← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30145

القبول شروطه وموجباته ودرجاته وعلاماته ومحبطاته

إيمان بنت عبد اللطيف كردي

Полный текст (362 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أسماء بعض الأنبياء والرسل وقد أثنى الله تعالى على رسله وأنبيائه فهم صفوة الخلق، و أكمل البشر، الذين حازوا أعلى درجات القبول، فهم مشاعل النور، وأئمة الهداية، منهم إبراهيم الخليل وابنه اسماعيل وموسى ونبينا محمد ﷺ ، وقد التزمت في إيرادهم الترتيب الزمني: أ - إبراهيم الخليل ﵇ -: وقد زكاه ربه بصفات عديدة، وخلال عظيمة فقد آمن وحده و كل من سواه كانوا كفاراً، وأنكر على قومه الشرك وعبادة الأوثان بكل ما أوتي من حجة باليد واللسان والجنان. وتترادف الآيات في بيان الثناء وجزيل العطايا لإبراهيم الخليل ﵇ حيث بيّن القرآن الكريم بالتَّعريض والتصْريح في مواضع عديدة تضافرت مع بعضها البعض لتشكّل معاً سمات هذا النبي الكريم وهذا الإنسان الفذّ العظيم بأنه: - كان صدّيقاً قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١] واسم الصدّيق مبالغة من كثرة الصدق في الحديث والوعد، فهو في جميع أحواله صادقاً مع نفسه لا يناقض سره علنه، صادقاً مع الناس قد أخلص النصح لأبيه وقومه، صادقاً مع ربه قد أخلص له

стр. 142

ولاءه، ومن الشرك والرجس أعلنها براءة. قال البغوي: " صَدَّقَ اللَّهَ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ وَصَدَّقَ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ وَصَدَّقَ بِالْبَعْثِ" (١). - كان مؤمناً: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١]، وفي الآية تعليل للدلالة على جلالة الإيمان في صدره، وقوة إخلاصه وتصديقه، فهو الذي كمّله الله وآتاه الرشد وألهمه الحجة وهداه إِلى الحق في صغره قبل النبوة (٢) فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٥١]. صاحب القلب السليم: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] السَّلِيم من آفات الشُّبْهَة الَّتِي توجب اتِّبَاع الظَّن وَ الشَّهْوَة الَّتِي توجب اتِّبَاع الهوى (٣)، وكان حنيفاً مسلماً: ﴿حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]. مقبلاً على ربه، في وقتٍ أحاطت به الفتن، وأناخت بكلكلها على القلوب، فعمّ الإقبال على الأوثان والطواغيت، فما زاده ذلك إلا تمسكاً وميلاً إلى طريق الاستقامة، ومجانفة عن طريق الباطل. - البَرِئ من الشرك: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] وتوحي هذه الجملة بزيادة في المعنى فهو لم يركع يوماً قط ولم يُطأطئ رأسه لغير الله. فهي تنفي عنه الشرك بالكلية في ماضيه وحاضره.

стр. 143

- الهاجر لدار الكفر، المفارق لرجس الأوثان كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، والذاهِب إلى ربه، اللائذ به والراغب إليه يطلب رضاه (١): ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]. - المتوجه إلى الله بكلّيته: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] وفي ذلك كمال الاستقامة وصفاء التوحيد، وتطهير القلب من سائر الضلالات. - المحسِنُ العمل المظهر كمال الطاعة والانقياد لأمر ربه ويظهر ذلك جلياً في تصديقه لرؤيا ذبح ابنه فجزاه بإحسانه وطاعته العفو عن ذبحه، و الثناء الحسن في العالمين (٢) قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤]. - المعادي والموالي في الله وحده، ولا يطلب نفعًا من أحدٍ غيره، والبريء من الشرك وأهله (٣): ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ٧٥ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ٧٦ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧].

стр. 144

الحَلِيمُ، الأَوّاهُ، المُنيب: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]، ويتضح حلمه فيما احتمله وصبر عليه من بلايا، وماقاساه من قومه وذويه من رزايا. - الكريم الضيافة: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١]. - الحامِدُ لربه المثني عليه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، والشاكِرُ لآلائه وعظيم نعمه: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢١] شاكراً بالجنان واللسان وبالقول والعمل، راداً الفضل لله في كل شيء. وقد ذكر لفظ ﴿لِأَنْعُمِهِ﴾ بصيغة القلّة للتنبيه على أنه لم يترك الشكر على القليل من النعم فكيف بكثيرها (١). - الصابر والوفي فقد ابتُليَ فصبر الصبر الجميل، وأتمّ ابتلاءه بالإذعان للجليل، وأدى ما عليه حق الأداء، ووفى به أكمل ما يكون الوفاء قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] وقال سبحانه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]. ونتيجة لما أبداه إبراهيم الخليل ﵇ من طاعة، وما طواه من نقاء سريرة وما ألزم به نفسه من استمساك بالحق، وصلابة في ذات الله، فقد تقبّله الله تعالى ووهبه جليل الصفات وزاده من المزايا والمكرمات ومن ذلك أنه:

