стр. 491
← Фикх ханбали следующие страницы →
Фикх ханбали · id 30143
المفردات
ابن الزاغوني
Полный текст (748 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 492
فقدم علي بن أبي طالب بذَهَبَة من اليمن، فقسمها رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ بينهم (١).
وعن رافع بن خَدِيج قال: أعطى رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ أبا سفيان بن حرب (٢)، وصفوان بن أمية (٣)، وسهيل بن عمرو (٤)، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كل إنسانٍ منهم مئة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس (٥) دون ذلك، فقال العباس:
وما كان زيد ولا حابس … يفوقان مرداس في مجمع
стр. 493
وما كنت دون أمري منهما … ومن تخفض اليوم لا يرفع (١)
وهذا تعظيم مسلم لرسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ، وكان ذلك يوم حنين.
قلنا: إن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ كان يتألف المسلم الذي لا يثق بدينه، والكافر الذي يخاف شره، أو يرجو إيمانه، ودخوله في الإسلام.
روى أبو بكر في «تفسيره» عن قتادة؛ المؤلفة قلوبهم: أناسٌ كان نبي الله يعطيهم، يتألفهم لكي يسلموا، جعل لهم رسول الله سهماً (٢).
وروى ـ أيضاً ـ عن الزهري؛ المؤلفة قلوبهم، قال: هم من أسلم من يهودي، ونصراني، وإن كان غنيّاً (٣).
وروى أبو حفص في كتاب «الزكاة» (٤) بإسناده عن الحسن في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (٥)، قال: الذين يدخلون في الإسلام (٦).
стр. 494
على أنَّ الذي لا يثق النبي ـ صلَّى الله عليه ـ بإسلامه فليس بمسلمٍ حقّاً، فقد بان بهذه التفاسير والأخبار أنه قصد به المصلحة، وذلك يحتاج إليه في دوام الإسلام واستدامته، كما يحتاج إليه في ابتدائه.
فإن قيل: هذه الآية منسوخة، بدليل قول النبي ﵇: «لا تحل الصدقة إلا لخمسةٍ؛ لعاملٍ عليها، أو رجلٍ اشتراها بماله، أو غارمٍ، أو غازٍ في سبيل الله، أو مسكين تصدق/ فأهدى منها لغنيٍّ» (١). والمؤلفة قلوبهم ليس هم من هذه الأقسام الخمسة.
قلنا: هذا من أخبار الآحاد، وأخبار الآحاد لا ينسخ بها القرآن.
الثاني: أنه قد جعل المستحق لأخذ الصدقة هؤلاء الخمسة، ولم يذكر ابن السبيل، ولا الرقاب، وإن لم يكن منسوخاً.
فإن قيل: فقد روي عن جابر (٢)، [عن] (٣) عامر قال: كانت المؤلفة قلوبهم على عهد النبي ـ صلَّى الله عليه ـ، فلما ولِي أبو بكر انقطعت الرُّشَا (٤) (٥).
وفي كتاب محمد بن الحسن (٦)، قلت: أرأيت قوله: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (٧)،
стр. 495
هل يجب لهم في الزكاة شيء؟ قال: لا، إنما كان ذلك على عهد النبي ـ صلَّى الله عليه ـ حين كان يتألف الناس على الإسلام، ويعطيهم من ذلك، فأما اليوم فلا (١).
وعن مالك قال: سهم المؤلفة قلوبهم يرجع على أهل السهام (٢).
وكان محمد بن مسلمة (٣) يقول: إنَّا نرى [أن] (٤) التأليف قد انقطع (٥).
وقال الحسن: أما المؤلفة قلوبهم فليس اليوم (٦).
وقال الشعبي: إنما لم يبق في الناس من المؤلفة قلوبهم، إنما كانوا على عهد رسول الله، فلما ولِي أبو بكر انقطعت الرُّشَا (٧).
قلنا: بمثل هذا عن هؤلاء لا يثبت النسخ.
الثاني: أنه قد خالف هؤلاء الحسن البصري، فقال: المؤلفة قلوبهم الذين يدخلون في الإسلام (٨).
стр. 496
وعن جابر [عن] (١) أبي جعفر (٢)، قال: اليوم مؤلفة قلوبهم (٣).
وروى مَعْقِل (٤)، عن الزهري في قوله: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (٥)، قال: من أسلم من يهودي، أو نصراني، قلت: وإن كان غنيّاً؟ قال: وإن كان غنيّاً يعطى منها (٦).
وعن أبي ثور قال: المؤلفة قلوبهم لهم سهمٌ في الصدقات، يعطيهم الإمام على قدر ما يرى (٧).
وقال أبو جعفر محمد بن علي: [حكم] (٨) المؤلفة قلوبهم ثابت (٩).
والفقه في المسألة: أنَّا نقول: صنف من أحد الأصناف المذكورين في الآية، فكان حكمهم [باقياً] (١٠)، دليله سائر الأصناف.
أو نقول: ما أخذ لمصلحة الإسلام/ كان ثابتاً كسهم الغارمين لإطفاء النوائر (١١)، وكسهم ذوي القربى؛ ولأنه لما جاز أن يتألف على البقاء على الإسلام جاز أن يتألف على الابتداء لوجود الاسم في الحالين،
стр. 497
كما قالوا في ابن السبيل: يُحمل على المختار والمستديم للسفر، وعلى المنشئ المبتدئ لوقوع الاسم عليه، كذلك ها هنا.
فإن قيل: سائر الأصناف المعنى الذي كانوا يستحقون به موجود، وهو حاجتهم إلينا، أو حاجتنا إليهم، وهذا قد عدم في المؤلفة قلوبهم؛ لأنه إنما كان ذلك في صدر الإسلام لقلة المسلمين، وكثرة الكفار، وقد زال ذلك في وقتنا.
قلنا: خلافنا فيمن دعت الحاجة إلى ذلك بأن يخاف الإمام الفساد من بعض المشركين، أو خوفاً من الخوارج أن يفسدوا عليه، وهذا يجوز وجوده، فأما إن لم يوجد ذلك فلا يجوز دفعها إليهم، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد ﵁ فيما حكاه عنه ابن المنذر في كتاب «التفسير» (١)، فقال: روى الأثرم، عن أبي عبد الله أنه قيل له: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (٢)، يكون اليوم مؤلفة؟ قال: نعم، إن احتاج المسلم إلى ذلك (٣). فاعتبر الحاجة.
