← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30145

القبول شروطه وموجباته ودرجاته وعلاماته ومحبطاته

إيمان بنت عبد اللطيف كردي

Полный текст (362 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

في أكثر من خمسين موضعاً وطمأن المؤمن بحفظ عمله وعدم ضياعه، وبالمغفرة لذنبه ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] وقوله عزّ مِنْ قائل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٩] و فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي) (١) وَ قال ﷺ : (لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ) (٢) فالظنّ الحسن ورجاء الْقَبُولِ، هو في ذاته مُوجِبٌ لِلْقَبُولِ إذا ما اقترن بالعمل الصالح (٣). ولا ريب أن حسن الظن بالله لا يتحقق إلا مع الإحسان في العمل، فمن أحسن العمل أحسن الظن بربه فيجازيه الله على إحسانه بأحسن منه وأكرم وأشرف، ويُنجز له وعده، ويتقّبل منه توبته، وأما المسيء المصرّ على الكبائر والظلم والمخالفات فإن وحشة المعاصي ودركات الظلم ومهاوي الحرام تمنعه من حسن الظن بربه. فأنى لمن سلك طريق القبائح ونأى عن المحاسن، أن يحسن الظنّ!. لا جرم أنه لا يتجرّأ على مثل ذلك إلا المغترّ. فنرى النص القرآني يرسم صورة المؤمن حَسَن الظنّ بربه يوم القيامة عند تطاير الصحف آخذاً

стр. 72

كتابه بيمينه، لقد كان على يقينٍ بأنه سيُلاقي ذلك الجزاءَ فإنَّ الله لا يُضيعُ أجرَ من أحسنَ عملاً فتراه رافعاً رأسَه بابتهاجٍ في أسعدِ موقفٍ مرَّ عليه منذ يوم خُلقَ قائلاً كما حكى عنه ربه : ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ١٩ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٠] قال الحسن البصري: "إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل " (١). فحسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه، فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل حسن ظنه بربه أن يجازيه على أعماله ويتقبلها منه ويثيبه عليها، فكلما أحسن ظنه بربه أحسن عمله تبعاً لذلك، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ٤٥ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُّلَاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦]. فالذين استيقنوا من لقاء ربهم وعلموا أنهم ملاقوه للحساب أحسنوا العمل وهو في حدّ ذاته إحسان ظن نابع من قلوبهم دافعٌ إلى حسن العمل. وهنا يمكن أن نستنبط من لفظ ﴿يَظُنُّونَ﴾ ومعناه يستيقنون (٢) إشارة خفيه إلى حسن الظن، لأن اليقين بلقاء الله مستلزم لحسن الظن به (٣)، وهو ما يدعو

стр. 73

الخاشع إلى الاستعانة بالصبر والصلاة. ويؤكد على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُّلَاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] إنّ المؤمنين بربهم الذين نصبوا بين أعينهم لقاء الله و أنهم ملاقوا وعد الله بالمعونة و النصر والتأييد على سبيل حُسن الظنّ كان لهم ذلك (١). فإن الله تعالى قال في محكم كتابه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. فكل من رجا الله واستيقن لقاءه فإن الله يحقق له رَجَاءَهُ من الثواب والكرامة إِذَا مَات عَلَى الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ (٢). وكما أن حُسن الظنّ يقود إلى حسن العمل، فسوء الظن قائدٌ ولا شك إلى الإصرار والغرور والانهماك في المعاصي. قال قتادة: "من استطاع منكم أن يموت وهو حَسن الظنّ بربّه فليفعل، فإنّ الظنّ اثنان: ظنّ يُنجي، وظنّ يُردي " (٣). كما قال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣]. قال ابن القيم: " حسن الظن هو الرجاء فمن كان رجاؤه هادياً له إلى الطاعة فهو

стр. 74

رجاء صحيح، ومن كانت بطالته ورجاؤه تفريطًا فهو المغرور. وحسن الظن مع اتباع الهوى عجز، كما قال النبي ﷺ : (الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ) (١) " (٢). * * * * سابعاً: الدعوة إلى الله و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: - والدعوة بتعريف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "هي الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله، بتصديقهم فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا " (٣). ومن يتتبع ما ورد في القرآن عن موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجد أن القرآن الكريم -كعهده في الحث على كل خير - رغّب فيه في أكثر من آية، وما ذلك إلا أنه من موجبات القبول وأساساته، ومن سبل الفوز برضاه سبحانه، كيف لا وهو القائل جل في علاه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ

стр. 75

قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]. وإذا كانت الدعوة إلى الله هي سبيل إقامة الدين، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبيل الحفاظ عليه بين من دخلوا فيه فهما بنفس المنزلة من الله تعالى فكل من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فقد دعا إلى الله بشكل من الأشكال، وهي جميعاً أحسن الأقوال على الإطلاق، وأحسن عمل مجتمعي ينشر في الناس، وأصحابها بأحسن منزلة عند الله وأرفعها، وقد ورد الحث عليها بهذا اللفظ في ثمان آيات منها قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١] فبين الله تعالى أن من الخواص التي يتميّز بها عباده المؤمنين، التعاون على البرّ والتقوى والتواصي بالحق والصبر وعلق الفلاح على ذلك فقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. كما ورد في القرآن الحث عليه بمعان أخرى متقاربة ومنها ما جاء في سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ ١ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ٢ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ فجعله من التواصي بالحق والصبر قال المفسرون: وَأَوْصَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالصَّبِرِ عَلَى الْعَمَلِ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وعَلَى

стр. 76

أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَإِقَامَةِ أَمْرِ اللَّهِ (١). وما بلغت الأمة هذه المرتبة السامية من الخيرية إلا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وفي المقابل فقد ذم الله تعالى بني إسرائيل ولعنهم، وسخط عليهم لتركهم هذه الشعيرة العظيمة فقال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩]. والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمرٌ يستلزم الصبر والمصابرة ولهذا اختص الله الصابرين بالمحبة وعظيم الثواب، وفي الحقيقة فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يقود الفرد إلى ما يكره ممن يأمرهم وينهاهم فيتسببون في ظلمه والتطاول عليه، وهذا يندرج تحت الصبر الاختياري (٢) وهو النوع الأعلى والدرجة الأسمى التي هي من سمات أولي العزم من الرسل.

