خَاشِعَةٌ ٢ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ٣ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٢ - ٤] ولذلك تعددت أساليب الترغيب في القرآن، فالله تعالى يريد لعباده الرحمة وهم يقحمون أنفسهم في موجبات سخطه وعذابه. ولعل من المهم تعريف الترغيب لالتباس المعنى وخفائه فقد جاء في بعض المؤلفات المعاصرة (١) بمعنى التشويق والتشويق أخص منه فالترغيب أعم ويدخل فيه التشويق (٢).
والترغيب لغة: هو الإطماع في الشيء لطلبه وإرادته والحرص عليه (٣).
وهذا المعنى اللغوي يقود إلى التعريف شرعاً لمفهوم الترغيب حيث يمكن القول بأنه: كل ما يدفع المدعو إلى طلب الشيء والطمع فيه والحرص عليه وإرادته. قال تعالى:
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠] رغبا أي طمعًا فيما عنده، ورغبة وعزيمة في الأمر للحصول على ما يرجون منه ومن رحمته وفضله. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ
وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣] دليل على الدعوة إلى تعظيمه وتعظيم أمره ونهيه.
ففي إظهار أسمائه وصفات جلاله وكمال عظمته، وسعة سلطانه، واتصافه بالحياة والعلم والقيومية، والملك والقدرة والإرادة دليل على أنه المستحق للإلهية والوحدانية، وترغيب في الانقياد له تعالى والتعظيم له.
٢ - الترغيب في التماس رضوان الله: ورد الحث على رضا الله في كثير من الآيات منها:
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤].
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]. ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦٥].
يغرس القرآن الكريم في الألباب معنى أصيلًا وهو أن يكون الباعث على عمل العبد رضا الله تعالى، وأن يكون العمل خالصاً لله وحده، بعيداً عن الرياء، بعيداً عن السمعة، فقد يعمل العبد العمل الصالح في ذاته فيكتب في سجل السيئات، بصرفه إلى غير الله.
فعلى العبد أن يحرص على توجيه جميع أعمال البرّ إلى الله، حتى يصل بعمله إلى مرفأ القبول، وفي فلك رضوان ربه يجول.
стр. 249
٣ - الترغيب بقبول العمل:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ
الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦].
نوّع المنهج الرباني الفريد في الترغيب بالقبول، وذلك لاختلاف الأفهام ومدارك العقول، فقلّب الترغيب بطرائق شتى للتنبيه والتذكير، فتارة بالتصريح وتارة بالتلميح، وفي التصريح بقوله تعالى ﴿نَتَقَبَّلُ﴾ وعدٌ منه تعالى ومن أوفى بوعده من الكريم سبحانه، فالجزاء بحساب أحسن الأعمال، والسيئات متجاوز عنها. ثم الجنة بعد ذلك خير منزل ومآل (١).
٤ - الترغيب بتثقيل الميزان:
قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨] وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ٦ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ٧﴾ [القارعة: ٦ - ٧]. حثت الآيات الكريمة بأسلوب ترغيب إنشائي على الأعمال الصالحة التي تثقل موازين العبد يوم القيامة، وكل ما أثقل الميزان يوم القيامة فهو مما تقبله الله ورضيه.
стр. 250
فيجدر بالعبد أن يستحثه ذلك على السعي لتثقيل ميزانه، واستثمار أيامه فيما يعود عليه بنفع معاده فقد علق الفلاح على من أثقل ميزانه بالطاعات، فهو الذي حاز القبول، وفاز بالنعيم وسائر المكرمات.
٥ - الترغيب بإخفاء الأجر تشويقاً: قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. فمن الترغيب في العمل تعظيمُ الجائزة،
وإخراجُها عن حيّز التصور البشري، وإخفاؤها حتى يسعى شوقاً إلى نيلها العاملون، حيث أعد الله تعالى لعباده المقبولين عنده ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فما تقرّ به الأعين كثير كثير .. لا حدود له، فهو يعمّ كل ما يهتز له القلب، وتطرب له النفس، وتسرّ له الحواس. فالتعبير القرآني يدعو لتحفيز النفس، وإرسال الخيالات والتساؤلات، والتطلع إلى ذلك الأجر الخفي والسعي لنيله والفوز به.
٦ - الترغيب بمضاعفة الحسنات، أو تبديل السيئات: قال تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ
يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] ومما يؤيد ذلك قول النبي ﷺ : (مَنْ قَرَأَ
حَرْفًا مِنْ كِتَابِ الله؛ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: ﴿الم﴾ حَرْفٌ، وَلَكِنْ: أَلِفٌ
стр. 251
حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ) (١).
ويستثمر الأسلوب القرآني الكريم غريزة حب العباد لجمع منافع الدنيا وزخرفها وهي الفانية، في الترغيب بمضاعفة الحسنات والدلالة إلى جمع أرقى وأنفع، بل إلى مالا ينتهي نفعه ولا يحصى عدده، وذلك لحث الهمم للجمع والتحصيل والاستكثار، وكلما أكثر العبد أكثر الله له وقربه وأعلى منزلته.
ومن صور الترغيب في نيل ما عند الله الإغراء بتبديل السيئات الماضية الفاسدة المذمومة إلى حسنات مُرضية مقبولة إما بتوفيقهم للتوبة والعمل الصالح أو بالعفو عنهم، أرأيت لو أن حاكماً نادى في رعيته أن أحضروا جميع ما عطب في بيوتكم وفسد فإني أبدلكم به بجديد نافع، ألا يهرع القوم إليه ويتسابقون؟ فكيف إذا كان ذلك الجديد مصحوباً بالمكافئة فوق ذلك - ولله المثل الأعلى- قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا
فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠].
