- فئة المحسنين، قال تعالى: ﴿فَئَاتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٨]
والإحسان على وجهين:
أَحَدُهما: الإحسان بمزيد فعل الطاعات.
وَالثَّانِي: إِحْسانٌ فِي الفعل نفسه.
والإحسان هو أعلى مراتب الدين، وتعريفه كما قال الرسول ﷺ حينما أتاه جبريل ﵇ يسأله فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْإِحْسَانُ قَالَ: (الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) (١).
وحقيقته هي عبادة الله تعالى عبادة تقوم على اليقين التام بالحقائق الغيبية، واستحضار عظمة الخالق حال العبادة، واستحضار جنته وناره، مما يدعوه إلى تحسينها وبذل الجهد في إتمامها على أكمل وجه، فالذين أحسنوا العمل وعدهم الله بأحسن الجزاء وأكمله.
وإذا أتى العبد بأوامر الله على الوجه الذي شرعه الله وأحبه كانت محبة الله للعبد أتم وأكمل، وقبوله وثوابه على عمله أفضل وأحسن.
стр. 212
وفي منزلة الإحسان ذكر ابن القيم ﵀ أن الإحسان لب الإيمان وروحه وكماله. وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل (١). وقال في شرح حديث الإحسان: هو كمال الحضور مع الله ومراقبته الجامعة لخشيته، ومحبته ومعرفته، والإنابة إليه، والإخلاص له، ولجميع مقامات الإيمان. (٢) وقد يحسن العبد في عمل ويسيء في آخر فيحب الله في العبد المؤمن ذلك العمل الذي أحسن فيه، ولا يزال العبد يخوض في محاب الله حتى يوفقه بسبب ذلك إلى ما فيه استكمال محبته له.
فالإحسان أنواع من أتى بها مجتمعة فقد استكمل الإحسان (٣):
الأول: الإحسان في القصد: فلا يشوب القصد والنية ما يشوبه من حظوظ الدنيا.
ومن القصد أن يجعل وجهته وقصده إلى الله أبدًا، فهي هجرة إلى الله بالإخلاص والحب والخوف والرجاء والعبودية لا يتخلف عنها مهما كانت العوائق حتى يلحق بالله عزو جل. وهجرة إلى رسوله ﷺ بالتحكيم و التفويض والتسليم والانقياد.
الثاني: القوة في اليقين: وهي من الإحسان فهي الجذوة التي تشعل الإمضاء والعزم فهو عزم
стр. 213
لا يصحبه فتور، وإمضاء لا تثنيه فتن وشرور، ويصدّقها قوله ﵊: (المؤمنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْر) (١).
الثالث: الإحسان في العبادات: وهو أن يستحضر قلبه في الصلاة والنوافل وجميع القربات ويستجلب الخشوع لله، والخضوع له سبحانه.
الرابع: الإحسان في الأوقات: وهو أن يستثمر أوقاته في طلب ما خُلق له، فلا يصرفه صارف الدنيا وشهواتها، أو الفتن ومحدثاتها، عن هجرته وقصده.
الخامس: الإحسان في الأحوال: وهو أن يستر ما وهبه الله عن الناس ما أمكن فلا يظهره إلا لمصلحة راجحة حماية له من آفات الحسد والغيرة وحظوظ النفس من كبر واغترار.
السادس: الإحسان في الأخلاق: وهو التواضع وعدم الترفّع وأن يخالق الناس بخلق حسن كما في الحديث (٢) بدءًا ببر الوالدين وصلة الأرحام وانتهاءً بالإحسان في معاملة الخادم والإحسان إلى من أساء.
стр. 214
السابع: الإحسان في المعاملات: في البيوع والتجارة والقضاء والعقود وسائر الأمور تصديقاً لقوله ﷺ : (رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى) (١).
ويكون الإحسان بالقصد والقول والفعل والترك: بالقصد أي بعقد النية على فعل الخير والإحسان فيه، وبالقول السديد والقول المناسب الرشيد، فلكل مقام مقال، والفعل هو فعل كل ما يحبه الله ويرضاه، والترك بترك جميع ما يغضب الله. والإنسان مأمور أن يتحرى الإحسان في الأمور كلها قال تعالى: ﴿وَّأَحْسَنُوا إن اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] فالآية مطلقة تعمّ جميع أنواع الإحسان.
* * * *
стр. 215
- فئة المتقين:
قال : ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي
هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠].
والتقوى هي: " العمل بطاعة الله إيماناً واحتساباً، أمراً ونهياً، فيفعل ما أمر الله به إيمانًا بالأمر وتصديقًا بوعده، ويترك ما نهى الله عنه إيماناً بالنهي وخوفاً من وعيده" (١).
فالتقوى تستلزم الحرص على أداء الفرائض واتقاء المحارم ومراقبة الله في السرّ والعلن وفي جميع الأقوال والأفعال.
فكل من اتقى الله في أمر فإن الله وعد بقبوله، فإن كان ذلك ديدن العبد وسجيته تقبله الله في عباده الصالحين، وقد أمر الله بتقواه ومخافته في كثير من الآيات ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وقال ﷻ :
﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. [البقرة: ٤٠]، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١].
