قلنا: هذا ممنوع.
قولهم: السبب إفساد الصوم، وهتك حرمة رمضان.
قلنا: لا نسلم؛ بل السبب هتك حرمة الشهر خاصة، والدليل عليه القضاء؛ فإنه قد وجد إفساد الصوم، لكنه لما حال عن الحرمة لا يجب الكفارة كذلك هاهنا.
ولو سلمنا أن السبب هو إفساد الصوم، فلا نسلم أن الصوم ليس بموجود؛ فإنه عندنا صائم، يدل عليه وجوب الإمساك، وحرمة الوطء على ما مرّ.
قوله:/ الإمساك وجب عقوبة؛ لأنه عبادة.
قلنا: فعل مثله في الحج الفاسد أن الواجب من الأفعال عقوبة، وليس بعبادة، فلمّا لم يقل هذا بطل هاهنا.
قوله: الأمر بالشيء ليس نهياً [عن ضدّه] (١).
قلنا: هذا ممنوع، وعندنا الأمر بالشيء نهي [عن ضدّه] (٢)، على ما عرف في أصول الفقه (٣).
قوله: إن الحرمة قد انتهكت، وهتكُ المهتوك لا يتصور، كما أن قتل المقتول لا يتصور.
قلنا: بلى قتل المقتول لا يتصور، ولكن قتل المقتول إذا كان لا يتصور، فهتك المهتوك لماذا لا يتصور؟! أليس أن ضرب المضروب يتصور، وشتم المشتوم يتصور، فهتك المهتوك لماذا لا يتصور؟
ثم نقول: ما تفسير قولك: إن هتك المهتوك لا يتصور، نقرّه (٤) بالإعدام،
стр. 597
فنقول: بلى إعدام المعدوم لا يتصور، كما أن إيجاد الموجود لا يتصور، لكن ليس تفسيره هذا؛ فإن الحرمة ما انعدمت، الدليل عليه أن الهتك إن كان لا يتصور منه يتصور من غيره، ولو كان تفسيره إعدام المعدوم لكان لا يتصور الهتك من غيره نائباً، كما لا يتصور منه، ألا ترى أن قتل المقتول كما لا يتصور منه، يتصور ـ أيضاً ـ من غيره؟! وها هنا لما تصور الهتك من غيره عرفنا أن ليس تفسيره ما قلتم، ولكن تفسيره إنما هو ترك التعظيم، وترك التعظيم يتصور في كل زمان، كما أن إنشاء التعظيم يتصور في كل زمان، الدليل عليه: أنه [إذا] (١) صلى صلاة الغداة فإنه يصير تعظيماً لله ـ تعالى ـ، ثم إذا صلى صلاة الظهر يصير ـ أيضاً ـ معظماً لله ـ تعالى ـ، ولم يقل بأن الله ـ تعالى ـ واحد، وأنه معظم، وتعظيم المعظم لا يتصور، ومع هذا يتصور تعظيمه مرة أخرى كذلك هاهنا، ولكن إنشاء التعظيم إنما يكون بإتيان المأمور به، وترك التعظيم/ إنما يكون بترك المأمور به، فلما تصور إنشاء التعظيم بإتيان المأمور به مرة بعد أخرى، فكذلك ترك التعظيم، وإن فسرتموه بإدامة الهتك، فلم قلت بأن إدامة الهتك سبب! ولأن إدامة الهتك ليس إلا إنشاء مثله؛ لأن إدامة الفعل لا يتصور؛ لأن الفعل عرض، والعرض لا يبقى زمانين، فدوامه إنما يكون بحدوث أمثاله، وحكم الشيء حكم مثله، فتعلق وجوب الكفارة بالإدامة، كما يتعلق بالإنسان.
جواب آخر: أنّا لا نسلم لهم أن هتك المهتوك لا يتصور، إلا أنّا لا نسلم لأن الهتك قائم؛ لأن الخلاف فيما إذا كان قد كفر عن الأول؛ فإن بالتكفير قد انجبر الهتك، والنقصان إذا انجبر صار كأن لم يكن، فإذا وطئ بعد ذلك فقد تكرر السبب، فتكرر الحكم، وصار هذا كما قال أبو حنيفة: إذا وطئ في يومين (٢) من رمضان، ولم يكفر عن الأول بكفارة واحدة، وإذا كفر عن الأول وجبت كفارة ثانية (٣)؛ لأن الهتك قد انجبر بالكفارة الأولى كذلك ها هنا ولا فرق.
стр. 598
وأما قياسهم على القضاء فهو فاسد؛ لأنه لا يجوز اعتبار الكفارة بالقضاء، كما لا يجوز في الحج؛ لأن القضاء لا يتصور أن يجبر به؛ لم يقع الهتك بعده، والكفارة بخلاف ذلك.
ولأن القضاء يجب بالفطر، ولم يوجد الفطر إلا دفعة واحدة ولم ينجبر، والكفارة تجب لهتك الحرمة، وقد هتك حرمة محدودة لرمضان فلزمته كفارة ثانية.
ولأنه لا يجوز أن لا يتكرر القضاء الذي هو البدل، وتتكرر الكفارة، وكذلك إذا قتل جماعة صيداً مملوكاً وجب على كل واحد منهم جزاء كامل عند أبي حنيفة، ولم يجب على كل واحد منهم قيمته كاملة (١).
/ وأما قولهم: إن الحرمة لم تتكامل.
قلنا: لا نسلم؛ بل هي كاملة على ما مرَّ، وعلى التسليم، نقول: كمال الحرمة غير معتبر لإيجاب الكفارة، بدليل من طلع عليه الفجر وهو مولج ما كملت الحرمة عند الشافعي، ومع ذلك تجب الكفارة باستدامة الوطء، والصوم غير منعقد، والوطء مستدام لا مبتدأ (٢)، فالنقص حاصل من وجه، وتجب الكفارة، ويلزم الجميع الوطء في الحج الفاسد، وكذلك ضرب الجنين إذا سقط ميتاً لم يتحقق كماله ويجب، وكذلك تجب الكفارة بقتل الخطأ، ولا يعتبر لها السبب التام، كذلك هاهنا، والله أعلم.
стр. 599
كتاب البيوع
مسألة
يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاث (١)، نص عليه أحمد (٢)، واختاره الخرقي (٣)، وأبو بكر (٤)، وهو مذهب الحسن بن صالح، وعبيد الله بن الحسن (٥)، وابن أبي ليلى، وأبي يوسف، ومحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر (٦).
خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: لا يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاث (٧).
وخلافاً لمالك في قوله: يجوز بقدر الحاجة فوق الثلاث (٨).
ومأخذ المسألة: أن الخيار ملائم للعقد ومقتضاه عندنا وعنده؛ فهو مخالف للعقد، وعلى مضادته.
стр. 600
لنا:
قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١).
وما روي عنه ﵇ أنه قال: «المؤمنون على شروطهم» (٢).
وقوله ﵇: «لكل مؤمن شرطه» (٣)، فهذا أصل في ثبوت كل شرط إلا ما خصه الدليل.
والفقه في المسألة: أنه مقدر يعتمد الشرط، فرجع في تقديره إلى مشترطه كسائر المقدورات الشرطية من الأيمان، والآجال، ومدة الإجازات، ولا يلزم خيار التصرية (٤) والمجلس؛ لأنها لا تعتمد الشرط،
стр. 601
وإنما ثبت شرعاً، ولا يلزم الصرف، وأبواب الربا؛ لأنها لا تعتمد الشرط/؛ فإن الرسول ﵇ قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الفضة بالفضة، ولا البر، والشعير، ولا التمر، ولا الملح، إلا مثلاً بمثل، يداً بيد» (١)، وهذا صحيح؛ فإن هذا الخيار لا يخلو:
إما أن يثبت شرعاً؛ فيجب أن يثبت وإن لم يشترط، ويثبت في كل بيع كخيار المجلس عندنا (٢) وعند الشافعي (٣)، وخيار الرؤية عند أبي حنيفة (٤).