стр. 77

فمن موجبات القبول والأدعى لاصطفاء الله أن يكون العبد آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر داعياً لربه موافقاً قوله فعله، فهي وظيفة الرسل وأنعم بها وظيفة، وقد جعل الله أصحابها والقائمين عليها هم الفئة الناجية إذا أخذ الله الناس بعذاب فقال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابِ بَئِيسِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥]. قال أهل العلم: " نَجَا النَّاهُونَ، وَهَلَكَ الْفَاعِلُونَ، وَلَا أَدْرِي مَا صُنِعَ بِالسَّاكِتِينَ " (١) فكانت عاقبة الذين ينهون عن السوء النجاة في الدنيا إذا أخذ الله الناس بعذاب، والقبول والرفعة في الآخرة (٢). * * * *

стр. 78

ثامناً: الرضا والشكر: تناول القرآن الكريم موضوع الرضا والشكر في آيات متعددة، وبيّن الأسباب المؤدية إلى مرضاة الله، مما يدل على وجوب تحرّي مراضي الربّ جلّ وعلا وأنها من موجبات القبول قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] أولاً: الرضا: إن رِضا العبدِ عن الله تعالى، وعن مقاديره وما يجريه عليه من قضاء من مقتضيات الإيمان. فإن قضاء الله نافذٌ في عباده شاءوا أم أبوا، والعبد المتسخّط يجرى عليه القدر وهو مأزور. والرضا: هو التسليم لقضاء الله وقدره، وسكون القلب له وطمأنينته (١). وقيل في الرضا والشكر: "الرِّضَاءُ سُرُورُ الْقَلْبِ بِمُرِّ الْقَضَاءِ، وَالشُّكْرُ انْكِسَارُ الْقَلْبِ بِرُؤْيَةِ الْمِنَّةِ" (٢).

стр. 79

وحقيقة العبودية أن يوافق العبد ربه فِي رِضَاه وَسُخْطِهِ، فَيَرْضَى بِمَا يُرضيه وَيَسْخَط بما يسخطه (١). ومما يجب الرضا به: الرضا بإلاهيته: بمحبته وخوفه ورجائه وعبادته والإخلاص له. الرضا بربوبيته: لا يرتضي ربا سواه ينزل به حوائجه ويدعوه. ويرضى بتدبيره فيه. الرضا بدينه: بما يوجبه من أقوال وأفعال وأحكام وأوامر ونواهٍ. الرضا بقضائه وقدره: بما يقدره ويجري عليه من قضاء من خير أو شر. الرضا بنعمائه وبقسمه وعطائه قلّ أو كثُر (٢). ولا يستلزم الرضا بمفعولات الله تعالى كلها فمفعولاته تعالى هي مقضياته - وليس القضاء - وهي نوعان: • الأول: مقضيّ شرعي ديني: وهو لبّ الدين وأساسه فيجب الرضا به، الرضا بما أوجب والرضا بتحريم ما حرم كقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] فكل

стр. 80

تكاليف العبادة من ذلك كالرضا بالصلاة والصيام والحجاب للمرأة وسائر فروض وأركان وأوامر الدين والرضا بحرمة الخمر والربا وسائر المحرمات. فقضاء الله هو الحكم والتقدير بالعبادة والمقضي هنا هي العبادات المشروعة والمأمور بها بأنواعها. • الثاني: مقضيّ كوني قدري: وهي مفعولات الله ومقدوراته التي أجراها في الكون أو على يد العباد أو من آثار أفعالهم فالمقضيات والمفعولات الكونية القدرية ثلاثة أقسام: ـ ١ ـ مقضيات يرضاها الله وهي من مفعولاته من الخير فيجب الرضا بها وشكره عليها فهي بمشيئة الله وتوفيقه وإرادته وقضائه وَقدره ورضائه وأمره كسائر النعم الحسية والمعنوية. ـ ٢ ـ مقضيات أذن بها الله وخلقها وهي من فعل العبد باختياره كالظلم والفسوق والمعاصي والذنوب فهي من مقدورات الله وهي مما يكرهه الله ويسخطه ويعاقب عليه والعبد مأمور ببغضها، فيجب عدم الرضا بها. وكل ما كان من شر فهو بمشيئة الله وإرادته وقضائه وقدره ولكن لا يرضاه ولا يحبه لأن رضاه ومحبته إنما تكون في ما استحسنه، والشرّ ليس إليه سبحانه. ـ ٣ ـ مقضيات كونية وهي ما يكون من كوارث ومصائب كالفقر والمرض والبلاء مما ليس للعبد فيه اختيار فهي من مفعولات الله ومقدوراته خلقها وقدّرها لما في ذلك من الحكمة والاختبار والابتلاء والعقاب والتمحيص ولا يجب الرضا بها ولكن يرضى بقدر الله وقضائه الذي قدّره فيها، لأن الله

