← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30143

المفردات

ابن الزاغوني

Полный текст (748 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

جعل جزائها أفعالاً، ووقفنا على ذلك الجبران لأجل النص لا غير، حتى لو صام شهراً مع وجود الدم لم يجزئه، وأدخل الدراهم والغنم جبراناً للسن في الزكاة، ولم يُجوِّز الشافعي العدول إليهما أصلاً في الإخراج، ولا قيمة (١). واحتج بعضهم: بأن النصّ على السن الأدنى لم يمنع الانتقال إلى الأعلى، فإنه لمَّا نصّ على بنت مَخَاض في خمس وعشرين لم يمنع ذلك قبول بنت لَبُون عنها، والحِقَّة عن بنت لَبُون أجزأ السن الأعلى مع ترك النص على الأدنى. والجواب: أن السن وصفٌ، فهو كالسمن والهزال في الغنم، وهذا عدولٌ إلى غير الجنس، فهو كالعدول عن الشاة الواجبة في أربعين من الغنم إلى البقر، أو الناقة، وكذلك في باب الصلاة السيء، كتطويل القراءة، والركوع، والسجود، والعدول إلى البعير عن الشاة، كإقامة السجود مقام الركوع، فبطل ما قالوه. قال أصحاب الشافعي: قولنا بجواز أخذ البعير عن الخمس من الإبل لا يناقض/ أصلنا من أنه لا يجوز إخراج القيمة في الزكاة، فأما ما أجزنا أخذه هاهنا بطريق القيمة لا بطريق القياس، وإنما جاز أخذه بدليل النص؛ لأنه إذا جاز عن أضعاف الخمس فعن الخمس أولى (٢). قلنا: هذا باطلٌ بما لو أخرج ست حِقاق عن إحدى وستين مكان جَذَعَة، فإنه لا يجوز، وهذا نظير مسألتنا؛ لأن ست حِقاق واجب خمسة أمثال إحدى وستين، وهو ثلاث مئة وخمسة مثل البعير في مسألة الخلاف، وبما تقدم.

стр. 457

وقد قال بعضهم: إن الواجب في خمس من الإبل خُمس بعير؛ فلأن يجوز ببعيرٍ كاملٍ أولى. قلنا: ليس كما زعمتم، بل الواجب في خمسٍ من الإبل شاة، وإنما يجب البعير عند بلوغه خمساً وعشرين، فقبل بلوغه هذا القدر لا يقدر فيه إيجاب شيء من الإبل، كما أن الشاة تجب عند بلوغ الغنم أربعين، فقبل بلوغه هذا القدر لا يقدر فيه إيجاب شيء من الشاة، يبينه أنه كيف يقدر إيجاب خُمس من البعير في خمس من الإبل وقد وجبت الشاة فيها، فثبتَ ما قلنا، وأنه إنما امتنع إخراج القيم؛ لأنه عدولٌ عن المنصوص عليه، وهذا في مسألتنا موجود، ولا فرق، والله أعلم.

стр. 458

مسألة إذا قصد الفرار من الزكاة بفعلٍ مِثْلُه يُسقط الزكاة؛ لم تسقط الزكاة. مثال ذلك: أن يقصد ذبح شاةٍ لأهله من الأربعين؛ ليحول الحول ولا نصاب له، أو يهبها لبعض ولده، فإذا حال الحول استردها، أو كانا شريكين في أربعين فلما قارب الحول تفرقا، أو كانا مفردين كل واحدٍ أربعون، فلما مضى بعد الحول اشتركا ليجتمعا أكثر الحول، فتجب شاة. هذا مذهبنا (١)، وهو اختيار الخِرَقي (٢)، وهو مذهب مالك (٣). وعند أبي حنيفة، والشافعي: أنه تسقط الزكاة (٤). لنا: قوله ـ تعالى ـ: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ *﴾ (٥)،/ إلى قوله: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ *فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ *﴾ (٦). فوجه الدلالة: أنهم كانوا قدموا عدواً على صرام (٧) النخل من الليل فراراً من المساكين، وقالوا: ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ *﴾ (٨)، فأصبحوا فوجدوها قد تلفت كلها، فعوقبوا على اعتقادهم وقصدهم منع المساكين، فدلَّ على أن ذلك الفعل محظورٌ، وإذا كان محظوراً لم يسقط الحق.

стр. 459

فإن قيل: أولئك القوم كانت الزكاة قد وجبت عليهم، فعاقبهم على ذلك. قلنا: أولئك لم يكونوا ممن فرضت عليهم الزكاة، وإنما كان المساكين يحضرون الصّرام، فيعطَون منه، فتواعدوا على صرامها في كل وقتٍ لا يكون فيه المساكين. الذي يدل على صحة هذا: أنهم اعتمدوا صرامها في وقت لا يحضره الفقراء، وهو الليل، فلولا أن الحق [كان] (١) معلقاً بالصرام لم يحتالوا في صرامها ليلاً. والذي يدل على أنهم لم تجب عليهم الزكاة: ما روى أبو بكر في كتاب «التفسير» (٢) بإسناده عن قتادة: أن شيخاً من بني إسرائيل كانت له جنة وله بنون، فجعل الشيخ ينظر بما يكفيه وأهله فيمسكه، ويتصدَّق بسائره، فجعل بنوه يعيبون عليه ما يصنع، فمات الشيخ فورثها هؤلاء، فمنعوا حقها، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ *﴾ (٣) (٤). فإن قيل: فالعقاب إنما كان على ترك الاستثناء في القسم. قلنا: ترك الاستثناء لا يوجب الوعيد؛ لأنه مباح، وعلى أن الوعيد ينصرف إليهما جميعاً إلى الفرار، وترك الاستثناء جميعاً.

стр. 460

فإن قيل: فلو قدَّر أنه كان لأجل الفرار على ما تقولون، فهذا شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا ليس بشرعٍ لنا. قلنا: شرع من قبلنا لنا [ما] (١) لم يثبت نسخه عندنا في أصح الراويتين (٢). و ـ أيضاً ـ من جهة السنة: قول النبي ـ صلَّى الله عليه ـ: «لا يُفرَّق/ بين مجتمع، ولا يُجمَع بين متفرق خشية الصدقة» (٣)، وهذا مأخوذ في الشريكين إذا تحيلا بالتفريق لتسقط الزكاة، أو غير الشريكين إذا تحيلا بالاجتماع ليقل الواجب منها. فإن قيل: نحمله على ما بعد الحول؛ لأنه وقت الوجوب، فأما قبل ذلك فلا؛ لأنه لا وجوب. قلنا: قوله: «خشية الصدقة» إنما تنصرف إلى التخوف من مجيء سبب وجوبها؛ ولأن النهي عامٌّ فيما قبل الوجوب خشية الوجوب، أو خشية الأداء بعد الوجوب. فإن قيل: فنحن نقول: إنه يُنهى عن قصد ذلك، وليس فيه أنه إذا فعله لم تسقط. قلنا: إذا ثبت كونه منهيّاً عنه دخل تحت قوله: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٤)، وإذا رددنا الفعل من الهبة والذبح جعلنا الشاة كأنها حية، والموهوبة كأنها على ملكه فوجبت الزكاة لتمام النصاب حكماً، وإن كان قد نقص حسّاً.