أو نقول: يثبت شرطاً؛ فيجب أن يرجع فيه إلى رضا مشترطه وتقديره، ولا يعترض عليه في ذلك.
طريقة أخرى: أنه ارتفاق في عقد يجوز اشتراطه ثلاثاً، فجاز أكثر من ذلك، دليله: الأجل.
أو نقول: مدة ملحقة بالعقد، فجاز أن يزيد على الثلاث كالأجل، وهذا لأن شرط الخيار ملائم لعقد البيع؛ لأن البيع وضع للمناسبة، وطلب الربح، والخيار وضع لطلب ذلك، ونفي [الغرر] (٥)، فهو ملائم لذلك، فصح تقديره برضاهما كالأجل.
فإن قيل: لا نسلم؛ بل هو غرر في البيع غير ملائم له، وإنما جوّزنا منه الثلاث؛ لخبر حبان بن منقذ (٦).
стр. 602
قلنا: قد بينا ملاءمته، ثم لو كان منافياً لما صح اشتراطه كسائر الشروط الفاسدة.
ولأن الرسول ﵇ أمر به في البيع، وشرعه مع نهيه عن بيع الغرر، فلو كان غرراً لم يشرعه فيما نهى فيه عن الغرر؛ لأنه يتناقص.
فإن قيل: لو كان ملائماً لوجب إذا قال له: الخيار متى شئت، أن يصح.
قلنا: لا يُسلّم في رواية (١)، ونقول: يصح، وإن سلمنا وهو الصحيح؛ فإن هناك هو مجهول؛ فصار كمدة الإجارة، والأجل لا يصح مجهوله؛ لأن هناك يفضي إلى أن لا يستقرّ العقد أبداً، بخلاف مسألتنا.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لا ينافي موجب العقد، ولهذا لا يمنع التصرف، وهذا ينافي موجبه؛ لأنه يمنع التصرف، وإنما جوز يسيره للحاجة.
قلنا:/ الخيار لا يمنع نفوذ تصرف من له الملك، وهو المشتري على أنه يبطل بخيار المجلس، ويحبس المبيع على قبض الثمن، وبمدة السلم؛ فإن هذه الأشياء تمنع مقصود العقد وهو التصرف ولا يتقدر بثلاث، على أنه كان ينبغي أن يشترط ما تدعو الحاجة إليه، كما قال مالك (٢)، أو يقدره بيوم؛ فإنه أقل للغرر.
стр. 603
فإن قيل: الحاجة قد تدعو إلى الثلاث.
قلنا: وقد تدعو إلى الأربع وأكثر، وهو في شراء [القَرْم] (١)(٢)، والرساتيق (٣)، فبطل التقدير بالثلاث.
قالوا: وروي عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «الخيار ثلاثة أيام» (٤)، رواه الدارقطني بإسناده عن نافع، عن ابن عمر.
[و] (٥) الحق أن في إسناده الراسي، وفيه مقال، وأبو علقمة القروي صاحب نافع، وليس بالقوي، على أنه مطرح الظاهر؛ فإنه يجوز أقل من ثلاث، فيكون الحديث خرج على غالب الحال.
احتجوا:
بأن القياس منع صحة الخيار؛ لأنه يمنع مقصود العقد، وهو الملك، والتصرف في التدليس، والبيع جعل لإيجاب ذلك، إلا أنا جوَّزْنا ذلك في الثلاث؛ لخبر حبان بن منقذ؛ فإنه كان لا يزال يبيع ويغبن، ولا يدع التجارة، فشكا أهله إلى النبي ـ صلَّى الله عليه ـ فقال له: «إذا بايعت فقل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثاً، ثم أنت في كلِّ سلعة تبتاعها بالخيار ثلاث ليال، فإنْ رضيتَ فأمسِكْ، وإن سخطتَ فرد» (٦).
стр. 604
وهذا هو الأصل في هذا الباب؛ لأن حبان كان أحوج الناس إلى الخيار، فلم يزده على الثلاث؛ ولأن تقديره إما بمنع الزيادة، أو النقصان، وبالإجماع لا يمنع النقصان، فثبت أنه منع الزيادة، فإذا ثبت هذا فما زاد على الثلاث [باقٍ] (١) على أصل القياس؛ وأنه لا يجوز.
قالوا: ولأنها مدة قدرها الشرع بالثلاث، فلا تجوز الزيادة عليها، دليله: خيار التصرية، والمسح، وصوم كفارة اليمين، قالوا: وإنما قدرها بذلك؛ لأنها في حدّ القلة، قالوا: ولأنها مدة وضعت للإنشاء، وطلب الحظ، فتقدرت بالثلاث كمهلة المرتد.
الجواب:
أما قولكم: إن القياس يمنع صحة الخيار؛ ممنوع، بل يقتضي صحته؛ ولأنه شرع لنفي الغبن وتحري/ الموافقة، والتجارة شرعت للربح فيما يقرب من ذلك تكون ملائماً له، ولهذا في خيار المجلس، وحبس المبيع والرهن، ومدة السّلم (٢) بمبيع يصرفه، ويصح جميع ذلك أكثر من ثلاث.
стр. 605
وقولكم: إنه يمنع المقصود؛ ممنوع ـ أيضاً ـ، فإن الملك ينتقل إلى المتعاوضين كما في الباب، والتصرف ينفذ في حينه في الملك، وإنما يمنع من كمال التصرف لتعلق حق الآخر به، فهو كالمرهون، ثم إسقاط التصرف برضاهما حصل إلى المدة المعينة، فهو كما يؤجِّر عبدَه، وداره، ويزوج أَمَته؛ فإنه يمنع نفسه من التصرف ويصح؛ لأنه برضاه كان ذلك.
فأما تعلقهم بخبر حبان بن منقذ؛ فلا حجة فيه، ولا هو الأصل في الباب؛ لأنه خاص لحبان، ولهذا جعل له الخيار من غير شرط، وكأن العلة أنه نهاه فلم ينتهِ؛ لأنه كان [متنازلاً] (١) بذلك، فأراد حفظ ماله، فجعل له ثلاثاً؛ لأن في مثلها علم من حاله أنه رأى، ويتدبر ويثوب إليه رأيه.
ويدل على هذا أن حبان عاش ثلاثين ومائة سنة إلى زمان عثمان ﵁، وكان يبتاع ويغبن ويرد السلع على التجار، ويقول: النبي ـ صلَّى الله عليه ـ جعل في الخيار ثلاثاً، فيمرّ الرجل من أصحاب رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ بالتاجر فيقول: ويحك إنه صدقك؛ إن رسول الله جعل الخيار ثلاثاً، وهذا في غيره لا يجوز بحال.
قولهم: إن هذا الخبر هو للأصل؛ فكلا، وإنما الأصل في الباب قوله : ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢)، وقول الرسول: «المؤمنون عند شروطهم» (٣).
على أنه لو كان الخبر أصلاً فهو قضية في عين لا يوجب المنع والزيادة؛ لأنه يحتمل أن الرسول أخرجه على غالب الحال في حق/ حبان، والتقدير لا تمنع الزيادة كما في المصراة، وقدر بثلاث، وتجوز الزيادة ما لم يصح التصرية في الثلاث، وكذلك الاستنجاء قدر بثلاث، وتجوز الزيادة، وإذا لم يُنْقِ وجبت الزيادة.
стр. 606
فأما قولهم: إنها مدة قدرها الشرع بالثلاث؛ فممنوع، لا نسلم أن الشرع قدرها بثلاث، وخبر حبان قد سبق جوابه، ثمّ لِمَ إذا ذكر الثلاث على غالب الحال لا تجوز الزيادة؟ وقد رأينا أنه يجوز الزيادة في تقديره بالثلاث في الاستنجاء، والمصراة كما ذكرنا.
