← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30145

القبول شروطه وموجباته ودرجاته وعلاماته ومحبطاته

إيمان بنت عبد اللطيف كردي

Полный текст (362 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَالسُّجُودِ) (١). قال ابن تيمية في معنى: (لا صلاة) أي: نفي الكمال الواجب الذي يُذم تاركه ويتعرض للعقوبة بسببه، وليس الكمال المستحب (٢). وكذا نقص إتمام الركوع والسجود يفسد الصلاة قال ﵊: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي سِتِّينَ سَنَةً مَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ، لَعَلَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَلَا يُتِمُّ السُّجُودَ، وَيُتِمُّ السُّجُودَ وَلَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ) (٣). وإذا خلت الصلاة من الطمأنينة فإنها لا تجزئ ولا تُقبل على قول الجمهور (٤). قال النووي ﵀: "وَتَجِبُ الطُّمَأْنِينَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالِاعْتِدَالِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالْجُلُوسِ بين السجدتين وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد " (٥). "فالاعتدال والطمأنينة ركنان في كل ركعة إجماعًا … وقال لمن تركها (صَلّ فإنَّك لمْ تُصلِّ) (٦) فنفَى إجزاء

стр. 107

الصلاة بدون الطمأنينة ونفَى مسماها الشرعي بدونها وأمر بالإتيان بها وهذا شرع محكّم صحيح" (١). ٧ - نشوز المرأة وعصيانها لزوجها وامتناعها عنه بغير حق: قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ا﴾ [النساء: ٣٤] فللزوج حق الطاعة وينبغي للمرأة أن تتحرى رضا زوجها، وتتجنب سخطه عليها، وذلك لعظيم حقّه، فكثير من النساء تراها غادية في غضب الله وسخطه لا تبالي، قال النبي ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا، فَتَأْبَى عَلَيْهِ، إِلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا) (٢). قال العلماء: المعصية واقعة بغضب الزوج فإن لم يغضب فلا حرج عليها، فلَا تُقْبَلُ صَلَاتُهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا، وقيل لا يرفع ثوابها ولكن تجزؤها، وتبرأ بها ذمتها فقبولها قبول إجزاء لا قبول ثواب (٣). وقال ﷺ : (اثنانِ لا تجاوز صلاتُهما رؤوسَهما: عبدٌ آبِقٌ من موالِيه، حتى يرجعَ، وامرأةٌ عصتْ زوجَها، حتى ترجِعَ) (٤).

стр. 108

٨ - العبد الآبق حتى يرجع: وذلك للحديث السابق: (اثنانِ لا تجاوز صلاتُهما رؤوسَهما … ) (١). محبط لثواب أيام أبقه وعصيانه حتى يعود إن كان بغير عذر (٢). ٩ - صوم المرأة في غير رمضان إلا بإذن زوجها: محبط لثواب صيام اليوم الذي لم يأذن فيه، قال جمهور العلماء: لا يقبل صومها إن صامت بغير إذن زوجها في نافلة وكان زوجها يريدها وتأثم بذلك لما فيه من إضرار بالزوج وتفويت لحقه، أما فرضها فيجزئ ويفوتها الثواب فيه لأنه قضاء فرض موسّع فيه، وقائم على التراخي وليس في شهر رمضان (٣). قال النبي ﷺ : (لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (٤). فالنهي في الحديث للتحريم وليس للكراهة كما ذكر البعض فقد ورد في رواية بالنهي: (لَا تَصُومُ المَرْأَةُ وَبَعْلُهَا

стр. 109

شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (١). وفي رواية بنون التوكيد (لَا تَصُومَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا) (٢). فَأَمَّا إذَا كَانَ الزَّوْجُ مَرِيضاً أَوْ صَائِماً أَوْ مُحْرِماً لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُ الزَّوْجَةِ، وَلَهَا أَنْ تَصُومَ كما شاءت، وَإِنْ نَهَاهَا، وصيامها صحيح ومثابة عليه بإذن الله (٣). ١٠ - الاغترار بالعمل: قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]. ومن معاني الآية السابقة: أي تمنن عملك على ربك تستكثره (٤) ولا ريب أن في استكثار العبادة اغترار بها وهو من أكبر الحُجُب بين الله وبين عبده إذ له علاقة وطيدة بالكبر والعُجب الذي يمقته الله ويمقت صاحبه. والاغترار هو الانخداع بالعمل، ودخول العجب على النفس والإدلال به واستعظامه. وينشأ عند رؤية العمل ودوام النظر إليه ومقارنته بعمل المقصرين من حوله، مما

стр. 110

يجعله يكبُر في عينه ويُدِل به، ويحسب أنه لا شك في ثوابه وعظيم أجره. قال ابن القيم: "رِضَاءُ الْعَبْدِ بِطَاعَتِهِ دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ، وَجَهْلِهِ بِحُقُوقِ الْعُبُودِيَّةِ " (١) ولاشك أن هذا الأمر من أخطر الأمور وما خرج من خرج عن الدين من العباد والنسّاك إلا برؤية العمل والافتتان به، فَذَنْبٌ تَذِلُّ به، أَحَبُّ إِلى الله من طَاعَةٍ تُدِلُّ بِهَا، فرب طاعةٍ أورثت عُجباً واستكباراً فأدخلت صاحبها النار (٢)، لأنه اغتر بها وركن إليها، وربما قطع على الله أنه سيدخله الجنة بسببها. ومن المعلوم أن الطاعات كلها لا تساوي نعمة واحدة من نعم الله ، بل هي من جُملة النعم فلا يغتر العبد بحسن عمله؛ فإن الله تعالى الذي مكّنه منها وسخر لها جوارحه وأصحّ له بدنه وهيأ له جميع السبل لأدائها، فلا فضل له في هذه الطاعة قط، ولذلك فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة: الرجاء لأهل الطاعة أن يُدخلهم الله الجنة، وحُسن الظن بالله تعالى أن يَلقى أهل طاعته بقبول حسن، فينبغي للمرء أن يحمد الله على التوفيق للطاعة ولا يستكثرها. وألا ينظر لأهل المعاصي بنظرة علوٍ أو تفضيل فرب معصيةٍ أدخلت صاحبَها الجنة وذلك لانكساره وذُله وندمه وتوبته بعد فعلها، أما إن مات ولم يتب منها فهو تحت المشيئة (٣).

