فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ (١) النفقة التي كان ينفق عَلَيْهِ وَقَالَ: لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا) (٢).
هذا الموقف يكشف عن نفس شفافة، سرعان ما تنفضُ عنها سموم الأوزار فلا تحمل الحقد والضغينة لأحد، ما أروع القلوب إذا نُزعت منها حوائب الصدر، وبرئت من سخائم البغضاء، هكذا هو قلب هذا الرجل الكريم، وتعامله بمن تكلّم على ابنته ونقل تلك الفرية الآدّة، فخاض مع من خاضوا في حديث الإفك. ولكنّ طلاّب الكمال، وأهل المروءة دائماً ما يتحصّنون بمثُلهم العُليا، فإذا كان الأمر يؤول إلى نيل محبة الله ورسوله ﷺ جعلوا عوالق الدنيا وكوابدها كالعصف المأكول تحت الأقدام. فيعود أبو بكر بنفس راضية إلى وصل مسطح رغبة فيما عند الله و قهراً للنفس، وترغيماً للشيطان.
ولعلي هنا أوجز بعض الجوانب التي تبين أبعاد القبول و مظاهره في شخصية الصديق رضي
стр. 177
الله عنه وأرضاه وهي:
١ - التصديق بالرسول والثقة التّامة بكل ما جاء به.
٢ - كونه السابق إلى ذلك وفي وقت كان الرسول ﷺ أحوج ما يكون فيه إلى الوقوف والمؤازرة.
٣ - دعم الدعوة والرسول ﷺ بكل طاقاته المالية والبدنية حيث أوقف نفسه وما يملك لهذا الدين ولمن جاء به (١).
٤ - الحب العظيم الذي يكنه لله ورسوله ﷺ يتجلى في تحمله معه مشاق الهجرة إلى المدينة وصحبته له في الغار.
٥ - طهارة القلب من الأحقاد والضغائن للمسلمين كما دلّ على ذلك موقفه مع مسطح.
* * * *
стр. 178
ثانياً - الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ -:
لم يثبت في ورود ما يخص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بالذكر في القرآن ولكن موافقة الله له في بعض ما أنزِله من القرآن يدعونا للنظر في سيرة هذا الرجل الفذّ، قَالَ ﵁ وأرضاه: "وَافَقْتُ اللَّهَ فِي ثَلَاثٍ، أَوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلَاثٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ وَالفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجَابِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجَابِ، قَالَ: وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضَ نِسَائِهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ، قُلْتُ: إِنِ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ خَيْرًا مِنْكُنَّ، حَتَّى أَتَيْتُ إِحْدَى نِسَائِهِ، قَالَتْ: يَا عُمَرُ، أَمَا فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ، حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ … الآيَةَ" (١). فلم يوافقه ربّه إلا لأنه مُسدّد منه، وملهِمٌ له، ذو بصيرة ثاقبة، وقلب تغلغل في شغافه الإيمان، فقد كان أول من جهر بالإسلام، فكان صادق النية صافيَ الطوية. فالآية الأولى تبُرز حُبّه للعبادة والصلاة بخاصة، والآية الثانية تبين غَيرته على نساء النبي ﷺ وابتداره للشرّ
стр. 179
قبل وقوعه، والثالثة تكشف عن مقدار حبه وما يكنه لرسول الله الذي آلمه ما يحدث له في بعض بيوته فهرع للإصلاح. فلعمر الله كلّ صفة من هذه الصفات تقارع أُختها، فكلها محبوبة من الله مُقّرب صاحبها (١).
وعمر بن الخطاب هو الذي قَالَ فيه رَسول اللَّهِ ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ) (٢).
رجلٌ قوي، عظيم النخوة والغيرة على الدين قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود ﵁: (مَازِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ) (٣) والله تعالى يحب الرجل القوي الإيمان وعمر هو ذلك الرجل، ذو عزيمة في أمر الآخرة، أكثر إقداماً على الجهاد وأسرع خروجاً في طلبه، وأشد إصراراً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأكثر صلابةً وصبراً في ذات الله، وأرغب وأنشط في الصلاة والصوم وسائر العبادات، وفي ذلك قال الرسول ﷺ : (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ) (٤).
стр. 180
وقال فيه النَّبِيَّ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ) (١).
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا نَزَلَ بِالنَّاسِ أَمْرٌ قَطُّ، فَقَالُوا فِيهِ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَّا نَزَلَ القرآن على نحو مما قال عمر (٢).
ثم هو طراز فذّ تفهم سرّه فإذا هو على وفاق مع جهره، لا تناقض في خلائقه، من صفاته الشهيرة العدل حيث سوّى بينه وبين سائر الرعية، حتى سمي بالفاروق، والغيرة والفطنة حتى بلغ مبلغ البطولة النادرة (٣). ومما يدل على صفاء سريرته شهادة الصحابة له، فلما مرض أبو بكر الصديق دعا عبد الرحمن بن عوف ﵁ فسأله عن عمر فَقَال عبد الرحمن: هُوَ وَاللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ رَأْيِكَ فِيهِ، ثُمَّ سأل عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: اللَّهمّ عِلْمِي بِهِ أَنَّ سَرِيرَتَهُ خَيْرٌ مِنْ عَلانِيَتِهِ، وَأَنْ لَيْسَ فِينَا مِثْلُهُ! (٤).
стр. 181
مما سبق يظهر أبرز ما يميز عمر ﵁ من سمات القبول التي هي:
١ - القوة في الدين.