فأما الأصل، فهو تقدير شرعي، وهذا شرطي، فرجع إلى مشترطه، ولهذا لا يفتقر في الأصل إلى اشتراطه، ويفتقر في مسألتنا.
قولهم: الثلاث في حد القلة لا يجدي نفعاً، ولا يجلب معنى، وفي الشرع مقدرات [لمعان] (١) كمدّة العنَّة، والإيلاء، والعدّة، وأعداد الصلوات، والشهادات، والعدد في الجمعة كل ذلك في موضعه قليل، فلا نعرف إلا أنه تعبد شرعي، فبطل هذا الاعتبار.
وأما مهلة المرتد، فتلك وضعت للارتياء فيما شواهده ظاهرة، ودلائله قاطعة باهرة، والشبهة العارضة لبيوع إهمال، أو معاندة، وأدواتها في حق الكل حاصلة، وهي العقل الذي يحصل به النظر والاستدلال، بخلاف مسألتنا؛ فإن الحظ فيها أو الضرر خفي.
وهذا جواب مدخول، والصحيح أن يقول: القياس يقتضي أن المرتد لا يمهل؛ لأن الرسول ﵇ قال: «من بدَّل دينه فاقتلوه» (٢)، فاقتضى القتل عقيبه من غير تأخير؛ ولأنه إقرار على الكفر لمن لا يجوز إقراره بحال، وإنما ابتناها على خلاف القياس لقصة عمر، وما لا يقتضيه القياس لا يقاس عليه، ولهذا لا يجوز النقصان منها بخلاف مسألتنا؛ فإنه يجوز النقصان من هذه المدة فجازت الزيادة.
/ فإن أعادوا كلامهم، وقالوا مثله في الخيار.
قلنا: قد سبق جوابه، والله أعلم.
стр. 607
مسألة
غبن المسترسل (١) الذي يخرج عن العادة، ولا يتغابن الناس بمثله يثبت له خيار الفسخ (٢)، نص عليها أحمد (٣)، وهو مذهب مالك (٤).
وحدَّ أبو بكر ـ من أصحابنا ـ الغبنَ بالثلث، قال: وقيل: السدس (٥).
وقال القاضي أبو علي (٦) في «الإرشاد»: بالثلث فما زاد (٧).
وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا يثبت الخيار بذلك (٨).
وحكى في «الإرشاد» عن أحمد مثل ذلك، قال: والأول أظهر عنه (٩).
وقال داود، وأبو ثور: البيع باطل (١٠).
стр. 608
لنا:
قوله ـ تعالى ـ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١)، فمن الآية دليلان:
أحدهما: أن هذا أكل بالباطل؛ لأنه إذا استرسل إليه وهو لا يعرف فباعه ما يساوي درهماً بحبة، فقد أخذ ماله بالباطل، وغشه وكده.
وقال ﵇: «من غشَّنا فليس منّا» (٢).
والثاني: أنه ما رضي بهذه التجارة؛ لأنه إنما يتجر ليربح، فأما ليذهب ماله فلا.
فإن قيل: فقد قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣)، وهذ بيع.
قلنا: نعم، يباح البيع ما كان المتبايعان رضيا به وعلماه، فأما مع الجهل وعدم الرضا إذا علم فليس بحلال، فله إبطاله.
فإن قيل: فيجب أن يقع باطلاً.
قلنا: لا يقع باطلاً لرضاه به، والأموال مما تستباح بالإباحة، فأما إذا سخط وبان أنه غره وخدعه، قلنا: لك إبطاله.
و ـ أيضاً ـ قوله ﵇: «لا ضرر ولا إضرار» (٤)، وهذا ضرر؛
стр. 609
لأنه لا إضرار أكثر من الخداع في المال، والغبينة بما يخرج عن [المعتاد] (١).
و ـ أيضاً ـ قوله ﵇: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» (٢)، والمغبون ماله لم تطب نفسه به؛ فيجب أن لا يكون الثمن حلالاً للبائع/ الغابنِ بظاهر الحديث.
فإن قيل: وفي الفسخ ـ أيضاً ـ ضرر.
قلنا: ضرر هذا بخروج مال من يده من غير بدله يقابله، فأما الفسخ فيرجع إلى كل منهم رأس ماله بعينه من غير نقصه، فأي ضرر فيه.
و ـ أيضاً ـ روى الدارقطني بإسناده عن أبي أمامة الباهلي، قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «ما زاد التَّاجر على المسترسل فهو رباً» (٣)، ومعناه: حكمه في التحريم حكم الربا، فيجب رده.
فإن قيل: إذا كان حكمه حكم الربا؛ يجب أن يقع العقد باطلاً.
стр. 610
قلنا: جعل الزيادة في حكم الربا على المسترسل، فإذا علم فلم يفسخ خرج عن كونه مسترسلاً فلم يكن في حقه ربا، فصح العقد.
والفقه في المسألة أن يقول: نقصان في أحد العوضين لم يرض العاقد، ولا جرت العادة بمثله، فأثبت له الخيار كالعيب، والتدليس، وهذا لأن العيب فيه، فقد جرى وصفه، وكذلك التدليس؛ لأنه أوهمه صفةً يريد به الثمن ولم تكن، وهذا بعينه في المسترسل؛ فإنه دلس عليه في سعر السوق، وأذهب من ماله أجراً، فيجب أن يكون بالخيار أولى.
وهذه الطريقة ليست صحيحة؛ لأن للمخالف أن يقول بموجبه في الثمن المعني، فإنه يثبت الفسخ، وإنما يمنع الفسخ إذا كان الثمن في الذمة؛ لأنه متى أحضر ثمناً ينقص عن الثمن الذي يقتضيه الإطلاق فليس ذلك هو الثمن، ويكون له المطالبة بما ينتظمه أوصاف الثمن، أو يذهب إليه الإطلاق من نقد البلد.
والعبارة السليمة أن يقول: ضرر بنقصان لا يعفى عنه في إطراد العادة غالباً، فملك به الخيار بنقصان العين بالعيب، وهذا لأن البيع كما يقصد سلامة بعينه من العيوب يقصد سلامة ماليته من العيب، وما ثبت الخيار في المعيب إلا لدفع الإضرار/ بمالية المبتاع، ولذلك ما لا يضرّ بالمال كالرفة والرفتين في الثوب، والغلطة والغلطتين في الكتاب، ويسير العُقَد (١)، والمُدر (٢) في الصُّبرة [من] (٣) الطعام، وإذا كان كذلك فالعيبة نقص في المالية، وإضرار بالمغبون، فصار كنقصان العين بالعيب.
فإن قيل: نقص العيب في المعقود عليه، ونقص العين ليس بنقص في المعقود عليه.
стр. 611
قلنا: ليس كذلك؛ فإن الثمن معقود عليه، والنقص فيه يحمل على المشتري، كما يحصل بفوات الحر في المعيب.
فإن قيل: لو كان كالعيب لوجب أن يفسخ به إذا حدث بعد العقد، وقيل: القبض كالعيب إذا حدث.
قلنا: الغبن لا يقع طارئاً لازماً، يطرأ من زيادة تسمى ربحاً للمشتري لاغياً للبائع، وما يطرأ من نقيصة فهو حر أن لا يسمى عيباً للمشتري، وإنما يكون الغبن بما يوجد حال المساومة التي ينعقد العقد عقيبها، فينسب ذلك إلى الخداع والغبية (١)، ولا يُسلّم العيب الحادث قبل قبض المبيع، فإنّ تلف المبيع المتعيّن من ضمان المشتري، ثم لو سلمنا على رواية (٢)؛ فإن العيب الحادث عيب، سواء كان قبل العقد أو بعده، ويفوت به التسليم المستحق بالعقد إذا وجد قبل القبض؛ لأنه وجب عليه تسليم [أجرةٍ] (٣) معلومة تناولها العقد، فإذا فات بعضها فإن تسليم ذلك أنجز.
