← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30143

المفردات

ابن الزاغوني

Полный текст (748 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وأما رأس مال الصرف، فقد تقدم جوابه، وكذلك ما ليس بمعين، ثم ما ليس بمعين لا يحل له تناوله، فلو اشترى قفيزاً (١) من صبرة (٢) لم يكن له أن يتناول من الصبرة ذلك، ولو اشترى قفيزاً مفرداً جاز له أن يتناول منه ويأكل، وكذلك لو كان المشترى جارية جاز له وطئها قبل القبض، فكذلك يجوز له أن يبيع، ثم لا اعتبار بالقبض فإنه لو اشترى كر (٣) حنطة وقبضه من غير كيل لم/ يجز له التصرف فيه، وقد وجد القبض فدلّ على أن المقصود هو تعيينه وإفراده لا قبضه. وأما دعواهم اشتراط اليد في صحة البيع، فتبطل بالأصول التي ذكرناها، فإنه لا يد، ويجوز البيع، والعبد الآبق والجمل الشارد ليس العلة في منع بيعهما امتناع يده الحسية عنه، وإنما تعذر تسليمه، ولهذا لو باعه ممن يقدر على أخذه جاز، ولهذا لو تصرف فيه بالعتق والنذر صح، ولأن النذر يراد ليقدر على التمييز والتسليم، فإذا كان معيناً والشرع قد حرم منعه من التسليم تسلم شرعاً وتصرف ملكاً، فصح، والله أعلم. والمعتمد لنا في المسألة أن نقول: المطلق مطلق للتصرف حقيقة وحكماً؛ أما الحكم فبدليل العتق والنكاح فإنهما جائزان قبل القبض، وأما الحقيقة

стр. 632

فإن البيع إثبات الملك، وإثبات الملك لا يستدعي غير أهليّة الإثبات من المثبت، ووجود محل الإثبات، وقد وجد في مسألتنا كلاهما. واعتمادهم في المسألة: على أن اليد [ركن] (١) في بيع الأعيان، فإذا لم توجد لا حقيقة ولا حكماً لم يجز. قالوا: والدليل على أن اليد ركن، أنّ البيع تصرف في محلّ، فلا بدّ من التمكُّن من المحل ليتصرف فيه، والتمكن باليد، مع عدم التمكن لا يتصور تصرفاً، فإذا فاتت اليد في مسألتنا فات التمكن، وإذا فات التمكن بطل التصرف، وحرفهم أن التصرف في المحل من غير مكنة له في المحل محالٌ غير معقول. ونحن نقول: المطلق للتصرف هو الملك على ما سبق، والدليل على أن اليد غير مشروطة في التصرف مسائل منها التصرف في الدين؛ فإنه جائز ولا يد فيه، وهذه المسألة معتمدة، ومنها التصرفات/ في الأثمان والمهور جائز قبل القبض، وكذلك الموروث والموصى به والمغصوب والمقبوض على وجه السوم وأمثال هذا. وأما تعلقهم بالتمكن. قلنا: قد تمكن شرعاً بالملك من المحل، ولا يطلب تمكن سواه؛ ولأن التمكن باليد إنما يعتبر ليمكنه التسليم إلى المشتري، وفي مسألتنا قد تمكن من التسليم إلى المشتري؛ لأن المسألة مصورة في مثل هذا الموضع، وهو أن يكون المشتري متمكناً من قبضه من البائع وتسليمه إلى المشتري. ومنهم من ادعى النقصان في الملك، وهو ليس بصحيح؛ لأن اليد ثمرة، وبفوات الثمرة لا ينقص الأصل كفوات الثمار من الأشجار لا يوجب نقصان الأشجار. يُبيّنه أن العقد بالإيجاب والقبول، وقد تم هذا بين المتعاقدين ولزم، ولا يعرف التمام إلا بوجود موجبه ولزومه، فمن ادعى أن العقد مع هذا لا يتم فعليه الدليل، والله أعلم.

стр. 633

مسألة إذا باعه عيناً وشرط بعض منافعها مدة معلومة صح البيع والشرط، وكذلك إن اشترى شيئاً وشرط منفعته للبائع مثل أن يشتري فلعة (١) ويشترط على البائع حذوها نعلاً، أو جرزة (٢) حطب ويشترط على البائع حملها في إحدى الروايتين (٣)، اختارها الخرقي (٤)، وعبد العزيز (٥)، وهي مذهب الأوزاعي، وإسحاق، وابن المنذر، وأبي ثور، وابن نصر المالكي (٦) (٧). والثانية: يبطل الشرط (٨)، وهل يبطل العقد؟ يجري على الروايتين في الشروط الفاسدة (٩). وقال الشافعي: لا يصح جميع ذلك (١٠).

стр. 634

وقال أبو حنيفة في المسألة الأوّلة كقول الشافعي، وفي الفلعة والجرزة كقولنا (١). الأوّلة: حديث جابر: أنه كان يسير على جمل قد أعيا، وأراد أن يسيبه قال: فلحقني رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ، فضربه ودعا لي؛ فسار سيراً/ لم يَسِرْ مثلَه، ثم قال: «بِعْنِيه بوُقيّة» قلت: لا، ثم قال: «بِعْنِيه بِوُقيّة»، فبعته واستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما قدمت أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه، ثم انصرفت، فأرسل في إثري فقال: «أتُراني إنما ماكسْتُكَ جملَك ودراهِمك، خُذْهما فهما لك». وفي لفظ آخر قال: غزوت مع رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ على ناضح لي، فأزحف الجمل، فتأخرت، فزجره النبي ﵇ من خلفه؛ فانبسط حتى كان أمام الجيش، فقال النبي ـ صلَّى الله عليه ـ: «يا جابرُ، ما أرى جملَك إلا قد انْبَسَطَ» قلت: ببركتك يا رسول الله، قال: «بِعْنِيه ولكَ ظَهْرُه حتى تقْدم»، فبعته، وذكره، وهو حديث صحيح مشهور متفق على صحته، أخرج هذين اللفظين البخاري ومسلم في «صحيحيهما» (٢)، وقد نص في البيع واستثنى منفعته إلى المدينة. فإن قيل: هذا الخبر غير مضبوط؛ لأنه قد روي فيه أنه قال: «بِعْنِيه» ثم قال: «قد أخذْتُه بأربعة دنانير ولك ظهرُه إلى المدينة» (٣)، وفي لفظ آخر قال: «أتبِيعُ نَاضِحَك بدينار، والله يغْفِرُ لك» قلت: يا رسول الله، هو ناضحكم إذا أتيت المدينة، فقال: «أتبِيعُني بدينارين، والله يغفر لك» قال:

стр. 635

فما زال يزيدني حتى بلغ عشرين ديناراً (١). وفي لفظ آخر: اشترى فيه رسول الله بعيراً، وأرجح لي، فلم تزل تلك الدراهم معي حتى أُصِبْتُ يومَ الحرَّةِ (٢). قلنا: قولكم: إنه غير مضبوط لا يجوز ألبتة؛ لأنه رواه المحققون، و (٣) خرّج في الصحاح فإن لم يصح فلا يصح خبراً أصلاً، على أن جميع الألفاظ لم تختلف في أنه شرط له ظهره، فقد [صح] (٤) الشرط للمنفعة في جميع الألفاظ فلا يضرّ، ولأن أوقية دراهم وأربعة دنانير سواء؛ فأوقيتهم كانت أربعين درهماً، ثم يحتمل أنه اشترى منه/ بعيرين في سفرين. فإن قيل: فلعل الشرط كان سابقاً. قلنا: في الخبر «بعني ولك ظهرُه» وفي لفظ آخر: بعته واستثنيت ظهره، وهذا في نفس البيع.

стр. 636

فإن قيل: فلعله لم يكن بيعاً حقيقة، وإنما أوقع عليه اسم شرائه تبركاً، ولهذا قال: «خذْ جملَك ودراهمَك». قلنا: هذا عدول عن ظاهر الخبر إلى المجاز بلا دليل، فلا يقبل، وقوله: «خذْ جملَك» معناه: الذي كان جملك، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ﴾ (١)، ومعناه: التي كانت أرضهم وديارهم. و ـ أيضاً ـ روي أنّ عثمان ابتاع من صهيب (٢) ﵄ أرضاً وشرط وقفها عليه وعلى عقبة (٣). وروي عن ابن مسعود أنه ابتاع أمَةً من زوجته، واستثنت خدمتها، فقال له عمر: لا تطأها فإنها مثبوتة (٤). وروي أن محمد بن مسلمة اشترى من نبطي (٥) جرزة حطب، وشرط عليه حملها إلى البيت (٦).

