فرضت الصلاة ركعتين، فزيد في صلاة الحضر (١). كذلك هاهنا إذا تأخر الهلال من غير عذرٍ، فصوموا إذا لم تروا الهلال؛ فإن التأخير مع عدم العذر أوجب الزيادة، وإن غمَّ عليكم لم يقل: فأفطروا، ولو كان الفطر هو الواجب لقال: فإن غم عليكم فأفطروا، لكنه قال: «فاقدروا» فليس «اقدروا» تصريحاً بصوموا، ولا تصريحاً بأفطروا، لكنه قال: فاقدروا أنه طلع حيث قد تم عدة ما يصلح لاطلاعه، أو يكون المراد به: فضيقوا له، فالتضييق له هو تضييق شعبان ليتسع صوم رمضان، هذا مثل قولنا: ضيقوا لفلان، يعني: على أنفسكم، فإذا ضيقتم على أنفسكم اتسع له المجلس.
قال: وليس من الواجب أن تلغوا هذه اللفظة، والمخالف إذا قال:/ أفطروا، فما عمل بقول النبي ـ صلَّى الله عليه ـ: «فاقدروا له»؛ لأنه ليس التقدير بمعنى الإفطار، وإذا صمنا نحن كنا عاملين بأحد معنيي اللفظة.
فإن قيل: قول النبي ـ صلَّى الله عليه ـ: «فاقدروا له» أي: قدروا العدد ثلاثين، وقد رواه مسلم في «صحيحه» عن ابن عمر عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ: «فإن غمّ عليكم فاقدروا له ثلاثين» (٢)، ذكر ذلك الطبري في «سننه»، ورواه البخاري ومسلم بإسنادهما عن أبي هريرة عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمَّ عليكم فعدوا ثلاثين» (٣)، وفي لفظٍ آخر: «فعدوا شعبان ثلاثين»، تفرّد بإخراجه البخاري (٤).
стр. 527
قلنا: المشهور ما روينا، واتفق على روايته مالك، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأصحاب ابن عمر؛ نافع، وسالم، وعبد الله بن دينار (١)، كلهم روى عن ابن عمر مثل قولنا، ولم يذكروا الثلاثين، ثم فعلُ ابن عمر يدلّ عليه، ولا يظن به أن يروي عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ ما ذكرتم ويخالفه مع جلاله قدره وزهده، وتتبعه أفعال النبي ـ صلَّى الله عليه ـ، فدلَّ على أنه وهمٌ ممن روي عنه، وظن منه أن القدر تقدير العدد ثلاثين، مع كونه قد قيل: إن راوي اللفظ الذي ذكروه (٢) عثمان بن مقسم البري (٣)، وهو بصري ضعيف جدّاً.
على أن المراد به: أنه يقدر رمضان ثلاثين إذا غمّ، وقد روى أبو عيسى الترمذي في «صحيحه» (٤) بإسناده عن أبي هريرة: «صوموا لرؤيته،
стр. 528
وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين يوماً» (١)، وكذلك روى أبو عبد الله ابن بطة بإسناده، عن ابن عباس، عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «لا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه، فإن حال دونه غمامة/ فأتموا العدد ثلاثين، ثم أفطروا» (٢)، فدلَّ على أنه أراد رمضان.
ورواية أبي هريرة: «فعدوا له شعبان ثلاثين» (٣)، قد روي عنه خلافه: «فعدوا ثلاثين، ثم أفطروا» (٤)، فدلَّ على أن العدد لرمضان، فتعارضت روايتاه،
стр. 529
وسقطتا؛ لأنا لا ندري أيهما الثابتة عنه، وربما كانت روايتنا هي الثابتة؛ لأنه يعضدها بقية الأخبار.
وكذا رواية ابن عمر: «فإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمّ عليكم فاقدروا ثلاثين» (١)، وقت الإفطار من الصوم فعدوا ثلاثين، وكذلك روى الطبري عن ابن عمر نفسه: «فإذا رأيتم الهلال فأفطروا، فإن غُمّ عليكم فأتموا الصوم ثلاثين؛ فإن الشهر لا يزيد على الثلاثين» (٢) فدل على أنه أراد: فاقدروا العدد ثلاثين لشهر الصوم لا غير، ونحن كذا نقول.
ويوضح ما ذكرنا: أنه لو أراد عدوا شعبان ثلاثين لم يقل الشهر تسعة [وعشرون] (٣)؛ لأنه يكون مناقضة.
و ـ أيضاً ـ ما روى أبو عبيد في «غريب الحديث» (٤) بإسناده عن عمران بن حصين: أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ سأل رجلاً:
стр. 530
«هل صمت من سِرار هذا الشهر شيئاً؟» قال: لا، قال: «فإذا أفطرت رمضان فصم يومين» (١)، قال الكسائي وغيره: السرار آخر الشهر ليلة يستسر الهلال، قال أبو عبيد: فربما استسر ليلة، وربما استسر ليلتين إذا تمّ الشهر، قال: وإنما سأله عن سرار شعبان، فأمره أن يقضي بعد الفطر يومين، ولا وجه لهذا الحديث إلا ما ذهبنا إليه، وهو إذا غمَّ الهلال في آخر شعبان، فإنه يجب صومه من رمضان، فلما لم يصمه أمره بقضاء ذلك اليوم (٢).
فإن قيل: بل له وجهٌ غير ما ذهبتم إليه، وهو أنه كان قد نذر ذلك الرجل الصوم في ذلك الوقت،/ أو كان قد ألزم نفسه تطوعاً، فلما فاته أمره بقضائه.
قلنا: لا يصح حمله على التطوع؛ لأنه أمره بالقضاء، والأمر يقتضي الوجوب، وإنما يكون واجباً على قولنا، فأما التطوع فلا يجب قضاؤه.
ولا يصح حمله على النذر ـ أيضاً ـ لوجهين:
أحدهما: أنه نُقِل في الخبر حكمٌ وهو الأمر بالقضاء، وسبب وهو السِرار، فاقتضى تعلق ذلك الحكم بذلك السبب، وعندهم يتعلق بغيره، وهو النذر.
الثاني: أن صوم هذا الزمان منهيٌّ عنه؛ إما لأجل الشك، أو لأجل النهي عن تقدم الشهر بيومٍ أو يومين، فيكون نذر معصية، وعندهم نذر المعصية لا يصح (٣).
стр. 531
فإن قيل: فقد أمره بقضاء يومين، وعندكم يقضي يوماً.
قلنا: قد يكون مأموراً بقضاء يومين، وهو إذا غمّ هلال شعبان ورمضان، فعدوا كل واحدٍ من رجب وشعبان ثلاثين يوماً، وحصل صوم رمضان ثمانية وعشرين يوماً، فيعلم أن الخطأ حصل بيومين من شعبان.
فإن قيل: فقد أضاف السرار إلى شعبان بقوله: «صمت من سرار هذا الشهر؟» وعلى قولكم: إن ذلك من رمضان.
قلنا: يحتمل أن تكون الإضافة لمجاورته له، ومقاربته منه، كما سمّيت المزادة (١) راوية لمجاورتها لها، لما يحصل الري به، وهو الماء، كذلك هاهنا.
و ـ أيضاً ـ إجماع الصحابة، روي ذلك عن عمر، وابن عمر، وأبي هريرة، وعمرو بن العاص، ومعاوية، وأنس، وعائشة، وأسماء ابنة أبي بكر (٢)، ذكره أبو العباس الفضل بن زياد (٣) في كتاب الصيام في «مسائله» (٤).
ورواه ابن المنذر في «الإشراف» عن عائشة، وابن عمر (٥).
стр. 532
وذكر عبد العزيز في «زاد المسافر»: أنه مذهب علي ﵃ أجمعين (١).
فروي عن ابن عمر: أنه كان ينفذ غلامه، فإن كان في السماء غيمٌ أصبح صائماً. أخرجه البخاري، ومسلم (٢).
وروى أبو بكر،/ وهبة الله الطبري في «سننه» عن عائشة، وأسماء: أنهما كانتا تصومان اليوم الذي يشك فيه (٣).