فأما الغبن في المبيع فلا يكون إلا حال العقد، فأما نقصان السعر بعد العقد يكون حراماً، والغبن ما كان فعل الغابن، وانجرار ما وقع من تغير الأسواق برغبات الناس أو عدم رغباتهم فور (٤) الغبن [و] (٥) التدليس لا العيب الذي يتحدد بعد العقد، فإذا لم يوجد ذلك حال العقد، وتجدد لم يكن غبناً، على أن هذا باطل بغير الوكل (٦)، يثبت به حال العقد، ولا يثبت بما كان منه بعد/ العقد.
стр. 612
فإن قيل: لو كان كالعيب لاستوى قليله وكثيره في إثبات الخيار كالعيب، ولأنه لو كان كالعيب لكان فعله [محرماً] (١) كالتدليس بالعيب محرم.
قلنا: لا فرق بينهما، فإنّا لا نُسلِّم أنَّ يسير العيب يفسخ به، ولهذا الصداع والحمى اليسير وفوات آيات في المصحف وأسطر في الكتاب لا يفسخ به، وعلته أن العادة جازمة بذلك فلم يعد عيباً، كما أن الغبن اليسير جرت العادة به؛ فلم يعد غبناً، بخلاف الكثير فيهما، ألا ترى في حق الوصي والوكيل والأب لو وجد الغبن اليسير لم يبطل البيع، ولو كان الغبن كثيراً أبطل البيع، وأما كونه [محرماً] (٢) فكذا نقول، نص عليه أحمد (٣).
طريقة أخرى: أنا نقول: هذا غبن يخرج عن العادة فأثبت الخيار، كغبن الركبان، وقد دل على الأصل خبر أبي هريرة أن النبي ﵇ قال: «لا تلقوا الركبان (٤)، فمن تلقى فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق، إن شاء ردّ، وإن شاء أجاز» (٥).
стр. 613
فإن قيل: هذه الطريقة غير صحيحة؛ لأنكم جعلتم مسألة الخلاف علَّةً؛ لأن الحكم هو الغبن الخارج عن العادة، هل يثبت الفسخ؟ فإذا جعلت علة فأين الحكم، فإن قلتم: هو العلة والحكم، فالشيء لا يكون علَّةً في نفسه.
قلنا: بل الحكم إثبات للخيار، والعلة الغبن الخارج عن العادة؛ ولهذا لو قال الرسول ﵇: أثبت الخيار في هذه؛ لأنه غبن يخرج عن العادة، صحّ.
ولأن القياس إيضاح للمشابهة بين الأصل والفرع، فإذا كان مثل المسألة في صورتها قد ثبت به الخيار كان من حكمِ المسألة إثباتُ الخيار ـ أيضاً ـ.
فإن قيل: المعنى في الأصل أن البائع غير مفرِّط؛ لأنه لا يمكنه معرفة القيمة، وهذا مفرط فإنه كان يمكنه تعرف القيمة/ فلما ترك لزمه تفريطه.
قلنا: علة الأصل ممنوعة فإنه قد كان يمكنه أن ينفذ إلى السوق فيتعرف القيمة، أو يؤخر البيع، أو يشترط الخيار فلا فرق بينهما في التفريط، ثم تبطل علة الفرع بظهور العيب، فإنه يرد به وإن كان مفرطاً؛ لأنه كان يمكنه أن يختبر المبيع وينظر إلى جميعه ويستبرئ صحته فلم يفعل، وثبت له الفسخ، كذلك هاهنا.
طريقة أخرى: أن وضع أصول الشرع على حفظ أموال الناس عليهم ونفي الأسباب التي تخرجها عن أيديهم بغير رضاهم، ولهذا قال ﵇: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» (١)، ولهذا وضع خيار المجلس في البيع لينظر الإنسان هل غُبن أم لا، وأثبت للركبان الخيار لذلك، وجعل خيار المصراة، وأثبت في مقابله ما يختلب الإنسان الثمر، ووضع الجوائح وقال: «أرأيت إن أذهب الله بالثمرة،
стр. 614
فعلامَ يأكل أحدكم مال أخيه» (١)، وقال لحبان: «قل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثاً» (٢) أي: لا خَديعة، ونهى عن النجش، وهو: أن يزيد من ليس بنيته الشراء؛ ليغر صاحبه.
وجميع هذا إذا تأمل المنصف مقصوده علم أنه وضع لنفي الغبن والخديعة، وأن لا يظلم الإنسان أخاه ليأكل ماله بغير رضاه، وهذا هو الذي أثبتنا لأجله الخيار في مسألتنا، بل في مسألتنا أولى؛ لأن المسترسل أمن صاحبه وألقى إليه مقاليده، ولم يحترز منه، فظلمه وغشه وحاف عليه بما لم تجر العادة به؛ فكان النظر لهذا المظلوم بإبطال عرض ظالمه أولى مما شرع وأمنع.
احتجوا:
بخبر حبان، وقول النبي ﵇ له لما ذكر له أنه كان يخدع في البيع: «قل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثاً».
/ ولو كان الغبن يثبت خياراً حكماً لما أخرجه إلى شرط ولا قول، وما تعين قوله: «لا خِلابة»، مع كون الشرع قد أزال حكم الخلابة بما ثبت له من الفسخ بها، ألا ترى أن الخيار الثابت في المجلس عندكم وعند من وافقكم (٣)، وخيار العيب عند الجماعة (٤) لمّا ثبت شرعاً وحكماً لم يحتج إلى قول ولا شرط.
стр. 615
والفقه في المسألة لهم: أن هذا غبنٌ في عقد، فلم يوجب الفسخ، كالغبن في قدر الصداق إذا لم تعرف المرأة قدر صداقها فنقصت، أو لم يعرف الزوج وزاد في ذلك، والغبن اليسير في سائر العقود، أو نقول بأنه نقص لا يغبن المبيع ولا منافعه، ولا يملك به الخيار، كما لو كان يسيراً لا يخرج عن العادة.
قالوا: ولأن خيار الغبن لو كان ثابتاً شرعاً لثبت من جنسه شرطاً، فلمَّا لم يثبت من جنسه شرطاً لم يثبت شرعاً، ألا ترى أن خيار الشهوة والمشية لما ثبت شرعاً وهو خيار المجلس، ثبت شرطاً وهو خيار الشرط، وكذلك الأجل لما ثبت شرعاً وهو الإنظار إلى حال اليسار في حق المعسر، ثبت في حق الأثمان والأعواض شرطاً.
وفقه آخر لهم، قالوا: البيع لما وضع للمغابنة لم يفسخ بها كالسبق والرمي، والدليل على ذلك أن الصحابة ﵃ قالوا: كنا نتمنى أن نبايع عبد الرحمن وعثمان حتى ننظر أيهما أشد جداً في البيع، وساقوا حديث الفرس، وخرج عليه العيب، فإن البيع ما وضع لتغطية العيب وكتمه، ولا لتدليس؛ ولذلك قال: «من غشّنا فليس منا» (١)، وفرح حيث استرخص له عروة البارقي (٢) الشاتين بالناد (٣)، وحيث باع واحدة منهما بالدينار، ودعا له بالبركة في صفقة يمينه، ولم يستفصله/ هل باع على مسترسل أو معروف [بالسوم] (٤).
стр. 616
ومن وجه آخر، وهو أنه ليس نقصان الثمن كنقصان الغبن بالعيب، ولهذا لو وجد بالمبيع عيباً، ثم كان في سعره من الزيادة ورغبات أهل السوق في مثله ما يوفي على أضعاف ماليته عيبه، ويغطي على أمثال أرشه، يملك الفسخ ولم يجبر النقص في الغبن بالزيادة في السعر، كذلك لا يُفسخُ لنقصان السعر العقدُ على العين المبيعة مع سلامتها وصحتها.