احتجوا:
بما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال لمعاذ لمَّا بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ في فقرائهم» (٤)، وهذا راجعٌ إلى فقراء من فرض الأخذ عليهم، ومنهم، وهم المسلمون.
وروي عن عمر: أنه سأله رجلٌ فقال: إنا لا نعطي على الإسلام شيئاً، من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر (٥).
стр. 498
حديث عمر بن الخطاب ـ حين جاءه عيينة بن حصن ـ فقال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (١) إن الإسلام أجلُّ من أن يرشى عليه، أي:/ ليس اليوم مؤلفة (٢).
وروى أبو عوانة (٣) عن مهاجر [أبي] (٤) الحسن (٥)، قال: أتيت أبا وائل (٦)، وأبا بردة بالزكاة، وهما على بيت المال فأخذاها، ثم جئت مرة أخرى فوجدت أبا وائل وحده، فقال: ردَّها فضعها مواضعها، قلت: فما أصنع بنصيب المؤلفة قلوبهم؟ فقال: ردَّه على الآخرين (٧).
والفقه فيه: أن الزكاة جعلت مرفقاً لأهل الحاجة من المسلمين، فلا يجوز صرفها إلى الكفار، كما لو لم يكن بنا حاجة إلى التألف.
ولأن الله ـ سبحانه ـ قد أعزَّ الإسلام وأغناه في عصرنا هذا عن التأليف والتودد لاتساع رقعته، وكثرة عَدده، وعُدده، وعساكره، وأذلَّ الكفر وأهله، فإعطاء أموالنا لهم تضييعٌ، فصار بمثابة دفعه إلى الأغنياء، أو دفعه إلى أهل الخُمُس، يدل عليه: أنه لمَّا لم يجز أن يدفع الإمام المال إلى المشركين على سبيل الهدنة، كذلك لا يجوز دفع مال الزكاة، وقالوا:
стр. 499
وقد نص إمامكم أحمد على منع الإمام من الهدنة على مالٍ يصرفه إلى أهل الشرك (١)، فبطل جواز دفع على وجه التألف.
الجواب:
أما الأخبار فلا تعطي منع إعطائها للكافر على وجه التألف والأصلح، بل تعطي أنها تعطى فقراء المسلمين فقط، ولعلَّ عمر ﵁ أراد أننا لا نعطي مع الغنى عن التألف، ولعل ذلك الكافر كان ممن لا يحصل به الغنى، وأنه لم يكن في إعطائه مصلحة.
وأما الفقه فنقول: إنّ الدفع على وجه التألف يعود إلى مصالح المسلمين، وحاجتهم الكلية، وهي دفع الشر عنهم، فهي كالحاجة الخاصة، وهي دفع الفاقة، وسد الخلة، وفارق الأصل؛ لأن من لا يبال فلا حاجة بنا إلى الدفع إليه، فيكون إعطاؤه تضييعاً للمال.
/ وقولهم: إنّ الله قد أعز الإسلام، فلا حاجة.
قلنا: إلا أنه مع الحال المذكورة قد تتفق حاجة تخص، كما نحتاج في بعض الأوقات إلى الهدنة، والكف عن الجهاد، وإن كان الجهاد من أحد قوانين الإسلام، ولذلك يجوز أن نَرْضَخ للعبد، والكافر، والمرأة إذا قاتلوا معنا، بأن تدعو الحاجة إلى التكثر بهم، ونجعل بعض المال لمن يفتح الحصن من داخل، وإن كان من آحاد المشركين، أو نجعل لمن يدله على القلعة الفلانية، أو يدله على البرج الواهي من الحصن لنحصبه برمي حجر المنجنيق، فيعطى من مال الله في هذه الأمور لأهل الكفر لأجل نفع المسلمين، وإعزاز كلمة الله، وإن كان في الرجال الأحرار المسلمين غناءٌ عن هؤلاء في غالب الأحوال، ولمَّا دعت الحاجة النادرة أعطيناها حقها، وكذلك الغني الكثير ماله وضياعه في بلده إذا دفعته الغربة إلى بلدٍ فاحتاج جاز دفع الزكاة إليه؛ نظراً إلى حاله العارضة، ولا نمنعه الزكاة لأجل حاله، كذلك الإسلام كالشخص.
стр. 500
وأما قولهم: إنه لا يجوز دفع المال إليهم على سبيل الهدنة.
قلنا: لا نسلم؛ بل يجوز إذا لم يندفع الشر عن المسلمين إلا بالمال، ولم ينجلب النفع إلا به، جاز بذله، وكذلك إذا علم أن واحداً منهم قادرٌ على فتح قلعةٍ أو حصنٍ جاز له أن يضمن له شيئاً من المال.
والأصل في ذلك من السنة: ما روي أن الحارث بن عمرو الغطفاني قال للنبي ـ صلَّى الله عليه ـ: اجعل لي شطر ثمار المدينة ـ أو قال: إن جعلت لي شطر ثمار المدينة ـ وإلا ملأتها عليك خيلاً ورجلاً، فقال: «أشاور السعود» يعني:/ سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة (١)، وأسعد بن زرارة (٢) (٣).
فالنبي ـ صلَّى الله عليه ـ عزم على البذل بحسب الأصلح، وجعل ذلك موقوفاً على مشاورة رؤوس المدينة، وأرباب النخيل، والأعلم بمصالح المدينة، ولهذا قال في أمر اللقاح: «أنتم أعلم بأمر دنياكم، وأنا أعلم بأمر دينكم» (٤).
وما ذكر عن الإمام أحمد، فهو محمولٌ على ما إذا لم تكن إلى ذلك حاجة داعية، والله أعلم.
стр. 501
مسألة
يجوز أن يكون العامل على الزكاة من ذوي القربى، وعبداً (١)، ذكره الخِرَقي (٢)، وقد قال الإمام أحمد: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ (٣) عام (٤).
وعند أبي حنيفة، والشافعي: لا يجوز (٥).
لنا:
قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ (٦)، ولم يفرّق بين هؤلاء، وبين غيرهم.
فإن قيل: المراد بهم الأحرار [المسلمون] (٧) الذين ليس هم من ذوي القربى؛ بدليل أنه قرن بينهم وبين بقية الأصناف، ولا يجوز أن يدفع إلى بقية الأصناف من فيه هذه الخصال.