٢ - العدل وعدم المحاباة حتى سمي بالفاروق.
٣ - النخوة والغيرة على العرض والدين.
٤ - البطولة والشجاعة في الحق.
٥ - الوضوح فسريرته تكاد تفصح عن نفسها، وما هلك من هلك إلا بما تُكِنُّه الضمائر من خبث النوايا، وسوء الخبايا، وسواد الباطن، وما تواريه النفوس من صدأ المعادن. ولعل من ينظر إلى كل خُلّة من خلال عمر الجليلة (القوة في الدين، العدل، النخوة، صفاء السريرة) يقول لعل هذه التي بلغت به فرضي الله عنه وأرضاه.
* * * *
стр. 182
ثانيا: سمات المقبولين
القبول درجات متفاوتة وأهله يتفاتون في الفضل كما بين السماء والأرض.
فالقبول قبولان قبول عام لأمة الإجابة، وقبول خاص لمن اجتباهم الله واختارهم إليه وأسبغ عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبداً، وهو الذي نبحث في سماته ونتلمس نبعه تلمس الظمآن للماء.
إن العبد المؤمن إذا بلغ من الإيمان مبلغاً سامياً، وتطلعت نفسه إلى عليائه، وارتقى في مراتب الإحسان، تقبله الله واصطفاه وخصّه بمزيد من القبول، وقرّبه وأدناه ورفعه إلى منازل خاصّة المقبولين عنده.
وللمقبولين سمات وأوصاف نتلمسها من خلال استقراء آيات القرآن الكريم فيمن أثنى عليهم الله تعالى ورضي عنهم ويظهر من ذلك أن هناك سمات كلية جامعة وصفات تفصيلية فردية.
* * * *
стр. 183
أولا: سمات كلية جامعة
١ - طاعة الله ورسوله ﷺ -: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] فمن أرفع العباد منزلة، وأوجبهم لمحبة الله واصطفائه وقبوله أكثرهم طاعة له ولرسوله، وإنها لكبيرة إلا على الصادقين في جهاد أنفسهم وأهوائهم، فما أكثر من يدّعون الطاعة لله ورسوله ﷺ وهم بعيدون عنها. فإذا وفّق الله العبد لطاعته كان ذلك من أعظم نعم الله عليه، وأجلّ أفضاله على عبده. وقد عدّهم الله من أصفيائه الذين اختارهم وأنعم عليهم ولذلك قال: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وكأنه لم ينعم سبحانه إلا على هؤلاء وذلك لأن جميع نعم الدنيا لا مجال لمقارنتها بهذه النعمة فهي النعمة الحقيقية، وهي النعمة التامة المطلقة والنعمة الباقية (١).
فهي النعمة الحقيقية: لأنها موصلة إلى رضوان الله والهداية لسلوك صراطه المستقيم قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ٦ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ٧﴾ [الفاتحة].
стр. 184
وهي النعمة التامة المطلقة: لأن فيها صلاح الدنيا والآخرة ومن عمل بها كان مع الذين قربهم الله من أوليائه وهم مراتب السعداء الأربعة في الآية السابقة: (النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) (١).
وهي النعمة الباقية: لأنها ممتدة الأثر، باقية الثمر حتى تصل بصاحبها إلى الجنة حيث الخلد والمستقر.
ولما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أتبعها بقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ دلالة على أن الإنعام بطاعة الله ورسوله ﷺ ولزوم هدْيِه هو الخير الذي ينبغي طلبه، والأمر الذي يجب نُشدانهُ والتعلق به، فمن تفضّل الله به عليه فهو الفضل الذي لا عِدل له، والنعمة التي لا تعدلها نعمة على الإطلاق قال :
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
٢ - الخلوص من الشرك قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. أي لا يحصل الأمن من سخط الله وعقابه ومن فزع يوم القيامة ولا يكون الاهتداء إلى الصراط المستقيم إلا لمن لم يلبس إيمانه بظلم.
стр. 185
ومعنى اللبس في ﴿يَلْبِسُوا﴾ هو الخلط و الممازجة (١) والظلم المقصود هو الشرك مع الله وهو الشرك الاعتقادي، لا ظلم النفس بالمعاصي (٢) قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وهذه بلا شك أهم سمات المقبولين، وهؤلاء هم أهل الاصطفاء والقبول العام وهم الطوائف الثلاثة الذين قال الله تعالى فيهم (٣): ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ
الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢].
فالخلوص من الشرك قيامٌ بحق الله تعالى وتوحيدٌ له الذي لا يقبل الله معه العمل ولا العبد كائناً ما كان. ويدخل في هذا الشرك اليوم التوجه إلى غير الله في طلب كشف الكربات وقضاء الحاجات، وتعليق التمائم وغير ذلك، لأنه توجهٌ بالعبادة إلى غير المعبود الحقّ مما يعدّ سالباً للأمن، المقصود في الآية رافعاً للهداية (٤).
كما يدخل في الشرك بالله بعض البدع التي تصاحب الاحتفال بمولد الرسول ﷺ وما يكون فيه
стр. 186
من شركيات وغلوّ في مدحه والاستغاثة به فمن البدع ما يدخل في الاعتقاد ويقدح في التوحيد.