стр. 145

١ - اجتباه: أي اختاره واصطفاه قال تعالى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ﴾ [النحل: ١٢١]. والمراد اصطفاه الله لنبوته، واختاره لخُلته، ومازه على الناس بإمامته (١). ٢ - هداه إلى صراط مستقيم: أنعم عليه بالهداية إلى سبيل الحق والرشاد قال تعالى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١]. ٣ - آتاه في الدنيا حسنة: قيل هي الذكر الحسن بين الناس، وقيل الثبات على ما أولاه من نعم، والدوام على ما حباه من يقين بلا انقطاع أو تحول (٢) قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [النحل: ١٢٢]. ٤ - جعله في الآخرة من الصالحين: شهادة من مولاه سبحانه أنه أدى ما عليه من حق، ووفى ما بما عقد له من عهد، فكان عنده من الصالحين، ورفع شأنه، وأصلح أمره، وأحسن إكرامه فكان في الجنة في زمرة الصالحين، قال جلّ وعلا: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢]. ٥ - واصطفاه بالإمامة فقال: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] فكان أَبو المِلَّة: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] فقد كان الأُمَّةَ القانِتَ مديماً على طاعة ربه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠] والأمة هو القدوة الذي

стр. 146

يؤتمّ به وقيل معلم الناس الخير. وأوضح ابن القيم: أن الفرق بين "الأمة" و "الإمام" من وجهين، أحدهما: أن الإمام كل ما يؤتم به، سواء كان بقصده أو بغير قصد، ومنه سمي الطريق إماماً (١) كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ ٧٨ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٨ - ٧٩] أي: بطريق واضح يتبعه الناس ويقصدونه في أسفارهم. أما لفظ ﴿أُمَّةً﴾ ففيه زيادة معنى أي هو الذي تميّز فيها فرداً وحده، وجمع خصال الكمال في العلم والعمل التي تفرقت في غيره، فكأنه باين غيره باجتماعها فيه. فكان أمة يتّبعه الناس ليأخذوا منه الخير. كما يدلّ لفظ ﴿أُمَّةً﴾ على معنى آخر: فالأمة هي الطَّائِفَةُ الْعَظِيمَةُ مِنَ النَّاسِ الَّتِي تربطها صفة جَامِعَةٌ، وَوَصْفَ إِبْرَاهِيمَ- ﵇ بِذَلِكَ وصفٌ بديع جَامع لِمَعْنَيَيْن: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ فِي الْفَضْلِ وَالْكَمَال بِمَنْزِلَةِ أُمَّةٍ كَامِلَة، وكما قال البُحتُرِيّ: وَلَمْ أَرَ أَمْثَالَ الرِّجَالِ تَفَاوُتًا … لَدَى الْفَضْلِ حَتَّى عُدَّ أَلْفٌ بِوَاحِدِ (٢) وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ أُمَّةً وَحْدَهُ فِي الدِّينِ والهداية، حيث أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي وَقْتِ بِعْثَتِهِ شخصٌ مُوَحِّدٌ لِلَّهِ

стр. 147

غَيْرُه. فَهُوَ الَّذِي أَحْيَا اللَّهُ بِهِ التَّوْحِيد، وَبَثَّهُ فِي الْأُمَمِ وَالْأَقْطَارِ (١). وهو الصّدِّيق والَّنبِىُّ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١] ٦ - اختاره الله لطُهرة بيته فقال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]. ورفع قواعده فقال: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧]. واصطفاه للأذان بالحج: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] والدعوة للخير ﵊ (٢). ٧ - كافأه الله بالمحبة والخُلّة والتي هي أعلى مراتب القبول قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. - فجماع القول أن إبراهيم ﵇ قد اجتمعت فيه خصال وسمات ارتقى بها أعلى مقامات القبول. فقد قيل كان لإِبراهيم ﵇ في طريق الحقّ عشرةَ مقاماتٍ نال بها غاية المرامات، بل ظهر مما سبق أنها تزيد على ذلك ومنها: الأَوّل مقام الإخلاص: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤]. الثاني مقام الصدق: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١].

стр. 148

الثالث مقامُ الدَّعْوة: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]. الرابع مقام الفَقْر والفاقة: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩]. الخامِسُ مقام الشكر:: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ﴾ [النحل: ١٢١] السّادِس مقام المغفرة: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] السّابع مقامُ المعْرِفَة: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. الثامن مقام اليقين: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]. التَّاسع مقام التسليم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]. العاشر مقام الاستقامة: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١]. الحادي عشر مقام التوكل: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئا﴾ [الأنعام: ٨٠]. الثاني عشر مقام الإحسان: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤]. الثالث عشر المحبَّة والخلة: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] (١). * * * *