الثاني: أنه قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ (٨)، فجعلها صدقةً، وهؤلاء ليس هم من أهل الصدقة.
قلنا: أما الاستدلال بالقرينة فليس هو حجة، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٩)، الأكل ليس بواجبٍ، والإيتاء في الزكاة واجب، وغير ذلك مما يطول ذكره.
و ـ أيضاً ـ ما روى أبو بكر من أصحابنا بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «لا تحل الصدقة لغنيٍّ إلا لخمسة؛
стр. 502
لعامل عليها، أو لغازٍ في سبيل الله، أو غني اشتراها بماله، أو فقيرٍ تصدق عليه، فأهداها، أو غارم» (١)، وهذا عامٌّ في كل عاملٍ.
فإن قيل: المراد به غير هؤلاء؛ لأنه سماها صدقة، وهؤلاء ليس هم من أهل/ الصدقة.
والفقه في المسألة: أنا نقول: مسلم، فجاز أن يكون عاملاً في الصدقات، دليله العامي والحرّ.
فإن قيل: ذاك يجوز له أخذ الزكاة، وهؤلاء لا يجوز لهم.
قلنا: ليست بزكاةٍ، وإنما هي أجرة.
طريقة أخرى: تبنى هذه المسألة على أصلٍ، وأن ما يأخذه العامل في الزكاة إنما يأخذه أجرة على عمله، والدليل على ذلك المعنى والحكم:
أما المعنى: فلأن ما يعطاه هو لأجل حاجتنا إليه لا لحاجته، وهذا هو خصيصة الأجر والأعواض، وأما خصيصة الصدقات فهو أن يعطاها لسدّ خلته، ولأجل حاجته، يدل عليه أن الزكاة خرجت قربة، فلو جعلت عوضاً خرجت بذلك عن كونها قربة، فلم يبق إلا أنها دفعت إليه أجرة لا صدقة ولا زكاة؛ لئلا تخرج عن خصيصتها، يدل عليه: أنها تؤخذ في مقابلة العمل، وتتقدر بمقداره، وهذا هو حقيقة الأجرة.
وأما الحكم: فإنه يجوز أن يكون العامل غنيّاً، ولو لم يكن على سبيل الأجرة لما جاز ذلك.
الثاني: أنه إذا عمل استحق، وإذا لم يعمل لم يستحق، وتتقدر بقدر العمل، فدلّ على كونها أجرة.
وإذا ثبت أن ما يأخذه على وجه الأجرة، فنقول: استحقاق أجرة في عملٍ، فجاز أن يكون العامل فيه من ذوي القربى والعبيد، دليله: سائر الأعمال.
стр. 503
فإن قيل: فيجب على هذا أن يجوزوا كونه كافراً؛ لأن الكافر من جملة من يجوز له أخذ الأجر على الأعمال.
قلنا: في الكافر روايتان (١):
أحدهما: أنه يجوز أن يكون عاملاً، وذكره الخِرَقي (٢) ـ أيضاً ـ بناء على هذه الطريقة التي ذكرناها، ولأن القصد حصول عمله،/ ولا فرق بين عمل الكافر والمسلم، وليس بإرفاقٍ ولا مواساة بمال الزكاة، لكن هو استرقاقٌ بعمله في الزكاة، وهو عوض عن الاستخدام والابتذال، وغاية ما يشبه من القرب أبنية المساجد، والقناطر، وكتب الحديث، وعمل أسلحة الجهاد، وآلات الحج كالمحامل، وحصون المرابطين لدار الحرب.
فإن قيل: الكافر غير مأمونٍ على المسلمين، وهذه العمالة من أركان الدين وعماده، وقد خونهم الله ـ تعالى ـ، ونهى عن أن يُتخذوا بطانة، وبيَّن العلة، فقال: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ (٣)، وقال عمر بن الخطاب: لا تأتمنوهم وقد خونهم الله ـ تعالى ـ، ولا تقرِّبوهم وقد بعدهم الله (٤). ولأنه لا أمانة للكافر، ولأن من شرط العامل أن يكون فقيهاً، والكافر غير عالمٍ بذلك.
قلنا: ليس في ذلك أكثر من حمل المال ونقله، وهذا لا يمنع منه الكفر، كسائر الأعمال والمصالح، كبناء القناطر، والمساجد، وسد البثوق (٥)، والوكالة، والشركة.
стр. 504
وأما الآية، والخبر؛ فواردان في أمر يخاف منه المضرّة على الإسلام، كالجهاد، والرسالة، والولايات، فأما في النقل والحمل فلا، بدليل ما ذكرنا، ولذلك لم نمنع من التزويج بنسائهم، وذلك يدل على أن الآية عادت إلى ما ذكرنا من ولايات الحرب والجهاد، دون عقود المعاوضات، والمعاملات، والنكاح عامة في الامتزاج، قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (١)، وقال: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ (٢).
وقولهم: لا أمانة له.
قلنا: هو أمينٌ في دينه، وليس يلزم أن يكون أميناً في ديننا؛ لأن القصد أن لا يكون مفرطاً، وأن يخاف الوعيد بحفظ المال، وذلك حاصل بما هو عليه من دينه، كما شرطنا عدالته في دينه في قبول الشهادة نحن (٣)، وأبو حنيفة/ في الشهادة (٤)، وهذه في الحقيقة وكالة، وأمانة الوكالة موجودة فيه، ولذلك صح أن يوكِّله الوصي في أموال اليتيم تبعاً، وإتباعاً، ويعرفه الإمام المقادير المأخوذة كما يعرف الوكيل أجرة العقار، ومقادير أثمان الأعيان.
والرواية الأخرى في المذهب: أنه لا يجوز أن يكون المتولي لها يهوديّاً، ولا نصرانيّاً.
قال أحمد ـ وقد سأله أبو طالب عن اليهودي والنصراني يستعمل في أعمال المسلمين مثل الخراج ـ فقال: لا يستعان بهم في شيءٍ (٥).
فعلى هذا إنما لم يجز أن يكون عاملاً لما ذكروا من المعنى، وهو الخيانة وما شاكل ذلك، أو لأنه ولاية وأمانة، والكفر ينافي الولايات، والأمانات جميعاً، فإما أن يكون لأجل أنه ليس بأجرةٍ فلا.
