وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أمر بالخروج عام الفتح لليلتين من رمضان، فخرجوا صواماً حتى بلغنا الكديد، فأمرنا رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ بالفطر. أخرجه مسلم، وأبو داود، وابن خزيمة (١).
فإن قيل: لا حجة فيما ذكرتم من الأخبار؛ لأن بين المدينة وبين كراع الغميم مسيرة مراحل، وإذا كان كذلك احتمل:
أن يكون ابتدأ الفطر في السفر، عند بلوغه كراع الغميم.
الثاني: أنه ليس فيه أنه خرج صائماً صوم رمضان، ولا فيه أن بلاغه إلى كراع الغميم كان نهاراً ولا صائماً، بل يجوز أن يكون خرج صائماً لا صومَ رمضان، أو صائماً صوم رمضان؛ لأنه بلغ كراع الغميم فابتدأ الفطر من أول يوم لم يصبح فيه/ صائماً، فبين الرخصة في أول ذلك اليوم.
الثالث: يحتمل أنه أفطر لمرض، أو عطش خاف به على نفسه، وهي قضية عيْنٍ، وحكايةُ حالٍ، فإذا احتملت وقفت، فلا يؤخذ منها جوازُ الإفطار في يوم شُرِعَ في صومه عن رمضان، فلا وجه له من الخبر.
قلنا: هذا دعوى مَنْ قال إِنَّ بينهما مراحل، وخبر جابر أنه سار إلى كراع الغميم، فشقّ على الناس، فأفطر بعد العصر، وهذا مقدار ما بينه وبين المدينة؛
стр. 562
وعليه فُسِّرَ قوله ﵇: «لو دعيت إلى كُراعٍ لأجبتُ» (١)، ومعناه: لو دُعيت إلى مسافة مرحلةٍ لأجبت.
وكذلك الكديد، روى ابن قتيبة عن جندب الهجيمي، قال: بعث رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ غالب بن عبد الله إلى مَنْ بالكديد، فنزلنا عليهم عُشَيْشِية (٢). قال ابن قتيبة: هو تصغير عشية (٣).
وهذا موافق لخبرِ جابر، وأن الكديد وكراع الغميم [متقاربان] (٤)، وبينهما وبين المدينة مسيرة مرحلة، من الفجر إلى العصر، وهي عشيشية، يدل عليه أن الفطر في السفر كانوا يعلمون بإباحته، قبل عام الفتح بسنين؛ لأن نزول البقرة قبل ذلك، فلماذا شكوا إليه مشقة الناس، فانتظروا ما يفعل من الفطر؛ فدلّ على أنّ ذلك كان في يوم خرجوا فيه صياماً، فأشكل عليهم حتى بيَّنَ لهم ﵇ بفعلِه وأمرِه.
ولهذا قال ابن عباس: كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث (٥).
وفي رواية ابن جريج: بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ (٦)، وهذا يدل على أن المراد بالإخبار في اليوم الواحد؛ لأنهم دخلوا فيه في الحضر، وكان بذلك يحرم عليهم الخروج حتى بيَّن لهم جواز الخروج، فكان ذلك ناسخاً،/ وإلا فلَمْ يرد بأنه أمرهم بالصوم في السفر ابتداءً قط، حتى كون أمره بالإفطار حدثَ بعد ذلك فإن فريضة الصوم إنما هي بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٧)، والمراد به ـ والله أعلم ـ:
стр. 563
ومن شهد الشهر في أهله، وعقّب ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١)، فبان أنّ المراد بالإخبار ما ذكرنا.
وقولهم: ليس فيه أنه خرج صائماً [من] (٢) رمضان.
غلط؛ لأن قوله: «خرج صائماً حتى إذا بلغ كُراع الغميم»، يعطي ظاهره امتداد الصوم إلى حين الفطر هنا حكم الغاية أبداً، ألا تراهم يقولون: «خرجت راكباً حتى إذا بلغت الثنية الفلانية تَرَجَّلْتُ»، فلا يُعطي ذلك إلا امتداد الركوب إلى حين ترجل في الغاية التي جعلها غايةً للسير، ولا يجوز إضمار العدد، وأن الإفطار كان لأجل عذر غير السفر؛ لأنه لو كان لأجل عذر يخصه لم يرفع إناءه فيعرفه من لا عذر له، [وإلا] (٣) كان ذلك [تلبيساً] (٤)، وأنها مراءة (٥) تشريع، لا لسبب غير السفر، وإنما الظاهر أنه رفع إناءه و [فسّر] (٦) إظهار الرخصة والسفر ليعمّ بها كل من صحبه وشاركه في ذلك العذر العام، ولأنه لما بلغه أن قوماً صاموا سماهم عصاةً، ولو لم يكن لأجل السفر الذي يعم لما سماهم عصاة؛ لأنه لا يستحب أن يفطر معه لعذر يخصه مَنْ ليس له مثل ذلك العذر.
والفقه في المسألة أنا نقول: السفر عذر لو وُجِد قبل الفجر أباح ترك الصوم، فإذا وُجِد في أثناء النهار أباح ترك الصوم؛ دليله المرض، وهذا صحيح؛ فإن الله ـ تعالى ـ قرَن بين المرض والسفر في جواز الإفطار إلى عدة من أيام أُخر، فدلّ على استوائهما، يدل عليه أن السّفر إنما جُوِّز/ الفطر فيه لأجل المشقة، وهذا المعنى موجود فيه إذا سافر في أثناء النهار، فينبغي أن يبيح لأجل وجود المشقة.
стр. 564
يدل عليه: أنه لو سافر فإنه تُباح له الرخص، فلو قَدِمَ مُنع من التّرخص من الأكل والقصر والجمع اعتباراً بالحالة الثانية، [فـ] (١) جاز أن يكون إذا كان مقيماً لا يجوز له الفطر، فإذا سافر أبيح له اعتباراً بالحالة الطارئة.
يدلّ عليه: أنّ أبا حنيفة قد قال: لو وطئ في هذا اليوم لم يجب الكفارة (٢)، فدلّ على أنّ صومه غير متحتم كاليوم الذي مرض فيه.
فإن قيل: ليس إذا استويا في الابتداء يجب أن يستويا في الاستدامة، بدليل أنّ السفر والمرض يستويان في الابتداء؛ هذا يبيح قصر الأركان أعني المرض، والآخر يبيح قصر الركعات وهو السفر، لو طرأ على صلاة مقيم لم يقصر الركعات، ولو طرأ المرض على صلاة صحيح فإنه يقصر الأفعال، فقد استويا في الابتداء في باب الصلاة وما استويا في الاستدامة.
والمعنى في المرض أنه وُجد في حقه بغير فعله؛ فهو أبلغ في العذر من السفر الذي يحصل بفعله.
قلنا: يجوز أن يستوي حال الابتداء والدوام في مسألتنا، وإن اختلفا في باب الصلاة؛ لأن الصلاة آكد من غيرها من العبادات، ولذلك إذا نوى المسافر الإتمام تعين عليه الإتمام، ولو نوى في السفر الصيام لم يتعين عليه إتمامُه، ولإتمام الصلاة طريق آخر، وهو: اتباعه لصلاة المقيم، ولأن المرض والسفر سواء عندكم؛ لأنكم تقولون في المرض بقطع التتابع (٣) كالسفر،
стр. 565
وإن افترقا من هذا الوجه، ولأن السفر المبيح للفطر موجود في حقه؛ فوجب أن يبيح كما لو وجد من أول اليوم، ولأن أبا حنيفة/ قد قال: لو وطئ في هذا اليوم لم تجب الكفارة (١)، فلم يمتنع الفطر كالمعذور.
وأما قولهم: إن المرض وجد من غير فعله.
قلنا: هذا لا يوجب الفرق بينهما في باب الاستدامة، كما لم يوجب الفرق بينهما في باب الابتداء، وقد أجمعنا على أن السفر والمرض إذا [وجدا] (٢) من أول النهار أباحا ـ وإن كان أحدهما من فعله، والآخر عذراً لا من فعله ـ، كذلك الاستدامة، ثم يلزم إذا أكره على السفر فسافر؛ فإنه وجد بغير فعله، ثم لا يجوز له الإفطار عندكم، فسقط ما قالوه، ثم تبطل عليهم به إذا شرب دواءً فمرض؛ فإنه بفعله حصل المرض، ثم يجوز له الفطر.