стр. 149

ب - إسماعيل بن إبراهيم ﵇ -: أثنى الله تعالى على خُلق نبيه إسماعيل ثناء عطراً، ذلك أنه كان صادقاً فيما بينه وبين الله فما التزم بعبادة إلا وفاها، وفيما بينه وبين الناس ما وعد شخصاً إلا وفى بوعده. وإن كانت هذه الخلال في غيره من الأنبياء ولكن خصه بها تشريفاً له فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ٥٤ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٤ - ٥٥] وكان يولي أهله والأقربين منه عناية خاصة بالأمر بالمعروف اشتغالًا بالأهم، وهو أن يضع الإنسان الأولوية لتكميل نفسه ومن هو أقرب الناس إليه (١). ومن الملاحظ أن أمر الأقربين بالمعروف عمل يتطلب الجهد والصبر أكثر من أمر العامة من سائر الناس، فتبرز أهميته من عدة وجوه: - أولاً: أن الداعية إلى الخير كثيراً ما يشتغل بأمر العامة عن أهله والمقربين إليه، فجاء التميّز لإسماعيل في الآية بأنه قد أولى هذا الأمر عنايته، وأوفر لهم من وقته وعلمه لتقويمهم وإصلاحهم. ثانياً: أن الأهل والأقربين قليلاً ما ينصاعون لأمر الداعية من أهلهم لأن إلفة الشيء تفقده قيمته مما

стр. 150

يدعوه إلى بذل المزيد من الجهد والصبر عليهم. ففي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾ إشارة إلى استمرارية الفعل والتجدد بلفظ المضارع، واقتران الفعل (كان) مع الفعل المضارع يدل على أن هذا الأمر كان دأبه ﵇ وكان ديدنه منذ زمن بعيد وأنه مثابر عليه مما يتطلب الصبر والمجاهدة. ثالثاً: وزاد صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾ أي " كان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة، ليجعلهم قدوة لمن وراءهم" (١). فقد كان دأبه البداءة بأهله في كل إصلاح، ولا شك أن هذا الأمر من أهم أساليب الدعوة الصحيحة، لتكون الدعوة فاعلة ومجدية فإن الله تعالى ذم اليهود بقوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]. وعند التأمل في بشرى الله تعالى لخليله إبراهيم ﵇: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ١٠١ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠١ - ١٠٢] تُشرق بين ثنايا الآيات صفات أخرى في إسماعيل (٢) ﵇ فهي حلمه، وصبره، وبره بوالديه، ويجدر

стр. 151

الوقوف عند قوله تعالى حكاية عنه: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ فمع رهبة الموقف، وشدة المحنة، وعِظم الفتنة، يُظهر الشابّ المؤمن كمال التفويض والانقياد، والرضا بقضاء الله وفي لفظ ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ حيث لم يقل (امض أو اذبح) دلالة على أخذه قول والده النبي الكريم كأمر من الله واجب الامتثال، لا ينبغي فيه التردد أو التأكد وكأنه خشي من حنان والده وحبه له أن يدعوه ذلك إلى التريّث وحاشا لخليل الله أن يتريث في الامتثال لربه ولكنها مشاعر الحب تتردد بين الوالد والابن البار، فيسارع الابن إلى تعجيله، ليقطع جميع العلائق من مشاعر أو عواطف يمكن أن تقف كعامل يؤدي إلى بطء المسارعة إلى رضوان الله والتسليم لقضائه وأمره. و ليبرز بذلك حلمه الجميل حيث لا سخط، ولا غضب، ولا تقاعس. فالقرآن الكريم يرسم سمات إسماعيل ﵇ بصورة بليغة موجزة فتبدو شمائل النبي الكريم وما اختصه الله به من علوّ المكانة وأرفع الدرجات كالتالي: ١ - هو المسْلم الخاضع لربه: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] فاستجاب الله دعاءهما، فرزقه شرف الاستسلام والانقياد لأمره ونهيه، بالرضا والقبول حتى يلقاه.

стр. 152

وهو الغلام الحَليمُ بالرغم من أنه نشأ في بيئة صحراوية، والصحراء يغلب على أهلها الجفاء وشدة الطبع إلا أنها أخلاق وسماحة النبوة التي فُطِر عليها هذا النبي الكريم قال تعالى ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] (١). ٢ - والمسْتَسْلِم لأمر ربه، الخاضع لقضائه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]. ٣ - وهو الصابر على البلاء: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. ٤ - ويتجلى في هذه الآية الطاعة لربه والمطاوعة والبر بوالده: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢]. ٥ - وهو الآمر بالمعروف: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٥٥]. وما يلزم ذلك من المجاهدة والمصابرة لتحقيقه. ٦ - وهو الصادقُ الوَعْد: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]. فكان عند الله في درجات القبول مرضياً: ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥] وفيها الثناء و المدح من ربه فعمله محمود في كل طاعة، وجاء في أدائها بما يرضي ربه ، راضٍ بقدره وقضائه فأرضاه واختاره الله فكان رَسُولاً نبيا: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٤]. * * * *

стр. 153

ت- موسى الكليم ﵇: قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥١] امتدح الله صفيه وكليمه موسى ﵇ بأنه كَانَ يخلص له العبادة، وَيُفْرِدُهُ بالْأُلُوهَية، فأَخْلَصَهُ وَاصْطَفَاهُ، وَجعلَهُ نَبِيًّا مُرْسَلا، وهو الذي اصطنعه الله وكرّمه وشرّفه وجعله موضع صنيعته وإحسانه إذ قال: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١]. وقرّبه إليه وناجاه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]. قال ﷺ : (مُوسَى بن عِمْرانَ صَفيّ الله) (١). وفي ضوء قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى ٨٣ قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٣ - ٨٤] تتضح شخصية النبي الكريم المبادِرة للخير، وتظهر علاقته بربه ، وتتجلى مسارعته إلى طاعته، شوقاً إليه، ومحبة له، فإذا علم محبة الله في أمر لم يكن ليتقاعس أو يتخلف عن مقدمة الركب. فقدّم بين يديه طاعة ربه ورضاه. وفي قوله تعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ

стр. 154

فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ [طه: ٨٦] تتجلى صفة من صفات موسى ﵇ وهي الغضب لله أن يُعصى أمامه، والحرص على دين الله أن يُنال منه. فموسى ﵇ ذو شخصية مبادرة، سريع التفاعل مع المشاهد التي تعرض له، قويّ في الدفاع عمّا يؤمن به ويدعو له. وفي هذه الآيات: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ١٤ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ١٥ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ١٦ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٤ - ١٧]. تبرز جوانب أخرى من شخصية موسى ﵇، ومنها الرجعة والتوبة إلى الله بعد إغواء الشيطان له بقتله القبطي نصرة للحق، ولا يقدح ذلك في عصمته لكونه خطأ وإنما عدّه من عمل الشيطان وسمّاه ظلماً واستغفر منه جرياً على سنن المقربين في استعظام ما فرط منهم وكان هذا قبل النبوة فقد اختصّه الله تعالى بخلق الإنصاف والعدل، وهو الذي خرج في مجتمع جائر، مائل عن الصراط، فكان قامعاً للفتنة، ماحقاً للباطل.

стр. 155

وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ تتضح براءته من الباطل وأهله، وولايته ووفاؤه للمنعم بأن لا يقف في صف ظالم أبداً، ولا يعين مجرماً على فجوره وإجرامه (١). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ٢٢ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ٢٣ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٢ - ٢٤] جاءت الآيات السابقة لتبين في موسى ﵇ صفة الرحمة والإحسان وحبه لنفع غيره وبذله للمعروف، وتُظهر حُسن توكله على ربه والتجائه إليه. وفي قوله تعالى حكاية عن موسى قاصداً النبي شعيب ﵉: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] صور مشرقة تتجلى فيها أدب المعاملة وصفة المسامحة، وحسن الصحبة، والوفاء، والاعتماد على الله تعالى (٢).

стр. 156

ويجمع ﵇ بين صفتي القوة والأمانة في قوله تعالى حكاية عن ابنة شعيب ﵇: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَئْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] فقمة المروءة هي الأمانة للقادر المتمكن على خلافها. وفي خلاصةٍ نستقرئ فيها سمات موسى ﵇ التي بيّنها القرآن الكريم تصريحاً وتعريضاً نجد باقة عطرة مما ميّزه الله به واختصه من عظيم الشمائل وكريم الخلال منها: - سماته مع نفسه و ربه: - تعجيل الطاعة، والمبادرة بالخير: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤]. - التسبيح والذكر: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣]. - الهداية والاستقامة: ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨]. - صدق العبودية وكمال الإيمان: ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] - الغضب في ذات الله، والانتصار للحقّ: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠]. - كمال التوكل: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]. - التوبة والإنابة: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦].

стр. 157

- التذلل والفقر وحسن التوجه إلى الله: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]. الولاء لربه والبراءة من الكفر وأهله: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧]. - دوام الاستعانة والتوجه و الطلب: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢]. سماته مع الناس: - الصبر في تلقي العلم، وأدب المتعلم: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩] - سمو الأخلاق وتتجلى في حسن الاعتذار: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣]. - كمال القوة والأمانة وما تتضمن من فطنة وكياسة ومروءة: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَئْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]. - الإحسان والبرّ: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ [القصص: ٢٤]. - النخوة والشجاعة والرغبة في الانتصار للحق: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]. - الوفاء بالعهد، والالتزام بالعقد: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ [القصص: ٢٩]. * * * *

стр. 158

- نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: تناول هذا البحث هؤلاء الذين شرّفهم الله تعالى فنالوا أعلى مراتب القبول من حيث قابليّة الاقتداء، ومساحات التأسّي وليس من موضوعه سرد مناقبهم وما حباهم الله به من مكانة، فإن ذلك لا تتسع له دفتا هذا البحث المتواضع. قال عزّ مِنْ قائل: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. والنصوص ثابتة في فضل صاحب لواء الحمد ﷺ والمقام المحمود الذي قال الله تعالى له: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. فصلاته الليل وطول تهجده كان زيادة له في علوّ القدر، ونيل الشرف والكرامة من الله تعالى، وتبوّئه المقام المحمود، قال ﵊: (أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ يومَ القيامةِ ولا فخرَ، وبيدي لواءُ الحمدِ ولا فخرَ، وما من نبيٍّ يومئذٍ آدمَ فمن سواهُ إلَّا تحتَ لوائي، وأنا أوَّلُ من تنشقُّ عنْهُ الأرضُ ولا فخرَ) (١). وهو الذي أثنى عليه ربه وأدّبه بأدب القرآن، وعلّمه من محاسن الأخلاق ما لا يُدِرك شَأوه أَحد