يدل عليه: أنه لو كان الغبن يثبت الفسخ كما يثبت العيب، وكان نقصاً معتداً به، لوجب أن يحرم السوم، ويكثر الثمن عند المساومة؛ لأنه توهم نفاسة المبيع وجودة جوهره وكثرة ماليته، كما حرّم تدليس العيب في صفقات الأسواق، فلما جاز أن يوسع القول في ثمنه حتى يستام فيما قيمته عشرون درهماً؛ مائة درهم، بخلاف دعوى الصحة والسلامة وإيهام مكان العيب بضرب من التدليس، وتخمين الصُّبَر (١) من الطعام، والتمر بالترويس (٢)، عُلم أنه ليس بعيب ولا جارٍ مجرى العيب، وإذا كان كذلك لم يثبت الخيار.
يدل عليه: أن هذا يفضي إلى التسعير على الناس، وقد نهي عن التسعير، وقال ـ صلَّى الله عليه ـ: «إن الله هو المسعِّر» (٣).
الجواب:
أما حديث حبان، فهو أصل لنا في هذا الباب، فإنه كان يغبن في البيع فقال ﵇: «قل: لا خِلابة»، أي: لا خديعة ولا غبن، وجعل له الخيار؛ فكان يفسخ لأجل ذلك من غير شرط، وقد تقدم ذكر ذلك.
стр. 617
ثم لو سلّمنا لكم أنه أمَرَه بالاشتراط، ففي ذلك فوائد منها:
أنه يفيد قطع الخصومة في الغبن؛ هل كان/ موجوداً حالَ العقد أو حدث بعده.
الفائدة الثانية: أنه أراد بذلك أن يمتنع الناس من معاملته، فإن أهله شكوا غبنه، فنهاه النبي ـ صلَّى الله عليه ـ عن البيع فلم يصبر عنه، فأمره أن يقول ذلك؛ لعلمه أن التجار لا [يرغبون] (١) في بيع الخيار؛ لأنه تلاعب بأمتعتهم.
الفائدة الثالثة: أنه يفسخ بشرط الخيار بالغبن اليسير التي جرت به العادة، وبتجدد الرغبة منه في الذي باعه وإن لم يكن قد غبن.
وهذه كلها فوائد لا توجد في الرد بمجرد الغبن.
جواب آخر: أن أكثر ما فيه أنه جعل له طريقاً، وإن كان له طريق آخر، وهذا غير ممتنع كما أثبت الخيار في المصراة، ومعلوم أن للمشتري طريقَ الفسخ بالتدليس، وأثبت خيار المجلس مع خيار الشرط مع خيار العيب.
وأما قولهم بأن هذا غبن في عقد.
قلنا: قد علّقتُم على العلّة ضد مقتضاها؛ فإنَّ من شأن الغبن أن يثبت الاستدراك، فأما الصداق فقد قال القاضي: لا نعرف الرواية، فيحتمل أن يقول فيه كمسألتنا، قال: وإن سلمنا، فإن الصداق غير مقصود في نفسه، وإنما المقصود من النكاح الألفة والوصلة وشرف البنوة وحصول الأهلية والاستمتاع والسكن، ولهذا تحمل المرأة معها من الجهاز أمثال الصداق، فيتبدله الزوج ويتلفه، بخلاف البيع فإنه بُنِيَ على المكايسة (٢)
стр. 618
والمشاحة (١)، ومقصوده الربح بالحمل من بلد إلى بلد، وتقلب الأسواق، ولهذا لا يرد الصداق عندهم ـ وعلى وجه لنا ـ بالعيب اليسير، ويرد المبيع بذلك (٢).
جواب آخر: أن الصداق ليس بركن في العقد، ولهذا لا يفسد العقد بفساده، ويجوز اشتراط نفسه في العقد بخلاف البيع.
وأما الغبن اليسير/ فإن البِيَاعات لا تنفكّ عنه في الغالب، ولهذا لا يفسخ به في حق الأب والوصي والوكيل وفي تلقي الركبان بخلاف الكثير.
وأما عبارتهم الأخرى، وقولهم: بأن هذا نقص لا يغبن المبيع ولا منافعه.
فهو ـ أيضاً ـ تعليقٌ على العلة ضد مقتضاها؛ لأن النقص يوجب المنع ـ على ما سبق ـ.
الثاني: أنه لم يغبن المبيع ذاتاً ووصفاً؛ فقد غيَّر ما هو مقصوده من المالية وحصول الكسب والغبطة والربح، وأبدله بالخسران الذي لأجله يبطل مع الوصي وأمين الحاكم، ويثبت به الرجوع على الوكيل عند قوم، وإبطال العقد رأساً عند قوم من مخالفينا، ولأنه باطل بتلقي الركبان لا نقصان في المبيع عيناً وذاتاً، ثم أثبت الخيار لنقصانه قيمةً وسعراً، وأما الأصل فقد سبق جوابه.
وأما قولهم: إن خيار الغبن لو كان ثابتاً شرعاً لثبت من جنسه شرطاً.
قلنا لهم: لمَ كان كذلك وليس هذا علة الأصل؟
الثاني: أنه قد ثبت من جنس هذا شرطاً وهو الغبن اليسير، فإنه لو قال: بعتك هذا بعشرة على أني إن كنت غبنتك فيه بدرهم فلك الخيار، ثبت له الخيار بالشرط، وإن لم يثبت الفسخ بالدرهم في هذه الصورة شرعاً،
стр. 619
على أن الأصل أن ثبوت الشيء حكماً يغني عن إثباته شرطاً، والدليل عليه خيار العيب، ثبت شرعاً ولو شرط لم يفد الشرط، وكذلك خيار الرؤية عند أبي حنيفة يثبت شرعاً (١)، ولا يثبت من جنسه شرطاً، وبعكس ذلك ما يثبت شرطاً، ولا يثبت من جنسه شرعاً، وعند الشافعي الأجل لا يثبت من جنسه شرعاً، فلا يمتنع في مسألتنا ثبوته شرعاً (٢)، وإن لم يثبت من جنسه شرطاً.
فإن قيل:/ قد ثبت من جنسه شرطاً، وهو خيار فَقْد الصفة التي يشترطها المبتاع من كون العبد قارئاً، والأمة خبازة أو خياطة، فمتى عدمت الصفة ثبت الخيار.
قلنا: ليس ذلك من جنس خيار العيب، بل هو خيار قائم بنفسه ثبت شرطاً ولم يثبت شرعاً، وخيار العيب يثبت شرعاً فقط، والدليل على أنه جنس غير خيار الصفة: أن عدم الكتابة والقراءة وفَقْد الصياغة فَقْدٌ زائد على الخلقة، والعيب نقص يعود إلى أصل الخلقة، ونقصانٌ يرجع إلى ذات المبيع، وأنه يقبل الجبران؛ فخذوا منا مثله، وأن خيار الشرط في الأصل وضع مشروطاً لأجل الخلابة، وأثبت خيار الغبن شرطاً على أن هذا باطل بخيار الركبان وإن لم يثبت شرطاً على ما قررت.
وأما قول من قال منهم: إن البيع وضع للمغابنة.
قلنا له: البيع وضع لمغابنة معتادة معلومة، فأما الخارج عن العادة والمسمى خديعة وخلابة فلا، فقد استحال إلى غير المقصود وهو الإفراط، ولهذا يسمى من غبن هذا الغبن مخدوعاً، ومن غبنه سمي غابناً وخادعاً وخالباً، كما أنه يُعفى عن يسير العيب، ولا يثبت به خيار، ولا يمنع ذلك من ثبوت الخيار فيما لا يعفى عن مثله من العيوب، وبول الصغار في الفراش لا يعدّ عيباً، وفي الكبار يعدّ عيباً، أولا ترى أن القرض
стр. 620
وضع للارتفاق ثم إذا صار الارتفاق فيه خارجاً عن العادة صار ربا؟! وعفي عن الزيادة اليسيرة في الخبز والعجين حتى قال الرسول ﵇ لعائشة وقد سألته عن ردّ الأقل والأكثر: «ذلك من مرافق الناس» (١)، وقال لحبان: «قل: لا خِلابة»، ونهى عن تلقي الركبان/ وإن كان لأجل الغبن، فعلم أن الغبن الذي وضع له البيع هو الذي يتعافاه الناس، ويتغاضون عنه؛ ولهذا ما خرج عن الغبن في العادة يمنع الرشد، ويوجب السفه، ويوجب الرجوع على النائب وأمين الحاكم.