стр. 81

يُقدرها ولا يحبها ولكن يبتلي بها عبده عدلاً وحكمة، ولا يضره كرهها كما قال تعالى: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا) (الأحقاف: ١٥) فالأم قد تكره الحمل والولادة وتوابعها لما فيها من ألم ومشقة ويكره المريض المرض وما يصاحبه من آلام لكن يُستحب الرضا ولا يجب عليه، كأن يكون شعوره بوجوده وعدمه سواء لما في ذلك من كمال التسليم، ولا يتعارض ذلك مع دفع المرض ومعالجته لما يسببه من ألم ونحوه والدعاء والابتهال إلى الله برفعه (١). الخلاصة: يجب الرضا بالقدر فهو كل ما قدره الله وكتبه في اللوح المحفوظ، ويجب الرضا بالقضاء كله فهو فعل الله قائم بذاته وهو ما أنفذه الله من القدر، فكل ما قضاه الله فهو الحكمة والعدل والخير. وكذلك يجب الرضا بالمقضي الشرعي لأنها مقدورات الله التي حَكم بها وشرعها. أما المقضي الكوني ففيه ما يجب الرضا به ومنه ما لا يجب الرضا به ومنه ما يستحب الرضا به كما سبق تفصيله. فالقلب المليء بالرضا، الفيّاض بالشكر، يقرّبه الله ويجتبيه، ويتقبّل منه أحسن ما عمل ويرضيه وإن استشعر الآلام وكره المشقّة ومعوقات الطريق، فذلك لا يُنافي الرضا ما لم يجزع ويتسخّط. * * * *

стр. 82

ثانياً: الشكر: الشكر: نقيضُ الكُفرِ، وهو الثناء على المحسِن قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧]. قال ابن القيم عن الشكر " هو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناء واعترافاً، وعلى قلبه شهوداً ومحبة، وعلى جوارحه انقياداً وطاعة " (١). والشكر مقام أسمى من مقام الرضا، فهو ثمرة الرضا، فلا شكر بدون رضا. والشكر أخصّ فليس كل راضٍ شاكر فالشكر أعلى، وكل شاكرٍ راضٍ (٢). وشكر الخالق سبحانه يتضمّن خمس قواعد: ١ - محبته: فمن مقتضيات الشكر تقديم محبة المنعم على كل نعمة، محبة يجد أثرها في انشراح الصدر، والاطمئنان إليه، وطيب الحياة به. ٢ - الخضوع له، والتسليم لأمره، والرضا بقدره. ٣ - الاعتراف بنعمته، والتجرد من الحول والقوة إلا به كما في الحديث: (وَأَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ) (٣).

стр. 83

٤ - دوام الثناء عليه، وحمده واللهج بذكره بالجنان واللسان والجوارح. ٥ - وألا يستعملها فيما يكره (١). ومن شُكر الله على توفيقه للحسنة أن يأتي العبد بأخرى، وهلمّ جرا، فإن ترادُف الحسنات دليل الشكر المتبادل; فمن الله التوفيق والسداد، ومن العبد العمل باجتهاد، وبهذا يكون الشكر في تقدّم وازدياد، قال الشاعر محمود الورّاق: إذا كان شكري نعمة الله نعمة … عليّ له بمثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله … وإن طالت الأيام واتصل العمر ومن أعظم ما يدنو به العبد إلى تحقيق درجة الشكر هو التوجه إلى الله بالكلية قدر المستطاع عند بلوغ سن الأربعين وهو ما نستنبطه من قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ١٥ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ

стр. 84

عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٥ - ١٦]. وبصرف النظر عمّا إذا كانت هذه الآية قد نزلت في أبي بكر الصديق ﵃ أو في غيره خاصة، كما تذكر التفاسير، فإن لها دلالة عامة، وبالغوص في أعماق هذه الوصاة القيّمة من لدن حكيم خبير، يمكن أن يُستنبط بعضاً من جواهرها، فالآية تتضمن أن التوجّه إلى الله بالكليّة بعد سنّ الأربعين من أعلى مقامات الشكر. فسن الأربعين هو زمن استكمال القوة العقلية، حيث يكون الفرد قبل ذلك ملتهياً في متطلبات الحياة، جاهداً في تحصيل مال أو علم أو اكتساب عمل، وعند بلوغه سن الأربعين يشعر بالتقصير في جنب الله، فيتوجّه فيما تبقّى من عمره إلى تحصيل آخرته، لاهجاً بالشكر والثناء على من أنعم عليه وعلى والديه لأنه امتدادٌ لهما، ويصلح له ذريته الذين هم امتداد له، وأن يستعملهم جميعاً في طاعته. وإذا افتُرض جدلاً أن عمر الإنسان يتراوح بين الستين والسبعين (١)، فإنه في سنّ الأربعين يكون قد تجاوز الثلثين من عمره، ولم يتبق له من العمر إلا الثلث، الذي هو أوج تكوينه العقلي والمالي والنفسيّ، فيحسن عندئذٍ التوجه بهذا الثلث إلى ربه شاكراً حامداً عابداً سائلا إياه أن