стр. 637

فقد ثبت جواز الشرط منهم في فنون من المنافع شتى، ولم يختلفوا فيه؛ فوجب المصير إليه. والفقه في المسألة: أنه شرط لا ينافي البيع؛ فصحَّ، دليله إذا شرط أجلاً معلوماً أو خياراً معلوماً، أو باع بشرط العتق على الشافعي (١)، أو اشترى [منه] (٢) فلعة على أن يحذوها له، أو حطباً على أن يحمله، سلمه أبو حنيفة (٣). وإنما قلنا: لا ينافي؛ لأن مثل هذه المدة قد تجب بمطلق البيع، ولهذا لو باع داراً له فيها متاع لا يمكنه نقله إلا في أيام قلنا: يجب على المشتري أن يتركه لينقل المتاع على ما تيسر له وجرت العادة بمثله، وكذلك لو باعه ثمراً بعد بدو صلاحها بشرط التبقية فله تركها على رؤوس النخل/ إلى حين الجداد، وكذلك له أن يحبس المبيع على قبض الثمن، وجميع ذلك تأخير عن التسليم في البيع عن العقد والانتفاع بالبيع مدة، فإذا شرطها المشتري فقد شرط الملائم؛ فلم يفسد بل أولى؛ لأنه إذا جاز أن يستثنى حكماً جاز استثناؤه شرطاً؛ كالخيار لما ثبت حكماً في المجلس ثبت شرطاً في مدة الثلاث عندنا وعند الشافعي (٤)، وكذلك العتق لما ثبت حكماً في عتق الرحم ثبت شرطاً. فإن قيل: لا نُسلِّم أنه لا ينافي العقد بل هو مناف، أما ما استشهدتم به من المسائل، فالمعنى فيها أن الشرع ورد بذلك مرفقاً في العقد، يستدرك به الظلامة، بخلاف مسألتنا. قلنا: قد دللنا على أنه غير مناف بثبوت مثله من المسائل، فأما اعتذارهم عنها بأن تم لاستدراك الظلامة فنقول: وأي استدراك في شرط الأجل، أو شرط حذو النعل وما أشبهه، ثم في مسألتنا أثبتها الشرع مرفقاً وتيسيراً ولا فرق بينهما.

стр. 638

جواب آخر: أن أكثر ما في مسألتنا اشتراط تأخير التسليم مدة، وذلك لا يمنع الصحة كاشتراط تأخير الثمن، واشتراط تأخير المبيع في السلم. فإن قيل: أما تعلقكم بالأولى وهو ثبوته حكماً في المواضع التي استشهدتم بها، فغير صحيح؛ لأنه قد يستحق حكماً ويستثنى شرعاً ما لا يستثنى شرطاً، بدليل منافع البضع في بيع الأمة المزوجة، والحمل في بيع الأمة التي سبقت الوصية بحملها، وإذا قوي باب الاستثناء حكماً ـ حتى استثنى البضع والحمل ـ لم يعتبر به الشرط في باب الاستثناء. قلنا: الاستثناء هناك لا بحكم العقد، لكن النكاح والوصية عقدان يملك/ بهما البضع والحمل، فوقع العقد على ما بقي من الأمة مسلوبة المنافع والحمل، وما أشرنا إليه واعتبرنا به هو استثناء حكَمَ به العرف في عقد البيع، ولم يخرجه عقد سابق؛ لأنه لمّا باع الثمرة والدار والغرفة ثبت للمشتري بقاؤها على (١) البائع، وثبت للمشتري الطعام، [و] (٢) منفعة الغرفة، وللدار لا يعد سابقاً، فبان أن مسألتَي الإلزامِ ليستا من جنس الأصلين اللذين قِسْنا عنهما واعتبرنا الفرع بهما. طريقة أخرى في المسألة: إذا باع داراً وشرط سكناها شهراً وما أشبه ذلك، فحقيقته أنه باع العين مستحقة المنفعة في المدة المشروطة، وهذا لا يمنع صحة البيع، كما لو باعه داراً مستأجرة وأمَةً مزوَّجة وهو يعلم بذلك، فإن البيع صحيح، فكذلك في مسألتنا، وأما في الصورة الأخرى: فقد ثبت أنه لو استأجره ليخيط له قميصاً صح، ولو باعه خرمة للقميص صح، فنقول: ثنتان يصح إفراد كل واحد منهما بعقد، فإذا جمعهما في عقد واحد جاز أن يصح، دليله الوراقة والصبغ والظئر (٣) فإن الحبر والنثل (٤)،

стр. 639

لو باعهما صح، ولو استأجره على عمل الصبغ في الثوب صح، وكذلك النسخ، فإذا جمعا يجوز ذلك في العقد، وكذلك لو استأجرها لمجرد الرضاع صح، ولو باعت اللبن صح، بل هما يدخلان في العقد، وكذلك إذا باعه ثوباً وعبداً أو شقصاً (١) وسيفاً. فإن قيل: المعنى في الأصل أن مقصوده العمل، وهو النسخ والصبغ، وتدخل العين تبعا كما في البئر في الدار المؤجرة بخلاف مسألتنا؛ فإن العين مقصودة، وعمله فيها مقصود، وهما عقدان في الحقيقة بيع وإجارة بعوض واحد، فيفضي إلى جهالة العوض. قلنا: لا فرق بينهما/ فإن النثل مقصود، والصبغ مقصود، وكذلك النسخ والحبر، وعلى أنه إذا باع ثوباً وعبداً كل واحد منهما مقصود وثمن كل واحد مجهول في الحال، ويصح العقد، ولأن هاهنا الثوب هو المقصود والخياطة تبع، وكذلك حذو النعل، فإنه اشترى منه قميصاً ونعلاً فيجب أن يصح. احتجوا: بأن النبي ﵇ نهى عن بيع وشرط (٢)، وبنهيه ﵇ عن بيعين في بيع (٣)، وهذا موجود في مسألتنا.

стр. 640

والفقه فيه: أنه شرط لا يلائم العقد فأفسده، دليله إذا اشترط أن لا ينتفع بالمبيع أو لا يبيعه، وإنما قلنا: إنه لا يلائمه؛ لأن مطلق العقد يوجب ملك المنافع والتصرف فيها، فإذا شرط قطع ذلك فقد شرط ما ينافيه، فلم يصح. قالوا: ولأنه شرط منفعة المبيع، فأشبه إذا باعه أمَةً بشرط أن يطأها، أو عبداً بشرط أن يقطع معه الطريق شهراً. قالوا: ولأنه يتضمن هذا العقد بتعلق إجارة فلم يصح، كما لو باعه عبداً على أن يُعْطيَه المشتري كلَّ شهر درهماً أجرة منفعته، ولأنه لو شرط تأخير التسليم من غير انتفاع بالمبيع لم يجز، فإذا شرط شرطاً يتضمن الأمرين جميعاً تأخيرَ التسليم والانتفاعَ بالمبيع، كان أولى بالمنع. الجواب: أما نهيه ﵇ عن بيع وشرط، فالمراد به الشرط الفاسد، ونحن لا نُسلّم أن في مسألتنا شرطاً فاسداً، بل [صحيحاً] (١). وأما نهيه عن بيعين في بيع فليس في مسألتنا ذلك، إنما في مسألتنا اقتطاع منفعة لا تدخل في البيع، أو شَرْطُ انتفاعٍ ليسَ هو بيع، وإنما الخبر محمول عليه إذا قال: بعتك بعشرة صحاح أو باثني عشر قراضة، أو بعشرة حالة أو بعشرين مؤجلة؛ بدليلنا. وأما دعواهم أن هذا شرط لا يلائم العقد، فممنوع، بل هو ملائم له على ما تقدم.