ولا بد من ذكر الشركيات الحديثة التي روج لها العلم الحديث، ومن العلوم الطبية المزعومة (علم الطاقة) والذي يعدّ تطويراً وتطبيقاً بأسلوب حديث وثوب جديد للتنجيم، ويتلخص في الاعتقاد بوجود طاقة كونية إلهية ثنائية القوى تحيط بالكون، وتؤثر في الأشياء وتعد معرفتها وطرق اجتلابها طريق سعادة المرء ونجاحه في كل مناحي الحياة. وهذه الطاقة تتركز بزعمهم في الأشياء من حولنا كالأحجار الكريمة والألوان المختلفة، والأشكال الهندسية وغير ذلك فيدعون الاستشفاء بها (١).
٣ - الحرص والثبات على الدين الحق:
ولا يخفى على الناظر إلى العالم اليوم ما انتشر في مختلف الأوساط وعلى قنوات التواصل المجتمعي والإعلامي كالشبكات والفضائيات وغيرها من مظاهر البعد عن الدين، ومحاولة لطمس معالم الشريعة، واستعراض النظّار والفلاسفة ومن لا دين لهم ما ران على قلوبهم من جهالة وضلال، وانتشار الإلحاد والعلمانية والعقلانية وغيرها من المسميات الحديثة، لهي فتنٌ محيقةٌ بالمسلم، مركّبةٌ من أمشاج مختلفة، من علوم وفلسفات، تلبّس على المسلمين أمور دينهم
стр. 187
تحت مسميات العلم والتجديد ولغة العصر والثقافة والوعي الكاذب، وهي فتن هوجاء تعصف بالشباب، وتقوّض بيوتاً قامت على الجهل وقلة في الدين وغفلة عن يوم الحساب. فيجدر بالمسلم أن ينشد العلم والفقه وأن ينهل من الماء الرقراق من جداوله الصافية، والتمسك بعقيدة أهل السنة والجماعة، وأن يسوق عقله إلى مواطن الحكمة ويبعُد به عن سفسطات ما ينشُره الملبّسون وشِقشقات ألسنتهم. حفظاً لدينه وتحرزاً لصفاء عقيدته، قال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٧٠]. قال ابن القيم في نونيته:
والله ما خوفي الذنوب فإنها … لعلى طريق العفو والغفران
لكنما أخشى انسلاخ القلب من … تحكيم هذا الوحي والقرآن
ورضا بآراء الرجال وخرصها … لا كان ذاك بمنة الرحمن (١)
فالدين هو الحصن المنيع الذي يدّرئُ المسلم به، و ينشُد به القبول عند ربه، وحتى لا يكون الحديث في فضاء العموم ومساحة الإجمال فيحسن التعريج في الهامش على بعض هذه المصطلحات والمفاهيم الحديثة البعيدة كل البعد عن الدين وعن القبول ومنها على سبيل المثال
стр. 188
العَلمانية والعقلانية والوجودية (١).
وهناك العديد من المذاهب المعاصرة والحركات والدعوات وغيرها تصرح بالإلحاد والردة والحرية الفردية نشطت في العالم العربي تحت مسمى النهضة وحرية الفكر والدعوة إلى المنطق وغير ذلك من المسميات المضللة، والمصطلحات البرّاقة التي تميل إليها العقول الخاوية، والنفوس
стр. 189
الساهية الجافية، نسأل الله السلامة والعافية.
* * * *
وإجمالاً لما سبق، فهذه ثلاث سمات عامة كلية يتفاوت الناس في مراتبها، فبالنظر إلى طاعة الله ورسوله ﷺ نجد أن الناس يتفاوتون في تحقيقها، وكلما ارتقى العبد في تحقيق الطاعة لله ورسوله ارتقى عند الله في معارج القبول، فالطائعون بعامة لهم سمتان رئيستان تندرج فيهما كل السمات فهم يتصفون بالإيمان الحقيقي وكذلك الإحسان، أما صفة الإسلام وحدها فلا يُسمى العبد بها طائعاً كما سيأتي التفصيل في آية الأعراب (١) بدليل قوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤]. فالإيمان والإحسان سمات كليّة يتصف بها العبد من حيث إنها تستغرق جميع أنواع العبادات والمعاملات والأخلاق وهي الباعث لجميع السمات الحسنة، ولكن ليس بالضرورة أن يكون عموم الناس محسنين بل فيهم مؤمن غير محسن فالإحسان أخصّ من حيث العمل به وتطبيقه فالمحسنون فئة منّ الله عليها بهذه الخصيصة.
وكذا نجد أن الخلوص من الشرك، والحرص والثبات على الدين تنشأ عن تطبيقهما سمة أخرى
стр. 190
كلية وهي سمة التقوى (١) ويتفاوت الناس في تحقيقها كذلك ويترقّون في معارجها.
وكما قيل في الإحسان من حيث الخصوص والعموم يُقال في التقوى ولذلك ذكرتهما في القبول الخاص لأفراد وفئات في منازل المقبولين، فالتقوى كالإحسان من حيث أنها تستغرق جميع أنواع العبادات والمعاملات والأخلاق، فالتقوى أخص من الإيمان من حيث العمل بها وتطبيقها، فقد يتقي العبد ربه في أمور ويفرط في أخرى، لكن لا يكون مؤمناً بأمور من الدين كافراً بأخرى.
والذي يظهر أن الفرق بين الإحسان والتقوى وكلاهما عام مستغرق جميع مناحي الدين والحياة ولكن التقوى هي الإتيان بالعمل على وجه الإجزاء على الغالب، اتقاء للمساءلة ودفعاً للعقاب، أما الإحسان فهو ما كان الإتيان به على وجه الكمال والتمام حباً للوصول إلى أعلى المراتب.
