← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30143

المفردات

ابن الزاغوني

Полный текст (748 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فإن قيل: نحمله على الاستحباب بدليل قوله ﵇: «لا ضرر ولا إضرار» (١)، وفي نقل حقه إلى [ذمة] (٢) آخر بغير رضاه ضررٌ؛ لأنها ربما لم تكافئ ذمته. قلنا: الأمر المطلق في عرف الفقهاء بإجماعهم يدل على الوجوب، فإن منع مانع فالمناظرة معهم، وإن أردنا أن ندل على تلك المسألة، فالقول فيه سهل؛ فإنا لا نعني بالواجب إلا ما يعصي تاركه، أو ما يلام تاركه شرعاً، ولا شك في أن الأمر مقتضٍ للفعل، وأن الإقدام على المأمور امتثال، وإن لم يفعل المأمور صحَّ أن يقال: إنه غير ممتثل لأمر الشرع؛ فالآن من لم يمتثل أمر الشرع ثم يعلم أنه ملوم شرعاً/ أو أنه متعرض لخطر عقاب، فهذا نعلم من اعتقاد الأولين، فإنهم كانوا يرون التاركين للأوامر المطلقة ملومين، ومتعرضين للخطر إلا إذا اقترن بالأمر قرينة تدل على جواز الترك، فأما عند الانفكاك عن القرينة فقد أطبق الصحابة على ما ذكرناه، على أن عندكم لا يستحب له أن يحتال، ولا يصح حملكم له على ذلك، فإنا نشترط أن يكون مليّاً على ما ذكرنا، فلا يستضر. والفقه في المسألة: أن الذي له في ذمة المحال عليه ماله، فلم يعين في التوفية منه رضا الغريم كسائر أمواله؛ وهذا لأن مقصود من له الدين استيفاؤه، ولا فرق بين أن يوفيه بنفسه، أو بوكيله، فالمحال عليه في الحقيقة كالوكيل في التوفية، ولهذا لا نعتبر [رضاه] (٣) نحن، ومالك، والشافعي (٤)، كما لا يعتبر رضا الوكيل، والدليل على أن الذي في ذمة المحال عليه ماله أن يلزمه زكاته، ولا يجب على من هو عليه زكاته، ويلزمه به الحج، والكفارة، وصدقة الفطر، ونفقة الأقارب، وتحمل العقل، وغير ذلك.

стр. 667

فإن قيل: لو كان ذلك ماله لوجب إذا تلف المال الذي في يد المحال عليه قبل قبض الغريم أن يرجع على المحيل، فيطالبه كما لو تلف ماله في يد وكيله. قلنا: إنما لم يرجع؛ لأنه بالحوالة صار كالقابض، ولهذا يحكم ببراءة ذمة المحيل، ولو قبض المال من وكيله وتركه عنده فتلف لم يرجع على الموكل على أنه ماله إلا أن محله ذمة المحال عليه والمحال [باقٍ] (١) فلا يرجع على المحيل. طريقة أخرى: أن الشافعي قد وافقنا على أن رضا المحال عليه غير معتبر، ومعلوم أن بين [مقتضٍ] (٢) ومقتضى [بوناً وتفاوتاً] (٣)، ثم لا يملك أن يقول: أنا لا أدفع مالك عندي إلا إليك، كذلك لا يجب أن يملك المحتال أن يتخير ذمة دون ذمة مع التساوي في الملاءة، ويحرره قياساً؛/ فيقول قائل في الحوالة: فلا يعتبر رضاه كالمحال عليه. ولأن الشافعي قد وافق ـ أيضاً ـ في جواز وكالة الحاضر في الخصومة (٤)، وقد علمنا تفاوت ما بين الناس في الخصام حتى قال ـ صلَّى الله عليه ـ: «إنكم لتختصمون إليّ، ولعلّ أحدكم ألحن بحجّته من صاحبه، فمن قطعت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذه، إنما أقطع له قطعة من النار» (٥)، فلم يؤثر هذا التفاوت، ولا اعتبرنا جميعاً رضا الخصم في الوكالة،

стр. 668

وليس بين ذمة وذمة مع اعتبارنا الملاءة بأوفى ما بين خصومة أَلدّ، وخصومةِ قطيعٍ، ولعل الخصم يكون قطعياً ذا فهاهة، والوكيل ذا خصام وخبرة وفصاحة، فإذا لم يؤثر الاختلاف هناك كذلك هاهنا، يوضح هذا أن الخصومة حق توجه عليه، كما أن قضاء الدين حق يوجبه عليه، فإذا ملك صرف الخصومة إلى غيره ملك صرف القضاء إلى غيره. طريقة أخرى: أن الحوالة توجب تعلق الحق بذمة من عليه الحق، فلا يعتبر رضا الطالب في صحة ذلك كالضمان؛ فإنه لو ضمن عن غيره حقّاً صحَّ، وإن لم يرضَ بذلك المضمون له كذلك الحوالة. فإن قيل: الضمان توسعة لصاحب الحق؛ لأنه يتخير في المطالبة بين الضامن والمضمون منه، فيصير محل الحق موسعاً، ولا ينقل الحق من ذمة من هو عليه، وهذا يزيله من ذمة من عليه بتعين المحل من غير توسعة، والذمة الأولى حصل بها الرضا، وهذه لم يحصل بها رضاه، وهي مختلفة جدّاً. قلنا: فكان يجب إذا كان المحال عليه أخلى ذمة أن يلزم الحوالة لإرضاء المحتال، كما أن إعطاء الأجود في السلم، والقرض يلزمه قبوله، وكما إذا استأجر أرضاً لزراعة الحنطة فزرع الشعير، أو استأجر دابة لحمل دارة حنطة فحمّلها دارة من الشعير، لما كان ذلك أجود للمؤجر في أرضه ودابته لم يعتبر/ رضاه، ولم يتعين على المستأجر زراعة الحنطة ولا حملها لما كان السَّطْر (١) يقع للمؤجر، فهما كذلك، يلزمك إذا كانت ذمة المحال عليه مليئة مكافئة ذمة المحيل، أو أملأ منها يجب أن يلزم، ولا يعتبر رضا المحتال كما لا يعتبر رضا المؤجر، والمسلم في باب الأجود في السلم، وباب الأقل ضرراً في الإجارة؛ ولأنها إحالة بحقه على مليء، فانقطعت مطالبته، كما لو أحاله على من رضي بذمته. والمعتمد في المسألة أن يقول: عقد الحوالة جائز بالإجماع، بدليل أنه إذا رضي به المحتال يجوز، وإذا لم يرضَ لا يبطل؛ لأنه بترك الرضا متغيب؛ والتغيب مردود في الشرع.

стр. 669

وإنما قلنا: إنه متغيب؛ لأن المتغيب طالب ما ليس [له] (١) طلبه، أو طلب زيادة بعد حصول مقصوده. وإنما قلنا: إنه متغيب بترك الرضا؛ لأن مقصوده استيفاء حقه لا عين الشخص وذمته، وحقه يصل إليه من المحال عليه، كما يصل من المحيل، فيكون ترك الرضا متغيباً متخبّياً فلم يقبل منه، وهذا كالوكيل بقضاء الدين من غير رضا من له الدين يجوز؛ لأن مقصوده وصوله إلى حقه، ويده ويد وكيله في هذا المعنى واحد لا يختلف بحال، فصار بترك الرضا بيد وكيله وطلب يده متغيباً، فلم يقبل ذلك منه، كذلك هاهنا. فإن قيل: لو كان عدم الرضا والقبول جارياً مجرى القبول والرضا يوجب أن ينتقل الحق إلى ذمة المحال عليه عن ذمة المحيل، بمعنى أنه لو هلك المحال عليه معسراً سقط الحق بمجرد قوله: أحلتك عليه، من غير رضا المحتال، فلما لم ينقل إلا بالرضا، دل على اعتبار الرضا. قلنا: في ذلك عن أحمد روايتان (٢): أحدهما: ينتقل، فعلى هذا قد قلنا به. والثانية: لا ينتقل الحق، لكن تنقطع المطالبة بمجرد الحوالة. ويفيد الحوالة ـ أيضاً ـ إجباره على أخذ الحق من المحال عليه؛ لأنه/ قد يلزمه ما لا يحصل به البراءة، بدليل الوكالة في إيفاء المال، فإنه لا يجوز له الإباء والامتناع، ولا يسقط حقه، لكن تسقط مطالبته بذلك. احتجوا: بأنه حق ثبت في محل فلم يجر إجباره على استيفائه من غيره، دليله: إذا ثبت له حق في عين من الأعيان؛ فإنه لا يجوز نقله إلى غيره بغير اختاره. قالوا: وهاهنا قد ثبت الحق في ذمة المحيل، فلا يجبره أن يستوفيه