стр. 461

والفقه في المسألة أنَّا نقول: معلوم أن الله ـ تعالى ـ قد طبع النفوس على الشح بالأموال بقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ (١)، فلو عمل هذا البخيل عمله لمالَ الناس إلى ذلك شرعاً كما يميلون إليه طبعاً، فكان ذلك ذريعة إلى إسقاط عَلَم من أعلام الدين الظاهرة، ومفسدة عظيمة لحرمان الفقراء والأصناف الثمانية ما جعل له من المرفق، وليس للذرائع حسم ومنع إلا بإبطال ما يفضى إليها، ولهذه العلة منعنا القاتل من الإرث حتى لا يتهافت الناس على قتل موروثهم (٢)، ولذلك ورَّثنا نحن (٣)، وأبو حنيفة (٤) البائن في مرض الموت لتهمة الزوج أنه قصد إسقاط حقها من الإرث، وكان فاراً من حصوله لها، وكذلك قَتل الجماعة بالواحد حسماً لمادة الاشتراك في القتل (٥)، وكذلك منعنا من قرض الإماء حتى [لا] (٦) تكون ذريعة إلى الوطء في غير/ عقدٍ، ولا ملكٍ (٧)؛ لأنه قد يقرضها فيطأها، وتردها بعينها، ومنع المحرم والمعتدة من دواعي الجماع؛ لئلا يقع في الجماع المفسد للحج، وذلك في الأصول لا يحصى عدّاً، فإذا حرست هذه الأحكام جئنا إلى الزكاة، هي من أركان الدين، تتضمن مصلحتين عظيمتين: التعبد لله ـ سبحانه ـ بمجاهدة النفس، وإخراج المال المحبوب في الطبع. والثانية: نفع الفقراء، وإسداد خلّتهم، وإشباع جوعتهم، فوجب أن لا نفتح إلى إسقاطها باباً، فيكون ذريعة إلى الإخلال بهذا الركن العظيم، ولا يسدُّ باب إسقاطها إلا بإلغاء المعنى الذي يكون حيلةً وذريعةً إلى الإسقاط، فيبقى الإيجاب بحاله، وتُجعَل الشاة كأنها على ملكه، وأنها حية لإبقاء حق الفقراء، كما جعلنا المقتول كأنه حيٌّ في حق القاتل، وغير ذلك من المسائل التي ذكرناها.

стр. 462

فإن قيل: إنما يتناول الوعيد والنهي من احتال لإسقاط ما وجب، فأما من يَحْتلْ لئلا تجب عليه فلا ينبغي أن يلحقه الوعيد ولا الحظر، ولو كان ذلك صحيحاً لوجب أن يأثم من لا يجمع مالاً مع إمكان الجمع ليبلغ نصاب الزكاة، ولوجب إذا كان له مالٌ واشترى به عقاراً قبل تمامه نصاباً، فكلما حصل له دون نصاب اشترى به أموالاً لا تجب فيها الزكاة أن تجب عليه الزكاة في تلك الأموال، فلا تسقط الزكاة في قيمة تلك الأموال، ومن لم يتسلح لمداواة نفسه ليبرأ من مرضٍ يمنعه من الصوم لصومٍ واجب، ولوجب أن لا تسقط الزكاة بأكله الشاة، وإن لم يكن على حالٍ تحلقه التهمة فيها، ومن لم يدفع [الذئب] (١) عن غنمه حتى أكل منها واحدة من الأربعين أن يأثم، وتكون عليه شاة لتقصيره عن الحق، كما قلتم يحرم به الميراث وإن كان بفعل الصبي والمجنون وإن كانا لا/ يقصدان، ولا يتهمان. الثاني: أن الأصول قد انقسمت، فبعض الحيل أسقط، وذلك كمن كسر ساقه فصلى جالساً، أو من ضربت بطنها فنفست في شهر رمضان لتفطره، ومن أحب أن يشتري التمر الجيد بالرديء، فباع الرديء بعرضٍ، واشترى به تمراً، فإنه يجوز بنص الحديث (٢)، وكذلك ـ أيضاً ـ قتل أم الولد لسيدها لا يمنع من عتقها، وهو ذريعة إلى ملك نفسها، جاز أن يكون هاهنا مثله ـ أيضاً ـ. قلنا: أما قولكم: إنه ما وجب إلا أن المال مارّ إلى الوجوب؛

стр. 463

بحيث جوَّزنا إخراج زكاته بوجود النصاب، ووجود سبب الوجوب، وقطع مروره إلى الوجوب في باب حسم الذريعة بتحقيق الوجوب، بدليل أن الموروث حال حياته لا يستحق إرثه، لكن وجود السبب، أو السبب المفضي إلى استحقاق الإرث بعد موته منع الإرث بوجود الجراحة، أو إسقاء السم، أو ما شاكله من القواتل. وكذلك طلاق الزوجة في حال المرض؛ لما كان مارّاً إلى الموت، وهي مارة إلى استحقاق الإرث، كان حسم الذريعة بالحكم لها بالإرث لما وجد منه سبباً يتهم فيه بحرمانها، وفراره من إرثها، فلسنا نعتبر في الذرائع إسقاط واجب يحصل وجوبه، لكن يكتفى بالسبب إلى منع الوجوب. أما قولهم: لو حرم التسبب للإسقاط لوجب التسبب للإيجاب؛ فغير لازمٍ؛ لأن الإنسان لا يلزمه جمع المال ليرثه ورثته، وإذا حصل المال لم يحل له التسبب لإعدام الإرث وحرمانه، ولا يجب عليه التسبب إلى تحريم الصيد على نفسه بالإحرام، ويحرم عليه [التسبب] (١) إلى إباحته بعد الإحرام، ولا يجب عليه تمريض موروثه، ولا دفع الأعداء عنه بالسلاح والقتال، وإن قتله قاتل مع إمكان دفعه عنه لم يحرم إرثه، وبمثله لو تسبب إلى/ إزهاق نفسه حرم الإرث. وكذلك ـ أيضاً ـ لا يجب عليه أن يتودَّد إلى الزوجة بزيادة على واجب حقها؛ حتى لا تطالب بالخلع، وتفتدي نفسها، ولا يحل له أن يسومها الخلع، ولا يجرها إليه بإساءة أخلاقه وتخشن أفعاله معها. وأمّا إذا عللنا بالتهمة، قلنا: يورث الصبي والمجنون، وأصحابنا اختلفوا على طريقين (٢): أحدهما: أنه لا يحرم الصبي الذي لا قصد له، ولا المجنون، وإنما يحرم من يتهم، ولذلك لم يحرم أصحابنا كل قتلٍ وجب شرعاً (٣)،

стр. 464

كقتل الإمام موروثه حدّاً وقصاصاً، ولا علة في ذلك إلا نفي التهمة، ولا فرق في نفيها بين استحقاق القتل، وبين نفي العلم والقصد، إلا أنّ المنصوص عن الإمام أحمد أن قتل الصبي والمجنون يحرم به الإرث (١)، فعلى هذا لا يؤمن أن يُظهر الجنون ليقتله، ولا يؤمن أن يحرض الصبي من يعقل فيَقتل، فحسمنا المادة في ذلك كما حسمنا بقتل المخطئ فحرمناه. وأمَّا سؤالهم الثاني، وقولهم: إن الأصول منقسمة في الذرائع، فالأخذ بالأحوط منها أولى؛ لئلا يسقط، أو يمتنع حق الله ـ تعالى ـ، وحق الآدميين المجتمعين في الزكاة، على أن ما ذكرتموه من كسر الساق، أو ضرب البطن فمع الإنسان رادع طبعي يمنع من إقدامه على [الإضرار] (٢) بنفسه، وقطع معاشه وتصرفاته لأجل إسقاط هيئةٍ في صلاته، وهي القيام، وكذلك المرأة لا تخاطر بنفسها وجنينها، وتتعجل الألم لأجل تأخير الصوم، أو إسقاط الصلاة، فهذا أمرٌ لا يقع غالباً، فلا ذريعة فيه، ولا يحتاج إلى الزجر، وفي مسألتنا المال محبوب، قال ـ سبحانه ـ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ (٣)، وذكر القناطير المقنطرة، وقال: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ (٤)، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ *﴾ (٥)، فلا يؤمن إذا أسقط الزكاة بالحيل أن يخلد الناس إليه طبعاً، وما ذهبتم إليه/ شرعاً، فيسقط هذا العَلَم الظاهر، ويُستضَر هؤلاء الأصناف على ما مضى تقريره. وأمَّا أم الولد إذا قتلت سيدها؛ فتلك قد تعجلت العتق بنفس الاستيلاد، ألا ترى أنه لا يملك بيعها، ولا رهنها، ولا هبتها، فلا تورث. فإن قيل: فما جُعل ذريعة إلى إسقاط حقٍّ ينبغي أن لا يرجع فيها إلى المحتال؛ لأن الرجوع إليه فيها معنى يفضي إلى إسقاطها،