стр. 505
احتجوا:
بما روي عن الفضل بن العباس (١)، والمطلب بن ربيعة (٢) أنهما أتيا النبي ﵇، فسألاه العمالة، فقال: «إن الصدقة إنما هي أوساخ الناس؛ وإنها لا تحل لمحمد وآل محمد» (٣). ولو خرجت عن كونها صدقة إلى كونها أجرة لما حرمها، ألا ترى أنه لما قيل له في هدية بريرة (٤): إنه شيء تُصدق به عليها، قال: «هو عليها صدقة، ولنا هدية» (٥).
والفقه فيه: أن ذوي القربى إنما حرمت عليهم الصدقة في مقابلة ما أعطوا من الخُمُس، وإذا كان الاستحقاق باقياً وجب أن يكون حرمان الزكاة باقياً، ولا سيما أنه جعل لصيانة شرفهم عن أوساخ الناس، والشرف المصون باقٍ.
قالوا: ولأن ذوي القربى إذا كانوا من الغارمين، أو غزاة لم يدفع إليهم، كذلك فيما اختلفنا فيه.
стр. 506
قالوا: ولأنها ولاية وأمانة،/ والرق ينافي الولايات، والأمانات.
الجواب:
أما الحديث فإنا نحمله على التنزيه والكراهة، وقد يشدد فيها في حق النبي ـ صلى الله عليه وآله رضوان الله عليهم أجمعين ـ وهي وإن كانت أجرة فهي مأخوذة من أوساخهم.
وأما استشهادهم بحديث بريرة؛ فيحتمل أنها كانت صدقة تطوع لا زكاة، ويحتمل أن يكون تنزيهه لهما لما جوزه من استكثارهما على الأجرة، فيصادفان من الأوساخ مما يوفي على الأجرة، ولهذا قال لعمّه العباس (١): «لا تطلب الإمارة؛ فإنك إن طلبتها وكلت إليها» (٢)، وقال له في خبرٍ آخر: «نفس [تنجيها] (٣) خير من أمارة لا تحصيها» (٤)، وما خاف عليه إلا من المظالم، ومجاوزة الحد الواجب والجائز.
стр. 507
وأما قولهم: إن الصدقة حرمت عليهم لأجل الخُمُس.
قلنا: ذلك علة المنع من الأخذ لأجل الفقر، ألا ترى أنه علل بالغنى، فقال: «أليس في خُمُس الخُمُس ما يغنيكم عن أوساخ الناس» (١)، ولسنا نعطيه بحكم الفقر هاهنا، لكن نعطيه لأجل العمل، وهو جباية الأموال للفقراء، وحملها، ونقلها من بلدٍ إلى بلدٍ، وذلك لا يدفع عن استحقاقه الغنى، ولا الشرف؛ فإن الأغنياء يجوز أن يؤجروا نفوسهم، والأنبياء يؤجرون نفوسهم كما أجر موسى نفسه لعفة فرجه.
وعلى قياس هذا يجوز أن يأخذوا نحو الجهاد، والغزو؛ لأنه أخذ لمصلحتنا.
стр. 508
وأما الغرامة فقال القاضي ﵁: إن كان الدين لمصالح نفوسهم، ولحاجتهم إلى القضاء، فلا يأخذون من الزكاة، وإن كان الغُرم لإصلاح ذات البين، وطفئ النوائر بين المسلمين فيجوز؛ لأنه يكون كالجهاد، لكونه لمصلحتنا (١).
وقولهم: إنها ولاية.
قلنا: هي إلى الوكالة أقرب، وبها أشبه، والجعالة (٢)،/ والإجارة، وهو من أهل هذه العقود، والدليل على أنها إلى تلك العقود أقرب: أنها أعمال تقابل بالأعواض، وتتقدر بمقادير الأعمال، على أن هذا القدر من الولاية يجوز أن يثبت للعبد، كما قلنا يجوز أن يكون أميراً في السرايا، وتعقد الذمة، وتصح أمانته عندنا (٣) وعند الشافعي (٤)، وما شاكل ذلك جاز أن يثبت له هذا القدر من الولاية، والله أعلم بالصواب.
стр. 509
من مسائل الفطرة
مسألة
تجب صدقة الفطر على المكاتب (١) من المال الذي في يده، ولا يلزم السيد إخراجها عنه (٢)، نص عليه الإمام (٣)، واختاره مشايخنا؛ الخِرَقي (٤)، وعبد العزيز (٥)، والشريف [أبو] (٦) علي (٧)، والقاضي (٨).
وعند أبي حنيفة، ومالك، والشافعي: أنه لا يلزم المكاتب أن يخرج صدقة الفطر عن نفسه (٩).
ولا خلاف بيننا أن السيد لا يلزمه أن يخرج عنه (١٠).
لنا:
ما روى البخاري بإسناده عن ابن عمر، قال: فرض رسول الله زكاة الفطر صاعاً من تمرٍ، أو صاعاً من شعير على الحرِّ والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين (١١).
стр. 510
وفي لفظٍ آخر: فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفسٍ من المسلمين؛ حر وعبد، رجل أو امرأة، صغير أو كبير. أخرجه مسلم (١)، وابن أبي حاتم.
وهذا المكاتب عبد، فوجب أن تفرض عليه صدقة الفطر؛ لأنه لمَّا لم يمكن حمل الخبر في حقه بمعنى لأن السيد لا يلزمه إخراجها عنه ثبت أن المراد به عليه.
و ـ أيضاً ـ ما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أمر بصدقة الفطر عن الصغير، والكبير، والحر، والعبد/ ممن [يمونون] (٢) (٣).
وروى الإمام أبو بكر من أصحابنا بإسناده عن أبي هريرة: أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ فرض صدقة الفطر عن الصغير، والكبير، والذكر، والأنثى ممن تمونون (٤). فعلّق وجوبها بمن هو في مؤنته، والعبد في مؤنة نفسه، فينبغي أن يلزمه أن يخرج عن نفسه.
فإن قيل: ذكر الطحاوي (٥) أنه لم يروِ: «ممن تمونون» إلا المزني،
стр. 511
عن الشافعي، عن ابن أبي يحيى (١)، عن [جعفر] (٢) بن محمد (٣)، عن أبيه، وابن أبي يحيى لا يلتفت إليه (٤).
قلنا: قد رواه الدارقطني من طرقٍ ليس فيها ابن أبي يحيى، ورواه عن جماعةٍ.