* * * *
стр. 191
ثانياً: سمات فردية
جاءت نصوص القرآن الكريم مُجلّيةً لكثير من سمات أهل الإيمان، كما امتدحت فئاتٍ منهم وأثنت عليهم بصفات جليلة، وقد بين الله تعالى في القرآن الكريم حُبّه للمتصفين بها ويمكن الرجوع إليها في مطلب القبول الخاص لأفراد وفئات منعاً للتكرار (١)، والفرق بين القبول الخاص والسمات الفردية أن الأولى فئات ذكرت في القرآن بمسميات خاصة (المتقين، المحسنين .. ) أما السمات الفردية فقد ذكرت في القرآن الكريم كأفعال خاصة تميّز بها بعض أهل الإيمان وهي:
أ- الصبر على المكاره: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ
وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٢] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ١٥٦ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ
هُمُ الْمُهْتَدُونَ ١٥٧﴾ [البقرة: ١٥٦ - ١٥٧] أوجب الله تعالى على نفسه الصلوات وأنزل
الرحمات على كل مؤمن صابر، وبشره بالهداية، لأن الاستسلام لقضاء الله يهدي القلب، ويملأه يقيناً ويوجب الرضا عن الله فيرضى عنه ويدخله في زمرة عباده المقبولين. قَالَ ابن عباس رضي
стр. 192
الله عنه: "أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا سَلَّمَ لِأَمْرِ اللَّهِ وَرَجَّعَ وَاسْتَرْجَعَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلَاثَ خِصَالٍ مِنَ الْخَيْرِ: الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ، وَالرَّحْمَةُ، وَتَحْقِيقُ سَبِيلِ الْهُدَى" (١).
والصبر يوجب العمل والمجاهدة ولا يقتصر على الشدائد والمصائب والأقدار فالصبر يكون كذلك على الثبات على الطاعة أمام الملهيات، والصبر عن المعصية أمام المغريات.
كما أن من الصبر درء السيئة بالحسنة والدرء هو الدفع وذلك يستلزم درء صاحب السيئة عن سيئته بحسن الخلق، ودرء النفس عن اتباع الهوى في حب الانتقام والانتصار لها ومراعاة حظوظها بتغليب محاب الله عليها قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤]
ويخبر القرآن الكريم وكذلك السنة المطهرة عن كثير من الناس ابتلي بالنعماء فلم يصبر كقارون الذي جحد المنعم، وقصة الثلاثة نفر المشهورة في السنة حيث افتتن الأقرع والأبرص وثبت الأعمى (٢)، وبلعام بن باعوراء عالم من علماء بني إسرائيل الذي قال الله تعالى في شأنه:
стр. 193
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥]. وَقد كَانَ هذا الرجلُ مجابُ الدَّعْوَةِ، يَقْدم قومه عِنْدَ الشَّدَائِدِ، فَبَعَثَهُ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسَى ﵇ إِلَى مَلِكِ مَدْيَنَ يَدْعُوهُ إِلَى اللَّهِ، فَأَقْطَعَهُ وَأَعْطَاهُ فَتَبِعَ دِينَهُ وَتَرَكَ دَيْنَ مُوسَى ﵇ (١).
ب - عدم الإصرار على الذنب: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ١٣٥ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٥ - ١٣٦].
والإصرار في اللغة: هو العزم على المضي في الأمر، والتشديد عليه (٢). والعزم على المضي في الأمور المحمودة مطلوب لتحقيقها، ونيل رضا الله من ورائها. أما العزم في الأمور المذمومة
стр. 194
فهو مدعاة لغضب الله واستجلاب لنقمته وانتقامه، لذلك فمن سمات المقبولين عدم العزم على الذنب و عقد النية عليه، فإن حدث الذنب اتفاقاً وكل ابن آدم خطاء فإنهم لا يصرون عليه، ولا يعقدون العزم على الاستمرار فيه، لأن الإصرار طاعة للهوى، ومبارزة للخالق بالمعصية وهذا مما يقدح في الإخلاص ويدخل في إشراك عبادة الهوى مع الله. لذا فإن هؤلاء قد جردوا أنفسهم من طاعة الهوى، وجعلوا محبتهم لربهم حاجزاً عن الانقياد وراء النفس والهوى والشيطان (١).
ج -: الإشفاق والخوف من الله:
قال الباري عزوجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ٢ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ٣ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
نهج القرآن الكريم على بيان سمات المقبولين في أسلوب بارع مشوّق فهو ينتقل من أسلوب الأمر إلى الإنشاء إلى الأسلوب التصويري التخيلي الداعي إلى التفكّر ومن ثم الاتباع والاقتداء.
ومن معالم الشخصية المؤمنة التي حظيت بالقبول عند خالقها هي الشخصية المتصفة بوجل القلب ورقته عند سماع ما يدعو لذلك. فالقلب الوجِل تُثار أشواقه وتتفطر تُربته عند استشعار
стр. 195
عظمة خالقه، أو عند تخيّل المآل إما عن الجنة شوقاً ورجاء وإما عن النار خوفاً ووجلاً.
هذه الشخصية يجتمع فيها الحب لخالقها وتعظيمه واللجأ إليه، والخوف منه والفرار إليه، تقدم الطاعة والعمل مصحوباً بالإشفاق والخوف. والإشفاق هو أن يكون العمل مقروناً بالحذر. وبالنظر في آيات الإشفاق تظهر أسبابه ومنها:
١ - الإشفاق و رهبة الموقف بين يدي الخالق العظيم مع قلة الزاد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧].