أما من بلغ من التجارة مبلغها فهو يدخل على بصيرة من المخابأة أو غرض في عين المبيع لا في قيمته، لا يبذل في الفرس أربعين ألفاً وهي عانية، ونحن لا نمنع المخابأة كما إذا علم بالعيب وبذل الثمن الوافي.
وأما تعلقهم بالزيادة بالسعر، فإنها لا تغطي على العيب بمثله في الأجزاء، فإنه لو اشترى معيباً وفيه من زيادة الأجزاء والأوصاف والحسن والجمال ما يغطي على لمعة برص أو قطع أنملة، كملاحة في العينين والتخاطيط، ودعابة، ورشاقة، وحسن خلق، وثقة، وأمانة، وحسن نعمة،
стр. 621
وزيادات تساوي في نفسها أضعاف ما تنقصه لمعة برص في مكان خفي من البدن وتُوْفي؛ لكونها محاسن ظاهرة على لمعة برص باطنة، لم يسقط خياره، ولم يدل ذلك على أن نقصان الصفات لا يثبت خياراً.
وأما تعلقهم بالسوم (١) وتكثير الثمن عند المساومة (٢).
قلنا: أما إكثار الأثمان ومدح السلع بما ليس فيها في حق المسترسلين والجهال لا يجوز، كما لا يجوز الغش والتدليس فهما سواء.
على أنا لو سلمنا أنه لا يحرم فله وجه، وهو أنه لم يحرم قوله: لا أبيعه إلا بكذا، ولا آخذ إلا كذا، فله ذلك كما أنه إذا قال: أبيع هذا العبد الأسود الزنجي القوي الحماسي القادر على الكد والخدمة، ويوري عن ذكر [منافيه] (٣) من برص أو جذام وما شاكل ذلك لا يُعْلِمه، ولا يتعرض للبحث عنه، بل يستام في بيعه على مطاويه، فإنه لا يحرم، وإنما الذي/ يحرم أن يقول: وقيمته كذا وكذا، أو أنه يساوي كذا وكذا، والمشتري مسترسل، فهذا حرام، كما إذا قال: بعتك هذا العبد السليم الصحيح، أو أطلق مع علمه بعيوب فيه لم يكشفها، فهذا هو الكذب والتدليس المحظور، وهو آكد من التدليس بالفعل؛ لأن من قال في الشاة: بعتك هذه وحلابها كل يوم كذا، كان آكد من تصرية لبنها؛ لأنه إيهام أنه حلابها المعتاد، والتصريح بالكذب آكد من إيهام الكذب، وكذلك من سوّد الشعر كأنه يقول: هي شابة، ومن قال: هي شابة، فقد صرح بالكذب، وتصريح الكذب آكد.
وأما قولهم: إن هذا يفضي إلى التسعير، وهو منهي عنه.
стр. 622
قلنا: إن [المنهي] (١) عنه هو التسعير العام، فأما الخاص فلا؛ بدليل الركبان، ولو كان عاماً خصصناه بما سبق من أدلتنا، ولأن التسعير المنهي عنه هو ما يضعه السلطان، فأما ما وضعه الشرع لدفع الإضرار بالغير فلا، والله أعلم.
стр. 623
مسألة
يجوز التصرف في المبيع المتعين قبل قبضه، كالثوب والعبد والدار، هذا مذهبنا في إحدى الروايات (١)، وهي مذهب عثمان ﵁، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن والحكم، وحماد، والأوزاعي، وإسحاق (٢).
والثانية: لا يجوز (٣)، وهي قول الشافعي (٤).
والثالثة: كل شيء يباع قبل قبضه إلا ما كان يكال ويوزن مما يؤكل ويشرب (٥)، وبه قال مالك إلا أنه لم يشرط ما يكال ويوزن (٦).
وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا في العقار وعوض الخلع والصداق (٧).
الأوّلة/:
قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٨).
وقوله: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٩).
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١٠)، ولم يشرط القبض في جواز ذلك.
стр. 624
و ـ أيضاً ـ ما روى أحمد بإسناده عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «من اشترى طعاماً بكيل أو وزن فلا يبيعه حتى يقبضه» (١)، فدلّ على أنه إذا اشتراه صبرة جاز بيعه قبل قبضه.
وروى أبو داود بإسناده عن ابن عباس، أن النبي ﵇ قال: «من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله» (٢)، فخص الطعام ولو كان غيره مثله لم يكن لتخصيصه معنى.
فإن قيل: هذا من دليل الخطاب، وإن سلمنا أنه حجة فإنما يكون إذا علّق على صفة لا على اسم، وهاهنا علق على اسم.
قلنا: لا فرق بين تعليقه على اسم أو على صفة؛ لأن الاسم وضع لتمييز المسمى عن غيره كالصفة، فجاز تعليق الحكم على كل واحد منهما؛ ولأن اللفظ أمارة المراد، فإذا عم اللفظ عم المراد، وإذا خص اللفظ خص المراد، وقد خصه في مسألتنا بطعام مكيل فلو أراد العموم لقال: من ابتاع شيئاً [فلا يبعه] (٣) حتى يقبضه.
فإن قيل: فذكر الطعام تنبيه على غيره؛ لأن الحاجة إليه أدعى، فإذا لم يجز فيه التصرف قبل القبض مع الحاجة فأولى أن لا يجوز غيره.
стр. 625
قلنا: إنما يكون تنبيها لو علَّقه على الطعام، فأما وقد قال: «بكيلٍ معلوم، ووزن معلوم»، دلّ على أن مراده غير الطعام، وإنما المراد المكيل والموزون لا يباع حتى يميز بالكيل والوزن، ثم لو صح هذا لما ذكرتم لوجب أن يكون قوله: «لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا/ الفضة بالفضة إلا مثلاً بمثلٍ» (١)، فيه تنبيه على أن غيره من الموزونات أولى أن لا يجوز إلا مثلا بمثل؛ لأنه إذا كان مما تدعو الحاجة إليه ـ وهو الثمن ـ قد حجر فيه عن الزيادة، فغيره أولى ولم تقولوا ذلك.
والفقه في المسألة: أن المطلق للتصرف هو الملك، وكون المتصرف من أهل التصرف، ولهذا دفع عن التصرف في ملك الغير لعدم الملك، وفي حق السفيه والصبي والمجنون لعدم الأهلية، والملك في مسألتنا قد حصل بالعقد، وأهلية التصرف موجودة فلا مانع من التصرف.
فإن قيل: فيجب أن تجيز التصرف فيما ليس [بمعيّن] (٢) لما ذكرتم.
قلنا: ملك التصرف فيه حاصل إلا أنه لا يمكن إيقاعه لاختلاطه بملك البائع، فإن باعه أو وهبه لم يمكنه تسليمه؛ لأنه غير متميز، وإن أراد تناوله لا يمكنه إلا بتناول ملك البائع معه، فلو كاله البائع عليه أو وزنه جاز له التصرف فيه في الحال، وقد بينا أن التصرف يعتمد الملك حتى يوجد بوجوده، وينتفي بانتفائه، ولا يلزم عليه غير مسألة امتنع التصرف فيها لعلة معقولة، ألا ترى أن المغصوب والآبق والجمل الشارد لا يصح تصرف الملك فيهم مع مِلكه للتَّصرف؛ لكونه لا يمكنه التسليم ولا التناول، ولهذا لو تصرفوا في هذه المواضع بما لا يقتضي التسليم كالعتق والإتلاف والبيع من المتغلب الذي حصل بيده، جاز.