стр. 111

فالاغترار بالعمل والإدلال به على الله يفسده، ويبطله فقد يغتر العبد بعمل معين فيفسده، وقد يكون اغتراره بصلاحه ودينه وجميع أعماله فتكون الطامة الكبرى والعياذ بالله فيحبط جميع عمله. ١١ - ترك صلاة العصر: وقد خصها الله تعالى بمزيد من الحثّ على المحافظة عليها والتخصيص إذْ قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقال النبي ﷺ : (مَنْ ترَك صلاةَ العصرِ فقد حَبِط عملُه) (١). وكذا من ترك فرضاً من الصلوات متهاوناً بغير عذر لحديث: (العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ) (٢) وإنما خصّ العصر لأنها الصلاة الوسطى، وأنها أحد البردين كما في قوله ﷺ : (مَنْ صلَّى البردَينِ دخَل الجنةَ) (٣)، وأنها مشهودة ولا يُتنفل بعدها (٤). وقال ابن القيم في تعليقه على حديث صلاة العصر: " والذي يظهر في الحديث. والله أعلم بمراد رسوله أن

стр. 112

الترك نوعان: ترك كليّ لا يصليها أبداً فهذا يحبط العمل جميعه وترك معين في يوم معين فهذا يحبط عمل ذلك اليوم فالحبوط العام في مقابلة الترك العام، والحبوط المعين في مقابلة الترك المعين" (١). ١٢ - من أمّ قوماً وهم له كارهون: وفي الحديث: (ثلاثةٌ لا تجاوِزُ صلاتُهُم آذانَهُم: العبدُ الآبقُ حتَّى يرجِعَ، وامرأةٌ باتت وزوجُها عليها ساخِطٌ، وإمامُ قومٍ وَهُمْ لَه كارِهونَ) (٢). قال أهل العلم: المراد بالإمامة هي الإمامة الكبرى وهي الحكم والسلطان، وقيل: هي الإمامة في الصلاة والمعنى أنهم كَارِهُونَ لِبِدْعَتِهِ أَوْ فِسْقِهِ أَوْ جَهْلِهِ، أَمَّا إِذَا كانت الكَرَاهَةٌ بِسَبَبِ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ فَلَا يُعتدّ بذلك. وفِي شَرْحِ السُّنَّةِ أن المعنيّ بالحديث هو الإمام الظالم، وَأَمَّا مَنْ أَقَامَ السُّنَّةَ فَاللَّوْمُ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ، وَقِيلَ: هُوَ إِمَامُ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا (٣) وقَالَ أَحْمَدُ، ﵀: "إذَا كَرِهَهُ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فَلَا بَأْسَ، حَتَّى يَكْرَهَهُ أَكْثَرُ الْقَوْمِ، وَإِنْ كَانَ ذَا دِينٍ وَسُنَّةٍ فَكَرِهَهُ الْقَوْمُ لِذَلِكَ، لَمْ تُكْرَهْ إمَامَتُهُ" (٤). * * * *

стр. 113

مما سبق من أقوال العلماء نخلص إلى أن محبطات القبول ثلاثة مراتب: أولًا: حبوط كلي لجميع الأعمال، وخلود أبدي وذلك لا يكون إلا بالخروج عن الملة. ثانياً: حبوط جزئي، بإبطال عمل بعينه أو فقد ثوابه مع إجزائه، وذلك بسبب سيئات تحبط ما قابلها من حسنات وقد سبق ذكرها في محبطات عمل بعينه. ثالثاً: حبوط مؤقت، وهو ما يمكن أن يسمى بمؤخرات القبول وهو ما يكون في كبائر قد لا تكفرها الحسنات و تستوجب العقاب الأخروي عند عدم التوبة ولكن لا تحبط كلياً بقية أعماله بل يحسب ثوابها بعد انتهاء العقوبة إن لم يعف الله عنه. قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. فالمدخل الكريم هو ما لا عذاب ولا حساب يسبقه والله أعلم. وقال النبي ﷺ : (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ) (١). قال ابن تيمية "فَصَاحِبُ الْكَبِيرَةِ إذَا أَتَى بِحَسَنَاتٍ

стр. 114

يَبْتَغِي بِهَا رِضَا اللَّهِ أَثَابَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْعُقُوبَةِ عَلَى كَبِيرَتِهِ" (١). وفي قوله ﷺ : (ما اجتنبت الكبائر) "قيل: إن هذا شرط في تكفير الصغائر، فلا تكفر الصغائر إلا بشرط اجتناب الكبائر، ومنهم من قال: إنها تكفر ما بينها إلا الكبائر. أما الكبائر فإنها لا تغفر إلا بالتوبة النصوح، أو بالحدود المقدرة؛ فإن الحدود كفارات لأهلها، أو برجحان الحسنات، فقد يكون للعبد حسنات عظيمة ترجح بما عليه من سيئات هذا ما يتعلق بالكبائر. " (٢). فقد تضمنت نصوص الوعيد في القرآن والسنة أنواعاً من العقوبة التي تنخلع لها القلوب، وترجف لهولها الأبدان، وذلك لمقترف الكبيرة كالخلود في النار، وتضمنت بعض النصوص في السنة نفي الإيمان عن صاحبها، والبراءة بما أنزل على محمد ﷺ أو الوعيد بالنار أو اللعنة أو الغضب أو المقت أو السخط أو حبوط العمل أو ما شابه ذلك من ألفاظ وردت في الكتاب والسنة، ولكن ثمة موانع ذكرها الشارع نفسه وهي أن الإيمان بالله يقتضي منع الخلود. فكفر صاحب الكبيرة كفر عملي لا اعتقادي (٣) وقد حمل العلماء الوعد بالخلود بسببها على المكث الطويل الذي لا يعلم مداه إلا الله، وهو تعبير سائغ في كلام العرب وكما قال