وفي لفظٍ عن عائشة: أنها سُئلت عن اليوم الذي يشك فيه، فقالت: لأن أصوم يوماً من شعبان أحبّ إليَّ من أن أفطر يوماً من رمضان (٤).
وروى أحمد بإسناده عن معاوية أنه كان يقول: لأن أصوم يوماً من شعبان أحبُّ إليَّ من أن أفطر يوماً من رمضان (٥).
وبإسناده عن عمرو بن العاص: أنه كان يصوم في اليوم الذي يشك فيه من رمضان (٦).
وعن علي: أن رجلاً شهد على رؤية هلال رمضان، فصام وأمر الناس بالصيام، وقال: أصوم يوماً من شعبان أحب إليَّ أن أفطر يوماً من رمضان (٧).
стр. 533
وعن أبي هريرة أنه قال مثل ذلك (١).
وعن أنس: أن الهلال رُئي نهاراً، فأفطر قومٌ، فقال أنس: هذا اليوم الذي يكمل لي أحد وثلاثون، وأنا متمّه إلى الليل (٢).
وعن عمر: ليتق أحدكم أن يصوم يوماً من شعبان، ويفطر يوماً من رمضان (٣).
وروى أبو حفص العُكْبَريّ عن مكحولٍ: أن عمر كان يصوم يوم الشك إذا كانت السماء في تلك الليلة مغيمة، ويقول: ليس هذا بالتقدم ولكنه بالتحري (٤).
فإن قيل: قد خالفهم على ذلك علي (٥)، وحذيفة (٦)، وابن مسعود (٧)،
стр. 534
وعمار (١)، وأنس، وأبو السوار العدوي (٢)(٣)، وابن عباس (٤)، فروي عنهم أنهم نهوا عن صوم يوم الشك، ومنهم من قال: فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين.
قلنا: نحن نجمع بين أقوالهم، فنقول: من نهى عن صوم الشك أو أفطر،
стр. 535
فأراد به الشك في الصحو، وكذلك من قال: إنه يعد ثلاثين أراد به: يعد رمضان ثلاثين، ومن صام كان في الغيم، فيدل على قولنا.
فإن قيل: فليس فيما ذكرتم عن الصحابة دلالةٌ على أنهم كانوا يصومون ذلك من رمضان، ويجوز أنهم كانوا يصومون ذلك/ على أنه [تطوعٌ] (١)، وهذا هو الظاهر، فإنهم قالوا: لأن نصوم يوماً من شعبان، فأثبتوه من شعبان، وما كان من شعبان فإنه يصام تطوعاً.
قلنا: لا يصح هذا؛ لأن ابن عمر كان يفرق بين الصحو والغيم، فيصوم في الغيم، ويفطر في الصحو، ومن يجيز صومه تطوعاً من أصحاب أبي حنيفة لا يفرق بين الصحو والغيم (٢)، فعلم أن صومه كان عن رمضان، ولأن ظاهر كلامه أنهم قصدوا الاحتياط بصيامه خوفاً أن يكون من رمضان، وهذا المعنى لا يحصل لهم بنية النفل؛ لأن المتنفل في رمضان كالمفطر فيه، وإنما يحصل الاحتياط بنية من رمضان.
فإن قيل: فنتأوَّل ما رويتم عن الصحابة على وجهٍ، وهو أن من صام منهم وأمر بذلك إذا شهد بالرؤية شاهدٌ واحد، وقد روي ذلك مسنداً عن فاطمة بنت الحسين (٣): أن رجلاً شهد عند علي بن أبي طالب برؤية هلال شهر رمضان، فصام، وأحسبه قال: وأمر الناس أن يصوموا، وقال: أصوم يوماً من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يوماً من رمضان (٤).
قلنا: لا يصح هذا التأويل؛ لأنه إذا شُهِد برؤية واحدٌ خرج عن أن يكون يوماً من شعبان، وحصل يوماً من رمضان يصومه الناس أجمع، وفيما ذكرنا عن جماعة الصحابة أنهم قالوا: لأنْ نصوم يوماً من شعبان،
стр. 536
وهذا إنما يقال في اليوم المشكوك فيه على تقدير أنه إن بان من شعبان كان أحبَّ إلينا [من] (١) أن نفطره، فيبين أنه من رمضان.
ولأن عن ابن عمر أنه كان ينظر الهلال، فإن كان في السماء غيمٌ أصبح صائماً، وإن لم يكن أصبح مفطراً (٢)، وهذا يمنع أن يكون هناك شهادة، وإنما كان هناك اجتهادٌ منه في صومه.
وعن عمرو بن العاص: أنه كان يصوم اليوم الذي/ يشك فيه من رمضان (٣)، فسماه يوم الشك، ومع الشهادة لا يسمى بذلك.
والفقه في المسألة: أنَّا نقول: شك في أحد طرفي رمضان، فغلب فيه حكم الصوم، دليله الطرف الآخر، وهذا لأن شهر رمضان أيام معدودة، كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (٤)، وهو تارة تسع وعشرون، وتارة ثلاثون، ومتى حصل الشك في آخره وجب الصوم، ولا يقين لنا، فإذا حصل الشك في أوله لم يحصل لنا يقين إتمامه إلا بصيام اليوم المشكوك فيه من أوله، والأول والأخير يستويان لتحقيق أداء الفرائض، واستيعابه، بدليل أنَّا نحتاج إلى أن نمسك في جزء من الليل من أول كل يومٍ وآخره ليتحقق استيعاب اليوم، وإذا وجب استيعاب كل يومٍ بإمساك زمان لا يتحقق أنه من جملة اليوم، وجب صوم يوم لا يتحقق أنه من جملته ليجعل تحقيقاً لاستيعاب صوم الشهر الواجب صومه بأصل الشرع.
فإن قيل: لا نُسلِّم في الأصل أنا غلَّبنا الصوم، وإنما غلَّبنا الأصل، وهو بقاء رمضان، ولا نُسلِّم أنَّ ليلة الشك طرف لشهر رمضان، وإنما هي الطرف الأخير من شعبان.
стр. 537
قلنا: نحن نخالفكم في هذا، ونقول: إن أصل الشهور تسعة وعشرون، وكذا لما آلى من زوجاته، قال: «الشهر تسعة وعشرون» (١)، وكذا قال: «الشهر هكذا، وهكذا وهكذا»، وقبض [إصبعاً] (٢)(٣)، فاليقين في الشهر تسعة وعشرون، ويوم الثلاثين مشكوك فيه، هل هو من الشهر الأول، أو من المستهل، فإذا صادف عبادة احتطنا لها، وغلبنا حكمها، وجاز أن نصفها بأنها طرف لرمضان تغليباً لحرمته.
ثم لو سلمنا ما ذكرتم فقد تُرك الأصل لضرب من الاحتياط، ولهذا نقول فيمن أصاب موضعاً من بدنه، أو ثوبه/ نجاسة، وخفي عليه: يجب عليه غسل جميع بدنه، وثوبه، وإن كان الأصل طهارة بقية البدن، والثوب، وكذلك من فاته صلاة من يومٍ صلى خمساً، والأصل براءة ذمته من أربع، وكذلك لو شك الماسح على الخفين هل مسح جميع المدة، أو بقي منها؟ لم يجز له المسح، وإن كان الأصل بقاء المدة، وكذلك لو شكّ المسافر هل نوى الإقامة، أم لا؟ لم يجز له الترخص عندهم، وكذلك لو شكّ مَنْ به سلس البول، أو المستحاضة هل انقطع سلسه، ودمها، أم لا؟ لم تصح صلاتهم بتلك الطهارة، وإن كان الأصل أنه لم ينقطع، كذلك في مسألتنا.
