← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30145

القبول شروطه وموجباته ودرجاته وعلاماته ومحبطاته

إيمان بنت عبد اللطيف كردي

Полный текст (362 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

سَبَقَ كَشَأْنِ آدَمَ فِي ذَلِكَ (١). - لتقريب الصورة إلى ذهن المخاطب كقوله تعالى يمثّل أعمال الكافر: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨]. ومشهد الرماد الذي تشتد الريح بتطاير ذراته في يوم عاصف، مثلٌ يجسد ضياع العمل سُدى، وذَهاب الجهود بددا، هكذا بلا جدوى، فلا يقدر أصحابه على الإمساك به أو استرجاع شيء منه فضلا عن الانتفاع به. إنه مثل يصف حال الكفار، تراهم جاهدين في أعمالهم، مستغرقين فيها يرجون نفعها، ولكنهم بَنوها على أساس غير صحيح، على غير الإيمان الذي ينبغي أن يكون هو باعث العمل والذي بانتفائه يكون العمل مقطوعاً لا جذور له، فانهار كل ما عملوا رماداً أحوج ما كانوا إليه قط، واحتمله الريح فعصف به فتطاير هشاً خفيفاً كالرماد إذْ تذروه الرياح، وتفَرّق وتبعثر هباء في الهواء. وهكذا يبين المثل مشهداً مصوراً بأسلوب مؤثر لاستشعار هذه المأساة ولتصحيح

стр. 282

الوضع الذي ينبغي أن يكون والذي ينبني عليه القبول (١). - للتزيين أو التنفير من أمر معين كقوله تعالى في التنفير من الغيبة: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]. مثل شبّه فيه الوقوع في عرض المسلم كأكل لحمه ميتاً وهو أمر منفّر تعافه النفس، وكأنه يقول: فكما كرهتم أكل لحم الميت فاكرهوا ذكر إخوانكم بسوء والوقوع في أعراضهم. - للمدح أو الذم كقوله في ذمّ الكفار المعرضين عن الحق ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]. فهم الذين عُدموا الفهم والعقل، فأصبحوا بمنزلة البهائم التي لا تسمع إلا صوت الراعي ولا تفهم ما يقول فهم صُمٌّ عَنْ سَمَاعِ الْحَقِّ، بُكْمٌ لَا يَتَفَوَّهُونَ بِهِ، عُمْيٌ عَنْ رُؤْيَةِ طَرِيقِهِ (٢). - للحثّ والتوجيه كقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةِ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَئَاتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥].

стр. 283

مثل ضربه الله تعالى لبيان كيف يزكو المال وينمو ويتقبله الله بيمينه فيربيه ويضاعفه، فمثل المؤمنين المنفقين أموالهم لوجه الله وابتغاء رضوانه، وتصديقاً بما وعدهم الله من الجزاء إيماناً واحتساباً، كمثل جنة وارفة الشجر، عظيمة الخصب والثمر، سُقيت بوابل المطر فأضحى ثمرها مثلي ما كانت عليه، وإن لم يُصبها الوابل الغزير فمطر خفيف يكفيها لجودة تربتها وكرم منبتها، فمن الناس من يكون إنفاقه وابلاً ومنهم من يكون إنفاقه طلاً، وكثير البر كثير الجود إن أصابه خير كثير أغدق ووسّع في الإنفاق، وإن أصابه خير قليل أنفق بقدره، فخيره دائم، وبره لا ينقطع (١). - للعظة و العبرة كالذي أغرته الدنيا، فأخلد إليها، ولهث خلفها فارتد عن دين الله قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ١٧٥ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِئَايَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦]. فهذا بلعام بن باعوراء كان من علماء بني إسرائيل وكان مستجاب الدعوة، وكان قومه يقدمونه في الشدائد ليدعو الله لهم. بعثه موسى ﵇ إلى ملك مدين يدعوهم إلى الله فأطعمه وأقطعه وأعطاه فأغرته الشهوات

стр. 284

فترك دينه وتبع دين الملك (١). فمثل هذا البلعام الذي افتتن بالدنيا وهام، وترك دينه لاهثاً خلف دينار من حرام، كالكلب إن تطرده أو تتركه يُخْرج لسانه في الحالين لاهثاً، والمعنى أنه يظل على كفره ويعود إلى سوء طينته، سواء عليه أدعوته أم أهملته، فالأمر سيان، فقد رأى الآيات والمعجزات فما أفلح وما أنجح، فهو مثلٌ سيق للعبرة به وأخذ العظة (٢). * * * * رابعاً: الأسلوب الإنشائي ينقسم أسلوب الإنشاء إلى قسمين: إنشاء طلبي، وإنشاء غير طلبي. أما الإنشاء الطلبي: فهو ما يستدعي مطلوبًا غير حاصل أثناء الطلب، ويشمل أساليب الأمر، والنهي، والتمني، والاستفهام، والنداء (٣). وقد تنوع السياق القرآني في أساليبه. ففي أسلوب الأمر يحث المؤمنين على الطاعة الموجبة للقبول قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 285

الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. وقد يأتي أسلوب النهي مبيناً حال أو مآل فئة من المقبولين ومنهم الشهداء قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. نلاحظ في هذه الآية أسلوب نهي جاء مشتملاً على إغراء وترغيب، فينهى الله تعالى رسوله أن يخطر بباله وحسبانه أن من أنعم عليهم ووفقهم للشهادة بأنهم قد ماتوا وفُقدوا، بل قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون، فهم في حياة برزخية يُرْزَقُونَ ويأكلون ويشربون. لم تتوقف عنهم لذة الحياة ومتعتها فهم يتنعمون برزق الله (عنده) في الجنان، عنديّة شرف ومكانة ورفعة، وإدناء من ربهم وقُربة، أحياء في دار كرامته. يجري عليهم من أنواع النعيم الذي لا يَعلم وصفه، إلا من أنعم به عليهم، وما ساق إليهم من الكرامة والتفضيل على غيرهم، وما عجّل لهم من رزق الجنة ونعيمها (١). وفي التمني وعتاب النفس: يبين كيف تتقطع نفس الخاسر حسرات يوم القيامة عند معاينته النار وعذابها، والجنة ونعيمها، ويرى المقبولين كيف دخلوا الجنان زمراً زمراً، ثم لا يرى طريقه إلا إلى نار تلظى فيقول: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤] ومثله قوله تعالى مبيّناً حال الذي اتبع قرينه في الصدّ عن سبيل الله متمنيّاً الفكاك منه والبراءة منه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ

стр. 286

بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨]. ويبيّن شدة الأسف والحسرة وتمني العودة والاستقامة في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ٢٧ يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٨]. فهو أسلوب يبيّن ندم الخاسر وتمنيه حيث لا ينفع التمني، وتَبرّيه من سوء عمله حيث لا يجدي التبرّي. وكل ذلك تحذير إلى ما ستؤول إليه نفس الغافل حينما توصد في وجهه أبواب القبول، وليس له إلا مواجهة المصير الأسود المحتوم (١). وفي الاستفهام: تظهر فئة المكذبين المستكبرين الذين أُغلقت في وجوههم أبواب القبول لافترائهم على الله، فهم يصفون ما يحويه القرآن من حقائق عن الأولين وعظات للمعتبرين، وهدى لعلاج القلوب، ونور للدلالة على أقوم الدروب بأنه أساطير وخرافات: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]. لا جرم أن الله تعالى لم يتقبل منهم وأنه أعد لهم أسوء جزاء ومصير. وفي المقابل يُلقي الضوء على المؤمنين المتقين وإلى صدق ردّهم وصوابه عند سؤالهم عن ماذا أنزل الله: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠].

стр. 287

والاستفهام بمعناه الأساس وهو السؤال عن مجهول، لا يجوز على الله فالله تعالى عالم الغيب والشهادة، ولكنه في القرآن يأتي لأغراض مختلفة تشير في مجملها إلى تحقيق الغاية المطلوبة وهي الفوز بالرضوان، ونيل أسباب التقبّل والغفران، سواء بالإنكار على من ابتعد عنه وتوبيخه وتقريعه والترهيب من فعله، أو بالحض عليه والترغيب فيه. ومثال الإنكار والنفي قوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] (١). ومثال التوبيخ والتقريع والتضجّر كقوله: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٧] (٢). ومثال الحض والترغيب قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]. ومن أساليب الإنشاء النداء: وهو طلب الإقبال على الداعي (٣). وقد وظف التعبير القرآني الكريم أسلوب النداء لطلب الإقبال على الله، وعلى خيري الدنيا والآخرة، وذلك بتوجيه النداء

стр. 288

لهم ليسترعي انتباههم، وليقبلوا على ما سيأمرهم به وينهاهم عنه. ففي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨] يدعوهم ويهتف بهم، ليدخلوا في بوابة الإسلام المشرعة، ليدخلوا في الإسلام بجميع شرائعه وأحكامه وحدوده، بكل أوامره ونواهيه ففيه إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِ الذنوب وَالْمَعَاصِي، فذلك أدعى لتحصيل القبول والرفعة والمنزلة عند الله تعالى (١). ومنها نداؤه لهم والدعوة للتوبة ليشملهم بالمغفرة ويحلّ عليهم رضوانه فيدخلهم جنانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التحريم: ٨]. ونداءٌ الغرض منه التحذير والتخويف كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] (٢).

стр. 289

ونداء الغرض منه التعجب: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠] (١). أما الإنشاء غير الطلبي: فهو ما لا يستدعي مطلوباً، وله صيغ كثيرة؛ منها القَسَم، وأفعال المدح والذم، والترجي، ومن ذلك ألفاظ العقود كقول: بعت، واشتريت، ومنها: رب، وكم الخبرية لدلالتهما على إنشاء التقليل أو التكثير (٢): فمن القَسَم ما يحذّر الله به عباده من عدم القبول، عند ولايتهم للشيطان الخذول كقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ٦٣]. يقسم الله تعالى بنفسه لنبيه محمد ﷺ : والله يا محمد لقد أرسلنا رسلاً من قبلك إلى أممها بمثل ما أرسلناك إلى أمتك من الدعاء إلى إخلاص العبادة، وخلع الأنداد والآلهة فحسَّن لهم الشيطان ما كانوا عليه من الكفر بالله وعبادة الأوثان، حتى كذّبوا رسلهم، وردّوا ما جاءوهم به من عند ربهم، فكان الشيطان ناصرهم ووليّ أمثالهم في الدنيا، فأطاعوه واتبعوه وتولوه،

стр. 290

وبئس الناصر يكون لهم جميعاً في الآخرة فلن يدفع عنهم ما استحقوا من عذاب ونقمة (١). ويقسم سبحانه على حتمية وقوع يوم الجمع في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] تذكيراً الغرض منه الإقبال عليه حتى يثوبوا إلى أنفسهم ويعملوا لذلك اليوم. ويقسم على استيفاء الجزاء واستحقاق العقوبة على من كفر: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٧]. ويقسم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] لبيان حال من اجتهد في طاعة ربه، وسعى لرضوانه بأنه لا يضيّعه بل يهديه إلى طريق الاستقامة والهداية. و يستخدم القرآن الكريم أسلوب المدح والذم في امتداح المقبولين وصفاتهم والثناء عليهم أو يمتدح ما ينتظرهم من ثواب جزيل تشويقاً وتحريكاً للهمم والعزائم كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١] وقوله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ

стр. 291

الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨]. وفي امتداح العبد قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠]. وكذلك الأمر في ذم غير المقبولين وذم صفاتهم وما يئول إليه مصيرهم يوم القيامة قال تعالى في ذمّ فرعون وقومه: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩]. وقال في ذم ما أعد لأهل النار: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]. وذم الفسق: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. والمتأمل في أسلوب الترجي في القرآن الكريم يجد معنى توقع المحبوب أو الإشفاق من حصول المكروه، ومع أن الترجي بلعل وعسى في القرآن محقق الوقوع لأن الله تعالى عالم الغيب والشهادة، ولا يجوز عليه الاحتمال لأنه مناف لعلم الغيب (١) فإن الغرض منه التوجيه والحثّ

стр. 292

على تحصيل أسباب الرحمة والقبول، وطاعة الله و رسوله أولى الأسباب (١) وهي طريقة القرآن حتى لا يصيب العبد الغرور والاتكال. قال تعالى حكاية عن صالح ﵇ يرجو قومه ويحثهم على الاستغفار والتوبة حتى يتقبلهم الله فيمن رحم ولا يعذبهم: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦]. أي هلاّ استغفرتموه ليرحمكم (٢). وكثيراً ما يرد في القرآن الكريم تذييل الآيات بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣]، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٢]، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢] ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢]، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣] ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. وفي ذلك أوجه: الأول: أن الترجي راجع إلى العباد لا إلى الله تعالى إطماعاً لهم للحصول على ذلك الفضل، وليبيّن لهم أسباب تحقيقه، والنتائج المترتبة عليه وهو القبول في نهاية الأمر والرفعة عند الله. والثاني: لبيان أن تحصيل مراتب التقوى والهداية والشكر ليست بموجبة على الله إنما هي محض

стр. 293

فضل منه سبحانه وأن المتقي ينبغي أن لا يعتمد على تقواه وعمله ولا يأمن مكر الله. الثالث: ليدعوهم إلى التوجه بالرجاء إلى من يصحّ منه الرجاء لا إلى غيره. الرابع: فيه إطماع لهم بأن الترجي إذا كان على وجهه الصحيح فإنه قد يقع ويتحقق للعبد، فتتحقق التقوى والهداية والرجوع والتضرع ويقبله الله منهم وينعم عليهم بنعمة التفكّر والتعقّل ليكونوا من أولي الألباب (١). ومن الأساليب الإنشائية الأعداد و ألفاظ العقود وقد استخدم التعبير القرآني الكريم العدد سبعين وهو المأثور عن العرب في الدلالة على الزيادة قال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٨٠] وفي الأعداد عموماً قال عزّ من قائل للحث على الإقبال على ما عنده: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]. ومنها رُبّ وربما وكم الخبرية: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢].

стр. 294

يخبر القرآن الكريم بأن المكذبين الضالين، سيأتي عليهم وقت يتمنون فيه أنهم كانوا مسلمين، وذلك حينما يعاينون سوء العذاب ويذوقون شديد العقاب. " ربما .. ولكن حيث لا ينفع التمني ولا تجدي الودادة .. ربما .. وفيها التهديد الخفي، والاستهزاء الملفوف وفيها كذلك الحث على انتهاز الفرصة المعروضة للإسلام والنجاة قبل أن تضيع، ويأتي اليوم الذي يودون فيه لو كانوا مسلمين فما ينفعهم يومئذ أنهم يودون! " (١). ومن النهج القرآني استخدام (كمْ) الخبرية للدلالة على الكثرة كما في قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦] لافتاً الأنظار إلى مصارع الأقوام السابقة، الذين أهلكهم الله بسبب ذنوبهم، وما أكثرهم، وما أشدّ غفلتهم حيث لم يرعوُوا ويتعظوا. فالذنوب مَهلكة، وهي من أسباب المحق، فبعد أن ازدهرت حياتهم وأمدّهم الله من أسباب القوة، والنعم الوفيرة، كانت العاقبة أن أباد خضراءهم، وقطع دابرهم، بعد عنادهم وإعراضهم عن الحق، فهل من معتبِر؟. * * * *

стр. 295

خامساً: الأسلوب الوعظي يزخر القرآن الكريم بالمواعظ والحكم والأمثال إلى جانب الأحكام والأمر والنهي قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] والثمرة القصوى من وراء ذلك كله وما تسعى إليه التربية القرآنية هي تحقيق العبودية لله وبيان الطرق الموصلة للقرب والمحصّلة للقبول. وبأسلوب الوعظ والتوجيه اللين وما قد يشتمل عليه من عتاب يقوّم الله تعالى المجتمع المسلم، ويرسم له معالم وحدوداً حتى لا ينحرف به الطريق، فتتعاوره ذئاب الإثم والبغي والمنكر، وليُقيمه على جادّة ما يرضاه من الأقوال والأفعال، وينأى به عن مهاوي الزيغ والضلال، ويرشده إلى سبيل الهداية والصلاح، ويرقى به إلى درجة عالية من درجات القبول والفلاح قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]. وقال جلّ شأنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]. وقال تعالى يعظُ ويحذّر عباده المؤمنين من الخوض في حادثة الإفك والنيل من أعراض

стр. 296

الناس بعامة: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ١٦ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ١٧ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٦ - ١٧]. * * * * سادساً: أسلوب العرض والإغراء ومن أساليب الحث على طلب ما عند الله، والرغبة في كرمه عزّوجلّ وجزيل ثوابه، أسلوب العرْض والإغراء. والعرض: هو إبداء الشيء وإظهاره، وعرْض السلعة هو بسطها وإبداؤها للناظرين (١). والإغراء: من الغِراء وهو الإلصاق ولزوم الشيء، وأَغْرَاه: حَسَّنه، وأغري به أي أولع به (٢). فالعرض والإغراء هو امتداح السلعة وإظهار محاسنها للمشتري والثناء عليها حتى يولع بها فيسعى لنيلها والحصول عليها.