стр. 115

تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، فمن قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه يخرج ولو بعد حين (١) قال ابن كثير: "عنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَان، وَالضَّحَّاكِ، وَقَتَادَةَ، وَأَبِي سِنَان، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ أَيْضًا: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَائِدٌ عَلَى العُصاة مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، مِمَّنْ يُخْرِجُهُمُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ الشافعين" (٢). فإن مات العبد على كبيرة أو إصرار على صغيرة ولم يتب منها فهو تحت المشيئة، إن شاء الله عفا عنه فدخل الجنة مع أول الداخلين، وإن شاء آخذه على ذنبه فأخر دخوله، فيعذب بقدر ذنوبه ثم يُدخل الجنة بعد ذلك فيكون من الجهنميين (٣) فيترتب على المؤاخذة العذاب والانتقام المستلزم لتأخير القبول حتى يلقى جزاء جُرمه وذلك بحسب عظم خطيئته. وهذا ما هو ما نسميه بمؤخرات القبول.

стр. 116

ثالثاً: مؤخرات القبول: فالتصنيف بلفظ (مؤخرات القبول) هو باعتبار ما يستوجب تقديم المؤاخذة والعقاب يوم القيامة، فالقبول قبولان قبول مباشر لا عذاب معه، وقبول مؤخر يسبقه مؤاخذة وعقاب، وقد تدخل في مؤخرات القبول بعض الأعمال المحبطة لعمل معين في المطلب الثاني من هذا الفصل كشرب الخمر لمن لم يتب منه قبل الموت. فالقبول المؤخر يسبقه خوفٌ وحزن; خوفٌ من العقاب، وتوجسٌ مما هم قادمون عليه، وحزنٌ تتقطع له قلوبهم حسرات على ما قدّموا وبارزوا الربّ جلّ وعلا بعظيم الجنايات، واحتمالية عذاب وهؤلاء هم أصحاب الكبائر كما ذكر سابقاً إن لم يتغمدهم الله برحمته، وغيرهم من المصرين على الذنوب، المنتهكين لحرمات الله، ولم يتوبوا ولكنهم ماتوا على الإسلام. وقد كان السلف يقولون: النجاة من النار بعفو الله ودخول الجنة برحمته واقتسام المنازل والدرجات بالأعمال (١). ومن رحمة الله بالعبد أن وضع له مراحل متعددة يتدارك فيها خطيئته ويمحو من خلالها حوبته قبل العرض عليه، حتى يطيب قلباً وقالباً، فالله تعالى هو الطيب في ذاته وصفاته لا يقبل إلا طيباً، ولا يُدخل جنّته إلا كل صَفيّ نقيّ، وقد فصّل ابن القيم (٢) في مدارجه تلك المراحل

стр. 117

لحقيقة تمحيص العبد من الذنب وسبب تأخير القبول عنه. وثمة تساؤل في قبول العمل وحبوطه لابد من إيجازه وبيان مشكلِه وهو هل يُعذر من اقترف ما يحبط العمل من كفرٍ أو فسق جهلاً منه؟ والجواب كما بينه ابن تيمية ﵀ أن الجهل قد يكون عذراً في بعض الأحوال والظروف وقد لا يُعذر الإنسان بجهله في أمور، فمن قال أو فعل ما يُكفّر به فإن كان حديث عهد بإسلام، أو نشأ في بيئة بعيدة عن الإسلام فلا يُكفّر حتى تقوم عليه الحجة، أما من عاش في أحضان المسلمين وكانت تقام بين ظهرانيهم شرائع الدين فلا يُعذر بجهله (١). وقال السيوطي: "كُلُّ مَنْ جَهِلَ تَحْرِيمَ شَيْءٍ مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ غَالِبُ النَّاسِ لَمْ يُقْبَلْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ يَخْفَى فِيهَا مِثْلُ ذَلِكَ: كَتَحْرِيمِ الزِّنَا، وَالْقَتْلِ، وَالسَّرِقَةِ وَالْخَمْر" (٢). يُنظَم ما سبق في ثلاث نقاط: ١ - الإيمان مانع للخلود في النار. ٢ - الجهل قد يمنع إنفاذ العقوبة، في حال حداثة العهد بالإسلام أو العيش في بيئة بعيدة عنه.

стр. 118

٣ - إقامة الحدّ فيما يقتضي ذلك مانع للعقوبة إلا لمن أقيم عليه الحدّ ولم تصدق توبته قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤]. ومؤخرات القبول كثيرة وهي موجبة للعقوبة إذا مات قبل التوبة منها إلا أن يعفو الله عنه، فهو تحت المشيئة، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر: ١ - الغيبة والنميمة قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. فالغيبة: كما عرّفها الصادق المصدوق ﵊ فقال: (أتدرون ما الغيبةُ؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: ذكرُكَ أخاكَ بما يكرهُ، قيل: أفرأيتَ إن كان في أخي ما أقولُ؟ قال: إن كان فيه ما تقولُ، فقد اغتبتَه. وإن لم يكنْ فيه، فقد بهتَّه) (١).