طريقة أخرى: أن الصوم عبادة على البدن مقصودة، يجب فعلها في حال الاشتباه بالتحري، فلزم فعلها من الشك على وجه الاحتياط، دليله الصلاة، ونريد بفعلها حال الاشتباه بالتحري في الفرع في حق الأسير إذا خفيت عليه الشهور، وفي الأصل إذا اشتبهت القبلة، وفعلها مع الشك على وجه الاحتياط في مسألتنا، وفي الأصل إذا نسي صلاة من يوم وليلة لا يعلم عنها، فإنه يجب عليه خمس صلوات، وهذا صحيحٌ؛
стр. 538
فإنه يلزم فعلها بالتحري لأجل تأكدها حتى لا تترك، أو تتأخر عن وقتها، كتلك تفعل مع الشك احتياطاً لأجل تأكدها، وفعلها بالتحري فعل مع الشك، واحتياطٌ لها لا خلاف في ذلك، ولا تلزم الطهارة [و] (١) لا تجب مع الشك؛ لأنها غير مقصودة في نفسها، ولا الحج؛ فإنه يجب فعل الوقوف بالتحري إذا اشتبه يوم عرفة، ولا يلزم إذا شك هل وجد في حقه شرائط الحج؟ فإنه يجب إذا اشتبه يوم عرفة أن يقف يومين.
يدل عليه أن رمضان له حرمة متأكدة ليست لغيره من الشهور والأزمان؛ لأنه شهرٌ أوجب الله صيامه، وسنَّ رسول/ الله ـ صلَّى الله عليه ـ قيامه، وقد روى عبد العزيز بإسناده عن أبي هريرة: أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ قال: «من أفطر يوماً من رمضان من غير عذرٍ لم يجزِه صيام الدهر، ولو صامه كله» (٢)، لا يكون ذلك اليوم الذي أفطر فيه من رمضان.
وذكر ابن المنذر (٣) عن علي، وابن مسعود أنهما قالا: من أفطر يوماً من رمضان لم يقضه، وإن صام الدهر كله (٤).
стр. 539
وروي عن إبراهيم النخعي قال: عليه صوم ثلاثة [آلاف] (١) يوم (٢).
وعن سعيد بن المسيب قال: عليه صوم شهر (٣).
وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: عليه صوم اثني عشر يوماً (٤).
وإذا كانت له هذه المنزلة العظيمة، وأنه من رمضان، فيؤدي إلى الفطر في رمضان، ويرتكب إثماً عظيماً، والاحتياط يفعل لما لا يبلغ هذه الحرمة، فأولى أن يفعل لأجل هذه الحرمة.
فإن قيل: الصلاة لا يمكنه التوصل إلى إسقاط ما ثبت في ذمته إلا بذلك الفعل؛ لأن تعيين النية شرطٌ فيها، بخلاف الصوم؛ فإنه لم يثبت في ذمته ما يحتاج إلى تأديته بذلك.
قلنا: فكان يجب في القبلة أن يصلي الصلاة أربع مرات إلى أربع جهات إذا اشتبهت عليه القبلة ليؤدي ما في ذمته بيقينٍ، وكان يجب إذا كان معه ثوبان أحدهما نجس أن يصلي الصلاة في كل واحدٍ منهما ليؤدي فرضه بيقينٍ، فلما قلتم: إنه يتحرى، قولوا هاهنا: إنه يتحرى في عين المنسية،
стр. 540
فيصليها وتجزئه، فلما أوجبتم ما قد علمنا براءة ذمته منه، وهو فعل أربع صلوات أخر دل على أن فعَل ذلك احتياطاً.
فإن قيل: هذا الدليل يمكن أن يقلب الاحتجاج به عليكم في الحكم المختلف فيه، وهو أن الصلاة لا يدخل فيها إلا بعد اليقين، أو غلبة الظن بدخول وقتها، فليكن الصوم كذلك، ولا يجب الإحرام بها مع/ الشك، وأما إذا ترك الصلاة فلا يمكنه أداؤها بيقينٍ إلا بأن يصلي خمساً، لكن بعد [تيقن] (١) إيجابها، وهاهنا لم يتحصل يقين بوجوب الصوم، ولا غالب ظنٍ، وإنما هو مجرد شكّ، ولذلك إن قاسوا على من شك هل كملت ركعاته أم لا، وجب عليه الزيادة ليحصل اليقين، لكن بعد حصول الوجوب للصلاة يقيناً، ولا يقين هاهنا، وليس لنا عبادة يدخل فيها بالشك، وهذا ذكره بعض أصحابنا (٢).
قلنا: الصلاة لا يستوعب فعلها وقتَها، والصوم له وقتٌ يعمه، متى فات شيء منه فات بعضه، فلذلك وجب الاستظهار بصوم اليوم المشكوك فيه ليحصل، تحقيقاً لاستيعاب صوم الشهر الواجب صومه بأصل الشرع، وحرر من ذلك قياساً، فقال: زمان يجب الإمساك فيه عن الأكل، والشرب، والجماع، لأجل حرمة رمضان، فوجب الاحتياط في طرفيه على وجهٍ يتحقق استيعابه بالصوم، كزمان النوم.
فإن قيل: يلزم على هذا نذر صوم رجب، أو شعبان، فإنه إذا غام أوله لم يلزم، كذلك شهر رمضان، والوجوب يجمعهما.
قلنا: كذلك قال أصحابنا (٣)، وهل تبنى النذور إلا على أصولها من الفروض.
وقد ذكر أشياء منها: أنه يوم يصح أن ينوي له صوم الفرض من الليل،
стр. 541
فكان صومه واجباً، دليله: اليوم الثاني، وقد نص الشافعي في «كتاب المزني» (١): إذا نوى صيام يوم الشك، ثم بان من رمضان أجزأه (٢). فلولا أنه منه لم تصح النية؛ لأنه يحصل داخلاً في الصيام بالشك.
فإن قالوا: قد تأوَّل أصحابنا هذا على من ظهرت له أمارةٌ، وهو إن كان عالماً بمطالع الهلال، ودلت على أنه قد طلع أو شهد عنده فاسق برؤيته.
قلنا: هذه الأمارة لا توجب طلوعه، وإنما يحتمل/ الطلوع معها، ومثله في ليلة الثلاثين إذا كان هناك غيمٌ.
وقد قيل ـ أيضاً ـ بأن الرؤية سببٌ يوجب الصوم، فاختلف بأول الشهر وآخره، كالشهادة؛ يثبت أوله بشهادةٍ واحدةٍ، وآخره بشهادةٍ اثنين، كذلك في الرؤية يعتبر وجودها في آخر الشهر، ولا يعتبر في أوله، فلا معنى لقولهم: إن الشهادة موجودة في أوله وآخره، والرؤية معدومة في أوله، وذلك أن شهادة الواحد شطر للشهادة، وليست بشهادةٍ، ألا تراها في آخر الشهر لا تقبل.
وقيل ـ أيضاً ـ: طريقة أخرى مع أبي حنيفة، وهو: أن الغيم سبب في إيجاب الصيام مع غيره، فجاز أن يكون سبباً بانفراده، دليله الشاهد الواحد، لمَّا كان سبباً في إيجاب الصيام مع شاهدٍ آخر كان سبباً في إيجابه بانفراده، كذلك الغيم لمَّا كان سبباً في إيجاب الصيام على قولنا في مسألة الخلاف، وعند أبي حنيفة: إذا شهد برؤيته في يوم الغيم شاهدٌ يقبل، وفي الصحو لا يقبل إلا أن يشهد به عدد كثير (٣)، جاز أن يكون سبباً في الإيجاب بانفراده.
стр. 542
فإن قيل: إنما لم يقبل الواحد في الصحو لمشاركة غيره في الرؤية، فالظاهر خلاف ما أخبر، وليس كذلك إذا كان بالسماء علة؛ لأنه يجوز أن ينقشع (١) الغيم، فلا يراه الباقون.
قلت: إذا جاز أن يكون الغيم يمنع من رؤية البعض مع صحة النظر؛ جاز أن يكون مانعاً من رؤية الجميع.
فإن قيل: هناك بينة شهدت برؤيته، وليس كذلك هاهنا.
قلنا: هذه البينة عندك كلا بينة، ألا ترى أنها لا تسمع مع عدم العلة؟! فلما سمعه هاهنا علم أن المؤثر في سماعها وجود العلة لا غيره.