٧ - الترغيب بالبشارة بالجنة ورؤية الله : قال تعالى ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ
стр. 252
رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥]. ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد: ٣٥].
من أساليب الحث على طلب القبول والترغيب فيه، البشارة بالجنة لمن آمن بالله و عمل الصالحات، وجاءت الآيات بالإسهاب في تعريفها ووصفها بذكر محاسنها بما يملأ الطرف، وذكر دقائقها وتفصيل نعيمها من مساكن ومطاعم وحور وأنهار مما يجل عن الوصف. ثم بالزيادة في التشويق برؤية ذي الجلال والإكرام، مما يستثير في النفس التطلع بالفؤاد إلى ما فوق الغمام، ويحدو بالعبد الرجاء في الوصول إلى الجنة دار السلام، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
٨ - الترغيب في التوبة ومحو الذنوب والخطايا:
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٤].
стр. 253
تتجلى رحمة الله تعالى وسعة عفوه في وعده عباده بالعفو عن الزلات، وحثّهم على الإقبال عليه بالتوبة والإنابة، وكتاب الله زاخر بآيات الرجاء والعفو وذِكر أسماء الله وصفاته الدالة على ذلك
كـ (العفوّ) و (الغفور) و (الغفار) و (الرحمن) و (غافر التوب) و (قابل التوب).
والمتأمل في الكتاب الكريم يجد أن الحث على القبول، والسعي لالتماس عفو الله ومغفرته لا يقتصر على الكافر والفاجر دون غيرهم بل تعمّ جميع فئات الناس من أتقاهم إلى أفجرهم، فالله تعالى يدعو لالتماس العفو والقبول، ويدعو لدخول الجنات، ويدعو للارتقاء
فمن ذلك دعوته تعالى الكفار للإيمان والتوبة: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ
كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وقوله: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ
ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١].
ودعوته للمسرفين في الذنوب إلى الرجوع إليه ليقبلهم، فيفتح لهم أبواب الرجاء، ويشفي سقم قلوبهم بالدواء: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. وقوله عز من قائل: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
стр. 254
ودعوته الصالحين أمثال أبي بكر الصديق ﵁ للكمال، وللارتقاء في سلّم القبول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢].
بل إنه يدعو الرسل والخطاب للرسول ﷺ ليستحثّ في الأمم الهمم: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ٥١ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٢]. فكأن القبول فضائل متعددة يمنّ الله بها على العبد بداية ثم تُكتسب بالطاعات، وكلما حاز العبد على فضيلة ارتقى عند الله، فهي قبول نجاة، وقبول عفو، وقبول إثابة، وقبول رفعة.
ثم نجد الدعوة والترغيب لحيازة السبق إلى الله والرجوع إليه ويتمثّل ذلك في قوله تعالى عن سحرة فرعون بعد مسارعتهم للإيمان: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٥١].
ثم الترغيب في تدارك الوقت أو التحذير من فوات الأوان: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤].
﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ
بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ٥٥ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٥ - ٥٦].
стр. 255
٩ - الترغيب في الاستغفار والرجوع إلى الله:
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا
رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].
وقال تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥].
وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣].
وقال : ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ١٠ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ١١ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
وقال تقدست أسماؤه: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢].
وقال سبحانه: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩].
ومن خلال استقراء أقوال المفسرين يتبيّن أن الاستغفار يتحدد معناه بحسب من توجه إليه الخطاب، فإن كان الخطاب للكافر والمشرك فهو بمعنى الإيمان لأنه هو المطلوب، فالمطلوب الرجوع عمّا كانوا عليه من الشرك قبل كلّ شيء، ثُمَّ التوبة لما يستقبل من العمل، إذ لا يُقبل من الكافر استغفاراً وهو مقيم على شركه وكفره، وإن كان الخطاب للمؤمن فإن الاستغفار هو التوبة من الذنوب صغارها وكبارها لما سلف وما يستقبل من العمل.