стр. 670

من ذمة المحال عليه، وهذا المعنى وهو أن الذمم لا تتكافأ كما لا تتكافأ أعيان الأموال، ثم لو باعه عيناً، أو رهنه عيناً لم يجز أن يجبره على أن يسلّم غيرها، كذلك في الذمم قالوا. قالوا: ولأن الحوالة تتضمن براءة أو بيعاً، فكلاهما يعتبر له الرضا، والبراءة فيما ظاهره على أصلكم؛ حيث قلتم لا يرجع على المحيل بفلس المحال عليه قبل إيفاء الدين، ألا ترى أن الإفلاس بالثمن أوجب عندكم الرجوع على المشتري بالمبيع لما كان العقد عقد بيع (١)، والضمان لما لم يتضمن الإبراء لم يسقط بفلس المضمون ولا بموته، والإبراء ممن له الحق لا يصح إلا برضا المبرئ، وهو المحتال، ومما يرد الحوالة إلى جانب البيع ـ أيضاً ـ أنه يعاوض بماله في ذمة المحيل بماله في ذمة المحال عليه، وإذا ترددت الحوالة بين أمرين كل واحد منهما يفتقر إلى الرضا كانت مفتقرة إلى الرضا. الجواب: أنه لا يجوز اعتبار الذمم بالأعيان؛ لأن الذمم غير مقصودة في نفسها، وإنما المقصود الحق، فلا فرق بين استيفائه من ذمة وذمة، ألا ترى أن المكيال والميزان لو عُيِّنا في توفية حق لم يتعينا، وجاز الإيفاء من غيرهما، فأما الأعيان فهي المقصودة في نفسها، وهي غير حقه، فلا يجوز إجباره على أخذ غير حقه، ألا ترى أنه لو باعه عيناً ثم تراضيا على تسليم غيرها/ بذلك البيع لم يجز، ولو تراضيا على النقل بالحوالة إلى ذمة أخرى جاز، فدل على ما قلنا. فإن قيل: فإذا رهنه شيئاً فليس هو المقصود، والتوثق يحصل بغيره، ثم لا يجبر على أخذ غيره رهناً. قلنا: قد يُقصد الرهن في التوثق لمعرفة المرتهن (٢)، والحث على القضاء

стр. 671

يحصل بجنس هذه العين دون غيرها، ثم بالرهن ينقطع تصرفه عندنا (١)، وفي إبداله بجنسٍ (٢) بغيره تصرّف، وذلك ممتنع لامتناع يد الراهن عنه، ولأن في إبدال رهن برهن فسخاً للرهن الأول، وهاهنا لا يتضمن النقل بالحوالة فسخاً، ولا رفعاً للعقد، ولأن الغرض يختلف في باب الأعيان لأجل خوف الاستحقاق، وتفاوت الأعراض والذمم ليس يقصد منها إلا [الملاءة] (٣) بإيفاء الحق، على أنه قد يفوت الراهن على المرتهن غير الرهن عندنا؛ بأن يعتقه فينفد عتقه، ويجعل قيمته رهناً مكانه (٤). جواب آخر: وهو أن الأصول في الحقوق المتعلقة بالأعيان منقسمة: فيها ما ينتقل الحق فيه من محل إلى غيره بغير رضا من له الحق، بدليل حق الجناية في رقبة العبد الجاني يتخير السيد بين أن يفديه أو يسلمه، وإذا اختار الفداء لم يعتبر فيه رضا المجني عليه، وكذلك مال التركة يتعلق حقوق الغرماء به تعلقاً لو تلفت التركة قبل الإيفاء لم يضمن الوريث عوضه، كما لو تلف العبد الجاني، ثم إن الورثة مخيرون بين القضاء من (٥) التركة، وبين إمساكها والقضاء من غيرها. وكذلك قد ينقل الحق من ذمة إلى ذمة بغير رضا من له الحق، ألا ترى أنه لو مات رحل وفي ذمته دين، وله على رجل دين، انتقل حق الغريم إلى ذمة مدين الميت من غير اختياره، ولأن تعلق الحق بالدين آكد من تعلقه بالذمة، ألا ترى أن العين لا يتجدد/ عليها مثل ذلك الحق، فدلّ على أنها غير مقصودة بالحق؛ فإنها لو قصدت لشغلها الحق الأول عن تجدد مثله عليها كالإعتاق. وأما قولهم: إن الحوالة تتضمن براءة أو بيعاً كلاهما يعتبر له الرضا.

стр. 672

فنقول: إن وضع الشرع لها على غير وضع الراهن والبيع جميعاً، لأنه أمره بالاتباع عند إحالته على مليء، وله ـ صلَّى الله عليه ـ أن يجعل هذه عقداً منفرداً بهذا الحكم، ومعناه: أنه يعتبر ممن عليه الحق محل الإيفاء، وإليه ذلك؛ كما إذا عين بالقضاء كيساً من بين بعض أكياسه ووكيلاً من بين وكلائه ينوب عنه في القضاء والفداء بدلاً من دفع العبد الجاني، ومالاً من عنده لا من مال التركة، فيكون من هذا القبيل، ولأن القرض بيع في الحقيقة؛ لأنه إبدال دينار بدينار على سبيل الإرفاق بتقديم دفع أحدهما، ومع هذا يترتب عليه حكم يخالف به سائر البيوع، وهو أنه يقضي ما عليه بنفس العين التي اقترضها، فجعل عين الدينار الذي اقترضه قضاء، وليس لنا في البيوع بيع الشيء بنفسه وإبداله بعينه، ولأن الحوالة ليس المغلب فيها إلا ما تضاد الإبراء، وهو الإيفاء؛ لأن الإيفاء إعطاء، والإبراء إسقاط، فأين الحوالة من الإبراء؟ فلذلك اعتبر رضا المبرئ؛ لأنه تبرع بإسقاط الحق، والإنسان لا يجبر على إسقاط حقه، ولا يثبت سقوطه حقه بغير رضاه، وهاهنا توصل إلى إيفاء الحق، فهو كالوكالة لغيره في نقيض الدين، والله أعلم. وقد تعلق بعضهم بأن المحيل يعتبر رضاه، كذلك المحتال. فنقول له: نقابلك بمثله، فنقول أليس المحتال عليه لا يعتبر رضاه كذلك المحتال. الثاني: أن المحيل موجب فاعتبر رضاه كسائر الموجبين، وهذا قائل. الثالث: إنما اعتبرنا رضاه؛ لئلا يفضي إلى التخيير عليه في جهات القضاء، وهذا لا يجوز، كما لا يجوز أن يتخير في القضاء من كيس إلى كيس بخلاف المحتال/ فإنه لا يتخير في هذا، فكذلك في الذمة، والله أعلم.

стр. 673

من مسائل المضاربة مسألة إذا اشترى المضارب أرباب ربّ المال، أو ابنه، أو من يعتق عليه، صح الشراء وانعتق على رب المال، نص عليه (١). وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: لا يصح الشراء، ولا يعتقون (٢). وكذلك الحكم عندنا في المأذون (٣)، وكذلك الحكم إذا اشترى زوجة رب المال انفسخ النكاح (٤)، وهو قول أبي حنيفة (٥).

стр. 674

وقال الشافعي: لا ينفسخ (١). لنا: أن كل عين جاز لرب المال شراؤها جاز للمضارب شراؤها، دليله: سائر الأموال، وهذا لأن أرباب [ربّ] (٢) المال مال متقوم قابل للعقود، فصح عقد المضاربة عليه كالأصل سواء. فإن قيل: ليس كل ما جاز لرب المال ابتياعه جاز للمضارب؛ بدليل الابتياع بأكبر من ثمن المثل والمحاباة يجوز لرب المال، ولا يجوز للمضارب؛ وهذا لأن رب المال ليس تصرفه مقصوراً على ما هو الأحظ، والمضارب تصرفه مقصور على ما فيه طلب الحظ. قلنا: إنما لم يجز للمضارب ذلك؛ لأنه تصرف يتلف فيه المال من غير عوض، إذا بذل ما زاد على الثمن لا يقابله شيء، والمضارب إنما جَعَلَ له حظّاً من الربح لتنمية المال وتثميره، لا لخسرانه وتنقيصه وتبذيره، وفي مسألتنا قابله حظ يصح المعاوضة عليه، ويقصد مثله في الأعواض، وهو صلة الرحم، ومجازاة الأب التي وضعها الشرع. فإن قيل: المعنى في الأصل أنه يحصل بابتياعها المقصود، وهو حفظ المالية وحصول الربح، وليس كذلك في القريب؛ لأنه تفويت، وفيه ضرر؛ لأنه إتلاف للثمن بحصول العتق بالرحم، وما دخل رب المال في هذا العقد لتحصيل المكارم، والمجازاة عن الحقوق، إنما دخل فيه طلباً للأرباح، وثمن المال له. / قلنا: لا نمنع أن يكون وقوعه على وجه فيه ضرر، كما قلتم في شراء الزوج لزوجته فيه ضرر عليها، وهو فسخ نكاحها، ولربما كان أوفى من عتق غيرها، وكذلك شراء المكاتب أبا سيده، أو ابنه؛ فإن فيه ضرراً،