وقد قيل/ ـ أيضاً ـ بأن زمان اليوم من رمضان يتردد بين ليلتين لا يجب الإمساك فيهما، كما أن الشهر إذا غام طرفاه يتردد بين شهرين، لا يجب صومهما، ثم أجمعنا والمخالفون على إيجاب إمساك جزئين من الليلتين في طرفي كل يوم منه لئلا يباشر بالأكل زمان الصوم، كذلك وجب أن يحتاط عند إغمام طرفي الشهر يصوم اليومين اللذين بينهما رمضان، لئلا يباشر بالإفطار زمان الصيام، ولا يمكن الاحتياط هاهنا إلا بيوم كامل، كما لا يمكن الاحتياط هناك إلا بإمساك جزء.
وليس لهم أن يقولوا: الأصل بقاء شعبان ما لم يكمل العدد، أو يطلع الهلال إلا ويقال: الأصل بقاء الليل، ثم مع الأصل الذي هو الليل (٢) أوجبنا إمساك جزء منه بمثله يحصل الاحتياط للصوم، فلا فرق بينهما.
стр. 543
وقيل ـ أيضاً ـ: بأن أكثر ما في هذا إيجاب عبادة من غير أن نتيقن لدخول رمضان، وهذا لا يدل على المنع، بدليل أن شهادة الواحد توجب الصوم، وليس خبره يقيناً، وكذلك خبر الواحد يوجب العمل، وإن لم يوجب العلم، وكذلك شهادة الشاهدين يجوز للحاكم القتل، والقطع، وأخذ المال، وهي غلبة ظن، كذلك الغيم يغلب في الظن أنه ستر الهلال، وكذلك دعوى المدعي بشغل الذمة، ويستحلف لأجلها، ويُعدى عليه، وكذلك اللَّوْث (١) في القَسامة (٢) يثبت القصاص عندنا إذا حلفوا (٣)، وبلا نفاق (٤) الدية، كذلك هاهنا جاز أن يكون مثله.
والوجه الصحيح الذي عليه الاعتماد في المسألة هو أنا نقول: يوم من رمضان، فوجب صومه، كما لو رأى الهلال، وهذه جملة لا نزاع فيها، وأن اليوم من رمضان يجب صومه، إنما الشأن في إثبات كونه من رمضان،/ فنقول: الدليل على أنه من رمضان النص، والحقيقة، والحكم.
أما النص: فقوله ـ صلَّى الله عليه ـ: «فاقدروا له» (٥)، وإذا قدرنا له
стр. 544
كان من رمضان على ما مر، وقال ـ صلَّى الله عليه ـ: «الشهر تسع وعشرون» (١)، وقال ﵇: «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا»، وخنس (٢) الإبهام في الثالثة (٣)، وروي عنه ﵇ أنه حلف أن لا يكلم بعض نسائه شهراً، فكلمها في التاسع والعشرين، فقالت: يا رسول الله، حلفت شهراً، فقال: «الشهر تسع وعشرون» (٤).
وأما الحقيقة: فإن شعبان زال، وانقضى، وإنما قلنا ذلك؛ لأن بالغيم زال يقين الشعبانية، فلم يبق؛ لأن شعبان عبارة عن شهر لم يطلع فيه هلال الشهر الآخر، وبالغيم احتمل أن يكون قد طلع الهلال، ويجوز أن يكون ما طلع، فقد زال يقين الشعبانية، وتجدد جواز دخول رمضان موقفاً موقفاً، ويترجح رمضان بأنه طارئ قد أشفى على البيوت، وشعبان زائل قد أشفى على الزوال، فرجح رمضان على شعبان، والجمع بينهما غير ممكن، فعينت الرمضانية.
يدل عليه: أن زوال شعبان لا بد منه قطعاً ويقيناً إن كان في اليوم، وإلا في الغد، ومجيء رمضان لا بدّ منه قطعاً ويقيناً، فإذا وقع التردد والشك ترجح رمضان على شعبان، فكان هذا اليوم من رمضان دون شعبان، يدل عليه أن الشك إذا طرأ على اليقين زال حكمه، وصاركما لو طلق إحدى نسائه، ثم نسي عينها فإنه يحرم عليه وطء الجميع، وإن كان بيقين أن [ثلاثاً منهنّ] (٥) حلال، ولكن لما وقع الشك فيهن حرمن عليه، وكذلك إذا اختلطت أخته بأجنبيات، ومُبانة بملكيّات؛ فإنه يزول اليقين وحكمه،/ ويثبت الحكم الطارئ حتى يحرم عليه التزويج بالأجنبيات، وإن كانت أخته واحدة منهن، فذهب حكم الإباحة المقطوع بها
стр. 545
في [الأجنبيات] (١) لما طرأ عليها من الشك بالأخت الواحدة، كذلك في مسألتنا يزول حكم الشعبانية لما طرأ عليه من الشك، ويثبت حكم الرمضانية؛ لأن بها زال يقين شعبان.
وأما من جهة الحكم: فإن عندكم يحرم صوم هذا اليوم، ولو كان من رمضان لما حرُم صومُه، وهذا في نهاية القوة، وخرج على هذه الطريقة ما إذا كانت السماء مصحية؛ لأنه من شعبان حقيقة وحكماً، ولم توجد شبهة وشك فاختلفا، وخرج على هذا ـ أيضاً ـ آخر رمضان؛ لأن القياس كان يقتضي أن يسقط صومه عند الغيم، غير أن العبادة مما يحتاط لها، فوجبت عليه، وليس يلزم عدم حلول الديون المؤجلة، والأيمان المعلقة على دخول الشهر؛ لأنا نمنع جميع ذلك، وعلى التسليم نقول: الأيمان تبنى على العرف، وكذلك الآجال في الديون، وهذا شيء قد ذكرناه في عدة مسائل، فلا يحتاج إلى إعادته.
احتجوا:
بما روى أبو داود، وابن خزيمة، وأبو عبد الرحمن بإسنادهم، عن حذيفة قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «لا تقدموا على هذا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة ثلاثين، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة» (٢)، وقد رواه الدارقطني عن حذيفة، قال:
стр. 546
قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا شعبان ثلاثين، ثم صوموا، فإن غمّ عليكم فعدوا رمضان ثلاثين، ثم أفطروا» (١)، وهذا نص قاطع لكل إشكال.
وروى علي، وأبو هريرة، عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ: أنه نهى عن صيام ستة/ أيام؛ يوم الشك، ويومي العيدين، وأيام التشريق (٢). وهذا شك.
стр. 547
والفقه فيه: أنها عبادة، فلا تجب مع الشك، دليله سائر العبادات من الحج، والصلاة، والزكاة، والطهارة.
وربما قالوا: عبادة موقوفة، فلا يجوز الشروع فيها قبل تحقق وجوبها، كالأصل، وهذا لأنه لم يوجد سوى الغيم، والغيم ليس بسبب لإيجاب صوم، وإنما غاية أثره أنه مانع [وساتر] (١) وحجاب، وإنما الدلالة على الشهر، إما هلال، أو كمال عدد، ولم يوجد مع الغيم واحد منهما.
وحرروا من هذا عبارة، وقالوا: لم يروا الهلال، ولا أكملوا العدة، فلا يجب الصيام كاليوم التاسع والعشرين، يدل عليه أن الأصل براءة الذمة من الصوم، فلا يجب إلا بقيام دليل الإيجاب، ولا سبيل إلى ذلك قبل تحقق أحد السببين، إما إكمال العدة، أو رؤية الهلال.
ومنهم من قال: شكٌ، فلا يجب الصوم معه، كما لو كان مع الصحو، وحصول الشك في الصحو أن يتقاعد أهل القرية عن الترائي، أو بحدوث شاغل في المصر من فتنة، أو حريق، أو ما شاكل ذلك فلم يتراءوا له، فإنه لا يجب الصوم من الغد، وإن كان جميع ما يوردونه من الاحتياط في الواجب، وبترك المحظور موجوداً يدل عليه، وهو أن المانع من طلوع الهلال تارة يكون الغيم، وتارة يكون البعد الذي تختلف لأجله المطالع، ثم البعد الذي تختلف لأجله المطالع لا يتأتى معه وصول الخبر إلا بعد فوات اليوم، لم توجبوا الصوم لأجله مع تجويزكم طلوع الهلال في الإقليم الآخر، ومجيء الخبر بذلك مع مدة يصل فيها الخبر،
стр. 548
فأين الاحتياط الذي عولتم عليه، لا سيما وإنما تقولون: يلزم من لم يره حكم من رآه وإن بعد الإقليم، واختلفت المطالع، فيجب/ عليكم إيجاب صوم كل يوم يلي ليلة الثلاثين من شعبان لأجل التجويز من غير تخصيص لذلك بالغيم؛ بل ترك الترائي لعائق، وعدم الرؤية لبعد، وتعذر الخبر لئلا يفطروا يوماً من رمضان، وكما جوزتم، أو قدرتم كونه تحت الغيم، جوزوا كونه بالبعد في جو من الأجواء، وهذا قاطع.