стр. 256
و هل يقبل الله تعالى الاستغفار بدون توبة؟
بيّن ابن تيمية ﵀ أن الاستغفار لا بد أن يقترن مع التوبة وهذا عام في كل من يستغفر، ولكل معصية. فإن الاستغفار بدون التوبة، لا يستلزم المغفرة، وَلَكِنْ هُوَ سَبَبٌ مِنَ الْأَسْبَابِ. لكن يوجد استغفار بدون توبة وقد ينفع في حق بعض الناس دون البعض، فبعض الناس يستغفر ولم يتب، لكن يحصل له عند الاستغفار من الخشية والإنابة ما يتجاوز الله به عن خطاياه بسبب ما قارن ذلك الاستغفار من الانكسار والخشية والإنابة إلى الله كما في حديث البطاقة المعروف، وهو أرجى حديث للعصاة عند أهل السنة والجماعة، (يُصَاحُ بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُؤوسِ الْخَلَائِقِ، فَيُنْشَرُ علَيه تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلّا، … ) (١) فصاحب البطاقة لم يُعذب، وجميع أصحاب الكبائر هم ممن قالها ولكن منهم من يعذب بالنار، كما ثبت في الصحيح، أما صاحب البطاقة فقد قالها عن توبة وإخلاص، ولهذا إذا تاب فالتوبة تكفيه، وقد ثقلت بطاقته بتلك السيئات مع أن السيئات لم تُمح عنه؛ لكن قوله إياها بصدق وإخلاص استغرقت جميع سيئاته وطغت عليها فغفرها الله له، وكثير من الناس يقولونها وليس عندهم صدق وإخلاص فيعذبون بسيئاتهم. ولا يقبل استغفارهم، ومع أن صاحب البطاقة لم يستغفر
стр. 257
ولكن ذكر الشهادتين خالصا من قبله (١) وقياساً على ذلك الاستغفار، فالشهاد ة على أي حال متضمنة للرجوع إلى الله والاعتراف له بالوحدانية. وكما قال أحد السلف: إن استغفارنا هذا بحاجة إلى استغفار. فالاستغفار المطلوب هو ما صدقت فيه النية وواطأه اللسان، وحصل فيها طلب العفو الصادق من المنان، فيشعر فيه المستغفر بتعظيم للغفار واعتراف بما أتى من تعد لحرماته. ولذلك قال النَّبِيِّ ﷺ : (سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ) قَالَ: (وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) (٢)
ومعنى الاستغفار: طلب المغفرة من الله تعالى وذلك بالإجابة باللسان، ثم الإنابة بالجنان، ثم المداومة عليهما (٣).
стр. 258
١٠ - الترغيب ببيان المفاضلة بين العاملين: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ٩٥ دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً
وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦].
ما أبرع أسلوب الترغيب الرباني في الحضّ على حيازة الأفضل والأمثل ففي قوله: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ حثٌّ لتتطلع الهمم إلى القمم، ولا تُحط الرحال إلا بعد إدراك غاية الآمال، ففضل الله تعالى لا يتساوى فيه جميع العباد، فمنهم السابق، ومنهم المقتصد، ومنهم من كبا به الجواد. فتلك الدرجات هي عين ما يقتضيه عدله، وما تستلزمه مغفرته ورحمته ﷻ .
فدقّة التفاضل في الآخرة، ميزان ذو حساسية مرهفة، أرأيت ميزان الذهب ودقته بل هو أشدّ، ميزانٌ وحْدته الذرّة والهباءة التي لا ثقل لها ولا تُرى للعَيان، ولكنها لا تفوت ولا يعجز عن تسجيلها الملكان، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] فعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَلِيٍّ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ إِسْلَامُهُمَا جَمِيعًا، فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنَ الْآخَرِ، فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَكَثَ الْآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً، ثُمَّ تُوُفِّيَ، قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، إِذَا أَنَا
دلت الآية الكريمة على عظيم التفاوت في درجات الجنة ترغيباً في إحراز أعلى الدرجات، فما بين كل درجة والتي تليها كما بين السماء والأرض قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : (إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) (١).
كما بيّن النبي ﷺ بُعد المسافة بين كل درجة وأخرى في الحديث الصحيح بأن أهل الجنة يتراءون من هم أعلى منهم في الدرجات كالكوكب الغابر في السماء فقال ﷺ : (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنُ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا يَتَرَاءَوْنُ الْكَوْكَبَ الدَّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ) (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً ٧ فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ٨ وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ ٩ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ١٠ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ٧ - ١١].
بيان للتفاوت بحسب الأعمال فالسابقون هم الذين سبقوا بِالنَّوَافِلِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ وَتَرَكُوا مَا لَا بَأْسَ بِهِ خَوْفًا مِمَّا بِهِ بَأْسٌ، وَمَا زَالُوا يَتَقَرَّبُونَ ففاقوا غيرهم إيماناً و عملاً وامتثالاً وهم الأنبياء والرّسل والصّديقون والشهداء وأمثالهم وهم في أعلى المنازل، وأصحاب الميمنة في منزلة أدنى في الجنة وهم الَّذِينَ اقْتَصَرُوا عَلَى الْتِزَامِ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ فَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى
стр. 261
ذَلِكَ وَلَمْ يَنْقُصُوا مِنْهُ (١) ثم كل منهم درجات متفاوتة ما بين كل درجة وأخرى كما بين السماء والأرض. قال صاحب معارج القبول في تفاوت أهل الجنة: " وَمُتَفَاوِتُونَ فِي الْمِلْكِ، وَمُتَفَاوِتُونَ فِي الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ وَالنُّورِ وَمُتَفَاوِتُونَ فِي قُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ ، وَمُتَفَاوِتُونَ فِي تَكْثِيرِ زِيَارَتِهِمْ إِيَّاهُ، وَمُتَفَاوِتُونَ فِي مَقَاعِدِهِمْ يَوْمَ الْمَزِيدِ، وَمُتَفَاوِتُونَ تَفَاوُتًا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ " (٢).
١٢ - الترغيب بالمنافسة والمسارعة لنيل أعلى درجات القبول:
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ١٠ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١].
وقال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦].