стр. 675

وهو جواز أن يعجز فيعتق على السيد فتفوته الأكساب، وكذلك إذا ابتاع المضارب عبداً قد حلف رب المال أن لا يملكه؛ فإنه يصح، فإن كان فيه التزام ضرر هو الكفارة، وكذلك لو ابتاع عبداً لا يفي ماله بقيمته، وكان على رب المال رقبة عن ظهار، فإنه يلزمه عتقه، وإن لم يلزمه ابتياعه لعجزه عن ملك ثمنه، فبطل التعليل بالضرر بهذه المسائل، ولذلك إن سلموا إذا كان رب المال قد علّق [عبداً] (١) لأجنبي على تملك له، فمضى المضارب وابتاعه؛ فإن فيه ضرراً، ويصح ابتياعه، على أنه إذا حقق فلا ضرر؛ لأن المضارب إن كان جاهلاً بذلك لم يغرم كالمغرور، وكمن رمى إلى صف المشركين فأصاب مسلماً، فلا ضمان لعدم العلم، وقد حصل لرب المال عتق رحمه. وإن كان عالماً بأنه قريب رب المال وابتاعه، قال القاضي ﵀: فلم أجد نصّاً عن أحمد في ذلك لا بإيجاب ضمان، ولا بإسقاطه (٢)، وقياس المذهب أنه يجري مجرى ما لو اشترى المضارب غير ما أُمر به يقف على إجازة ربّ المال، فإن أجاز نفذ، وإن لم يجز لزم المضارب، فعلى هذا لا ضرر عليه؛ لأنه إن أجاز فقد رضي، وما رضى به ربّ المال فلا ضرر عليه فيه، وإن لم يجز فلا يلزمه، وإنما ينفذ في حق المضارب، وقد ذكر أبو بكر جواز ذلك، وذلك في الضمين ثلاثة أوجه: أحدها: لا ضمان. والثاني: يضمن قيمة ثمنه، وما حصل فيه من الربح. والثالث: يكون شريكاً في الربح. ذكره في كتاب «التنبيه» (٣).

стр. 676

وكذا قلنا في الوكيل إذا أزاد في ثمن ما اشتراه أو نقص ثمن ما/ باعه بحكم الوكالة يصح العقد بحكم الإذن، ويرجع عليه بحكم التفريط، قال القاضي ﵁: والمذهب عندي ما ذكرت (١). وهذا صحيح؛ لأن عدم العلم أخرجه عن حيز التفريط، وقد أثر عدم العلم في مسائل من ذلك إذا مضى في طريق لم يعلم أنه مخوف، وباع إنساناً لم يعلم أنه مفلس؛ فإنه لا يضمن ولو علم لكان مفرطاً ضامناً، وكذلك هذا التفصيل في باب الوصي، وأمين الحكم يفرق بين الحكم وعدمه في هذه المسائل؛ لأجل حصول التفريط مع العلم وعدم التفريط مع الجهل. فإن قيل: لزوم الضمان يدل على أن العقد وقع على غير الوجه المعدوم فيه، وذلك يوجب بطلان العقد. قلنا: ليس كذلك؛ بل العقد وقع على الوجه المأذون، وهو أنه قابله عوض المثل، لكن عليه، فإنه يضمن الجناية، ولا يطعن ذلك في صحة العقد قبلها. فإن قيل: المقصود شراء زوج رب المال يحصل؛ لأنه يتوصل به إلى حصول الربح. قلنا: إلا أن حصول الربح لا يدفع ما قررنا من الضرر بانفساخ نكاحها، وسقوط حقوق النكاح ومنافعها به. طريقة أخرى: أنه منصرف بالإذن، فإذا اشترى أبا ربّ المال صح، كالعبد المأذون له في التجارة. فإن قيل: ذاك يشتري لنفسه، ولهذا لا يعمل فيه بنهي السيد عن شراء سلعة بعينها، وما يلحقه من ضمان لا يرجع به على المولى،

стр. 677

وليس كذلك هاهنا؛ لأن المضارب يشتري لرب المال، ولذلك إذا نهاه عن شراء سلعة بعينها أو بمتاع بعينه لزمه الترك، ويرجع بما يلحقه من ضمان على رب المال. قلنا: لا نسلم، بل العبد المأذون يشتري لسيده، ويتكيّف عن صحة هذا أنه يعتق عليه رحمه، فلا فرق بينه وبين المضارب، ولا نسلم أن النهي لا يعمل، وهذه مسألة خلافية، ولا نسلم أنه لا يرجع على السيد الضمان؛ بل جميع/ الضمانات تتعلق بذمة السيد. احتجوا: بأن الإذن في المضاربة إنما يتناول التصرف على وجه يشمل المال وينميه بتحصيل الأرباح فيه دون ما ينفعه، فإذا اشترى من يعتق عليه خرج عن سمت الوضع، فيجب أن لا يصح. والجواب عنه: ما قدمنا من أنه لا ضرر على ما بينا من التفصيل وإن حصل من غير عمد ولا قصد، فلا عبرة به، ولا يطعن، كما ذكرنا في تلك المسائل التي يحصل فيها الضرر على وجه الجهالة، والله أعلم.

стр. 678

من مسائل الإقرار مسألة لا يقبل إقرار العبد بقتل العمد مأذوناً كان أو محجوراً ما دام على رقه، فإذا أعتق قيل لمن أقرّ له بالقتل من أولياء الدم إذا طالبوا بالقتيل في أحد الوجهين (١)، نص عليه أحمد (٢)، واختاره القاضي (٣)، وهو قول داود (٤)، وزفر (٥)، والمزني (٦). والثاني: يجوز إقراره بقتل العمد دون قتل الخطأ (٧)، اختاره أبو بكر (٨)، وهو قول أكثر الفقهاء (٩). الأول (١٠): أنه إقرار بقتل، فلا يصح من العبد في حق سيده، كالإقرار بقتل الخطأ، ولأن من لا يقبل إقراره بقتل الخطأ، لم يقبل إقراره بقتل العمد كالصبي، والمجنون؛ وهذا لأن إقرار العبد بقتل العمد هو إقرار

стр. 679

يتضمن إزهاق النفس، وإهدام البنية، ورقبة العبد إنما هي ملك للسيد بدليل أنه يملك المعاوضة عليها بأنواع المعاوضات والتمليكات، ولو أتلفها متلف فعفا عنه السيد، سقط القصاص والمال، ولو أذن لغيره في قتله فقتله، لم يجب القصاص، ولو قتله السيد لم يجب القصاص، ولا المال، وإذا كانت الرقبة ملكاً للسيد، فالعبد قد تضمن إقراره حقّاً على غيره، فلا يقبل منه. فإن قيل: إنما لم يصح بقتل الخطأ؛ لأنه إقرار بمال يتهم به في حق سيده بأن يواطئ من يعطيه بعض ما أقر به، ولا تهمة عليه/ في جوازها من نفسه، ولحوق الآلام التي مبناها على نفور الطباع عنها، ويكلف الإقرار بأسبابها، ولذلك قبلنا إقرار السفيه والمفلس فيما لا يتعلق به مال، ولم يقبل إقرارهما فيما يتضمن إيجاب مال. قلنا: لا ثقة بالمقر له فيما يواطئه عليه؛ لأن من يدخل على هذه الرذيلة من الإقرار له بما لا يستحقه لا يؤنس إلى صدقه فيما يعدُ به من دفع البعض، والمشاركة في المأخوذ؛ ولأن السيد قد يختار التسليم دون الفداء، فلا يحصل للعبد طائل عرض؛ لأنه يخرج من يدٍ إلى يدٍ، فلم يتبق إلا ما ذكرنا، ولأن التهمة تلحق الوارث بإقراره لوارثه، ويصح عندهم كل ذلك؛ تغليباً لإبراء الذمة على التهمة، كذلك هاهنا كان ينبغي أن تقبل، ولا يتهم من جهة أن العبد قد يكون صادقاً، لا سيما إذا كان بصفة التحري، والعدالة بحيث يقبل خبره في الديانات، فيكون قصد بذلك الإعلام بالحال لثبوت سيده الحق إلى مستحقه، على أن في قتل العمد إن لم يتهم فيجوز أن لا يصح مع عدم التهمة لتعلق حق الغير به، بدليل إقرار الراهن بعتق العبد المرهون لا غبطة له فيه، ولا حظَّ، بل فيه إتلاف ماليته في العبد وتلف رقِّه، ومع ذلك لا يصح في حق المرتهن لكونه رافعاً لوثيقته، وإلحاق الضرر به. احتجوا: بأن من صح إقراره بالسرقة، وقطع بها، صح بقتل العمد كالحر،