стр. 297

فانظر إلى الإغراء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١] وفي امتداح هذه السلعة استخدم التعبير القرآني عددًا من المؤكدات: أولها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ﴾ فالمشتري هو الله سبحانه فهو المقدس عن الكذب والخيانة .. وكافة عيوب المشترين من الخلق. والثاني: أنه عبّر عن إيصال هذا الثواب بصفقة البيع والشراء وهو حقّ مؤكد من الله الثالث: قَوْلُهُ: ﴿وَعْدًا﴾ ووعد الله حق. والرابع: قوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ وَكَلِمَةُ (عَلَى) لِلْوُجُوب. والخامس: قوله: ﴿حَقًّا﴾ وَهُوَ تأكيدٌ لِلتَّحْقِيقِ. والسادس: قوله: ﴿فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ وذلك يَجْرِي مَجْرَى إِشْهَادِ جَمِيعِ الْكُتُب الْإِلَهِيَّةِ وَجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ عَلَى هَذِهِ الْمُبَايَعَة.

стр. 298

والسابع: قوله: ﴿وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ وَهُوَ غَايَةٌ فِي التَّأْكِيدِ حيث لا أحد أوفى منه على الإطلاق سبحانه. والثامن: قوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ وفيه أيضاً مبَالَغَةٌ فِي التَّأْكِيدِ، بمباشرة آثاره، وكونه تحقق حصوله. التاسع: قوله: ﴿وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ﴾ بيان نجاح الصفقة والتفرد بالفوز على نظائرها. والعاشر: قوله: ﴿الْعَظِيمُ﴾ (١) بيان علوّ الصفقة وربحها. ويضفي التعبير بأسلوب العرض مزيداً من التشويق والإقبال والسعي الحثيث، ففي قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١]. هتافٌ مؤثّر موجّهٌ للعباد الذين هم أحوج ما هم فيه إلى ربهم ووليّ نعمتهم، الغنيّ المتفضل عليهم بإقراضه، نَعَمْ هتافٌ بإقراض الله تعالى، فوضعك القرض في يد ذي الحاجة فكأنما وُضع في يد الله، يتكفّل الله عزّوجلّ بسداده، وكيف يكون سداد الملك الغني الكبير الوهاب الرزاق والكريم سبحانه وقد عجبت اليهود لغبائهم وقصر فهومهم من ذلك

стр. 299

فقالوا: إن الله فقير يستقرض! (١). وإنما هو عرض سخيّ، عرض ميمون، للحصول على أجر مضمون، وسداد مضاعف، ثم يعرض لهم شيئاً من ذلك الأجر الكريم ما لو كان في الدنيا لتدافع الناس للحصول عليه، ولو نالوا في سبيل ذلك من المصاعب والمكاره الكثير فقال تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٥]. بعد أن عرَض لهم شهوات الدنيا التي غالباً ما ينكب الناس عليها ويتنافسون، وهي الزائلة الفانية، أخبرهم والإخبار هنا بما يحتويه من أسلوب بياني، وإثارة للخيال بمثابة العرض لهم لما هو أنفس وأعلى، وهو القمة في أسلوب الإغراء حيث عرَض أفضل ما هو متداول بين الناس، وأعلى المرغوب عندهم، ثم يطرح ما يكتسح ذلك كله، ويصرف تطلعاتهم إلى الأفضل والأبقى. ويأتي الخطاب لموسى ﵇ في دعوته وعرضه الهداية لفرعون في قوله: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ١٧ فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ١٨ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٧ - ١٩]. بما يحمله من إغراء للإقبال عليه وكما قال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]. فإن في هذا الأسلوب مِنْ لطْف

стр. 300

القول وسهولته ما لا يخفى على المتأمّل فقد أتى بـ (هل) الدالة على العرض والمشاورة لعله يعود إلى عقله، ويسلك طريق ربه، ويرجع إلى الحق في لطف فيُقبل على الله ليُقبل منه إيمانه (١). * * * * سابعاً: الأسلوب العقلي من إعجاز القرآن الكريم التلوين في أساليب العرض و تقديم الشواهد من الماضي والحاضر، ومن الكون الفسيح، ومن نفس الإنسان التي بين جنبيه، وتعريض النفس الإنسانية لمختلف المؤثّرات رغبة في الهداية والصلاح وتحذيراً من الاعوجاج والجنوح، قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣]. ومن أساليب الإقناع ومن المنهج القرآني في الدعوة إلى الله أسلوب مخاطبة العقل والمنطق، وهو أسلوب عميق الوقع، بالغ التأثير، يستند إلى الصواب والمصداقية، وتشترك في أدائه كل خصائص التعبير، و المؤثرات الموضوعية، يعرضها القرآن من جوانب متعددة وبمذاقات مختلفة، تتسلل إلى العقل أياً كان توجهه، لتقوده إلى مواطن الحكمة، وتعود به إلى حظيرة القبول.

стр. 301

ويدعو الأسلوب العقلي إلى إيقاظ ذوي الألباب من الغفلة، بالحوار تارة وبالحجة والبرهان تارة، ولتنشيط الذهن، وقدح الفكر، وحمل النفس على التفاعل مع سائر القضايا المطروحة في القرآن فهو تنبيه يحمل في طيّاته الإقناع بالاستسلام للخالق والرجوع إليه (١). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١] يدعوهم لينظروا في عظم خلق السموات والأرض، واتساع هذا الكون، حيث تنطق الدلائل والبراهين، أليس خلق البشر أهون على الله من خلق تلك العظائم، فلا يعجزه بعثهم؟. وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢] دعوة للتبصّر وإعمال العقل لرؤية دلائل وحدانيته، ماذا لو تعددت الآلهة؟ إذن لفسدت السموات والأرض، وهلك الكون بمن فيه بوقوع التَّنازع بينهم والخصام على أحقيّة التصرف والتدبير.