وقال : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
وقال : ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا
стр. 262
كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
ما أجمل التعبير القرآني وهو يشحذ الهمم، ويضمّن بالمفهوم ذمّ التراخي والفتور والإبطاء، فالعبد إن لم يلتفت لآخرته، ويسابق إليها، أخذته الدنيا مع أعاصيرها وزوابعها وكان أمره فرطا. قال أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١] أي: لتكن منافستكم ومكاثرتكم في غير ما أنتم عليه بل احرصوا على أن تكون مسابقتكم في طلب الآخرة إلى ما كُلفتم به من الأعمال فتدخل فيه التوبة وغيرها. وسابقوا فيما تنالون به عند الله أعلى الدرجات. وسارعوا مسارعة المسابقين في المضمار إلى ما يوجب العفو و المغفرة، و التوبة من الذنوب (١).
١٣ - الترغيب بالشكر من الله للعبد:
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩].
стр. 263
وقال تعالى ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨].
لا مثيل لكرم الله وسعة عطائه، تأمل كيف يؤدي العبد الطاعة التي هي من واجباته كعبد تجاه سيده ومولاه، وخالقه ووليّ نعمته، ثم يجد قبولها والشكر والثناء من الله عليها مع أن نفعها عائد إلى العبد نفسه، فكأن الله تعالى يشكره على معروف صنعه لنفع نفسه. فلا يخفى أن التعبير بالشكر فيه ترغيب في السعي لعمل الآخرة، وحثّ للإكثار من عمل الخير وجميع أعمال البرّ على إطلاقها، فإن الله تعالى يقبل طاعة العبد ويشكره عليها، قال الزجاج (١): "الشُّكْر من الله تَعَالَى هُوَ إثابته الشاكر على شكره فَجعل ثَوَابه للشكر وقبوله للطاعة شكرا" (٢).
والشكر: عرفان الإحسان ونشره.
ومن أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وصفاته أنه (الشَّكُورُ) فهُوَ الَّذِي يَزْكُو عِنْدَهُ القَلِيلُ مِنْ أعْمالِ الْعِبَادِ فيُضاَعف لَهُمُ الجَزَاء بالكثير الذي لا حصر له ولا عدّ، فهو الواسع العطاء سبحانه (٣).
стр. 264
فالشكر درجة فوق مجرد الإثابة، بل وفوق الرضا. فهي الرضا مع الزيادة والعطاء الجزيل والقُرب.
فعند التأمل في تذييل الآية السابقة واقتران العلم مع الشكر بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ يظهر التأكيد على أمور منها:
- أنها تأكيد يفيد الترغيب في عموم الطاعات بأنواعها.
- ورود صفة العلم بعد الشكر فيه تأكيد وتذكير بالإخلاص وإن الله مطّلع على نية العامل.
- و لفظ (شاكر) فيه مدحٌ للعبد وثناء على عمله، ومجزٍ له فوق ما يستحق (١).
- كما نجد في صفة (عليم) إشارة خفية تزيد على مجرد الشكر بالإثابة فهي تحمل في طياتها الاطلاع على العمل بما يفيد التشريف والتقدير للعمل وعامله إذ أن الشكر في ذاته يستلزم العلم، ولكن إيراد العلم هنا يفيد التقدير إذ كفى بالعلم والاطّلاع على العمل من صاحب المكانة العالية تشريفاً للعمل وصاحبه وإن لم يَشكر.
стр. 265
وكذا في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٤]. ومعنى ﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ أي: لا يُجحد ولا يُبطل سعيه بل يُشكر ويثاب عليه، ثم جاء بعد ذلك بالتأكيد بكتابة العمل في اللوح المحفوظ وصحيفة العبد، مع ما يحمل اللفظ في طياته من إشارة لطيفة إلى تقدير العمل ورفع مكانة صاحبه بقوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾.
ومن خلال تأمل الآية الكريمة يلاحظ أنها تضمّنت أربعة مؤكدات على الشكر، وعدم كفران السعي وضياع الثواب، بحرف التوكيد أولاً ونون العظمة ثانياً ﴿وَإِنَّا﴾ الدال على التشريف، ثم بالضمير ﴿لَهُ﴾ ثم بالتقيد والكتابة بصيغة الجمع وما فيها من دلالة كذلك على شرف المكانة للمكتوب ﴿كَاتِبُونَ﴾ فالمعنى بذلك يتضمّن كتابة حفظ وتقييد، وكتابة شهادة وحجة، وكتابة عرفان وتشريف. والله تعالى أعلم.
١٤ - الترغيب بالإشارة إلى آلاء الله في الكون:
قال من أبدع الكون سبحانة: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا
وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ٦ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا
стр. 266
فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ ٧ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ٨ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ٩ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ١٠ رِزْقًا
لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ٦ - ١١].
وقال البارئ ﷻ : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠].
وقال جلّ شأنه: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ١٧ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ١٨ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ١٩ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ٢٠ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢١].
يستنهض القرآن الكريم ذوي العقول السليمة للنظر في آلاء الله، والتفكّر في بديع خلقه، فالتّأمل في هذا الكون العجيب، يقود الكافر إلى الله، ويزيد المؤمن على إيمانه يقيناً بأن هذا الكون لم يخلق عبثاً، ولم يُنشأ سدى، مما يحدو بالعبد إلى استصغار ذاته، وتعظيم أمر ربه و الجثو عند باب الخالق العظيم، طالباً العفو، راجياً القبول (١).
١٥ - الترغيب بالإضافة إليه جل وعلا والإشادة بالصفات الحسنة، وبيان صفات المؤمن الحق:
стр. 267
وهو أسلوب تربوي قرآني كريم قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] إلى آخر آية ٧٥ فبين أن هؤلاء هم الذين شرفهم الله تعالى بالإضافة إلى ذاته بأنهم عباده فوصفهم بأعلى مقامات الشرف للمخلوق وهي عبوديته (١).