стр. 680

ولأن ما لا يقبل إقرار السيد به على عبده، وجب أن يقبل فيه من إقرار العبد به على نفسه، كالسرقة، وقطع الطرق، ولأن هنا إقرارَ العبدِ بإباحة دمه، والدم لا ملك للسيد فيه، ولهذا لو أباح رجلاً قتله لم يجز له قتله، ولو قتله بنفسه وجبت عليه/ الكفارة، وكان آثماً، وإذا كان دم العبد لا يملكه السيد كان الإقرار من العبد على نفسه، وذلك جائز، ولأنه قد ثبت لهذا الإقرار حكم، ولهذا يقتل به بعد العتق، وإذا كان قد ثبت موجبه ينبغي أن يستوفى في الحال فلا يجوز تأخيره. الجواب: أن القاضي سلّم الإقرار بالسرقة، وبقطع الطرق، وفرَّق بين النفس والطرف بأن قال: السرقة حق الله ـ تعالى ـ لا تسقط بالإسقاط؛ فتأكد حكمها، والقصاص حق الآدمي يسقط بإسقاطه؛ فخفّ حكمه. قال: وعلى أن ما دون النفس آكد في الثبوت من النفس بدليل حقوق الله ـ تعالى ـ يستوفى فيها ما دون النفس، وهو قطع الطرق في السرقة، ولا تستوفى النفس في الزنا، فالعبد ساوى الحر في قطع اليد، ولم يساوه في القتل بالإحصان، فقد اختلف الحر والعبد في القتل لحق الله مع وجود الإسلام فيهما، وتساويا فيما دونهما، فدل هذا على ضعف القتل، وإذا دل على ضعفه جاز أن لا يلزم بالإقرار، ويلزم ما دون النفس بالإقرار لتأكيدها. قال: ولأن قطع الطرف والسرقة أخف، فجاز أن يستوفى، والنفس آكد، ولهذا تتعلق الكفارة بإهدام البنية دون إبانة الطرف، وكذلك القسامة تستعمل في النفس دون الطرف. قال: ولأن قطع الطرف في السرقة وفي القصاص لا يعدم جميع البنية، وهاهنا يعدم البنية جميعها. قال: ولأن القياس يمنع من قبول إقرار العبد في الجملة؛ لأنه إقرار على غيره، وهو السيد، وإقرار الغير على غيره غير مقبول (١).

стр. 681

وإنما قُبل فيما دون النفس للإجماع، فوجب أن يبقى ما عداه على موجب القياس/ والذي يتجه إلى المنع، ويحمل كلام أحمد ﵁ في الإقرار بالسرقة على المال، وإلا فالفرق لا يصح؛ لأن الطرف والمال في باب إتلاف مالية السيد سواء، وهو قول زفر، ومحمد بن الحسن؛ فإنهما قالا: العبد المحجور إذا أقر بسرقة مال في يده من رجل لا يقطع، ويكون المال للمولى (١). وقال أبو حنيفة: يقطع، وتكون الدراهم للمقر له (٢). وقال أبو يوسف: يقطع وتكون الدراهم لمولاه (٣). ولو كان العبد مأذوناً له قطع في قولهم جميعاً، والمعنى في الحر أنه يصح إقراره بقتل الخطأ، فصح بقتل العمد، وهذا لا يصح إقراره بقتل الخطأ، فهو بالصبي والمجنون أشبه، ولأنه يمتنع أن لا يصح إقرار المولى به ولا العبد، كما أن الولي لا يصح إقراره على الصبي، ولا يصح إقرار الصبي، بل يجوز أن ينسد باب الإقرار في هذا، ولا يصح من المولى لكونه إقراراً على غيره، وهو العبد، ولا من العبد لكونه إقراراً على غيره، وهو المولى. وأما قولهم: إن الدم لا يملكه السيد. قلنا: بل الجملة جميعها، وجميع أجزائها إنما هي ملك للسيد، ولهذا لا قصاص عليه بقتله، ولا قصاص على من أذن له في قتله، وإنما لم يبح له قتله، ولا يأذن لغيره فيه احتراماً للنفس في الجملة، ولهذا قد نهى النبي ﵇ عن قتل الحيوان لغير مأكلة (٤)، فأولى أن يحرم قتل الحيوان الناطق، ونهى عن قيل وقال، وإضاعة المال.

стр. 682

وأما قولهم: إنه قد ثبت لإقراره حكم، ولهذا يقتل بعد العتق. قلنا: فيجوز أن يثبت موجبه في الثاني، ولا يثبت في الحال، والدليل عليه الحامل إذا قتلت استوفي القصاص بعد وضعها، ولم يستوف في الحال، وكذلك إذا قتل ولجأ إلى الحرم وجب القصاص، وتأخر الاستيفاء/ إلى حين الخروج، وكذلك المحجور عليه إذا أقرض وعامل تعلق ذلك بذمته عندهم، ولم يستوفِ في الحال، كذلك هاهنا يثبت، ويصح به بعد العتق، والله أعلم.

стр. 683

مسألة إذا قال: «كان له علي وقضيته»، لم يكن ذلك إقراراً (١)، نص عليه (٢)، واختاره عامة شيوخنا؛ الخرقي (٣)، وأبو بكر (٤)، والقاضي (٥). وهو مذهب عبد الملك بن يعلى (٦) قاضي البصرة، وسوار بن عبد الله (٧)، وإياس بن معاوية (٨)، وربيعة الرأي، ومالك، وإسحاق (٩). وفيه رواية أخرى: أنه يكون إقراراً يؤخذ به، ويسقط الصدر (١٠)،

стр. 684

ذكرها الشريف واختارها (١)، وهي قول أكثر الفقهاء (٢). الأولة: أنه لما صح أن يرفع بقوله بعض الجملة التي أثبتها ـ وهو بالاستثناء ـ جاز أن ترفع جملتها، دليله: صاحب الشريعة لما جاز أن يرفع بعض ما أثبت بالتخصيص، فيخصص بعض المشركين بالقتل جاز أن يرفع جملتهم، ولا يلزم عليه إذا قال: «له ألف إلا ألف» أنه لا يصح؛ لأن مثله في الأصل لا يصح أن يقول: اقتلوا المشركين لا تقتلوهم، وعلى أن التعليل لجواز دفع الجملة، وهذا إلزام في صفة الرفع، أو يقول: فسر الإقرار بما يحتمله، فيجب أن يقبل ذلك منه، دليله: إذا قال: «له علي ألف إلا خمسين»، ولا يلزم عليه إذا قال: «له ألف إلا ألف»؛ لأن اللفظ لا يحتمل ذلك. فإن قيل: صاحب الشرع يجوز أن يرفع الجملة متراخياً، ولا يصح مثل ذلك من المقر. قلنا: هذا لا يوجب الفرق بينهما في رفع الجملة، كما لم يوجبه في رفع البعض. طريقة أخرى: ذكرها الإمام أحمد، قال: قوله: كان له عليّ وقضيته، إنما هو إخبار وحكاية عن شيء كان، فلم يكن إقراراً (٣). وهذا صحيح؛ فإن لفظه «كان» لا تقتضي الثبوت في الحال، ولهذا لو قال: كان فلان في الدار لم يعقل/ منه الكون في الحال، ولهذا لو قال لحضرة القاضي مدعياً على خصمه: «كان لي عليه ألف»، لم يسمع القاضي هذه الدعوى.