стр. 465

وذلك أنكم إذا قلتم: إذا قال: إنني قصدتُّ الفرار؛ لم تسقط الزكاة، وإذا قال: لم أقصد الفرار من الزكاة بذبح هذه الشاة؛ لم تجب، كان ذلك مؤديّاً إلى إسقاطها؛ لأن الإنسان في غالب الحال لا يخبر بما يوجب على نفسه حقّاً. قلنا: نحن فرضنا الكلام، فمن قال: قصدتُّ بذبح هذه الشاة إسقاط الزكاة عني، وإذا ثبت في ذلك الموضع ثبت في غيره؛ لأن أحداً لا يفرق بينهما. الثاني: أنه لا يمتنع أن تكون الذريعة في الأصل مانعة، وإن أدى ذلك إلى إسقاطها، ألا ترى أن الحدود وضعها الله ـ تعالى ـ رادعة، وزاجرة عن المعاصي، ومع هذا فإننا نرجع إلى الفاعل للمعصية في ذلك، ورجوعنا إليه توصل إلى إسقاطها لإيثار بقية الرجوع في الزنا، فنقول: زنيت أم لا؟ قل: لا، ونكرر عليه الإقرار أربعاً، وإذا ثاب سقطت عنه الحدود، وإذا ادعى أنه عقد عليها، أو أنه كان جاهلاً بتحريم وطئها قبلنا ذلك منه، ورجعنا فيه إليه، وإن كان ذلك مسقطاً لمقتضى الردع والزجر، ولذلك اعتبرنا [أربعة] (١) شهود في الزنا يشاهدون الإيلاج، وإن كان ذلك مما يتعذر، وشهادة أقل من أربعة بالزنا توجب عليهم حدَّ القذف. طريقة أخرى: نقول: التحيل منهيٌّ عنه في شرعنا (٢)، قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «لتركبن ما ارتكب اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل؛ إن الله/ إذا حرم شيئاً حرّم ثمنه؛ إن اليهود حُرِّمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها» (٣).

стр. 466

وروي أنهم نصبوا الشباك يوم الجمعة، فلما سقطت فيها الحيتان يوم الجمعة، ويوم السبت أخذوها من شباكهم يوم الأحد (١)، فسماهم معتدين، وشرع من قبلنا شرع لنا؛ لأنه لم يثبت نسخه، فكيف وقد صرح النبي ـ صلَّى الله عليه ـ عن سلوك ما سلكوا من التحيل؛ ولأن منع الزكاة محرمٌ، والقصد إلى فعل المحرم محرم، وإن لم يوجد وقته، ألا ترى أن من اعتقد أن لا يصوم شهر رمضان من السنة المقبلة كان آثماً، وإن لم يكن قد أتى عليه وقت الوجوب، وكذلك لو قصد بسفره قطع الطريق حرم عليه السفر، مثل وجود المعصية، وكذلك لو اعتقد أن لا يقضي دينه المؤجل في وقت الحلول كان آثماً قبل محله، وإذا ثبت أنه محرَّم حصل وجوده كعدمه. فإن قيل: لو قدرنا أنه محرَّم، فمن أين فيه أن كونه محرَّماً يُعطى أنه لا يسقط عنه الزكاة، نحن نعلم أن [جمع] (٢) الطلاق الثلاث محرّم، وكذلك في الحيض، وفي الطهر المجامع فيه، ومع ذلك فإنه إذا وجد على هذه الصفة لا يمنع من وقوعه، كذلك هاهنا. قلنا: متى ما ثبت كونه محرَّماً وجب إعدامه بكلِّ حالٍ، وقد مضى تقرير ذلك في مسائلٍ، فأما الطلاق فهكذا كان يقتضي أن لا يقع، وإنما تركناه لحديث ابن عمر، قال للنبي ـ صلَّى الله عليه ـ: أرأيتَ يا رسول الله، لو طلَّقتُها ثلاثاً، قال: «كانت تبين منك، وتكون معصية» (٣).

стр. 467

الثاني: أن إيقاع الطلاق على تلك الحالة فعلٌ محرمٌ، والحكم بإيقاعه عقوبة له، وفعل المحرم يقتضي العقوبة؛ ولأن الطلاق مما له تغليبٌ وسراية، فجاز لقوته أن ينفذ على وجهٍ محرمٍ؛ ولأن الطلاق إنما وقع على وجهٍ محرمٍ (١) لأنه صادف ملكاً، وهاهنا التصرف صادف/ ملكاً تعلّق منه حق الفقراء بدليل جواز الإخراج. طريقة [أخرى] (٢): نقول: ما قبل الحول وقت لإخراج الزكاة، فجاز أن يكون وقتاً لمنع الفرار من الزكاة، دليله: ما بعد الحول، ولا يلزم عليه إذا قصد الفرار من أول الحول؛ لأن فيه نظراً. فإن قيل: لا يمتنع أن يكون وقتاً لإخراج الزكاة، ولا يكون وقتاً لمنع الفرار، ألا ترى أن قبل الحنث وبعد عقد اليمين وقت لإخراج الكفارة، ومع هذا فلو احتال العبد، فاشترى نفسه من سيده حتى يعتق ولا يصوم، جاز ذلك، وأجزأه العتق، وكذلك الصحيح إذا حلف، ثم وهب جميع ماله حتى يعتق أجزأه الصوم. قلنا: لا نسلم على أحد الروايتين (٣)، ونقول: تلزمه الكفارة التي فرّ منها، وهو الصيام في حقّ العبد، والعتق في حقِّ الحرِّ، إلا أن الحرّ بذهاب ماله يثبت العتق في ذمته إلى حين يساره، ولا يجزئه الصيام. فإن قيل: المعنى في الأصل أن الزكاة قد وجبت عليه، فلهذا قلنا: لا تؤثر فيه حيلته، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإن الزكاة لم تجب.