стр. 302

وقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. فلا يُتصوّر لعاقل أو أن يقول صاحب منطقٍ سليم أن يُقابل الإحسان إلا بمثله، فهل ثواب من أحسن العمل إلا أن يُحسن إليه بأحسن مما عمِل؟!. * * * * ثامناً: الأسلوب الوجداني إنّ أسلوب الخطاب الوجداني، بما يحمله من صيغة وجرْس، وما يتضمّنه من تأثير يحرّك أوتار العاطفة ويسري إلى داخل القلوب فيهزّها، ويُعالج ما يعتورها من سقم، فالقلوب سريعة التقلب، شديدة الارتفاع والانخفاض مع تلاطم موج الوجدان والعاطفة. كثيرة النسيان والغفلة، فيأتي النص القرآني بطابعه الوجداني ليذكّرها بآلاء الله وسبوغ النعم، وبفضل الله ورحماته المتدفقة، وبتقصير المخلوق الحقير في جنب خالقه العظيم، فيستثير في كوامن النفس محبة الله، والرجوع إلى الوازع والضمير، والتفكر فيما جنَت واقترفت في حق الله، ويقودها إلى التضرع له والخشوع عسى أن يُقبل الله تعالى عليها ويتقبّلها من جديد، والاستثارة الوجدانية في القرآن الكريم جاءت بأوجه مختلفة فمنها:

стр. 303

١ - الاستثارة بواسطة التذكير بالنعم: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ١ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ٢ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ٣ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفِ﴾ [قريش: ١ - ٤]. يذكّر قريش بما أسبغ عليهم من أمن، وأحاطهم به من رعاية، وما فتح عليهم من أبواب التجارة حيث تجوب قوافلهم الشمال والجنوب، محملة بالخير، آمنة من غارات السلب والنهب، فهو يستثير في قلوبهم مكامن الغفلة، ويذكرهم بعظيم المنّة، ويحضّهم على التوحيد وشكر النعمة. وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] تذكير للنفس بعظيم المنّة وسبوغ فضل الله، لتعود إلى خالقها وتردد في خشوع واعتراف عبارات الحمد البالغ والشكر الدائم و الثناء الحسَن. ٢ - الاستثارة بذكر سعة عفو الله ورحمته لعبادة: وهنا يفتح للنفس أبواب الأمل والرجاء، ويرفع عنها آصار اليأس والحرج، ويهوّن عليها شدّة الخوف من فرط الشهوة وعظم الذنب، فتسري في جوانبها الطمأنينة، وتعود منيبة إلى ربها في تذلل وخشية: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] نلاحظ النص القرآني السابق كيف يكشف عن الثقة بعفو الله، وفيض مغفرته، وسعة رحمته مهما بلغ بالإنسان عظم الجناية، ومهما جاء بقراب الأرض من خطايا، وذلك

стр. 304

ليحثّ المذنب على الاعتراف، والرجوع، والإنابة. ٣ - الاستثارة بتصوّر مستقبل الحال ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩]. يحث الأوصياء المفرطين في حقوق الغير ممن هم تحت ولايتهم ووصايتهم، أن يستشعروا ما لو أنهم تركوا ذرية ضعافاً لخافوا عليهم الإهمال والضياع فكما يدين المرء يُدان. فهو حثّ على ما يحبه الله ويرضاه من العدل والإنصاف (١). ٤ - الاستثارة بتنبيه الضمير: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]. وهنا يستثير القلوب المؤمنة، ويوجه العتاب في لطف للضمائر ليوقظها من شرور الغفلة، إلى متى يظلّ إيمان مع ضعف وبطء امتثال، إلى متى ذلك التسويف والفتور والاستثقال، ألم يحن بعد أن ترقّ القلوب وتلين لأمر ربها؟ فكأن تلك القلوب المؤمنة ما إن يصِل إلى أسماعها هذا الخطاب الكريم حتى تردد مقبلة على ربها، بلى آن يا رب .. آن يارب. ٥ - الاستثارة بالتكرار: وأعني به التكرار في اللفظ وليس في المعنى كتكرار قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ في سورة الرحمن خطاب للثقلين، وعرضٌ لعظيم المنن، وباهر الآلاء

стр. 305

وفيوض النعم، تدعوهما ليردّدا في إنابة ويقين: (لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الحَمْدُ) (١). ومن ذلك تكرار قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ٦٧ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ وقد تكررت الآيتان ثمان مرات في سورة الشعراء، وفي كل مرة تثير معنى جديداً يتوافق مع السياق ويتواءم مع الصورة العامة، مع التأكيد في كلّ مرة على كثرة الجحود والكفر بآلاء الله ونعمه، ومرة بألوهيته ، ومرة بالبعث والحساب، وأخرى بالشرع والرسالة، وبالأنبياء والمرسلين، وبالآيات والمعجزات، وبالأدلة والبراهين، وبالأمر والنهي، ثم التأكيد على عزة الله وقدرته في كل مرة على من عصى، ورحمته بمن استسلم وأطاع. ممهلٌ في عزةٍ وقدرة، غامرٌ برحمته في كرمٍ ووفرة. فهي مؤثرات توقظ الشعور، وتحرك في العقل السليم الفكر والتبصر، وفي القلب الإنصات لصوت الحق والاستجابة والاتعاظ. * * * *