стр. 641

الثاني:/ أنه يبطل بشرط الخيار، فإنه يمنع التصرف، فهو غير ملائم ويصح، وكذلك إذا شرط غير [نقد] (١) البلد، وإذا شرط مكان الإيفاء غير مكان العقد، فإنه لا يلائم العقد، فإن مطلق العقد يقتضي نقد البلد والتوفية موضع العقد، ثم يصح. ولأنّا قد بيّنا أنّ هذه المنفعة لم تدخل في البيع كمنفعة المؤجرة والمروحة، والمعنى في الأصل أنه شرط ما يحتمل مقصود البيع على الدوام ولا تجر العادة بمثله بخلاف مسألتنا، ولأنه يبطل على الشافعي إذا اشترى عبداً بشرط العتق (٢)، وعلى أبي حنيفة إذا شرط حذو النعل وحمل الحطب (٣). وأما قياسهم عليه إذا باعه أمة وشرط أن يطأها، أو عبداً بشرط أن يقطع معه الطريق، أنا لا نسلم أن العلة في الأصل ما ذكرتم، وإنما العلة أن الوطء لا يتاح إلا في ملك، والبائع لم يبق له ملك، وقطع الطريق محرم لا يجوز للمالك الأول استخدامه فيه بخلاف مسألتنا، فإنه شرط منفعة مباحة. وأما قولهم: إنه يتضمن بيعاً وإجارة. فلا نُسلِّم أنّه يتضمّن ذلك، وإنما إذا اشترط منفعة شهر فكأنه باعه العين دون منفعة شهر، وإن شرط خياطته فكأنه اشترى منه قميصاً أو نعلاً، ثم هذا يبطل إذا باع ثمرة بعد بدو الصلاح بشرط التبقية، فإنه بيع وإجارة، ويصح عند الشافعي (٤)، وكذلك إذا اشترى نعلاً وشرط تشريكه، أو حنطة وشرط حملها (٥)، والمعنى في الأصل أنه شرط أخذ أجرة ما لا يملكه، فلم يجز، بخلاف مسألتنا، فإنه شرط للبائع وهو يملكها، فصح.

стр. 642

وأما شرط تأخير التسليم ساذجاً من انتفاع، فذاك لا غرض فيه، وله غرض في اشتراط الانتفاع، ألا ترى أنه لو اشترط البائع على المشتري/ أن لا يتصرف ثلاثة أيام، أو لا ينتقل الملك إليه لم يصح؟! وبمثله لو شرط الارتياد (١) لجاز ثلاثة أيام تأخر التصرّف تبعاً للاختيار، وصحّ. وكذلك لو باعه ثمرة وشرط أن ينتفع مدة، أو يؤخر قبضه لما جاز، وإن كانت الثمرة قد بدا صلاحها ثبت له الانتفاع على البائع شرعاً، من غير شرط إلى أوان الجداد، والله أعلم.

стр. 643

مسألة لا يجوز بيع العصير ممن يتخذه خمراً، وإذا باع على ذلك لم يصح البيع (١)، نص عليه أحمد (٢). خلافاً لأكثرهم يصح البيع (٣). لنا: أن الرسول ﵇ لعن في الخمر عشرة، وذكر عاصرها (٤)، ومعلوم أن العاصر إنما تصرَّفَ في العنب بالعصر، والعنب مال مباح التصرف فيه، والعصير مال مباح شربه وجميع التصرفات فيه، لكن لما كان تصرفاً على وجه السياقة إلى الخمر المحرّم استعماله نها عنه، وشدد فيه باللعن، والنهي فيه عندنا يدل على التحريم والفساد (٥). و ـ أيضاً ـ ما روى [الشيخ] (٦) أبو عبد الله العكبري من أصحابنا

стр. 644

بإسناده عن عبد الله بن بريدة (١)، عن أبيه قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «من حَبَسَ العنب أيام القِطاف حتى يبيعَه من يهودي أو نصراني أو ممن يتَخذُه خمراً فقد تقحّم النار بصيرة» (٢)، وهذا وعيد يقتضي التحريم؛ فاقتضى الفساد. والفقه فيه: أنه عقد على عين تستعمل في معصية، فأشبه إذا عقد على العبد اللواط والجارية للزنا. أو نقول: عقد على معصية فلم يصح، كما لو أجّر الجارية للغناء، أو باع السلاح في الفتنة. فإن قيل: العصر والعنب ليسا بصالحين للمعصية، وإنما نوى أن يجعلهما آلة لذلك، بخلاف الزنا في الأمة، واللواط في الغلام؛ لأنهما مهيئان لذلك. قلنا: هو [مهيأ] (٣) لجعله آلة للمعصية، ولأن السفر يقطع الطريق

стр. 645

ليس فيه أكثر من النية ومع ذلك/ منع من الترخص، وانتحى السفر حتى صار الشخص كأنه مقيم غير مسافر عندنا (١) وعند الشافعي (٢). فإن قيل: عقد الإجارة على الزنا واللواط عقد على نفس المعصية، فوِزَانه الاستئجار على عمل في الخمر مثل الإسقاء والتصفية والترويق وغير ذلك، فأما العقد على العنب فوزانه العقد على رقبة العبد اللواط، فيكون البيع على الرقبة صحيحاً؛ لكونها مالاً، وذِكْرُ اللواط ساقطٌ. قلنا: فالعصر يقع فيها، وهو عمل في مال، والذي يجري فيه مال، وقد لعنه النبي ـ صلَّى الله عليه ـ وسوى بينه وبين شاربها في الذمّ، وإن كان العاصر يلابسها وهي مال، والشارب يشربها وليست مالاً. فإن قيل: أما إجارة الجارية للغناء وبيع السلاح في الفتنة لا نسلمه وهو كمسألتنا. قلنا: هذا المنع غير معروف، ثم يدل عليه بما روى أبو أمامة أن النبي ﵇ نهى عن بيع المغنيات، وقال: «لا يحلّ بيع المُغنِّيات، ولا شراؤهنّ، ولا أثمانهنّ، ولا كسبهنّ» (٣). وكذلك نهى ـ صلَّى الله عليه ـ عن بيع السلاح في الفتنة (٤)،

стр. 646

والنهي عن بيع السلاح في الفتنة منعٌ عمَّا جُعِلَ سبيلاً إلى التقاطع، ومثل ذلك يبطل كالجمع بين الأختين. احتجوا: بأن العصير مال، والتخمير فعل لم يظهر إلى الوجود، وإنما أضمر المشتري إيجاده في ثاني الحال، فهو كبيع أخشاب ومصارين لم تعمل آلات اللهو، وذلك عزم، والعزم لا يؤثر في العقود فساداً، كما لا يؤثر في الفاسد صلاحاً بأن يشتري عيناً نجسة تقبل التطهير كالماء المتغير بالنجاسة يستصلح بالمكاثرة أو الترك، أو يشتري خمراً ليخللها عند أبي حنيفة (١)، وعندكم في إحدى الروايتين (٢)، وكذلك جلد المدبّغة عندنا (٣) وعلى إحدى/ الروايتين لكم (٤) أو مرتدة ليدعوها إلى الإسلام بإزالة شبهتها، فإن نية الإصلاح لا تصحح هاهنا، كذلك نية الإفساد لا تفسد هاهنا، والعلة في ذلك: أن العين على صفة في الحال تصلح للعقد، والنية قد تتغير وتعدم، فلا يمنع العقد على ما لم يتحققه لنية متوهمة. الجواب: أنا نقول: هو وإن كان مالاً في الحال إلا أنه مباع لتحصيل غير مال،

стр. 647

ومثل ذلك يؤثر في الإبطال، كما لو باع عند أبي حنيفة سلعة بنسيئة؛ لم يجز أن يبتاعها بأقل من ذلك قبل قبض الثمن (١)، ويحمل أمره على أنه قصد بالعقد الأول العقد الثاني، فيفضي إلى الزيادة، ولأن نية المعصية والعزم عليها يجعل الفعل المباح معصية كركوب الدابة، وأخذ السلاح مباح؛ فإذا استند إلى عزيمة على قطع الطريق كان معصية، وكذلك من أخذ اللقطة بنية الإنفاق كان عاصياً ضامناً، ولو أخذها بنية الحفظ كان أميناً حافظاً غير ضامن ولا آثم، وعند قوم يكون مثاباً مأجوراً، كذلك لا يمنع أن يكون هاهنا مثله، ولا فرق، والله أعلم.

