← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30147

مسلك الراغب لشرح دليل الطالب - ت تركي النصر

إبراهيم العوفي الصالحي

Полный текст (944 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وإخراجه، ومن تجب فطرته، ومن تدفع إليه. وفي خطبة عيد الأضحى يرغبهم في الأضحية، ويبين لهم حكمها، مما يجزئ في الأضحية، وما لا يجزئ، وما الأفضل، ووقت الذبح، وما يخرجه منها. (وإن صلى العيد ك صلاة النافلة، صح) العيد (لأن التكبيرات الزوائد، والذكر بينهما) سنة؛ لأنه ذكر مشروع بين التحريمة والقراءة. (والخطبتان سنة)؛ لحديث عبد الله بن السائب (١). وسن أن يجلس بعد صعوده المنبر؛ ليستريح. (وسن لمن فاتته) صلاة العيد مع الإمام (قضاؤها) في يومها منفرداً، أو جماعة، ولو أقل من أربعين؛ لأنها صارت تطوعاً؛ لسقوط فرض الكفاية (ولو) كان (بعد الزوال) على صفتها؛ لفعل أنس (٢)، وكسائر الصلوات. ومن أدرك الإمام في بعضها، قضى ما فاته؛ لعموم خبر: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا» (٣).

стр. 317

(فصل) (يسن التكبير المطلق) وهو الذي غير مقيد بأدبار الصلوات في حق ذكر، وأنثى، حر، أو عبد، أو مميز. (و) يسن (الجهر به) لغير أنثى في ليلتي العيدين إلى حين (فراغ الخطبة) لما روي عن ابن عمر (١) (وفي كل عشر ذي الحجة) ولو لم ير بهيمة الأنعام. (والتكبير المقيد في) عيد (الأضحى عقب كل) صلاة (فريضة صلاها في جماعة، من صلاة فجر يوم عرفة، إلى عصر آخر أيام التشريق) الذي هو الرابع من يوم عيد الأضحى (إلا المحرم، فيكبر من صلاة ظهر يوم النحر)، لأن قبل ذلك في حقه التلبية أفضل، والتلبية تنقطع برمي جمرة العقبة. والمسافر، والمميز في التكبير عقب المكتوبات سواء. (ويكبر الإمام) بعد فراغه من الصلاة (مستقبل الناس) لحديث جابر (٢). تتمة: سن لمن نسي التكبير، قضاؤه مكانه إن ذكره، فإن قام، أو ذهب، عاد جالساً، وكبر، ما لم يحدث، أو يخرج من المسجد،

стр. 318

أو يطل الفصل؛ لأنه سنة فات محلها. وإن قضاه ماشياً لا بأس. ويكبر إن نسيه إمامه، وكذا إن قضى فائتة [جماعة في] (١) عامه. (وصفته) أي: صفة التكبير (شفعاً: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد)، لأنه ﷺ كان يقول ذلك. رواه الدارقطني (٢). ويجزئ مرة. وإن زاد عن ثنتين، فكرره ثلاثاً، فحسن. (ولا بأس ب) تهنئة الناس بعضهم بعضاً بما يحصل بينهم من الأدعية، ومنه (قوله: تقبل الله منا ومنك) نقله جماعة (٣). ويستحب عمل الخير في أيام عشر ذي الحجة، من صلاة، وصدقة، وصوم، خصوصاً يوم عرفة، وسائر أعمال البر؛ لأنها أفضل الأيام؛ لحديث: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من عشر ذي الحجة» (٤). * * *

стр. 319

(باب صلاة الكسوف) الكسوف والخسوف بمعنى واحد. يقال: كسفت الشمس، بضم الكاف، وبفتحها، وكذا خسفت. وقيل: الكسوف للشمس، والخسوف للقمر. وقيل الكسوف: لذهاب ضوئه، والخسوف: لذهاب كله. وهو ذهاب ضوء الشمس، أو القمر، أو ضوء بعض أحدهما. (وهي) أي: صلاة الكسوف (سنة) مؤكدة؛ لحديث المغيرة بن شعبة (١)، حتى سفراً (من غير خطبة). ووقتها من ابتداء الكسوف إلى ذهابه لأمره ﷺ بالصلاة حتى ينجلي (٢) (ولا تقضى إن فاتت) بالتجلي. (وهي) أي: صلاة الكسوف (ركعتان) وفعلها جماعة أفضل (يقرأ في) الركعة (الأولى جهراً الفاتحة، وسورة طويلة) غير معينة (ثم يركع طويلاً) يسبّح في ركوعه (ثم يرفع) رأسه (فيُسمع) قائلاً: سمع الله لمن حمده (ويُحَمّد) بعد اعتداله ويقول: ملء