стр. 306

الفصل الرابع: درجات القبول وأنواعه وأسبابه وآثاره وطرق الارتقاء أولا: درجات القبول أ: درجات القبول من خلال البحث يتضح أن القبول عند الله تعالى درجات في الرفعة والعلو والتفاوت بينها يتعاظم بقدر التفاوت في صلاح العباد، وإذا تأملنا قوله تعالى ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ٢٠ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢٠ - ٢١] نجد أن درجات العطاء والتفضيل في الرزق في هذه العاجلة يتفاوت تفاوتاً كبيراً إذْ هو درجات لا حصر لها ولا عدّ، تبتدئ من أولئك الذين لا يمتلكون قوت يومهم ولا يجدون ملجأ يأوون إليه فتجدهم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء ويقتاتون مما يجود به الناس، ويتدرج التفاوت في التفضيل حتى يصل إلى قارون الذي تنوء مفاتح ما أوتي من خزائن الرزق بالعصبة أولي القوة، وقس على ذلك جميع أنواع الرزق من علم وصحة وجاه وأرزاق مختلفة. وقد أخبرت الآية الكريمة

стр. 307

بأن تفضيل الآخرة أكبر وأعظم، وهو أجلّ وأعلى، وإذا كان التفضيل في الدنيا مبنيّ على مقتضى حكمة الله تعالى وعدله ولا علاقة له بالقبول، فإن التفضيل في الآخرة مبنيٌّ عليه وعلى ما يقتضيه من تفاضل ما في القلوب، والسعي إلى الله وسائر الأعمال مما يزيد من ذلك ويرفعه. وإن نظرنا إلى المحصّلة من ذلك نرى كيف أن تفاوت ما في القلوب درجات بالغة التفاوت بدءاً من قلبي الخليلين ونزولاً إلى قلب صاحب البطاقة (١) بل إلى قلوب من دخل النار من الموحدين الذين لم يغادر الإيمان قلوبهم ولو بنسب ضئيلة. ثم انظر إلى السعي لكلٍّ من هؤلاء. فعلى هذا تُبنى درجات القبول التي بها ينال العبد درجته في الجنة والله تعالى أعلم. فالحاصل أن درجات القبول متفاوتة ومرتبطة بدرجات الجنة فأعلى الدرجات لمن حاز من القبول أعلاه. ولا يُتصور شرعاً ولا عقلاً أن يتقبل الله العبد القبول الحسن ثم يجعله في أدنى الدرجات في الجنة. فالقبول بعد فضل الله تعالى متعلق بأمرين: • بعدل الله تعالى الذي لا يغادر مثقال الذرة.

стр. 308

• بدرجة المحبة التي رقى إليها العبد في عين الله. وإذا بلغ العبد شأواً في محبة الله له فلا تسل عن ارتقائه، فالله تعالى لا يجازي المحبين بميزانه بل بكريم منّه وعظيم فضله بغير حساب. وقد ذكر ابن القيم في درجات الجنة أنها قد تكون هناك درجات كبار متضمنة لدرجات أُخَر (١)، وقد يكون القبول كذلك فقبول الرضا على سبيل المثال يتفاوت، فرضا الله تعالى يتفاضل فيه العباد أشد التفاضل فقد رضي الله تعالى عن صحابة رسول الله ﷺ بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. ولكن لا نقول أنهم بدرجة واحدة من الرضا والمحبة، فهل يتساوى أبو بكر الصديق ﵁ مع أدناهم. وقس على ذلك جميع درجات القبول نسأل الله العظيم من فضله. ولكي نرسم صورة ذهنية لتفاوت درجات القبول يحسن بنا النظر إلى درجات الجنة وعظيم تفاوتها:

стр. 309

فالجنة درجات بعضها فوق بعض وما بين كل درجة والتي تليها مسيرة خمسمائة عام كما بين السماء والأرض كما بينت ذلك السنة المطهرة فقال ﷺ : (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنُ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا يَتَرَاءَوْنُ الْكَوْكَبَ الدَّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ) (١). ولاشك أن المراد بالتفاضل هو تفاضل ما بينهم في درجات القبول عند الله. وفي الخبر: (الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، كُلُّ دَرَجَةٍ مِنْهَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ … ) (٢). وقد تتفاوت كذلك درجات القبول (٣) ولعل حسان بن عطية (٤) بيّن شيئاً مما نشير إليه حين قال: (إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة وإن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض وذلك أن أحدهما مقبل على الله والآخر ساهٍ غافل) (٥).

стр. 310

وذكر بعض أهل العلم أن عدد درجات الجنة ربما تكون بعدد آي القرآن أو أكثر، بناءً على قول النبي ﷺ : (يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا) (١)، وقد جاء في بعض أنواع الذكر والأدعية المأثورة أن الله يجازي عليها بمئات بل آلاف الدرجات في كلّ مرّة، فكذا تفاوت الناس في القبول والله أعلم. ما سبق يدل على أن درجات القبول عند الله عظيمة التفاوت، دقيقة التفاضل، وكل درجة لها مراتب وفضائل يجتني العبد فضيلة بعد أخرى. وأعلى درجات القبول قبول المحبة الخاصة، ويؤيد ذلك قول الرسول ﷺ فيما بلّغ عن ربه قائلا: ( … وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ (٢) حَتَّى