стр. 648

من مسائل الإفلاس مسألة إذا أفلس، وفرَّقَ ماله، وبقي عليه دين، وله حرفة تفضل أجرتها عن كفايته، جاز للحاكم إجارته في قضاء دينه، نص عليه في إحدى الروايتين (١). والثانية: ليس له أن يؤجره (٢)، وهو قول أكثر الفقهاء (٣). الأوّلة: ما روى الدارقطني بإسناده عن سُرق (٤) قال: كان لرجل عليَّ دين، فذهب بي إلى رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ فلم يجد لي مالاً، فباعني منه أو باعني له (٥). ومعلوم أنه لم يبع رقبته، فثبت أنه باع منافعه. فإن قيل: هذا كان في صدر الإسلام حيث كان يجوز بيع الأحرار، ولهذا روي في الخبر أنه قال: فباعني منه بأربعة أبعرة، فقال: بقية غرمائي

стр. 649

للذي اشتراني:/ ما تصنع به؟ فقال: أعتقه، فقالوا: لست بأرغب منّا في الأجر، فأعتقوني (١). قلنا: لا نعلم أن بيع الأحرار كان جائزاً في وقت من أوقات الإسلام بحال، فمن ادعاه يحتاج إلى إثباته. أما قوله: أعتقوني، معناه: أعتقوني عن الاستخدام، ولهذا أشار إلى أن الجماعة أعتقوه، وإنما اشتراه واحد، فثبت أن كل واحد علم أنه يدفع إليه ليستخدمه، فعتقه الجميع من الخدمة. فإن قيل: قد أجمعنا على الإضمار، [فإنكم] (٢) تضمرون باع منافعه، ونحن نضمر باع أمواله، وليس إضماركم بأولى من إضمارنا. قلنا: قوله في الحديث: «فلم يصب لي مالا؛ فباعني»، يبطل إضمار المال، وبقي إضمار المنافع، والمراد بالعتق التخلية والإطلاق. والفقه في المسألة: أنه قادر على قضاء دينه ببيع مملوكه المعد للاكتساب في الشرع والعرف فأجبر على بيعه لقضاء ديونه، دليله سائر أمواله، وهذا صحيح؛ فإن منافعه مملوكة له يعاوض عليها، ويعيرها،

стр. 650

ويمنحها، وهي معدة للاكتساب في العرف؛ فإن الناس يتعلمون الصنائع ليكتسبوا بها الأموال، ولهذا جعلها موسى وشعيب ـ على نبينا وعليهم السلام ـ عوضاً في النكاح، وأجريت في الشرع مجرى الأموال في تحريم الزكاة عليه، وإسقاط نفقته عن أبيه، وإيجاب النفقة عليه لأقاربه، وإيجاب الجزية عليه، وضمانها في العقد الصحيح بالمسمى، وفي الفاسد بعوض المثل، وإذا ثبت ذلك جاز أن يجريها الشرع في قضاء دينه مجرى أعيان أمواله، ولا يلزم على هذا منافع البضع؛ فإنها لم تعد للاكتساب لا عرفاً ولا شرعاً، ولهذا لا يجبر على تزويج إمائه وأمهات أولاده لقضاء دينه، ويجبر على إجارتهن لذلك. وهذا لأن الشرع شرَّف الأبضاع وصانها عن البذل والإباحة، وجعلها/ جارية مجرى الأنساب؛ لأنها أصل العالم، والأنساب لا تعدّ للاكتساب، فكذلك الأبضاع. فإن قيل: لو كانت المنافع جارية مجرى الأموال لوجب فيها الحج والزكاة والكفارة. قلنا: تلك الأشياء لا تجب في كل مال، وإنما تجب في مال مخصوص بصفة ومقدار والديون تعم جميع الأموال، ولأن تلك الأشياء حقوق لله ومبنى حقوقه على المسامحة والمساهلة، بخلاف حقوق الآدميين، فإنها مبنية على الشح والمضايقة؛ لأجل حاجتهم إليها، فإذا أمكن قضاؤها بوجه أعد للمعاوضات وجب ذلك، ولهذا لا نوجب عليه إجارة أمهات أولاده في إيجاب الحج والزكاة والكفارة، ونوجب عليه إجارتهم في قضاء ديونه، فكذلك منافعه التي جرت عادته بالمعاوضة عليها لشهواته ولذاته وزينته أولى أن يؤجرها لقضاء دينه وإبراء ذمته. فإن قيل: فلِم أوجبتم عليه الجزية وهي حق لله ـ تعالى ـ؟ قلنا: الجزية المغلب فيها حق الآدمي، ولهذا لا يعتبر فيها النية ولا مال مخصوص، وإنما هي عوض عن الدم أو عن السكنى، وكلاهما يغلب فيهما حق الآدمي، ثم الجزية عقوبة فجاز أن يغلظ فيها بإجراء المنافع

стр. 651

مجرى المال في وجوبها، بخلاف الحج والزكاة فإنها عبادات محضة لله ـ تعالى ـ، فتسامح فيها؛ ولهذا علقها على الاستطاعة بالمال والنصاب النامي، فجاز أن لا تجرى المنافع فيها مجرى حقيقة المال. طريقة أخرى: أن الإجارة عقد معاوضة محضة، فملكها الحاكم بامتناعه من قضاء دينه؛ كإجارة عبيده وأمهات أولاده، وبيع ماله، وفيه احتراز من تزويج إمائه وخلع نسائه؛ فإنه ليس بمعاوضة محضة، ولأنها منافع يجب العقد عليها لصلة الرحم، ونفقة الأقارب؛ فوجب العقد/ عليها لقضاء الدين وإبراء الذمة، كالأصول المقيس عليها. يوضح هذا أن قضاء الدين يختصه ويمسه، ونفقة الأقارب صلة ومواساة، فإذا وجبت المواساة لأجل المنافع، فإبراء الذمة أولى أن يجب فيها ولأجلها. فإن قيل: منافع عبيده وأمهات أولاده صفات لأموال، فهي جارية مجرى الأموال، فأما منافع الحرّ فإنها صفات لما ليس بمال ولا هي أموال في أنفسها، ولذلك لا تضمن بالغصب إذا تلفت تحت اليد بحبس الأحرار، فهي كمنافع الأبضاع، يوضح هذا أن بدل الحر في الإتلاف لا يزيد لأجلها فدية الصانع للكتابة والنجارة كدية الساذج (١). وقيمة العبيد وأمهات الأولاد في ضمان الإتلاف تتزايد، ومنافع الأبضاع لا يجب منها ولا من أعواضها قضاء الديون، بمعنى أن الحرة لا تكلف أن تتزوج لتقضي من مهرها دينها، كذلك منافع يديها، ولا على الزوج مخالعة الزوجة لقضاء دينه، كذلك هذه المنافع الجارية مجراها. قلنا: قد بينا فيما سبق أن منافع الأحرار جارية مجرى الأموال من الجهات التي ذكرناها، منقطعة عن ذاته؛ إذ لا يعاوض عن ذاته، ولا يجري عليها شيء من الأحكام التي جرت على منافعه، وأما منافع البضع فقد أجبنا عنها، ويأتي الجواب ـ أيضاً ـ في أدلتهم ـ إن شاء الله ـ.

стр. 652

احتجوا: بأن معاذاً لما كثرت ديونه لم يزد الرسول ﵇ أن جعل ماله بين غرمائه. [وبما] (١) روى أبو سعيد الخدري أنّ رجلاً أصابته جائحة في ثمار ابتاعها، فقال الرسول ﵇: «تصدَّقوا عليه»، فتصدقوا فلم يفِ بما عليه، فقال النبي ـ صلَّى الله عليه ـ لغرمائه: «خذوا ما وجدتُم، ما لكم غيرُه» (٢)، فوجه الدلالة: أنه في الخبرين جميعاً لم يتعرض لمنافعه ولا أجره في الباقي، وقال: «ليس لكم إلا ذلك»، وقوله: «ما لكم غيره»، وهذا يعطي إهمال أمر المنافع واطراحها في/ باب قضاء الدين. والفقه فيه: أنه إجبار على الاكتساب، فلا يملكه الحاكم على المفلس، كإجباره على قبول الصدقة والهدية والهبة، وخلع زوجته وطلاقها قبل الدخول؛ ليرجع إليه نصف المهر، وتزويج المرأة نفسها؛ لتقضي دينها من المهر. الجواب: أما الخبرين فلا حجة فيهما؛ لأنهما قضايا في رجل معين لا يعلم حاله، فيحتمل أنه لم يكن ذا حرفة وصناعة، ويحتمل أنه كان ذا حرفة ولا [تفي] (٣) بقضاء دينه، بل كانت بقدر حاجته وحاجة عياله فتركها لمؤنته وقضى بأمواله ديونه، ومع هذا الاحتمال والتردد لا يكون مطلق قوله حجة على موضع الخلاف؛ لأن المسألة في محترف تفي حرفته وصناعته بكفايته وتفضل عن كفايته، وليس في الخبرين ما يتناول هذه [الحال] (٤) المختلف فيها.