стр. 320

السماء … إلى آخره (ولا يسجد، بل يقرأ الفاتحة) أيضاً (وسورة طويلة) ويطيل قيامه، لكن دون الأول (ثم يركع) فيطيل دون الأول، مُسبّحاً (ثم يرفع) رأسه، ويُسَمِّع، ويُحَمّد، ولا يطيل (ثم يسجد سجدتين طويلتين) يسبّح فيهما (ثم يصلي) الركعة (الثانية كا) لركعة ا (لأولى) بركوعين [طويلين]، وسجودين طويلين، لكن دون الأولى في كل ما يفعل (ثم يتشهد، ويسلم) لحديث جابر في صلاته ﷺ ، صلى صلاة الكسوف على هذا الحكم (١). ولا تعاد إن فرغت الصلاة قبل التجلي، لكن يذكر الله تعالى، ويدعو. وإن تجلى وهو في الصلاة، أتمها خفيفة. وإذا علم الكسوف، فحصل غيم، فشك في التجلي، صلى. ولا يصلي لكسوف في وقت نهي، بل يذكر الله تعالى، ويدعو. ويستحب العتق في الكسوف. (وإن أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات، أو أربع، أو خمس، فلا بأس) لحديث أبي بن كعب في الخمس ركوعات (٢). ولا يزاد في الركعة على خمس؛ لأنه لم ينقل.

стр. 321

(وما بعد) الركوع (الأول، سنة، لا تدرك به الركعة) إذا دخل المسبوق في هذه الحالة مع الإمام. (ويصح أن يصليها كـ) ـصلاة (النافلة). ولا يصلي لآية غير الكسوف، إلا لزلزلة دائمة، فيصلي لها، كصلاة كسوف، نصاً؛ لفعل ابن عباس (١). رواه سعيد، والبيهقي. تتمة صلاة الكسوف صلاة رهبة. وصلاة الاستسقاء صلاة رغبة، ورجاء. * * *

стр. 322

(باب) (صلاة الاستسقاء) هو استفعال من السقيا، أي: باب الصلاة؛ لأجل الاستسقاء. وهو الدعاء بطلب السقيا على صفة مخصوصة. والسقيا بضمّ السين الاسم من السقي. (وهي) أي: صلاة الاستسقاء (سنة) مؤكدة، حضراً، وسفراً، إذا أجدبت الأرض، وهو ضد الخصب، وقحط المطر، وهو احتباسه. (ووقتها وصفتها، وأحكامها كصلاة العيد) قال ابن عباس: «صلى النبي ﷺ ركعتين، كما يصلي العيد» (١). ويسن فعلها أول النهار، وقت صلاة العيد. (وإذا أراد الإمام الخروج لها، وعظ الناس) أي: خوفهم، وذكرهم بالخير؛ ليُرِق قلوبهم، وينصحهم، ويذكرهم بالعواقب (وأمرهم بالتوبة، و) ب (الخروج من المظالم) بردها إلى مستحقيها، وأمرهم بالصيام. قال جماعة: ثلاثة أيام (٢)؛ لأنه ورد

стр. 323

أن دعوة الصائم لا ترد (١). ولا يلزمهم الصيام بأمره. والخروج في آخرها يكون. ويأمرهم بالصدقة، وترك التشاحن. (ويتنظف لها) بالغسل، والسواك، وتقليم الأظفار (ولا يتطيب) وفاقا (٢) (ويخرج) إلى المصلى (متواضعا) في ثياب بذلة (٣) (متخشعا) أي: خاشعا (متذللا، متضرعا) لحديث ابن عباس (٤). (و) يستحب أن يكون (معه أهل الدين، والصلاح، والشيوخ) لأنه أسرع لإجابتهم، وكذا المميز من الصبيان. (ويباح خروج الأطفال، والعجائز، والبهائم) لأن الرزق مشترك بين الكل. وروى البزار مرفوعا: «لولا أطفال رضع، وعباد ركع، وبهائم رتع، لصب عليكم العذاب صبا» (٥). وروي «أن سليمان ﵊ خرج يستسقي، فرأى نملة مستلقية، وهي تقول:

стр. 324

اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن رزقك، فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم» (١). وتؤمر سادة العبيد بإخراج عبيدهم؛ لما عندهم من الانكسار؛ بسبب الرق. ويكره أن يخرج النساء الحسنات، وأهل الذمة (٢). فإن خرج أهل الذمة لأنفسهم، لم يمنعوا، وأمروا بالانفراد عن المسلمين؛ لئلا يصيبهم عذاب، فيعم من حضرهم، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]. (و) يسن (التوسل بالنبي ﷺ ، جزم به في «المستوعب» (٣)، ويتوسل أيضاً (بالصالحين (٤)، ثم) (٥) يصلي الإمام بالمسلمين ركعتين يخطب خطبة واحدة يفتتحها بالتكبير، كخطبة العيد، و).