الإشفاق من أهوال يوم الحساب وشدّته قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٩].
الإشفاق والخوف من مكر الله الذي بيده متقَلّب القلوب والأبصار أن يكلهم إلى أنفسهم فتنقلب حالهم من الثبات على الطاعة إلى الانجراف وراء الفتن والمغريات مما يعرضهم لسخط الله عاجلاً، وعقابه آجلاً وفي ذلك قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المعارج: ٢٧] وزاد ابن القيم ﵀ في منزلة الإشفاق ما مفهومه:
٢ - إشفاق على الخلق لمعرفة معاذيرهم و ما هم صائرون إليه من مخالفة الأوامر والمناهي وملاحظة جريان القدر عليهم.
стр. 196
٣ - إشفاق على الوقت أن يشوبه تشتت أو صارف يصرفه عن الخالق من شهوة أو شبهة.
٤ - إشفاق على اليقين المتمكن في القلب أن تخالطه الأسباب فيركن إليها ويتعلّق بها ونسيان المسبب.
إشفاق يصون عمله من الضياع أن يشوبه شرك أو معاصٍ محبطة، ويصون سعيه عن العجب ورؤية العمل مما يفسده ويُدخل عليه الرياء وابتغاء الثناء والرفعة في الدنيا. (١).
د -: الرحمة وإسداء المنفعة للخلق:
الله تعالى هو الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء، يحب من عباده الرُّحماء ويدخلهم في رحمته التي هي أوسع أبواب القبول قال النبي ﷺ : (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ … ) (٢)
فإذا كان الراحم من عصاة المؤمنين أو من الغافلين قليل العمل، كثير الزلل، فإن تلك الرحمة قد تكون سبباً في قبول الله لعمله، ومحو كبير زلله، وتجاوزه عن تقصيره، ويغمره برحمته وغفرانه وإن بلغت ذنوبه عنان السماء، فالله تعالى هو الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء، وهو الأحق من عبده برحمة عباده، وفي هذا قال الرسول ﷺ :
(بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ
стр. 197
بِئْرًا، فَنَزَلَ فِيهَا، فَشَرِبَ، ثم خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بلغني، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ ماء، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ ذِات كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ) (١).
يُلاحظ أن الحديث الشريف لم يعرّج على طبيعة عمل الرجل الذي سقى الكلب بل غض الطرف عنه مما يعني أن الله غفر له على ما كان من عمل مادام على الإيمان بالله.
قال صاحب عمدة القاري " فَشكر الله لَهُ حَتَّى أدخلهُ الْجنَّة. قَوْله: فَشكر الله لَهُ، أَي: أثنى عَلَيْهِ أَوْ قبل عمله، فغفر لَهُ، فالفاء فِيهِ للسَّبَبِيَّة، أَي: بِسَبَب قبُول عمله غفر لَهُ … وَيجوز أَنْ تكون الْفَاء تفسيرية، تَفْسِير قَوْله: فَشكر الله لَهُ لِأَن غفرانه لَهُ هُوَ نفس الشُّكْر " (٢).
ويؤيد ذلك حديث البَغِيّ التي سقت الكلب قال ﵊: (أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ، قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا) (٣).
стр. 198
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ شَجَرَةٌ فِي طَرِيقِ النَّاسِ تُؤْذِي النَّاسَ، فَأَتَاهَا رَجُلٌ فَعَزَلَهَا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَتَقَلَّبُ فِي ظِلِّهَا فِي الْجَنَّةِ) (١).
ومثله قوله ﵊: (أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ العَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا، وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا، إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهَا الجَنَّةَ) قَالَ حَسَّانُ: فَعَدَدْنَا مَا دُونَ مَنِيحَةِ العَنْزِ، مِنْ رَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَنَحْوِهِ فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً (٢).
من خلال تآزر الأدلة السابقة وغيرها كثير يتأكد أن رحمة الخلق وإسداء النفع إليهم عمل يحبه الله ويتقبله بل إن الله تعالى يثيب عليه العبد الكافر بثواب دنيوي فكيف بالمؤمن قال ﷺ : (إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ
стр. 199
مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ، لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا) (١).
وقد وصف الله المؤمنين بالرحمة فيما بينهم فقال ﷻ : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وأرسل رسوله ﷺ رحمة للناس كافة فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وخلاصة الأمر فإن هذه الصفات السالفة الذكر من أهل الإيمان صفات محبوبة من الله تعالى، قد يقبل الله تعالى العبد لخصلة واحدة منها، وكلما اجتهد العبد في الاتصاف بجميعها كان أدعى للقبول والرفعة في الدرجات.
* * * *
стр. 200
ثالثاً: منازل المقبولين
هناك علاقة وطيدة وترابط وثيق بين سمات المقبولين وحُسن تطبيقهم لمراتب الدين وبين القبول والارتقاء إلى عليين. فسمات المقبولين وحسن أخلاقهم فاعلة ومؤثرة على القول والعمل وبناء على ذلك ترتفع منازلهم عند الله بعد سبوغ فضله ورحمته فقد بين النبي الكريم ﷺ : أن أقربهم منه مجلساً يوم القيامة أحاسنهم أخلاقاً (١)، وبين أن العبد يرتقي بحسن خلقه إلى درجة الصائم القائم (٢).