стр. 685

فإن قيل: فلو كان لفظة: «كان» لا تقتضي الثبوت في الحال لما ثبت عليه بهذه اللفظة حق بحال، وإن لم يدع القضاء، ولما لزمه ذلك دل على أن لفظة «كان» تستدعي ثبوت الحق في الذمة. قلنا: الأصل في «كان» أنها مخبرة عن حال مضت، وما ذكروه قام الدليل على أن الحق يثبت به، وما عداه على حكم الظاهر. طريقة أخرى ذكرها الشريف أبو جعفر (١): قول يثبت به الحقوق، فإذا تضمن الإثبات وتعقبه ذكر القضاء لم يمنع الأول صحة الثاني، أو فقضى ذكر القضاء على الإثبات، كالشهادة؛ فإن الشاهدين لو شهدا بأن لزيد على عمرو ألفَ درهم، وقد قضاها قبل قولهما بالقضاء، كذلك الإقرار، ولا فرق بينهما (٢). فإن قيل: البينة حجة لإثبات الحقوق، ولإبقائها، فإذا شهدت فالقضاء لمن شهدت عليه بالفرض، وبالأخذ على وجه الضمان قبل ذلك منهما، وصحَّ؛ لأن الحكم بالشهادة المتأخرة يقضي على المقدمة، وليس كذلك المقر على نفسه؛ فإنه لا يصلح أن ينفي بنفسه ما أثبته، والأصل في الشهادة عدم التهمة، والأصل في قول الإنسان لنفسه التهمة. قلنا: تبطل بالاستثناء؛ فإنه يُتهم فيه، ويصدق، وذلك إذا [ادعى] (٣) أجلاً، وإذا ادعى غير نقد البلد.

стр. 686

الثاني أن الشاهدين قد يتهما في ذلك بأن يشهدا زوراً، فكان يجب أن لا يقبل قولهما. طريقة أخرى: أنه عزا إقراره إلى سبب وجوبه، فوجب أن يقبل منه ما عزاه إليه، دليله: إذا قال: علي ألف من ثمن مبيع لم أقبضه، وكما لو قال: ألف إلى سنة، أو ذكر نقدا رديئاً/ فإنه يقبل، وكذلك إذا قال له على ألف من ثمن خمر أو ثمن مبيع هلك أو ضمان لشرط. فإن قيل: المعنى في الأصل أنه لم ينف ما أقرّ به، وهاهنا قد نفاه. قلنا: يبطل بالاستثناء، فإنه يصح وإن كان نفياً لما أقر به، وكذلك إذا قال: له ألف هي ثمن هذا العبد والعبد أضعاف قيمة ذلك. طريقة أخرى: أنه رفع ما ثبت بقوله على وجه لا يفضي إلى التناقض فقبل منه، دليله إذا أقر أنه وطئ جاريته، ثم ادعى الاستبراء قُبِلَ منه، يبين صحة هذا أن وطْأَها يقتضي المنع من عقد النكاح عليها وشغل رحِمِها، وقوله: «إني قد استبرأتها»، دعوى من جهته يقتضي الإباحة وعدم شغل الرحم، ومع هذا يقبل منه. فإن قيل: ذلك الإقرار على نفسه، وهذا الإقرار على غيره. قلنا: بل دعوى الاستبراء إقرار على غيره، وأنها إذا أتت بولد لا يلحق به، وإقرار على غيره لمعنى يستدعي جواز العقد عليها. احتجوا: بأنّه وصل بإقراره ما يرفعه فلم يصح كما لو قال: له ألف إلا ألف، ولأنه لو رفع الأكثر باستثناء لم يصح عندكم، فأولى أن لا يصح إذا رفع الجملة، ولأن قوله: «له علي ألف» لفظ إيجاب، وهو لفظ يصلح للشوب واللزوم، وإذا كان قد ثبت عليه بقوله ذلك فقوله بعد ذلك: قضيتها، يريد به إسقاط حق عليه، فلم يقبل منه. الجواب: أما قوله: «له عليَّ ألف إلا ألف»، أنه يناقض إقراره لفظاً، وهاهنا لا يتناقض إقراره لفظا؛ لأنه يحتمل ما قاله، فينبغي أن يقبل قوله فيه،

стр. 687

أو لأنه رفع بالصلة جميع ما اعترف به من الوجه الذي أثبته، فلهذا لم يقبل، وهاهنا رفعه لا من الوجه الذي أثبته، فلهذا قبل. فإن قيل: إن لم يتناقض لفظه إلا أنه رادٌّ على/ نفسه ومكذب لها. قلنا: لا نسلم هذا، ولو كان رادّاً على نفسه لوجب إذا ادّعى بعد الإقرار أنها مؤجلة أو أنها من ثمن مبيع، وأما استثناء الأكثر فإنما لم يصحّ لما نبينه في المسألة الآتية، وأنه ليس من اللغة وليس كذلك قوله: قضيتها؛ لأنه ليس باستثناء، ولا منعت اللغة من ذلك، بل هو من كلام مبني على ما قبله بناء صحيحاً، كما بني ادعاء الاستبراء لأمته على إقراره بوطئها. يبين صحة هذا أن من أبطل هذا حَكم باستثناء الأكثر، ومن صحّح هذا أبطل استثناء الأكثر، فدل هذا على أنه لا يجوز اعتبار أحدهما بالآخر. وأما دليلهم الثالث، فيبطل بالبينة، ولو شهد شاهدان أن لفلان على فلان [ألفاً] (١) قضاها قبل منه، وكذلك إذا قال: «له عليّ ألف إن شاء الله»، قال أبو حنيفة والشافعي: لا شيء عليه (٢). وكذلك قال الشافعي: إذا قال له: ألف، ثم قال: وديعة وهلكت، يقبل منه ذلك، وكذلك إذا قال: «له ألف في علمي، أو فيما أعلم»، قال: لا شيء عليه (٣). ويبطل ـ أيضاً ـ بالاستثناء، فإنه إذا قال: «له ألف»، لفظ إيجاب، فإذا قال: «إلا مائة» لفظ سقط به عنه المائة، ومع هذا يصح كذلك هاهنا، والله أعلم.

стр. 688

مسألة لا يصح استثناء الأكثر في أحد الوجهين (١)، نص عليه أحمد (٢)، واختاره الخرقي (٣)، وهو قول ابن درستويه (٤) النحوي، وابن جني (٥)، والزجاج (٦)، والقتبي (٧)،

стр. 689

وابن الباقلاني (١) (٢). والثاني: يصح (٣)، اختاره أبو بكر صاحب الخلال (٤)، وهو قول أكثر الفقهاء (٥). وفائدة الخلاف: أنه إذا قال: له علي عشرة إلا تسعة، لزمه عشرة، وعندهم يلزمه واحد. وجه الأوّل: أن الاستثناء طريقه اللغة، ولم يسمع ذلك فيها، فمن ادعاه فعليه الدليل. فإن قيل: دعواكم/ أنه لم يسمع ممنوع، بل قد سُمِع وقد ورد به القرآن، وهو أفصح اللغات، وذكره العرب في أشعارهم.

стр. 690

أما القرآن: فقوله ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ *﴾ (١)، وقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ *﴾ (٢)، فاستثنى العباد من الغاوين، والغاوين من العباد، وأيهما كان أكثر فقد استثناه من الآخر، فدل على جوازه. على أن النصوص تعطي أن الغاوين أكثر، بدليل قوله: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (٣)، صدق الله على ذلك بقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٤)، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ *﴾ (٥)، ولكن أكثرهم لا يعقلون، لا يؤمنون (٦). وأما الشعر: فقول الشاعر (٧): أدّوا التي نقصت تسعين من مئة … ثم ابعثوا حكماً بالحقِّ قوّاما (٨) وهذا في معنى الاستثناء؛ لأن تقديره مائة إلا تسعين.

стр. 691

قلنا: هذا ليس بدليل على ما ادعيتموه مسألة الخلاف؛ لأن الخلاف في الاستثناء في الأعداد هل يكون بالأكثر أم لا، وهذا استثناء بالصفات وهو في الحقيقة تخصيص، وذلك لا يعتبر فيه بالعدد ولا بالكثرة والقلة؛ لأن الغرض إخراج من وُجدت فيه تلك الصفة سواء كثروا أو قلوا، وفرق بين الموضعين، ألا ترى أن الاستثناء بالعدد من شرطه أن يكون معلوماً والاستثناء بالصفات لا يفتقر إلى ذلك، بل يكون مجهولاً، وكذلك الاستثناء بالعدد لا يجوز فيه إخراج الكل، وبالصفة يجوز إخراج الكل، ألا ترى أنه لا يجوز أن يقول: [أقتل] (١) العشرة الذين في الدار إلا عشرة، ويجوز أن يقول: أقتل من في الدار إلا بني تميم، وإلا الأبيض، فيكون كل من في الدار بنو تميم فلا يجوز له قتلهم، وكذلك إن كانوا كلهم بيضاً. الثاني: أن هذا/ استثناء منقطع يمنع، لكن من اتبعك من الغاوين، ولكن عبادك المخلصين فإني لا أغويهم، وليس خلافنا فيه. الثالث: أنه لو أريد به الاستثناء لم يدل على أن أحدهما أكثر، ويجوز أن يكون العباد المخلصون والغاوون سواء، ثم لئن ثبت أن أحدهما أكثر لم يكن قد استثنى إلا الأقل في الموضعين؛ لأن إبليس قال: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٢) أراد ولد آدم، ولهذا قال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (٣)، ثم استثنى فقال: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ *﴾ (٤)، وهم الأقل، ولهذا قيده بـ «منهم»، ووصفهم بالعباد المخلصين، ولم يقل: إلا عبادك، ويُطلِق؛ فدل على أنهم الأقل.