الثاني: (٥) من قال: إنّ ابن أبي يحيى لا يلتفت إليه، من أصحاب الحديث الذي قوله حجة حتى نقبله؟
والفقه في المسألة: أنَّا نقول: مسلم تلزمه مؤنة نفسه، أو نفقة نفسه، فلزمه فطرتها، دليله: الحرّ؛ وهذا لأن صدقة الفطر قد أجريت مجرى النفقة، بدليل أنها تتحمل كما تتحمل النفقة، ويتقسط وجوبها على الشريكين في العبد كما تقسط النفقة، وتجب في المطعوم كما تجب النفقة، ثم ثبت أن نفقة المكاتب على نفسه، كذلك فطرته على نفسه.
يدل عليه: أن المكاتب قد أجري مجرى الأحرار، بدليل أنه يجري الربا بينه وبين سيده، وأَرْش (٦) جنايته إلى نفسه، ونفقته على نفسه،
стр. 512
وعندهم لا يجوز بيعه (١)، ولا يجزئ عتقه في الكفارة عندنا على روايةٍ (٢)، وعند الشافعي (٣)، وإذا كان قد أجري مجرى الأحرار لزمه صدقة الفطر.
فإن قيل: إلا أن الصدقة تفتقر إلى ملكٍ تام يحتمل المواساة.
قلنا: هذه لا يعتبر لها ما يعتبر للزكاة، بدليل أنها تجب عن رقاب الأحرار، بلا ماليَّة، ولا يعتبر لها عندنا (٤)، وعند/ الشافعي النصاب (٥)، وتجب على الزوج عن زوجته، فلا وجه لاعتبار تمام الملك مع هذه الحال.
فإن قيل: الحر لا رق فيه، وهذا فيه رقٌّ.
قلنا: باطل، بمن بعضه حر وبعضه رقيق.
ولأنه مع الرق الذي فيه جعل حكمه في باب نفقته، واستحقاق أرش جنايته، وتملك إكسابه حكم الأحرار.
فإن قيل: فقد تلزم النفقة لمن لا تلزمه الفطرة، كأمة المكاتب، وزوجته.
قلنا: لا نُسلِّم؛ إذ لا نعرف رواية في ذلك؛ بل قياس المذهب: أن تلزمه صدقة جميع من يمونه من عبيده، وإمائه، وزوجاته، وقد ذكر ابن المنذر في كتاب «الإشراف»، عن أحمد، وأصحاب الرأي: أنه ليس على المكاتب في رقيقه الزكاة (٦). فلو سلّمنا؛ فإن الصدقة أوسع؛ لأنها تلزم في حق الناس من الزوجات، والآبق من الرقيق، ولا نفقة لهم.
وقد ذُكر في المسألة أشياء، منها: أنه حق مالٍ ما لم توجبه حياته، فيتحمله الغير عن الغير، فيتحمله المكاتب عن نفسه، دليله: النفقة.
стр. 513
و ـ أيضاً ـ فإن أبا حنيفة والشافعي قد قالا جميعاً: إن السيد لا يلزمه إخراج صدقة الفطر عن عبده المكاتب، ولا يلزم المكاتب أن يخرج عن نفسه (١).
وهذا مخالفٌ للأصول؛ لأننا ما رأينا شخصاً من أهل الطهرة له مال لا تجب صدقة الفطر لا عنه ولا عليه، ولا يلزم عليه الفقير؛ لأنه لا مال له، ولا الكافر؛ لأنه ليس من أهل الطهرة، فلا تلزم عليه الزكاة؛ لأننا ما رأينا مالاً لا يزكَّى، لأنا نقول: مال الكافر لا يزكَّى، وكذلك الصبيّ، والمجنون عند أبي حنيفة (٢).
ولأن أبا حنيفة قد قال بأن العُشر يجب في أرض المكاتب (٣)، وإن كان زكاة يجب إن تجب صدقة الفطر في ماله/ وإن كانت تسمى زكاة.
ولأن صدقة الفطر حق يجب في الذمة يختص المال، فجاز أن تثبت في ذمة المكاتب، دليله أروش الجنايات، والديون.
ولأن عقد الكتابة عقد يمنع من أخذ أرش الجناية إليه، فلا يمنع من إيجاب صدقة الفطر على من حصل أرش جنايته إليه، دليله إذا أعتقه.
ولأن المكاتب في حكم ملك اليمين، كما أن المطلقة البائن في حكم النكاح ما دامت في العدة، ثم ثبت أن المعتدة من الطلاق البائن فطرتها على نفسها دون زوجها، كذلك المكاتب فطرته على نفسه دون سيده، وهذا صحيح؛ لأن قبل الطلاق كانت نفقة الزوجة على الزوج كما أن قبل الكتابة كانت نفقة العبد على سيده وبعد الكتابة صارت على نفسه، والمكاتبة في حكم الملك، بمعنى أنه لو عجز نفسه عاد عبداً قِنّاً (٤)، ولو تزوّج المطلقة في العدة عادت إلى نكاحه، وهذا يختص الشافعي.
стр. 514
احتجوا:
بما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق» (١).
والفقه فيه: أنها زكاة، فلم تلزم المكاتب، دليله زكاة المال، وهذا لأن ملكه ناقص، بدليل أنه لا يملك التصرف فيه بتبرع، ولا تجب عليه صدقة ماله وإن ملك نصاباً تاماً حولاً كاملاً، فلا يحتمل الصدقة والمواساة، وزكاة الفطر من جملة الصدقات والمواساة، ولأن [صدقة] (٢) فطره سقطت عن مولاه لقصر يده عنه، وضعف ملكه، كما قصرت يد السيد عنه، وضعف ملكه فيه، فلم تثبت للمكاتب على نفسه، [ولأنها] (٣) كاملة، ولا حق كامل، ولا مالية تامة، فتحقق النقصان في الجانبين، فلم تجب، لأجل ذلك لم تجب عليه/ فطرة [جواريه] (٤) وعبيده لنقصان ملكه.
قالوا: ولاؤه منقوص بالرق، فلا تجب عليه زكاة الفطر، كالعبد القن.