ومن مشايخنا من فرض الكلام فيه إذا سافر قبل الزوال، وقت لنية الفرض، فنقول: وقت لنية الصوم، وكان الفطر لأجل السفر، كما لو سافر قبل طلوع الفجر.
احتجوا:
بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣)، وهذا قد شهد الشهر فلزمه الصوم.
وبقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٤)، وهذا قد يلبس بعمل، لا سيما وهو واجب عليه، فلا يجوز له إبطاله.
والفقه فيه: أنها عبادةٌ تختلف بالسفر والحضر، فإذا تلبَّس بها في الحضر، ثمَّ سافر غلب حكم الحضر، دليله: الصلاة، والمسح على الخفين،
стр. 566
وهذا لأنه قد نوى الفرض، وإذا نوى الفرض فالخروج عنه إخلال بمقتضى النية، فلا تجوز، ولهذا لا تجوز لمن شرع في صوم للقضاء، أو صلاته، أو شرع في الصلاة في أول الوقت أن يفطر، وإن كان يجوز ترك الصلاة في أول الوقت، وتأخيرها إلى آخر الوقت، لكن قيل: لا يجوز له لوجود السبب، وهو أنه قد نوى الفرض، والخروج عنه إخلال بمقتضى النية، وذلك لا يجوز، كذلك ها هنا؛ وهذا لأن طلوع الفجر عليه سبب لانحتام/ الصيام عليه، ولهذا لو وطئ قبل أن يسافر وجبت عليه الكفارة، وإذا انحتم عليه لم يجز له الفطر.
والمعتمد لهم: أنّ الأصل أن لا يجوز الإفطار في السفر، إذا لم يكن ثَمَّ مشقة مانعة من الصوم، مثل المرض، إلا أن الصوم جعل عين السفر قائماً مقام المشقة، فكان الإعراض عن المعنى، وتجويز ترك الصوم الواجب تدَرُّجاً خارجاً عن المعقول، وإذا ثبت ذلك فإنما أثبت الشرع أصل الرخص بالإفطار لمعنى كليّ، وهو كثرة الأسفار، وحاجة الناس إلى الترخص في الجملة، وإن لم يكن في حق الآحاد مثل المرض المتحقق في حق الآحاد، وإذا ثبت ذلك، فهذا الحكم متى ثبت في حق السفر المستوعب لجميع العبادة، لم يمكن إثباته في السفر الذي لا يستوعب، ونفي الأمر على الأصل فيه.
وإذا نوى الصوم، فالسبب موجود، وهو السفر المستغرق لجميع أصل العبادة، وهو يروم (١) أن يقطع حكم السبب، فلا ينقطع بفعله، وفي الصلاة لا يقول: إنه إذا نوى الإتمام وجب الإتمام فيه، وامتنع القصر، ولكن القصر لا بدّ له من نية، والأصل الإتمام، ولو أطلق كان مصروفاً إلى التام، وإنما الحاجة إلى نية القصر، فإذا لم يبق لم يثبت، وهاهنا الحاجة داعية إلى الفطر إذا استمرّ السفر، وليست الحاجة حقيقة، إنما هي عيب مقدر شرعاً، وليس يَبِين لنا أن الحاجة متى كانت داعيةً في تقدير الشرع عند استيعاب السفر،
стр. 567
كانت تلك الحاجةُ بعينها مقدرةً في السفر الذي لم يستغرق، وفي المرض الحاجة معلومةٌ، وليست مقدرةً حتى يقال: إن طريق الإلحاق في تخيل [العلّة] (١)، وموضع التقدير مسدود، إلا في مثل ما ورد به التوقيف.
/ الجواب:
أما الآية؛ فإنها غير متناولةٍ محلَّ النزاع بالإجماع، بدليل ما إذا لم ينوِ الصوم فسافر، فدل أن المراد بها من غير عذر، والسفر عذر فكان مبيحاً.
وأما قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢).
قلنا: المراد بالآية إذا كان من غير عذر، بدليل أنه قد أباح مع العذر للإبطال.
أما قولهم: عبادة تختلف بالحضر والسفر.
قلنا: هذا غلط؛ فإن الصوم لا يختلف بالحضر والسفر؛ فإنه في الحالين يفعل على صفة واحدة.
الثاني: أنّا لا نُسلِّم العلّة في الأصل؛ فإنه لا يغلّب حكم الحضر لأجل تلبسه بها فيه، فإنه لو بدأ بالصلاة عندنا في السفر، لم يجز له القصر إذا دخل عليه وقتها في الحضر؛ لأنها تستقر عليه عندنا في ذمته بدخول الوقت (٣).
وأما المسح فيغلب فيه حكم السفر في إحدى الروايتين (٤)، فبطل الدليل.
ومن أصحابنا من أجاب عن الصلاة، فقال: الصلاة آكد من الصوم في باب اللزوم، والتغليب للإيجاب والإتمام؛ بدليل: أن من نواها في السفر تامةً لزِمَتْه تامّة، والصوم لو نواه في السفر لم يتعين عليه إتمامه، و
стр. 568
كان في دوامه مخيَّراً بين الإتمام و (١) الخروج، كما لو كان مخيراً قبل أن ينويه، وشرع فيه، وهذا إنما يجيء على الشافعي.
فأما أبو حنيفة فلا يُسلِّمه؛ لأن الشروع عنده في صوم النفل منع الخروج بصوم رمضان (٢)، وأجاب عن المسح على الخفين على التسليم، فقال: الفرق بينهما أن السفر يؤثر في مقداره، كما يؤثر في مقدار الصلاة، وهو من شروط الصلاة، وأسبابها، والصوم إنما يؤثر العذر في تأخيره، لا في تقصيره وتعليله، فألحقنا المسح بالصلاة لشبهه بها، وتعلقه عليها، واقتطعنا الصوم عنها (٣).
فإن قيل:/ بل الصوم آكد؛ لأن العذر لم يؤثر في تنقيصه وتقصيره، وإنما غاية ما أثر في تأخيره وتأجيله.
قلنا: الرخصة إنما وقعت بحسب الحاجة، وحاجة المسافر إلى تقصير الصلاة، لا إلى أصل تركها؛ لأنها لا تطول، وقد قصر فعلها، فسهلت جدّاً، ليس كذلك الصوم؛ فإنه إنما يترخص به إذا أخر؛ لأن زمان السفر ليس فيه الصوم لكونه مُضعِفاً للقوى مُنْهِكاً للأبدان التي هي مورد التعب والشقاء الحاصل بالشد والترحال، فإذا غلب حكم الحضر في الصلاة مع ضعفها، فأولى أن يغلب حكم الحضر في الصوم مع تأكده.
стр. 569
فإن قيل: فالصلاة أضعف؛ لأنها جمعت فيها الرخصتان التقليل والتقصير، ثم التأخير في باب الجمع، ويصليها مقصورة مجموعة جمعاً وقصراً، والصوم آخذ بإحدى الرخصتين، وهو التأخير فقط دون التقليل والتقصير، فإذا غلب حكم الحضر في الصلاة مع ضعفها، فأولى أن يغلب حكم الحضر في الصوم مع تأكده.
قلنا: لا يجوز دعوى ضعف الصلاة مع تضيق أدائها، في الخوف وشدته، ومع التزام إتمامها بالنية، ومتابعة الإمام المقيم، وإيجاب القتل على تاركها، وإبطالها بمبطلاتها عمداً، وسهواً بخلاف الصوم.
وأما قولهم: بأن طلوع الفجر سبب لانحتام الصوم.
قلنا: الانحتام (١) مراعى، فإن وجد الصوم ولم يوجد السفر تبينا أنه قد انحتم، وإن سافر تبينا أنه ما انحتم.
الثاني: يجوز أن يكون قد انحتم الصيام ويجوز له الفطر، كما لو طرأ المرض؛ فإن الانحتام موجود ويجوز الفطر، وكذلك الصلاة إذا دخل فيها وهو صحيح تعين عليه القيام فيها/ فلو مرض جاز له الصلاة جالساً.