стр. 653

وأما قولهم: إنه إجبار على الاكتساب. فلا نُسلِّم، وإنما هو إجبار على قضاء دينه بعوض ما يملكه مما أجري مجرى ماله. ثم يلزم على الطريقة إجباره على إيجار عبده وأمهات أولاده وإيجار نفسه لتأدية الجزية وإنفاقه على ابنه وزوجته، فأما الأصل فعلته في قبول الهبة والصدقة تحمل [المنّ] (١)، بخلاف إجارة منافعه على ما جرت عادته في سائر زمانه، ولهذا قال الشافعي: يلزمه الحج ببذل الطاعة قولاً واحداً، ولا يلزمه ببذل المال (٢)، ولهذا يلزمه قبول الماء للطهارة، ولا يلزمه قبول ثمنه [ليشتري] (٣) ما يتوضأ به، فأما تزويج المرأة نفسها وخلع الرجل زوجته وطلاقها، فلم يجعل كالأموال، ولم يعد للاكتساب، ولهذا لا يلزمه تزويج أمهات أولاده في دَينه، ويلزمه إجارتهن في ذلك. وسرّ ذلك وفقهه: أن الأبضاع مصونة عن أن تجعل مبذلة في الاكتساب/، ولا تكون المهور والأعواض أركاناً فيها؛ ولهذا تصح العقود على الأبضاع، مع فساد الأعواض، ومع السكوت عنها، بخلاف أعواض منافع الأعمال والصنائع، فجاز أن تصان عن قضاء الديون. ولأن في إلزامه طلاق زوجته وخلعها ضرراً عليهما، وقطعاً للعصمة بينهما، بخلاف إلزامه ما جرت به عادته من إجارة منافعه؛ فإنه لا ضرر فيه. وأما تزويج المرأة نفسها فهو يجري مجرى إرقاقها، وما جعل الشرع بضعها معداً للاكتساب بخلاف إجارتها في الغزل، ولهذا تعتبر بأن يقال: أجبرت على التزويج والابتذال لقضاء دَينها، ولا تعتبر بإجبارها على الغزل، والله أعلم.

стр. 654

مسألة الدين المؤجل لا يحل بموت من هو عليه في إحدى الروايتين (١)، وهو مذهب طاووس، وعمر بن عبد العزيز، وهشام بن إسماعيل (٢)، والزهري، وسعد بن إبراهيم، وابن سيرين، وعبد الله بن الحسن، وإسحاق، وأبو عبيد (٣)، واختارها الخرقي (٤). والثانية: يحل (٥)، اختارها القاضي الشريف (٦)، وهي قول أبي حنيفة ومالك والشافعي (٧). الأوّلة: أن الموت معنى لا يحل به الدَّين الذي له، فلا يحل به الدين الذي عليه؛ دليله: الموت، والإغماء، والفلس، على أبي حنيفة، والجديد من قول الشافعي (٨)؛ وهذا لأن الموت لا يمنع من ثبوت حق له وعليه،

стр. 655

ولهذا لو نصب شبكة، ثم مات، فوقع فيها صيد كان له حتى يقضى من ثمنه ديونه وتنفذ وصاياه، وكذلك لو حفر بئراً ثم مات، فتلف فيها إنسان أو مال لزمه، وكانت الغرامة في تركته. فإن قيل: الدين الذي له ينتقل إلى خليفته وهو الوارث، فينتقل بصفته، بخلاف الدين الذي عليه فإنه لا ينتقل إلى وارثه، فكيف تنتقل صفته إلى الوارث والصفة لا تفارق الموصوف وتقوم بنفسها/ قلنا: الأجل هو حق للميت بذل في مقابلته ماله، وحقوقه تنتقل إلى ورثته، ثم لو كان صفة للدين لثبت لمن يثبت له الدين، والأجل يثبت على من له الدين، فدلّ على أنه ليس بصفة له، وإنما هو حق شرعي للموروث كسائر حقوقه. ثم يبطل ما ذكرتم بالخيار؛ فإنه صفة للموروث وينتقل عندكم إلى الوارث، وإن كان الموروث لا ينتقل إلى الوارث، وكذلك منافع الدار المؤجرة والموصى بها صفة للدار، ثم تنتقل المنافع إلى الموصى له والمستأجر دون انتقال الدار، وكذلك حد القذف ينتقل عندهم إلى الوارث، وهم أدحض للعار عن الموروث، وقد هلك الموروث. فإن قيل: الموت يخرب الذمة خراباً لا يرجى، بخلاف الأصول التي قستم عليها، فإنها لا تخرب الذمة، فافترقا من هذا الوجه. قلنا: لا نُسلِّم خرابها، ولهذا بيَّنَّا أنه يصح ضمان دين الميت، وهو انضمام ذمة إلى ذمة، وقد وافق أبو حنيفة صحة الضمان عليه إذا خلف وفاء (١)، وعندنا وعند الشافعي يصح ذلك على الإطلاق (٢)، وقد بينا تجدد الحق عليه، فسقط هذا. طريقة أخرى: أن الأجل يأخذ قسطاً من الثمن، بدليل العرف الجاري، أن من باع شيئاً بدرهم نقداً لا يبيعه بأجل سنة بذلك الدرهم، وكذلك من اشترى شيئاً بدينار فقد يشتري مثله إلى أجل بدينارين،

стр. 656

وإذا ثبت ذلك قلنا: هذا حق للميت عاوض عليه، فانتقل إلى وارثه، كمدة الإجارة، والحدّ (١)، والفائت بالعيب، وحق الرهن، ولا يلزم الخيار؛ فإنا لا نسلمه ونقول: يورث على هذه الرواية، وإن سلمنا فالخيار شهوة الميت واختياره، ولهذا يفسخ به، وإن كان الحظ في إمضاء العقد، وشهوة الإنسان واختياره لا تنتقل إلى وارثه؛ ولهذا لا تصح المصالحة على الخيار بمال ولو أخذ/ قسطاً من المال لصحت المصالحة عليه بالمال. فإن قيل: لو أخذ الأجل قسطاً لوجب إذا اشترى شقصاً بمئة إلى سنة، فلم يعلم الشفيع حتى مضت السنة أن لا يأخذ بمئة حالّةٍ. قلنا: إن علمَ به وقت العقد أخذه بمئة مؤجَّلة، وأما إذا مضت السنة فقد ارتفق الشفيع ببقاء المال في يده طول السنة، فكان ذلك في مقابلة الارتفاق بالأجل، ولأن الشفيع مخير إن شاء أخذ إذا رأى له الحظ، وإن شاء ترك فلا ضرر عليه، فأما الورثة فعليهم ضرر؛ فإنهم إذا تأخرت عنهم المطالبة ارتفقوا بالتركة، واكتسبوا بها، فلم يفت عليهم ذلك، هذا جهة النفع للوارث، وأما الضرر عليه بأن تكون التركة عروضاً متى حل الدَّين احتاج إلى بيعها في غير موسمها، كالجزور في الصيف، والكتان في الشتاء، وما شاكل ذلك، فتفوته الأرباح وهي انتفاع مقصود، ولربما خسر في أصل رأس المال، ومثل هذا يراعى في المواريث، ولذلك جوّزنا للورثة أخذ أعيان التركة وإن كانت بمقدار الدين وقضائه من غيرها؛ ليتوفر نفعها عليهم دون أرباب الديون، ولم تنقل التركة إلى الغرماء. فإن قيل: فيه ضرر على الميت والورثة، أما الورثة فإنهم لا يمكنون من التصرف في التركة فربما تلفت، والموروث ذمته مرتهنة بدينه قال ـ صلَّى الله عليه ـ: «ما تنفعُه صلاتي، وذمتُه مُرتَهنة بِدَيْنِه» (٢).

стр. 657

قلنا: أما الورثة فلا ضرر عليهم؛ لأنَّهم يضمنون الدَّيْن إلى أجله، ويقتسمون التركة. الثاني: قد ينتقل إلى الورثة ما فيه ضرر، ولهذا ينتقل إليهم العبد الأعمى الزَّمن (١)، والعبد الموصى بمنفعته، والكَثُفُ (٢) [الثَّرْبُ] (٣) (٤)؛ الذي يحتاج إلى نقله عن الملك بمال. وأما الميت فلا يستضر؛ لأنه إنما/ يكون مطالباً أو مرتهناً بعد الموت بما كان مطالباً به مرتهناً حال الحياة؛ لأن مطالبات الآخرة مرتبة على مطالبات الدنيا؛ لأن المطالبة في الآخرة لا تتجدد، بل لا تقع إلا بما سبق من المطالبة حال الحياة؛ إذ الآخرة دار مجازاة ومكافأة، والجزاء أبداً متفرع على الأفعال المجازى بها، ولأن مذهبكم أقرب إلى الإضرار؛ لأنكم قلتم: لو مات وتركته كلها ديون على الناس مؤجلة بقيت على آجالها، والديون التي عليه تحل بموته، فيكون تأخر الديون التي له، وبقاء أجلها مع حلول ما عليه وبالاً عليه.