стр. 159

من الخلق، وشهد له بذلك إذْ قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] قال الجنيد (١): " سمّى خُلقه عظيماً، لأنه لم تكن له همّة سوى الله " (٢). وقد اجتمع فيه ما تفرق في غيره من فضائل وشمائل وخصال، قال ﵊: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ) (٣) فإن كان حُسن الخلق مما يرفع العبد عند الله فيجعله مع درجة الصائم القائم كما صحّ عنه ﵊ (٤) فكيف بمن جمع مع حسن الخلق كثرة العبادة فكان صواماً قواماً؟! ومن بارِزِ شمائله، صفة الرحمة، التي تكمن في ذاته وتفيض منه، فإذا هو فيض رحمات للمؤمنين خاصة وللعالم عامة قال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾

стр. 160

[الأنبياء: ١٠٧] ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فوصفه الله بوصف الرَّحْمَةِ وَلَمْ يَصِفْ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ (١) وقد يتقبل الله عبداً لرحمته مخلوقاً من مخلوقاته فكيف بمن اتصف بالرحمة وكانت سجيّته وفاضت أنسام رحمته على العالمين. ومن أخلاقه تحمُّله في ذات الله وفي سبيل الدعوة ما تحمّل حتى عُدّ من أولي العزم من الرسل الذين هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم صلوات الله وسلامه (٢). ووصفه ربه بقوله: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦]. ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ متجرداً من جميع حظوظ الدنيا فلا إلى شيء منها، لا إلى مجد، ولا إلى عزة، ولا إلى عصبية جاهلية، ولا إلى مغنم، ولا إلى سلطان ولا جاه. ولكن داعيا إلى الله. ومشعلاً

стр. 161

كاشفاً الطريق إلى الله، يجلو الظلمات، ويدحض الشبهات (١). وتشرق في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٦١]. سمة بارزة للرسول الكريم ﷺ تتجلى في حسن تعامله حتى مع المنافقين الذين يكيلون له التهم بأنه آلة سمع لا تميز بين المقبول والمردود، لتكشف هذه الآية عن عظيم خُلقه وتردّ افتراءهم بأنه أذُن خير لهم يستمع إليهم في أدب ولا يجبههم بنفاقهم، ولا يرميهم بخداعهم بل يسْمَعُ مَعَاذِيرَهمْ وَيَقْبَلُهَا مِنْهمْ (٢). وهذه السمة لا تكاد تراها في كثير من الناس، وهي استماع خير وصلاح، وقبول للأعذار، لا استماع شر وفساد (٣). وبالجملة فقد " كان رسول الله ﷺ أكرم الناس خلقاً، وأوسعهم صدراً وأصدقهم لهجة، وأكرمهم عشيرة، وأوفاهم عهداً، وأوصلهم للرحم، قريباً من كل بر، بعيداً عن كل إثم … آتاه الله الكمال في الخَلق والخُلق، والقول والعمل، وجمّله بالسكينة والوقار، وكساه حُسن القبول، فاستمال القلوب وملك زمامها، فانقادت النفوس لموافقته، وثبتت القلوب على محبته، وفدته

стр. 162

النفوس بكل عزيز وغال" (١). وفيما يلي قبس من عظيم سماته ﵊ التي أشار إليها القرآن الكريم تلميحاً وتصريحاً: - مع نفسه ومع ربه: - الاستقامة: وهي المداومة على الطاعة والالتزام بالأمر والنهي: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]. - كثرة القيام والصلاة والسجود: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ٢١٨ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩] (٢). - الإسلام والاستسلام: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١]. - مع الناس: - الرأفة والرحمة بالمؤمنين: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. - الدعوة والبشارة والنذارة: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ٤٥ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦].

стр. 163

- الاهتمام لأمر الأمة والسعي لرفعتها، ورفع العنت عنها: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]. - الحرص على مصالح المؤمنين ومنفعتهم ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. - الصدق والأمانة والتقوى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]. - وهو الحاكم العادل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. - وشاهد عدل ومستمع خير: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٦١]. - والمجاهد في سبيل ربه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣]. - وعظيم الخلُق الذي حوت شمائله جميع ما في القرآن من مكارم الأخلاق: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. وهذا غيض من فيض محاسن أخلاقه وطيب شمائله ﵊، فلا جَرَم بمن كانت فيه كل هذه الفضائل أن يجتبيه ربه ويصطفيه على كافة الخلق أجمعين. * * * *

стр. 164

ثانياً: أسماء بعض الأولياء والصدّيقين والولي: هو الموالي لله ورسوله ﷺ ، المناصر لشرع الله، المتبع أوامره المجتنب نواهيه. وقيل: "ولي الله: هو من والى الله بموافقته في محبوباته والتقرب إليه بمرضاته" (١). و الصديق في اللغة: المبالغ في الصدق والمصادق لك، الدائم التصديق، ومن صدق المودة والنصيحة (٢). وقال صاحب التعريفات: "الصديق: هو الذي لم يدع شيئًا أظهره باللسان إلا حققه بقلبه وعمله" (٣). فالصديق: هو من صدَق الله حديثاً، وصدّق قوله بالعمل، وصدّق بأمر الله من غير ترددٍ ولا ريبة. وقد امتدح الله تعالى بعض أوليائه الصالحين وعباده الصديقين منهم على سبيل المثال:

стр. 165

أولاً: مريم البتول بنت عمران ﵍: قصتها في آل عمران وما ذلك إلا لرفعة شأنها وعلو مكانتها عند الله. - وقد صرح بقبولها واصطفائها قال تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]. - واصطفاها الله تعالى على جميع النساء فقال جل شأنه: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢]. فالاصطفاء الأول هو اختيارها بأن طهر دينها من دنس الشرك ورجس الأوثان وكبائر الذنوب والمعاصي، واجتباها لطاعته وطهرها من الأخلاق الذميمة، واصطفائها لتكون أماً لنبيه عيسى ﵇ بغير أب، وَالثَّانِي بِمَعْنَى التَّفْضِيلِ عَلَى غيرها واختصها برفعة المنزلة والكرامة (١). نشأت ﵂ في المحراب فكانت حياتها بين عبادة الله وحده وسدانة بيته، ومن كانت حياتها في المحراب، فهي بعيدة كل البعد عما تجترحه كثير من النساء من آفات اللسان والسمع والبصر، منزهة عن مجالس اللغو، واقتراف الرذائل.

стр. 166

- أمرها الله تعالى بالعبادة فامتثلت خير امتثال قال تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. فوهبت نفسها لذلك وامتثلت لما أمرت به شكراً لربها. فشهد لها تعالى بالقنوت والعبادة حيث كانت القانتة العابدة (١) كما قال : ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]. - وشرفها الله تعالى بالارتقاء إلى مرتبة الصديقية في القرآن حيث قال: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ?﴾ [المائدة: ٧٥]. وقيل: سميت مريم ﵂ صدّيقة، لأنها كثيرة الصدق وهي التي صدقت بآيات الله وكتبه (٢). وهي العفيفة الطاهرة التي أحصنت فرجها فقال تعالى فيها: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]. وهي التي كملت في الفضائل والأخلاق فكانت من الكاملات الصالحات مما يندر ذلك في النساء قال النبي ﷺ : (كَملَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ: إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ) (٣) وذلك لما تحلت به من خصال البر والتقوى (٤).

стр. 167

مما سبق تُستخلص سمات مريم ﵂ التي تميزت بها وهي: - حياة موصولة بالله طاعة وعبادة. - صدق مع الله وامتثال لأمره، وصدق مع الناس في مواجهتهم عند اتهامها بالفاحشة. - شمائل طهر وعفاف وحسن خلق. - ولا شك أن في الانشغال بالطاعة وعكوفها في المحراب فيه استزادة من الفضائل، وحفظ للسان عن المزالق وبعد عن مجالس اللغو، وهي التي يقع فيها كثير من النساء. ثانياً: ذو القرنين: قال تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٨٣] تذكر التفاسير أن ذا القرنين كان ملكاً صالحاً، وعبداً مسلماً، طاف البلاد، وجاب الأرض يدعو إلى الإسلام، ويقيم العدل ويعامل الناس بالإحسان، ويصلح البلاد وينفي الفساد وقال سفيان الثوري: " بَلَغَنِي أَنَّهُ مَلَكَ الدُّنْيَا كُلَّهَا أَرْبَعَةٌ مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ سُلَيْمَانُ النَّبِيُّ ﵇ وَذُو الْقَرْنَيْنِ وَنُمْرُودُ وَبُخْتَنَصَّرُ " (١).

стр. 168

وقيل عنه إنه: " إنما أُعْطِيَ مَا أُعْطِيَ بأربع خصال كَانَ فيه: كَانَ إِذَا قدَر عفا، وَإِذَا وعد وفى، وَإِذَا حدّث صدق، ولا يجمع اليوم لغد" (١). وثمة لطائف تُفصح عن نفسها عند التمعن في قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨]. فقد ورد لفظ ﴿رَبِّي﴾ في هذه الآية القليلة الحروف العظيمة المعاني ثلاث مرات مما يُشعر بأن ذا القرنين كان شديد التوكل على الله والتعلق به، والمحبة له، والوثوق بما عنده أكثر مما هو بين يديه مما سخره الله له، وهذه الخُلة الجليلة من أعظم ما يحب الله في العبد، أن لا يغتر بما آتاه، أو ينظر إلى ما لديه نظرة عُجب واستعظام وهو الذي ملك الأرض مشارقها ومغاربها في زمانه، وفي قوله تعالى حكاية عنه: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ تتجلى صفة الاعتراف بنعم الله وفضله التي ينكرها كثير من طغاة الأرض إذا مكّن الله لهم. وفي قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ كمال التسليم واليقين والاعتراف بالضعف أمام قوة ذي العزة والجبروت القاهر فوق عباده.