стр. 216
وبشر المتقين بعلامات القبول ومنها:
البشرى بالفلاح وهو الفوز والنجاح إن امتثلوا واتقوا (١) فقال جل وعلا:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩]. وبشرهم بمعيته الخاصة بالحفظ والتأييد والنصرة:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤].
والرحمة الخاصة التي يشعر بها العبد ويستشعر خَفيّ اللطف والتيسير للخير ودفع الشر والمكروه قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠].
وغفران الذنب ودخول الجنة: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [المائدة: ٦٥].
وفتح أبواب النعم وأنواع الرزق والخيرات وسائر البركات: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وفتح النعم ليست علامة بحد ذاتها ولكنها قد تكون نتيجة للتقوى.
والإنعام بالعلم والإرشاد والبصيرة: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
стр. 217
وتقوى الله لها ثلاث مراتب:
أ ــ التقوى من الإشراك بالله والأعمال الموجبة للنار قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦].
ب ــ الحذر من المكروهات والمشتبهات كما صحّ عن النبي ﷺ : (فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ) (١). وكما قال ابْنُ عُمَرَ ﵁: (لَا يَبْلُغُ العَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ) (٢).
ج ــ التقوى عن كل ما يلهي عن الله ويشغل عن عبادته، ويدخل في هذا الإسراف في تعاطي المباحات والانشغال بالأمور الدنيوية (٣).
قال ابن رجب: "وأصلُ التَّقوى: أن يعلمَ العبدُ ما يُتَّقى ثم يتَّقِي" (٤). والمقصود أن أصلها المعرفة والعلم بحقيقة الأمر والنهي والامتثال له.
стр. 218
"وقال معروف (١): إذا كنت لا تحسن تتقي: أكلت الربا. وإذا كنت لا تحسن تتقي: لقيَتْك امرأة فلم تغض بصرك. وإذا كنت لا تحسن تتقي: وضعت سيفك على عاتقك أي: شهرت سيفك وقاتلت في الفتنة" (٢).
فالله تعالى أمر عباده بطاعته، ووعد من امتثل أمره برضوانه وبجنته، توعّد من خالف أمره بسخطه ونقمته. والتقوى لا تحصل بالأعمال الظاهرة إنما تكون بما يقع في القلب من تعظيم الله وخشيته (٣)، ولذلك قال الرسول ﷺ : (التَّقْوَى ههُنَا) ويُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (٤).
فالعباد المتقون هم الذين يتقون الله في كل شيء ويقدّمون مخافته عند كل عمل.
فأولئك يقدّمهم الله يوم القيامة على غيرهم ويرفع منزلتهم فوق منزلة الآخرين كرامة لهم من الله وتشريفاً قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الْحُجُرَاتِ: ١٣] أي "أَكْرَمُ الْمُؤْمِنِينَ
стр. 219
هُوَ الْأَطْوَعُ لِلَّهِ وَالْأَتْبَعُ لِلْقُرْآنِ، وَهُوَ الْأَتْقَى، وَالْأَتْقَى هُوَ الْأَكْرَمُ " (١). قال أهل التفسير (٢) إن الأكرم عند الله هو أعظمهم شأناً وأرفعهم منزلة عنده و المراد بـ ﴿أَتْقَاكُمْ﴾ أي: أبعدكم عن حظوظ نفسه، فالتقوى هي التحرّر من النفس وأطماعها وأهوائها، وأشدّكم اتقاء له بأداء فرائضه واجتناب معاصيه (٣).
* * * *
- فئة الصابرين:
ذكر العلماء في الصبر أقوال مختلفة تعود لتنوع الأفهام وتعدد الرؤى والأفكار في تعريف الصبر ومن ذلك قول ابن القيم: الصبر "هو حبس النفس عن محارم الله، وحبسها على فرائضه، وحبسها عن التسخط والشكاية لأقداره" (٤).
стр. 220
و بأنه: الوقوف مع البلاء بحسن أدب، وأنه تعويد النفس الهجوم على المكاره، وأنه الثبات مع الله وتلقي بلائه بالرحب والدعة (١).
والصبر نوعان:
١ ــ صبر اضطراري: وهو الصبر على المصائب والكوارث والابتلاءات التي لا يدَ للعبد في دفعها، فالمؤمن مجبور ومضطر على الصبر عليها وإلا كان معترضاً على حكم الله وقدره، فقدر الله نافذ وليس فيه للمؤمن إلا الصبر والاحتساب.
٢ ــ صبر اختياري: ويدخل فيه:
أ ــ الصبر على ظلم الغير، والغضب والرغبة في الانتقام.
ب ــ الصبر على الطاعة ومجاهدة النفس عليها وإكراهها على محاب الله.
ج ــ الصبر على المعصية وحفظ الجوارح عن سائر الذنوب والآثام (٢).
وبناء على الصبر بنوعيه ودرجات الصابرين فيه تتضح مراتبهم.