فإن قيل: فما تنكرون أن نقول في مسألتنا بملك التصرف، ولكن لا يصح لعدم القبض.
стр. 626
قلنا: وأي معنى أفاد القبض إلا الإحازة/ من ملك البائع وقطع العلق عنه ولم يمنع المشتري منه.
فإن قيل: فيه معنى أوفى من هذا، وهو أن بالقبض يصير من ضمان المشتري، ويؤمن انفساخ العقد لو هلك المبيع، وهذا لا يجوز في التعيين.
قلنا: لا نسلم فإن بالتعيين ينتقل الضمان إلى المشتري، ولو تلف لم ينفسخ العقد، وكان من ضمان المشتري كالمقبوض سواء.
فإن قيل: فيجب أن يقوم التعيين في بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة مقام القبض في جواز التصرف وفي التضمين.
قلنا: القياس يقتضي ذلك، لكن تركناه لقول الرسول ﵇: «الذهب بالورق رباً إلا هاء وهاء» (١) في خبر عمر، رواه أبو داود، فلم يصح البيع إلا بقبضه، ولهذا لو تفرقا فيه قبل القبض بطل العقد، وفي البيع لو تفرقا قبل القبض لم يبطل، دل على افتراقهما، وعلى أنه يجوز له التصرف فيما إذا تميزت بأن يشتري بعينها فرساً أو ثوباً، ويأمر البائع بقبضها في مجلس التصرف، ولو أتلفها كان متلفاً لماله، ولم يكن لأحد تغريمه، وقد دل على ذلك قول ابن عمر ﵁: «مضت السنة أن ما أدركته الصفقة مجتمعاً فهو من مال المشتري» (٢)، وأراد سنة الرسول ﵇.
ويدل على ما ذكرنا أنا نقول: إن المعقود عليه إذا كان مميزاً جاز التصرف فيه، وكان من مال متملكه بالعقد وإن لم يقبضه، أصله البضع وسائر الأصول التي سلّموها، وبيان هذا أن المرأة لو ماتت قبل أن يراها الزوج
стр. 627
ضمن جميعَ مهرها، وكذلك لو أراد طلاقها ومخالعتها قبل أن يراها جاز كما يجوز بعد أن يقبضها وتحصل في بيته/ وتحت يده.
فإن قيل: الموت هناك كالاستيفاء، والتصرف بالطلاق والخلع رفع للعقد وذلك جائز قبل القبض كالإقالة في البيع.
قلنا: لم كان التلف ولم يقبض كالاستيفاء، إلا أن البضع معين في ملكه فتلف على ملكه، وقولك: الخلع رفع للعقد، لا نسلم، ولهذا تقع به طلقة، ويستقر به تحريم أمها وبنتها، ويجوز بزيادة من الصداق ونقصان، ولو كانت كالإقالة لم يجز ذلك.
على أن نقول: ولم جازت الإقالة في البيع قبل القبض إلا بما ذكرنا من أن التصرف قبل القبض جائز في جميع الأشياء إلا ما يمنع منه علة كالذي ذكرنا، والبائع لما كانت المقابلة معه لم يكن فرقاً بين المشاع في ملكه و [المتميز] (١)؛ لأنه تعلق لغيره به، ولهذا نجيز ذلك، وإن قلنا: الإقالة بيع مبتدأ.
طريقة أخرى: أنه تصرف في المشترى المتعين، فجاز قبل قبضه، دليله تصرفه بالعتق لو كان المُشْتَرى عبداً، وتصرفه بالوصية فيه، والخلع عليه، والرهن له.
طريقة أخرى تخص أبا حنيفة: بأنه عِوض معين؛ فجاز [التصرف] (٢) فيه قبل قبضه (٣)، دليله العقار والصداق وعوض الخلع.
فإن قيل: إنما جاز هناك؛ لأنه فداء من انفساخ العقد بتلفه، فإن النكاح لا ينفسخ بتلف الصداق، وكذلك الخلع بتلف عوضه، وكذلك الأرض لا يتصور تلفها، وهاهنا لا يؤمن عليه التلف في يد البائع الأول فينفسخ العقد، ويصير المشتري بائعاً ما لا يملك، وأنه غرر يمكن التحرز عنه فيجب تنزيه العقد عنه؛ لنهيه ﵇ عن الغرر.
стр. 628
قلنا: لا فرق بينهما، فإن عندنا قد أمن انفساخ العقد، ولو تلف كان من مال مشتريه، ويبطل إذا باعه حجارة/ البزر وزبر (١) الحديد، فإنه قد أمن تلفها في الغالب فلا يصح عندهم.
وقولهم: هاهنا لا يؤمن التلف.
لا اعتبار به، فإنه لا يؤمن التلف ـ أيضاً ـ إذا باعه ما ورثه عن أبيه، وإذا باعه العين الغائبة في بيته وبلده، ومع هذا فإنه يصح، والغرر موجود فسقط عذرهم.
احتجوا:
بما روي عنه ﵇ أنه كتب إلى (٢) عتاب بن أسيد (٣): «انْهَهُمْ عن بيع ما لم يَقْبِضُوا، وربح ما لم يضمنوا» (٤)، وهذا على عمومه.
وبما روي عنه ﵇ أنه نهى عن بيع ما لم يقبض، وروى ابن عمر
стр. 629
أنه قال: «ابتعت زيتاً، فجاءني فيه ربح، فأردت أن أصفق على يدي المشتري فإذا جاذب يجذبني، فالتفت فإذا زيد بن ثابت فقال: لا تفعل؛ إن رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ نهى عن بيع الأمتعة حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى [رحالهم] (١)» (٢).
والفقه فيه: أنه مبيع، فكان قبضه شرطاً لصحة بيعه، أصله المسلم فيه والدراهم والدنانير والصرف وما ليس بمعين.
قالوا: وهذا لأن اليد [شرطٌ] (٣) في صحة البيع، ألا ترى أنه لا يجوز بيع الآبق والجمل الشارد لزوال يده عنه حساً.
الجواب:
أما خبر ابن عمر فمُطّرح؛ لأن بالاتفاق يجوز بيع الأمتعة حيث تبتاع إذا قبضها التجار، فدل أنه أراد النهي عن بيعها مختلطة بمال البائع حتى تحاز بالكيل والوزن.
وخبر عتاب مخصوص بالاتفاق، فإنّ الشافعي قد جوز بيع الدين الحال بالعرض، وكذلك أرش الجناية، وكذلك جوّز بيع العوض [في] (٤) المردود بالعيب، أو الذي انفسخ العقد فيه بسبب قبل أن يعود إلى اليد، وجوّز التصرف في الصداق، وفي بدل الخلع، والصلح/ عن دم العمد،
стр. 630
وبيع المبيع من البائع (١)، وإبدال الثمن قبل القبض في جميع ذلك (٢)، فثبت أن المراد بالخبر أنه نهى عن بيع ما لم يقبض ما كان غير متميز عن ملك البائع، ولا متعين بنفسه، وكذلك أجاز أبو حنيفة بيع العقار قبل قبضه، والتصرف في الصداق وعوض الخلع قبل قبضهما (٣)، فلا تعلق لهما بالعموم.
وأما قولهم بأنه مبيع.
فنقول: وإذا كان مبيعاً لا يجوز بيعه، وليست العلة في الأصل ما ذكرتم.
الثاني: أنه لا تأثير للمبيع فإنه لو كان موهوباً لم يجز بيعه قبل قبضه، وعلى أن العبرة لإطلاق التصرف هو التملك لا البيع.
وأما السَّلَمُ، فإن المنع من التصرف في المُسَلم فيه عدمه، وهذا لأن السَّلَمَ بيع معدوم، والقياس أن لا يجوز إلا أن الشرع جوزه لعذر الحاجة، وهذا كان رخصة، والعذر في العقد الأول بمنزلة [تجعل] (٤) المسلم فيه العقد الأول بمنزلة الوجود حتى صلح السلم، ولا عذر في العقد الثاني؛ لأنه لا حاجة إليه؛ فيبقى على العدم في حقه، فلم يجز لهذا، ولأن الشرع قطع التصرف فيه بقوله: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» (٥)، بخلاف مسألتنا.