وأما قولهم: لو وطئ وجبت عليه الكفارة.
قلنا: لا يخلو إما أن يطأ وهو مقيم، فهناك ما وجب ما يزيل الانحتام، وإن وطئ وهو مسافر ـ وقلنا: يجوز له الفطر ـ لم تجب الكفارة، على أنه باطل بما إذا وطئ ثم مرض؛ فإن الكفارة تجب عليه عندنا (٢)، وعند الشافعي (٣) ـ وإن كان قد جاز له الإفطار ـ.
стр. 570
مسألة
الفطر في السفر أفضل من الصوم عندنا، اختاره عامة الأصحاب (١).
وهو مذهب ابن عمر، وابن عباس، وأبي نضرة الغفاري (٢)، ومن التابعين: عطاء، والزهري، وعكرمة، وسعيد بن المسيب، والشعبي، وسعيد بن جبير، ومن الفقهاء: الأوزاعي، وإسحاق (٣).
وعند أبي حنيفة، ومالك، والشافعي: الصوم أفضل (٤).
لنا:
قولُه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٥) والفطر أيسر من الصيام، فكان أفضل.
وقوله ـ تعالى ـ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ (٦)، والإفطار ألطف بالمسافر من الصيام، فكان أولى.
وقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٧).
ومن جهة الأخبار: ما روى البخاري ومسلم في «صحيحيهما» بإسنادهما،
стр. 571
عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﵇ أنه قال: «ليس من البرّ الصّومُ في السّفر» (١)، وهذا نص، ورواه الأثرم بإسناده عن ابن عمر عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ بلفظ خبر جابر سواء (٢).
فإن قيل: هذا ورد على سبب، وهو أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ كان في سفر، فرأى رجلاً عليه زحام، وقد ظلل عليه، فقال: «مَا هَذَا»؟ قالوا: صائم، فقال: «ليس من البرّ الصّيام في السّفر» (٣)، وأراد به: مَنْ شقَّ عليه.
قلنا: اللفظ أعم من سببه، فلا يقصر عليه، على أنه لو كان للمشقة، لقال: ليس من البر صوم من شق عليه، أو صوم مثل هذا، ثم هذا هو الحجة، فكأن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ يقول: إنما رخص الله في الفطر في السفر لأجل ما يلحق من المشقة، فليس من آلة الصوم في السفر، فربما أدى إلى هذا، وقد يكون معناه: هذا أمر لا بِرَّ فيه، يعني الصوم، ولا يجوز أن يعترض لما ليس فيه بِرٌّ، فيفضي إلى هذا.
/ وروى أبو بكر الأثرم بإسناده عن سعيد بن المسيب، قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «خِيارُكُم من قَصَرَ الصّلاة في السّفر، وأفطر» (٤)، ومراسيل سعيد بن المسيب حجة عند الجميع.
стр. 572
فإن قيل: معناه خياركم من اعتقد جواز الفطر، والقصر دون من لا يعتقد جواز ذلك.
قلنا: هذا خطأ؛ لأن القصر والفطر فعل، فلا يجوز أن يعبر به عن الاعتقاد، ثم الحديث عامٌّ في الجميع.
وروى عروة بن الزبير، عن أبي مرواح (١) عن حمزة بن عمرو الأسلمي (٢) أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل عليَّ جناح؟ فقال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «[هِيَ] (٣) رُخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحبّ فلا جناح عليه» (٤)، وهذا نص في أن الفضيلة في الفطر، وأن الصوم لا مأثم فيه، فهو جائز.
وروى أبو حفص العكبري بإسناده، عن ابن عمر أن رجلاً سأل النبي ـ صلَّى الله عليه ـ عن الصيام في السفر، فنهاه، فقال: إن ذلك عليَّ يسير، فقال: «أنتم أعلم باليسير أم الله؟!»، يقول الله ـ تعالى ـ:
стр. 573
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١) إِنْ الله تصدّقَ برمضان على مرضى أُمّتي، ومسافريهم؛ فأيّكم يُحبّ أن يتصدّق بصدقة فتردّ عليه» (٢)، وأقلُّ أحوال هذا الكراهيةُ.
وروى أبو حفص بإسناده عن أبي هريرة، وعبد الرحمن بن عوف، قالا: قال رسول الله: «صيام رمضان في السَّفر، كمفطره في الحضر» (٣).
و ـ أيضاً ـ ما تقدم في المسألة التي قبلها من خبر جابر أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ خرج حتى بلغ كُراع الغميم أفطر، وبلغه أن قوماً صاموا، فقال: «أولئك العصاة» (٤). أخرجه مسلم، وأبو عيسى، وابن خزيمة وأبو عبد الرحمن.
فإن قيل: فقد أجمعنا وإياكم على/ أن الصوم في السفر ليس بمعصية.
قلنا: نقول: إن الصوم في السفر مخالفة السنة، ومخالفة السنة معصية، والمعاصي تختلف، فتوصف بالمعصية بترك المكروه، كما يوصف بالمعصية بترك الواجب، على أنه قد قام الدليل على أنه غير محرم، فلا بد من حمل الخبر على فائدة، فكان حمله على الكراهة لا بد منه.
وروى السالحيني بإسناده عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ إذا خرج من المدينة قصر ولم يصم حتى يرجع (٥)،
стр. 574
وهذا إخبار عن دوام الفعل، والنبي ﵇ لا يداوم إلا على الفضيلة؛ إذَنْ يجوز أن يحصل بفعل مرة واحدة.
ومن جهة الإجماع: ما روي عن عمر، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وسعيد.
فأما عمر: فسأله رجل من بني تميم أنه صام رمضان في السفر، فأمره أن يقضيه (١).
وأما ابن عمر: فسأله رجل عن الصوم في السفر، قال: لا تصم، قال: إني أقوى على ذلك، قال: سمعت رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ يقول: «من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفات» (٢).
وأما ابن عباس، وأبو هريرة: فإنهما أمرا من صام في السفر أن يقضي (٣).
стр. 575
وروى أبوعبد الله العكبري (١) المعروف بابن بطة بإسناده، عن زيد بن حبيب، أن كليب بن ذهل أخبره عن عبيد بن جبير، قال: كنت مع أبي نضرة الغفاري صاحب رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ في سفينة في الفسطاط في رمضان فدفع، ثم قرب غداءه، ثم قال: اقترب، فقلت: ألست ترى البيوت؟ فقال أبو نضرة: أرغِبتَ عن سنة محمد ـ صلَّى الله عليه ـ (٢)؟
فإن قيل: فقد خالف على ذلك علي، وعائشة، وأنس.
فأما علي فإنه أمر بعض من كان معه في السفر بالصيام وصام (٣)، وعائشة كانت تصوم في السفر، وتصلي أربعاً (٤)، وأنس قال: من/ أفطر فهو رخصة، ومن صام فهو أفضل (٥).
قلنا: لسنا نمنع جواز الصوم، وما روي عن هؤلاء الأئمة، فنحمله على الجواز، لا أنهم قصدوا الأفضل، ومعناه صريح لفظ بالأفضل، وذم الصوم، ومبالغة، فما احتججنا به مقدم على فعل محتمل للجواز.
والفقه في المسألة أنا نقول: الصوم عبادة يؤثر السفر في حكمها، فكان الترخيص فيها أفضل، دليله: الصلاة، ونريد بالوصف أن السفر يجعله مخيراً في الصوم بعد أن كان متحتّماً عليه، فإن قال أصحاب أبي حنيفة: لا نسلم أن القصر رخصة، وإنما هو عزيمة (٦)، فيدل عليه النص من الكتاب والسنة، والمعنى ـ أيضاً ـ.
стр. 576
أما الكتاب: فقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (١)، ودفع الحرج عبارة عن الإباحة، والمباح ما يتخير فيه الإنسان بين فعله وتركه.
وأما السنة: فحديث يعلى بن أمية أنه قال لعمر ﵁: ما بالنا نقصر وقد أمِنّا؟ فقال: تعجّبتُ مما تعجّبتَ منه، فسألت النبي ـ صلَّى الله عليه ـ، فقال: «صدقة تصدّق الله بها عليكم؛ فاقبلوا صدقته» (٢)، فسمي القصر صدقةً، والرخصة والصدقة يتقارب معناهما.