стр. 221
وقد خص الله الصابرين بمزيد من الثناء، وأفاض القرآن في ذكر الصبر وعاقبة الصابرين، وبشّرهم بالعديد من علامات القبول التي تظهر جلية عند التأمل في نصوص الكتاب الكريم ومن ذلك:
١ ـ أنه أوجب لهم محبته بقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] والمحبة من الله تدلّ على الرضا عن المحبوب، ومحققة للمغفرة للذنوب (١).
٢ ــــــ أثنى عليهم فقال سبحانه: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. فالذين ابتلاهم الله بالفقر فرضوا، وبالأدواء فحمدوا، وبالقتال والسيوف على رؤوسهم فثبتوا، فهؤلاء الذين صدقوا في إيمانهم (٢)، وواطأت قلوبهم أفعالهم. وتنبئ خاتمة الآية ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ عن وعد وتكريم حيث تلقوا البلاء بالصبر، والأمر بالطاعة، فكان اعتراف من ذي الجلال لهم بتقواه، والخوف منه، فطمأنهم وأجارهم وبشّرهم بنيل ما صَبت إليه نفوسهم من البعد عن عذابه، وتفَيُّءِ ظلال أمنه وثوابه (٣).
٣ ــــــ بشرهم بمعيته الخاصة لهم بالنصر والتأييد فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 222
اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]. فهو معهم بالحفظ معهم بالعون والنصرة، معهم بالتثبيت على الطاعة، معهم بتيسير المجاهدة، حتى يجدوا لذة الصبر ما داموا قد قهروا النفس وقدموا محاب الله على محابهم.
٤ ــ تُقبل أحسن أعمالهم: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦]. تقبل طاعاتهم، بل ويجزيهم بأفضل منها بما لا يخطر على بال، ويكرمهم عليها بأعلى المنازل في جنة عدنٍ دار المآل، ويبدّل بؤس حالهم إلى أفضل ما يكون الحال، وزاد مقاتل: "إنما ذكر الأحسن لأنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم، بل يغفرها لهم" (١). فمن جازاه الله بأحسن عمله غفر ذنوبه فلا يحاسبه عليها. كل ذلك دلالة على سعة الإحسان، وواسع العطاء، وجميل الجزاء نسأل الله العظيم من فضله. هكذا تجمل المعنى كتب التفسير. (٢)
٥ ـ الجزاء الوافر لهم بغير حساب ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. فيثيبهم بكل حسنة أضعافاً مضاعفة بغير حساب، ثواباً لا حدّ له، ولا يعلم أحد مقداره، بل يغدق الله عليهم من فضله، وتنهمر عليهم فيوضه وأنهاره، في مقابل صبرهم لأيام قلائل، كانوا
стр. 223
فيها لا يحجبهم عن طاعة ربهم متاع زائل، ولا شغلٌ شاغل، ولا يحولهم عن الله حائل (١).
٦ ــ إطلاق البشرى لهم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]. بشرى في الدنيا بالفرج وانقشاع الغمة وبشرى في الآخرة بالغفران، وحلول الرضوان، وبالثواب على الصبر وقوة الإيمان، و بالعِوض عمّا فقدوا، وبما يحبون على ما صبروا، فهي بشريات تتالى، وعطايا تترادف، قال الطبري: " وأصل التبشير: إخبار الرجل الرجلَ الخبرَ، يَسرّه أو يسوءه، لم يسبقه به إلى غيره " (٢).
٧ ــ ما يلقى العمل الصالح والحظوظ العظيمة إلا أهل الصبر: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]. الصبر خُلقٌ رفيع ومقام سامٍ، لا يقوم بحقه إلا من أكرمه الله ووفقه لحبس نفسه عن سفاسف الأمور، وقهرها إلى معاليها وشيَمها، الذي منّ الله عليه بالحظ العظيم من العقل والحلم والبصيرة، ومن آتاه الله الحظ العظيم من العقل وجميل الخصال في الدنيا فله الحظ العظيم من الجنة في الآخرة. فهؤلاء هم الذين فازوا بالنصيب الأوفر
стр. 224
في الدنيا والآخرة بما يكرمهم به الله سعادة قلبية وطمأنينة بال، وسكينة نفس في الدنيا ثم سعادة الجنة دار الخلود (١).
٨ ــ أوجب لهم الجنة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤]. ويُفرِغ الله تعالى على قلوب الصابرين الطمأنينة والسكينة، وفي لفظ ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ ما يشعر بالحفاوة بهم وبإشاعة السلام والتحية بينهم حيث تسلّم عليهم الملائكة وتبشّرهم بالفوز بعد امتحان الشدة، والنجاح باجتياز المحنة، وقبولهم قبول سلامة من العذاب، ونجاة من العقاب، ورفعة وفضل على الصبر والاحتساب، فنعم العاقبة لهم الجنة (٢).
٩ ــ يورثهم الهداية والإمامة قال ابن القيم ﵀ سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين" (٣) تصديقاً لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِئَايَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. فالصبر يقود للرئاسة في الخير، وتتعدى بركات حسناتهم إلى غيرهم، وتتدفق ينابيع علمهم لينهل منها الظِّماء.