стр. 468

قلنا: علة الأصل تبطل على أبي حنيفة إذا وجبت عليه الزكاة ثم ارتد، فإنها تسقط بالردة وإن كانت قد وجبت عليه (١)، وكذلك إذا تلف المال بعد الحول؛ فإن الزكاة تسقط وإن كان بعد الوجوب، وعلة الفرع تبطل بالحائض، والنفساء إذا طهرت في وقت العصر؛ فإنه يجب عليهم قضاء الظهر، وإن لم يجب عليهم بمعنى أنهم لم يكونوا من أهل الخطاب بالعبادة في وقت الظهر، وكذلك عند أبي حنيفة إذا أسلم الكافر في بعض شهر رمضان وَجَبَ عليه قضاء ما فاته من أول الشهر، وإن لم يكن في وقت مضي ذلك الزمان من أهل الخطاب بالصيام (٢). طريقة أخرى: أن أبا حنيفة قد قال بأن/ نقصان النصاب في وسط الحول لا يمنع من إيجاب الزكاة (٣). وقال الشافعي: لا يمنع نقصان الحول من إيجاب الزكاة في العروض، ويمنع في الذهب والفضة (٤). وقال الخِرَقيّ من أصحابنا: وإذا ملك خمساً من الإبل، فأسامها أكثر السنة، ففيها شاة (٥)، فاعتبر السوم في أكثر الحول، ولم يعتبر في جميعه. فنقول: الزكاة تتعلق بحولٍ ونصابٍ ثم ثبت أن اختلال بعض الحول مع كمال النصاب لا يمنع من إيجاب الزكاة، كذلك اختلال بعض النصاب مع كمال الحول لا يخل بالوجوب.

стр. 469

احتجوا: بما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحال» (١)، وهذا لم يحل عليه الحول. والفقه فيه: أنه مالٌ لم يحل فيه الحول، فلم تجب فيه الزكاة، دليله إذا نقص بتجارةٍ، أو نفقةٍ، أو هبةٍ، ونحو ذلك مما لا يقصد به الفراغ، ولأن ما قبل الحول حالة لو تلف فيها بعض النصاب لم تجب الزكاة، كذلك إذا أتلفها، كأول الحول؛ ولأنه لو كان الفراغ يسقط لكان مَنْ عُرِف بشراء العقار، والإكثار المفرط منه كالحانات (٢)، والديار، والمُدَارات (٣)، والأرضين، والبساتين، وما شاكل ذلك، تجب الزكاة عليه في قيمة ذلك العقار. قالوا: والعجب أنكم لم تجعلوا البيع باطلاً، ولا الهبة للشاة باطلة، كما أبطلتم البيع وقت النداء، إلا أن هذا بيع قبل الوجوب، ولكن قلتم: يصح البيع، وتجب الزكاة، وهذا في غاية البعد، والمريض إذا وهب قبل الموت ثم مات بان بطلان الهبة، ولا شك في أنكم إنما فعلتم ذلك حتى لا تتخذ ذريعة، ومن أين أنه اتُّخِذ ذريعة، والبيع متى شرع ذريعة إلى إسقاط الزكاة،

стр. 470

والأوضاع الأصلية كيف تغير، ولا يجوز أن يقال: يجب القصاص على المشتركين حتى لا يكون ذريعة، كذلك هاهنا؛ وهذا خطأٌ، فإن القتل يمكن أن يجعل ذريعة/ إلى إهدار الدماء وسفكها، فأما البيع المشروع في الأصل لمصلحة العباد كيف يكون ذريعة إلى إبطال حقٍّ، وهو في الأصل ذريعة إلى تحقيق الحقوق، ثم لو حال الحول وجبت الزكاة، فلو دفع الزكاة إلى الفقير، وأقبضها، ثم استوهبها منه، أو اشتراها منه بشيءٍ يسيرٍ، فهذا قد يجعل ذريعة، ومع هذا فلا خلاف في أن الزكاة التي أدَّاها وقعت موقعها، ولم ينتفع المسكين بها. ومنهم من قال: إن الشرع أوجب الزكاة في نصابٍ على شرط الحول، وما كان للرفق فإنما يكمل في حقٍّ كاملٍ يحول على نصابٍ كاملٍ، فإذا أكل شاة قبل الحول، أو شاة في أول الحول، أو في وسطه، فلو أوجبنا الزكاة عليه أجحفنا به، وأوجبنا الزكاة في مالٍ لم يكمل إرفاقه به، فلا محمل له إلا أن يقال: إنه كان قادراً على أن يرتفق بالنصاب، ويحمل لنفسه ما تجب فيه الزكاة، وهذا لا وجه لاعتباره، فإن الجواد الذي ينفق خزائن أمواله، وينفق نفقة واسعة، فإنه لو جمع لوجب، ولو كان يشتري الدور الكثيرة التي لا حاجة به إليها، ويتخذ الضيافات العظيمة، فقد فوَّت حقوق المساكين، ولا زكاة عليه، فدلَّ أن كل ذلك لا أصل له. ولأنكم قد قلتم: إذا كان له نصابٌ من الماشية في بلدين لا زكاة، ويمكن أن يجعل ذلك ذريعة، أعني: تفريق الأموال في البلاد. الجواب: أما الحديث فهو مطرح الظاهر؛ لأن أبا حنيفة قال: نقصان [النصاب] (١) لا يمنع من إيجاب الزكاة في جميع الأحوال (٢)،

стр. 471

والشافعي قال: لا يمنع من العروض دون بقيتها (١)، فنحمله عليه إذا لم يحل الحول، ولم يقصد الفرار من الزكاة بدليل ما ذكرناه. ومن أصحابنا من أجاب عن الخبر بأنْ قال: إنَّا قائلون بالحديث، وأنه لا زكاة فيه، لكنه مارٌّ إلى (٢) إيجاب/ الزكاة (٣)، فالخبر أفاد نفي الإيجاب، وأخبارنا أفادت المنع من التحيل لنفي الإيجاب، والتصدي لإزالة سبب الإيجاب، وقد دللنا على تحريمه، وبيَّنا طريق فساده. وأمَّا قولهم: إن هذا مالٌ لم يحل عليه الحول، فباطلٌ بالزروع، والمستخرج من المعدن والرِّكاز (٤)؛ فإنه لم يحل عليه الحول، وتجب الزكاة، وننكر على أبي حنيفة، والشافعي بنقصان النصاب في أثناء الحول؛ فإنه حولٌ لم يجر على نصابٍ كاملٍ، وتجب فيه الزكاة. والمعنى في الأصل أنه غير متعدٍّ بذلك السبب، وليس كذلك هاهنا؛ فإنه سبب متعدى به. الثاني: أن في ذلك الموضع ليس بذريعةٍ إلى إسقاط الزكاة، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإنه ذريعة إلى إسقاط الزكاة، والذرائع معتبرة في الأصول، بدليل ما بينَّا. جواب آخر: لا يمتنع أن يكون نقصان النصاب [بحيلة] (٥) نقصاناً، ونقصانه بغير حيلةٍ نقصاناً، ولا يمنع من الإيجاب، ونقصانه في طرفي الحول نقصاناً ويمنع من الإيجاب، وكذلك عند الشافعي نقصان نصاب العروض لا يمنع، ونقصان نصاب الدراهم والدنانير يمنع (٦)، وإن كانا مالين،

стр. 472

وكذلك سفر المعصية مع السفر المباح سفرين، وتستباح بأحدهما الرخص دون الآخر (١). وأمَّا قولهم: إن ما قبل الحول حالة لو تلف فيها بعض النصاب لم تجب الزكاة، كذلك إذا أتلفها، كأول الحول. قلنا: ظاهر كلام إمامنا لا يقتضي تخصيصاً لآخر الحول، ولا ما يقاربه (٢)، ولو روي في ذلك لكان خارجاً على أن الغالب أنه لا يكون بذبح شاة في أول الحول فارّاً؛ لأنه لو أرد الفرار من الزكاة لانتفع بالمال أكثر الحول، وتحيل عند أواخره، فأما في أوله فلا يجوز اعتبار الإتلاف بالتلف؛ لأن بعد حؤول الحول وقبل/ إمكان الأداء لو تلف لم يضمن، وبمثله لو أتلفها ضمن. وكان المعنى فيه أن التلف لا يقصد به الإسقاط، ولا يتهم فيه؛ لأنه فعلُ غيره، فهو كموت الموروث، والذبح، والهبة فعل نفسه عند مقاربة وجوب الزكاة، وذلك فعل يظهر منه القصد إلى الفرار منها، وذلك يؤدي إلى إسقاطها، ولذلك جعل تصرف الإنسان في مرض الموت بالطلاق والمحاباة، بخلاف تصرفه في حال الصحة، سيما عن أبي حنيفة في منع إقراره للوارث (٣)، والإبانة لزوجته حال المرض (٤)، وذلك لكون المرض حالة القرب من الموت الذي هو ناقلٌ لماله إلى ورثته. وأمَّا قولهم: لو كان الفرار [مسقطاً] (٥) لكان مشتري العقار الكثير لا يسقط عنه. قلنا: قال بعض الأصحاب: يحتمل أن نقول فيمن صرفت الأثمان إلى صياغتها حليّاً ـ ولا فرق بين إتلاف بعض النصاب وبين صرفه إلى مالٍ ـ: لا تجب فيه الزكاة؛ لأن الجميع صالح للإسقاط.