وأما المعنى: فظاهر جدّاً، وذلك أن القصر ثابت بنص الكتاب، وطلب المعنى، وأحب ما أمكن، ولا يمكن تعرف معنى في إلحاق النظر سوى التخفيف؛ فإن السفر حال مشقة، والمشقة سبب للتخفيف بقوله ـ تعالى ـ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣) والتخفيف بإطلاق القصر، وقد حصل كمال التخفيف بإباحته أو بالندب إليه، فلا معنى للإيجاب والتحتم، وهو مثل إباحة الفطر سواء، ونحرر من هذا قياساً، فنقول: تخفيفٌ نِيطَ (٤) بالسفر/ فلا يكون حتماً، دليله: الفطرُ، يدل عليه من حيث الحكم أنهم قالوا: لو اقتدى المسافر بمقيم يلزمه الإتمام، وإن كان الفرض ركعتين يلزمه الإتمام، وهذا في نهاية الإشكال عليهم؛ لأن الاقتداء لم يوضع لتعيين الفرائض، يدل عليه: أنه لو كان المقتدي مؤتماً بمسافر لا يعود فرضه إلى ركعتين، فكذلك إذا كان الاقتداء من مسافر بمقيم، وجب أن لا يصير فرضه إلى الأربع؛ فإن الزيادة على الفرض المحدود، مثل النقصان منه، فإذا لم يجز أحدهما لم يجز الآخر،
стр. 577
على أنَّا نقول: كونُ القصر عزيمةً، حجةٌ عليكم في مسألتنا؛ فإنه إذا كان السفر قد أثر في إسقاطها أصلاً، ورأياً، وعدم الوجوب، فلأن يؤثر في الفضيلة في مسألتنا كان ذلك بطريق الأَوْلى.
وإن قالت الشافعية: لنا في الصلاة قولان (١):
أحدهما: أن الإتمام أفضل، وعلى هذا لا نُسلِّم، فسقط الدليل، ولو سلمنا فالصلاة تختلف في صحتها تامَّةً، مجمع على أن صحتها مقصورة، فلذلك كان فعلها على الإجماع أفضل من التغرير بها، على أن الدليل يلزم عليه المسح على الخفين؛ فإن الغسل أفضل منه، وإن كان المسح رخصةً لأجل السفر.
قلنا: أما المنع فليس بمذهب؛ لأنه القول القديم والجديد: أن القصر أفضل (٢)، فكان رجوعاً عن الأول. والعذر ليس بصحيح؛ لأنه لا فرق بينهما؛ فإن مذهب عمر: من صام في السفر يعيد، وكذلك مذهب أبي هريرة، وأحد الروايتين عن ابن عباس، وابن عمر، وهو مذهب داود، ويحتجون بخبر عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ قال: «صائم رمضان في السّفر كمفطره في الحضر» (٣)، فثبت أنه كالصلاة من غير فرق.
وأما المسح/ على الخفين فلا نسلمه في إحدى الروايتين (٤)، ونقول: هو أفضل من غسل الرجلين، فعلى هذا لا كلام، وقد ذكره بعض مشايخنا.
طريقةٌ أخرى، يقال: السفر عذر يؤثر في فعل الصلاة، فكان الأفضل الإفطار معه، دليله: المرض، ونريد بتأثير الصلاة في المرض
стр. 578
كونه يصلي جالساً وقائماً، وتأثيرها في السفر القصر بنى صحة هذا الجمع بين السفر والمرض قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١)، فجمع بين السفر والمرض، وأباح الإفطار في رمضان بوجودهما، فكان حكمهما سواء.
يدل عليه: أن الغالب من حال المسافر التعب، والنصب، والمشقة، ولهذا قال ﵇: «إن المسافر ومتاعه لعلى قَلَتٍ إلا ما وَقَى الله» (٢) يعني: مَهْلَكَةٍ، هكذا قاله أبو عبيد في «الغريب» (٣).
ويقال: السفر طائفة من العذاب، ولأجل هذه العلّة أبيح له الإفطار والقصر؛ فإنه معلول بالمشقة، وإذا كان الغالب منه المشقة فإذا تحمل وصام ربما أدى إلى الضرر أو إلى التلف، فالله ـ تعالى ـ يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٤)، وبهذا الطريق كان الأفضل للمريض الإفطار، وهو خوف الضرر، وتزايد المرض، وهو هاهنا موجود، فكانا سواء في الفضيلة.
يدل عليه: أن الصوم في السفر يحتويه المشقة الفادحة، فيفضي إلى كراهية العبادة، والتضجر بها، والملل لفضلها، فكان عليه فعلها على وجه لا يحصل به ذلك أولى، ولهذا [كرهنا] (٥) صلاة المدافع البول والغائط؛ لأن عجلته تزيل خشوع العبادة، وكذلك إذا حضرت الصلاة، وهو محتاج إلى العشاء/ فإنا نقدم حاجته إلى العشاء.
ومن مشايخنا من قال: أجمعنا على أن من كان بعرفة فالأفضل له الفطر (٦)، كذلك هاهنا.
стр. 579
فإن قالوا: إنما كان الفطر أولى حتى تتقوى على الدعاء لعرفات؛ لأن الصوم يستدرك، والدعاء لا يستدرك به إزالة المشقة اللاحقة بالسفر في ذلك الموضع.
قلنا: وهاهنا يستدرك به إزالة المشقة اللاحقة بالسفر التي لا يدركها إلا بالفطر.
الثاني: أن مثله في الصوم لا يستدرك صيام عرفة بصوم غيره، ولا حرمة غير يوم عرفة لحرمة عرفة؛ لأن صومه كفارة سنتين، ثم هذا باطل بالفطر في المرض؛ فإنه أفضل وإن كان لا يستدرك به التوفر على عبادة (١).
ومن مشايخنا من قال: الصوم في السفر مختلف في صحته (٢)، وقد روينا ذلك عن عمر، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وداود، وإذا كان مختلفاً في ذلك كان فعل الصوم في الحضر على وجه يكون [مجمعاً] (٣) على صحته أولى مما يأتي به على وجه مختلف في صحته، وهو على غير يقين من سقوط الفرض، وهذا لأن العبادات المعتبر فيها القطع، واليقين، وإلغاء الشك والتخمين.
احتجوا:
بقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤)، وهذا نص.
وروى أبو الدرداء قال: كنا مع رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ في السفر، وإن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر،
стр. 580
فما منا صائم إلا ما كان من رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ، وعبد الله بن رواحة (١).
وهذا يدل على أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ حمل على نفسه على الفضل، [ولم يفطر] (٢) للرخصة، ولا سيما مع شدة الحر؛ فإن الرسول لا يظن به أنه يترك الفضل، ويتكلف الأشق طبعاً، ويأتي بالأقل والأدون شرعاً وفضلاً،/ وهذا حديث صحيح، رواه البخاري ومسلم في «صحيحيهما» (٣).
وروى أبو داود بإسناده عن عائشة خرجت مع رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ في عمرة رمضان، فأفطرَ رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ وصمتُ، وقصرَ وأتممتُ، فقلت: يا رسول الله، أفطرتَ وصمتُ، وقصرتَ وأتممتُ، قال: «أحسنتِ» (٤). وهذا يدل على أن الفضيلة في الصوم.
стр. 581
وروى سلمة بن المحبق (١) عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ، قال: «من كانت له حمولة تأوي به إلى شِبع، فليصم رمضان حيث أدركه» (٢)، وهذا عام.
والفقه فيه: أنه أدى عبادة في وقتها، فكان أفضل من تأخيرها، دليله: الصلاة، وهذا لأن العبادة أفضل من العادة، وقهر الهوى بالعبادة أفضل من اتباع الهوى خصوصاً إذا كان القضاء واجباً، ولا ثقة بالإتمام، وربما عاقه عائق، فالأحوط قضاء الدين، وعلى هذا نقول: إن الإتمام أفضل من [القصر] (٣)، ولو سلمنا؛ فإن الذي قصر من الصلاة لا يصير ديناً في الذمة، وهذا يصير ديناً في الذمة، وهو القضاء على غرر.