стр. 692

وأما الآية الأخرى، فإن الله ـ تعالى ـ قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (١)، فأضاف العباد إليه مطلقاً، وذلك يقع على كل عبد له من مَلَكٍ وآدمي وجنّي، ثم قال: ﴿إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٢)، والغاوون من جميع العباد هم الأقلون؛ لأن الملائكة كلهم غير غاوين ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (٣)، ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ *﴾ (٤)، وهم أكثر الخليقة، ويضاف معهم المؤمنون من الإنس والجن، فيكونون أكثر من الغاوين بغير شك؛ فاتضح أنه في الاثنين استثناء الأقل. وأجاب بعض أصحابنا بجواب آخر، فقال: يحتمل أن يكون أنزلهم منزلة القليل لقلة منزلتهم، وإن كانوا أكثر عدداً، كما قال النبي ﵇: «الأقلون هم الأكثرون» (٥)، يريد المنزلة، وهذا مستحسن في لغة القوم أن يقول القائل: «جاءني بنو تميم إلا أوباشهم وسفسافهم»، وإن كانوا هم الأكثرين عدداً، لكن لما كانوا الأقلين منزلة استثناهم. فإن قيل على الجواب الأول: لو دخل/ الملائكة في قوله: ﴿عِبَادِيَ﴾ (٦)؛ لوجب أن يكون من الملائكة [غاوون] (٧)، كما كان من الآدميين [غاوون] (٨). قلنا: لا يجب ذلك، بل الواجب أن يخرج الاستثناء بعض الجملة، والجملة هي: العباد، فإذا خرج منهم بعض الآدميين كفى.

стр. 693

الثاني: أن من الملائكة من غووا وهو إبليس وهاروت وماروت، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ (١)، الآية. وقال: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ (٢)، قال ابن عباس وغيره: كان من قبيلة من الملائكة يُقال لهم: الجن، وهم خزان الجنة، وكان على ملك سماء الدنيا (٣). وأما قول الشاعر: فقد قال بعض أهل العلم: إنّ هذا البيت معمول، ولم يصح عن العرب. الثاني: أن هذا ليس باستثناء؛ لأنه لم يأت فيه بحرف الاستثناء، وحروف الاستثناء معلومة. الثالث: أن هذا خرج مخرج الاقتصاد ببقية دية المقتول، فكأنه قال: قد بقي عليكم أكثر الدية فادفعوه، ذكر ذلك ابن عرفة في كتاب «الاستثناء» (٤)، وذكر قبله بيتاً وهو: إن الذين قلتم [أمس] (٥) سيّدهم … لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما (٦) أدّوا التي نقصت تسعين من مئة … ثم ابعثوا حكماً بالحقِّ قوّاما قال بعض أصحابنا: وعندي أن هذا من كلام الشاعر على التعجب والتظلّم والاستطراف لمن نقصه من حقه الأكثر، وإذا كان خارجاً مخرج التعجب فإنما قصد حكاية الحال. ومثل هذا لا يكون استثناء، مثل قول القائل: «هذا الخباز يعطينا خبزاً في عشرية بلية»، و «هذا الصيرفي يزن الدينار بنقص اثني عشر قيراطاً»،

стр. 694

تعجباً من البخس، وليس هذا مما [يجري] (١) فيه شيء، ألا ترى أنه (٢) يصح أن يقول: لي عنده مائة قد أعطاني ثلاثين يقضي سبعين، ولا يحسن/ أن يقال لمن عنده مائة إلا سبعين ويريد به ثلاثين؟ طريقة أخرى: أن الاستثناء وضع للاختصار وللاستدراك، والعرب قد استهجنوا واستقبحوا ما طال من الكلام لغير حاجة، واستحسنوا الاختصار، وهو تقليل الكلام الجامع لكثير المعاني، وهو من أحد طرق إعجاز القرآن، فهذا في الجملة، فإذا جاء التفصيل كان أشد تقبيحاً واستهجاناً قول القائل ـ وهو يريد الإخبار بأنه رأى رجلاً أن يقول: ـ «رأيت ألف رجل، إلا تسع مائة [وتسعة و] (٣) تسعين رجلاً»، وقوله وهو يريد الإقرار لرجل بدرهم: «له علي ألف درهم، إلا تسع مائة [و] (٤) تسعة وتسعين درهماً»، وما دخل في خبر الاستفتاح مبهم لم يكن مستعملاً؛ لأن القوم عقلاء حكماء امتازوا من الخلق باللسان وحسن البيان، فلا يحصوا استعمالهم إلا بالأحسن، فإذا رأيناهم استقبحوا كلاماً واستهجنوه علمنا أنه ليس من وضعهم. فالدليل على ما قلنا: ما ذكره الزجاج في كتاب «المعاني» (٥) (٦) لما تكلّم على قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا﴾ (٧)، ولم يأت في كلام العرب إلا القليل من الكثير. وقال أبو الفتح بن جني: لو قال قائل: هذه مائة إلا تسعين ما كان متكلماً بالعربية وكان كلامه عِيّاً ولُكْنة (٨).

стр. 695

وقال القتيبي في جوابات المسائل في كتاب «الجامع في النحو» (١): يجوز أن يقول: صمت الشهر كله إلا يوماً، ولا يجوز أن يقول: صمت الشهر كله إلا تسعة وعشرين يوماً، ويقول: لقيت القوم كلهم إلا واحداً، ولا يجوز أن يقول: رأيت القوم كلهم إلا أكثرهم. وأنشدوا في ذلك: عداني أن أزورك أن بهمي … عجاف كلها إلا قليلا (٢) فإن قيل: دعواكم استقباح ذلك لا وجه له، بل الأحسن عندهم غيره وليس/ إذا كان الأحسن غيره لم يكن مستعملاً ولا سائغاً، ألا ترى أن الأحسن في حق من أراد أن يقر بتعسة أو يجيزها أن [لا] (٣) يقول: عشرة إلا واحداً، بل يقول: تسعة، ومن أراد أن يثبت ستة إقراراً بها الأحسن أن يقول: ستة، ولا يقول: عشرة إلا أربعة. ثم لا يقال: إن الاستثناء كذا ليس بلغة ولا مستعملاً. قلنا: أما الاستهجان والاستقباح فلا شبهة فيه؛ لما نقلنا عن العلماء بهذا اللسان. وقولهم: ليس بمتكلم بلغة العرب من نطق بذلك، وما قول من قال: أعطيته مائة ألف درهم إلا تسعة و [تسعين] (٤) ألفاً وتسع مائة وتسعة وتسعين، بدلا من قوله: أعطيته درهماً، وما هو في الفعل بمثابة من أراد المضي إلى دار في جواره طريقها خطوات، فمضى خارجاً عنها دائراً في عطفات وزيقات قدر المسافة فرسخاً، فاستهجان ذلك القول كاستهجان هذا الفعل؛

стр. 696

لأنه تطويل لا يحتاج إليه، وهو العبث في الفعل واللغو من القول، حتى إن بعض العلماء يقول: إنه لا يحسن الاستثناء إلا بالكثير (١). فأما بالعقد فلا، وهذا يرجع إلى معنى وأن الاستثناء لنوع استدراك، يقول الرجل: ثنيت عنان فرسي، وثنيت فلاناً عن رأيه، وذلك لا يقع أبداً إلا فيما يستدرك مثله لقلة الاهتمام به والمذكور هو المهتم به، فيذكر المائة أو العشرة؛ لأنها المال الأكثر والعقد الأكثر، ثم يثني إلى إخراج ما قلّ واستدركه، فيكون ذكره للأكثر هو المهم المذكور، فأما أن يريد إثبات درهم فيذكر مائة ألف، ويبقى منها ما يبقى منه درهم، فما هذا موضوع العرف والعادة. فإن قيل: نسلم أن الأكثر/ على أنه صفة لا استثناء، ونصب غير على الحال على أنه لو أراد به الاستثناء فهو استثناء بصفة، وخلافاً في استثناء العدد الأكثر من جملة عدد، وقدمنا الفرق بينهما فما تقدم فأغنى عن إعادته. وأما الآية الأخرى: فالاستثناء القليل، وقوله: نصفه، فكلام مبتدأ ليس باستثناء فإنّه قال: قم الليل نصفه، أو منه قليلاً، أو زد عليه، على أن الخرقي ـ من أصحابنا ـ قد أجاز استثناء النصف (٢)، وخلافنا في استثناء الأكثر، وخالفه على ذلك أبو بكر، فقال في كتاب «الشافي» (٣): إنما يجوز ما دون النصف (٤).