стр. 119

أما النميمة: فهي نَقْلُ كَلَامِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ عَلَى جِهَةِ الْإِفْسَادِ بَيْنَهُمْ (١) قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ١٠ هَمَّازٍ مَّشَّاءِ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١٠ - ١١]. وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. فهاتان الصفتان الذميمتان من الداء الذي تفشى بين كثير من الناس، يجلدون غيرهم بألسنة حداد، ويتلمّسون لهم المطاعن، ويتلقفون الخبَر عن أعراضهم يطيرون به يحدّثون الناس، ويتفكهون به في المجالس وكأنهم لم يقرأوا قول الله تعالى : ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ١ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ٢ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ٣ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ٤ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ٥ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ٦ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ٧ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ٨ فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ﴾ [الهمزة: ١ - ٩]. قال أهل التفسير: الْهَمْزَةُ الَّذِي يَأْكُلُ لُحُومَ النَّاسِ وَيَغْتَابُهُمْ، واللمزة الطَّعَّانُ عَلَيْهِمْ. وقيل: الْهُمَزَةُ الَّذِي يَهْمِزُ النَّاسَ بِيَدِهِ ويضربهم، واللمزة الَّذِي يَلْمِزُهُمْ بِلِسَانِهِ وَيَعِيبُهُمْ. وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ الْبَاغُونَ

стр. 120

لِلْبُرَآءِ الْعَيْبَ (١)، وفي الحديث قِيلَ لِلنَّبِيّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانَةً تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ، وَتَفْعَلُ، وَتَصَّدَّقُ، وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا خَيْرَ فِيهَا، هِيَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ)، قَالُوا: وَفُلَانَةٌ تُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ، وَتَصَّدَّقُ بِأَثْوَارٍ، وَلَا تُؤْذِي أَحَدًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (هِيَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) (٢) فالغيبة والنميمة من الكبائر الموجبة للتوبة والمستحقة لعذاب القبر (٣) وسوء الخاتمة عياذًا بالله لقول النبي ﷺ حينما مرّ بقبرين: (إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) (٤). وإن كان بقي من الحسنات ما لم تفسده السيئات فإنها تُحسب بعد الخروج من النار لأنها من أهل التوحيد ولا يحبط العمل جميعه إلا الكفر. قال ابن تيمية: "وَلَا يُحْبِطُ جَمِيعَ الْحَسَنَاتِ إلَّا الْكُفْرُ. كَمَا لَا يُحْبِطُ جَمِيعَ السَّيِّئَاتِ إلَّا التَّوْبَةُ. فَصَاحِبُ الْكَبِيرَةِ " (٥).

стр. 121

وفي قوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [آية: ١١] إشارة إلى أمرين: فالأول: إشارة إلى عمق أواصر الأخوة، فلمز الشخص غيره في الحقيقة هو لمزٌ لنفسه وقدحٌ فيها. والثاني: أن مَنْ لمزَ غيرهُ لمزهُ الناس ولو بعد حين جزاءً وِفاقا (١). والنميمة من أسباب عذاب القبر ودخول النار و وتأخير القبول فصاحبها من شرار الناس عند الله، قال يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ (٢): النَّمَّامُ شَرٌّ مِنْ السَّاحِرِ يَعْمَلُ النَّمَّامُ فِي سَاعَةٍ مَا لَا يَعْمَلُهُ السَّاحِرُ فِي شَهْرٍ. وقيل عَمَلُ النَّمَّامِ أَضَرُّ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، لِأَنَّ عَمَلَ الشَّيْطَانِ بِالْخَيَالِ وَالْوَسْوَسَةِ. وَعَمَلَ النَّمَّامِ بِالْمُوَاجَهَةِ وَالْمُعَايَنَةِ (٣). قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩] وَإشاعتهم للفاحشة هو أَنْ بَعضهم كَانَ يلقى بَعْضاً فَيَقُول لَهُ: أما بلغك كذَا وَكذَا .. (٤) وهذا لا شك هو النمّ سواء

стр. 122

كان الخبر صحيحاً أو كاذباً فإن في نشره إشاعة للفاحشة وإضرار بالعباد وقال النبي ﷺ : (أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟) قَالُوا: بَلَى، قَالَ: (الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفْسِدُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ الْعَنَتَ) (١) والبرآء جمع بريء والمراد طلب المشقة والهلاك للبريء (٢). وفي الحديث أنه ﷺ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: (إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) (٣). وقال ﷺ : (لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ) (٤) والقتات هو النمّام (٥) كما فسرتها رواية مسلم (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ) (٦)، والمعنى أي لا يدخلها مع أول الداخلين بل بعد استيفاء العقوبة فقد يدخل بسببها النار حتى يستوفي ما عليه منها نسأل الله السلامة (٧).

стр. 123

٢ - قذف المحصنات: والقَذْفُ كما عرّفه ابن القيم: " هو الرمي بوطء، أو نفي نسب، موجب للحدّ فيهما" (١). والقذف كبيرة من الكبائر، ومن أعظمه جرماً اتهام المؤمنات العفيفات، وعدم التحرّج من بسط اللسان بالسوء، وقذف التُّهم وفاحش القول للمحصنات البريئات بجرأة وعدم اكتراث قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣]. تتسنّم هذه الآية الذروة في التهويل والتعظيم لكبيرة الإقدام على رمي المحصنات باللعنة في الدنيا بإقامة الحدّ عليهم، والحرمان من رحمة الله وتوفيقه، ثم ما يلحقهم يوم القيامة من لعنة الطرد إلى جهنم وبئس المصير حتى يستوفوا ما بقي لهم من لعنات. وقال جلّ شأنه: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]. وفي قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ فما استعظمه الله تعالى إلا لشناعته، وعظيم قبحه، والأمر في قذف الرجال والنساء سواء ولكن خصّ النساء لضعفهن، وحيائهن، ففيه تحذير

стр. 124

لهؤلاء الذين يستخفّون بأعراض المسلمين، وينفقون من رصيد ألسنتهم بغير حساب، فالكلمة في حساب المبطلين، والمفسدين، وأصحاب النفوس المريضة، والعقول الفارغة، شيء رخيص، لا وزن له ولا ثمن. لذلك ما أكثر ما تنطق به أفواههم، وتَنفثهُ نفوسهم ثم يكونون مع حَصاد ألسنتهم في نار جهنم إن لم يتداركهم الله برحمته (١). وقال ﵊: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ) (٢). ٣ - التولي يوم الزحف: وهو الفرار من القتال الدائر بين المسلمين والكفار في ساحة المعركة وعند ازدحام الطائفتين قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦] قال النَّبِيِّ ﷺ : (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ) وعدّ منها التولي يوم الزحف (٣). فالفرار كبيرة موبقة بظاهر القرآن والسنة.