стр. 658

فإن قيل: بل تتجدد مطالبه لا تستند إلى حال الحياة؛ بدليل أن المتوفى على عهد رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ كان معسراً لم يخلف وفاء، ثم مع ذلك قال النبي ﵇: «ما تغنيه صلاتي عليه، وذمته مرتهنة في قبره بدينه»، وقوله ﵇ لعليّ لما أدى ما ضمن عنه: «الآن فككت رهانه» (١)، وروي: «الآن برَدَتْ عليه جلدُه» (٢)، وهذا يدلّ على أن الأجل المشروع في حق المعسر وهو قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٣) حلّ بالدين، وحصلت المطالبة به من الله ـ تعالى ـ، والارتهان عليه ولأجله مع قوله في حال الحياة: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٤)، وهو اليوم حكم كلّ معسر بدينه يكون على الإنظار حال حياته، ثم على الحلول والمطالبة بعد موته. قلنا: ظاهر الخبر لا يمكن القول به؛ لأن مَنْ كان عليه دين بجهة مباحة لا محظورة، ومات عاجزاً لا يكون معذباً، ولا مسخن الجلد؛ لأنه معذور شرعاً، لكن ذلك إنما يكون في باب أخذ الأموال بغير حق، فيكون الدين الحاصل على وجه يحصل به الإثم؛ لأنه لا أحد من الفقهاء حكم بمأثم لأجل الدين وتأخيره/ القضاء لأجل الإعسار، وهذا صحيح؛ لأن الله ـ سبحانه ـ قد أمر أرباب الحقوق مع حاجتهم إلى أموالهم بالنظرة، وكيف نظن بأنه يضيق المطالبة والمعاقبة عليهم مع إعسارهم وعجزهم، وكون الحق ليس له . فإن قيل: لا يجوز حمله على وجه مأثم سوى الدين خاصةً؛ لأنه لو كان كذلك ما برد مضجعه، ولا فكَّ رهانه إلا التوبة، فأما مجرد القضاء،

стр. 659

والتوبة تتعذر بعد الموت، والقضاء نفس الحق، وأما السبب الذي أثم به من غصب أو تغلب فلا يسقط بنفس القضاء كما لو ردَّ الغصب حالَ الحياة لا عن توبة، فإنه لا يسقط إلا ضمانه للآدمي دون المأثم. قلنا: يجوز أن تكون الشفاعة من النبي ـ صلَّى الله عليه ـ موقوفة على سقوط حق الآدمي، فلما سقط قلنا في حق الله ـ تعالى ـ خاصة وهذا هو الظاهر؛ لأن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ لم يحفظ عنه أنه سأل عن طاعة ميت ولا معصيته كما كان يسأل عن دَيْنه، وإنما خص بترك شفاعته حقوق الآدميين التي لا يغفرها ويسقطها إلا القضاء والقصاص أو الإبراء ممن له الحق، وبقي حق الله ـ تعالى ـ وهو العصيان بغصب أو تأخر قضاء ومطالب مع قدرة وغنى، وهذا يدفع قولهم: لو كان بالعصيان لما زال بالضمان والقضاء؛ لأن العصيان ما زال بالضمان، لكن زال الحق للآدمي بالضمان، فلما بقي مجرد حق الله تقدم وشفع؛ لأنه لا يعنى بحق واحد من أمته، ويسقط حق الآخر؛ فشدد لأجل الدين والمظلمة، فلما قضى الدين سأل المظلمة. فإن قيل: الغرماء لم يرضوا بذمة الورثة فلا يلزمهم الرضا؛ لأن الذمم لا تتكافأ. قلنا: عندكم الذمم تتكافأ، ولهذا يلزم المدين أن يحتال إذا احتال على مليّ؛ لقوله ﵇: «ومن أحيل/ على مليّ فليحتل» (١)، ولأنهم إذ أوثقوا بالرهن وغيره لم يكن على الغريم ضرر بحال، ويؤيد هذا أن الوارث قائم مقام الموروث فيما له، وعليه بدليل استيفاء ديونه وتنفيذ وصاياه، وهذا الأجل من حقوقه؛ فيجب أن يرثه.

стр. 660

احتجوا: بما روى عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇ أنه قال: «إذا مات الرّجل وعليه دين إلى أجلٍ، وله دين إلى أجل، فالذي عليه حال، والذي له إلى أجله» (١). والفقه في المسألة لهم: أن الأجل مدة ملحقة بالعقد فلم تورث كالخيار. وربما قالوا: الأجل حق ليس له فيه معنى المال والوثيقة فلا يورث كخيار الشرط والشفعة وحد القذف، يبين صحة هذا أن الأجل صرف للرفق لمن عليه الدين؛ لأن تأخير المطالبة من الرفق به وبماله حيث لا تعسف [باللزوم] (٢) والاقتضاء، ولا يبيع أعيان ماله بيع المحتاج إلى الإيفاء، وهذا قد انعكس بالموت، وصار المقصود على ما ورد شرعاً. قالوا: ولأنه بالموت خربت ذمته، ولهذا لا تُنْسَأ فيها الحقوق، ولأن الذمة هي العهد، والعهد إنما يكون بالخطاب، والميت ليس من أهل الخطاب، فهو كالجماد، وإذا ثبت خرابها لم يبق فيها دين، وانتقل إلى أعيان التركة، وأعيان التركة لا يدخلها التأجيل، فسقط الأجل، ولأن الأجل وصف للدين، والوصف لا يقوم بنفسه، وإنما ينتقل تبعاً للموصوف، فينبغي إذا لم يكن الدين للورثة أن لا ينتقل الأجل إليهم. قالوا: ولأنه لا يخلو الدين من ثلاثة أحوال؛ إما أن تؤخر قسمة التركة لأجله إلى حين انقضاء أجله، أو تقسم في الحال ويتحول الدين إلى ذمم الورثة، أو يسقط الأجل ويحل الدين.

стр. 661

لا جائز أن يقال: تؤخر القسمة إلى حين انقضاء الأجل؛ لأن التأخير إضرار بالكلّ. أما الغرماء فتأخر حقوقهم، وأما الورثة فتأخر إرثهم، وعلى الميت بارتهان/ ذمته على ما نطق به الشرع، ولأن فيه غرراً بحق الكل لما عساه يتطرق بالتأخير من الآفات، فيتلف المال، إما أن يكون حيواناً فيموت، أو عروضاً فتحترق، أو يسقط حكم سوقها بعارض يعرض، والأسباب في ذلك كثيرة فيذهب حق الجميع ضياعاً، ويبقى الميت مرتهناً بدينه في قبره، وإذا كان بقاء الأجل يؤدي إلى هذا فإسقاطه هو الصواب، والتمسك بأصل الحق والاحتياط له. ولا جائز أن يقال: تقسم في الحال ويكون الحق في ذمة الورثة؛ لإجماعنا على فساده؛ لأنه نقل الحق من ذمة بغير اختيار من له الحق، كما لا يملك ذلك في الحوالة، فلم يبق إلا إبطال الأجل وحلول الدين. الجواب: أما الحديث فهو موضوع؛ لا يعرف في مسند، ولا يحل الاحتجاج به، ولو قدر صحته فنحمله عليه إذا لم تتكافأ ذمم الورثة لذمته ولم يوثقوا، أو نحمله أنه يحل الدين الذي عليه في ملك الورثة، أو يحل إذا لم يكن له ورثة. وأما قولهم: إنها مدة ملحقة بالعقد. فنقول: لمَ إذاً كانت مدة لا تورث؟ وقولهم: إنه ليس فيه معنى المال. لا نسلم هذه الدعوى، وكيف لا وهو يأخذ قسطاً من الثمن كما تأخذ صفات السلع جودتها وحسنها وجمالها قسطاً من الثمن، وهل معنى المال إلا زيادة الأعواض الحاصلة فيما يدخل البائع على الثمن وتعجيل المثمن إلا بعد أن توفر في الثمن ما يكون بإزاء صبره وتأخيره، بخلاف الأصول التي قاسوا عليها؛ فإنه ليس فيها معنى المال. فإن قيل: فالوجه الذي فسرتم به الأجل من معنى المال موجود في شرط الخيار، فإنه لا يبيع البائع بشرط الخيار للمشتري إلا إن توفر الثمن