ثم قال تعالى في وصفهم: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ٢٣ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ٢٤ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ٢٥ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ٢٦ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ إلى آخر الآيات [المعارج: ٢٣ - ٢٧].
فالقرآن الكريم يُلقي الضوء على الصفات التي يقبلها الله ويحبها، فهؤلاء الذين تحلوا بفضائل الصفات، فإن لهم من الله فضائل الدرجات. وقد قال النبي ﷺ : (إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقاً، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ القِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ) (٢).
стр. 268
وقال ﵊: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ) (١).
* * * *
ب - أسلوب الترهيب
وكما لأسلوب الترغيب من أثر بالغ في جذب السائرين إلى الله، وحسن توجههم إليه، فإن أسلوب الترهيب جاء لتحقيق التوازن التربوي ففيه التحذير من خطر الانحراف عن الطريق ومغبّة البعد عن مناهل القبول وعذب موارده، ومن عاقبة الولوج في مفاوز الجدب والقحط من الخير. ومن ذلك:
١ - الترهيب بالمماثلة في الوزر:
قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ
إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠].
стр. 269
إن الترهيب بالمماثلة في الوزر يدلّ ضمناً على ولوج درب شائك، و تباعد عن درب القبول، فلا يُتصور أن يكثر العبد الذنوب ثم يكون من الله مقرباً ومحبوباً، وانظر إلى نوع الذنب وشدة مقت الله لصاحبه، فبحسب موقع الذنب عند الله وبغضه له يكون بعد صاحبه عن مناهل القبول وأسباب المغفرة. ففي الآية السابقة تشديد في التحذير من التمادي مع أهل الباطل، وممالأتهم على ما هم فيه من ضلال، والمعنى إنكم إن جالستم من يكفر بآيات الله ويستهزئ بها وأنتم تسمعون، فإن لم تقوموا عنهم في تلك الحال، فقد أتيتم من معصية الله نحو الذي أتَوْه منها، فأنتم إذاً مثلهم في ركوبكم معصية الله، ومثلهم في استحقاق العقوبة (١). فهؤلاء الذين يستهزئون بالدين، ويستهينون بحرمات الله، أولئك على نأيٍ من أسباب القبول، ومجالستهم إنما هي على شفا جرف هار، ولسوف يحملون معهم ما حملوا من آثام وأوزار.
٢ - الترهيب بضرب المثل:
من أبلغ الوسائل الوعظية والترهيبية تصوير حال أهل الضلال والزيغ، وتمثيل حالهم بأمور محسوسة في الواقع لدى المتلقي، ليكون ذلك أوقع في الإقناع، وأبعد من سيء تلك الصفات
стр. 270
والطباع. فيصور حال الذين طُردوا وكيف أنهم في انحدار وسفول، وأنهم لم يجدوا عند الله حُظوة ولا قبول، وذهب كل ما جمعوا فوقفوا بائرين حاسرين. ومنهم ذاك الذي غرر به الشيطان فتشبث بالدنيا عن الدين، وحوّلته الأهواء والشهوات إلى حال الظالمين الخاسرين.
قال جل في علاه ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا
صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٧]. أي: مثل ما ينفقون ولو كان في ظاهره الخير فلا يُقبل منهم، كمثل زرعٍ نبَتَ وتهيأ للحصاد، فأصابته ريحٌ شديدة البرد، فأهلكت ذلك الزرع وأيبسته، وذهبت بالثمر فأفسدته. وكذلك هم أنفقوا فأهلكهم شِرْكهم، وأذهب ثواب أعمالهم هباء (١).
ومن الأمثال قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] مثل للترهيب من كلام الكفر والنفاق وسائر خبيث القول والعمل ومن معاني هذه الآية ما رُوي عن ابن عباس أنه قال هيَ الكافر لأنه لا يقبل عمله فليس له أصل ثابت ولا يصعد إلى السماء، فالكافر لا خير فيه ولا يصعد
стр. 271
له قول طيب ولا عمل صالح وهي ترهيب من عموم كلام السوء الذي يضر ولا ينفع (١).
الترهيب بعدم القبول:
ما أحوج المرء إلى من يُنير له الطريق ليتبيّن معالمه، ويبتعد به عن درب الشقاء لينعم بالسعادة، وهذه طريقة الكتاب المبين الذي جاء نوراً وهدى، فهو منارات يهتدي بها السائرون، ويعين الله فيه العبد على فعل ما يحبه ويرضاه، وينهاه عن انتهاك حماه، فها هو يقرر للجميع بصريح اللفظ أن من أتى بغير دين الإسلام يوم القيامة فلن يُقبل عمله:
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
وها هو يبيّن في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ
مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٥٣] أن الله لن يقبل من منافق صدقة ولا عملاً لكفره، ولا يقبله من أحدٍ لا يريد به وجهه الكريم (٢).