стр. 325

يكثر [في الخطبة] (١) من الصلاة على النبي ﷺ ؛ لإجابة الدعاء، ويكثر فيها من (الاستغفار) لقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح: ١٠ - ١٢] (وقراءة آيات فيها الأمر به) أي: بالاستغفار. (وي) سن (رفع يديه) وقت الدعاء، حتى يرى بياض إبطيه (و) أن يجعل ظهورهما نحو أي جهة (السماء) لما رواه مسلم (٢)، ويدعو قائماً، ويكثر من الدعاء؛ لقوله ﷺ : «إن الله يحب الملحين (في) الدعاء» (٣)، وإنَّ من الإلحاح تكرار الدعاء ثلاثاً، وأي شيء دعا به جاز، ولكن الأفضل أن يـ (دعو بدعاء النبي ﷺ ) وهو: «اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، هنيئاً مريئاً، مريعاً، غدقاً، مجللاً، سحاً، عاماً، طبقاً دائماً، نافعاً غير ضار، عاجلاً غير آجل. اللهم اسق بهائمك، وانشر رحمتك، وأحيي بلدك الميت. اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين. اللهم سقيا رحمة، لا سقيا عذاب، ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق. اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء، والجَهْد والضَّنك ما لا نشكوه إلا إليك. اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك. اللهم ارفع عنا الجوع، والجَهْد، والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك. اللهم نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً»، هذا الدعاء رواه ابن عمر، عن

стр. 326

النبي ﷺ (١)، غير أن قوله: «سقيا» إلى قوله: «ولا هدم» رواه الشافعي (٢). (ويؤمن) على الدعاء الحاضر من (المأمومين) ثم يستقبل القبلة في أثناء الخطبة، فيقول سراً لأنه أقرب إلى الإخلاص، وأسرع إلى الإجابة: (اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا)، لأن في ذلك استنجاز لما وعد من فضله (ثم يحوّل رداءه، فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن) لفعله ﷺ ؛ لما رواه أحمد، من حديث أبي هريرة (٣) (وكذا الناس، ويتركونه) أي: الرداء محولاً (حتى ينزعوه مع ثيابهم) لعدم ورود إعادته، (فإذا فرغ من الدعاء، استقبلهم، ثم حثهم على الصدقة والخير، ويصلي على النبي ﷺ ، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويقرأ ما تيسر من القرآن، ثم يقول: أستغفر الله لي، ولكم، ولجميع المسلمين) ذكره السامري (٤).

стр. 327

(فإن سقوا) فذلك من فضل الله تعالى ونعمته (وإلا أعادوا) في اليوم ال (ثاني، و كذا في اليوم الثالث لأنه من باب الإلحاح في الدعاء، وأبلغ في التضرع، وقد ورد أن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء، كما تقدم. ويسن الوقوف في أول المطر، و) يسن (الوضوء، والاغتسال منه) أي: من المطر (و) يسن (إخراج رحله) أي: ما يصحبه من الأثاث (و) إخراج (ثيابه ليصيبها) المطر؛ لقول أنس (١). (وإن كثر المطر حتى خيف منه، سُنَّ قول: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام) جمع: أكم، قال عياض: «هو ما غلظ من الأرض، ولم يبلغ أن يكون جبلاً، وكان أكثر ارتفاعاً مما حوله؛ كالتلول، ونحوها». وقال مالك: «هي الجبال الصغار» (٢). وقال الخليل: «هي حجر واحد» (والظراب) أي: الروابي الصغار (وبطون الأودية) أي: الأمكنة المنخفضة (٣) (ومنابت الشجر) أي: أصولها؛ لما ورد في «الصحيحين» أنه ﷺ كان يقول ذلك (٤). ثم يقرأ: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (الآية) [البقرة: ٢٨٦] لأنها لائقة بالحال، فاستحب قراءتها، وكذا يفعل إذا زاد ماء العيون.

стр. 328

ويستحب الدعاء عند نزول الغيث وسن قول: مطرنا بفضل الله تعالى (ورحمته ويحرم) قول: (مطرنا بنوء) النوء: النجم إذا مال إلى الغروب (كذا) أي: الفلاني. وإضافة المطر إلى غير الله تعالى، اعتقاده كفر إجماعاً؛ قاله في «الفروع» (١) (ويباح) قول: مطرنا (في نوء كذا) أي: في نجم كذا. تتمة: من رأى سحاباً، أو مهب الريح، سأل الله تعالى خيره، وتعوذ من شره. ولا يسب الريح إذا عصفت؛ للنهي عن سب الريح؛ لأنه من روح الله (٢)، بل يقول: اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به، اللهم اجعلها رحمة، ولا تجعلها عذاباً، اللهم اجعلها رياحاً، ولا تجعلها ريحاً. ويقول إذا سمع صوت الرعد والصواعق: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك، سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. ويقول إذا انقض الكوكب: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله. وإذا سمع نهيق حمار، أو نُباح كلب بضم النون استعاذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لحديث أبي داود (٣).