يدل عليه: أن الصوم عزيمة، وهو الأصل، والإفطار رخصة، وهو عارض، وفي الصوم فعل العبادة في وقتها، وهو الأشق على الأنفس، وأفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس، قال النبي ـ صلَّى الله عليه ـ لعائشة: «ثوابكِ على قدر نَصَبِكِ» (٤).
стр. 582
فإن قلتم: إن الله ـ تعالى ـ يحب أن يؤخذ برخصه.
فنقول: هذا يلزم عليه المسح على الخفين، أن يقولوا: هو أفضل من غسل الرجلين، وكان الناس قد رخص لهم في ترك الصوم مع القدرة عليه إلى بدل وهو الفدية، فقيل لهم: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١)، مع الترخيص في الإفطار، ويلزمكم ـ أيضاً ـ أن تقولوا: إنّ الأولى بالمريض أن يصلي قاعداً، والأولى بالمرء أن يصلي النافلة/ على الراحلة مستدبر القبلة، وقد قال ـ تعالى ـ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ (٢) في باب مصابرة واحد بعشرة، فلو أنه صابر لم يكن آثماً، وكان ذلك أولى، وقال ـ عزَّ من قائل ـ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يُوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ (٣)، أرخص ـ سبحانه ـ في التحيز إلى فئة، فلو صبر وجاهد، ولم ينهزم كان أولى عند الله، وهذا كله بمعنى؛ وذلك أن الله ـ تعالى ـ إذا رخّص فقد غلّب حقّنا تعظيماً لنا، فالأليق بالعبودية أنه إذا عظّم أمورنا أن نقابله بتعظيم أمره، وتقديم حقه على حقوقنا؛ لنكون داخلين في جملة من قال ـ تعالى ـ في حقهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٤).
الجواب:
أما الآية: فلا حجة فيها على موضع الخلاف؛ لأنها كانت في صدر الإسلام، ونُسخت، فروى أبو داود في «سننه» بإسناده، عن عبد الله بن العباس، أنه لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ (٥) كان من شاء منهم أن يصوم، ومن شاء أن يفتدي بطعام مسكين افتداء بمنزلة صومه، فقال:
стр. 583
﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، ومعناه ـ والله أعلم ـ أي: من الافتداء، ثم نزل قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢)، فالحتم.
ثم الآية محمولة على الحاضر بدليل ما قدمناه.
وأما خبر أبي الدرداء، وعائشة، فذلك كان في صدر الإسلام، وأول الأمر بصوم رمضان، ثم نسخ ذلك.
يدل عليه: ما روى ابن عباس أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ خرج عام الفتح، فصام حتى بلغ الكديد فأفطر، وأفطر الناس معه، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله (٣)، وفي لفظ آخر: بالآخر فالآخر (٤)، وخبر آخر: أنه أفطر فبلغه أن قوماً صاموا، فقال: «أولئك العُصاة» (٥)، وعام الفتح من آخر أمر رسول/ الله ـ صلَّى الله عليه ـ، ثم يحمل ذلك على أنه بيَّن به الجوازَ؛ بدليل أن القصر عندنا وعند مالك والشافعي أفضل (٦)، وعائشة قد أتمت، وعند أبي حنيفة القصر عزيمة (٧).
ومن أصحابنا من أجاب عن الحديث الأول فقال: يحتمل أن النبي ﵇ كان سافر في أثناء النهار، فلم يحب أن يُغلِّب الرخصة [معه] (٨)،
стр. 584
[مع ما] (١) تقدّم من الشروع على وجه العزيمة، وعندنا ـ وإن كان ذلك جائزاً ـ إلا أن الإتمام أفضل، مع كون الابتداء عزيمة.
قال علي: إنه كان يواصل لما أخبر به، وأنه كان يظلّ عند ربه، يطعمه ويسقيه (٢). يعني يغنيه عنهما، وإن كان في حق غيره [مكروهاً] (٣).
وأما حديث سلمة، فلو صحّ لاقتضى وجوب صوم رمضان في السفر، وهذا خلاف القرآن؛ فإنه ـ تعالى ـ قال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤)، ومعناه: فله أن يؤخر إلى أيام أُخر، أو الأفضل أن يؤخر الصوم ويفطر، ثم هو خلاف للإجماع ـ أيضاً ـ؛ فإنه لا خلاف أن المسافر يجوز له الفطر، فدل على أنه ورد في حق الحاضر، ثم نحمله عليه إذا كان سفره قصيراً مسيرة يوم، ولهذا قال: «يأوي به إلى شبع»، يعني عند الإفطار، فدلّ على أنه مسيرة يوم، أو نحمله على أنه يصوم إن شاء، ونحن نقول: إن صام صح صومه.
أما قولهم: بأنه أدى العبادة في وقتها.
قلنا: هذا باطل بتقديم العصر يوم عرفة، وتأخير المغرب بمزدلفة (٥)؛
стр. 585
فإنه تأخيرٌ عن وقتها ـ ولو فضل عن الصلاة ـ[وهو] (١) حجة لنا، فإن الترخص فيها أفضل، وهو [القصد] (٢) من العزيمة، وهو التمام على ما سبق بيانه.
قوله: إن العبادة أولى من العادة.
قلنا: إذا كان على وجه قبول الرخصة من الله، كان أولى كما قلنا في/ الصلاة.
قوله: يجب عليه القضاء، ولا ثقة بالإتمام، فكان إبراء الذمة أولى.
قلنا: كان ينبغي أن نوجب عليه انحتام الصوم في السفر؛ لأن فيه براءة للذمة، وتأخيره يحصل شغل الذمة.
الثاني: أنه يلزم عليه الاستدانة للتضحية؛ فإنّ فيه فضيلة، ولهذا قال ﵇ لعائشة: «استديني وضحّي؛ فإنه دين مقضيّ» (٣)، وإن كان في ذلك شغل للذمة، وكذلك ـ أيضاً ـ تأخير الظهر في شدة الحر، وتأخير عشاء الآخرة، وتأخير الصلاة إلى آخر الوقت إذا رجا وجود الماء، وتأخير الصلاة الأولة من صلاتي الجمع إلى وقت الثانية، وكذلك المريض الأفضل له الصوم وإن كان في صومه براءة ذمته، بل أولى؛ وذلك أن المرض بريد الموت، ومقدمته، فربما مات والصوم في ذمته، فبطل ما قالوا.
أما قولهم: إن الصوم عزيمة، والفطر رخصة إلى آخر كلامهم.
стр. 586
فنقول: إن قبول الرخصة وإن كان أسهل يجوز أن يكون أفضل؛ وذلك لأن الثواب بالاستجابة، والأفضل ما كان موافقاً للأمر، والنفوس لله ـ سبحانه ـ، وقد يكون قصده ـ سبحانه ـ في بعض الأوقات الرفق بها، وفي بعض الأوقات العسف على ما تراه من الأصلح لمن يرى له الصلاح في ذلك، ألا ترى أنه حرّم علينا أذية نفوسنا، كما حرم علينا أذية أغيارنا، وعاقبنا على فعل ما يؤذيها به بحسب واقعنا، كالقيام في الشمس، والامتناع عن الأكل والشرب على الوجه الذي أمر، وإن كان يشابه الصوم الذي به أمر، وسمى ذلك الإفراط في التعبد رهبانية مبتدعة، وذمها بقوله: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ (١)، وقال ﵇: «لا رهبانيّة في الإسلام» (٢)، ولهذا قلنا نحن، وأبو حنيفة: إن الاشتغال بالنكاح أفضل من التخلي للعبادة (٣)، ومعلوم ما في العبادة/ من المشقة، وفي النكاح من اللذة، والشهوة؛ ولذلك جعل الشارع الصوم في أيام مخصوصة معصية، وقال: «إنها أيام أكل وشرب وبِعَالٍ» (٤)، حتى قال الشافعي: لا يصح نذرها (٥)، وخرجت هذه الأيام عن محلّة الصوم، ولهذا جعل السحور سنّة وقربة، وهو أكل وتلذذ (٦)، وشرع البداءة بالعشاء، والخلاء قبل الصلاة تقديماً [لحقوقنا] (٧) على حقوقه.