стр. 697

وأما قياسهم على التخصيص فنقول: هذا إثبات لغة بالقياس، وفيه نظر. وقياسهم ـ ولو نزلنا عن هذا ـ فالتخصيص يدخله ما لا يدخل الاستثناء، ألا ترى أنه يجوز التخصيص بدليل منفصل، ولا يصح الاستثناء بلفظ منفصل، والتخصيص يجوز بجميع أدلة الشرع والعقل، والاستثناء لا يجوز إلا بحروف مخصوصة في اللغة، والتخصيص يأتي على الجميع فيصير نسخاً، والاستثناء لا يصح أن يأتي على الجميع. على أن التخصيص لا يكون إلا بصفة، ولهذا يصح في العدد المجهول، والاستثناء في مسألتنا لا يكون إلا بعدد معلوم من عدد معلوم، فنظيره استثناء بصفة فيجوز في الأكثر. وأما قياسهم على الأقل أن يكون بحسن استدراكه وبوبانه (١) على وجه الاختصار بخلاف الأكثر. جواب آخر: أنّ الأقل لم يقم في الأحكام مقام الجميع، والأكثر أُقيم مقام الجميع، بدليل إدراك أكثر الركعة والنية قبل الزوال في رمضان عند أبي حنيفة (٢)، وفي النفل عند الشافعي (٣) وعلى وجه لنا يصح (٤)؛ لأنه/ قد نفى معظم اليوم، وكذا فعل أكثر الطواف والإيثار بمعظم ألفاظ اللعان؛ يقوم مقام الجميع عند أبي حنيفة (٥)، والأقل لا يقوم، فافترقا، والله أعلم.

стр. 698

من كتاب الغصب مسألة إذا مَثَّل بعبده قاصداً عتق عليه (١)، نصّ عليه أحمد ﵁ (٢). وهو قول مالك (٣)، والليث بن سعد (٤). وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يعتق عليه بذلك (٥). دليلنا: ما روى أحمد بإسناده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ قال: «من مثّل بعبده أو حَرّق بالنار، فهو حرّ» (٦)، رواه أحمد ـ أيضاً ـ، عن معمر، وقال: هو ثقة. وهذا الحديث نصّ، فإن ادعوا إرساله فهو حجة عندنا وعند أصحاب أبي حنيفة.

стр. 699

وروى الإمام أحمد في «المسند»، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال أخبرني معمر، أن ابن جريج أخبره، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن زنباع (١) أبا روح وجد غلاماً له مع جارية له، فجدع أنفه وجبّه، فأتى النبي ﵇، فقال: «من فعل هذا بك؟» قال: زنباع، فدعاه النبي ـ عليه [السلام] (٢) ـ، فقال: «ما حملك على هذا؟» فقال: كان من أمره كذا وكذا، فقال النبي ـ صلَّى الله عليه ـ للعبد: «اذهب فأنتَ حُرٌّ»، فقال: يا رسول الله، فمولى من أنا؟ قال: «مولى الله ورسوله»، فأوصى به رسول الله المسلمين، فلما قُبض رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ جاء إلى أبي بكر، فقال: وصية رسول الله، قال: نعم، نجري عليك النفقة وعلى عيالك، فأجراها عليه حتى قبض أبو بكر، فلما استخلف عمر جاءه، فقال: وصية رسول الله، قال: نعم، أين تريد؟ قال: مصر، قال: فكتب عمر إلى صاحب مصر أن يعطيه أرضاً يأكلها (٣). وهذا الحديث نص، فادّعوا إرساله، فهو حجة عندنا وعند أصحاب أبي حنيفة، ولا جائز أن يقال بحمل قوله: فهو حر، أي: السيد حر، بمعنى أنه لا يقتص منه لعبده؛ لأنا/ نقول: قد علمنا أن السيد حر، قبل أن يمثل بعبده، فلا فائدة أن يقول: فهو حر، لمن هو حرٌّ. الثاني: أننا قد استفدنا أنه لا يجرى القصاص بينهما بدليل آخر؛ فينبغي أن يحمل هذا على فائدة مجددة. وروى الشيخ أبو عبد الله ابن بطة بإسناده، عن ابن عباس، قال: جاءت جارية إلى عمر بن الخطاب فقالت: إن سيدي اتهمني فأقعدني على النار حتى احترق فرجي، فقال لها عمر: هل رأى ذلك عليك؟ قالت: لا،

стр. 700

قال: فهل اعترفت له بشيء؟ قالت: لا، فقال عمر: عليّ بالرجل، فلما رأى عمر الرجل، قال: أتعذِّب بعذاب الله؟ قال: يا أمير المؤمنين اتهمتها في نفسي، قال: رأيت ذلك عليها؟ قال الرجل: لا، قال: فاعترفت لك؟ قال: لا، قال: فو الذي نفس عمر بيده لو لم أسمع النبي ـ صلَّى الله عليه ـ يقول: «لا يُقادُ مملوك من مالكه»؛ لأقدتُها منك، وبرزه فضربه مائة سوط، ثم قال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله ـ تعالى ـ، وأنت مولاة الله ورسوله، أشهد لسمعت النبي ـ صلَّى الله عليه ـ يقول: «من حرّق بالنار أو مثل بعبده فهو حرّ، وهو مولى الله ورسوله» (١)، وقال هذا عمر بمحضر من الصحابة وتوافر منهم، ولم ينقل عن أحد خلافه فوجب العلم به. قالوا: إنما فعل ذلك معاقبة للسيد ومراغمة له، حيث أراد إجراء غاية تسلطه على العبد في أن يعذبه بعذاب الله وهو النار، أو يمثل به، فعوقب بإخراجها عن ملكه، فهذا أمكن تعليله على الجملة. والفقه فيه: أنه إتلاف لو وجد في جميع العبد أزال ملكه عنه، فإذا علق على البعض أزاله كالعتق.

стр. 701

فإن قيل: بالعتق أخرجه عن كونه مالاً طرفاً كان المباشر أو نفساً، وهاهنا لا يزيل المالية عن الجملة، فزال الملك عن الطرف المبان خاصة. قلنا: لا نسلم بل هما سواء؛ لأنه يعتق هنا وهناك. / الثاني: أنه يجوز أن يزيل الملك وإن لم يزل المالية عن الجملة كالاستيلاد (١) والشريك، والأب يزيل ملك الابن والشريك عن الأمة، ولا يزيل المالية، بدليل أنها تضمن بالغصب والجناية ضمان قيمته. فإن قيل: ففي العتق لا يزول ملكه عقوبة، بل قربة، وهاهنا يحكمون بأنه عقوبة، وليس لنا عقوبة يجب على السيد لأجل عبده أو لحق عبده بدليل حد القذف والقصاص ولا عقوبة بمال. قلنا: بل قد ثبتت العقوبة بالمال عندنا إيجاباً وإخراجاً، وعند الجميع حرماناً، وهو حرمان القاتل إرث المقتول، والكفارات عقوبات، قال الله ـ تعالى ـ في جزاء الصيد: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ (٢)، ولا يمتنع وجوب عقوبة على السيد لأجل العبد، بدليل التحرر. فإن قيل: لو كان كالعتق لوجب إذا أكدمه (٣) العبد المشترك أن يشتري إلى حصة شريكه، فلمّا لم يشترِ دلّ على افتراقهما، وكان السرّ فيه أن العتق أنفذ، ولذلك لا يحتاج إلى قصد، وهذا لا يحتاج إلى قصد. قلنا: كذا نقول، وأنه يسري كالعتق والاستيلاد. وقولكم: العتق لا يحتاج إلى قصد، فيجوز أن يختلفا في اشتراط العمدية والقصد، ويستويان في حصول العتق بهما؛ بدليل الاستيلاد لا يحتاج إلى قصد، والعتق بالقول من جهة الكتابة يحتاج إلى قصد، ويستويان في حصول القصد، وكذلك الكتابة والصريح ووجود الصفة يختلفان في حصول العتق.