يدل عليه أن الشك العارض بالغيم ليس [بأدل] (١) من الشك العارض بشهادة من رد الحاكم شهادته، ثم هناك لا يوجب، كذلك الغيم؛ لأن كل واحد منهما يخيل أن الهلال طلع.
يدل عليه: أن المطمور (٢) يستظهر بالتأخير خوفاً أن يقدم، وإن كان التأخير قد يخرجه عن رمضان، فلا وجه لإيجاب التقديم هاهنا، وهما سواء في الحائل، هذا آخر كلامهم.
الجواب عن احتجاجهم:
أما الأحاديث:
قوله: «لا تقدموا الشهر» (٣)، والذي بعده لا حجة فيها؛ لأنها لم تخرج في الصحاح، فلا يترك به ما أخرج فيها، على أنه محمول عليه إذا غمّ الهلال في آخر شعبان، وآخر رمضان؛ فإنا نعد حينئذٍ شعبان ثلاثين، ورمضان ثلاثين.
فإن قيل: لا يصح هذا لوجهين:
أحدهما: أنه قال «فعدوا شعبان ثلاثين، ثم صوموا» (٤)، فيقتضي بأن يكون الصوم يتعقبه عدد شعبان ثلاثين.
стр. 549
والثاني: أن ما ذكرتم يفضي إلى أن يصوم رمضان إحدى وثلاثين.
قلنا: هذا لا يصح؛ لأنا نحمل قوله: «فعدوا شعبان ثلاثين، ثم صوموا» (١)، أراد به اليوم الأخير إذا غمّ رمضان، وهو يوم الحادي وثلاثين.
وقولهم: يفضي إلى صيام أحد وثلاثين.
قلنا: يجوز مثل ذلك الاحتياط، كما إذا شك في صلاة من يوم، احتاط فصلى خمساً، وكما يحتاط فيغسل ما فوق المرفق، وفوق الكعب احتياطاً.
وأما نهيه عن صيام يوم الشك.
قلنا: قد أجاب إمامنا ﵁ عن ذلك فقال:/ الشك على ضربين، يوم الشك في الصحو، وهو أن يتتارك الناس الترائي للهلال، أو يخبر برؤيته واحد فاسق، فهذا كله يورث شكّاً، ولا يجوز الصوم، فحمل النهي عليه، ويكون الشك في الغيم، فيجب الصوم تحرياً (٢)، وفي ذلك جمع بين الأخبار، وهو أولى من الأخذ ببعضها، واطراح البعض، أو نحمله على الصوم عن غير رمضان، إما نفل، أو قضاء، أو نذر، أو كفارة بدلائلنا التي تقدمت.
أما قولهم: عبادة، فلا تجب مع الشك؛ باطل بالمسائل التي قدمناها؛ فإنها تلزم مع الشك.
الثاني: أن الصلاة هو الحجة؛ لأنه إذا تحقق أنه قد مضى من الوقت مالم يبق من مستقبله إلا ما يفعل فيه الصلاة أو يخرج الوقت، وجب فعلها، ولا يبلغ التأخير إلى حد يجوز معه فواتها، على أنا نقول: هذا باطل بالوقوف بعرفة، تقفون ما يجوز أن يكون ثامناً، وما يجوز أن يكون تاسعاً احتياطاً؛ ولأنه لما لم يجز تقديم الصلاة مع التردد في دخول الوقت؛
стр. 550
لأن فعلها قبل الوقت ليس باحتياط؛ لأنها تفوت بالتقديم كما تفوت بالتأخير، ومعنى الفوات: أنها لا تصح، ولا تسقط ما في الذمة، ويكون تقديمها دون تأخيرها؛ لأنها لا تصح فرضاً، وفي التأخير يسقط الفرض بحكم أنها تقع قضاء، فأما الصوم؛ فإنه إن صام يوماً من شعبان لم يقدح في العبادة، وإن أفطر يوماً من رمضان قدح في العبادة، ولأن تأخير الصلاة ترك يجبره الفعل فيما بعد الوقت بالقضاء، وتأخير الصوم يفضي إلى مواقعة الفطر بالأكل والجماع في يوم من رمضان، وفعل المحظور إذا أمكن الاحتراز منه لم يجز الإقدام عليه؛ لأنه لا يمكن تلافيه بعد وقوعه.
قولهم: الغيم ليس بسبب.
قلنا: مسلّم، لكن الزمان سبب صالح،/ والغيم محيل بيننا وبين دليل، فيوقع الفعل لإزالة الشك، وتحصيل يقين أداء ما وجب من تكميل الشهر.
ولهم أن يقولوا: إنما يكون الاحتياط بعد الوجوب، فأما بفعل يخاف أن يكون قد وجب مع جهلنا بوجوبه، فليس لنا في الشريعة مثله، فإن جعلتم التسع وعشرين شهراً كاملاً، فلا وجه لتوقع الهلال ولا عبرة به، كما لو كملت العدة ثلاثين يوماً، والذي يوضح هذا أنا لا نقدم على إيجاب دون بلاغ الرسالة، وثبوت المعجزة، فإذا كان أصل الخطاب لا يثبت مع الجهل، فكيف يثبت وجوب أعيان العبادات مع الجهل.
وأما التحرير، وقولهم: لم يروا الهلال، ولا أكملوا العدة.
قلنا: باطل بصوم الأسير المحبوس بالتحري، وأما الأصل فذاك تيقن كونه من شعبان، وهاهنا بخلافه.
وأما تمسكهم باستصحاب الحال؛ فإنه يصح التعلق به مع سلامة الحال، أما مع هذا الحال فلا يصح التمسك به، وقد بينا تغير الحال، والدليل الصالح لشغل الذمة على ما مر.
وأما قولهم: شكٌ، فلا يلزم الصوم.
стр. 551
قلنا: يلزم عليه آخر شهر رمضان إذا غمّ الهلال، فإنه شك، ويلزم معه الصوم؛ لأن الظاهر عدمه؛ إذ لو كان لشاهده الناس؛ فإن الحرص على رؤيته متوفر؛ إذ لا يتفق الكل على ترك الترائي؛ إذ لا يتفق الكل في العذر، فلو رأى لأخبر به، وقل أن يتفق مثل هذا العارض، فلا يؤدي إلى الإسقاط، والغيم عام الوجود في الشتاء، والفصلين، فيفضي إلى ترك الصوم، والإخلال به إذا تجنب صومه مع الغيم، ولهذا غلَّب أبو حنيفة الصوم في إيجابه بشهادة الواحد في الغيم، ولم يغلِّب الصوم بشهادة الواحد في الصحو (١) لهذه العلة، وأن الغالب/ في الصحو اشتراك العدد الكثير في الرؤية، وفي الغيم قد يلوح الواحد في بقعة من الجو مخصوصة يطلع فيها الهلال بين غيمين، ثم يطبق دونه الغيم.
وأما البعد؛ فإنه يوجد في كل مكان بالإضافة إلى غيره من البلاد، فلو أوجبنا الصوم لأدى إلى تقديم الصوم على الشهر أبداً، وذلك منهي عنه شرعاً، حيث قال: «لا تقدموا الشهر باليوم، واليومين» (٢)، فلا يبقى لنا محل للنهي إذا قدمنا في كل شهر [لتجويز] (٣) طلوع الهلال في إقليم آخر، لم يبق إلا أنا نحمل النهي على الصحو، ونحمل تلك ما ذكرناه على الغيم، وما وصل إلينا خبره من الرؤية بتشاغله، وما لم يصل بقينا فيه على حكم الأصل.
وأما الشهادة المردودة فتلك كلا شهادة، والغيم مغطٍ، ومخيل، وليس يمنع الغيم من كون الهلال وراءه، وكلام الفاسق يرجح عندنا كذبه.