стр. 473

واحتج بعضهم بأنه لو كانت الزكاة تجب مع انتقال الملك عن المال الزكاتي إلى غيره، مثل إن باع غنماً بحميرٍ، أو بغالٍ، أن تجب الزكاة في الحول الأول، فمن قولكم كذا نقول، فنقول لكم: فالحول الثاني يلزم أن يكون كذلك؛ لأنه يستديم لملكٍ أقمته مقام الغنم في إيجاب شاةٍ، فأوجبها أحوالاً كثيرة، كما لو كانت باقيةً، فإما أن توجبها [حولاً] (١)، وتسقطها في الثاني، فلا وجه لذلك؛ لأنه كما قصد الإسقاط بالابتداء، فبالدوام قصد إسقاط الزكاة في الدوام. الجواب: أن الحول الأول تحقق فيه التحيُّل، وأمَّا الثاني، والثالث فلا يتحقق فيه الاختيار؛ لأن العاقل لا يسقط تنمية المال رأساً، ويترك تملك الأعيان حولاً بعد حول لئلا تجب عليه الزكاة، والذريعة/ إنما تحسم فيما يفعل غالباً. الثاني: أن إيجاب الشاة حصل في الحول الأول عقوبة على نفس الجريمة، ولم يبق في الحول الثاني إلا حكم الجريمة لا عين الجريمة، فهو كمن زنا أو سرق فحددناه، ولم يتب؛ بل أصرَّ على ذلك، لا نكرر الحد عليه، وإن كان حكم الزنا باقياً فسقاً وإثماً. الثالث: أن الشاة التي وجبت، إن أخرجها فقد حصل النقصان بالتي أخرجها، لا بالتي وهبها، أو أكلها، وإن لم يخرجها فقد نقص النصاب في الحول الثاني بوجوبها في ماله للفقراء، كما لو مضى على عشرين ديناراً حولان وجبت زكاة الحول الأول فقط؛ لنقصان النصاب بزكاة الحول الأول، والله أعلم.

стр. 474

مسألة إذا منع الزكاة بخلاً، وكسلاً، لا اعتقاداً، طالبه الإمام بها واستتابه ثلاثة أيام، فإن أدّاها، وإلا قُتل، نص عليه الإمام أحمد (١)، وذكره عبد العزيز (٢). ومن أصحابنا من قال: إذا امتنع من أدائها، وقاتل الإمام عليها كفر (٣)؛ لأن أحمد قال ذلك في مانع الزكاة على سبيل الاعتقاد بمنع الوجوب، يوضح هذا من قوله ما قاله في رواية عبدوس: ليس شيء من الأعمال تركه كفرٌ إلا الصلاة من تركها فهو كافر (٤). وعند أبي حنيفة، ومالك، والشافعي: إذا اعتقد الوجوب، وامتنع من الأداء لم يقتل، ولكن يطالبه الإمام بأدائها (٥). قال أبو حنيفة: ويحبس إلى أن يؤديها، ولا تؤخذ من ماله قهراً (٦). لنا: قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٧)، فقرن الله ـ سبحانه ـ بين الصلاة وبين الزكاة، وتارك الصلاة يقتل عندنا (٨)، وعند مالك (٩)،

стр. 475

والشافعي (١)، فكذلك مانع الزكاة، وهذا الاستدلال من الآية صحيحٌ؛ لأن أبا بكر الصديق ـ كرّم الله وجهه ـ (٢) قال: لا أفرق بين ما جمع الله (٣)، فاستدل على قتلهم بمنع الزكاة؛ لأنها قرينة الصلاة. فإن قيل:/ هذا استدلالٌ بالقرائن، وليس بحجةٌ؛ لأن القرينة قد يخالف حكمها حكم ما قرنت به، والدليل عليه قوله ـ تعالى ـ: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ﴾ (٤)، فالأكل ليس بواجبٍ، والإيتاء في الزكاة واجب، وكذلك قوله ﵇: «حُتِّيه (٥) ثم اقْرُصِيه (٦) ثم اغسليه بالماء» (٧)، فالغسل بالماء واجب، والحَتّ والقَرْص ليس بواجبٍ.

стр. 476

قلنا: الأصل في القرينة أن حكمها حكم ما قرنت به؛ لأن اللفظ ورد بهما على حدٍّ سواء، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١)، وقد استويا في الوجوب إجماعاً، وغير ذلك مما يطول ذكره، وإنما يختلف الحكم في بعض المواضع لقيام دليلٍ يقتضي التخصيص، وإلا فهما في أصل الخطاب على السواء من غير فرقٍ. وأما ما استشهدوا به؛ فنقول: الأصل يقتضي التساوي، إلا أن هناك قام الدليل على اختلافهما في الحكم، وبقي ما عداه على الأصل، وهو التساوي. ومن جهة الأخبار: ما روى أبو الحسن الدارقطني بإسناده عن أبي هريرة: أن رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ قال: «أُمرت ـ ثلاث مرات ـ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءَهم، وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله » (٢). وفي لفظٍ آخر: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك حرمت عليَّ دماؤهم وأموالهم، وحسابهم على الله » (٣).

стр. 477

فوجه الدلالة: أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أخبر أن حقن الدم يحصل بثلاث: بالشهادتين، وبفعل الصلاة، وأداء الزكاة، فدلَّ ذلك على أنه مباحٌ بعد ذلك، وأنه لا عصمة مع عدم شيء منها. فإن قيل: إنما يقتضي الإباحة بفعل الجميع، كما/ كان الحقن، والعصمة بالجميع، ألا ترى إلى قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا *﴾ (١)؛ عاد إلى فعل الجميع، ولم يعد التخليد في العذاب إلى كل واحدٍ من الخلال التي ذكرها. قلنا: الذي يقتضيه ظاهر اللفظ عود العذاب والتخليد إلى الجميع، وكل واحدٍ منه، لكن قام دليلٌ على أن التخليد لا يكون إلا في مقابلة الكفر متمسكاً بما هو عليه، لا يعزم على العود عنه، وكل مسلمٍ ارتكب كبيرة؛ فإنما يموت مسوفاً بالتوبة، نادماً على ما فرَّط، عازماً على استدراك الغلط، ودلائل نفي تخليد الفساق كثيرٌ من السنة، فذلك الذي خصَّ هذه الآية، ولا صارف لظاهر أخبارنا، فكانت على ظاهرها. وروى الإمام أبو جعفر ابن جرير الطبري في كتاب «[ذيل] (٢) المذيل» (٣) بإسناده عن فاطمة بنت خَشَّافٍ السّلمية (٤)، عن عبد الرحمن بن الربيع (٥) ـ وكانت له صحبة ـ قال: بعث رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ إلى رجلٍ من أشجع تؤخذ صدقته، فجاءه الرسول فردَّه، ثم رجع إلى النبي ﵇، فأخبره،