стр. 631
وأما رأس مال الصرف، فقد تقدم جوابه، وكذلك ما ليس بمعين، ثم ما ليس بمعين لا يحل له تناوله، فلو اشترى قفيزاً (١) من صبرة (٢) لم يكن له أن يتناول من الصبرة ذلك، ولو اشترى قفيزاً مفرداً جاز له أن يتناول منه ويأكل، وكذلك لو كان المشترى جارية جاز له وطئها قبل القبض، فكذلك يجوز له أن يبيع، ثم لا اعتبار بالقبض فإنه لو اشترى كر (٣) حنطة وقبضه من غير كيل لم/ يجز له التصرف فيه، وقد وجد القبض فدلّ على أن المقصود هو تعيينه وإفراده لا قبضه.
وأما دعواهم اشتراط اليد في صحة البيع، فتبطل بالأصول التي ذكرناها، فإنه لا يد، ويجوز البيع، والعبد الآبق والجمل الشارد ليس العلة في منع بيعهما امتناع يده الحسية عنه، وإنما تعذر تسليمه، ولهذا لو باعه ممن يقدر على أخذه جاز، ولهذا لو تصرف فيه بالعتق والنذر صح، ولأن النذر يراد ليقدر على التمييز والتسليم، فإذا كان معيناً والشرع قد حرم منعه من التسليم تسلم شرعاً وتصرف ملكاً، فصح، والله أعلم.
والمعتمد لنا في المسألة أن نقول: المطلق مطلق للتصرف حقيقة وحكماً؛ أما الحكم فبدليل العتق والنكاح فإنهما جائزان قبل القبض، وأما الحقيقة
стр. 632
فإن البيع إثبات الملك، وإثبات الملك لا يستدعي غير أهليّة الإثبات من المثبت، ووجود محل الإثبات، وقد وجد في مسألتنا كلاهما.
واعتمادهم في المسألة: على أن اليد [ركن] (١) في بيع الأعيان، فإذا لم توجد لا حقيقة ولا حكماً لم يجز.
قالوا: والدليل على أن اليد ركن، أنّ البيع تصرف في محلّ، فلا بدّ من التمكُّن من المحل ليتصرف فيه، والتمكن باليد، مع عدم التمكن لا يتصور تصرفاً، فإذا فاتت اليد في مسألتنا فات التمكن، وإذا فات التمكن بطل التصرف، وحرفهم أن التصرف في المحل من غير مكنة له في المحل محالٌ غير معقول.
ونحن نقول: المطلق للتصرف هو الملك على ما سبق، والدليل على أن اليد غير مشروطة في التصرف مسائل منها التصرف في الدين؛ فإنه جائز ولا يد فيه، وهذه المسألة معتمدة، ومنها التصرفات/ في الأثمان والمهور جائز قبل القبض، وكذلك الموروث والموصى به والمغصوب والمقبوض على وجه السوم وأمثال هذا.
وأما تعلقهم بالتمكن.
قلنا: قد تمكن شرعاً بالملك من المحل، ولا يطلب تمكن سواه؛ ولأن التمكن باليد إنما يعتبر ليمكنه التسليم إلى المشتري، وفي مسألتنا قد تمكن من التسليم إلى المشتري؛ لأن المسألة مصورة في مثل هذا الموضع، وهو أن يكون المشتري متمكناً من قبضه من البائع وتسليمه إلى المشتري.
ومنهم من ادعى النقصان في الملك، وهو ليس بصحيح؛ لأن اليد ثمرة، وبفوات الثمرة لا ينقص الأصل كفوات الثمار من الأشجار لا يوجب نقصان الأشجار.
يُبيّنه أن العقد بالإيجاب والقبول، وقد تم هذا بين المتعاقدين ولزم، ولا يعرف التمام إلا بوجود موجبه ولزومه، فمن ادعى أن العقد مع هذا لا يتم فعليه الدليل، والله أعلم.
стр. 633
مسألة
إذا باعه عيناً وشرط بعض منافعها مدة معلومة صح البيع والشرط، وكذلك إن اشترى شيئاً وشرط منفعته للبائع مثل أن يشتري فلعة (١) ويشترط على البائع حذوها نعلاً، أو جرزة (٢) حطب ويشترط على البائع حملها في إحدى الروايتين (٣)، اختارها الخرقي (٤)، وعبد العزيز (٥)، وهي مذهب الأوزاعي، وإسحاق، وابن المنذر، وأبي ثور، وابن نصر المالكي (٦)(٧).
والثانية: يبطل الشرط (٨)، وهل يبطل العقد؟ يجري على الروايتين في الشروط الفاسدة (٩).
وقال الشافعي: لا يصح جميع ذلك (١٠).
стр. 634
وقال أبو حنيفة في المسألة الأوّلة كقول الشافعي، وفي الفلعة والجرزة كقولنا (١).
الأوّلة:
حديث جابر: أنه كان يسير على جمل قد أعيا، وأراد أن يسيبه قال: فلحقني رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ، فضربه ودعا لي؛ فسار سيراً/ لم يَسِرْ مثلَه، ثم قال: «بِعْنِيه بوُقيّة» قلت: لا، ثم قال: «بِعْنِيه بِوُقيّة»، فبعته واستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما قدمت أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه، ثم انصرفت، فأرسل في إثري فقال: «أتُراني إنما ماكسْتُكَ جملَك ودراهِمك، خُذْهما فهما لك». وفي لفظ آخر قال: غزوت مع رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ على ناضح لي، فأزحف الجمل، فتأخرت، فزجره النبي ﵇ من خلفه؛ فانبسط حتى كان أمام الجيش، فقال النبي ـ صلَّى الله عليه ـ: «يا جابرُ، ما أرى جملَك إلا قد انْبَسَطَ» قلت: ببركتك يا رسول الله، قال: «بِعْنِيه ولكَ ظَهْرُه حتى تقْدم»، فبعته، وذكره، وهو حديث صحيح مشهور متفق على صحته، أخرج هذين اللفظين البخاري ومسلم في «صحيحيهما» (٢)، وقد نص في البيع واستثنى منفعته إلى المدينة.
فإن قيل: هذا الخبر غير مضبوط؛ لأنه قد روي فيه أنه قال: «بِعْنِيه» ثم قال: «قد أخذْتُه بأربعة دنانير ولك ظهرُه إلى المدينة» (٣)، وفي لفظ آخر قال: «أتبِيعُ نَاضِحَك بدينار، والله يغْفِرُ لك» قلت: يا رسول الله، هو ناضحكم إذا أتيت المدينة، فقال: «أتبِيعُني بدينارين، والله يغفر لك» قال:
стр. 635
فما زال يزيدني حتى بلغ عشرين ديناراً (١). وفي لفظ آخر: اشترى فيه رسول الله بعيراً، وأرجح لي، فلم تزل تلك الدراهم معي حتى أُصِبْتُ يومَ الحرَّةِ (٢).
قلنا: قولكم: إنه غير مضبوط لا يجوز ألبتة؛ لأنه رواه المحققون، و (٣) خرّج في الصحاح فإن لم يصح فلا يصح خبراً أصلاً، على أن جميع الألفاظ لم تختلف في أنه شرط له ظهره، فقد [صح] (٤) الشرط للمنفعة في جميع الألفاظ فلا يضرّ، ولأن أوقية دراهم وأربعة دنانير سواء؛ فأوقيتهم كانت أربعين درهماً، ثم يحتمل أنه اشترى منه/ بعيرين في سفرين.
فإن قيل: فلعل الشرط كان سابقاً.
قلنا: في الخبر «بعني ولك ظهرُه» وفي لفظ آخر: بعته واستثنيت ظهره، وهذا في نفس البيع.