стр. 311

أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ) (١) حيث جاء الخطاب مقيداً بحرف الغاية (حتى) مبيناً أن كثرة التقرب تنتهي إلى الوصول إلى درجة المحبة الخاصة أو الولاية الكاملة التي يصبح العبد فيها ولياً مسدداً من الله تعالى، يحفظ جوارحه وأعضاءه عن الحرام، ويوجهه للعمل بطاعته فمَنْ تَوَلَّى اللَّهُ أَمْرَهُ لَا يَكِلْهُ إِلَى نَفْسِهِ فإن سمع سمع بالله. وإن أبصر فلله. وإن بطش أو مشى ففي طاعة الله (٢). ودرجات المحبة متعددة أولها المحبة العامة التي تتحصّل بالاتباع قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وعلى قدر صدق الاتباع تكون درجة المحبة ولا يزال العبد يترقّى في قبول المحبة حتى يصل إلى المحبة الخاصة وأعلاها درجة الخُلّة التي لا تتسع إلا للخليلين صلوات الله وسلامه عليهما. ومن درجات القبول قبول الشكر فإذا بلغ العبد درجة الشكر خاض في خِرافه، واجتنى من

стр. 312

ثماره وكذا قبول الرضا وقبول الإثابة، وقبول العفو إلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله. قال ابن القيم: " وَالْقَبُولُ لَهُ أَنْوَاعٌ قَبُولُ رِضَا وَمَحَبَّةٍ وَاعْتِدَادٍ وَمُبَاهَاةٍ وَثَنَاءٍ عَلَى الْعَامِلِ بِهِ بَيْنَ الْمَلأ الأَعْلَى وَقَبُولُ جَزَاءٍ وَثَوَابٍ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ مَوْقِعَ الأَوَّلِ وَقَبُولُ إِسْقَاطٍ لِلْعِقَابِ فَقَطْ وَإِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ ثَوَابٌ وَجَزَاءٌ " (١). ولعل الشكل التالي يبين احتمالية درجات القبول التي لا يُقطع بترتيبها ولا بعدم وجود سواها:

стр. 313

يبين الشكل الهرمي درجات القبول المحتملة وهو من أدنى قاعدته كالتالي: ١ - درجة النجاة من الخلود في النار: فهذه الأمة المصطفاة قد نجاها الله تعالى بتوحيدها وإيمانها من الخلود في النار، وهو أمر معلوم من عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد تقدم الحديث عن الجهنميين (١) الذين يخرجون من النار وهم درجات في مدة مكوثهم وشدة عذابهم ثم يحسب لهم ما عملوا من حسنات بعد استيفاء العقاب. ٢ - قبول عفو ونجاة من الدخول في النار: ومن هؤلاء صاحب البطاقة الآنف الذكر (٢). ٣ - قبول إجزاء وإسقاط للمساءلة: وهو أن يعمل العمل على العادة والغفلة، فإنه يجزئ إن كان فرضاً ويسقط المساءلة، ولكن لا يثاب عليه بإجماع السلف بأنه ليس له من صلاته إلا ما عقل (٣)، قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي، وَلَعَلَّهُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَّا عُشْرُهَا، وَتُسْعُهَا، أَوْ ثُمُنُهَا، أَوْ سُبُعُهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى آخِرِ الْعَدَدِ) (٤). ولربما صعدت الصلاة التي كثرت

стр. 314

غفلته فيها فانتقص من شروطها وأركانها ناقصة ثمّ تكمّل من النوافل إن وُجدت كما في جاء في قوله ﷺ : (فَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَالَ الرَّبُّ : انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ) (١). ٤ - قبول جزاء وثواب: وهو أن يعمل العبد العمل ويجاهد نفسه في أداء الطاعة رغم مشاغل الدنيا، وجواذب الأرض، فتجده مع الله تارة ومع شهوات الدنيا تارة، فهو في شد وجذب، فعمله مقبول وهو مثاب عليه بقدر ما نازع وجاهد. ويتفاوت الناس في ذلك بحسب استحضار معية الله وترك العوائق والعلائق والله تعالى يجزي على ذلك الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة (٢) قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].

стр. 315

٥ - قبول الرضا من الله للعبد: والاعتداد والمباهاة والثناء على العامل أو العمل بين الملإ الأعلى مع مضاعفات الأجور وسبوغ الرحمات في الدنيا والآخرة وهو درجات ومراتب ومن ذلك رضا الله تعالى على أدنى الصحابة ورضاه على أعلاهم لما بينهم من التفاضل (١). قال تعالى في مقام الرضا: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩] ودليل ذلك قوله ﷺ : (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَلْتَمِسُ مَرْضَاةَ اللهِ فَلَا يَزَالُ بِذَلِكَ، فَيَقُولُ اللهُ لِجِبْرِيلَ: إِنَّ فُلَاناً عَبْدِي يَلْتَمِسُ أَنْ يُرْضِيَنِي أَلَا وَإِنَّ رَحْمَتِي عَلَيْهِ، فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: رَحْمَةُ اللهِ عَلَى فُلَانٍ، وَيَقُولُهَا حَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَيَقُولُهَا مَنْ حَوْلَهُمْ حَتَّى يَقُولَهَا أَهْلُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، ثُمَّ تَهْبِطُ لَهُ إِلَى الْأَرْضِ) (٢) فمن لزم محاب الله تعالى وصل إلى مقام الرِّضَا ولَا بُدَّ (٣).