стр. 478

فقال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «اذهب إليه، فإن لم يعط صدقته فاضرب عنقه» (١)، وهذا نصٌّ في إيجاب القتل بالمنع المجرد عن اعتقاد، والحكم الظاهر المنطوق به إنما يعلق على السبب الظاهر المنطوق به. وروى أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي في كتاب «الزكاة» (٢) بإسناده، عن أنس بن مالك: أن العرب بعد رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ قالوا: نصلِّي ولا تغصب أموالنا، يقولون: لا نعطي الزكاة، فقال أبو بكر: لا أفرق بين شيء جمع الله بينه، فقتل، وسبى، وحرق خلالَ البيوتِ، فأتته وفود العرب، فخيرهم بين خصلتين؛ بين حرب مجلية، أو خطة مُخزيةٍ، فاختاروا/ الخطةَ المُخزيةَ، وكانتْ أَهونَ عَليهم، على أن قتلاهم في النار، وقتلى المسلمين في الجنة، وما أصابوا من المسلمين فهو إليهم ردّ، وما أصاب المسلمون منهم فهو لهم، فأقروا بذلك صَغَرَة، وعرفوا ما أنكروا، ودخلوا من حيث خرجوا (٣). فإن قيل: أولئك كانوا قد نفوا اعتقادها، فلهذا قتلهم. قلنا: لو كان كذلك كانوا كفاراً، ولو كانوا كفاراً لما رده عمر عن قتالهم، ولا عارضه فيهم؛ إذ لا يجوز لعمر إقرار المرتدين على الردة، وكفّ أبي بكر عن العقوبة الواجبة عليهم.

стр. 479

ولا أرى في الاستدلال بهذا الحديث كبير حجة على ما اختلفنا فيه؛ لأن القتال جائزٌ عند مخالفينا لمن قاتل الإمام [عليها] (١)، والتكفير ثابت عندهم في حق من نفى [وجوبها] (٢). وفي الحديث ما يدل على الأمرين؛ القتال وتسمية الزكاة غصباً، ونهي عمر لأبي بكر عن القتال كان على سبيل الإشفاق، لا احتراماً لهم، ولهذا سمُّوا بأهل الردة، وخرجوا بإسقاط الزكاة بعد رسول الله، وسموها غصباً، وعليّ كان ممن نهاه عن القتال، ثم استولد الحنفية بعد استرقاقها وتملكها، [والمسلم] (٣) لا يملك ماله بالقهر، وإنما يصلح أن يستدل بهذا الحديث من قال من أصحابنا: إنه إذا قاتل الإمام عليها كفر (٤). والفقه في المسألة: أنا نقول: الزكاة من أحد العبادات الخمس، الذي بني الإسلام عليها، فجاز أن يقتل بتركها، دليله الشهادتان، ولا يلزم الصوم؛ لأن أحمد قد نص على وجوب قتله بالامتناع منه كالزكاة (٥)، ولا يلزم الحج؛ لأن القاضي قال: قياس المذهب يقتضي قتله بالامتناع منه كالزكاة (٦)، وقد قال أبو بكر صاحب الخلال في كتاب «البغاة» (٧): الحج، والزكاة، والصيام، والصلاة سواء يستتاب، فإن/ تاب، وإلا قتل (٨).

стр. 480

فإن قيل: اعتبار العبادات بالشهادتين فاسد، بدليل أن تلك يكفر بتركها، ولا تدخلها النيابة، وتلك أصلٌ، وهذه فروعها، وتلك لا يمكن تحصيلها إلا منه، وهذه يمكن تحصيلها من غيره، فلا وجه لقتله لأجلها. قلنا: الاعتبار صحيحٌ؛ لأن كل واحدٍ من هذه أحد الأركان المبني عليها الإسلام، فالكلمة واحدة من الخمس، حاكية عما في القلب من العقد، وشاهدة بما فيه من التصديق، فلا فرق بينهما عندنا؛ لأن فعل كل واحدةٍ على صفتها دالةٌ على الإيمان، فتركها دالٌّ على الكفر، وليس بإيمان في نفسه شيء من ذلك، أعني الكلمة التي لا تصدر عن تصديق، والأفعال التي لا تصدر عن استجابةٍ وتصديقٍ، والكلمة وهذه الأفعال فروع بالإضافة إلى الاعتقاد، فلا تصح دعوى أن الكلمة أصلٌ، وتلك في النيابة أدخل؛ حيث يستتبع الولد ولده بإزاء ما ينوب النائب هاهنا، والكلمة إذا أكره عليها الحربي والمرتد أجزأت، والارتداد عن الإسلام تشرد عن الاستجابة، كما أن الامتناع من الزكاة تمنع من الاستجابة، وهذا نلجئه إلى الإخراج، أو نأخذها، وهناك نحثه عليها لتتحصل منه. وكونها لا تتأتى من غيره لا يمنع مساواة هذه؛ لأن وجودها منه على سبيل الإكراه بالحبس والضرب، كإخراج هذه وأخذها بالإكراه والضرب، فإن بقي نوعٌ من أنواع التأكيد لم يمنع من تساويهما في القتل، كالصلاة مع كلمة التوحيد، تفارقا في التأكيد والضعف، وتساويا في إيجاب القتل؛ ولأن الصلاة لا يكفر بتركها عندهم، ويقتل بتركها، أعني: أصحاب الشافعي (١)،/ والزنا من المحصن، والقتل من المحاربة يقتل به، ولا يكفر بفعله (٢). ولأن الصيام لا يمكن تحصيله ولا يناب عنه فيه، ولا يقتل بتركه. فإن قيل: فالقتل عقوبة على البدن، فجاز أن يجب لأجل الإخلال بالشهادتين والصلاة؛ [إذ] (٣) كانا من أعمال الأبدان، والزكاة مالية،

стр. 481

فلم يوجب الامتناع عنها عقوبة في البدن، ولذلك كان في صدر الإسلام العقوبة بأخذها، وشطر ماله، ثم نسخ، فإن كانت عندكم العقوبة بالمال غير منسوخة، فكونوا على ذلك، ولا معنى لعقوبة البدن. قلنا: ليس هذا وجهاً صحيحاً؛ لأن الحبس عند أبي حنيفة عقوبة على البدن، ووجبت على هذا إلى أن يؤدى المال (١)، والكفارات بُدئ فيها بالمال عن إفساد عبادات بدنية، ككفارات الإفطار بالوطء في رمضان، وكفارات الإحرام، وإفساد الأموال أوجب التعازير على الأبدان، فإذا ثبت هذا بطل تأصيلك أن العقوبة من جنس المعصية، أو في محلها، ولو كان ما ذهب إليه صحيحاً لكان لا يعاقب مفسد الحج والصوم إلا بأفعالٍ شاقِّة على بدنه دون الأموال، وكان لا يعاقب من أفسد مالاً إلا بغرامة مالٍ مضاعفة دون تغريم على البدن. طريقة أخرى: نقول: العبادات المأمور بها في الشرع على ضربين؛ أحدهما: متعلقٌ بالبدن، والآخر: متعلق بالمال، ثم ثبت أن ما تعلق بالبدن منه ما يجب قتله بتركه، وليس إلا الزكاة. فإن قالوا: نقول بموجبه، وهو الجزية. قلنا: الجزية ليست من العبادات. احتجوا: بقول النبي ـ صلَّى الله عليه ـ: «أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله،/ فإذا قالوها عصموا مني دماءَهم وأموالهم إلا بحقها» (٢)، فدلَّ على أنها كلمةٌ عاصمة في حق مَنْ منع الزكاة أو أدَّاها. وبما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفرٌ بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس» (٣)، ولم توجد واحدة من هذه الأشياء.