стр. 225
وتشع نجوم هدايتهم ليسترشد بها التائهون. فالإمامة في الدين أشرف المراتب، ومنقبة من أجل المناقب. لم ينالها هؤلاء صباحةً ولا وجاهةً وإنما طاعةً لربهم وولاية (١).
فأهل الصبر في القرآن مراتبُ ثلاث (٢):
١ - الصابر: وهي أعم مراتب الصبر وأوسعها: ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ [الحج: ٣٥].
٢ - المصطبر: وهو المثابر المجاهد نفسه على الصبر الإرادي الذي يستدعي مجاهدة الغير والصبر عليهم، وقال الطاهر بن عاشور: "والاصطبار شدّة الصبر على الأمر الشاق لِأَنَّ صِيغَةَ الِافْتِعَالِ تَرِدُ لِإِفَادَةِ قُوَّةِ الْفِعْلِ" (٣).
قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] فالصلاة تكاليف تتعلق بمجاهدة النفس وحث الغير والصبر عليهم والمداومة على ذلك.
стр. 226
٣ - الصبّار: مبالغة تعني الكثير الصبر، المتنوّع الصبر، فهو يصبر على الطاعة ويصبر على المعصية ويصبر على البلاء وعلى أذى الغير .. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥]. نلاحظ في الآية وصف الله تعالى للمؤمن بالصبار وليس الصبور فلم يصف الله تعالى أياً من عباده بهذه الصيغة فقد قال في أيوب ﵇: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ
الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]. بينما في صفة الشكر جاء بأبلغ وصف وهو الشكور. ويظهر أن تعليل ذلك قد يكون من وجهين:
أولا: أنه دليل على شدة وطأة الصبر وأن لفظ (صبّار) حدّ لمقام الصبر ودرجته الذي وصل إليها أصبر عباده أما الصبور فلم يصل إليها أحد فالصبور على الحقيقة هو وصف لله تعالى قال الرسول ﷺ : (مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، يَدَّعُونَ لَهُ الوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ) (١). فصبره وحلمه على كفر عباده واستكبارهم وتطاولهم عليه سبحانه وتعالى عما يصفون، أما درجة (الشكور) وصف الله بها بعض عباده وفي مقدمتهم نوح ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] والشكور معرّفة بأل أبلغ من النكرة حيث قال تعالى في داود ﵇: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ
стр. 227
الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] أي قليلٌ من العباد من يصل إلى هذه المرتبة التي يوصف بها بأنه شكور، كما وصل نوح وآل داود ﵈ ونبينا محمد ﷺ حيث قال: (أفَلا أكونُ عبدًا شكورًا) (١)
ثانياً: أن أعلى درجات الصبر والتي تضمنت كثرة الصبر وتنوع أسبابه مع الصبر الجميل إنما هي دليل على الشكر، فلا يصبر على المكاره والطاعات إلا المحب الراضي والشاكر لربه ولذلك فإن أعلى مقامات الصبر إنما هي حاصل جمع صبرٍ و شكر، فكلما صبر العبد صبر رضا على حكم ربه كان ذلك صعودًا في منازل الشكر، والله أعلم.
- فئة المتوكلين: قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
والتوكل عبادة جليلة لا تكون إلا لله وحده؛ لأنه هو القادر على كل شيء، والمالك لكل شيء، بل هي شرط من شروط الإيمان وهو: تفويض الأمور إلى الله تعالى والاعتماد عليه سبحانه، والثقة به، والاستعانة به وحده، مع بذل الأسباب. فعلى قدر الإيمان يكون حسن التوكل، وعلى قدر
стр. 228
التوكل تكون من الله الكفاية، قال أهل العلم: التوكل هو الاستعانة وهو نصف الدين، فالدين عبادة واستعانة وهو تحقيق قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
وقيل في التوكل هو: "اعتماد القلب على الله إيمانًا بكفايته سبحانه لعبده" (١). وقيل هو انطراح القلب بين يدي الرب، فيكون العبد بين يدي ربه كالميت بين يدي غاسله يقلبه كيف يشاء (٢).
والتوكل لا يكون إلا على الله أما إسناد بعض الأمور للبشر فيما يقدرون عليه من غير تعلق القلب بهم فيسمى توكيلاً لا توكلاً (٣).
قال ابن القيم: " والعبد آفته إما عدم الهداية وإما عدم التوكل فإذا جمع التوكل إلى الهداية فقد جمع الإيمان كله" (٤).
فهي صفة عظيمة يحبها الله وفي حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب قال النبي ﷺ : (هُمُ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (٥).
стр. 229
فحقيقة التوكل أنه مركب من مجموعة أمور وعناصر مترابطة لا تتم حقيقة التوكل إلا بالإتيان بها مجتمعة، ومن استكملها فقد استكمل مقام التوكل، وقد بينها ابن القيم في مدارجه وهي:
أولاً: معرفة الرب سبحانه واليقين بكفايته وإحاطة علمه.
ثانياً: إثبات الأسباب، ولكن عدم الركون إليها، وقطع علاقة القلب بها. بل بذلها والاعتقاد الكامل في المسبب لا السبب.