стр. 85

يتم نعمته عليه وعلى والديه وذريته، وقد كان ديدن السلف الصالح التفرغ للعبادة عند بلوغ الأربعين (١)، متوجهين بما بقي من مال وعلم وموارد بدنية إلى اكتساب الحسنات، وسائر العمل الصالح، وذلك قبل أن تُفتح الدنيا، ويتعلق الناس بالفاني عن الباقي. وتخصيص ثلث العمر الباقي في الطاعة ليس بدعاً من القول، فقد ورد في السنة فضل الثلث الأخير من الليل، والعشر الأواخر من رمضان وهي ثلث الشهر، وعشر من ذي الحجة وهي ثلث الشهر كذلك، وكان رسول الله ﷺ يقوم أحياناً ثلث الليل، وورد فضل التصدق بالثلث، وغير ذلك مما يدل على أفضلية التوجه بثلث موارد العبد لربه، حيث لم يُحَدد سنّ الأربعين هكذا اتفاقاً وحاشا لله فهو الثلث الأخير من العمر الذي يمثل قمّة التكوين العقلي والمالي والنفسي كما سلف القول. ومما يؤسف له، أن كثيراً ممن يبلغ تلك المرحلة العمرية اليوم يزداد نهمه في الحياة، ويتوجه بكلكله إلى دنياه، استثماراً للمزيد والمزيد في تحصيل المال والجاه، و ذلك ما حذّر منه النبي ﷺ حين قال: (مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ أَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ، وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ) (٢). فمن

стр. 86

موجبات القبول شكر الله تعالى ومن أفضل الشكر التوجّه إليه بالكلية بعد الاكتفاء من مطالب الدنيا، ليُحرز بذلك وعد الله تعالى بقبول أفضل عمله والتجاوز عن سيئاته كما قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦] ولنا أن نتخيل كيف يكون فرح الطالب إذا قيّمه أستاذه على مواد التفوّق التي أحسن فيها وأحرز درجات الامتياز، وغضّ الطرف عن الجيد والمقبول والراسب. ولله المثل الأعلى فهذه الآية فيها دلالة على النيل بنصيب وافر من الشكر، وفيها وعدٌ منه تعالى لمن حققها بقبول أحسن العمل وأفضله والله أعلم. * * * *

стр. 87

علامات القبول أولاً: الخوف والخشية من الله: علامة قبول العبد استقامة سلوكه، وأن يشعر بالخوف من الله خوفاً لا يشوبه يأس. ومن خلال التأمل في آيات الكتاب الكريم يظهر أن العبد يراوده الخوف في أحوال مختلفة: ١ - عند التفكير في المعصية فيدفعه ذلك إلى الامتناع و الارتداع وكأنه سوط يزجره .. الله يراك .. الله ناظرٌ إليك. بل و إذا ضعف وقارف المعصية فتجده خائفاً وجلاً من المؤاخذة والعقاب قال ﷻ : ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧]. ٢ - عند الطاعة فهو يقدمها على حريرة من الإشفاق، والخوف من عدم بلوغها سمو المقام، راجياً العفو على التقصير، ومن عدم القبول يستجير، فيدعوه ذلك إلى تحسينها والخشوع فيها. وأن لا يرى نفسه في العمل قال الدقاق (١): "علامة رفع العمل أن لا يبقى منه في نظرك شيء " (٢) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠].

стр. 88

أن يخاف الله تعالى هيبة منه ، ومن يوم القدوم عليه خوف الحساب، ورهبةً من ناره وطمعاً في جنته، فيدفعه ذلك للمبادرة إلى التوبة. وأن يظل ذلك الخوف ملازماً له يراوده ويتناوب عليه مع الرجاء فيغلب هذا تارة وذاك أخرى بحسب الحال فيغلب الخوف في حال الطاعة ويغلب الرجاء في حال المعصية حتى يأتيه الأجل فيغلّب الرجاء (١) قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧] أما من نراه سادراً في معاصيه، آمناً مكر الله، ضارباً فيما يغضب الله هنا وهناك، بلا اعتبار للآخرة دار القرار فتلك بلا شك علامة من علامات الاستدراج والإملاء نسأل الله السلامة. * * * * ثانياً: الازدياد من الطاعات والحرص عليها: ومن علامات القبول أن تتبع الحسنة أختها، والحرص على العمل الصالح، ومحبة التقرّب إلى الله بالاستكثار من الحسنات، فترى العبد يستلذّ الطاعة، ويجد نفسه مشغولاً بها، شغوفاً بالاغتراف من بحارها، متحرياً من الأعمال ما يعظّمها، متمرساً ماهراً في طرق اكتسابها، واضعاً نُصب عينيه الإخلاص ثم التنويع والإكثار والإحسان.

стр. 89

وقد قيل: "الطَّاعَات عَلَامَات الثَّوَاب لَا عللاً لها" (١). فترادف الطاعات، وتتابع أعمال الخير من النوافل بعد الفرائض، علامة من علامات القبول، وفي الحديث: (وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ) (٢). فإذا رأى العبد نفسه تحبّ الخير، وتحرص على فعل الصالحات، وأعمال البرّ، ورأى حواسه مسخّرة للخير فلا تستمع أذنه إلاّ إلى ما يرضي الله، ولا تنظر عينه إلا إلى ما أحله الله، وكذا سائر حواسه وله همة على الازدياد من الطاعات، فإن ذلك ولا ريب علامة توفيق، وعلامة اجتباء واصطفاء. أما من قلّت طاعاته، وثقلت نفسه إلى الأرض فاتجه إلى محابّه وشهواته فإنها لعمر الله علامة بُعد وإقصاء، قال النبي ﵊: (إِذَا رَأَيْتَ اللهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ) ثم تلا رَسُولُ اللهِ ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] (٣). قال العلماء: علامة قبول الحسنة الحسنة بعدها، فعلامة قبول صوم رمضان أن يخرج العبد منه عازماً على مداومة الطاعة، مشمراً لها، وعلامة قبول الحج