стр. 587
وكذلك ـ أيضاً ـ ما قدّر لنا من الصلوات، والصيام، والعبادات لا نقول: إن هذا التقدّر إنما كان رفقاً بنا؛ لأن ما زاد عليه يشقّ ويوقعنا في الحرج، فيريدُ أن نتكلف ونحمل المشقة، وتزيد على ما قدّر لنا ورسم، طلباً للثواب، وحملاً للنفس على أشق الأحوال.
بل قيل: الزيادة في الحد نقصان في المحدود، ومتى فعل الإنسان شيئاً من ذلك بأن زاد في ذلك إلى غير ذلك فإنه يكون مخطئاً، ويخرج المقدر بالزيادة فيه عن القربة، والطاعة؛ وهذا لأن الواجب الاتباع لا الابتداع، وذلك هنا سرّ، وهو أنَّ النفوسَ معنا ودائعُ له، ولسنا بها أخص حتى نعتمدَ بها الأشق، فثبت ما ذكرنا، والله أعلم.
стр. 588
مسألة
إذا وطئ وكفَّر، ثم عاد فوطئ في يومه لزمته كفارة ثانية (١)، نص عليه أحمد (٢)، واختاره مشايخنا؛ الخرقي (٣)، وأبو بكر عبد العزيز (٤)، والقاضي (٥).
وعند أكثر الفقهاء: لا يلزمه كفارة ثانية (٦).
لنا:
حديث الأعرابي: «وقعت على امرأتي في رمضان» (٧)، وفي لفظ آخر: «أصبت أهلي»، قال: «أعتق رقبة» (٨).
النبي ﵇ أوجب عليه الكفارة بمجرد قول الأعرابي: هلكت، وأهلكت، فلما قال له: «ماذا صنعتَ»؟ قال: واقعتُ أهلي في نهار رمضان، ولم يقل له: هل كنت صائماً، أم لا؟ فدل على تعلّق الحكم بمجرد/ الإهلاك بالوطء في نهار رمضان، فاعتبار وصف آخر لحكم لا مستدل له أصلاً.
стр. 589
فإن قيل: لا حجة لكم في هذا الحديث؛ لأن الأعرابي كان صائماً؛ لأنه قال: هل أتيت إلا من الصوم؟
قلنا: ذلك علم بعد إيجاب الكفارة بقوله: «أعتق رقبة»، وهذا قاطع.
والفقه في المسألة أنا نقول: وطء محرّم لحرمة رمضان، فوجب به الكفارة، دليله: الوطء الأول، والوصف مناسب، فإن هناك حرمةَ رمضان بجماع، صالحة لإيجاب الزاجر، وهو الكفارة، وليس في الأصل زيادة مؤثرة على وجوب الإمساك، وتحريم حرمة الإمساك بالوطء؛ وهذا لأن الكفارة تجب لحرمة الزمان دون الصيام بدليل أنه لو طلع الفجر وهو مولج فاستدام وجبت الكفارة، ولا صوم هناك، وبدليل: أن الوطء إذا وجد في قضاء رمضان لا كفارة لأجل عدم زمان رمضان، وكذلك صيام النذر، والكفارة، والتطوع، وإذا ثبت أن الكفارة تجب لحرمة الزمان، فالحرمة موجودة، فينبغي أن تجب الكفارة، ودليل بقاء الحرمة: تحريم الجماع، ووجوب الإمساك على هذا الشخص، يدل عليه أنّا نأمر بالإمساك من لا يُعتدّ بإمساكه بحرمة رمضان، وهو الحائض والنفساء إذا انقطع دمهما، وكذلك الصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم، والمجنون إذا أفاق، والمسافر إذا قدم، فأما من هَمَّ بالإمساك بعد زوال أعذارهم، ولا يلزمنا على الطريقة من أفطر لعذر من مرض، أو سفر، أو جنون، أو كفر، ثم زال العذر في بعض النهار، فإنا إن قلنا: يلزمه إمساك بقية يومه فوطئ فعليه الكفارة، وقد قال أحمد ـ فيما رواه حنبل ـ في مسافر قدم في آخر النهار فواقع أهله قبل الليلة: عليه القضاء والكفارة، وإن قلنا: لا يلزمه الإمساك ـ على ما رواه ابن منصور ـ فالوطء/ هناك غير محرم (١)، ولا يلزم إذا لم يكن قد كفّرَ؛
стр. 590
لأنه يقع التكفير عنه ـ أيضاً ـ، ولا يخص التكفير الوطء الأول؛ لأن كل متداخل يتعلق الوجوب بآحاده، كالرِّينات (١) المتتابعة.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الوطء صادف صوم رمضان المستحق عليه، فلهذا لزمته الكفارة، وفي مسألتنا لم يصادف صوماً، وإنما صادف فطراً، والتكفير لا يحصل به خير مع الإفطار، ولا يميل الحرمة مع سلب الصحة، وفساد الصوم، فصار كما لو أفطر لمرض، أو سفر، ثم جامع؛ فإنه لا كفارة عليه، كذلك هاهنا.
قلنا: علّة الأصل باطلة على أبي حنيفة بمن ابتدأ الصوم في الحضر، ثم سافر ووطئ في صومه؛ فإن الوطء صادف صوم رمضان المستحق عليه، ومع هذا لا يجب عليه الكفارة عنده، وكذلك إذا وطئ المقيم وهو صائم ثم مرض في أثناء النهار (٢).
وأما علة الفرع ولا نسلمها؛ فإن وطأه صادف صوماً منجماً عليه لازماً له، إنما لا يجزئه في مرضه لاختلال شرط من شروطه، وهذا كما يجب في صلاة من لا يجد ماء ولا تراباً، فيصلي فيسهو؛ فإنه يجب عليه سجود السهو، وإن لم تكن الصلاة مجزئة في المرض إلا أنها في باب الجبران مساوية، وكذلك الجنابة في الحج الفاسد يجب بها الكفارة وإن لم تجز عن المرض، ويبطل على مالك والشافعي بما إذا أصبح مجامعاً فاستدام؛ فإنه لم يصادف وطؤه صوماً، ومع هذا فإنَّ الكفارة تجب عليه (٣)، كذلك هاهنا ولا فرق.
стр. 591
طريقة أخرى: أنها عبادة تجب بالوطء، فيها كفارة، فوجبت الكفارة مع فسادها، دليله الحج.
أو نقول/ عبادة تجب بالجماع فيها كفارة، فجاز أن تكرر الكفارة بتكرر الجماع فيها، كالحج، والأولى في ذلك أن زمان رمضان في نفسه من غير تلبس بالصيام يحرم المحظورات، حتى إن من لم ينوِ الصوم من الليل وأصبح، حرم النهار عليه تناول ما يحصل به الإفطار، ونفس زمان الحج من غير شروع في إحرام لا يحرم.
فإن قيل: لا يسلم التعلّق بالحج من أوجه:
أحدها: أن الحج لا يخرج منه بالإفساد بخلاف الصوم، وينعقد الإحرام مع الفساد، ويجب المضي فيه بعد الإفساد خصيصة له من بين سائر العبادات، كما اختص بالانعقاد مع الإبهام، والحوالة على إحرام فلان وفلان، ثم يعقد البيان بماذا أحرم، كما أحرم عليٌّ ﵁، فقال: إهلال كإهلال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ (١)، ويهلّ به من نافلة من عليه فرضه فينعقد فرضاً، فدل على غيره عن غيره.
الثاني: أن ذاك يسمى محرماً بعد الإفساد، وهذا لا يسمى صائماً.
الثالث: أنّ الحج أدخل في باب الكفارة، ولهذا تجب الكفارات بارتكاب محظوراته جميعها من الطيب، واللباس، وتقليم الأظفار، وغير ذلك، ولهذا تجب الكفارة سواء تجبر بالتكفير، أو لم تنجبر، كفّر أو لم يكفر عن الأول.