стр. 125

وهو مقيد بشروط فإن كان العدو ضعف عدد المؤمنين فَالْفَرْضُ أَلَّا يَفِرُّوا أَمَامَهُمْ. فَمَنْ فَرَّ مِنَ اثْنَيْنِ فَهُوَ فَارٌّ مِنَ الزَّحْفِ. وإن كان عدد العدو ضعفي عدد المؤمنين كمن فَرَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَلَيْسَ بِفَارٍّ مِنَ الزَّحْفِ، وَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ (١). ٤ - التألي على الله: والتألي في اللغة هو الحلف و الإقسام على الله (٢). والتألي على الله يحبط العمل ويبطله لأن فيه تدخلاً من العبد فيما ليس له وادعاء ما لا يعلمه.

стр. 126

قال تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩]. قال الطبري في تفسير الآية: " أَيُّهَا الْجَبَابِرَةُ الَّذِينَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا، أَهَؤُلَاءِ الضُّعَفَاءُ الَّذِينَ كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ؟ قَالَ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ وَرَحَمْتُهُمْ بِفَضْلِي وَرَحْمَتِي، ادْخُلُوا يَا أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ الْجَنَّةَ، لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ بَعْدَهَا مِنْ عُقُوبَةٍ تُعَاقَبُونَ بِهَا عَلَى مَا سَلَفَ مِنْكُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْآثَامِ وَالْإِجْرَامِ" (١) فهؤلاء يتألَّون على الله ويقسمون بعدم حصول الرحمة لأهل الأعراف. وقد ذكر الله تعالى تألي اليهود ونقمته عليهم كقوله عنهم: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف: ١٦٩] وقوله تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠]، وهو تحكّم في ما هو من اختصاص الخالق، وتدخل في صفة الألوهية والربوبية بأن يقول فلان في الجنة وفلان في النار، وهذا يغفر الله له وهذا لا يغفر له. وينافي العبودية لله، وقد ذكر الله تعالى تألي المشركين كذلك إذ قال عز من قائل: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ

стр. 127

أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢] (١) فهم مع تفريطهم في حق الله يقطعون بأن لهم الجنة فردّ الله عليهم بأن لهم النار مآلهم ومآل أمثالهم من المفرطين. وذكر تألي صاحب الجنة فقال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]. عن ضمضم اليمامي (٢) قال: " قال لي أَبو هُرَيْرَةَ: يا يَمامِيُّ، لا تَقولَنَّ لِرَجُلٍ: وَاللهِ لا يَغْفِرُ اللهُ لك، أو لا يُدْخِلُكَ اللهُ الجَنَّة أَبَدًا. قلتُ: يا أَبا هُرَيْرَةَ، إِنَّ هَذِهِ لكَلِمَةٌ يَقولُها أَحَدُنا لأَخيهِ وَصاحِبِهِ إِذا غَضِبَ. قال: فَلا تَقُلْها، فإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقولُ: (كان في بني إِسْرَائيلَ رَجُلانِ، كان أَحَدُهُما مُجْتَهِدًا في الْعِبادَةِ، وكانَ الآخَرُ مُسْرِفًا على نَفْسِهِ، فكانا مُتَآخِيَيْنِ، فكان المجتهِدُ لا يزالُ يَرى الآخَرَ على ذَنْبٍ، فَيَقولُ: يا هَذا، أَقْصِرْ. فَيَقولُ: خَلِّني وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ عليَّ رَقيبًا؟ قَالَ: إِلى أَنْ رَآهُ يَوْمًا على ذَنْبٍ اسْتَعْظَمَهُ، فقالَ لهُ: وَيْحَكَ، أَقْصِرْ. قال:

стр. 128

خَلِّنِي وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ عليَّ رقيبًا، قال: فقال: وَاللهِ لا يَغْفِرُ اللهُ لك، أَوْ لا يُدْخِلُكَ اللهُ الجَنَّةَ أَبَدًا. قال أَحَدُهُما، قال: فبعث اللهُ إِلَيهِما مَلكًا، فقبض أَرْوَاحَهُما، واجْتَمَعا عندَهُ، فقال لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فادْخُلِ الجَنَّةَ برَحْمَتِي. وقال لِلآخَرِ: أَكُنْتَ بي عالِمًا، أَكُنْتَ على ما في يَدِي قادِرًا، اذْهَبُوا بهِ إِلَى النَّارِ. قال: فوالَّذي نفْسُ أبي الْقَاسمِ بِيَدِهِ، لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أوْبَقَتْ دُنْياهُ وَآخِرَتَهُ) (١). فهذا الرجل استوجب النار، وبطل عمله، بسبب الكلمة التي قال وهي قوله: "والله لا يغفر الله لفلان" (٢). ٥ - قتل النفس: (الانتحار): قتل النفس من الأمور المحرمة في الإسلام وكبيرة من الكبائر، ومن دلائل سوء الخاتمة لأن صاحبها لقي الله عاصياً، فاعلاً لما حذره منه، معرّضاً نفسه لعقوبته فهو تحت المشيئة، إلا أن يكون جاهلاً بالحكم في بيئة جاهلية بعيدة عن الإسلام فعسى أن يعفو الله عنه لأنه لم يبلغه العلم بما جهل (٣) قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ٢٩ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ

стр. 129

عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ٣٠﴾ [النساء] قيل: أي لا تقتلوا أنفسكم أو تعرضوها لحدّ القتل ولا يقتل بعضكم بعضاً (١) وكما قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. وفي الانتحار إظهارٌ للجزع، واعتراض على قدر الله، وعدم الرضا والتسليم لحكمه. قال النبي ﷺ : (كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ) (٢). وقال الرسول ﵊: (مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) (٣). ٦ - قتل النفس المؤمنة بغير حق (٤) قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]. سبق القول