стр. 329

وإذا سمع صياح الديكة، سأل الله من فضله؛ لخبر «الصحيحين» (١). قال في «الآداب»: «يستحب قطع القراءة لذلك، كما ذكروا قطعها للأذان» (٢)، قال شيخنا: «وظاهره: ولو تكرر». وورد في الخبر: «أن قوس قزح أمان لأهل الأرض من الغرق» (٣). * * *

стр. 330

[كتاب الجنائز] بفتح الجيم، جمع جنازة بالكسر. وقيل: بالفتح للميت، وبالكسر للنعش الذي عليه الميت. وقيل: عكسه. والنعش من غير ميت يقال له: سرير. مشتقة من جنز، من باب ضرب إذا ستر. ووضع هذا الكتاب هنا؛ لأنه أهم ما يفعل بالميت الصلاة عليه؛ لأنه كان حقه أن يوضع بين الوصايا والفرائض. (يسن الاستعداد للموت) بالتوبة من المعاصي، والخروج من المظالم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]. والتوبة، ونحوها، واجب على الفور. والمستحب إنما هو ملاحظته في ذلك الخوف من الله تعالى، والعرض عليه، والسؤال عنه، وغيره مما يقع له بعد الموت (و) يسن (الإكثار من ذُكْرِه) (١) أي: ذكر الموت؛ لقوله ﷺ : «أكثروا من ذكر هاذم اللذات» رواه البخاري (٢). بالذال المعجمة، أي: الموت. ويكره الأنين لأنه يترجم عن الشكوى، ما لم يغلب عليه

стр. 331

ذلك (و) يكره (تمني الموت) لحديث: «لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه» الحديث (١)، (إلا لخوف فتنة) فلا يكره. (وتسن عيادة المريض المسلم) لحديث أبي هريرة مرفوعاً (٢). وقال ابن حمدان: إنه فرض كفاية (٣). قال الشيخ - يعني: تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى -: «الذي يقتضيه النص وجوب ذلك» (٤)، وقال: «المراد مرة» (٥)، يعني: يجب مرة. قال في «الإقناع»: «وظاهره: ولو كان المرض من وجع ضرس، أو رمد (٦)، أو دُمَّل (٧)، خلافاً لأبي المعالي» (٨) أنه لا يعاد بهذه الأمراض الثلاثة (٩). ويسأل المريض عن حاله، وينفس له في الأجل بما

стр. 332

يطيب نفسه؛ إدخالاً للسّرور عليه، ولا يطيل الجلوس عنده. وتكره العيادة وسط النهار. ويعاد المريض بكرةً، وعشياً؛ لما فيه من تكثير صلاة الملائكة (١)، وفي رمضان ليلاً؛ لأنه أرفق بالعائد. ويستحب للعائد أن يذكر المريض بالتوبة؛ لأنها واجبة على كل حال، ويذكره الوصية، والخروج من المظالم، ويرغبه في ذلك، ويدعو للمريض بالصلاح، والعافية. ولا بأس بوضع يده عليه، وبرقاه، فيقول: «أذهب البأس، رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً». ويقول سبع مرات: «أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يشفيك، ويعافيك». واعلم أن التوبة لا تقبل حال الغرغرة؛ لقوله ﵊: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (٢). أي: تبلغ الروح الحلق. والحكمة في ذلك، قال في الآداب الشرعية: «لأن الروح تكون فارقت القلب، فانقطع القصد والنية» (٣). تتمة: يسن طلب الدعاء من المريض؛ لما رواه ابن ماجه، عن ميمون بن مهران، عن عمر - ولم يدركه - مرفوعاً: «سلوه الدعاء؛ فإن دعائه كدعاء الملائكة» (٤). ولا بأس بإخبار المريض بما يجده من الوجع، بلا شكوى،

стр. 333

وذلك بعد حمد الله تعالى. ويستحب للمريض، وكل مبتلى، أن يصبر صبراً جميلاً، وهو الصبر بلا شكوى إلى المخلوق، والشكوى إلى الخالق لا تنافيه، بل هي مطلوبة. وأجيب عن قوله: ﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] بوجهين: أحدهما: أنه شكا إلى الله تعالى، لا منه. والثاني: أنه أراد به الدعاء. فالمعنى يا رب ارحم أسفي على يوسف. ومن الشكوى إلى الله تعالى، قول أيوب (١): ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وقول يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]. قال سفيان بن عيينة: وكذلك من شكا إلى الناس، وهو في شكواه راض بقضاء الله، لم يكن ذلك جزعاً، ألم تسمع قول النبي ﷺ لجبريل في مرضه: «أجدني مغموماً، وأجدني مكروباً» (٢)، وأقول (٣): «بل أنا وارأساه» (٤). ذكره ابن الجوزي. فائدة: ينبغي للمريض أن يشتغل بنفسه، وما يعود عليه ثوابه، من قراءة، وذكر، وصلاة، واسترضاء خصم، وزوجة، وجار، وكل من بينه وبينه علقة، ويحافظ على الصلوات، واجتناب النجاسة،

стр. 334

ويصبر على مشقة ذلك، ويتعاهد نفسه بتقليم أظفاره، وأخذ عانته، ونحو ذلك، ويعتمد على الله فيمن يحب، ويوصي للأرجح في نظره (١). تتمة: ولا يجب التداوي، ولو ظن نفعه، لكن يجوز اتفاقاً (٢)، ولا ينافي التوكل؛ لخبر أبي الدرداء، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بالمحرم» (٣). ويحرم التداوي بالسم. وترك التداوي أفضل، نص عليه (٤)؛ لأنه أقرب إلى التوكل. واختار القاضي، وأبو الوفاء، وابن الجوزي، وغيرهم فعله (٥)؛ لكثرة الأحاديث الواردة في التداوي (٦). ويحرم تداو بمحرم، ولو بصوت ملهاة (٧)؛ لعموم الخبر (٨). ينبغي للمريض أن يحسن ظنه بربه. قال بعضهم: وجوباً (٩)؛