قلنا: لا فرق بينهما عندنا؛ فإنه لا يخرج من الصوم بالإفساد، بل يجب عليه المضي فيه مع فساده ويحرم فيه بعد الإمساك ما كان يحرم قبله من الأكل، والشرب، والاستمتاع.
стр. 592
فإن قالوا: يجوز خروجه من الصوم بعذر، كالمرض، والسفر، والحج لا يجوز خروجه منه بحال.
قلنا: لا نسلم؛ فإنه يخرج من الحج بالإحصار، والمرض، وإذا شرط فلا شيء عليه إذا خرج.
قوله: هناك يسمى محرماً، وهاهنا لا يسمى صائماً.
قلنا: هذه تسمية فارغة عن مقتضى/ الإطلاق، [فيقال] (١) محرم إحراماً فاسداً، أو يسمى هذا بالإمساك صائماً صوماً فاسداً، على أنه لا يجوز أن يكون التكفير لزم لأجل الاسم مع تَعَرِّيهِ من المعنى.
وقوله: إن الحج أدخل في باب الكفارة.
قلنا: الكفارة العظمى مع القضاء لا تجب إلا بالوطء خاصة، وكذلك في الصوم لا تجب الكفارة مع القضاء إلا بالوطء.
فأما نفيه [لمحظورات] (٢) الصوم، فيجب بها شيء واحد، وهو القضاء، وكذلك في الحج يجب به شيء واحد، وهو التكفير، على أن حرمة الإحرام آكد حرمة من الحرم، وقد استويا في قتل الصيد، جاز أن يكون ها هنا كذلك، ولا فرق.
طريقةٌ أخرى، وذلك أنَّا نقول: لا يخلو وجوب الكفارة، إما أن يكون بالوطء في الصوم، أو بحرمة الزمان، لا جائز أن يجب [بالصوم] (٣)؛ لأن قضاء رمضان، والنذر لا تجب به الكفارة، فثبت أنه بحرمة الزمان، وهي موجودة في هذا الوطء.
فإن قيل: هاهنا قسم آخر، وهو أنها تجب لهتك صوم رمضان، والصوم غير موجود ها هنا.
стр. 593
قلنا: فلو نوى المسافر والمريض الصوم، ثم وطئ، فقد هتك صوم رمضان، ولا كفارة، والعلة أن الوطء مباح له؛ لأن الإمساك لا يلزمه مع العذر، وهاهنا الإمساك لازم له، والوطء محرم عليه، فإذا ارتكبه فقد هتك حرمة إمساك رمضان الواجب عليه، فيجب أن يلزمه التكفير، ثم يبطل على مالك، والشافعي إذا طلع الفجر وهو يجامع فاستدام؛ فإن وطأه لم يصادف صوماً، ومع هذا فإنّ الكفارة واجبة عليه (١)، وكذلك من أصبح ولم ينوِ عند أبي حنيفة، ووطئ فإنه ليس بصائم، وإنما هو ممسك حتى ينوي، فيصير صوماً شرعيّاً، ثم الكفارة واجبة عليه في أظهر الروايتين/ عنده (٢).
وقالوا: رواية إسقاط الكفارة رويت في النوادر، وهي ضعيفة، ثم تنكسر بمن جامع في الحج، ثم كفر وعاد جامع؛ فإن وطأه لم يصادف إحراماً صحيحاً، ومع هذا فإن الكفارة تجب عليه، فبطل ما ذكروه أن يكون علة صحيحة من هذه الوجوه، وبالله التوفيق.
طريقة أخرى نقول: التكفير تطهير يجب للزجر، والردع عن المحظورات، وعن الوطء المحرم، فإذا استؤنف الوطء المحرم بعده وجب ثانياً، دليله الحد في باب الزنا لو وطئ، ثم عاد فوطيء، لزمه حد [ثان] (٣)، وإذا كان ذلك في الحد الذي يسقط بالشبهة، فالكفارة التي تجب مع الشبهة أولى بالوجوب.
احتجوا:
بأن وطأه صادف فطراً فلم تجب عليه الكفارة، دليله: إذا لم يكفر عن الأول، وإذا أصبح لا ينوي، وإذا قدم من سفر مفطراً فوطئ، أو أفطر ثم صحَّ؛ فإن في هذه المواضع لا يجب عليه الكفارة كذلك هاهنا.
стр. 594
والتحقيق في ذلك: أن سبب وجوب الكفارة لم يتكرر، فلا تتكرر الكفارة، والدليل على أن السبب لم يتكرر أن السبب إنما هو الإفساد للصوم، وهتك حرمة الشهر، ولم يوجد لا إفساد الصوم، ولا هتك الحرمة، أما الصوم فلا إشكال فيه لأنه بالوطء الأول قد حصل الفطر، وإنما حرم الأكل عليه عقوبةً له، لا لوجوب ضده، ولو وجب ضده مقصوداً كان عليه، ولم يصح دون فعل العبد وقصده؛ فإنّ كل فعل وجب على العبد مقصوداً لا لحظ الدنيا كان بطريق العبادة، وهذا الآن ينجر إلى أن النّهي عن الشيء ليس أمراً بضده، وأما الحرمة فكذلك؛ فإنها قد انتهكت ـ أيضاً ـ، وهذا لأنا وإن اختلفنا في أن الشهر هل هو عبادة واحدة إلا أن لا نختلف أن/ اليوم عبادة واحدة، وحرمته واحدة، وقد انتهكت بالوطء الأول، فلا يتصور هتكه ثانياً؛ لأن هتك المهتوك لا يتصور، كما أن قتل المقتول لا يتصور.
وخرج على كلامنا الحج؛ فإن الذي وجب عليه في الحج بعد الجماع حج، ولذلك وجبت الأفعال حقيقة، إلا أنها ناقصة، فلا يتأدى بها حجة الإسلام، ونقصان صفة الحج لا يمنع الكفارة؛ فإن الكفارة تتعلق بنفل الحج، كما تتعلق بفرضه بخلاف ما عرفته؛ فإن صوم غير رمضان لا يتعلق به الكفارة.
ولأن في الحج وجبت الكفارة بالجناية على العبادة بلا إفساد، وهذا لا نظير له أصلاً.
واحتج بعضهم: بأنه أحد موجبي الوطء، فلم يتكرر تكرار الوطء في اليوم الواحد، دليله القضاء.
ومنهم من قال: بأنها حرمة لم تتكامل؛ لأنها حرمة زمان مجرد عن الصوم، فلا يجب بالوطء فيه كفارة، كما لو وطئ في قضاء رمضان، لما كان صوماً بغير زمان لم تجب كفارة مع كونه صائماً، فزمان بغير صوم أولى أن لا يجب بالوطء فيه كفارة؛ وهذا لأن الجناية على الصوم في رمضان أوفى من الجناية على النسبية، ومجرد الإمساك، فكما أن الصوم
стр. 595
الذي أقيم مقام صوم رمضان، وهو القضاء إذا لم يشرف برمضان لا يتعلق بالجناية عليه كفارة، فالزمان المجرد دون الصوم يجب أن يكون بمثابته؛ فإن الحرمة بها تكمل، وإذا كنا لا نوجب على الأكل، والشراب كفارة؛ فإنه لقصور الأكل، والشرب عن الوقاع، فتفاوت ما بين الإمساك والصوم أكثر من تفاوت ما بين الأكل والجماع.
الجواب:
أنا نقول: قولكم: إن وَطأه صادف فطراً، هذا ممنوع؛ بل صادف صوماً،/ يدل عليه وجوب المضي فيه، وتحريم الوطء، لم يبق إلا أنه غير مجزئ، وهذا لا يدل على أن العبادة قد فاتت، والدليل على ذلك الحج الفاسد؛ فإنه غير مجزئ، ويجب قضاؤه، ولا يدل ذلك على أنه ليس بحج، كذلك ها هنا وجوب القضاء لا يدل على أنه ليس بصوم، على أن الدليل باطل بمن استدام الوطء بعد الفجر، وتلبس بالوطء في الإحرام الفاسد، فالأصل ممنوع؛ فإنه يجب به كفارة ثانية، ولكنها تتداخل كما في الحدود إذا كانت من جنس واحد، وعلى التسليم إذا لم يكفر فالوطء الثاني صادف هتكاً فلم يوجب، كما لو وطئ في الإحرام ثانياً قبل أن يكفر، وإذا كفّر فقد زال الهتك وعادت الحرمة متحيرة (١)، فصار كالوطء الأول، وكذلك لو وطئ في اليوم الأول، ثم وطئ في اليوم الثاني والثالث عند أبي حنيفة قبل أن يكفر عن الأول؛ فإنه لا يلزمه إلا كفارة واحدة، ولو كفر لزمه كفارة ثانية (٢).