٣ - الترهيب بنار جهنم وأحداث الساعة:
ويأتي الترهيب بأحداث يوم القيامة ومشاهد البعث، و بجهنم وأغلالها، ودركاتها، ووصفها
стр. 272
الذي تنخلع له القلوب، و تطير من هَوْله النفوس، موقظاً لها من غفلتها، لتفيء إلى ربها راجية منه الصفح والقبول قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ١ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ - ٢]. ويدعو الله تعالى الناس في هذا النصّ القرآني المهيب لِيَنْظُرُوا إِلَى تِلْكَ الأحداث بِبَصَائِرِهِمْ، وَيَتَصَوَّرُوهَا بِعُقُولِهِمْ لِيَكُونَ ذَلِكَ حَامِلًا عَلَى تَقْوَاهُ والرجوع إليه، إِذْ لَا نَجَاةَ مِنْ تِلْكَ الشَّدَائِدِ إِلَّا بِالتَّقْوَى (١). يدعوهم لتجنب تلك الأهوال وليكونوا من ذلك كله في مأمن، ولا يتحقق ذلك بعد رحمته تعالى إلا بالقبول الذي من أسبابه البعد عن ظلم النفس وتعريضها للمخاطر باقتراف الشرك والذنوب كما قال عز من قائل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] ومن آيات الترهيب قوله جلّ شأنه:
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ ٢٥ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ٢٦ يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ٢٧ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ ٢٨ هَلَكَ
стр. 273
عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ٢٩ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ٣٠ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ٣١ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ ٣٢ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ٣٣ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٢٥ - ٣٤]. في الآيات تذكير بعظم الحسرة، مما يَقذف في القلوب الرعب والفزع أن يمثُلَ العبد بين يديّ ربه وهو مثقلٌ بالأوزار، جائرٌ عن المحجة، فيحقّ عليه القول، وتحيق به العقوبة.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦].
وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٣٠].
٤ - الترهيب بالسخط والمقت واللعنة:
والترهيب باللعنة والمقت سياطاً تلهب ظهور أولئك المائلين عن الصراط، والزائغين عن الحق، لتعود بهم إلى الجادة، ولتسوقهم إلى حظيرة القدس والطهر.
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [آل عمران: ٨٧]. ترهيب للزائغين عن الصراط، المرتدّين إلى الظلمات، باللعن والطرد، بل
стр. 274
بانصباب وابل اللعنات عليهم لبشاعة ما أقدموا عليه من خيانة لربهم، وجحود لوليّ نعمتهم، قيل: يُوقَفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَلْعَنُهُ اللَّهُ، ثُمَّ تَلْعَنُهُ الْمَلائِكَةُ، ثُمَّ يَلْعَنُهُ النَّاسُ أَجْمَعُونَ (١)، وذلك كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
وانظر إلى التعبير بكبَر المقت وما يوحي به من شدة البغض والكراهية وما فيه من استشعار لإغلاق أبواب القبول، وإيصاد منافذ الرحمة يوم القيامة في وجه من جادل في آيات الله تعالى ليبطلها بغير بيّنة ولا حجّة، وذلك في قوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥]. وفي الآية تصوير لعظم الفعل، وشناعته وكأنه لفرط قبحه هو المقت عينه (٢)، فكأنه مخلوق شديد القبح قد غُلّف به قلب ذلك المتكبر كالران والصدأ فيُطبع عليه فلا يدخله خير ولا يخرج منه خير.
* * * *
стр. 275
ثانياً: الأسلوب القصصي
الأسلوب القصصي في القرآن من أكثر الأساليب تأثيراً، ولذلك فقد توسع القرآن الكريم في القصص الذي يحكي مواقف الأمم السابقة مع أنبيائهم، ومصارع المكذبين، ونوعّ فيه من الإطناب والإيجاز فتارة يفصّل ويسهب في العرض كقصة موسى وفرعون، وتارة يترك القصة تعبر عن نفسها كقصة إبراهيم وإسماعيل، ويطلق العنان لخيال القارئ للتحليق في أجوائها، ولا يخفى ما في ذلك من إثارة ومتعة فنية مع تحقيق غاية مقصودة لذاتها فالقرآن الكريم جاء لترسيخ حقيقة الغائية في خلق الكون وخلق العباد، ونفي اعتقاد العبثية، أنزله الله تعالى لغاية وهدف مقصود، غاية دينية تربوية ليتحقق عن طريقها الإيمان والتسليم المؤدي للقبول.
كما أن الأسلوب القصصي من أكثر الأساليب توجيهاً وبياناً لخلاصة تجارب أقوام ضلّت عن الحق عقولهم، وتاهت عن النور بصائرهم، ويبيّن من خلال ذلك مصارع قوم حُرموا القبول، وأسباب حرمانهم، وقومٌ تقبلهم الله وموجبات قبولهم. لاستخلاص العبر والعظات، والإذعان لجبّار السموات كما قال تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]. فهذه قصة قوم سبأ، حرموا القبول لكفرهم نعمة الله وجحودهم
стр. 276
لآلائه قال تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ١٥ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ
١٦ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٥ - ١٧].
وهذا فرعون وقومه الذي بسط الله رزقه وسلطانه، فاستكبر وأظهر في الناس ظلمه وطغيانه، فحُرم وقومه القبول، لاتباعهم له ونبذهم دعوة الرسول (١)، قال تعالى في شأنهم:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِئَايَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ٩٦ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ٩٧ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ٩٨ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٦ - ٩٩]. ومن القصص ذكر سمات بعض من تقبلهم الله تعالى ومنهم لقمان الحكيم، حيث بين طرفاً من حياته التربوية مع ابنه، وذكر وصاياه القيمة، ومواعظه النافعة، لتكون النهج السديد، وهدياً يُتبع لكل أب رشيد (٢)، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ
стр. 277
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢].