ومن جهة ثانية فإنّه على حسب الإخلاص وتطبيق شرائع الدين يكون الارتقاء في مراتبه من إسلام فإيمان فإحسان، وبناء على حُسن القيام بها من قبَل العبد وملاءمتها لمقام الرب جلّ وعلا يرفعه بها في منازل القبول، ولذلك قال تعالى في شأن الأعراب: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٤] ومعنى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أَيْ:
стр. 201
لَمْ تُصَدِّقُوا عَنِ اعْتِقَادِ قَلْبٍ وَخُلُوصِ نِيَّةٍ وَطُمَأْنِينَةٍ ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أَيِ: اسْتَسْلَمْنَا خَوْفَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ أَوْ لِلطَّمَعِ فِي الصَّدَقَةِ. لِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ (١).
وهذا يعني أن إسلامهم على تلك الحال لا يقبله الله حيث لم يرقَ بهم إلى درجة القبول المستلزم للإيمان المطلوب الذي هو ما وقر في القلب وصدّقه العمل. ولذلك قال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فإن أَطَاعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ وخلص توجههم لله فإن الله وعدهم بقوله: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ أي آجَرَهُم اللَّه عَلَى العمل ولم ينقصهم ثوابه (٢).
إذن فالسمات هي العوامل المؤثرة في منازل المقبولين وقربهم من الله عزوجل ومنازل القبول عند الله درجات ومراتب كذلك بحسب سماتهم، وفيما يلي التفصيل فيها:
* * * *
стр. 202
أولاً: قبولٌ عام لأمة الإجابة
المراد بالقبول العام هو أدنى درجات القبول التي تتضمن النجاة من الخلود في النار.
وينقسم الناس بالنسبة لقبولهم لدعوة الرسول ﷺ إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أمة الدعوة: دعوة النبي ﷺ كافة للإنس والجن ويدخل في هؤلاء الكفار واليهود والنصارى وغيرهم بعد بعثة الرسول ﷺ إلى قيام الساعة قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] وهؤلاء إن لم يجيبوا الدعوة ويؤمنوا فليس فيهم خير وهم من أهل الخلود في النار (١).
القسم الثاني: أمة الإجابة: وهم الذين آمنوا بالله وشهدوا للنبي ﷺ بالرسالة ودخلوا في دين الإسلام ممن أدرك حياته ﷺ أو جاء بعده (٢)، فهؤلاء جميعهم وإن تفرقت بهم السبل فكانوا ثِنْتَيْن وسَبْعِين فِرْقَة كما في الخبر ودخلوا النار فقد منّ الله عليهم بالقبول العام وهو النجاة من الخلود في النار بعفوه وكرمه إلا من خرج منهم من دائرة الإسلام، أو أبطن الكفر (٣)
стр. 203
القسم الثالث: أمة الاتباع: و هؤلاء هم المؤمنون وهم الفرقة الناجية ومنهم الصالح ومنهم والعاصي (١).
قال تعالى فيهم: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢].
فهم أصناف ثلاثة:
١ - صنف الظالمين لأنفسهم من المؤمنين (٢):
стр. 204
وهم المفرّطون في الفروض والواجبات، المصرّون على الذنوب، وأصحاب الكبائر، فمنهم من يأتي بالمأمورات ويفرط أكبر التفريط في المنهيات أو العكس، ومنهم من لم يلتزموا شرائع الدين كله مع أنهم معترفون به غير منافقين ولا مستكبرين، ولا هم ممن يُعذرون بجهلهم، كمن كان قريب عهد بالإسلام أو نشأ في بيئة بعيدة عنه، لكن اتباع الهوى لبّس عليهم الحق، فهؤلاء إن ماتوا وفي قلوبهم شيء من الإيمان واعتراف بألوهية وربوبية الله عزوجل نجوا من الخلود في النار وذكر ابن تيمية أن من في قلبه مثقال ذرة من إيمانٍ، فهو يُثاب على أعماله وهو مُسلم ومعه إيمان يمنعه من الخلود في النار (١). فقبولهم قبول إجزاء لإيمانهم.
стр. 205
وهؤلاء الظالمون لأنفسهم هم المُرْجَؤُون للمشيئة الإلهية؛ فإما أن يعفو الله عنهم وإما أن يعذبهم على تقصيرهم كما قال: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٦] فهم على خطر من التعرض للعذاب في البرزخ، وإن لم يفِ عذاب البرزخ بتمحيصهم من الذنوب فقد يتعرضون للعذاب في عرصات يوم القيامة حتى يخلُصوا من الذنوب، فإذا خلصوا وطابوا دخلوا في جملة الذين يقال لهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. وإلا محّصوا في النار قبل دخولهم الجنة ثم تُقبل طاعاتهم وحسناتهم التي عملوها.
فقبول هؤلاء ينجيهم من الخلود في جهنم ثم يكون مآلهم بعد التمحيص، إلى الجنة بعد عفو الله تعالى. وهم درجات متفاوتة " أَنَّ عُصَاةَ الْمُوَحِّدِينَ الَّذِينَ تَمَسُّهُمُ النَّارُ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ، مُتَفَاوِتُونَ تَفَاوُتًا بَعِيدًا: مُتَفَاوِتُونَ فِي مِقْدَارِ مَا تَأْخُذُ مِنْهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى حِقْوَيْهِ، ومنهم من تأخذه كُلَّهُ إِلَّا مَوَاضِعَ السُّجُودِ. وَكَذَلِكَ يَتَفَاوَتُونَ فِي مِقْدَارِ لَبْثِهُمْ فِيهَا وَسُرْعَةِ خُرُوجِهِمْ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ الَّذِي بِسَبَبِهِ يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَلَوْلَاهُ لَكَانُوا مَعَ الْكَافِرِينَ خَالِدِينَ مُخَلَّدِينَ أَبَدًا" (١). وقد أشار القرآن إلى الظالم الموحّد في سورة فاطر بلفظ ﴿ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [٣٢].