الجواب:
أن نقصان ملكه ليس بأكثر من نقصان ماله، ومن لا يملك نصاباً كمن يملكه عن مالك التصرف فيه، ثم نقصان المال لا يمنع وجوب هذه،
стр. 515
كذلك نقصان الملك، وتخرج عن رقاب الأحرار ولا مالية فيها رأسا، والصبي والمحجور عليه [ناقصا] (١) التصرف وتجب زكاة الفطر في أموالهما عن أنفسهما، وعبيدهما، وتجب صدقة الزوجة في مال الزوج ولا تصرف لها فيه، وإذا كانت تجب عن غير مالية، وهي رقاب الأحرار، ومع عدم النصاب، انقطعت عن زكاة المال في اعتبار كمال التصرف.
وأما قولهم: منقوص بالرق، فالاستفسار وارد عليه، نقول لهم: إن أردتم به: فيه رق؛ فباطل، ثم بعضه حر وبعضه عبد، فإنه يجب عليه من صدقة الفطر بقدر ما فيه من الحرية، فما منع نقصه بالرق من تعلق إيجاب الفطرة به، والدلالة على نقصه ظاهرة من حيث تنصف أحكامه إذا كان نصفه عبدا نصف حد الأحرار، ونصف حد العبيد، ونصف إرث الحرّ، وسقوط الجمعة، والشهادة، والولاية، وغير ذلك من الأحكام، فما منع نقصان أحكامه بالرق من لزومه صدق الفطر.
وإن أردتم به: منقوصاً كمال الرق؛ لم نسلم؛ لأن فيه أشياء من أحكام الحرية؛ يملك الاكتساب، والاستتباع للأولاد، وإيجاب النفقات للزوجات والأولاد، وهي مواساة.
جواب آخر: إن قصر الشخص عن الإيجاب بكونه ناقصاً/ بالرق، فهذه الزكاة قاصرة عن التعبد بكونها يتحملها الغير عن الغير في الجملة، حتى إن الزوج يتحملها عن الزوجة الحرة الكاملة الملك التي هي من أهل زكاة المال، فلا تجب عليها فطرتها مع كمالها، وتجب على زوجها لنوع ملك، وهو ملك منافع الوطء، وإذا كانت بهذه الصفة من القصور عن التعبد لم يمتنع أن تجب على الشخص الناقص بالرق، ولا يتطلب لإيجابها الشخص الكامل بالحرية.
فإن قالوا: نريد أنه رقيق على الإطلاق، بدليل قول النبي ﷺ (٢):
стр. 516
«المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» (١) والرق نقص يمنع إيجاب الزكاة كما منع زكاة المال، وهذا صحيحٌ؛ لأن ملكه ناقصٌ بخلاف من نصفه [عبد] (٢)؛ فإن ملكه بما فيه من الحرية تام كملك الأحرار الكاملي الحرية، ولهذا يتبرع بحرسه، ولا يتبرع المكاتب لشبهيته الأحرار بكتابته، ونقصان الملك في المكاتب أثر لنقصانه بالرق، وذلك يمنع إيجاب زكاة الفطر كما منع إيجاب زكاة المال.
وقولكم: إن زكاة الفطر ناقصة في باب التعبد إلا أنها لا تجوز أن تكون دون التبرع، ونقصان ملكه منع التبرع، يمنع وجوب تعبد في المال، وإن كان قاصراً في باب التعبد.
قلنا: تفسيركم لا يطابق قولكم؛ لأنكم لم تقولوا: رقيق؛ بل قلتم: منقوص بالرق؛ لأن من فيه رقّاً من نصف، أو ثلث، ففيه نقصٌ في الأحكام من الوجه الذي بينَّا، من قصور الحدود، والإرث، والعبادات، ومع ذلك لم يمنع الإيجاب، فقد انتقضت عليكم.
وأما تعلقكم بنقصان ملك المكاتب، ودفعكم للنقص بوجود تمام ملك المعتق بعضه، وتعلقكم في ذلك بالاستشهاد بزكاة المال.
فهذا من حيث/ الجدل انتقال، واستعانة بما يصلح أن يكون في المسألة دليلاً، فلا يحسن معاضدة دليل المسألة الأولى بدليلٍ آخر، كما لا يحسن الانتقال إليه، وترك الأول الذي دللتم به.
على أن نقصان الملك لا يمنع وجوب هذا النوع من الصدقة،
стр. 517
فنقول لكم في قصور الملك الذي لا يملك التبرع ما قلنا لكم في قصور الشخص؛ فإن قصور الشخص لم يمنع وجوبها، وكذلك قصور الملك، وهذا للمعنى، وذلك أنه لم يعتبر لها عندنا كمال المال، وهو النصاب (١)، ولم يعتبر تعلقها بمالٍ مخصوصٍ كما يعتبر في زكاة المال نصاب من نامٍ، أو مرصد للنماء، كالأنعام من بين المواشي والسوائم من بين المعلوفة منها، والمتجر به من العروض، والمحصود من الزروع دون المقتنى للقوت، وهذا التشديد في الشروط يوجب حقه الإيجاب، وكونه مخصوصاً، بل يعتبر لها ما فضل عن القوت، ويتحملها الغير عن الغير، فهي بالنفقة من هذه الوجوه أشبه منها بزكاة المال، ثم النفقة على نفسه من المال الذي في يده، كذلك الفطرة في ماله، ولأن الزكاة لا تجب على الزوج لأجل مال زوجته، وهذه تجب لأجل الزوجية عن زوجته.
واحتج بأن الكتابة عتق على مال، فلا توجب على العبد صدقة الفطر، دليله إذا قال: [إن] (٢) أديت لي ألفاً فأنت حر.
الجواب:
أن ذاك نفقته على سيده، وهذا نفقته على نفسه.
الثاني: أن ذاك أخرج السيد عنه، فلم يحتج إلى أن يخرج عن نفسه، وهذا هو الجواب عن قولهم: المكاتب مأذون له في التصرف في المال، فلم تلزمه الفطرة كالعبد المأذون له؛ مع أنه يبطل بالصبي المأذون له في التجارة.
/ واحتج بأن الزكاة حق مال يصرف إلى أهل الطهرة، فلا تجب على المكاتب، دليله الكفارات.
الجواب:
أن الكفارات لا تتحمل بالنسب، فلا تجب على المكاتب، والملك وصدقة الفطر تتحمل بذلك، والله أعلم.
стр. 518
كتاب الصيام
مسألة
إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر في ليلة الثلاثين من شعبان وجب صيام الغد من رمضان، هذا هو الصحيح من المذهب (١).