وأما المسافر فقد مرّ جوابه، وكذلك إذا أصبح ولم ينوِ فإنا لا نسلم، ونقول: يلزمه الإمساك، ويحرم عليه الوطء، فإذا وطئ فعليه الكفارة على ما مر.
أما قولهم: إن سبب وجوب الكفارة لم يتكرر.
стр. 596
قلنا: هذا ممنوع.
قولهم: السبب إفساد الصوم، وهتك حرمة رمضان.
قلنا: لا نسلم؛ بل السبب هتك حرمة الشهر خاصة، والدليل عليه القضاء؛ فإنه قد وجد إفساد الصوم، لكنه لما حال عن الحرمة لا يجب الكفارة كذلك هاهنا.
ولو سلمنا أن السبب هو إفساد الصوم، فلا نسلم أن الصوم ليس بموجود؛ فإنه عندنا صائم، يدل عليه وجوب الإمساك، وحرمة الوطء على ما مرّ.
قوله:/ الإمساك وجب عقوبة؛ لأنه عبادة.
قلنا: فعل مثله في الحج الفاسد أن الواجب من الأفعال عقوبة، وليس بعبادة، فلمّا لم يقل هذا بطل هاهنا.
قوله: الأمر بالشيء ليس نهياً [عن ضدّه] (١).
قلنا: هذا ممنوع، وعندنا الأمر بالشيء نهي [عن ضدّه] (٢)، على ما عرف في أصول الفقه (٣).
قوله: إن الحرمة قد انتهكت، وهتكُ المهتوك لا يتصور، كما أن قتل المقتول لا يتصور.
قلنا: بلى قتل المقتول لا يتصور، ولكن قتل المقتول إذا كان لا يتصور، فهتك المهتوك لماذا لا يتصور؟! أليس أن ضرب المضروب يتصور، وشتم المشتوم يتصور، فهتك المهتوك لماذا لا يتصور؟
ثم نقول: ما تفسير قولك: إن هتك المهتوك لا يتصور، نقرّه (٤) بالإعدام،
стр. 597
فنقول: بلى إعدام المعدوم لا يتصور، كما أن إيجاد الموجود لا يتصور، لكن ليس تفسيره هذا؛ فإن الحرمة ما انعدمت، الدليل عليه أن الهتك إن كان لا يتصور منه يتصور من غيره، ولو كان تفسيره إعدام المعدوم لكان لا يتصور الهتك من غيره نائباً، كما لا يتصور منه، ألا ترى أن قتل المقتول كما لا يتصور منه، يتصور ـ أيضاً ـ من غيره؟! وها هنا لما تصور الهتك من غيره عرفنا أن ليس تفسيره ما قلتم، ولكن تفسيره إنما هو ترك التعظيم، وترك التعظيم يتصور في كل زمان، كما أن إنشاء التعظيم يتصور في كل زمان، الدليل عليه: أنه [إذا] (١) صلى صلاة الغداة فإنه يصير تعظيماً لله ـ تعالى ـ، ثم إذا صلى صلاة الظهر يصير ـ أيضاً ـ معظماً لله ـ تعالى ـ، ولم يقل بأن الله ـ تعالى ـ واحد، وأنه معظم، وتعظيم المعظم لا يتصور، ومع هذا يتصور تعظيمه مرة أخرى كذلك هاهنا، ولكن إنشاء التعظيم إنما يكون بإتيان المأمور به، وترك التعظيم/ إنما يكون بترك المأمور به، فلما تصور إنشاء التعظيم بإتيان المأمور به مرة بعد أخرى، فكذلك ترك التعظيم، وإن فسرتموه بإدامة الهتك، فلم قلت بأن إدامة الهتك سبب! ولأن إدامة الهتك ليس إلا إنشاء مثله؛ لأن إدامة الفعل لا يتصور؛ لأن الفعل عرض، والعرض لا يبقى زمانين، فدوامه إنما يكون بحدوث أمثاله، وحكم الشيء حكم مثله، فتعلق وجوب الكفارة بالإدامة، كما يتعلق بالإنسان.
جواب آخر: أنّا لا نسلم لهم أن هتك المهتوك لا يتصور، إلا أنّا لا نسلم لأن الهتك قائم؛ لأن الخلاف فيما إذا كان قد كفر عن الأول؛ فإن بالتكفير قد انجبر الهتك، والنقصان إذا انجبر صار كأن لم يكن، فإذا وطئ بعد ذلك فقد تكرر السبب، فتكرر الحكم، وصار هذا كما قال أبو حنيفة: إذا وطئ في يومين (٢) من رمضان، ولم يكفر عن الأول بكفارة واحدة، وإذا كفر عن الأول وجبت كفارة ثانية (٣)؛ لأن الهتك قد انجبر بالكفارة الأولى كذلك ها هنا ولا فرق.
стр. 598
وأما قياسهم على القضاء فهو فاسد؛ لأنه لا يجوز اعتبار الكفارة بالقضاء، كما لا يجوز في الحج؛ لأن القضاء لا يتصور أن يجبر به؛ لم يقع الهتك بعده، والكفارة بخلاف ذلك.
ولأن القضاء يجب بالفطر، ولم يوجد الفطر إلا دفعة واحدة ولم ينجبر، والكفارة تجب لهتك الحرمة، وقد هتك حرمة محدودة لرمضان فلزمته كفارة ثانية.
ولأنه لا يجوز أن لا يتكرر القضاء الذي هو البدل، وتتكرر الكفارة، وكذلك إذا قتل جماعة صيداً مملوكاً وجب على كل واحد منهم جزاء كامل عند أبي حنيفة، ولم يجب على كل واحد منهم قيمته كاملة (١).
/ وأما قولهم: إن الحرمة لم تتكامل.
قلنا: لا نسلم؛ بل هي كاملة على ما مرَّ، وعلى التسليم، نقول: كمال الحرمة غير معتبر لإيجاب الكفارة، بدليل من طلع عليه الفجر وهو مولج ما كملت الحرمة عند الشافعي، ومع ذلك تجب الكفارة باستدامة الوطء، والصوم غير منعقد، والوطء مستدام لا مبتدأ (٢)، فالنقص حاصل من وجه، وتجب الكفارة، ويلزم الجميع الوطء في الحج الفاسد، وكذلك ضرب الجنين إذا سقط ميتاً لم يتحقق كماله ويجب، وكذلك تجب الكفارة بقتل الخطأ، ولا يعتبر لها السبب التام، كذلك هاهنا، والله أعلم.
стр. 599
كتاب البيوع
مسألة
يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاث (١)، نص عليه أحمد (٢)، واختاره الخرقي (٣)، وأبو بكر (٤)، وهو مذهب الحسن بن صالح، وعبيد الله بن الحسن (٥)، وابن أبي ليلى، وأبي يوسف، ومحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر (٦).
خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: لا يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاث (٧).
وخلافاً لمالك في قوله: يجوز بقدر الحاجة فوق الثلاث (٨).
ومأخذ المسألة: أن الخيار ملائم للعقد ومقتضاه عندنا وعنده؛ فهو مخالف للعقد، وعلى مضادته.
стр. 600
لنا:
قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١).
وما روي عنه ﵇ أنه قال: «المؤمنون على شروطهم» (٢).
وقوله ﵇: «لكل مؤمن شرطه» (٣)، فهذا أصل في ثبوت كل شرط إلا ما خصه الدليل.
والفقه في المسألة: أنه مقدر يعتمد الشرط، فرجع في تقديره إلى مشترطه كسائر المقدورات الشرطية من الأيمان، والآجال، ومدة الإجازات، ولا يلزم خيار التصرية (٤) والمجلس؛ لأنها لا تعتمد الشرط،