فإن قيل: قد تكرر قولكم: الأحوط للصوم؛ ومعلوم أنه قد استوى في الشرع اعتقاد ما ليس بواجب واجباً، واعتقاد إسقاط ما هو واجب في التكفير إذا كان طريقه قطعيّاً، والتفسيق إذا كان طريقه موجباً للتفسيق، فالتخطئة فيما دون ذلك، فما معنى الأحوط والحال هذه؟
стр. 552
قلنا: إذا تقرر في الشرع أن المتردد بين الحظر والإباحة يغلب الحظر فيه، وإيجاب الترك، وإيجاب الفعل فيما يتردد بين الإيجاب وغيره، فقد بان أن جانب الإيجاب أرجح، وذلك واضح في العقليات؛ فإن الإنسان لا يجوز له اعتقاد الجهالات، بل يجب عليه نفيها عنه جهده، لكن متى تردد الأمر بين المضرة والسلامة في سلوك طريق، أو تناول/ طعام، أو شراب كان الترك في العقل هو الموجب للاحتراز، والاحتياط، ولا يقبح التحرز من حيث كان اعتقاد جهالة؛ لأنه ما اعتقد إثبات الضرر، لكن احترز من وقوع الضرر لتجويزه، وكما أن دفع الجهل واجب، تحرز العاقل من المضر أوجب، فرجح بهذا جانب الأحوط، وبطل ما ذكرتم من التسوية مع التردد، وبأن التسوية حاصلة مع عدم التردد، وإنما نمنع أن نعتقد وجوب ما لم يتردد، أو اعتقاد نفي وجوب ما تحقق وجوبه، ولم يتردد، كالذي يكفر باعتقاده، وأما المتردد فلا يكفر، ولا يفسق باعتقاده وجوبه الاحتياط، فبطل ما قالوه، وصح ما قلنا، والله أعلم.
стр. 553
مسألة
يجزئ لصوم شهر رمضان نية واحدة من ليلته لجميعه عندنا في إحدى الروايتين (١)، وهي قول مالك (٢).
والثانية: يشترط لكل يوم منه نية على حدة (٣)، وهي قول أكثرهم (٤).
وأصل المسألة: أن رمضان عندنا في حكم العبادة الواحدة، وعندهم في حكم العبادات.
لنا:
قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٥)؛ الله أوجب الصوم على مَنْ شهد الشَّهر، والصّوم في اللغة: عبارة عن الإمساك، وفي الشرع: عبارة عن الإمساك مع النية، فإذا نوى أو مسك، فقد وجب منه ما اشتمل عليه الأمر، فوجب القول بصحته، والإجزاء.
و ـ أيضاً ـ ما روى البخاري بإسناده عن عمر بن الخطاب عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنَّه قال: «إنما الأعمال بالنِّيات، ولكلِّ امرئ ما نوى» (٦)، وهذا قد نوى صوم جميع الشهر، فكان له ما نواه بظاهر الخبر، فلا يترك ظاهره إلا بدلالة.
و ـ أيضاً ـ ما روى القاضي ﵀ عن الرفاعي بإسناده عن عبد الله قال:
стр. 554
قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «يا أهلَ رمضان، إنّه قد دخل عليكم هذا الشّهرُ المبارك،/ فقدِّموا فيه النّية» (١)، وهذا إشارةٌ إلى تقديم النّية للشهر جميعه، والأمرُ يدلُّ على الإجزاءِ.
والفقه في المسألة: أنّا نقولُ: أوقع المكلَّفُ النّية لصوم الشّهر المفروض بأصْل الشَّرع في رمضان، يصلُح جنسُه لنّية الصوم من غير أن يتخلل النية والصيام المنوي زمانٌ يصلح جنسه لصوم سواه فصح؛ كما لو نوى في كل ليلة منه ليومها.
أو نقول: نوى لصوم رمضان في ليلته فصحَّ؛ كما لو نوى في كلِّ ليلةٍ ليومِها، وحرَّر بعضهم عبارةً، فقال: النية عزيمةٌ وُجِدَتْ منه على مَعْزوم، يصحُّ العزمُ عليه، من عازم يصحُّ منه العزم، في وقتٍ يصحُّ فيه العزم، فوجب أن يصحَّ؛ كالأصل؛ وهذا لأنه لم يبقَ مانعٌ مع هذه الأوصاف إلا ما يتوهمه قومٌ من تَخلُّل الليالي خلالَ الأيام والليالي، لا ينافي ابتداء النية، بدليل أنها تعقدُ لإدوامها؛ لأنها تمتد فيه حكماً من أول الليل إلى آخره، ويتعقب النية ما ينافي الصوم من الأكل والشّرب والجماع.
ومن أصحابنا مَنْ قال: النيّة للصوم قد صح إيقاعُها على وجه يتخلل بينها وبين الصوم زمانٌ ينافي الصوم، وهو اللّيل، وفعل محرم مثلُه للصوم، وهو الأكلُ والشُّرب والجماع، ولا يقطع حُكمَها عنه (٢).
وعلى مذهب أبي حنيفة تتأخَّر النيّة عن الصوم (٣)، ويرْجِعُ حكمُها إلى ما سبقَ من الإمساك؛ انعطافاً على ذلك الإمساكِ، وهذا حُكْمٌ يختصُّ فيه الصوم دون سائر العبادات البدنية والمالية، فجاز أن يشتمل نيته الواقعة في أول جميعه، وأن يخلَلَ بين أيامه ليالي؛ لأنَّ الليل جنس واحد، فإذا لم يقطع بين نية لصوم يومٍ وبين ذلك اليوم، لم يقطع بين صيام أيام جميع الشهر.
стр. 555
فإن قيل:/ الحاجةُ تدعو إلى ذلك في كلِّ يومٍ؛ لأجل أن النوم قد يغلب، والنسيان قد يَعْرِضُ، فوسع محل النية لهذه العلة، فأما جميع الشهر فلا حاجة بنا إلى تقديم النية لصيامه، بل يوسعه محل النية لكل يوم أغنى عن هذا التقديم.
قلنا: إنْ وَرَدَ هذا من حنفيٍّ فإنه لم يقنع بتوسعة جميع الليل حتى ضم إليه قطعة من النهار إلى ما قبل الزوال (١)!، وإنْ وَرَدَ من شافعيٍّ لم يصح التعليلُ في النية بمثل هذا؛ فإنهم إن عللوا بما يخاف منه نسيان، وسهوٌ، ونوم، فقد اعتبروا مقاربة النية لتحريمة الصلاة [مع ما] (٢) يلحقهم من المشقة في حصوله، على أن شواهد الأحوال على المحرمين حاصلة في جميع أفعال الحج وأنساكه، وإجزاء المحرم نية واحدة.
طريقة أخرى: أنا نقول: رمضان عبادة واحدة، فأجزأ فيه نية واحدة، كالصلاة الواحدة، أو اليوم الواحد، وهذه جملة لا نزاع فيها، وأنَّ العبادةَ (٣) تجزئ فيها نية واحدة ـ إنما الشأن في إثبات كونه عبادةً، فنقول: الدليل على ذلك أنه مُتّحِدٌ من حيث الأمر؛ فإنَّ الله ـ تعالى ـ أمر بصوم الشّهر بأمر واحد، وهو شهر واحد، وحرمتُه واحدة، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٤)، والشَّهرُ اسمٌ لجميعِ زمانِه، فالخِطاب يقتضي إيجادَ الصوم من أوّل الشّهر إلى آخره، الليالي والأيام جميعاً، إلا أنه ليس ذلك في طوق البشر، فأباح الشرع الأكل في الليالي، نظراً للعباد، وترحماً عليهم، يدلّ عليه أنَّ زمانه لا يقبل عبادة من جنسه، وكذلك إذا طلع هلاله، وحاضت المرأة لزِمَها برؤية هلاله جميعه، حتى تجب قضاء أيام حيضها لإدراك محلّه، وإن كان/ الحيض منافياً لأداء الصوم، لكن جعل إدراك الشهر نفسه موجباً لجميعه، ولو كان كالعباداتِ لصامَ ما أدرك منها، ولم يلزم قضاءُ ما لم يدركه لوجود المنافي كالصَّلوات.