стр. 169

- فكان من مجموع صفات ذي القرنين وأعماله التي ربما كانت سبباً في نيل شرف القبول عند الله: ١ - أنه نشر دين الله في الأرض فقد كان على الإسلام وهي الحنيفية ملّة إبراهيم ﵇. ٢ - أقام سلطان الله في الأرض بالعدل والقسط. ٣ - أعان المظلوم وقاتل الظالم. ٤ - أصلح الله به البلاد والعباد. ٥ - بالإضافة إلى أنه شديد التوكل على الله. ٦ - والاعتراف لله بالفضل مع الاعتراف بالضعف والتسليم له. * * * *

стр. 170

ثالثاً: مؤمن آل ياسين (١): قال تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ٢٠ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ٢١ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢٢ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئا وَلَا يُنْقِذُونِ ٢٣ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ٢٤ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ٢٥ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ٢٦ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٠ - ٢٧] جاء مسرعاً من أقصى مدينة أنطاكية (٢) بالشام لما بلغه خبر اجتماع الناس على رسل عيسى ﵇ الذين أرسلهم ليبلغوا عنه دعوة الحق ثم سألهم: أتطلبون على ما جئتم به أجراً؟ قالوا: لا. فأقبل على الناس يقول: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فقيل له: أَفأَنْتَ تتبعهم؟ قال: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ

стр. 171

الَّذِي فَطَرَنِي﴾ … إلى قوله: ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، ثم أقبل على المرسلين فقال لهم: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ فتألب عليه الناس فقتلوه (١). فكان من أهم شمائل هذا الرجل الصالح تصديقه المرسلين ومسارعته إلى طاعة الله تعالى ومبادرته بنفسه في سبيل الله وقوله مقالة الحق أمام أهل الظلم والطغيان. وظاهر الآية يدل أن الرجل لم يكن ذا جاه ولا سلطان. ولم يكن في عزوة من قومه أو منعة من عشيرته. ولكنها العقيدة الحيّة في ضميره تدفعه وتجيء به من أقصى المدينة إلى أقصاها ينصحهم ويعظهم ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾. إن الذي يدعو مثل هذه الدعوة، ويجتهد في تبليغ الحقّ، وهو لا يطلب أجراً، ولا يبتغي مغنماً .. إنه لصادق. وإلا فما الذي يحمله على هذا العناء؟ ما الذي يدفعه إلى حمل همّ الدعوة؟ ومجابهة الناس بغير ما ألفوا من العقيدة؟ والتعرض لأذاهم وشرّهم واستهزائهم وتنكيلهم، وهو لا يجني من ذلك كسباً، ولا يطلب منهم أجراً؟ ثم تراه يعود ليناشدهم مرة أخرى ليوقظ فيهم تلك العقول السامدة الغافلة، ويشرح لهم

стр. 172

بمنطق العقل: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ وهُداهم واضح في طبيعة دعوتهم. فهم يدعون إلى إله واحد. ويدعون إلى نهج واضح. لا خرافة فيه ولا غموض (١). ثم عاد يتحدث إليهم عن نفسه وعن أسباب إيمانه ويقلّب لهم وجوه الحقيقة بأساليب شتى لعل ذلك أن يوقظ فيهم حساً، أو يجلو عن قلوبهم صدأ فيبصرونها كما أبصرها ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ في لفظ (بربكم) يناشد فيهم الفطرة التي استيقظت فيه ليوقظهم بالبرهان الفطري السليم (٢). وهكذا يكشف الحوار عن شخص صادق، ذي سجية مستقيمة، صاحب رسالة واضحة عظيمة، انتفع بها وأراد النفع لغيره، فتقدّم غير آبهٍ للموت في سبيل نفع غيره وفي سبيل إظهار الحق، وإنصاف الحقيقة. ومثل هذا حريٌّ أن يحبه الناس فكيف لا يحبه الله وهو القائل في محكم كتابه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]. * * * *

стр. 173

ثالثاً: أسماء بعض الصحابة ﵃ - والصحابة عموماً هم خير القرون وقد أثنى عليهم الله في عليائه في أكثر من آية حيث قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ فَئَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] كما أثنى عليهم الرسول ﷺ فقال: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ، ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ) (١). فهم الذين آزروا الرسول ﷺ ونصروه، ووفقهم الله لإعلاء كلمته، ورفع رايته، وشرف مصاحبة نبيه ومتابعته، فهم مصابيح الهدى، والتفاضل

стр. 174

بينهم قائم كما هو قائم بين الخلق أجمعين، وكلهم فاضل، ونخص بالذكر هنا سَيدَي كهول أهل الجنة الصديق والفاروق ﵄ قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ) (١). * * * * أولاً - الخليفة الأول: أبوبكر الصديق ﵁: صاحب رسول الله ورفيقه في الغار المعني بقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ٢١] فهنيئاً له الرضوان، والفوز بموعود الملك الديان (٢). ووردت إشارة عنه في قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا

стр. 175

السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠] فهو رفيق رسول الله ﷺ في الغار (١). قال الإمام أبو حنيفة: "وَأفضل النَّاس بعد النَّبِيين عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أَبُو بكر الصّديق ثمَّ عمر بن الْخطاب الْفَارُوق ثمَّ عُثْمَان بن عَفَّان ذُو النورين ثمَّ عَليّ بن أبي طَالب " (٢). وهو الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (لما أَنْزَلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيات [﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] العَشْرَ الآيَاتِ] فِي بَرَاءَتِي قَالَ [أَبُو بَكْرٍ] الصِّدِّيقُ- وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ وَفَقْرِهِ- وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قال لعائشة: قالت: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى إِلَى قَوْلِهِ: أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: واللَّه إني لأحِبّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي،