стр. 662

بإزاء ما وسع على المشتري بجعل الخيار إليه في فسخ العقد، ولا يجعل المشتري الخيار للبائع/ إلا بعد أن يكون قد استرخص السلعة فيسمح بالتوسعة للبائع. قلنا: ليس وضع الخيار لهذا، ولذلك يجوز أن يشترطه في بيع على المضرة فيه من كل واحد منهما على حظ نفسه أو حظ صاحبه، ويفسخ بيع الغبطة في المقام على العقد، وإنما هو محض الشهوة، بخلاف الأجل فإنه لا يضرب إلا على وجه يكون في التأخير نوع فائدة وتخفيف عن المشتري بتوسعة زمان القضاء من فائدة المال لا من أصله. على أن الخيار يورث عند الشافعي (١)، ونحن نقول يورث على هذه الرواية (٢)، وعلى التسليم فالخيار وصف العاقد وشهوته، وقد تلف فتلفت صفاته كعلمه وقدرته على ما قد عرف في موضعه، والأجل حقه الذي عاوض عليه فهو كمدة الإجارة، أو نقول: الأجل صفة للدين، فبقي ببقاء الدين. وأما تعلقهم بالارتفاق فصحيح، وأن الذمة مشغولة، وكذا كان حال الحياة، إلا أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ عظّم أمر الدين ليُعجل القضاء خوفاً من إخلاد الورثة إلى تركهِ (٣) ومجاوزة وقته، وإلا فلا وجه لحصول تضييق من الشرع مع توسعة في حق المستحق ورضا صاحب الدين بالتأخير على ما سبق. وأما ادعاؤهم خراب الذمة، فممنوع على ما سبق تقريره، وذكرنا قول النبي ـ صلَّى الله عليه ـ: «وذمتُه مرتهنة بدينه» (٤)، وهذا صحيح، فإن الدَّين في الذمة حكم شرعي، ولهذا يصح ضمان دين الميت إذا خلف وفاء بالاتفاق،

стр. 663

والضمان هو انضمام ذمة إلى ذمة، وغير ممتنع أن لا يخاطب وقد حكم الشرع بتعلق الحقوق به كالحمل والطفل، ولهذا تخرج عنه الكفارة، ويحج عنه، ويذبح الهدي عنه إذا وصَّى وغير ذلك بخلاف الجماد. وأما قولهم: إن الأجل وصف للدين. فقد بينَّا أن الأجل حق للموروث عاوض عنه، فينبغي أن ينتقل إلى وارثه/ مرفقاً كما كان له مرفقاً كالخيار وكالشفعة تنتقل، وكذلك حد القذف عندهم، وكما تنتقل عين العبد إلى الورثة ومنافعه إلى الموصى له. وأما التقسيم الذي ذكروه فقد بقي قسم آخر، وهو أن نقول: يتحول الدين إلى ذمة الوارث ويضمنه للغريم ويأخذ التركة، فإن كانت ذمته ملية وإلا وثقه بالرهن والضمين، ويحمل قوله ـ تعالى ـ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (١) حال لا يتصرف في التركة إلا بعد قضائه، وإنما شرطنا الضمين؛ لئلا يُتلف الوارث التركة، ويحل الدينُ ولا يقدرَ على قضائه، وهذا كما تقول إذا شهد شاهدان بأن فلاناً مات وأن هذا وارثه، ولم يشهدا أنهما لا يعرفان له وارثاً غيره، دفعت التركة إليه بشرط أن يقيم ضميناً أنه متى ظهر وارث آخر سلم إليه حقه، وليس يمتنع أن ينتقل الحق من ذمة إلى ذمة حكماً، وإن لم يملك الموروث ذلك حال الحياة؛ كما لو كان ماله كله ديوناً على الناس، فإنه حال الحياة لا يملك على أصلكم نقل الديون التي عليه إلى ذمم الغرماء الذين دينه عليهم، وإذا مات انتقلت حكماً إلى ذمم غرماء الميت أو إلى ذمم الورثة ليقبضوها من ذمم الناس، [ويؤدوها] (٢) إلى غرماء الميت. فإن قيل: الناس قائلان؛ منهم مَنْ قال: التركة لا تنتقل إلى الورثة إلا بعد قضاء الدين، ومنهم من قال: تنتقل مرتهنة. فقولكم إحداث في ذمته، ويتصرف في التركة كالموروث سواء؛ وهذا لئلا يبطل حقه من الأجل الذي عاوض الموروث عليه على ما بينا.

стр. 664

فإن قيل: فما قولكم فيه إذا مات وليس له وارث معين هل يحلّ الدين أم يبقى الأجل؟ قلنا: قال القاضي: لا أعرف الرواية في ذلك؛ فيحتمل أن تقول: تنتقل التركة إلى بيت المال ويضمن الغرماء؛ لأن جماعة المسلمين جهة لاستحقاق ماله وجميع/ ما ذكرناه من الارتفاق المرعي في حق الوارث المعين مرعي في حق بيت المال (١). قال: ويحتمل أن تقول: يحل الدين؛ لأنه ليس للأجل وارث معين (٢)، وهاهنا وارث معين وفرق بينهما، ألا ترى أن الإمام يُقطِعُ الأراضي ـ وإن كانت حقاً لجميع المسلمين ـ، ولو كانت لواحد معين ما جاز له إقطاعها، وكذلك من لا وارث له معين يملك أن يوصي بجميع ماله ويهبه حال مرضه عندنا وعند أبي حنيفة (٣)، ولو كان له وارث معين لم يملك؛ فبان الفرق بين الموضعين، والله أعلم.

стр. 665

من مسائل الحوالة مسألة رضا المحتال غير معتبر إذا كان المحال عليه مليّاً بماله وقوله وبدنه (١)، نص عليه أحمد (٢)، واختاره الخرقي (٣). خلافا لأكثرهم في قولهم: لا تصح الحوالة إلا برضاه (٤). لنا: ما روى أحمد بإسناده عن أبي هريرة أن النبي ﵇ قال: «المطل ظلم الغنيّ، ومن أُتْبِع على ملي فليتْبَع»، وهذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في «صحيحيهما»، ورواه مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة (٥). وفي لفظ آخر: «ومن أحيل على مليّ فليحتل» (٦)، وأمْرُهُ على الوجوب، وهو نص في الباب لا يحتمل التأويل.

стр. 666

فإن قيل: نحمله على الاستحباب بدليل قوله ﵇: «لا ضرر ولا إضرار» (١)، وفي نقل حقه إلى [ذمة] (٢) آخر بغير رضاه ضررٌ؛ لأنها ربما لم تكافئ ذمته. قلنا: الأمر المطلق في عرف الفقهاء بإجماعهم يدل على الوجوب، فإن منع مانع فالمناظرة معهم، وإن أردنا أن ندل على تلك المسألة، فالقول فيه سهل؛ فإنا لا نعني بالواجب إلا ما يعصي تاركه، أو ما يلام تاركه شرعاً، ولا شك في أن الأمر مقتضٍ للفعل، وأن الإقدام على المأمور امتثال، وإن لم يفعل المأمور صحَّ أن يقال: إنه غير ممتثل لأمر الشرع؛ فالآن من لم يمتثل أمر الشرع ثم يعلم أنه ملوم شرعاً/ أو أنه متعرض لخطر عقاب، فهذا نعلم من اعتقاد الأولين، فإنهم كانوا يرون التاركين للأوامر المطلقة ملومين، ومتعرضين للخطر إلا إذا اقترن بالأمر قرينة تدل على جواز الترك، فأما عند الانفكاك عن القرينة فقد أطبق الصحابة على ما ذكرناه، على أن عندكم لا يستحب له أن يحتال، ولا يصح حملكم له على ذلك، فإنا نشترط أن يكون مليّاً على ما ذكرنا، فلا يستضر. والفقه في المسألة: أن الذي له في ذمة المحال عليه ماله، فلم يعين في التوفية منه رضا الغريم كسائر أمواله؛ وهذا لأن مقصود من له الدين استيفاؤه، ولا فرق بين أن يوفيه بنفسه، أو بوكيله، فالمحال عليه في الحقيقة كالوكيل في التوفية، ولهذا لا نعتبر [رضاه] (٣) نحن، ومالك، والشافعي (٤)، كما لا يعتبر رضا الوكيل، والدليل على أن الذي في ذمة المحال عليه ماله أن يلزمه زكاته، ولا يجب على من هو عليه زكاته، ويلزمه به الحج، والكفارة، وصدقة الفطر، ونفقة الأقارب، وتحمل العقل، وغير ذلك.