стр. 556
يدل عليه: أن النية من أوله إنما هي لصوم نهاره، فصارت الليالي المتخللة كالعدم؛ لأنها مرفق للصوم.
ولا يقطع حكم النية عن نهار يومٍ بعد يوم، كما لا يقطع الأكل، والشرب، والجماع ما بين نية الصوم من أول [مرفقٍ] (١) للصوم للتقوِّي به عليه، فخرج بكونه مرفقاً أن يكون قاطعاً، وكما لم يقطع التَحلُّل الأول بفعل المحظورات ما بين الإحرام ـ وهو نية الحج ـ وبين ما بقي من أفعال الحج بعد التحلل الأول، ولم يجعله في حكم العبادتين، بل بنى آخره وباقيه على أوله في حكم النية.
احتجوا:
بما روى الدارقطني بإسناده عن حفصة (٢) عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «من لم يُجمِع الصّيام من اللّيل، فلا صيام له» (٣)، وبإسناده عن عائشة عن النَّبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «من لم يُبيّت الصّيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له» (٤)، وبإسناده عن ميمونة بنت سعد أنّها
стр. 557
سمعت النبي ـ صلَّى الله عليه ـ يقول: «من لم يُجمع الصيام من اللّيل، فلا صوم له» (١)، فوجه الدلالة أنه نفى جنسَ الصيام بنفيِ النيَّة من جنسِ الليل، وهذا يرجع إلى جملة الليل لجملة النهار.
والفقه فيه: أنها عبادة تُؤدَّى وتُقضى، فكان عدد النية في أدائها، كعددها في قضائها، دليله: الصلوات.
والتحقيق لهم: أن كلّ يوم من رمضان عبادة منفردة، بدليل أنه يتخللهما زمان لا يقبل الصوم، وفساد أحد اليومين لا يعود بفساد اليوم الآخر، وتجتمع في أيام الشهر رخصة/ وعزيمة، وكذلك يدخل ثلاثين دخولاً، ويخرج ثلاثين خروجاً، وهذا يدل على أنه عبادات، فافتقر إلى نيات بعددها كالصلوات الخمس، وصوم الشهرين المتتابعين.
يدل عليه: أنّ عندكم إذا وطئ في يومين من رمضان؛ فإنه يجب لكل يوم كفارة (٢)، ولو كان عبادة واحدة لما وجب به إلا كفارة واحدة كاليوم الواحد، وكذلك المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر، لا يجب عليه عندكم قضاء ما فات (٣)، ولو كان عبادة واحدة لوجب، وبالإجماع الصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم، وقد مضى من رمضان أيام، فإنه لا يجب عليهما قضاء ما فات، ولو كان عبادة واحدة لوجب كما لو وجدت هذه الأشياء في أثناء يوم.
стр. 558
الجواب:
أما الأحاديث فلا حجة فيها؛ لأنها واردة لبيان زمان النية، وهو الليل فقط من غير تعريض لتعدد النية، ولا توحدها.
أما تعلقهم بالقضاء فلا يصح؛ لأن قضاءها مخلفٌ لأدائها، وكذلك إذا كان زمان القضاء عبادةً من جنسها يتخللها، وزمن الأداء لا يقبل سواها.
أما قولهم: بأنه عبادات.
قلنا: لا يسلم؛ بل هو عبادة واحدة على ما مرّ بيانه، فأما تخلله من الليل، وفساد كل يوم يخصه من المفسِد الذي يصادفه من غير تَعَدٍّ، فلا يمنع من كونه عبادة واحدة، كالحج؛ فإن اشتماله على أنساك مختلفة، كالطواف، والسعي، والرمي، لو أبطل الطواف بحَدَثٍ، أو كشف عورة على قول من يرى وجوب الاستتار فيه، ويجعله كالصلاة تبطل في نفسه بالحدث، ولا يتعدى إبطاله إلى السعي ولا الرمي، ولا يدل على أن الحج عبادات منفردة؛ لأن الصوم مجموع إمساكٍ مخصوص عن أشياءَ مخصوصةٍ، وهي الأكل، والشرب، والجماع، وذلك الإمساك لا يتم/ عبادةً إلا بنيةٍ، ولو قدّم النية من أول الليل عن الإمساك، وفعل بين النية والإمساك ما ينافي الصوم من الأكل، والشرب والجماع، لم يقطع ذلك النية عن الإمساك، والنية إلى الإمساك أقرب من يوم إلى يوم، ومن ركعة من الصلاة إلى ركعة؛ لأن النية ركن، وصفه الإمساك، ولا يستدل بعدم فسادها بما يتخلل بينها وبين الإمساك من مفسدات الصوم على أنها عبادة مفردة عن الإمساك.
ولأن الإمساك عبادة مفردة عن النية، وكذلك لا يستدل على نفي فساد يوم بفساد آخر، على أن صيام الأيام عبادات منفردة.
وأما اجتماع الرخصة والعزيمة، فباطل بالطهارة؛ ترخص في القدمين بالمسح على الخفين رخصة، وبغسل بقية الأعضاء عزيمةً، وهي عبادة واحدة، والحج يجتمع فيه رخصة، وهو التعجل، والتأخير في الرمي، والحلق قبل الخروج منه، والعزائم بأنساكها كلّها، وهو عبادة واحدة.
فما المانع أن يكون في مسألتنا اجتماع الرخصة والعزيمة لا يدل على كونه عبادات. والله أعلم.
стр. 559
مسألة
إذا نوى المقيم الصوم، ثم سافر في أثناء النهار، جاز له الفطر عندنا في إحدى الروايتين (١)، وهي قول الشعبي، والحسن البصري، وإسحاق، وابن المنذر (٢).
والثانية: لا يجوز له الفطر (٣)، وهي قول أكثرهم (٤).
الأوّلة:
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥)، وتقديره: فأفطر فعدّةٌ، وهذا عام فيمن سافر في أول النهار، أو في أثنائه، فهو على عمومه، وشموله إلا ما خصه الدليل.
فإن قيل: المراد به من كان مسافراً فله أن يفطر لأجل السفر، وهذا حين الخطاب كان مقيماً على أن هذه الآية/ إنما وردت لبيان السفر سبباً للإفطار (٦) في محلٍّ يجوز، وفي أي محلٍّ لا يجوز، وليس في الآية.
قلنا: الشرع [أباح] (٧) الفطرَ بشرط السفر، وقد وُجِد ذلك.
و ـ أيضاً ـ ما روى مسلم في «صحيحه» (٨) بإسناده، عن جابر،
стр. 560
أن رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، وصام وصمنا معه حتى بلغ كُراع الغميم (١)، فقيل: إنّ الناس قد شق عليهم، وإنما ينظرون ما تفعل، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، وشرب والناس ينظرون إليه، فأفطر الناس. وهذا نصٌّ، وقد أخرجه أبو عيسى، وأبو عبد الرحمن، وابن خزيمة (٢)، والسالحيني (٣).
وروى البخاري، ومسلم بإسنادهما (٤)، عن ابن عباس، أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ خرج عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكَدِيد (٥)، أفطر وأفطر الناس معه، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ. وهو نصٌّ ـ أيضاً ـ.
стр. 561
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أمر بالخروج عام الفتح لليلتين من رمضان، فخرجوا صواماً حتى بلغنا الكديد، فأمرنا رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ بالفطر. أخرجه مسلم، وأبو داود، وابن خزيمة (١).
فإن قيل: لا حجة فيما ذكرتم من الأخبار؛ لأن بين المدينة وبين كراع الغميم مسيرة مراحل، وإذا كان كذلك احتمل:
أن يكون ابتدأ الفطر في السفر، عند بلوغه كراع الغميم.
الثاني: أنه ليس فيه أنه خرج صائماً صوم رمضان، ولا فيه أن بلاغه إلى كراع الغميم كان نهاراً ولا صائماً، بل يجوز أن يكون خرج صائماً لا صومَ رمضان، أو صائماً صوم رمضان؛ لأنه بلغ كراع الغميم فابتدأ الفطر من أول يوم لم يصبح فيه/ صائماً، فبين الرخصة في أول ذلك اليوم.