стр. 335

لما في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة (١). وينبغي للمريض في مرضه أن يغلب الرجاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وفي الصحة أن يغلب الخوف؛ لحمله على العمل. ونص الإمام أن يكون خوفه ورجاؤه واحد (٢)، فأيهما غلب صاحبه هلك. قال الشيخ تقي الدين: «هذا العدل» (٣). وسن أن يليه إذا اشتد عليه كرب الموت أرفق أهله به، وأعرفهم بمداراته، وأتقاهم الله تعالى، وأن يتعاهد بل حلقه بماء، أو شراب، ويندي شفتيه بقطنة؛ لأن ذلك يطفئ ما نزل به من الشدة، ويسهل عليه النطق بالشهادة. (و) يسن (تلقينه عند موته) قول (لا إله إلا الله، مرة) لحديث: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» (٤). وسمي المحتضر ميتاً باعتبار ما هو واقع به (٥)، واقتصر على الشهادة؛ لأن إقراره بها إقرار بالأخرى. وقال بعض العلماء: يلقن الشهادتين. وقال أبو المعالي: «يكره تلقين الورثة، ما لم يكن غيره» (٦). فائدة: قال العلامة العلقمي ﵀، من أئمة الشافعية (٧)، في

стр. 336

«حاشيته على الجامع الصغير»: «أما إذا كان المحتضر كافراً، فينبغي الجزم بتلقين الشهادتين؛ لأنه لا يصير مسلماً إلا بهما. ولا يقول في التلقين: قل، بل يقول بحضرته؛ ليسمع التلقين، فيقولها، إلا أن يكون كافراً، فيقول له: قل، كما قال النبي ﷺ لعمه أبي طالب (١)، وللغلام اليهودي» (٢). انتهى. (ولم يزد) على المرة (إلا إن) لم يُجِب، أو (يتكلم) بعدها، فيعاد التلقين؛ ليكون آخر كلامه لا إله إلا الله؛ لقوله ﷺ : «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (٣). (و) يسن أن (يقرأ) عنده (الفاتحة) نص عليه (و) يقرأ أيضاً جلال الدين السيوطي، ومن المدرسين بجامع الأزهر، له الكوكب المنير بشرح الجامع الصغير، ومختصر إتحاف المهرة، وملتقى البحرين. توفي سنة تسع وستين وتسعمائة. انظر: شذرات الذهب ٨/ ٣٣٨، الأعلام ٦/ ١٩٥.

стр. 337

عنده (يس) للحديث (١)، وفي «المستوعب»: ويقرأ «نَبَرَكَ» (و) يسن (توجيهه) أي: المحتضر (إلى القبلة، على جنبه الأيمن) وذلك (مع سعة المكان، وإلا) أي: وإن لم يكن المكان واسعاً فيوجهه (على ظهره) مستلقياً على قفاه. وعن الإمام: يوجه مستلقياً، واسعاً كان المكان، أو ضيقاً، اختاره الأكثر (٢)، وعليه العمل (٣). قال جماعة: يرفع رأسه قليلاً. واستحب الموفق، وغيره تطهير ثيابه قبيل موته (٤). (فإذا مات سن تغميض عينيه) للحديث (٥)، ولئلا يقبح منظره (٦). (و) يسن عند تغميضه ("قول: «بسم الله، وعلى وفاة رسول الله» ﷺ )، نص عليه. ولا يتكلم من حضره إلا بخير. ويشد لحييه، ويلين مفاصله، ويجعل على بطنه مرآة حديد، أو نحوها. ويجب من غير عذر، أن يسارع في قضاء دينه، وبراءة ذمته، ودفع الحقوق إلى أهلها، من إخراج كفارة، وحج واجب، ونذر،

стр. 338

من موجود، وإمضاء وصيته قبل الصلاة عليه، إن أمكن ذلك، وإلا استحب لورثته، أو غيره أن يتكفل بضمان ذلك لربه؛ لأجل براءة ذمته؛ لحديث أبي هريرة مرفوعاً: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» رواه أحمد (١). ويسن الإسراع في تجهيزه، إلا في موت الفجأة، ممن مات بغتة، أو بصعقة، أو هدم، أو خوف، أو سبع، أو تَردّ، أو غير ذلك مما يشك في موته، حتى يعلم موته يقيناً، بانخساف صدغيه (٢)، وميل أنفه، وانفصال كفيه، وارتخاء رجليه، وغيبوبة سواد عينيه في البالغين، وهو أقواها، زاد في «الشرح» و «الرعاية»: وامتداد جلدة وجهه (٣). ووجه تأخير تجهيزه؛ لاحتمال أن يكون عرض له مرض السكتة، ونحوها، وقد يفيق بعد ثلاثة أيام بلياليها. ويحرم فعل النعي (٤)؛ لحديث: «إياكم والنعي؛ فإن النعي من عمل الجاهلية» رواه الترمذي، عن ابن مسعود مرفوعاً (٥). (ولا بأس بتقبيله، والنظر إليه) مما (٦) يباح له نظره (ولو) كان (بعد تكفينه) نص عليه.