ثالثاً: تجريد التوحيد من علائق الشرك فبقدر تجريد التوحيد وتنقيته من الشوائب يكون صحة التوكل.
رابعاً: اعتماد القلب على الله والركون إليه كاعتماد الرضيع على ثدي أمه، واطمئنانه على صدرها.
خامساً: حسن الظن بالله تعالى والرجاء به فعلى قدر حسن الظن يكون التوكل. والتوكل يدعو إلى حسن الظن. فهما مرتبطان لا ينفكان.
سادساً: استسلام القلب لله، ودرء جميع ما ينازعه، واعتقاده بأنه لا يملك من الله شيئاً إلا ما يتفضل الله به، واعترافه بالعجز والخروج من حوله وقوته إلى حول الله وقوته.
سابعاً: التفويض وهو روح التوكل وحقيقته كما قال تعالى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ
стр. 230
إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤] تفويضاً يثمر عن الاعتقاد بأن الله تعالى لن يقضي له في أموره إلا ما هو خير له في معاشه ومعاده.
ثامناً: الرضا فيقابل أحكامه فيه بالتسليم والرضا والقبول، وهو غاية التوكل وثمرته وإن خفيت عليه المصلحة والحكمة (١).
قال الرسول ﷺ : (لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا) (٢).
وقوله: (حَقَّ تَوَكُّلِهِ) يُبين أن التوكل طبقات متفاوتة والمؤمن مطالب بالارتقاء في سلّم التوكل حتى يصل إلى التوكل الحق فالناس في ذلك درجات ومراتب:
١ - توكل الأولياء: فأولياء الله وخاصة المؤمنين هم الذين يتوكلون على الله في الإيمان ونصرة الدين، وجهاد الأعداء، وفي جميع أمره ونهيه. وهذا هو التوكل الحق، وهو أفضل التوكل وأكمله
стр. 231
وهو توكل الأنبياء والصالحين وهو الذي يحبه الله ويرفع أهله في أعالي الدرجات.
٢ - توكل المؤمنين: من يتوكلون على الله في استقامة النفس وحفظ الحال. وهو توكل يقبله الله ويجازي عليه بقدر توكل صاحبه.
٣ - توكل العامّة و من دونهم: فمنهم من يتوكل على الله في الرزق بأنواعه، والله يجازي عليه بقدر توكل صاحبه، ولكنه توكل ناقص فالتوكل يعلو بحسب علو همّة صاحبه، فمن الناس من يتوكل في إقامة الدين، ومنهم من يتوكل في طلب الرغيف والطحين، والمطلوب التوكل على الله في كل آن وحين.
٤ - توكل المفرّطين: وهو توكل المفرطين والجهلاء فقد بلغ بهم جهلهم أنهم يتوكلون على الله في حصول الإثم والفواحش فيستعينون بالله على المعاصي، ويلقون بأنفسهم في المهالك معتمدين على الله أن يسلمهم ويحفظهم وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] (١). ومن صدق توكله على الله في حصول شيء فإنه يناله، فإن كان هذا الشيء مما يحبه الله ويرضاه انتفع بتوكله من جهتين: في نيل ما توكل فيه و في العاقبة المحمودة بسبب توكله فيما يرضي الله. وإن كان الأمر مباحاً حصلت له بتوكله منفعة التوكل فقط وتيسير الحصول عليه.
стр. 232
وإن كان التوكل فيما لا يحبه الله ولا يرضاه فإن الله ييسره له وكان حاصل توكله وما تحقق له مضرة عليه (١).
وللتوكل آفات تعوقه وتضعفه
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾
فتحقيق الحسب بقدر قوة التوكل وبذل أسبابه وموجباته وأن يخلو من آفات ثلاث:
ـ ١ ـ التفات القلب إلى قضية التوكل وذات المتوكل والانشغال بذلك عن الوكيل.
ـ ٢ ـ التفات القلب إلى السبب والانشغال بأنواعه وأبوابه عن المسبب.
ـ ٣ ـ التفات القلب إلى ترقب النتائج وشغل الفكر بها بدلاً من الانصراف للواجبات وسائر العبادات مما يقوّي التوكل ويزيده فاعليّة (٢).
* * * *
стр. 233
- فئة المقسطين:
قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢].
والقسط يأتي بمعنى العدل ويأتي بمعنى الجور، فهو من أضداد اللغة، وقَسَط قِسطاً أي عَدل عدلاً، وقَسط قُسوطاً أي جار جوراً، والمقسط هو العادل، والقاسط هو الجائر. ويقال أقسط وقسط إذا عدل. ففي العدل لغتان قَسَط وأقسَط وفي الجور لغة واحدة وهي قسَط ومصدرها القُسوط (١).
والله تعالى يحب العدل وهو وضْع الشيء في موضعه. ويجازي على العدل بما لا يجازي على غيره، قال الرسول ﷺ : (إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا) (٢).
إن الله يحب الَّذين يعدلُونَ فِي أقوالهم فيقولون الحق، يعدلون في أفعالهم وتطابق أقوالهم أفعالهم. فالله تعالى هو الحكم العدل في أقواله وأفعاله ويقرب إليه من اتصف بالعدل والقسط ويجعلهم بأرفع مقام وأكرمه قال ﵊: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ … ) وذكر منهم (إِمَامٌ عَادِلٌ) (٣).