واختاره مشايخنا؛ أبو بكر الخلال (٢)، وعبد العزيز (٣)، والخِرَقي (٤)، وابن حامد، وأبو علي الشريف (٥)، والقاضي (٦).
وهو مذهب عمر، وابن عمر، وعمرو بن العاص، وأنس بن مالك، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي هريرة، وعائشة، وأسماء ابنة أبي بكر (٧)، وذكر في «زاد المسافر» (٨):
стр. 519
стр. 520
وطاوس (١)، ومجاهد (٢).
خلافاً لأبي حنيفة، ومالك، والشافعي في قولهم: لا يجب صومه من رمضان، ويجوز فطره (٣).
لنا:
ما روى الإمام أحمد بإسناده عن نافع (٤)، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «إنما الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فاقدروا له»، قال نافع: فكان عبد الله بن عمر إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يبعث من ينظر له الهلال، فإن رأى فذاك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب، ولا قتر أصبح مفطراً، وإن حال دون منظره سحاب، أو قتر أصبح صائماً (٥). وهذا حديثٌ صحيحٌ، رواه البخاري، ومسلم في «صحيحيهما» (٦).
فمن الخبر أربعة/ أدلة:
أحدها من جهة التفسير، وثلاثة من جهة الاستنباط.
стр. 521
أما من جهة التفسير: فهو أن ابن عمر راوي الخبر كان في الغيم يصبح صائماً، وهو أعلم بمعاني كلام النبي ـ صلَّى الله عليه ـ، فوجب الرجوع إليه كما رجعنا نحن (١)، وأصحاب الشافعي (٢) إلى قوله في خبر «المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا» (٣)، وأنه كان يمشي ليلزم البيع، كذلك هاهنا.
وأما من جهة الاستنباط: وذلك أن قوله: «فاقدروا له» معناه: ضيقوا عدة شعبان، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ (٤)، معناه: ضيق، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (٥)، قال النقاش: فظن أن الله لا يضيق عليه في ذلك (٦)، كقوله ـ تعالى ـ: ﴿قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ (٧)، أي: ضيق عليه، وإذا كان معناه تضييق عدد شعبان بصوم رمضان، وجب الصيام في يوم الثلاثين؛ لأن أضيق عدد الشهر تسعة وعشرون.
وقد ذكر أبو موسى النحوي المعروف بالحامض (٨) في كتابه (٩)، رواية ابن السوسنجردي (١٠)، قال: قلت لأبي العباس (١١): أليس قدر:
стр. 522
ضيق، وقدر: أصلح؟ كقوله: ﴿قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ (١)، ضيقه ونقصه، وكقوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (٢)، نضيِّق عليه ونعاقبه، وكقوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ (٣)، أصلح في كل بلدة قوتها وصنعة أهلها؟ قال: بلى (٤).
فإن قالوا: على هذا قوله: «فاقدروا له» بالتخفيف بمثابة قوله: قدِّروا، بالتشديد؛ لأن قدرت الشيء بالتخفيف، وقدّرت بالتشديد معنى واحد عند أهل اللغة، ومنه قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ *﴾ (٥)، معناه: قدّرنا فنعم المقدرون.
وقد ذكره ابن قتيبة في «غريب القرآن» (٦): ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ *﴾ (٧) /، يعني: قدَّرنا، مشددة (٨).
стр. 523
يقال: قدرت الشيء في معنى قدَّرت بالتشديد. وإذا كان كذلك صار معناه: قدَّروا لشعبان ثلاثين يوماً، ثم صوموا الحادي والثلاثين.
قلنا: ليس في ذلك ما يدل على أنه يجب تقدير شعبان بثلاثين؛ إذ ليس تقديره بالثلاثين بأولى من تقدره بتسعة وعشرين؛ لأن كل واحدٍ من الشهرين يكون قدراً للشهر، يبين صحة هذا ما روى إسحاق بن سعيد (١)، عن أبيه (٢): قيل لعائشة ﵂: يا أم المؤمنين، رئي هذا الشهر لتسع وعشرين، قالت: ما يعجبكم من ذلك، لما صمنا مع رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ تسعة وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين (٣).
وقد ذكر أبو بكر النقاش في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ (٤)، قُتّر وضُيّق عليه زرقه، قال: وقدّر بالتشديد، كأنه للمبالغة في القلة (٥)، وعلى أنا قد بينا في غير موضعٍ من كتاب الله ـ تعالى ـ أن المراد بالقدر: التضييق، فلا يصح ادعاء الإجماع من طريق اللغة على الثلاثين.
стр. 524
وأما قوله: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ *﴾ (١)، فقال أبو بكر النقاش: فقدرنا: فملكنا، فنعم المالكون، ومن شدد فقدَّرنا يقول: قدرنا خلقه على ما أردنا (٢).
الثاني من الاستنباط: أن قوله: «اقدروا له» معناه: اقدروا زماناً يطلع في مثله الهلال، وهذا الزمان يصح وجود الهلال فيه.
ومنه قول عائشة ﵂ في خبرها الطويل، تصف أخلاق رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ، وقربها منه، ومنزلتها من قلبه، في الخبر الذي رواه ابن قتيبة في كتاب «غريب الحديث» (٣) عنها، قالت: كان رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون بالدَرَق (٤)، وذقني على كتف رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ لم يزله، فاقدروا للجارية الحديثة السن، المشتهية للنظر (٥). ومعناه: اقدروا زماناً تقف في/
стр. 525
مثله جارية حديثة السن، وتقدير زمان يطلع في مثله الهلال إنما هو تسع وعشرون، وما بعده تغير لا يحتاج إلى زمانٍ، يوضح هذا استفتاحه الحديث بقوله: «الشهر تسع وعشرون».
الثالث من الاستنباط: أنه قد قيل: معنى قوله: «فاقدروا له» معناه: فاعلموا من طريق الحكم أنه تحت الغيم، وهذا كقوله ـ تعالى ـ: ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (١)، معناه: علمناها من الغابرين.