стр. 339

تتمة: روى الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: «المؤمن يموت بعرق الجبين» (١)، فعرق الجبين دليل موت العبد على الإيمان، قال الترمذي: قال عبد الله: «إن المؤمن تبقى عليه خطايا من خطاياه، فيجازى بها عند الموت، فيعرق لذلك جبينه» (٢) حياء من الله؛ لما اقترف من مخالفته؛ لأن ما سفل منه قد مات، وإنما بقيت قوى الحياة وحركتها فيما علا، والحياء في العينين، والكافر في عمى عن هذا كله. والموحد المعذب في شغل عن هذا بالعذاب الذي قد حلَّ به. وقد أوردت غير هذا مما ورد في كتابي «حقائق العيون الباصرة» (٣)، فراجعه إن أردت إحاطة. وعن عبد الله بن بريدة (٤)، [عن أبيه] (٥)، أن رسول الله ﷺ قال: «موت المؤمن عرق الجبين» (٦)، وعن سلمان الفارسي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ارقبوا الميت عند موته ثلاثاً: إن رشحت جبينه، وذرفت عيناه، وانتشر مَنْخِراه، فهي رحمة من الله قد

стр. 340

نزلت به (١). فائدة: «عرض الأديان على العبد عند الموت ليس عاماً لكل أحد، ولا منفياً عن كل أحد. بل من الناس من تعرض عليه الأديان، ومنهم من لا تعرض عليه، وذلك كله من فتنة المحيا. والشيطان أحرص ما يكون على إغواء بني آدم وقت الموت» (٢). (فصل) (وغسل الميت) المسلم (فرض كفاية). (وشرط في الماء): (الطَّهُورِيَّةُ): أن لا يكون مُستَعملاً، (والإباحة) بأن لا يكون مَغْصُوباً. (و) يشترط (في الغاسل: الإسلام) ونيته (والعقل، والتمييز) لأن ما عدا ذلك ليس له نية، وتعميم الميت بالماء. (والأفضل) في الغاسل أن يكون (ثِقَةً) أميناً، بحيث إن وجد عيباً لم يذكره (عارفاً بأحكام الغسل. والأولى به) أي: بالغسل (وصيه العدل) إذا وصى به لأحد، ثم الأب، وإن علا، ثم الابن، وإن نزل. (وإذا شرع) الغاسل (في غسله، ستر عورته وجوباً) لا من له دون سبع سنين، ثم يجرد من ثياب ندباً، إلا النبي ﷺ ، فلا يجرد؛ لأنه حين اختلفوا في تجريده، أوقع الله تعالى عليهم النوم، ثم

стр. 341

كلمهم مكلم من ناحية البيت، لا يدرون من هو، أن غسلوا رسول الله ﷺ وعليه ثيابه، فغسلوه وعليه قميص، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكون بالقميص دون أيديهم» رواه أحمد (١)، ولأن فضلاته ﵊ كلها طاهرة، فلم يخشى (٢) تنجيس قميصه. ويكره حتى للغاسل النظر للميت لغير حاجة (ثم يلف) الغاسل (على يده خرقة، فينجي) أحد فرجيـ (ـه بها) ثم يأخذ خرقة ثانية للفرج الثاني. وظاهر كلام «المقنع» و «المنتهى» وغيرهما: تكفيه خرقة واحدة. (ويجب غسل ما به من نجاسة) سبعاً (ويحرم مس عورة من بلغ) سنه (سبع) سنين، و (سن) للغاسل (أن لا يمس سائر بدنه إلا بخرقة). (و) يجوز (للرجل أن يغسل زوجته، وأمته، و) أن يغسل (بنت دون سبع سنين، و) يجوز (للمرأة) أن تغسل زوجها، و للأمة، أو أم الولد (سيدها، و) [للمرأة] (٣) أن تغسل (ابن دون سبع) سنين. (وحكم غسل الميت، فيما يجب، و) فيما يسن، كحكم (غسل الجنابة) من تعميم بدنه بالماء، ونية الغاسل، كما تقدم لكن لا يدخل الماء في فمه، ولا في أنفه، بل يأخذ خرقة مبلولة، فيمسح بها أسنانه، و يمسح بها (مَنْخِريه). (ويكره الاقتصار في غسله على مرة واحدة؛ لأن السنة