стр. 234
وبما أن الظلم ثلاثة كما في الخبر (١) فمفهوم المخالفة يدل على أن القسط كذلك أنواعٌ ثلاثة:
١ - القسط مع الله تعالى: هو إفراده العبودية، فإن الشرك بالله أظلم الظلم قال تعالى:
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ومن القسط مع الله وصفه سبحانه بما يستحق وبما هو أهله، وموافقة أمره والامتثال لنهيه، وتقديره حق قدره.
٢ - القسط مع النفس: و هو حفظها من الشرك و الذنوب ووقايتها من عذاب الله، وعدم إلقائها في المهالك سواء في الدنيا أو في الآخرة: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦].
٣ - القسط مع الغير: وهو ردّ الحقوق، والأمانة في المعاملات المختلفة، وقول الصدق والوفاء بالعهود … إلخ (٢) قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا
стр. 235
الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨].
وأفضل المقسطين هم الذين يحققون القسط بأنواعه الثلاثة فيقسطون مع أنفسهم ومع غيرهم ومع ربهم . فمن جاء بالعدل على وجهه المطلوب كان من المقسطين الذين امتدحهم الله تعالى واجتباهم وخصهم بالمحبة.
* * * *
- فئة التوابين والمتطهرين:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
والتوابون هم الذين يكثرون التوبة والرجوع إلى الله، بالندم والاستغفار والإقلاع عن الذنب (١)، ولذلك جمع الله تعالى في هذه الآية حبه للتوابين والمتطهرين، لأن التوبة تطهير معنوي من دنس الشرك، والنفاق، وسائر الذنوب والسيئات، والغسل أو الوضوء تطهير حسي من الأقذار وسائر النجاسات وهو كذلك تطهير معنوي فقد قال الرسول ﷺ : (مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ
стр. 236
الْوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ) (١). ففيهما طهرة للنفس والبدن قلباً وقالباً. وإنك لا ترى التوّاب الحريص على الاستغفار ونيل عفو ربه في وضوئه وغسله مفرّطاً، بل تراه حريصاً على الإتيان بهما على وجههما، أما المفرط الغافل فهو كذلك في طهارته الحسية تجده ينتقص الوضوء، ولا يتم الغسل على الوجه الصحيح، وذلك لغياب الحرص الذي يتميز به التوّاب، المستحضر لذنبه عند كل وضوء واستشعاره بتساقط سيئاته كما في الحديث الآنف الذكر وكما قال ﷺ : (مَنْ تَوَضَّأَ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ فِيهِ وَأَنْفِهِ، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ وَجْهِهِ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ يَدَيْهِ، فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ رَأْسِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ رِجْلَيْهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَمَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ نَافِلَةً) (٢).
стр. 237
والتواب الكثير الرجوع إلى ربه ويتميز بثلاثة أمور:
١ - الخوف واستشعار مغبّة بالمعصية.
٢ - الندم على مخالفته أمر الله.
٣ - العزم والتشمير عن ساعد الجد لاستدراك ما فات.
فالخوف هو الإحساس بالذنب والاعتراف به، مما يُلجئ العبد إلى الندم والحسرة على مقارفة الذنب وإظهار الضعف والذلة وكيف غرّه ستر الله عليه فتجرّأ على انتهاك محارم الملك الجبار، ثم هذا الندم يدفعه إلى اللجوء إلى طلب العفو والمغفرة، وعقد العزم على عدم العودة واستدراك ما فرط منه (١).
وهذه الأمور الثلاثة هي حقيقة التوبة النصوح فهي تجتمع في العبد التواب وتلازمه من غير أن تؤدي به إلى اليأس والقنوط، فتراه دائمًا مشفقاً من لقاء الله، وجلاً من ذنبه، ناهضاً لاستدراك ما فات. ولذا كان سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: (اللهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِذُنُوبِي، وَأَبُوءُ
الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ) (١).
وينبغي الإشارة إلى أن التوبة والإكثار منها لا يشترط أن تكون عند إحداث الذنب فحسب، بل التوبة مطلوبة على الدوام للعاصي والمطيع وتجديد التوبة صفة التوابين، فعمل العبد لا يخلو من تقصير، و نوايا العباد قد يشوبها شيء من حظوظ الدنيا، وقد لا ترقى العبادة في أدائها لتناسب قدر المعبود ﷻ فيحسن الاستغفار والتوبة على الدوام (٢) قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
وقيل التوبة سبع مراتب: " توبة الكفار من الكفر، وتوبة المخلطين من الذنوب الكبائر، وتوبة العدول من الصغائر، وتوبة العابدين من الفترات، وتوبة السالكين من علل القلوب والآفات وتوبة أهل الورع من الشبهات، وتوبة أهل المراقبة عن الغفلات" (٣).
* * * *
стр. 240
- فئة المنيبين:
أمر الله تعالى بالإنابة فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤] وأثنى على المنيبين إليه ووعدهم بالجنة حيث قال عزّ مِنْ قائل: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ٣١ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ
٣٢ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ٣٣ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ٣٤ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣١ - ٣٥].
واختص خليله إبراهيم ﵇ بالثناء على هذه الصفة الكريمة فقال ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥].
والإنابة الرُّجُوع إِلَى الطَّاعَة ولَا يُقَال لمن رَجَعَ إِلَى مَعْصِيّة إِنَّه أناب (١).
وذكر ابن القيم أن لفظ (الإنابة) يوحي بالإسراع والتقدم فالمنيب هو المسرع إلى مرضاة ربه.
وقيل في الفرق بين التوبة والإنابة: أن التوبة هي الندم على ما سبق. والإنابة: ترك المعاصي في المستقبل (٢).
стр. 241
قال الماوردي: "وفي أصل الإنابة قولان: أحدهما: أنه القطع. ومنه أخذ اسم الناب لأنه قاطع، فكأن الإنابة هي الانقطاع إلى الله- بالطاعة. والثاني: أن أصله الرجوع، مأخوذ من ناب ينوب إذا رجع مرة بعد أخرى، ومنه النوبة لأنها الرجوع إلى عادة " (١).
وفي الاصطلاح: عرفها ابن القيم بأنها: "عكوف القلب على الله كاعتكاف البدن في المسجد لا يفارقه، وحقيقة ذلك عكوف القلب على محبته وذكره بالإجلال والتعظيم وعكوف الجوارح على طاعته بالإخلاص له والمتابعة لرسوله" (٢).
وبين ابن القيم أن الإنابة إنابتان:
الأولى: إنابة ربوبية: وهي إنابة المخلوقات كلها لله والبشر مؤمنهم وكافرهم فكلهم يرجعون إلى الله عند الاضطرار، وعند الخوف والحاجة إلى ذي قوة قال تعالى ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٣].
الثانية: إنابة ألوهية: وهي إنابة عبودية ومحبة، وهي إنابة أوليائه المؤمنين إليه وتتضمن أموراً أربعة: وهي محبته، والخضوع له، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه.
стр. 242
و الإنابة رجوع عن ثلاثة أشياء مُلخّصها:
١ - رجوع إصلاح عما بدر واعتذار.
٢ - رجوع إلى العهد وفاء.
٣ - رجوع استجابة، ورجوع حال وامتثال (١).
إذن فالإنابة للسائر كمن ضلّ الطريق ثم لاح له نور الهداية فالتفت إليه، فهي الالتفات إلى الله عزوجل، والرجوع إليه، ودعوة السائرين للعودة، مع الإسراع والإقبال والدخول إلى حظيرته والتزام بابه ويتجلى ذلك في قوله تعالى عن داود ﵇: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤].
ومن الفئات الذين خصهم الله تعالى بالقبول الأوابون وقد وصف بها بعض أنبيائه فقال في سليمان ﵇: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠] وقال: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥].
كما أجمل الله تعالى في كتابه الكريم عدداً من الصفات التي يحبها في عباده في الآيات
стр. 243
التالية فقال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ
فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ٣٥﴾ [الأحزاب: ٣٥].
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ١٦ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٦ - ١٧].
وقال ﷻ : ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢].
وكلما جمع العبد من صفات هذه الفئات، فكان محسناً تائباً منيباً طاهراً إلى آخر تلك الصفات كان مقامه أكرم وأرفع وأشرف وهو مقام الأنبياء والصديقين والصالحين نسأل الله من فضله.
* * * *
стр. 244
الفصل الثالث:
أساليب القرآن في الحث على طلب القبول
حث القرآن الكريم على القبول بأساليب متنوعة يدعو الناس إلى الله وكشف لهم حقيقة مآلهم وما هم مقبلين عليه من لقائه ، ومجازاتهم بأعمالهم، ليسارعوا ويبادروا ليقبلهم ربهم في عباده الصالحين، ومن تلك الأساليب:
١) أسلوب الترغيب والترهيب.
٢) الأسلوب القصصي.
٣) أسلوب ضرب المثل.
٤) الأسلوب الإنشائي.
٥) الأسلوب الوعظي.
٦) أسلوب العرض والإغراء.
٧) الأسلوب العقلي.
٨) الأسلوب الوجداني.