стр. 316

٦ - قبول الشكر من الله للعبد: وفيه الزلفى وعلو الشرف والمكانة وفيض المحبة ومعاملته للعبد بكمال جوده وعظيم منّه وسعة إحسانه ومطلق عطائه، وفيض كرمه الذي لا ينتهي قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢] (١). ٧ - قبول المحبة الخاصة: وهي من آثار محبة العبد لله وحرصه على محابه وتكون من الله للعبد فالله تعالى يحب عباده الطائعين وتتفاوت المحبة بحسب الإخلاص وكثرة التقرب، ولا يزال العبد يرتقي في محبة الله له من المحبة العامة للمؤمنين إلى الخاصة لأوليائه ثم إلى الأخص من أصفيائه وأعلاها درجة (الخُلَّة) التي لا تتسع لغير الخليلين صلوات الله وسلامه عليهما (٢). * * * *

стр. 317

ب - أسباب التفاضل في درجات القبول إذا تقبّل الله تعالى العبد ورضي عنه فإنه يترقى في سلّم القبول، ولا يزال يعلو عند ربه، ويسهّل له الله كل طريق يوصله إلى رضاه ويزيده على ذلك أضعافاً مضاعفة من الثواب والمحبة والزلفى، وإذا تقبل الله العمل نظر إلى جهد العامل وإخلاصه فيه فعلى قدر المشقة والإخلاص تتفاضل الأعمال وتتضاعف الأجور وذلك كما يبدو من خلال الدراسة و تفصيل ذلك بأمور خمسة: ١ - بحسب صلاح العامل وقوة إيمانه وفضله عند مولاه: وكما قال ابن القيم ﵀: "فإن تفاضل الأعمال بتفاضل ما في القلوب من حقائق الإيمان" (١). فقد يثاب العامل التقيّ الصالح على العمل نفسه أكثر من غيره؛ وذلك لأن العمل إذا رُفع إلى الله من عبد صالح معروف في الملأ الأعلى بتقواه، ومشهود له في السماء بالخير والمحبّة، تقبّله الله وضاعف له الأجر من جهتين: أ - لأنه عمل طيّب خالص لوجهه تعالى. ب- لأنه صادر من عبد محبوب ومعروف في الملأ الأعلى بصلاحه وتقواه. وكما جاء في الحديث القدسيّ: (إذا أَحَبَّ الله العبد؛ نَادَى جِبْرِيلَ: أن الله يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ

стр. 318

جِبْرِيلُ. فَيُنَادِي جِبْرِيلُ في أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ الله يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ … ) (١)، وكما قال: (وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ) (٢). فالمحبوب عند الله يفضُل غيره، وما يحصُل عليه من ثواب أعماله وقبولها يفوق غيره بما لا يعلمه إلا الله. وكثيراً ما يحدث هذا التفضيل المبني على السُّمعة الحسنة في مقاييس البشر؛ فالمعلوم أن كثيراً من الشركات والمستشفيات تضاعف أجر الطبيب أو المهندس على سبيل المثال إذا كان (استشارياً) حاصلاً على درجة الأستاذية (بروفيسوراً)، ويزداد أجره إذا كان معروفاً على مستوى البلاد، بغض النظر عن عمله، فقد يتساوى تشخيص الطبيب الأخصائي المبتدئ في المهنة مع ذلك الاستشاري المشهور ولكن الأخير يأخذ من الأجر على سمعته أضعافاً مضاعفة، وتُحسب الساعة من عمله بكذا وكذا، ولله المثل الأعلى، وإذا كان هذا التفاضل في الدنيا فكيف به عند أكرم الأكرمين: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١].

стр. 319

٢ - بحسب موقع العمل من جهتين: أ - من حيث جدواه ومنفعته، إما بحسب قوة حاجة المنتفع إليه، وإما بعموم نفعه ووصوله إلى شريحة كبيرة من المنتفعين، وقد ورد في الحديث الشريف: (خَيرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ) (١)، وقال ﵊: (أحَبُّ العِبادِ إلى اللهِ تعالى أنْفعُهُمْ لِعيالِهِ) (٢) فكلما عظم نفع العمل للعباد، كان أجره عند الله أعظم، كإنشاء المستشفيات والمؤسسات الخيرية التي يتعدى نفعها إلى عدد كبير من الناس، ونشر العلم والكتب النافعة وما إلى ذلك ما دام ذلك خالصاً لوجهه تعالى. ب - من حيث يقظة العبد فيه وإخلاصه ونيته عند الله؛ فإذا أدى العامل عمله على العادة والغفلة ولكن النية فيه التقرب إلى الله فترى أركانه مشغولة بالطاعة وقلبه ساهٍ لاهٍ لكنه يجاهد نفسه، فهذا مقبول بإذن الله كما قال ابن القيم، ولكن إذا رُفع هذا العمل إلى الله لم يقف تجاهه ولم ينظر إليه، وإنما يوضع حيث تُوضع دواوين الأعمال حتى تُعرض عليه يوم القيامة وتُوزن فيثيبه على ما

стр. 320

كان منها خالصاً، ويردّ عليه ما لم يُردْ بها وجهه تعالى، فيثيبه على هذا العمل بمخلوق من مخلوقاته من القصور والنعيم والحور، وأما إذا كان العمل كلّه خالصاً لله تعالى، متعلقاً صاحبه بالله على الدوام فإنه إذا رفع إلى الله وقف تجاهه فينظر إليه، فإذا نظر إليه تقبّله ورضي عنه وأرباه ونمّاه إلى أضعاف كثيرة، وأعلى درجة صاحبه ومنزلته عنده، وأعطاه بغير حساب (١) فانظر التفاوت. ٣ - بحسب طاقة العبد وجهده: سُئِل رسول الله ﷺ : أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (جُهْدُ المُقِلِّ) (٢)، فقد يبذل العامل القويّ المعافى عملًا مساوياً لما يبذله الضعيف العاجز فيضاعف الله للضعيف ويجزل له الثواب لأنه بذل جُلّ ما في وسعه وطاقته، فقد ينفق الفقير دراهم معدودة يبتغي بها وجه الله فينال عليها من الأجر ما لا يناله الغنيّ الثريّ الذي ينفق الآلاف المؤلفة، وما ذلك إلا لأن الفقير بذل أقصى ما يستطيع وأفضله، وأحبّه إلى نفسه، وأما الغنيّ فربما يكون قد أنفقه من فضول أمواله التي لا حاجة له بها والتي قد لا تمثل شيئًا بالنسبة إلى رأس ماله الكبير؛ ولذلك قال
следующие страницы →