стр. 667

فإن قيل: لو كان ذلك ماله لوجب إذا تلف المال الذي في يد المحال عليه قبل قبض الغريم أن يرجع على المحيل، فيطالبه كما لو تلف ماله في يد وكيله. قلنا: إنما لم يرجع؛ لأنه بالحوالة صار كالقابض، ولهذا يحكم ببراءة ذمة المحيل، ولو قبض المال من وكيله وتركه عنده فتلف لم يرجع على الموكل على أنه ماله إلا أن محله ذمة المحال عليه والمحال [باقٍ] (١) فلا يرجع على المحيل. طريقة أخرى: أن الشافعي قد وافقنا على أن رضا المحال عليه غير معتبر، ومعلوم أن بين [مقتضٍ] (٢) ومقتضى [بوناً وتفاوتاً] (٣)، ثم لا يملك أن يقول: أنا لا أدفع مالك عندي إلا إليك، كذلك لا يجب أن يملك المحتال أن يتخير ذمة دون ذمة مع التساوي في الملاءة، ويحرره قياساً؛/ فيقول قائل في الحوالة: فلا يعتبر رضاه كالمحال عليه. ولأن الشافعي قد وافق ـ أيضاً ـ في جواز وكالة الحاضر في الخصومة (٤)، وقد علمنا تفاوت ما بين الناس في الخصام حتى قال ـ صلَّى الله عليه ـ: «إنكم لتختصمون إليّ، ولعلّ أحدكم ألحن بحجّته من صاحبه، فمن قطعت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذه، إنما أقطع له قطعة من النار» (٥)، فلم يؤثر هذا التفاوت، ولا اعتبرنا جميعاً رضا الخصم في الوكالة،

стр. 668

وليس بين ذمة وذمة مع اعتبارنا الملاءة بأوفى ما بين خصومة أَلدّ، وخصومةِ قطيعٍ، ولعل الخصم يكون قطعياً ذا فهاهة، والوكيل ذا خصام وخبرة وفصاحة، فإذا لم يؤثر الاختلاف هناك كذلك هاهنا، يوضح هذا أن الخصومة حق توجه عليه، كما أن قضاء الدين حق يوجبه عليه، فإذا ملك صرف الخصومة إلى غيره ملك صرف القضاء إلى غيره. طريقة أخرى: أن الحوالة توجب تعلق الحق بذمة من عليه الحق، فلا يعتبر رضا الطالب في صحة ذلك كالضمان؛ فإنه لو ضمن عن غيره حقّاً صحَّ، وإن لم يرضَ بذلك المضمون له كذلك الحوالة. فإن قيل: الضمان توسعة لصاحب الحق؛ لأنه يتخير في المطالبة بين الضامن والمضمون منه، فيصير محل الحق موسعاً، ولا ينقل الحق من ذمة من هو عليه، وهذا يزيله من ذمة من عليه بتعين المحل من غير توسعة، والذمة الأولى حصل بها الرضا، وهذه لم يحصل بها رضاه، وهي مختلفة جدّاً. قلنا: فكان يجب إذا كان المحال عليه أخلى ذمة أن يلزم الحوالة لإرضاء المحتال، كما أن إعطاء الأجود في السلم، والقرض يلزمه قبوله، وكما إذا استأجر أرضاً لزراعة الحنطة فزرع الشعير، أو استأجر دابة لحمل دارة حنطة فحمّلها دارة من الشعير، لما كان ذلك أجود للمؤجر في أرضه ودابته لم يعتبر/ رضاه، ولم يتعين على المستأجر زراعة الحنطة ولا حملها لما كان السَّطْر (١) يقع للمؤجر، فهما كذلك، يلزمك إذا كانت ذمة المحال عليه مليئة مكافئة ذمة المحيل، أو أملأ منها يجب أن يلزم، ولا يعتبر رضا المحتال كما لا يعتبر رضا المؤجر، والمسلم في باب الأجود في السلم، وباب الأقل ضرراً في الإجارة؛ ولأنها إحالة بحقه على مليء، فانقطعت مطالبته، كما لو أحاله على من رضي بذمته. والمعتمد في المسألة أن يقول: عقد الحوالة جائز بالإجماع، بدليل أنه إذا رضي به المحتال يجوز، وإذا لم يرضَ لا يبطل؛ لأنه بترك الرضا متغيب؛ والتغيب مردود في الشرع.

стр. 669

وإنما قلنا: إنه متغيب؛ لأن المتغيب طالب ما ليس [له] (١) طلبه، أو طلب زيادة بعد حصول مقصوده. وإنما قلنا: إنه متغيب بترك الرضا؛ لأن مقصوده استيفاء حقه لا عين الشخص وذمته، وحقه يصل إليه من المحال عليه، كما يصل من المحيل، فيكون ترك الرضا متغيباً متخبّياً فلم يقبل منه، وهذا كالوكيل بقضاء الدين من غير رضا من له الدين يجوز؛ لأن مقصوده وصوله إلى حقه، ويده ويد وكيله في هذا المعنى واحد لا يختلف بحال، فصار بترك الرضا بيد وكيله وطلب يده متغيباً، فلم يقبل ذلك منه، كذلك هاهنا. فإن قيل: لو كان عدم الرضا والقبول جارياً مجرى القبول والرضا يوجب أن ينتقل الحق إلى ذمة المحال عليه عن ذمة المحيل، بمعنى أنه لو هلك المحال عليه معسراً سقط الحق بمجرد قوله: أحلتك عليه، من غير رضا المحتال، فلما لم ينقل إلا بالرضا، دل على اعتبار الرضا. قلنا: في ذلك عن أحمد روايتان (٢): أحدهما: ينتقل، فعلى هذا قد قلنا به. والثانية: لا ينتقل الحق، لكن تنقطع المطالبة بمجرد الحوالة. ويفيد الحوالة ـ أيضاً ـ إجباره على أخذ الحق من المحال عليه؛ لأنه/ قد يلزمه ما لا يحصل به البراءة، بدليل الوكالة في إيفاء المال، فإنه لا يجوز له الإباء والامتناع، ولا يسقط حقه، لكن تسقط مطالبته بذلك. احتجوا: بأنه حق ثبت في محل فلم يجر إجباره على استيفائه من غيره، دليله: إذا ثبت له حق في عين من الأعيان؛ فإنه لا يجوز نقله إلى غيره بغير اختاره. قالوا: وهاهنا قد ثبت الحق في ذمة المحيل، فلا يجبره أن يستوفيه

стр. 670

من ذمة المحال عليه، وهذا المعنى وهو أن الذمم لا تتكافأ كما لا تتكافأ أعيان الأموال، ثم لو باعه عيناً، أو رهنه عيناً لم يجز أن يجبره على أن يسلّم غيرها، كذلك في الذمم قالوا. قالوا: ولأن الحوالة تتضمن براءة أو بيعاً، فكلاهما يعتبر له الرضا، والبراءة فيما ظاهره على أصلكم؛ حيث قلتم لا يرجع على المحيل بفلس المحال عليه قبل إيفاء الدين، ألا ترى أن الإفلاس بالثمن أوجب عندكم الرجوع على المشتري بالمبيع لما كان العقد عقد بيع (١)، والضمان لما لم يتضمن الإبراء لم يسقط بفلس المضمون ولا بموته، والإبراء ممن له الحق لا يصح إلا برضا المبرئ، وهو المحتال، ومما يرد الحوالة إلى جانب البيع ـ أيضاً ـ أنه يعاوض بماله في ذمة المحيل بماله في ذمة المحال عليه، وإذا ترددت الحوالة بين أمرين كل واحد منهما يفتقر إلى الرضا كانت مفتقرة إلى الرضا. الجواب: أنه لا يجوز اعتبار الذمم بالأعيان؛ لأن الذمم غير مقصودة في نفسها، وإنما المقصود الحق، فلا فرق بين استيفائه من ذمة وذمة، ألا ترى أن المكيال والميزان لو عُيِّنا في توفية حق لم يتعينا، وجاز الإيفاء من غيرهما، فأما الأعيان فهي المقصودة في نفسها، وهي غير حقه، فلا يجوز إجباره على أخذ غير حقه، ألا ترى أنه لو باعه عيناً ثم تراضيا على تسليم غيرها/ بذلك البيع لم يجز، ولو تراضيا على النقل بالحوالة إلى ذمة أخرى جاز، فدل على ما قلنا. فإن قيل: فإذا رهنه شيئاً فليس هو المقصود، والتوثق يحصل بغيره، ثم لا يجبر على أخذ غيره رهناً. قلنا: قد يُقصد الرهن في التوثق لمعرفة المرتهن (٢)، والحث على القضاء
следующие страницы →