стр. 130

على أن الخلود محمول على طول المكث، وعلى الجزاء المستحق، لأن الله تعالى رفع حكم الخلود في النار عن الموحدين، فقتل النفس من أشنع الكبائر التي قال فيها النبي ﷺ : (لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ) (١). بل إن حُرمة النفس المؤمنة أشد عند الله من حُرمة الكعبة المشرفة دمه وماله وعرضه، فقد نَظَر رسول الله ﷺ يوماً إلى الكعبة فقال:) مرحبًا بِكِ من بَيْتٍ، ما أَعْظَمَكِ، وأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ! ولَلْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةَ عندَ اللهِ مِنْكِ، إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مِنْكِ واحدةً، وحَرَّمَ مِنَ المُؤْمِنِ ثَلاثًا: دَمَهُ، ومالهُ، وأنْ يُظَنَّ بهِ ظَنَّ السَّوْءِ) (٢). وفي رواية (وعِرْضه). ٧ - البغي وقطع الأرحام: قطع الرحم والإفساد والظلم ملعون صاحبه في كتاب الله قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٣] و قاطع الرحم يُعجّل له من العقوبة في الدنيا مع ما ينتظره في الآخرة، قال رسول الله ﷺ :

стр. 131

(مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، مِنْ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ) (١) وقاطع الرحم لا يرفع له عمل قال رسول الله ﷺ : (إنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُعْرَضُ كُلَّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَلَا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ) (٢) والحكم بعدم القبول يُحمل على عدم قبوله للعرض يوم الخميس وقد لا يثاب عليه لكنه صحيح يجزؤه (٣). وقال رسول الله ﷺ : (لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطعٌ) (٤) والحرمان من دخول الجنة يُحمل على عدم الدخول مع أول الداخلين، فهو مهدد ومتوعد باللعنة وعدم دخول الجنة وهذا يدلّ على تأخير أعماله حتى يستوفي العقوبة إن لم يعف الله عنه. فاللعن والطرد من رحمة الله للظالم والقاطع وغيره إن كان من أهل الإسلام فهو طرد مؤقت حتى يستوفي العقوبة عياذًا بالله. ٨ - من أحدث أو آوى محدثاً في المدينة أو أراد أهلها بسوء: ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] وحيث إن إبراهيم دعا لمكة بالأمن والتحريم فقد دعا رسول الله ﷺ للمدينة بمثل ما دعا إبراهيم لمكة. ومثله معه. فأجابه

стр. 132

الله. وحرم ما بين لابتَيْها (١) فقال: (اللهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَجَعَلَهَا حَرَمًا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ حَرَامًا مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا، أَنْ لَا يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ، وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ، … ) (٢). وقال رسول الله ﷺ : (المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ) (٣) قال العلماء في معنى الصرف والعدل ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنْ الصّرْف: التَّوْبَة، وَالْعدْل: الْفِدْيَة. وَالثَّانِي: أَنْ الصّرْف: النَّافِلَة، وَالْعدْل: الْفَرِيضَة. وهو قول الجمهور. وَالثَّالِث: الصّرْف: الِاكْتِسَاب. وَالْعدْل: الْفِدْيَة. والْمَعْنَى أن من ابتدع فيها بدعة في الدين أو نصر المحدث أو آواه أو أجاره فلَا تُقْبَلُ فَرِيضَتُهُ وَلَا نَافِلَتُهُ قَبُولَ رِضًا وَإِنْ قُبِلَتْ قَبُولَ إجَزَاءٍ وَقِيلَ يَكُونُ الْقَبُولُ هُنَا بِمَعْنَى لا يكون تَكْفِيرِ الذَّنْبِ بِهِمَا، أي لا ثواب فيهما. وَ قيل في مَعْنَى الْفِدْيَةِ هُنَا أَنَّهُ لَا يَجِدُ ما يفتدي به من ذنبه يوم القيامة

стр. 133

بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الْمُذْنِبِينَ الَّذِينَ قد يَتَفَضَّلُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ بِأَنْ يَفْدِيَهُ مِنَ النَّارِ (١). ومن تحريم المدينة تغليظ عقوبة من أخاف أهلها قال ﷺ : (مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَخَافَهُ اللهُ وَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) (٢). أي من تسبب لإِحداث أذى للمسلمين فيها، بظلم أهلها، أو حربهم، أهلكه الله في الدنيا ولم يتقبله في الآخرة في أول من تقبّل إلا أن يعفو عنه سبحانه. ٩ - من ادعي إلى غير أبيه: ومن الذين غلظ الشارع العقوبة لهم من انتسب إلى غير أبيه عامداً لما في ذلك من اختلاط الأنساب، وضياع الحقوق والمواريث، وفيه قطيعة للرحم وعقوق للوالد المتبرأ من الانتساب إليه قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] وقال ﷺ : (وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ

стр. 134

أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ - أَوْ قَالَ: عَدْلٌ وَلَا صَرْفٌ) (١). وفي الصحيحين: (لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ - وَهُوَ يَعْلَمُهُ - إِلَّا كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) (٢) والكُفر هنا كما سبق بيانه أنه لا يدخل في الاعتقاد فهو غير مخرج عن الملة. ١٠ - التقوّل على الله أو رسوله أو دينه بغير عِلم: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] قال المفسرون: يجادلون بغير حجة ولا برهان، فيكذّبون آيات الله ويجحدونها، فكبر جدالهم مقتاً لهم من الله، وجزاؤهم الطبع على قلوبهم وهو الختم بالكفر والضلالة (٣). ويشتمل ذلك على التقول على الرسول الكريم والجرأة على الدين فكلها فرع عن التقول

стр. 135

على الله وقد قال الرسول ﷺ : (مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) (١). وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]. فالتقوّل على الله ورسوله، من أقبح أعمال الشرّ التي لا يقبلها الله، ويكبُر مقته عليها، وقد حذر المولى سبحانه في محكم كتابه من مغبّة ادعاء ما ليس للإنسان به علم فقال جلّ من قائل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦]. وقال الرسول ﷺ لمعاذ حينما سأله قائلاً: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ قَالَ: (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يُكِبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ، إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ) (٢).