стр. 90

أن يكون حاله بعد أدائه خيراً مما كان عليه قبله. فهمّته في علوّ، وصدره في انشراح، وعمله متّجه إلى طريق الفلاح. وعلامة قبول التوبة أن لا يعود إلى الذنب، ويبغضه، وأن يترك مجالسة أهل المعاصي، وقرناء السوء. فإذا أحب الله العبد وتقبّله حبب إليه الطاعة، وبغّض إليه المعصية، ووفقه للعمل الصالح تلو الآخر وسخّر الملائكة تؤزّه أزاً عليه قال ابن القيم ﵀: " ولايزال العبد يعاني الطاعة، ويألفها، ويُحبّها، ويُؤثرها حتى يُرسل الله سبحانه برحمته عليه الملائكةَ تؤزُّه إليها أزًّا، وتحرّضه عليها، وتُزعجه عن فراشه ومجلسه إليها. ولا يزال يألف المعاصي، ويحبّها، ويؤثرها، حتّى يرسل الله عليه الشياطين فتؤزّه إليها أزًّا. " (١). وفي الخبر قال الرسول ﷺ : (إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا، عَسَلَهُ)، قِيلَ: وَمَا عَسَلُهُ؟ قَالَ: (يَفْتَحُ اللهُ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا قَبْلَ مَوْتِهِ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ) (٢). فما أعظم أن يجعل المؤمن العمل الصالح سجيّته، وأن يترفّع عن سفاسف الأمور إلى معاليها، ففي

стр. 91

ذلك النفع والصلاح والسعادة الحقّة، بل هي سعادة مركّبة; يُسعد نفسه، ويُرضي ربه، ويُسعد غيره. وهو عملٌ يَربو نفعه ويعود على صاحبه بالخير إلى يوم القيامة ثم يجد ثوابه نعيماً دائماً غير مجذوذ. * * * * ثالثاً: محبّة الصالحين: إن العبد إذا أحب الله تعالى وصدق في محبته بالإخلاص وحسن الاتباع، أحبه الله ووضع له القبول في الأرض كما ثبت في الحديث الصحيح المذكور آنفاً: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ) (١) فمن علامات حب الله للعبد حب الصالحين له ومحبته لهم. فتراهم يكرمونه ويجلّونه محبة في الله تعالى ولو لم يقدم لهم شيئاً من المنافع، ويحمده الناس من غير تعرّضٍ منه لحمدهم ويقبلون ما جاء منه، وإذا رأوه وعليه سيما الصلاح ذكروا الله تعالى (٢). قال هَرِمُ بْنُ حَيَّانَ (٣): "مَا أَقْبَلَ عَبْدٌ بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ إِلَّا أَقْبَلَ اللَّهُ بِقُلُوبِ أَهْلِ الْإِيمَانِ إِلَيْهِ

стр. 92

حَتَّى يَرْزُقَهُ مَوَدَّتَهُمْ" (١). قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]. فهو ودٌ من الودود سبحانه يشيع في الملأ الأعلى، ثم يفيض على الأرض بين الناس وهذه من عاجل بشرى المؤمن. قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ، وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: (تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ) (٢). * * * *

стр. 93

محبطات القبول ومؤخراته أولا: محبطات لجميع الأعمال قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] أي هلك وضاع وخسره بشرط أن يموت على كفره (١). واعلم أن الحبوط حبوطان: - حبوط كليٌ لجميع الأعمال وهو مكفّر ومخرج عن الملة. - وحبوط جزئي لأعمال أو عمل معين غير مكفّر. فالأعمال الفاسدة المكفرة تسبب فساد غيرها من العمل بل وفساد صاحبها عند الإصرار عليها وعدم التوبة منها. فعندما تنتصر النفس الأمارة على صاحبها، وتجره إلى المعاصي والآثام، يسترسل معها ويتمادى في غيّه حتى يغفل عن عاقبته، وتخبث نفسه، وينسى عظمة خالقه ، مما يستجلب سخطه ولعنته، فيحبط بذلك عمله.

стр. 94

وكما أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب وسائر أعمال الخير في قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] فإن العمل السيء يحبط الكلم الطيب وسائر العمل الصالح. فكل ما نهى عنه الشرع وحذر من حبوط العمل بسببه فإنه لا يُتوصل به إلى الجنة، و يضيع سعي صاحبه فلا يفلح، ولا يبقى له منه سوى التعب والنصب. قال الحسن: "فَإِذَا كَانَ كَلَامٌ طَيِّبٌ وَعَمَلٌ سَيِّئٌ رُدُّ الْقَوْلُ عَلَى الْعَمَلِ، وَكَانَ عَمَلُكَ أَحَقُّ بِكَ مِنْ قَوْلِكَ" (١). وقال الحسن وقتادة: " لا يقبل الله قولا إلا بعمل، من قال وأحسن العمل قبل الله منه" (٢). فالأعمال المسببة للحبوط الكلي لجميع الأعمال وخلود صاحبها في النار أبداً هي: ١ - الشرك أو الكفر: لا سبيل إلى الهدى والفلاح، ولا يحصل القبول والنجاح إلا بالإيمان التام بكل ما أنزل الله قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]. فالشرك محبط للعمل مفسد لسعي الإنسان. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ١٠٣ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ١٠٤ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِئَايَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ

стр. 95

لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥] وقال ﷻ : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. ومن أشرك شركًا أكبر مع الله فقد كفر به وبوحدانيته. ٢ - الردة: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] والمرتد شرعاً: " الذي يكفر بعد إسلامه نطقاً أو اعتقاداً أو شركاً أو فعلاً " (١). وقال النووي (٢): " والردة هي قطع الإسلام بنية أو قول كُفر أو فعل سواء قاله استهزاء أو عناداً أو اعتقاداً " (٣).