стр. 245
أولاً: أسلوب الترغيب والترهيب
أ - أسلوب الترغيب
أوجب الله تعالى على نفسه الرحمة بعباده فهو الودود يتودد إليهم ويرغبهم في طاعته حتى يكونوا عنده في عداد المقبولين، فيرضى عنهم، ويدخلهم جناته التي خلقها لهم; إذ من الممتنع على عدله المطلق سبحانه أن يُدخل الناس كلهم الجنة مع أنه القادر على ذلك بغير عمل، ولكن لا يستوي العامل وغير العامل، كما لا يستوي العاصي والمطيع، فابتلاهم بالأوامر والنواهي، ثم رغبهم في الطاعة ونيل الجنة كجائزة مؤجلة، وقد جاء القرآن الكريم مشوقاً للعباد بمختلف الصور ومعرفاً لهم بشتى الأساليب بما يصلحهم وما يدلهم على طريق الفوز والفلاح، واستدعاءهم إلى موجبات القبول، وإلى تحصيل كرامته و مرضاته غير أن كثيراً من الناس معرضون عازفون، وإلى شهوات الدنيا منكبّون مائلون والله المستعان. فبالقبول تكفّر السيئات، وتمحى الخطايا، ويُرفع العبد أعلى الدرجات، فقد يُفتح على العبد باب العمل ويغلق عنه باب القبول عياذاً بالله فيعمل العبد من الأعمال أمثال الجبال ثم تكون هباء منثوراً، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ
стр. 246
خَاشِعَةٌ ٢ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ٣ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٢ - ٤] ولذلك تعددت أساليب الترغيب في القرآن، فالله تعالى يريد لعباده الرحمة وهم يقحمون أنفسهم في موجبات سخطه وعذابه. ولعل من المهم تعريف الترغيب لالتباس المعنى وخفائه فقد جاء في بعض المؤلفات المعاصرة (١) بمعنى التشويق والتشويق أخص منه فالترغيب أعم ويدخل فيه التشويق (٢).
والترغيب لغة: هو الإطماع في الشيء لطلبه وإرادته والحرص عليه (٣).
وهذا المعنى اللغوي يقود إلى التعريف شرعاً لمفهوم الترغيب حيث يمكن القول بأنه: كل ما يدفع المدعو إلى طلب الشيء والطمع فيه والحرص عليه وإرادته. قال تعالى:
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠] رغبا أي طمعًا فيما عنده، ورغبة وعزيمة في الأمر للحصول على ما يرجون منه ومن رحمته وفضله. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ
وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣] دليل على الدعوة إلى تعظيمه وتعظيم أمره ونهيه.
ففي إظهار أسمائه وصفات جلاله وكمال عظمته، وسعة سلطانه، واتصافه بالحياة والعلم والقيومية، والملك والقدرة والإرادة دليل على أنه المستحق للإلهية والوحدانية، وترغيب في الانقياد له تعالى والتعظيم له.
٢ - الترغيب في التماس رضوان الله: ورد الحث على رضا الله في كثير من الآيات منها:
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤].
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]. ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦٥].
يغرس القرآن الكريم في الألباب معنى أصيلًا وهو أن يكون الباعث على عمل العبد رضا الله تعالى، وأن يكون العمل خالصاً لله وحده، بعيداً عن الرياء، بعيداً عن السمعة، فقد يعمل العبد العمل الصالح في ذاته فيكتب في سجل السيئات، بصرفه إلى غير الله.
فعلى العبد أن يحرص على توجيه جميع أعمال البرّ إلى الله، حتى يصل بعمله إلى مرفأ القبول، وفي فلك رضوان ربه يجول.
стр. 249
٣ - الترغيب بقبول العمل:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ
الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦].
نوّع المنهج الرباني الفريد في الترغيب بالقبول، وذلك لاختلاف الأفهام ومدارك العقول، فقلّب الترغيب بطرائق شتى للتنبيه والتذكير، فتارة بالتصريح وتارة بالتلميح، وفي التصريح بقوله تعالى ﴿نَتَقَبَّلُ﴾ وعدٌ منه تعالى ومن أوفى بوعده من الكريم سبحانه، فالجزاء بحساب أحسن الأعمال، والسيئات متجاوز عنها. ثم الجنة بعد ذلك خير منزل ومآل (١).
٤ - الترغيب بتثقيل الميزان:
قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨] وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ٦ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ٧﴾ [القارعة: ٦ - ٧]. حثت الآيات الكريمة بأسلوب ترغيب إنشائي على الأعمال الصالحة التي تثقل موازين العبد يوم القيامة، وكل ما أثقل الميزان يوم القيامة فهو مما تقبله الله ورضيه.
стр. 250
فيجدر بالعبد أن يستحثه ذلك على السعي لتثقيل ميزانه، واستثمار أيامه فيما يعود عليه بنفع معاده فقد علق الفلاح على من أثقل ميزانه بالطاعات، فهو الذي حاز القبول، وفاز بالنعيم وسائر المكرمات.
٥ - الترغيب بإخفاء الأجر تشويقاً: قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. فمن الترغيب في العمل تعظيمُ الجائزة،
وإخراجُها عن حيّز التصور البشري، وإخفاؤها حتى يسعى شوقاً إلى نيلها العاملون، حيث أعد الله تعالى لعباده المقبولين عنده ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فما تقرّ به الأعين كثير كثير .. لا حدود له، فهو يعمّ كل ما يهتز له القلب، وتطرب له النفس، وتسرّ له الحواس. فالتعبير القرآني يدعو لتحفيز النفس، وإرسال الخيالات والتساؤلات، والتطلع إلى ذلك الأجر الخفي والسعي لنيله والفوز به.
٦ - الترغيب بمضاعفة الحسنات، أو تبديل السيئات: قال تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ
يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] ومما يؤيد ذلك قول النبي ﷺ : (مَنْ قَرَأَ
حَرْفًا مِنْ كِتَابِ الله؛ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: ﴿الم﴾ حَرْفٌ، وَلَكِنْ: أَلِفٌ