الثالث: يحتمل أنه أفطر لمرض، أو عطش خاف به على نفسه، وهي قضية عيْنٍ، وحكايةُ حالٍ، فإذا احتملت وقفت، فلا يؤخذ منها جوازُ الإفطار في يوم شُرِعَ في صومه عن رمضان، فلا وجه له من الخبر.
قلنا: هذا دعوى مَنْ قال إِنَّ بينهما مراحل، وخبر جابر أنه سار إلى كراع الغميم، فشقّ على الناس، فأفطر بعد العصر، وهذا مقدار ما بينه وبين المدينة؛
стр. 562
وعليه فُسِّرَ قوله ﵇: «لو دعيت إلى كُراعٍ لأجبتُ» (١)، ومعناه: لو دُعيت إلى مسافة مرحلةٍ لأجبت.
وكذلك الكديد، روى ابن قتيبة عن جندب الهجيمي، قال: بعث رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ غالب بن عبد الله إلى مَنْ بالكديد، فنزلنا عليهم عُشَيْشِية (٢). قال ابن قتيبة: هو تصغير عشية (٣).
وهذا موافق لخبرِ جابر، وأن الكديد وكراع الغميم [متقاربان] (٤)، وبينهما وبين المدينة مسيرة مرحلة، من الفجر إلى العصر، وهي عشيشية، يدل عليه أن الفطر في السفر كانوا يعلمون بإباحته، قبل عام الفتح بسنين؛ لأن نزول البقرة قبل ذلك، فلماذا شكوا إليه مشقة الناس، فانتظروا ما يفعل من الفطر؛ فدلّ على أنّ ذلك كان في يوم خرجوا فيه صياماً، فأشكل عليهم حتى بيَّنَ لهم ﵇ بفعلِه وأمرِه.
ولهذا قال ابن عباس: كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث (٥).
وفي رواية ابن جريج: بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ (٦)، وهذا يدل على أن المراد بالإخبار في اليوم الواحد؛ لأنهم دخلوا فيه في الحضر، وكان بذلك يحرم عليهم الخروج حتى بيَّن لهم جواز الخروج، فكان ذلك ناسخاً،/ وإلا فلَمْ يرد بأنه أمرهم بالصوم في السفر ابتداءً قط، حتى كون أمره بالإفطار حدثَ بعد ذلك فإن فريضة الصوم إنما هي بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٧)، والمراد به ـ والله أعلم ـ:
стр. 563
ومن شهد الشهر في أهله، وعقّب ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١)، فبان أنّ المراد بالإخبار ما ذكرنا.
وقولهم: ليس فيه أنه خرج صائماً [من] (٢) رمضان.
غلط؛ لأن قوله: «خرج صائماً حتى إذا بلغ كُراع الغميم»، يعطي ظاهره امتداد الصوم إلى حين الفطر هنا حكم الغاية أبداً، ألا تراهم يقولون: «خرجت راكباً حتى إذا بلغت الثنية الفلانية تَرَجَّلْتُ»، فلا يُعطي ذلك إلا امتداد الركوب إلى حين ترجل في الغاية التي جعلها غايةً للسير، ولا يجوز إضمار العدد، وأن الإفطار كان لأجل عذر غير السفر؛ لأنه لو كان لأجل عذر يخصه لم يرفع إناءه فيعرفه من لا عذر له، [وإلا] (٣) كان ذلك [تلبيساً] (٤)، وأنها مراءة (٥) تشريع، لا لسبب غير السفر، وإنما الظاهر أنه رفع إناءه و [فسّر] (٦) إظهار الرخصة والسفر ليعمّ بها كل من صحبه وشاركه في ذلك العذر العام، ولأنه لما بلغه أن قوماً صاموا سماهم عصاةً، ولو لم يكن لأجل السفر الذي يعم لما سماهم عصاة؛ لأنه لا يستحب أن يفطر معه لعذر يخصه مَنْ ليس له مثل ذلك العذر.
والفقه في المسألة أنا نقول: السفر عذر لو وُجِد قبل الفجر أباح ترك الصوم، فإذا وُجِد في أثناء النهار أباح ترك الصوم؛ دليله المرض، وهذا صحيح؛ فإن الله ـ تعالى ـ قرَن بين المرض والسفر في جواز الإفطار إلى عدة من أيام أُخر، فدلّ على استوائهما، يدل عليه أن السّفر إنما جُوِّز/ الفطر فيه لأجل المشقة، وهذا المعنى موجود فيه إذا سافر في أثناء النهار، فينبغي أن يبيح لأجل وجود المشقة.
стр. 564
يدل عليه: أنه لو سافر فإنه تُباح له الرخص، فلو قَدِمَ مُنع من التّرخص من الأكل والقصر والجمع اعتباراً بالحالة الثانية، [فـ] (١) جاز أن يكون إذا كان مقيماً لا يجوز له الفطر، فإذا سافر أبيح له اعتباراً بالحالة الطارئة.
يدلّ عليه: أنّ أبا حنيفة قد قال: لو وطئ في هذا اليوم لم يجب الكفارة (٢)، فدلّ على أنّ صومه غير متحتم كاليوم الذي مرض فيه.
فإن قيل: ليس إذا استويا في الابتداء يجب أن يستويا في الاستدامة، بدليل أنّ السفر والمرض يستويان في الابتداء؛ هذا يبيح قصر الأركان أعني المرض، والآخر يبيح قصر الركعات وهو السفر، لو طرأ على صلاة مقيم لم يقصر الركعات، ولو طرأ المرض على صلاة صحيح فإنه يقصر الأفعال، فقد استويا في الابتداء في باب الصلاة وما استويا في الاستدامة.
والمعنى في المرض أنه وُجد في حقه بغير فعله؛ فهو أبلغ في العذر من السفر الذي يحصل بفعله.
قلنا: يجوز أن يستوي حال الابتداء والدوام في مسألتنا، وإن اختلفا في باب الصلاة؛ لأن الصلاة آكد من غيرها من العبادات، ولذلك إذا نوى المسافر الإتمام تعين عليه الإتمام، ولو نوى في السفر الصيام لم يتعين عليه إتمامُه، ولإتمام الصلاة طريق آخر، وهو: اتباعه لصلاة المقيم، ولأن المرض والسفر سواء عندكم؛ لأنكم تقولون في المرض بقطع التتابع (٣) كالسفر،
стр. 565
وإن افترقا من هذا الوجه، ولأن السفر المبيح للفطر موجود في حقه؛ فوجب أن يبيح كما لو وجد من أول اليوم، ولأن أبا حنيفة/ قد قال: لو وطئ في هذا اليوم لم تجب الكفارة (١)، فلم يمتنع الفطر كالمعذور.
وأما قولهم: إن المرض وجد من غير فعله.
قلنا: هذا لا يوجب الفرق بينهما في باب الاستدامة، كما لم يوجب الفرق بينهما في باب الابتداء، وقد أجمعنا على أن السفر والمرض إذا [وجدا] (٢) من أول النهار أباحا ـ وإن كان أحدهما من فعله، والآخر عذراً لا من فعله ـ، كذلك الاستدامة، ثم يلزم إذا أكره على السفر فسافر؛ فإنه وجد بغير فعله، ثم لا يجوز له الإفطار عندكم، فسقط ما قالوه، ثم تبطل عليهم به إذا شرب دواءً فمرض؛ فإنه بفعله حصل المرض، ثم يجوز له الفطر.
ومن مشايخنا من فرض الكلام فيه إذا سافر قبل الزوال، وقت لنية الفرض، فنقول: وقت لنية الصوم، وكان الفطر لأجل السفر، كما لو سافر قبل طلوع الفجر.
احتجوا:
بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣)، وهذا قد شهد الشهر فلزمه الصوم.
وبقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٤)، وهذا قد يلبس بعمل، لا سيما وهو واجب عليه، فلا يجوز له إبطاله.
والفقه فيه: أنها عبادةٌ تختلف بالسفر والحضر، فإذا تلبَّس بها في الحضر، ثمَّ سافر غلب حكم الحضر، دليله: الصلاة، والمسح على الخفين،