стр. 96

والردة نوعان: - ردة مطلقة: وهي الرجوع عن الدين كله. - ردة ببعض مفسدات الدين: كالاستهزاء بالدين والاستهانة بحرماته فقد يحبط عمل العبد بكلمة. وحبوط العمل بالكلية مقيد بموت صاحبه على الردة، وهي محبطة لثواب ما عمل أثناء الردة قيل وإن تاب صاحبها، وقيل بل يُحسب ثوابها إن تاب (١) ونواقضُ الإسلام كثيرة ترجع إلى خمسة أقسام هي: ردة بالقول، وردة بالفعل، وردة بالاعتقاد، وردة بالشك، ووردة بالترك (٢). ٢ - النفاق المخرج من الملة: وهو النفاق الاعتقادي (٣) الذي هو إبطان الكفر وإظهار

стр. 97

الإيمان قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ٥٢ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٢ - ٥٣]. * * * *

стр. 98

ثانيا: محبطٌ لعمل بعينه أو محبط لثوابه الإخلال بالعبادة والإتيان بها على الوجه المنهي عنه يقدح في قبولها، وكذا مقارفة المنهي عنه يخل أو يفسد العبادة المصاحبة له كالرياء وشرب الخمر، وفي ذلك فصّل ابن تيمية ﵀ فقال: " وعندنا لا يُعتد بعبادة يعتريها [أو يعترى] شرائطها نهي الشرع ثم قال: على أن الردّ (١) يكون بمعنى الإبطال وحكي عن قوم أنهم يقولون الردّ ضد القبول والعمل على الوجه المنهي عنه لا ثواب فيه لكنه صحيح بمعنى أنه يُسقط الفرض ولا ثواب إن كان عبادة" (٢). وقال السندي (٣): "الْقبُول أخص من الإجزاء فَإِنْ الْقبُول هُوَ أَنْ يكون الْعَمَل سَببا لحُصُول الْأجر وَالرِّضَا والقرب من الْمولى و الإجزاء كَونه سَبباً لسُقُوط التَّكْلِيف عَنْ الذِّمَّة فَصَلَاة العَبْد الْآبِق صَحِيحَة مجزئة لسُقُوط التَّكْلِيف عَنهُ بهَا لَكِن لَا أجر لَهُ عَلَيْهَا" (٤). ومن الأعمال المبطلة لقبول العمل أو ثوابه:

стр. 99

١ - المن والأذى: والمنان هو الذي يدلي بإحسانه، ويعتدّ بإنعامه، ويتعالى على المحسن إليه بإنفاقه قيل: المنة تهدم الصنيعة، فهو في حق العبد مذمّة وفي حقّ الله تعالى صفة كمال فالله تعالى هو خالق العبد والمنعم عليه ابتداء (١). أما (الأذى) فهو ما تسمعه من المكروه بعد الصدقة (٢) أن يذكر ما تصدق به عند غيره فيتأذى به أو يعيره به أو يقع بينهما خصومة في ذلك، وربما رماه بالجحود وعدم الاعتراف بالفضل. فالمن والأذى يحبط ثواب الزكاة والصدقة والمعروف الذي حدث فيه المنّ والأذى أياً كان ماديًا أو معنوياً كالكلمة الطيبة، وحسن المعاملة، والصدقة وغير ذلك، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. قال ابن عثيمين ﵀ في الصدقة: " لقبول الصدقة شروط سابقة، ومبطلات لاحقة؛ أما الشروط السابقة فالإخلاص لله والمتابعة؛ وأما المبطلات اللاحقة فالمن والأذى" (٣). وكذلك الزكاة يحبط ثوابها مع إجزائها وبراءة الذمة بها. وقد جاء في السنة التحذير من المنّ، ومذمّة فاعله والتشنيع عليه قال ﷺ : (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارًا، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟

стр. 100

قَالَ: (الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ) (١) وقال ﷺ : (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ، وَلَا عَاقٌّ، وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ) (٢). وهذا الوعيد ينطبق على من كان المنّ ديدنَه وصفةً له لأن الحديث ورد بصفة المنان ومن المعلوم لغة أنه لا يوصف بذلك إلا من اتخذ ذلك عادة أو أكثر منه، وبذلك يندرج تحت مؤخرات القبول (٣) وكذلك الحال في شرب الخمر والعقوق، وغيره من الكبائر أو مات على الفعل على غير توبة ولو لم يكثر (٤). ٢ - شرب الخمر: نهى الله تعالى عن أم الخبائث، فلوثتها، ورجسها لا يتفقان مع طهارة المؤمن المقبل على الله فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] وشارب الخمر لا تُقبل صلاته أربعين يوماً قال ﷺ : (مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَسَكِرَ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ

стр. 101

عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ، فَشَرِبَ، فَسَكِرَ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ، فَإِنْ تَابَ، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ، فَشَرِبَ، فَسَكِرَ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ، أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ رَدَغَةِ الْخَبَالِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا رَدَغَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: (عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ) (١). ونفي القبول هو الحرمان من ثواب الصلاة مع إجزائها و تحديد العدد بأربعين للشرب في كل مرة فإن تاب تاب الله عليه (٢)، فإن كان مدمناً للخمر، أو مات على هذه الكبيرة فلم يتب منها تأخر قبول حسناته حتى يستوفي عذابه يوم القيامة أو يعفو الله عنه فمذهب أهل السنَّة كما سبق ذكره أن الحسنات لا تحبط كلياً إلا بالكفرِ (٣). ٣ - الرياء: يحبط العمل المرائَى به ويُبطله فلا يجد ثوابه، أو يحبط القدر الذي فسد بالرياء منه، وقد حذر الله تعالى بالويل والوعيد للمرائين فقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ٤ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ٥ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ٦ وَيَمْنَعُونَ