стр. 176

فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ (١) النفقة التي كان ينفق عَلَيْهِ وَقَالَ: لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا) (٢). هذا الموقف يكشف عن نفس شفافة، سرعان ما تنفضُ عنها سموم الأوزار فلا تحمل الحقد والضغينة لأحد، ما أروع القلوب إذا نُزعت منها حوائب الصدر، وبرئت من سخائم البغضاء، هكذا هو قلب هذا الرجل الكريم، وتعامله بمن تكلّم على ابنته ونقل تلك الفرية الآدّة، فخاض مع من خاضوا في حديث الإفك. ولكنّ طلاّب الكمال، وأهل المروءة دائماً ما يتحصّنون بمثُلهم العُليا، فإذا كان الأمر يؤول إلى نيل محبة الله ورسوله ﷺ جعلوا عوالق الدنيا وكوابدها كالعصف المأكول تحت الأقدام. فيعود أبو بكر بنفس راضية إلى وصل مسطح رغبة فيما عند الله و قهراً للنفس، وترغيماً للشيطان. ولعلي هنا أوجز بعض الجوانب التي تبين أبعاد القبول و مظاهره في شخصية الصديق رضي

стр. 177

الله عنه وأرضاه وهي: ١ - التصديق بالرسول والثقة التّامة بكل ما جاء به. ٢ - كونه السابق إلى ذلك وفي وقت كان الرسول ﷺ أحوج ما يكون فيه إلى الوقوف والمؤازرة. ٣ - دعم الدعوة والرسول ﷺ بكل طاقاته المالية والبدنية حيث أوقف نفسه وما يملك لهذا الدين ولمن جاء به (١). ٤ - الحب العظيم الذي يكنه لله ورسوله ﷺ يتجلى في تحمله معه مشاق الهجرة إلى المدينة وصحبته له في الغار. ٥ - طهارة القلب من الأحقاد والضغائن للمسلمين كما دلّ على ذلك موقفه مع مسطح. * * * *

стр. 178

ثانياً - الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ -: لم يثبت في ورود ما يخص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بالذكر في القرآن ولكن موافقة الله له في بعض ما أنزِله من القرآن يدعونا للنظر في سيرة هذا الرجل الفذّ، قَالَ ﵁ وأرضاه: "وَافَقْتُ اللَّهَ فِي ثَلَاثٍ، أَوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلَاثٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ وَالفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجَابِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجَابِ، قَالَ: وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضَ نِسَائِهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ، قُلْتُ: إِنِ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ خَيْرًا مِنْكُنَّ، حَتَّى أَتَيْتُ إِحْدَى نِسَائِهِ، قَالَتْ: يَا عُمَرُ، أَمَا فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ، حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ … الآيَةَ" (١). فلم يوافقه ربّه إلا لأنه مُسدّد منه، وملهِمٌ له، ذو بصيرة ثاقبة، وقلب تغلغل في شغافه الإيمان، فقد كان أول من جهر بالإسلام، فكان صادق النية صافيَ الطوية. فالآية الأولى تبُرز حُبّه للعبادة والصلاة بخاصة، والآية الثانية تبين غَيرته على نساء النبي ﷺ وابتداره للشرّ

стр. 179

قبل وقوعه، والثالثة تكشف عن مقدار حبه وما يكنه لرسول الله الذي آلمه ما يحدث له في بعض بيوته فهرع للإصلاح. فلعمر الله كلّ صفة من هذه الصفات تقارع أُختها، فكلها محبوبة من الله مُقّرب صاحبها (١). وعمر بن الخطاب هو الذي قَالَ فيه رَسول اللَّهِ ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ) (٢). رجلٌ قوي، عظيم النخوة والغيرة على الدين قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود ﵁: (مَازِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ) (٣) والله تعالى يحب الرجل القوي الإيمان وعمر هو ذلك الرجل، ذو عزيمة في أمر الآخرة، أكثر إقداماً على الجهاد وأسرع خروجاً في طلبه، وأشد إصراراً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأكثر صلابةً وصبراً في ذات الله، وأرغب وأنشط في الصلاة والصوم وسائر العبادات، وفي ذلك قال الرسول ﷺ : (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ) (٤).

стр. 180

وقال فيه النَّبِيَّ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ) (١). وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا نَزَلَ بِالنَّاسِ أَمْرٌ قَطُّ، فَقَالُوا فِيهِ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَّا نَزَلَ القرآن على نحو مما قال عمر (٢). ثم هو طراز فذّ تفهم سرّه فإذا هو على وفاق مع جهره، لا تناقض في خلائقه، من صفاته الشهيرة العدل حيث سوّى بينه وبين سائر الرعية، حتى سمي بالفاروق، والغيرة والفطنة حتى بلغ مبلغ البطولة النادرة (٣). ومما يدل على صفاء سريرته شهادة الصحابة له، فلما مرض أبو بكر الصديق دعا عبد الرحمن بن عوف ﵁ فسأله عن عمر فَقَال عبد الرحمن: هُوَ وَاللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ رَأْيِكَ فِيهِ، ثُمَّ سأل عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: اللَّهمّ عِلْمِي بِهِ أَنَّ سَرِيرَتَهُ خَيْرٌ مِنْ عَلانِيَتِهِ، وَأَنْ لَيْسَ فِينَا مِثْلُهُ! (٤).
следующие страницы →