стр. 702

طريقة أخرى تخص أبا حنيفة، حيث قال: إن الغاصب إذا جنى على العبد جناية أذهبت معظم منافعه بقطع يديه وما شاكل ذلك، فيقول: جناية، لو وجدت من جهة الأجنبي أزالت ملك المالك (١)، فإذا وجدت من جهة السيد جاز أن تزيل ملكه. فإن قيل: هاهنا لم يزل الملك/ إلى غير بدلٍ، بل زال مضموناً بالقيمة، وهاهنا أنتم تزيلون الملك به من غير قيمة. قلنا: فالعبد يزيل ملكه بغير بدل. الثاني: أنه إنما لم يجب هناك من بدل؛ لأنا جعلنا الغرم عقوبة ومجازاة، بل هاهنا أحق فإنه لا يجب عليه قود؛ فوجب أن لا تخليه من عقوبة تكون ردعاً، وليس إلا إزالة ملكه عنه وانعتاقه عليه. احتجوا: بأنها جناية على مملوك لو وُجدت (٢) من أجنبي لم يزل الملك عن المالك، فإذا وجدت من المالك لم تزل ملكه، كالجناية على دابته وزوجته، وعكسه القتل لما أزال ملكه عن العبد بفعل الأجنبي، أزال ملكه عنه بفعله، يدل عليه أنه لو كان مزيلاً للملك لا يستوي فيه العمد والخطأ، كالقتل والاستيلاد والعتق يستوي فيه القصد وعدمه. والجواب: أنه فرق بين الأجنبي والمالك، بدليل الاستيلاد والعتق إذا وجدا من المالك نفذا، وإذا وجدا من الأجنبي لم يؤثرا. الثاني: أن الأجنبي ما خلا من عقوبة وغرامة، وتلك مجازاة ومقابلة في المال يجب أن تكون في حق المولى، لا تخلو من مقابلة لحق الله ـ تعالى ـ في العبد، وأما الزوجة فلا يخلو من تحسين في المال وعقوبة في النفس

стр. 703

بحسب الجناية؛ عمدها وخطأها، وأما البهيمة فإن حرمتها لا تبلغ حرمة الآدمي، بدليل اختلافهما في كفارة القتل، ووجوب القود، والخروج عن الملك بلفظ العتق والتسبيل، ونفي التسبيل عنه لا يصير مطلقاً بقوله: «لا سبيل لي عليك»، و «لا سلطان عليك»، و «لا أنت حرّ»، بخلاف الرقيق، بل نهى في باب البهائم غير السائبة وندب في حق الرقيق إلى ذلك. فإن قيل: فإيجاب القود والكفارة والتعزير/ بالضرب وسائر ما ذكرت من أحكام الجناية على الآدمي هو الذي أغنى عن الحال عقوبة هي إزالة ملك السيد. قلنا: قد لا يغني ذلك إذا تأكد حكم الآدمي، بدليل أن القريب إذا قتل موروثه عمداً ثبت القود والكفارة إن كان عمداً، أو الغرامة والكفارة إن كان خطاً، ثم لم يُكتفى بذلك حتى انضم إليه حرمان الإرث، فلا يحكم بإرثه من قريبه المقتول قبل أن يستقاد منه. وإن أورد هذه الطريقة حنفي قلنا له: هي وإن كانت جناية لا تزيل أصل الملك، فقد جعلت العبد كالمتلف في التضمين، على أن الأجنبي بخلاف الزوجة. واحتجوا: بأنه لو ضربه أو خدشه فأدماه لم يعتق عليه. فنقول: جناية، لم يزهق نفسه فلا تزيل ملك المالك عنه كما دون الإيضاح. والجواب: أنه لا يجوز اعتبار اليسير الذي هو دون المثلة بالمثلة، كما لم يجز في باب قطع ملك المغصوب منه في حق الغاصب على قول أبي حنيفة؛ فإنه إذا كان الغاصب قد جنى جناية لا يحصل بها ذهاب معظم المنافع لم يقطع ملك المالك وحقه عنه، وإذا ذهب المعظم قطعت (١)،

стр. 704

وعند الجماعة لا يوجب ضماناً يبلغ ضمان النفس، وقطع اليدين أو الذكر يلزم احتمال قيمة العبد وكمال دية الحر، كأنه أتلف جميع النفس، وكذلك في باب ضمان الصيد ما يخرجه من الجناية عن الامتناع يجب به جميع بدله مِثْلاً في ذوات الأمثال، وقِيمةً فيما لا مِثْلَ له من النعم، وما دون ذلك يضم بما نقص، وكذلك الوطء المجرد لا يؤثر زوال ملك الشريك بالولد وإذا بلغ إلى الاستيلاد أزال الملك ووجبت القيمة. وأما قولهم: بأنه لو كان مزيلاً للملك لاستوى فيه العمد والخطأ، كالقتل والاستيلاد والعتق/ يستوي فيه القصد وعدمه. والجواب: أن القاضي ﵀ قال: لا أعرف رواية عن أحمد في الفرق بين العمد والخطأ (١). فعلى هذا لا نُسلّم، ونقول: يعتق وإن كان خطأ، كما يزول ملكه عنه بقتل الخطأ، ويكون بمنزلة استيلاد أمة أتته وشريكه، وهو أشبه بالاستيلاد؛ لأنه فعل يحصل به استحقاق الجزية، فهو كالاستيلاد، وإبداء الأفعال يقوى؛ فتعمل خطأها ما يعمل عمدها، وكذلك ينفذا حيال المجنون، فلا يحتاج إلى عاقل ليقود استيلاده، وإن كان الجنون يعدم القصد، وكذلك حرمان الإرث حصل بالقتل، ثم جعل الخطأ فيه كالعمد. ولو سلمنا وقلنا: لا يحصل بالخطأ ما يحصل بالعمد، فعلى هذا إيقاع العتق عليه إنما جُعل عقوبة؛ لأن النبي ﵇ أخرجه مخرج العقوبة بقوله: «من مثّل بعبده أو عَذَّب بالنّار فهو حُرٌّ» (٢)، وإذا خرج مخرج العقوبة لم يجز أن يدخل على المخطئ؛ فإنَّ الشرع عفا عن الخطأ،

стр. 705

ولا عقوبة في الشرع تقع موقع عفو، ولا في محل عُفي عنه، ولا سيما في باب العتق، فإنه يفترق الحال فيه بين القصد من عدم القصد، وكذلك يملك بابتياع نصف مملوك هو من أرحامه عتق عليه، وسرى إلى حصة شريكه، كما لو باشره بالعتق، وبمثله لو ملك ذلك النصف إرثاً عتق عليه ما ورثه خاصة، ولم يسرِ إلى حصة شريكه. واحتجوا: بأنكم حكمتم بالعتق في هذه المسألة على سبيل العقوبة، استدلالاً بظاهر السنة والمعاني، ولو أوجبت مثلة السيد عقوبة لما حكم صاحب مقالتكم بالولاء للسيد؛ لأن الولاء إنما يستحق بالإنعام، وهذا مسيء وليس بمنعم، بل مُقبّح مُؤلم، والشرع/ أزال ملكه الحاصل الثابت عقوبة له خارجة عن سمت القياس فكثّرت جُرم من جاء به من عقوبته موضوعة مستمرة، وهي حرمان الإرث، فإذا رأينا الشرع لم يحرمه الإرث، وأنتم قائلون بذلك؛ لزمكم بالقول باستحقاق الولاء القولُ بنفي العتق؛ لأن هذه المُثلة لمّا لم يحصل بها الموضع من العقوبات، وهو حرمان الإرث، فأولى أن لا يحصل بها الأبطأ والأندر وهو زوال الملك. والجواب: أن بعض أصحابنا قال بحرمان الولاء، وهو أن يحصل ولاء هذا الممثّلِ به لله ولرسوله، فيوضع من محل مال الله ورسوله، وهو بيت المال، وذلك أن مبنى هذه المسألة واعتمادنا فيها على السنة، وكلام عمر وروايته يعطي أنه يخرج من ملك السيد بالمثلة إلى الله ورسوله، فكأنه معتق لله ورسوله. وهذا صحيح؛ لأن الله ـ سبحانه ـ خلّصه من رقه حيث أساء إليه هذه الإساءة المخصوصة، فقال ﵇: «من مثّل بعبده فهو حرٌّ» (١). وإذا كان الله ـ سبحانه ـ هو المنعم بعتقه كان الولاء له، وكأنه قال: لله ورسوله حكم الموالي، وحكم موالي العبيد أن يكون الولاء لهم، فالولاء لله ورسوله، ومحل ما لله ورسوله إنما هو بيت المال.
следующие страницы →