وقصة ابني آدم إذ تقبل الله من أحدهما وهو التقي الذي تصدق بأفضل ما عنده، ليُلقي الضوء من خلال السياق على جوانب متعددة، منها أثر الإخلاص وتقديم محبة الله على محبة النفس، ثم عاقبة الحسد والظلم، وقتل النفس البريئة بغير حق، ثم بيان موجبات القبول وهي أن الطاعة لا تقبل إلا من مؤمن يتقي الله بأن يقدمها بين يدي ربه بإخلاص فقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ٢٧ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ
لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٧ - ٢٨].
* * * *
стр. 278
ثالثاً: أسلوب ضرب المثل
وأسلوب ضرب المثل من أوقع وسائل إيصال المعلومة وفعاليتها في نفس المتلقي.
ويتميز المثل القرآني بصدق الصورة، حيث تبدو وكأنها صورة حية متحركة، تتحرك لها المشاعر والأحاسيس، كما يمتاز بدقة المماثلة بين المشبّه والمشبّه به، والتنويع في العرض فتارة بإسهاب مع بيان ركني التشبيه وتارة باقتضاب وتلميح يُفهم من السياق (١).
قال تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٥].
و المثل: كما قال ابن القيم: "هو تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ فِي حُكْمِهِ، وَتَقْرِيبُ الْمَعْقُولِ مِنَ الْمَحْسُوسِ أَوْ أَحَدِ الْمَحْسُوسِينَ مِنَ الْآخَرِ وَاعْتِبَارُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ" (٢).
وأغراض المثل في القرآن متنوعة تدور جميعها حول سبل نيل القبول وتحصيل أسبابه والبعد عمّا يضاده، ويمكن تلخيصها في التالي:
- للحث على الطاعة والاستقامة، وللتحذير من مغبة الوقوع في دائرة غضب الله وسخطه كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى
стр. 279
كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤].
لتوضيح المطلوب من العبد عن طريق التشبيه بالمحسوسات من حوله ليسهل تصور الأمر كقوله تعالى في مثَل المنفق صدقته رياء ونفاقاً وكيف أنها يُمحق ثوابها وتذهب أداج الرياح، وهو مثل ضربه الله في بيان الحسرة عن سلب النعمة عندما يكون صاحبها أشد ما يكون حاجة إليها مع عظم قدرها ومنفعتها (١) فقال: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ
جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٦].
تمثيل بديع لصدقة المنافق في عالم الحس: كأنها جنة وارفة ذات ثمر وظل .. وكذلك هي الصدقة في أصلها ومردودها لمعطيها وللمعطى إليه، .. كلها خير وبركة، ونماء وعطاء، فمن ذا يحب أن تكون له مثل هذه الجنة، ثم إذا بحسبان النفاق والرياء يأتي عليها فيمحقها محقاً، فيذرها قاعاً
стр. 280
صفصفاً، كما يمحق الجنة إعصار فيه نار، وفي أشد الوقت حاجة لها، وأشد سني عمره كبراً وعجزاً عن إنقاذها، وحاجة إلى وارف ظلها، ويانع ثمارها! فقال: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: ٢٦٦]. من ذا الذي يُحبّ ذلك ويودّه؟ إن المرء ليتخيل مثل هذا الأمر ويتمثّل مصير جنته التي أنفق فيها وبذل الجهد في ريّها ونمائها حتى اكتملت وإذْ بها تتحول إلى هشيم في أحوج ما يكون إليها فيرى هول المصيبة .. هكذا هي صدقة المنافق يعظُم في الدنيا حمد الناس على صاحبها وثناؤهم عليه، من حسنها وطيب جناها فيما يظهر للناس، فتحسُن في أنظارهم ويُرفع في أعينهم صاحبها، حتى إذا جاء بها إلى الله تعالى يوم العرض الأكبر لم يقبلها الله، ولم ينظر إليها عياذاً بالله.
- للإقناع بأمر معين والإذعان للمطلوب من ورائه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ
عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ
كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩].
مثّل الله لخلق عيسى بخلقه لآدم لكشف الْمَفْتُونِينَ به والمنكرين لخلقه كونه خُلق عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ الْمُعْتَادَةِ وَالْمُحَاجِّينَ فِيهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فبيّن لهم إِنَّ شَبَهَ عِيسَى وَصِفَتَهُ فِي خَلْقِ اللهِ إِيَّاهُ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ
стр. 281
سَبَقَ كَشَأْنِ آدَمَ فِي ذَلِكَ (١).
- لتقريب الصورة إلى ذهن المخاطب كقوله تعالى يمثّل أعمال الكافر: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ
مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨].
ومشهد الرماد الذي تشتد الريح بتطاير ذراته في يوم عاصف، مثلٌ يجسد ضياع العمل سُدى، وذَهاب الجهود بددا، هكذا بلا جدوى، فلا يقدر أصحابه على الإمساك به أو استرجاع شيء منه فضلا عن الانتفاع به.
إنه مثل يصف حال الكفار، تراهم جاهدين في أعمالهم، مستغرقين فيها يرجون نفعها، ولكنهم بَنوها على أساس غير صحيح، على غير الإيمان الذي ينبغي أن يكون هو باعث العمل والذي بانتفائه يكون العمل مقطوعاً لا جذور له، فانهار كل ما عملوا رماداً أحوج ما كانوا إليه قط، واحتمله الريح فعصف به فتطاير هشاً خفيفاً كالرماد إذْ تذروه الرياح، وتفَرّق وتبعثر هباء في الهواء. وهكذا يبين المثل مشهداً مصوراً بأسلوب مؤثر لاستشعار هذه المأساة ولتصحيح
стр. 282
الوضع الذي ينبغي أن يكون والذي ينبني عليه القبول (١).