стр. 136

وهنا أمرٌ ينبغي التفطّن إليه، والتنبّه له فكم من متساهل ومترخّص في التقول على الله، وكم ممن طعن في الكتاب والسنة إما بجهل حائر، أو بسوء قصد جائر، أو بمجرد الرأي وادعاء العقل والمنطق ممن امتلأت بهم الصحف والكتب ووسائل الاتصال، قال أبو بكر الصديق ﵁: (أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي، وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، إذَا قُلْتُ عَلَى اللهِ مَا لَا أَعْلَمُ) (١) وقال القاسم بن محمد (٢): (مَا نَعْلَمُ كَثِيرًا مِمِّا يَسْأَلُونَا عَنْهُ، وَلأَنْ يَعِيشَ الْمَرْءُ جَاهِلاً، إِلاَّ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقُولَ عَلَى اللهِ بِمَا لَا يَعْلَم) (٣). فخير للمرء أن يتوقف حيث وقف به علمه، وألا يتجاوز في التقول على الله، وادعاء ما ليس له به علم. وأن يسلّم بالعقل ما ثبت بالنقل.

стр. 137

١١ - معاصي الخلوات: ويندرج مع المنافقين أصحاب المعاصي في الخلوات فمعاصي الخلوات نفاق أصغر قال شيخ الإسلام: " وَالنِّفَاقُ يُطْلَقُ عَلَى النِّفَاقِ الْأَكْبَرِ الَّذِي هُوَ إضْمَارُ الْكُفْرِ وَعَلَى النِّفَاقِ الْأَصْغَرِ الَّذِي هُوَ اخْتِلَافُ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ فِي الْوَاجِبَاتِ" (١). ولا ريب أن اتقاء الله في السرّ من أوجب الواجبات، وأصحاب تلك المعاصي يخشون الناس، ولا يخشون الله تعالى، فيظهِرون أمامهم الصلاح ويتظاهرون بالتقوى، وإذا غابوا عن أعين الناس في خلواتهم انتهكوا حُرمات الله وأخفوا فسقاً و معصية فكانت خشيتهم للناس أشدّ، فهم على شعبة من النفاق، وهي من الأمور التي تجلب سخط الرب وقد تُحبط العمل، وقد ذم الله تعالى المنافقين وأظهر قبيح فعلهم فقال: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨] يستخفون بقبائحهم، وطيش مسالكهم، من الناس لئلا ينكروا عليهم، أو حياء أن تظهر صورهم الشائهة، وتُرى للناس عيبتهم، ولا يستحيون من الله المطلع على حقيقة سرائرهم، وهو الأحق أن يستحيا منه، ولا شك أن الاسترسال في معاصي الخلوات يرمي بصاحبه في مطارحَ غير محمودة العاقبة وهو الذي حذّر منه الرسول ﷺ بقوله: (لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ

стр. 138

أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)، قَالَ ثَوْبَانُ (١): يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: (أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا) (٢). وبالجملة فإن كل سيئة إنما هي محبطةٌ لحسنة إلا أن يعفوَ الله عن صاحبها أو يستغفر ويتوب فتمحى عنه قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] وكما أن الحسنات يذهبن السيئات كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] فإن كل سيئة مذهبة

стр. 139

لحسنة كذلك قال ابن القيم ﵀: "قد دل القرآن والسنة والمنقول عن الصحابة أن السيئات تحبط الحسنات، كما أن الحسنات يذهبن السيئات … وآيات الموازنة في القرآن تدل على أن السيئة تذهب بحسنة أكبر منها، فالحسنة يحبط أجرها بسيئة أكبر منها" (١). ولذلك قال النبي ﷺ : (أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟) قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: (إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ) (٢). فهو يُطرح في النار حتى استيفاء عقوبته ولا يخلّد ما دام على الإيمان. وهكذا الأمر في حال الذنوب والخطايا المستلزمة للوعيد كأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَإِلْحَادٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وعقوق الوالدين، وإخفار ذمة المسلم وغير ذلك. * * * *

стр. 140

الفصل الثاني أسماء وسمات ومنازل المقبولين أولًا: أسماء بعض المقبولين الواردة في القرآن إنّ من سعادة المرء توفيق الله له، والتزامه الصراط المستقيم، وتمسكه بحبل الله المتين، وإنما يحصل ذلك بالإيمان بالله والتصديق برسوله الكريم، فالمقبولون فئة مَنّ الله عليهم بالرضا وأذن لهم بالوصول، بعد أن قطعت قلوبهم إلى مرضاته وعْر المسالك، وبقيت في رحابه تجول، ففتح لهم أبواب فضله ورحمته وشرّفهم بالدخول، وأضفى على قلوبهم ظلال الإيمان، وبرد اليقين، وصفوَ الطُهر وخمائل السكينة، وأسبغ عليهم لباس شكره، واللهج بذكره، وامتثال نهيه وأمره، وهم درجات متفاوتون، وقد أثنى عليهم الله جل وعلا في القرآن الكريم، وبشّرت بأفراد منهم السنة المطهرة وهم فئات متعددة، ودرجات بعضها فوق بعض، فمنهم الأنبياء والرسل، والأولياء والصديقون والشهداء، ومنهم الصحابة والصالحون وأذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر أسماء بعض الأنبياء والأولياء والصحابة رضوان الله عليهم. * * * *