стр. 206
٢ - صنف المقتصدين: وهم الذين اقتصروا على أداء الفرائض واجتناب المحرمات. وهؤلاء همهم أن يتفادوا التعرض للنار، ولو بالاقتصار على ما يسقط المساءلة ويجنب العقوبة بالنار ولو كانت أدنى عقوبة؛ وهذا لعمر الله فلاح عظيم لمن أفلح في تحقيقه، ولهذا قال النبي ﷺ للأعرابي
الذي أراد الاكتفاء بالأركان: (أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ) (١). ففلاحه هنا فلاحان: الأول: لنجاته من النار. والثاني: لقيامه بما يسبب له دخوله الجنة دون سابقة عذاب، ولا سابقة حساب إلا حسابًا يسيرًا، وهو عرض أعماله عليه، ثم ينقلب إلى أهله مسرورًا (٢).
وللمقتصدين في القرآن مسميات مختلفة فبعضهم أفضل من بعض وهم متفاوتون في الصلاح والدرجات، وقد أشير إليهم بلفظ: ﴿مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: ٣٢] ﴿الْأَبْرَارَ﴾ [الانفطار: ١٣]، ﴿أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١]، ﴿أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨]، ولهم الدرجات الوسطى من الجنة (٣).
٣ - صنف السابقين بالخيرات: وهم الذين أضافوا على فعل المقتصدين التقرب بالمستحبات وتجنب المكروهات. وعمروا دنياهم بالمزيد من الصالحات.
стр. 207
وهم الذين عناهم الله بقوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢]، فهم المقبولون بذاتهم، مطهّرون من الذنوب منذ وفاتهم، يبدأ نعيمهم بعد موتهم مباشرة.
وأصحاب اليمين أقل درجة من المقربين فيما يُحصِّلون من النعيم. "وكل من الصِّنْفَيْنِ الْمُقْتَصِدِينَ والسابقين من أَوْلِيَاء الله … فأولياء الله هم الْمُؤْمِنُونَ المتقون وَلَكِن ذَلِك يَنْقَسِم إِلَى عَام وهم المقتصدون وخاص وهم السَّابِقُونَ وَإِنْ كَانَ السَّابِقُونَ هم أَعلَى دَرَجَات كالأنبياء وَالصديقين" (١).
هذه الثلة المباركة أحرزت أعلى منازل القبول والدرجات العُلى من الجنة، وقد أشار إليهم القرآن بلفظ: ﴿عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١]،
﴿السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠]، ﴿سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] (٢)، ومن هؤلاء الأنبياء، والسبعون ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب أو عذاب هم ومن معهم كما ورد في الخبر (٣)، ومنهم الصالحون، والصديقون، والشهداء، فهم كذلك متفاوتون في الدرجات.
стр. 208
وقد قسم القرآن المقبولين عند الله تعالى في تصنيف آخر إلى صنفين دون ذكر للعصاة منهم ولعل ذلك من جهة دخولهم المباشر إلى الجنة من غير سابقة عذاب بالنار فهم سابقون مقرّبون، وأبرارٌ أصحاب يمين. ويحتمل أن الظالمين لأنفسهم يدخلون في درجات أصحاب اليمين بعد خروجهم من النار (١).
* * * *
стр. 209
ثانياً: قبول خاص لأفراد أو فئات
إن من يستقرئ آيات الذكر الحكيم يجد أن قبول المحبة لا يتحصّل بمجرّد الدخول في الإسلام، حيث لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة أن الله تعالى يحب المسلمين، بالإسلام المجرد عن الاتباع كإسلام الأعراب (١)، فقد جعل الله تعالى شرط محبته اتباع رسوله ﷺ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فقد ابتدأت درجات تحصيل شرف محبته بدءًا من الإيمان المقرون بالعمل وفي هذا المعنى قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] فمن ثمراته نيل محبة الله وجمع قلوب المؤمنين على محبته قال الطبري: " يُحِبُّهُمْ وَيُحَبِّبُهُمْ إِلَى خَلْقِهِ " (٢)، و ضعف الإيمان والعمل الصالح يقود لضعف المحبة وهو ما بينه قول النبي ﷺ : (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ) (٣) فكلما قوّى العبد إيمانه بالعمل الصالح أحبه الله، وكيف
стр. 210
يحب الله من هو معرض عن محابّه، مبارز له، سادر في مساخطه، وكيف يعذب الله بالنار من يحب؟!
لذا فقد قَرن الله تعالى محبته للعبد بأعمال مخصوصة تمحّص درجة المؤمن وترفعه، وتحقق المزيد من محبة الله له، وبناء على الآية السابقة يظهر أن أمة الاتباع هي المحبوبة ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وتتفاوت المحبة بحسب ذلك الاتباع، حتى يصل العبد للمحبة الخاصة (١) التي ذكرها الرسول ﷺ في قوله: ( … وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ (٢) حَتَّى أُحِبَّهُ) (٣). وقد عدد الله تعالى في القرآن الكريم فئاتاً من المؤمنين اتصفوا بصفات تعلو بدرجة إيمانهم وتستلزم محبة الله لهم وقبوله الخاص، وتتفاوت المحبة في درجتها وخصوصيتها بحسب قوة العبد في تحقيق تلك الصفة ومن تلك الفئات:
стр. 211
- فئة المحسنين، قال تعالى: ﴿فَئَاتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٨]
والإحسان على وجهين:
أَحَدُهما: الإحسان بمزيد فعل الطاعات.