- للتزيين أو التنفير من أمر معين كقوله تعالى في التنفير من الغيبة: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]. مثل شبّه فيه الوقوع في عرض
المسلم كأكل لحمه ميتاً وهو أمر منفّر تعافه النفس، وكأنه يقول: فكما كرهتم أكل لحم الميت فاكرهوا ذكر إخوانكم بسوء والوقوع في أعراضهم.
- للمدح أو الذم كقوله في ذمّ الكفار المعرضين عن الحق ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾
[البقرة: ١٧١]. فهم الذين عُدموا الفهم والعقل، فأصبحوا بمنزلة البهائم التي لا تسمع إلا صوت الراعي ولا تفهم ما يقول فهم صُمٌّ عَنْ سَمَاعِ الْحَقِّ، بُكْمٌ لَا يَتَفَوَّهُونَ بِهِ، عُمْيٌ عَنْ رُؤْيَةِ طَرِيقِهِ (٢).
- للحثّ والتوجيه كقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةِ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَئَاتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥].
стр. 283
مثل ضربه الله تعالى لبيان كيف يزكو المال وينمو ويتقبله الله بيمينه فيربيه ويضاعفه، فمثل المؤمنين المنفقين أموالهم لوجه الله وابتغاء رضوانه، وتصديقاً بما وعدهم الله من الجزاء إيماناً واحتساباً، كمثل جنة وارفة الشجر، عظيمة الخصب والثمر، سُقيت بوابل المطر فأضحى ثمرها مثلي ما كانت عليه، وإن لم يُصبها الوابل الغزير فمطر خفيف يكفيها لجودة تربتها وكرم منبتها، فمن الناس من يكون إنفاقه وابلاً ومنهم من يكون إنفاقه طلاً، وكثير البر كثير الجود إن أصابه خير كثير أغدق ووسّع في الإنفاق، وإن أصابه خير قليل أنفق بقدره، فخيره دائم، وبره لا ينقطع (١).
- للعظة و العبرة كالذي أغرته الدنيا، فأخلد إليها، ولهث خلفها فارتد عن دين الله قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ١٧٥ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِئَايَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦]. فهذا بلعام بن باعوراء كان من علماء بني إسرائيل وكان مستجاب الدعوة، وكان قومه يقدمونه في الشدائد ليدعو الله لهم. بعثه موسى ﵇ إلى ملك مدين يدعوهم إلى الله فأطعمه وأقطعه وأعطاه فأغرته الشهوات
стр. 284
فترك دينه وتبع دين الملك (١). فمثل هذا
البلعام الذي افتتن بالدنيا وهام، وترك دينه لاهثاً خلف دينار من حرام، كالكلب إن تطرده أو تتركه يُخْرج لسانه في الحالين لاهثاً، والمعنى أنه يظل على كفره ويعود إلى سوء طينته، سواء عليه أدعوته أم أهملته، فالأمر سيان، فقد رأى الآيات والمعجزات فما أفلح وما أنجح، فهو مثلٌ سيق للعبرة به وأخذ العظة (٢).
* * * *
رابعاً: الأسلوب الإنشائي
ينقسم أسلوب الإنشاء إلى قسمين: إنشاء طلبي، وإنشاء غير طلبي.
أما الإنشاء الطلبي: فهو ما يستدعي مطلوبًا غير حاصل أثناء الطلب، ويشمل أساليب الأمر، والنهي، والتمني، والاستفهام، والنداء (٣). وقد تنوع السياق القرآني في أساليبه.
ففي أسلوب الأمر يحث المؤمنين على الطاعة الموجبة للقبول قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا
стр. 285
الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
وقد يأتي أسلوب النهي مبيناً حال أو مآل فئة من المقبولين ومنهم الشهداء قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. نلاحظ في هذه الآية أسلوب نهي جاء مشتملاً على إغراء وترغيب، فينهى الله تعالى رسوله أن يخطر بباله وحسبانه أن من أنعم عليهم ووفقهم للشهادة بأنهم قد ماتوا وفُقدوا، بل قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون، فهم في حياة برزخية يُرْزَقُونَ ويأكلون ويشربون. لم تتوقف عنهم لذة الحياة ومتعتها فهم يتنعمون برزق الله (عنده) في الجنان، عنديّة شرف ومكانة ورفعة، وإدناء من ربهم وقُربة، أحياء في دار كرامته. يجري عليهم من أنواع النعيم الذي لا يَعلم وصفه، إلا من أنعم به عليهم، وما ساق إليهم من الكرامة والتفضيل على غيرهم، وما عجّل لهم من رزق الجنة ونعيمها (١).
وفي التمني وعتاب النفس: يبين كيف تتقطع نفس الخاسر حسرات يوم القيامة عند معاينته النار وعذابها، والجنة ونعيمها، ويرى المقبولين كيف دخلوا الجنان زمراً زمراً، ثم لا يرى طريقه إلا إلى نار تلظى فيقول: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤] ومثله قوله تعالى مبيّناً حال الذي اتبع قرينه في الصدّ عن سبيل الله متمنيّاً الفكاك منه والبراءة منه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