стр. 141

أسماء بعض الأنبياء والرسل وقد أثنى الله تعالى على رسله وأنبيائه فهم صفوة الخلق، و أكمل البشر، الذين حازوا أعلى درجات القبول، فهم مشاعل النور، وأئمة الهداية، منهم إبراهيم الخليل وابنه اسماعيل وموسى ونبينا محمد ﷺ ، وقد التزمت في إيرادهم الترتيب الزمني: أ - إبراهيم الخليل ﵇ -: وقد زكاه ربه بصفات عديدة، وخلال عظيمة فقد آمن وحده و كل من سواه كانوا كفاراً، وأنكر على قومه الشرك وعبادة الأوثان بكل ما أوتي من حجة باليد واللسان والجنان. وتترادف الآيات في بيان الثناء وجزيل العطايا لإبراهيم الخليل ﵇ حيث بيّن القرآن الكريم بالتَّعريض والتصْريح في مواضع عديدة تضافرت مع بعضها البعض لتشكّل معاً سمات هذا النبي الكريم وهذا الإنسان الفذّ العظيم بأنه: - كان صدّيقاً قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١] واسم الصدّيق مبالغة من كثرة الصدق في الحديث والوعد، فهو في جميع أحواله صادقاً مع نفسه لا يناقض سره علنه، صادقاً مع الناس قد أخلص النصح لأبيه وقومه، صادقاً مع ربه قد أخلص له

стр. 142

ولاءه، ومن الشرك والرجس أعلنها براءة. قال البغوي: " صَدَّقَ اللَّهَ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ وَصَدَّقَ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ وَصَدَّقَ بِالْبَعْثِ" (١). - كان مؤمناً: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١]، وفي الآية تعليل للدلالة على جلالة الإيمان في صدره، وقوة إخلاصه وتصديقه، فهو الذي كمّله الله وآتاه الرشد وألهمه الحجة وهداه إِلى الحق في صغره قبل النبوة (٢) فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٥١]. صاحب القلب السليم: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] السَّلِيم من آفات الشُّبْهَة الَّتِي توجب اتِّبَاع الظَّن وَ الشَّهْوَة الَّتِي توجب اتِّبَاع الهوى (٣)، وكان حنيفاً مسلماً: ﴿حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]. مقبلاً على ربه، في وقتٍ أحاطت به الفتن، وأناخت بكلكلها على القلوب، فعمّ الإقبال على الأوثان والطواغيت، فما زاده ذلك إلا تمسكاً وميلاً إلى طريق الاستقامة، ومجانفة عن طريق الباطل. - البَرِئ من الشرك: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] وتوحي هذه الجملة بزيادة في المعنى فهو لم يركع يوماً قط ولم يُطأطئ رأسه لغير الله. فهي تنفي عنه الشرك بالكلية في ماضيه وحاضره.

стр. 143

- الهاجر لدار الكفر، المفارق لرجس الأوثان كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، والذاهِب إلى ربه، اللائذ به والراغب إليه يطلب رضاه (١): ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]. - المتوجه إلى الله بكلّيته: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] وفي ذلك كمال الاستقامة وصفاء التوحيد، وتطهير القلب من سائر الضلالات. - المحسِنُ العمل المظهر كمال الطاعة والانقياد لأمر ربه ويظهر ذلك جلياً في تصديقه لرؤيا ذبح ابنه فجزاه بإحسانه وطاعته العفو عن ذبحه، و الثناء الحسن في العالمين (٢) قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤]. - المعادي والموالي في الله وحده، ولا يطلب نفعًا من أحدٍ غيره، والبريء من الشرك وأهله (٣): ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ٧٥ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ٧٦ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧].

стр. 144

الحَلِيمُ، الأَوّاهُ، المُنيب: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]، ويتضح حلمه فيما احتمله وصبر عليه من بلايا، وماقاساه من قومه وذويه من رزايا. - الكريم الضيافة: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١]. - الحامِدُ لربه المثني عليه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، والشاكِرُ لآلائه وعظيم نعمه: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢١] شاكراً بالجنان واللسان وبالقول والعمل، راداً الفضل لله في كل شيء. وقد ذكر لفظ ﴿لِأَنْعُمِهِ﴾ بصيغة القلّة للتنبيه على أنه لم يترك الشكر على القليل من النعم فكيف بكثيرها (١). - الصابر والوفي فقد ابتُليَ فصبر الصبر الجميل، وأتمّ ابتلاءه بالإذعان للجليل، وأدى ما عليه حق الأداء، ووفى به أكمل ما يكون الوفاء قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] وقال سبحانه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]. ونتيجة لما أبداه إبراهيم الخليل ﵇ من طاعة، وما طواه من نقاء سريرة وما ألزم به نفسه من استمساك بالحق، وصلابة في ذات الله، فقد تقبّله الله تعالى ووهبه جليل الصفات وزاده من المزايا والمكرمات ومن ذلك أنه:

стр. 145

١ - اجتباه: أي اختاره واصطفاه قال تعالى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ﴾ [النحل: ١٢١]. والمراد اصطفاه الله لنبوته، واختاره لخُلته، ومازه على الناس بإمامته (١). ٢ - هداه إلى صراط مستقيم: أنعم عليه بالهداية إلى سبيل الحق والرشاد قال تعالى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١]. ٣ - آتاه في الدنيا حسنة: قيل هي الذكر الحسن بين الناس، وقيل الثبات على ما أولاه من نعم، والدوام على ما حباه من يقين بلا انقطاع أو تحول (٢) قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [النحل: ١٢٢]. ٤ - جعله في الآخرة من الصالحين: شهادة من مولاه سبحانه أنه أدى ما عليه من حق، ووفى ما بما عقد له من عهد، فكان عنده من الصالحين، ورفع شأنه، وأصلح أمره، وأحسن إكرامه فكان في الجنة في زمرة الصالحين، قال جلّ وعلا: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢]. ٥ - واصطفاه بالإمامة فقال: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] فكان أَبو المِلَّة: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] فقد كان الأُمَّةَ القانِتَ مديماً على طاعة ربه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠] والأمة هو القدوة الذي
следующие страницы →