قال بعض أصحابنا المحققين: والحجة عندي من الحديث أنه بدأ فبيَّن عدة أيام الشهر، وأنها تسعة وعشرون، فهذا أصلٌ يعطي أن الزائد عليه زيادة على الأصل، فلما أصَّل هذا الأصل قال: «فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» (٢)، فقد تم الشهر بعد التسع وعشرين، كما قالت عائشة ﵂:
стр. 526
فرضت الصلاة ركعتين، فزيد في صلاة الحضر (١). كذلك هاهنا إذا تأخر الهلال من غير عذرٍ، فصوموا إذا لم تروا الهلال؛ فإن التأخير مع عدم العذر أوجب الزيادة، وإن غمَّ عليكم لم يقل: فأفطروا، ولو كان الفطر هو الواجب لقال: فإن غم عليكم فأفطروا، لكنه قال: «فاقدروا» فليس «اقدروا» تصريحاً بصوموا، ولا تصريحاً بأفطروا، لكنه قال: فاقدروا أنه طلع حيث قد تم عدة ما يصلح لاطلاعه، أو يكون المراد به: فضيقوا له، فالتضييق له هو تضييق شعبان ليتسع صوم رمضان، هذا مثل قولنا: ضيقوا لفلان، يعني: على أنفسكم، فإذا ضيقتم على أنفسكم اتسع له المجلس.
قال: وليس من الواجب أن تلغوا هذه اللفظة، والمخالف إذا قال:/ أفطروا، فما عمل بقول النبي ـ صلَّى الله عليه ـ: «فاقدروا له»؛ لأنه ليس التقدير بمعنى الإفطار، وإذا صمنا نحن كنا عاملين بأحد معنيي اللفظة.
فإن قيل: قول النبي ـ صلَّى الله عليه ـ: «فاقدروا له» أي: قدروا العدد ثلاثين، وقد رواه مسلم في «صحيحه» عن ابن عمر عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ: «فإن غمّ عليكم فاقدروا له ثلاثين» (٢)، ذكر ذلك الطبري في «سننه»، ورواه البخاري ومسلم بإسنادهما عن أبي هريرة عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمَّ عليكم فعدوا ثلاثين» (٣)، وفي لفظٍ آخر: «فعدوا شعبان ثلاثين»، تفرّد بإخراجه البخاري (٤).
стр. 527
قلنا: المشهور ما روينا، واتفق على روايته مالك، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأصحاب ابن عمر؛ نافع، وسالم، وعبد الله بن دينار (١)، كلهم روى عن ابن عمر مثل قولنا، ولم يذكروا الثلاثين، ثم فعلُ ابن عمر يدلّ عليه، ولا يظن به أن يروي عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ ما ذكرتم ويخالفه مع جلاله قدره وزهده، وتتبعه أفعال النبي ـ صلَّى الله عليه ـ، فدلَّ على أنه وهمٌ ممن روي عنه، وظن منه أن القدر تقدير العدد ثلاثين، مع كونه قد قيل: إن راوي اللفظ الذي ذكروه (٢) عثمان بن مقسم البري (٣)، وهو بصري ضعيف جدّاً.
على أن المراد به: أنه يقدر رمضان ثلاثين إذا غمّ، وقد روى أبو عيسى الترمذي في «صحيحه» (٤) بإسناده عن أبي هريرة: «صوموا لرؤيته،
стр. 528
وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين يوماً» (١)، وكذلك روى أبو عبد الله ابن بطة بإسناده، عن ابن عباس، عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «لا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه، فإن حال دونه غمامة/ فأتموا العدد ثلاثين، ثم أفطروا» (٢)، فدلَّ على أنه أراد رمضان.
ورواية أبي هريرة: «فعدوا له شعبان ثلاثين» (٣)، قد روي عنه خلافه: «فعدوا ثلاثين، ثم أفطروا» (٤)، فدلَّ على أن العدد لرمضان، فتعارضت روايتاه،
стр. 529
وسقطتا؛ لأنا لا ندري أيهما الثابتة عنه، وربما كانت روايتنا هي الثابتة؛ لأنه يعضدها بقية الأخبار.
وكذا رواية ابن عمر: «فإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمّ عليكم فاقدروا ثلاثين» (١)، وقت الإفطار من الصوم فعدوا ثلاثين، وكذلك روى الطبري عن ابن عمر نفسه: «فإذا رأيتم الهلال فأفطروا، فإن غُمّ عليكم فأتموا الصوم ثلاثين؛ فإن الشهر لا يزيد على الثلاثين» (٢) فدل على أنه أراد: فاقدروا العدد ثلاثين لشهر الصوم لا غير، ونحن كذا نقول.
ويوضح ما ذكرنا: أنه لو أراد عدوا شعبان ثلاثين لم يقل الشهر تسعة [وعشرون] (٣)؛ لأنه يكون مناقضة.
و ـ أيضاً ـ ما روى أبو عبيد في «غريب الحديث» (٤) بإسناده عن عمران بن حصين: أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ سأل رجلاً:
стр. 530
«هل صمت من سِرار هذا الشهر شيئاً؟» قال: لا، قال: «فإذا أفطرت رمضان فصم يومين» (١)، قال الكسائي وغيره: السرار آخر الشهر ليلة يستسر الهلال، قال أبو عبيد: فربما استسر ليلة، وربما استسر ليلتين إذا تمّ الشهر، قال: وإنما سأله عن سرار شعبان، فأمره أن يقضي بعد الفطر يومين، ولا وجه لهذا الحديث إلا ما ذهبنا إليه، وهو إذا غمَّ الهلال في آخر شعبان، فإنه يجب صومه من رمضان، فلما لم يصمه أمره بقضاء ذلك اليوم (٢).
فإن قيل: بل له وجهٌ غير ما ذهبتم إليه، وهو أنه كان قد نذر ذلك الرجل الصوم في ذلك الوقت،/ أو كان قد ألزم نفسه تطوعاً، فلما فاته أمره بقضائه.
قلنا: لا يصح حمله على التطوع؛ لأنه أمره بالقضاء، والأمر يقتضي الوجوب، وإنما يكون واجباً على قولنا، فأما التطوع فلا يجب قضاؤه.
ولا يصح حمله على النذر ـ أيضاً ـ لوجهين:
أحدهما: أنه نُقِل في الخبر حكمٌ وهو الأمر بالقضاء، وسبب وهو السِرار، فاقتضى تعلق ذلك الحكم بذلك السبب، وعندهم يتعلق بغيره، وهو النذر.
الثاني: أن صوم هذا الزمان منهيٌّ عنه؛ إما لأجل الشك، أو لأجل النهي عن تقدم الشهر بيومٍ أو يومين، فيكون نذر معصية، وعندهم نذر المعصية لا يصح (٣).