وَالثَّانِي: إِحْسانٌ فِي الفعل نفسه.
والإحسان هو أعلى مراتب الدين، وتعريفه كما قال الرسول ﷺ حينما أتاه جبريل ﵇ يسأله فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْإِحْسَانُ قَالَ: (الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) (١).
وحقيقته هي عبادة الله تعالى عبادة تقوم على اليقين التام بالحقائق الغيبية، واستحضار عظمة الخالق حال العبادة، واستحضار جنته وناره، مما يدعوه إلى تحسينها وبذل الجهد في إتمامها على أكمل وجه، فالذين أحسنوا العمل وعدهم الله بأحسن الجزاء وأكمله.
وإذا أتى العبد بأوامر الله على الوجه الذي شرعه الله وأحبه كانت محبة الله للعبد أتم وأكمل، وقبوله وثوابه على عمله أفضل وأحسن.
стр. 212
وفي منزلة الإحسان ذكر ابن القيم ﵀ أن الإحسان لب الإيمان وروحه وكماله. وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل (١). وقال في شرح حديث الإحسان: هو كمال الحضور مع الله ومراقبته الجامعة لخشيته، ومحبته ومعرفته، والإنابة إليه، والإخلاص له، ولجميع مقامات الإيمان. (٢) وقد يحسن العبد في عمل ويسيء في آخر فيحب الله في العبد المؤمن ذلك العمل الذي أحسن فيه، ولا يزال العبد يخوض في محاب الله حتى يوفقه بسبب ذلك إلى ما فيه استكمال محبته له.
فالإحسان أنواع من أتى بها مجتمعة فقد استكمل الإحسان (٣):
الأول: الإحسان في القصد: فلا يشوب القصد والنية ما يشوبه من حظوظ الدنيا.
ومن القصد أن يجعل وجهته وقصده إلى الله أبدًا، فهي هجرة إلى الله بالإخلاص والحب والخوف والرجاء والعبودية لا يتخلف عنها مهما كانت العوائق حتى يلحق بالله عزو جل. وهجرة إلى رسوله ﷺ بالتحكيم و التفويض والتسليم والانقياد.
الثاني: القوة في اليقين: وهي من الإحسان فهي الجذوة التي تشعل الإمضاء والعزم فهو عزم
стр. 213
لا يصحبه فتور، وإمضاء لا تثنيه فتن وشرور، ويصدّقها قوله ﵊: (المؤمنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْر) (١).
الثالث: الإحسان في العبادات: وهو أن يستحضر قلبه في الصلاة والنوافل وجميع القربات ويستجلب الخشوع لله، والخضوع له سبحانه.
الرابع: الإحسان في الأوقات: وهو أن يستثمر أوقاته في طلب ما خُلق له، فلا يصرفه صارف الدنيا وشهواتها، أو الفتن ومحدثاتها، عن هجرته وقصده.
الخامس: الإحسان في الأحوال: وهو أن يستر ما وهبه الله عن الناس ما أمكن فلا يظهره إلا لمصلحة راجحة حماية له من آفات الحسد والغيرة وحظوظ النفس من كبر واغترار.
السادس: الإحسان في الأخلاق: وهو التواضع وعدم الترفّع وأن يخالق الناس بخلق حسن كما في الحديث (٢) بدءًا ببر الوالدين وصلة الأرحام وانتهاءً بالإحسان في معاملة الخادم والإحسان إلى من أساء.
стр. 214
السابع: الإحسان في المعاملات: في البيوع والتجارة والقضاء والعقود وسائر الأمور تصديقاً لقوله ﷺ : (رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى) (١).
ويكون الإحسان بالقصد والقول والفعل والترك: بالقصد أي بعقد النية على فعل الخير والإحسان فيه، وبالقول السديد والقول المناسب الرشيد، فلكل مقام مقال، والفعل هو فعل كل ما يحبه الله ويرضاه، والترك بترك جميع ما يغضب الله. والإنسان مأمور أن يتحرى الإحسان في الأمور كلها قال تعالى: ﴿وَّأَحْسَنُوا إن اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] فالآية مطلقة تعمّ جميع أنواع الإحسان.
* * * *
стр. 215
- فئة المتقين:
قال : ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي
هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠].
والتقوى هي: " العمل بطاعة الله إيماناً واحتساباً، أمراً ونهياً، فيفعل ما أمر الله به إيمانًا بالأمر وتصديقًا بوعده، ويترك ما نهى الله عنه إيماناً بالنهي وخوفاً من وعيده" (١).
فالتقوى تستلزم الحرص على أداء الفرائض واتقاء المحارم ومراقبة الله في السرّ والعلن وفي جميع الأقوال والأفعال.
فكل من اتقى الله في أمر فإن الله وعد بقبوله، فإن كان ذلك ديدن العبد وسجيته تقبله الله في عباده الصالحين، وقد أمر الله بتقواه ومخافته في كثير من الآيات ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وقال ﷻ :
﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. [البقرة: ٤٠]، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١].