стр. 102

الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٧] وقال الرسول ﷺ فيما يرويه عن ربه: (قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) (١). إذا كان باعث الخير غالباً على قصد الرياء حبط من العمل القدر الذي يساويه وبقيت زيادته، وإن كان باعث الخير مغلوباً أسقط بسببه شيء من عقوبة القصد الفاسد (٢). ٤ - إتيان الكهنة والسحرة ومن شابههم: يحرم إتيان الكهنة والسحرة وتصديقهم بل هي من الكبائر قال تعالى في السحر ومن يتعامل به ويختاره: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ١٠٢﴾ [البقرة: ١٠٢] وقال النبي ﷺ : (مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقبل له صَلاة أربعين ليلة) (٣) وقال: (من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدَّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أُنْزِلَ على محمدٍ) (٤). فقوله: (لَمْ تُقبل له صَلاة أربعين ليلة) بيّن أهل الفقه أن الصلاة تجزؤه ما دامت صحيحة، أي

стр. 103

تُسقط المساءلة عنها، ولكن لا ثواب فيها (١)، وأي خسارة أكبر من أن يمكث العبد أربعين يوماً لا يجني ثواباً من صلواته كلها فرضاً كانت أو نافلة، فسيئات أعماله اليومية تضاف إليه ولا مورد للثواب يُذكر، مما يعرّض حسناته للنقص وسيئاته للزيادة المسببة لاختلال ميزانه يوم الدين. وعلى الحديث الثاني فإنّ قوله ﷺ : (فقد كفر بما أُنْزِلَ على محمدٍ) كفرٌ لا يخرجه من الملّة، ولكن يعرّضه للعذاب الأخروي وتأخير القبول وهو لعمر الله هولٌ وأي هول (٢). ٥ - المرأة إذا تطيبت للخروج فوجد الرجال ريحها: قال تعالى آمراً النساء بالتقوى: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب: ٥٥] وهو أمر مطلقٌ في جميع الأحوال (٣)، وخروج المرأة متطيبة، بعيد كل البعد عن تقواه، فهو مثارٌ لفتنة الرجال، وتحريكٌ لكامن الشهوات، وسببٌ للفت النظر إليها وحملهم على شمّ طيبها وهي أجنبية عنهم، وكعادة الشرع الحنيف في استئصال دابر الفتنة، والحفاظ على أخلاق المجتمع وطهارة أفراده، فقد حرّمه وغلّظ تحريمه، قال الرسول ﷺ : (أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَطَيَّبَتْ، ثُمَّ خَرَجَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ، لَمْ تُقْبَلْ لَهَا صَلَاةٌ

стр. 104

حَتَّى تَغْتَسِلَ) (١) وقال: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ، ثُمَّ مَرَّتْ عَلَى الْقَوْمِ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ) (٢). وذكر الهروي (٣) أن صلاتها لا تُقبل قبولاً كاملاً. وذكر صاحب التيسير أنها لا تثاب على الصلاة ولكن تجزؤها (٤) وقال ابن حجر: "وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ صَحَّ عَلَى إيجَابِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا وَنَفْيِ قَبُولِ صَلَاتِهَا إنْ صَلَّتْ قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ خُصُوصَ الْغُسْلِ بَلْ إذْهَابُ رَائِحَتِهَا" (٥).

стр. 105

وقال القاري (١): بل حُكم عليها بالغسل كما يحكم على الجنابة زجراً لئلا تعود للفعل (٢). و يجدر بنا الوقوف عند هذا الأمر هنيهة .. فكثير من النساء يحقِرن هذا الفعل، فقد لا تجد إحداهن غضاضة من مسحة طيبٍ تمسح بها جسدها أو ثوبها وهي خارجة لبعض شأنها، بل يحدث هذا في أوساط من نرى فيهن التزام شرائع الدين، فترى حجابها كاملاً ولكن رائحة العود وأنواع الطيب تفوح عند الاقتراب منها، فينبغي الحذر كل الحذر، فضياع صلاة واحدة أو الحرمان من ثوابها، خسارة لا غُنية عنها بسواها، وربما يحصل العذاب بسببها. ٦ - عدم الطمأنينة في الصلاة وعدم إقامة الصلب في الركوع والسجود: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. وفي عدم إقامة الصلب في الصلاة قال ﷺ : (يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ

стр. 106

وَالسُّجُودِ) (١). قال ابن تيمية في معنى: (لا صلاة) أي: نفي الكمال الواجب الذي يُذم تاركه ويتعرض للعقوبة بسببه، وليس الكمال المستحب (٢). وكذا نقص إتمام الركوع والسجود يفسد الصلاة قال ﵊: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي سِتِّينَ سَنَةً مَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ، لَعَلَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَلَا يُتِمُّ السُّجُودَ، وَيُتِمُّ السُّجُودَ وَلَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ) (٣). وإذا خلت الصلاة من الطمأنينة فإنها لا تجزئ ولا تُقبل على قول الجمهور (٤). قال النووي ﵀: "وَتَجِبُ الطُّمَأْنِينَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالِاعْتِدَالِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالْجُلُوسِ بين السجدتين وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد " (٥). "فالاعتدال والطمأنينة ركنان في كل ركعة إجماعًا … وقال لمن تركها (صَلّ فإنَّك لمْ تُصلِّ) (٦) فنفَى إجزاء