стр. 342

ثلاثاً؛ لقوله ﷺ للنساء اللاتي غسلن ابنته: «غسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، إن رأيتن ذلك، بماء وسدر (١)» (٢)؛ لأنه يستحب تغسيل الميت بالسدر (٣). هذا إن لم يخرج منه من السبيلين، أو من غيرهما (شيء. فإن خرج منه شيء (وجب إعادة الغسل إلى سبع، فإن خرج بعدها) أي: بعد السبع شيء (حُشي) المخرج بقطن، فإن لم يستمسك) المخرج من القطن فيحشى (بطين، ثم يغسل المحل) أي: يطهره (ويُوضأ وجوباً) حكم وضوء الحي (ولا غسل) بعد السبع (وإن خرج بعد تكفينه) شيء (لم يعد الوضوء، ولا الغسل) سواء كان الخارج قليلاً، أو كثيراً. ويسن أن يجعل في الغسلة الأخيرة سدراً، وكافوراً. وغسله بالماء البارد أفضل، ولا بأس بالحار. فإذا فرغ من غسله، نشفه بشيء. تتمة: ومن دفن قبل غسله، وأمكن غسله، لزم نبشه، إن لم يخش تفسخه، أو تغيره. وكذا من دفن غير متوجه للقبلة، أو دفن قبل الصلاة عليه، أو قبل تكفينه. ومن كفن بحرير، فالأولى عدم نبشه. ويجوز نبشه لغرض صحيح، كتحسين كفن، ولدفنه في بقعة

стр. 343

خير من بقعته، ولمجاورة صالح، إلا الشهيد، حتى لو نقل منه، رد إليه؛ لأن دفن الشهيد في مصرعه سنة. وحمل الميت إلى غير بلده، لغير حاجة، مكروه. ويجوز نبشه إذا دفن لعذر بلا غسل وحنوط (١). وكذا يجوز نبشه؛ لإفراده في دفنه عمن دفن معه بقبر على حدته. تتمة: ظاهر كلام الأكثر: أن غسل الملائكة لا يكفي. قال في «الانتصار»: «يكفي إن علم غسله» (٢)، وكذا منقول في تعليق القاضي (٣)، واحتج بغسل الملائكة لحنظلة (٤)، وبغسلهم لآدم ﵇ (٥)، وبأن سعداً لما مات «أسرع النبي ﷺ في المشي إليه، فقيل له في ذلك، فقال: خشيت أن تسبقني الملائكة إلى غسله، كما

стр. 344

سبقتنا إلى غسل حنظلة» (١). قال في «الفروع»: «ويتوجه في مسلمي الجن كذلك، وأولى؛ لتكليفهم». (وشهيد المعركة) من ذكر، وأنثى (والمقتول ظلماً) ملحق بشهيد المعركة (لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه)، جزم أبو المعالي بالحرمة. وقال ابن الجوزي في «التبصرة» (٢): «لا يجوز غسله» (٣). وكلام الموفق يحتمل الكراهة والتحريم، ذكره في «الإنصاف» (٤). وقال في «مجمع [٥٦/ ب] البحرين»: «لم أقف بتصريح لأصحابنا، هل غسل الشهيد حرام أو مكروه؟» (٥). وقطع في «التنقيح» بأنه يكره، وتبعه في «المنتهى» (٦).

стр. 345

اعلم أنَّ الشهيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم: شهيد الدنيا والآخرة. وهو شهيد المعركة: من قاتل الكفار؛ لتكون كلمة الله هي العليا حتى مات. فشهيد الآخرة بالنسبة لما له من الثواب في الآخرة، وشهيد الدنيا بالنسبة لعدم تغسيله، وتكفينه، والصلاة عليه. وما ألحق به: من المقتول ظلماً. روى أبو داود عن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد» (١). وقسم: شهيد الآخرة. وهو بالنسبة لما له من الثواب في الآخرة، من غير أحكام الدنيا؛ كالحريق، والغريق، [والشريق]، والمبطون (٢)، والمطعون (٣)، وصاحب الهدم (٤)، وذات الجنب (٥)، والسل (٦)، واللُّقْوة (٧)، والصابر في الطاعون، والمتردي إن لم يكن

стр. 346

بفعل الكفار، فيكون شهيد المعركة، ومن مات في سبيل الله، وعن صاحب «الفروع»: «من مات في الحج، ومن مات في طلب العلم». انتهى، ومن طلب العلم بنية صادقة، وموت المرابط، والعلماء الذين هم أمناء الله في الأرض، والمجنون، والنفساء، واللديغ، وفريس السَّبع، ومن خرَّ عن دابته. ومن أغربها: موت الغريب، وأغرب منه: موت العاشق إذا عفَّ وكتم. وقد بينت أدلة ذلك في كتابي: «حقائق العيون الباصرة» أحسن بيان، في الباب الحادي عشر، المعقود لأحكام الشهداء. وقسم: شهيد الدنيا فقط. وهو من قام به مانع حال القتال، كمن قاتل رياء وسمعة، أو غلَّ في الغنيمة، أو فر من الزحف، ونحوه؛ لأن الأحاديث وردت بنفي تسميته شهيداً إذا قتل في حرب الكفار (١). وإنما له حكم شهداء الدنيا، من كونه لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ويدفن بثيابه، وفي مصرعه. ولكن ليس له ثوابهم، وربما يأثم. تنبيه: المراد بالشهيد. قيل: إن الله وملائكته يشهدون له بالجنة. وقيل: إن الأنبياء تشهد له بحسن الاتباع. وقيل: إن

