقط الزكاة (٤). لنا: قوله ـ تعالى ـ: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ *﴾ (٥)،/ إلى قوله: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ *فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ *﴾ (٦). فوجه الدلالة: أنهم كانوا قدموا عدواً على صرام (٧) النخل من الليل فراراً من المساكين، وقالوا: ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ *﴾ (٨)، فأصبحوا فوجدوها قد تلفت كلها، فعوقبوا على اعتقادهم وقصدهم منع المساكين، فدلَّ على أن ذلك الفعل محظورٌ، وإذا كان محظوراً لم يسقط الحق.

стр. 459

فإن قيل: أولئك القوم كانت الزكاة قد وجبت عليهم، فعاقبهم على ذلك. قلنا: أولئك لم يكونوا ممن فرضت عليهم الزكاة، وإنما كان المساكين يحضرون الصّرام، فيعطَون منه، فتواعدوا على صرامها في كل وقتٍ لا يكون فيه المساكين. الذي يدل على صحة هذا: أنهم اعتمدوا صرامها في وقت لا يحضره الفقراء، وهو الليل، فلولا أن الحق [كان] (١) معلقاً بالصرام لم يحتالوا في صرامها ليلاً. والذي يدل على أنهم لم تجب عليهم الزكاة: ما روى أبو بكر في كتاب «التفسير» (٢) بإسناده عن قتادة: أن شيخاً من بني إسرائيل كانت له جنة وله بنون، فجعل الشيخ ينظر بما يكفيه وأهله فيمسكه، ويتصدَّق بسائره، فجعل بنوه يعيبون عليه ما يصنع، فمات الشيخ فورثها هؤلاء، فمنعوا حقها، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ *﴾ (٣) (٤). فإن قيل: فالعقاب إنما كان على ترك الاستثناء في القسم. قلنا: ترك الاستثناء لا يوجب الوعيد؛ لأنه مباح، وعلى أن الوعيد ينصرف إليهما جميعاً إلى الفرار، وترك الاستثناء جميعاً.

стр. 460

فإن قيل: فلو قدَّر أنه كان لأجل الفرار على ما تقولون، فهذا شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا ليس بشرعٍ لنا. قلنا: شرع من قبلنا لنا [ما] (١) لم يثبت نسخه عندنا في أصح الراويتين (٢). و ـ أيضاً ـ من جهة السنة: قول النبي ـ صلَّى الله عليه ـ: «لا يُفرَّق/ بين مجتمع، ولا يُجمَع بين متفرق خشية الصدقة» (٣)، وهذا مأخوذ في الشريكين إذا تحيلا بالتفريق لتسقط الزكاة، أو غير الشريكين إذا تحيلا بالاجتماع ليقل الواجب منها. فإن قيل: نحمله على ما بعد الحول؛ لأنه وقت الوجوب، فأما قبل ذلك فلا؛ لأنه لا وجوب. قلنا: قوله: «خشية الصدقة» إنما تنصرف إلى التخوف من مجيء سبب وجوبها؛ ولأن النهي عامٌّ فيما قبل الوجوب خشية الوجوب، أو خشية الأداء بعد الوجوب. فإن قيل: فنحن نقول: إنه يُنهى عن قصد ذلك، وليس فيه أنه إذا فعله لم تسقط. قلنا: إذا ثبت كونه منهيّاً عنه دخل تحت قوله: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٤)، وإذا رددنا الفعل من الهبة والذبح جعلنا الشاة كأنها حية، والموهوبة كأنها على ملكه فوجبت الزكاة لتمام النصاب حكماً، وإن كان قد نقص حسّاً.
следующие страницы →