стр. 107

الصلاة بدون الطمأنينة ونفَى مسماها الشرعي بدونها وأمر بالإتيان بها وهذا شرع محكّم صحيح" (١). ٧ - نشوز المرأة وعصيانها لزوجها وامتناعها عنه بغير حق: قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ا﴾ [النساء: ٣٤] فللزوج حق الطاعة وينبغي للمرأة أن تتحرى رضا زوجها، وتتجنب سخطه عليها، وذلك لعظيم حقّه، فكثير من النساء تراها غادية في غضب الله وسخطه لا تبالي، قال النبي ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا، فَتَأْبَى عَلَيْهِ، إِلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا) (٢). قال العلماء: المعصية واقعة بغضب الزوج فإن لم يغضب فلا حرج عليها، فلَا تُقْبَلُ صَلَاتُهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا، وقيل لا يرفع ثوابها ولكن تجزؤها، وتبرأ بها ذمتها فقبولها قبول إجزاء لا قبول ثواب (٣). وقال ﷺ : (اثنانِ لا تجاوز صلاتُهما رؤوسَهما: عبدٌ آبِقٌ من موالِيه، حتى يرجعَ، وامرأةٌ عصتْ زوجَها، حتى ترجِعَ) (٤).

стр. 108

٨ - العبد الآبق حتى يرجع: وذلك للحديث السابق: (اثنانِ لا تجاوز صلاتُهما رؤوسَهما … ) (١). محبط لثواب أيام أبقه وعصيانه حتى يعود إن كان بغير عذر (٢). ٩ - صوم المرأة في غير رمضان إلا بإذن زوجها: محبط لثواب صيام اليوم الذي لم يأذن فيه، قال جمهور العلماء: لا يقبل صومها إن صامت بغير إذن زوجها في نافلة وكان زوجها يريدها وتأثم بذلك لما فيه من إضرار بالزوج وتفويت لحقه، أما فرضها فيجزئ ويفوتها الثواب فيه لأنه قضاء فرض موسّع فيه، وقائم على التراخي وليس في شهر رمضان (٣). قال النبي ﷺ : (لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (٤). فالنهي في الحديث للتحريم وليس للكراهة كما ذكر البعض فقد ورد في رواية بالنهي: (لَا تَصُومُ المَرْأَةُ وَبَعْلُهَا

стр. 109

شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (١). وفي رواية بنون التوكيد (لَا تَصُومَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا) (٢). فَأَمَّا إذَا كَانَ الزَّوْجُ مَرِيضاً أَوْ صَائِماً أَوْ مُحْرِماً لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُ الزَّوْجَةِ، وَلَهَا أَنْ تَصُومَ كما شاءت، وَإِنْ نَهَاهَا، وصيامها صحيح ومثابة عليه بإذن الله (٣). ١٠ - الاغترار بالعمل: قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]. ومن معاني الآية السابقة: أي تمنن عملك على ربك تستكثره (٤) ولا ريب أن في استكثار العبادة اغترار بها وهو من أكبر الحُجُب بين الله وبين عبده إذ له علاقة وطيدة بالكبر والعُجب الذي يمقته الله ويمقت صاحبه. والاغترار هو الانخداع بالعمل، ودخول العجب على النفس والإدلال به واستعظامه. وينشأ عند رؤية العمل ودوام النظر إليه ومقارنته بعمل المقصرين من حوله، مما

стр. 110

يجعله يكبُر في عينه ويُدِل به، ويحسب أنه لا شك في ثوابه وعظيم أجره. قال ابن القيم: "رِضَاءُ الْعَبْدِ بِطَاعَتِهِ دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ، وَجَهْلِهِ بِحُقُوقِ الْعُبُودِيَّةِ " (١) ولاشك أن هذا الأمر من أخطر الأمور وما خرج من خرج عن الدين من العباد والنسّاك إلا برؤية العمل والافتتان به، فَذَنْبٌ تَذِلُّ به، أَحَبُّ إِلى الله من طَاعَةٍ تُدِلُّ بِهَا، فرب طاعةٍ أورثت عُجباً واستكباراً فأدخلت صاحبها النار (٢)، لأنه اغتر بها وركن إليها، وربما قطع على الله أنه سيدخله الجنة بسببها. ومن المعلوم أن الطاعات كلها لا تساوي نعمة واحدة من نعم الله ، بل هي من جُملة النعم فلا يغتر العبد بحسن عمله؛ فإن الله تعالى الذي مكّنه منها وسخر لها جوارحه وأصحّ له بدنه وهيأ له جميع السبل لأدائها، فلا فضل له في هذه الطاعة قط، ولذلك فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة: الرجاء لأهل الطاعة أن يُدخلهم الله الجنة، وحُسن الظن بالله تعالى أن يَلقى أهل طاعته بقبول حسن، فينبغي للمرء أن يحمد الله على التوفيق للطاعة ولا يستكثرها. وألا ينظر لأهل المعاصي بنظرة علوٍ أو تفضيل فرب معصيةٍ أدخلت صاحبَها الجنة وذلك لانكساره وذُله وندمه وتوبته بعد فعلها، أما إن مات ولم يتب منها فهو تحت المشيئة (٣).
следующие страницы →