стр. 482

والفقه فيه: أن الزكاة حقٌّ من حقوق المال، أو حقٌّ في المال، فلم يقتل بتركه كالكفارات والنذور، وحقوق الآدميين من [الديون] (١)، والغرامات. قالوا: ولأنه لا معنى لقتله إذا أمكن أخذ الزكاة من ماله، والمقصود حصول غرض المواساة، وقد حصل، وفي الصلاة لو أمكن تحصيلها لم يقتل تاركها، ولا جائز أن يقال: إن حصل غرض المواساة فقد امتنع معنى العبادة، كما في الصلاة، وجهة العبادة مقصودة؛ لأنا نقول: الأمر كذلك، ولكن جهة المواساة أصل أصيل، وليس في الصلاة جهة أخرى غير جهة العبادة، فليس إذا شرع القتال فيما تمحض عبادة ما دل على أنه يشرع فيما لم يتمحض. قالوا: ولأن القتل أعلى العقوبات، ولا سبيل إلى تعليقه بكل جريمةٍ، وقد ثبت بالدليل أن تارك الصلاة يقتل، وما عدا الصلاة دون الصلاة؛ فإن الصلاة هي الشعار الأعظم المتكرر في اليوم والليلة مراراً، والعبادات كلها دونها، فليس إذا شرع القتل في الأعلى يجب أن يشرع في الذي دونه؛ بل يرجع في الذي دونه إلى أصل الحقن. الجواب: أن أخبارنا فيها زيادة تقضي على هذا الذي ذكروه، على أننا نقول بهذا في حق الكفار من أهل الحرب، ينتهي قتالهم إلى الأمان بالكلمة، ونكف عن قتالهم/ باعتماد التزام أحكام الكلمة، على أن قوله: «إلا بحقها» يعطي أن من حقوقها ما يزيل العصمة، وهو عندنا من حقوقها، بدليل ما ذكرنا؛ ولهذا قال أبو حنيفة بأنه عبادة حتى قال: إنها لا تجب على الصبي، والمجنون (٢)، وألحقها بعبادات الأبدان، ولأنه باطلٌ بالجزية في حق أهل الذمة.

стр. 483

وأما الكفارات فليست أصولاً في الشرع؛ بل جبرانات، ومقابلات، وكذلك النذور، فهي كسجود السهو، لا يقتل بتركه، وكذلك التوبة من المعاصي لا يقتل بتركها؛ لأنها وضعت جبراً، والمعاصي أنفسها يجب القتل في جنسها؛ إذ كانت أصلاً، والصلاة يجب القتل بتركها. فإن قيل: فالنفس أصلٌ، فلا تستباح إلا بأصل الدين. قلنا: لا تقف الاستباحة للنفس على أصلٍ، بدليل أن الزنا مع الإحصان معصية لا في أصل، والردة معصية في أصل الدين، واستويا في القتل، وزاد قتل الزنا على قتل الردة، والله أعلم.

стр. 484

من مسائل المعدن مسألة ما يخرج من البحر من اللؤلؤ (١)، والمَرْجَان (٢)، والزَّبَرْجَد (٣)، والعَنْبَر (٤)، والسمك، والمسك (٥)، وغير ذلك ففيه الزكاة (٦)، هذا مذهبنا في إحدى الروايتين (٧)، وبه قال عمر بن عبد العزيز (٨)، وكذلك قال الحسن (٩). وقال الزهري: في العَنْبَر واللؤلؤ يخرج من البحر الخُمُس (١٠).

стр. 485

وكذلك قال أبو يوسف، وإسحاق في العَنْبَر، حكى ذلك ابن المنذر (١). وفيه روايةٌ أخرى: لا شيء في ذلك (٢)، وبها قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي (٣). الأوّلة: أن هذا البحر مسلك ومقر، كما أن البر مسلك ومقر، والخارج من قعره ودسره (٤) مرغوبٌ فيه/ من أنفس المرغوبات، وهو فائدة معجلة دفعة واحدة، فوجب فيه حقٌّ كالمعدن والركاز المدفون، وكالزرع والثمر، يوضح هذا أن فيه من المعنى ما في هذه الأصول الثلاثة، فلا وجه لإخلاء فوائده من حقٍّ يجب فيها، يدل عليه أن البحر من حيز دار الإسلام، وهو في حكم البرِّ بدليل أن من أسر حربياً في البحر كان فيئاً لجماعة المسلمين، كما لو أسره في غير البحر. فإن قيل: لا يجوز اعتبار البحر بالبر في إيجاب ما يستفاد منه، بدليل أن حيوانه لا يجب فيه شيء بخلاف البر، وكذلك النبات. قلنا: لا نسلم بل حيوانه إذا بلغ قيمته نصاباً وجب فيه الحق، وفي نباته وهو المَرْجَان، وإنما لم يجب في عين حيوانه؛ لأنه لا يسام، فانعدم الشرط، ولا ينمى غالباً، وإنما هو فائدة متعجلة، فحيوانه كعقاقيره.

стр. 486

احتجوا: بما روي عن ابن عباس أنه قال: ليس في العنبر زكاة، وإنما هو شيءٌ دسره البحر (١). وعن جابر أنه قال: العنبر ليس بركاز، هو لمن يجده (٢). والفقه فيه: أنه موضعٌ غير مظهور عليه؛ لأنه لا يصح ثبوت اليد عليه، فهو كمن وجد معدناً في دار الحرب لما لم يكن بحيث تثبت اليد عليه، ولا يمكن الظهور عليه هناك لم يجب فيه شيءٌ، كذلك البحر ممتنعٌ بنفسه كامتناع دار الحرب بأهلها. ولأن الزكاة إنما تجب في الأموال النامية، أو المرصدة للنماء، كالماشية والأثمان، وليست هذا الجواهر لا معدة للنماء، ولا نامية بنفسها. ولأن اللؤلؤ من الصدف، والصدف من حيوان البحر، واتفقوا أنه ليس في حيوان البحر شيء، والعَنْبَر روث دابة من دوابّه، وكذلك نباته لا يجب فيه شيءٌ، فكذلك معادنه ونَيْله. الجواب: أنه يعارضه ما روى ابن عباس:/ أن عمر بن الخطاب استعمل

стр. 487

يعلى بن [منية] (١) (٢) على اليمن، فكتب إليه ليسأله عن عَنْبَرة وجدت على ساحل البحر، فكتب إليه أنها سائبة من سيب الله ـ تعالى ـ، فيها وفي كل ما يخرج من حلية البحر الخُمُس، قال ابن عباس: وهكذا رأيي (٣). فوقف ما استدللت به، ونقابل قول ابن عباس الذي رويته بهذا، وبقول عمر ﵃. أما قولهم: إنه موضعٌ غير مظهور عليه. قلنا: البحر إذا كان من حيز دار الإسلام كان مظهوراً عليه، وإذا كان من حيز دار الحرب كان حكمه حكم دار الحرب، فلا فرق عندنا بينه وبين البر، وكذلك لو أسر مسلمٌ حربيّاً في البحر كان فيئاً لجماعة المسلمين، كما لو أسره من البر. ولا نُسلّم المعدن المظهور عليه في ذات الحرب، بل فيه الحق، قال الإمام أحمد في رواية الميموني (٤) وقد سئل عن الركاز في بلاد الروم:

стр. 488

لا يناله إلا في جماعةٍ هو فيء، وإذا كان شيئاً يقدر عليه وحده بقرب المدينة فهو بمنزلة ما هو في يده، يعني: فيه الخُمُس (١). أما قولهم: إن الزكاة إنما تجب في المال المرصد للنماء، أو النامي. قلنا: إنما يعتبر هذا في المال المعدّ، فأما ما كان فائدة في نفسه، ونماء في وقته وحاله، فلا يعتبر فيه هذا، بدليل المعدن؛ فإن المنطبع منها عند أبي حنيفة (٢)، وما لا ينطبع ـ أيضاً ـ عند الشافعي يجب الحق فيه، وإن لم يكن نامياً ولا [مرصداً] (٣) للنماء (٤)، وهذا إنما يعتبر فيه ذلك؛ لأنه ينمى في نفسه، فهو كالزرع. وأما قولهم: إن حيوان البحر لا يجب فيه شيءٌ. لا نسلم؛ بل نحن نوجب في سموكه إذا بلغت قيمتها نصاباً، نص عليه الإمام (٥)، والمَرْجَان نبات البحر. وقولهم: العَنْبَر روث دابةٍ. دعوى لا وجه لها، ولا علم لأحدٍ ما هو، وإنما هو شيءٌ يقذفه البحر، ويدسره إلى الساحل.

стр. 489

وبحدس (١) قومٍ: أنه روث/ دابةٍ؛ لما يجدون في تقطع ريحه ريح السَّرجين (٢)، ويرون فيه تجعيداً كتجعيد أخثاء (٣) بقر، على أنه قد يجب في دواب البر مثل ذلك، فإن العسل قذف دماء، والمسك خارجٌ من حيوان، ويجب فيه. وقيل: إنه ينفصل من غزالٍ كانفصال الإِنفَحة (٤)، والله أعلم.

стр. 490

مسألة حكم المؤلفة قلوبهم باقٍ لم ينسخ، فإذا وجد الإمام من يدفع بتآلفه عن الإسلام ضرراً، أو يجتلب بتآلفه للإسلام نفعاً جاز له دفع الزكاة إليه، هذا مذهبنا في إحدى الروايتين (١)، اختارها الخِرَقِي (٢)، وهي قول الحسن البصري، والزهري، وأبي ثور (٣). والثانية: أن حكمهم منسوخٌ (٤)، وبها قال أبو حنيفة، والشافعي (٥). الأوّلة: قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (٦)، وهذا نصٌّ، فلا يجوز دعوى نسخه إلا بنص يتأخر عنه لا يمكن اجتماعهما، وهذا متعذرٌ، لا يجدون إليه سبيلاً. فإن قيل: لعمري إنّ هذه الآية نصٌّ في المؤلفة، فمن أين لكم أنهم من الكفار، وما تنكرون أن يكون المراد بذلك مسلم يخاف على قلوبهم الزيغ [والارتداد] (٧) لقرب عهدهم، وعدم تمكين الإيمان من قلوبهم؛ إذ لم يسلموا بأدلةٍ، لكن أسلموا بنوع استمالة لهم، والدلالة على ذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: هم قومٌ كانوا يأتون رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ قد أسلموا، وكان رسول الله يرضخ (٨) لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقة

стр. 491

قالوا: هذا دينٌ صالحٌ، وإن كان غير ذلك عابوه (١). فقد بيَّن ابن عباس أنهم كانوا مسلمين. وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: كان المؤلفة على عهد رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ أربعة؛ علقمة بن [عُلاثة] (٢) الجعفري (٣)، والأقرع/ بن حابس الحنظلي (٤)، وزيد الخيل الطائي (٥)، وعيينة بن بدر الفزاري (٦)،

стр. 492

فقدم علي بن أبي طالب بذَهَبَة من اليمن، فقسمها رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ بينهم (١). وعن رافع بن خَدِيج قال: أعطى رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ أبا سفيان بن حرب (٢)، وصفوان بن أمية (٣)، وسهيل بن عمرو (٤)، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كل إنسانٍ منهم مئة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس (٥) دون ذلك، فقال العباس: وما كان زيد ولا حابس … يفوقان مرداس في مجمع

стр. 493

وما كنت دون أمري منهما … ومن تخفض اليوم لا يرفع (١) وهذا تعظيم مسلم لرسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ، وكان ذلك يوم حنين. قلنا: إن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ كان يتألف المسلم الذي لا يثق بدينه، والكافر الذي يخاف شره، أو يرجو إيمانه، ودخوله في الإسلام. روى أبو بكر في «تفسيره» عن قتادة؛ المؤلفة قلوبهم: أناسٌ كان نبي الله يعطيهم، يتألفهم لكي يسلموا، جعل لهم رسول الله سهماً (٢). وروى ـ أيضاً ـ عن الزهري؛ المؤلفة قلوبهم، قال: هم من أسلم من يهودي، ونصراني، وإن كان غنيّاً (٣). وروى أبو حفص في كتاب «الزكاة» (٤) بإسناده عن الحسن في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (٥)، قال: الذين يدخلون في الإسلام (٦).

стр. 494

على أنَّ الذي لا يثق النبي ـ صلَّى الله عليه ـ بإسلامه فليس بمسلمٍ حقّاً، فقد بان بهذه التفاسير والأخبار أنه قصد به المصلحة، وذلك يحتاج إليه في دوام الإسلام واستدامته، كما يحتاج إليه في ابتدائه. فإن قيل: هذه الآية منسوخة، بدليل قول النبي ﵇: «لا تحل الصدقة إلا لخمسةٍ؛ لعاملٍ عليها، أو رجلٍ اشتراها بماله، أو غارمٍ، أو غازٍ في سبيل الله، أو مسكين تصدق/ فأهدى منها لغنيٍّ» (١). والمؤلفة قلوبهم ليس هم من هذه الأقسام الخمسة. قلنا: هذا من أخبار الآحاد، وأخبار الآحاد لا ينسخ بها القرآن. الثاني: أنه قد جعل المستحق لأخذ الصدقة هؤلاء الخمسة، ولم يذكر ابن السبيل، ولا الرقاب، وإن لم يكن منسوخاً. فإن قيل: فقد روي عن جابر (٢)، [عن] (٣) عامر قال: كانت المؤلفة قلوبهم على عهد النبي ـ صلَّى الله عليه ـ، فلما ولِي أبو بكر انقطعت الرُّشَا (٤) (٥). وفي كتاب محمد بن الحسن (٦)، قلت: أرأيت قوله: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (٧)،

стр. 495

هل يجب لهم في الزكاة شيء؟ قال: لا، إنما كان ذلك على عهد النبي ـ صلَّى الله عليه ـ حين كان يتألف الناس على الإسلام، ويعطيهم من ذلك، فأما اليوم فلا (١). وعن مالك قال: سهم المؤلفة قلوبهم يرجع على أهل السهام (٢). وكان محمد بن مسلمة (٣) يقول: إنَّا نرى [أن] (٤) التأليف قد انقطع (٥). وقال الحسن: أما المؤلفة قلوبهم فليس اليوم (٦). وقال الشعبي: إنما لم يبق في الناس من المؤلفة قلوبهم، إنما كانوا على عهد رسول الله، فلما ولِي أبو بكر انقطعت الرُّشَا (٧). قلنا: بمثل هذا عن هؤلاء لا يثبت النسخ. الثاني: أنه قد خالف هؤلاء الحسن البصري، فقال: المؤلفة قلوبهم الذين يدخلون في الإسلام (٨).
следующие страницы →