стр. 347

الملائكة كذلك. إلى غير ذلك من الأقوال. وقد ذكرت في كتابي «حقائق العيون الباصرة» نحواً من ثمانية عشر قولاً، فراجعه إن أردت اتساعاً. (ويجب بقاء دمه) أي: دم الشهيد (عليه) لا نجاسة معه؛ لقوله ﷺ : «يدفن قتلى أحد في دمائهم» (١)، وفي الحديث: «اللون لون الدم، والريح ريح المسك» (٢)، (و) يجب (دفنه في ثيابه) التي قتل فيها؛ لأمره ﷺ بقتلى أحد «أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا في ثيابهم، بدمائهم» رواه أبو داود، عن ابن عباس (٣). قال في «الإقناع»: «وظاهره: ولو حريراً» (٤). قال في «المبدع»: «ولعله غير مراد»، فلا يزاد في الثياب، ولا ينقص. فإن كان الشهيد قد سلبها، فيكفن بغيرها. ويستحب دفنه في مصرعه، وهو المكان الذي قتل فيه؛ لقوله عليه الصلاة السلام: «تدفن

стр. 348

الأجساد حيث تقبض الأرواح» (١)، حملوه على الشهداء؛ لأن السنة في غيرهم دفنهم في الصحراء. (وإن حمل) شهيد المعركة، أو المقتول ظلماً (فأكل، أو شرب، [١/ ٥٧] أو نام، [أو بال] (٢)، أو تكلم، أو عطس، أو طال بقاؤه عرفاً، أو قتل، وعليه ما يوجب الغسل، من نحو جنابة كحائض، ونفساء انقطع دمهما فهو كغيره من الموتى، يغسل ويكفن، ويصلى عليه وجوباً؛ لتغسيله ﷺ سعد بن معاذ (٣). (و) يغسل، ويكفن، ويصلى على ال (سقط) (٤) لأربعة أشهر) فأكثر كما يغسل (المولود) إذا ولد (حياً) ثم مات. ويستحب تسميته، ولو ولد قبل أربعة أشهر. وإن كان السقط من كافرين، فمات أحد أبويه [بدارنا] (٥)، فكمسلم؛ لأنه محكوم بإسلامه. (ولا يغسل مسلم كافراً، ولو) كان الكافر (ذمياً) أي: كتابياً (ولا يكفنه، ولا يصلي عليه، ولا يتبع جنازته، بل يوارى الكافر، أي: يدفن لعدم من يواريه) التراب. (فصل) (وتكفينه) أي: تكفين الميت (فرض كفاية) لقوله عليه

стр. 349

الصلاة والسلام في المحرم: «كفنوه في ثوبيه» (١). (والواجب) من الكفن (ستر جميعه) أي: جميع الميت (سوى رأس المحرم، ووجه المحرمة) فلا يغطى؛ لأن المحرم إذا مات، فهو كالحي في بقاء إحرامه عليه، فيجنب المحرم الميت ما يجنب المحرم الحي في حياته؛ لبقاء الإحرام، فيكفن في ثوبه نصاً، ويجوز الزيادة عليه. فيغسل بماء وسدر. والذكر لا يلبس المخيط، ويغطى وجهه، لا رأس ذكر، ووجه أنثى، كما ذكر (٢) (بثوب) واحد، أي: الواجب من الكفن ثوب واحد. ويشترط أن يكون الثوب لا يصف البشرة. ويجب أن يكون الكفن (من ملبوس مثله) في الجمع، والأعياد؛ لأن الشارع أمر بتحسينه. رواه أحمد (٣) (ما لم يوص بدونه) لإسقاطه حقه. والواجب من الكفن، ومؤنة التجهيز في مال الميت؛ للخبر (٤)، غير حنوط وطيب؛ لأنه سنة، فإن لم يكن له مال، فعلى من تلزمه نفقته، فإن لم يكن، فمن بيت المال إن كان مسلماً، ثم على مسلم عالم به.

стр. 350

والسنة تكفين الرجل في ثلاث لفائف بيض من قطن لحديث عائشة (١). قال في «المستوعب» و «الشرح» وغيرهما: تكره الزيادة على الثلاث (٢). وصحح ابن تميم، وقدمه في «الفروع»: أنه لا يكره، بل في سبعة أثواب (٣). ذكره في «المبدع». ويجب كفن الرقيق على مالكه (تبسط) الأكفان (على بعضها) وينبغي تبخيرها بالعود، ونحوه؛ لأنه أوصى به أبو سعيد، وابن عمر، وابن عباس (٤)، وأن ترش بماء الورد (٥)، ما لم يكن محرماً، كما تقدم (ويوضع) الميت (عليها) أي: على الأكفان (مستلقياً) على ظهره. ويجعل الحنوط فيما بين الأكفان، ويجعل منه في قطن يجعل ذلك

стр. 351

بين أليتيه، وكذلك يجعل على منافذ وجهه (١)، ومواضع سجوده، وعلى مغابنه كطي ركبتيه، وتحت إبطه، وسرته (ثم يرد طرف) اللفافة (العليا من الجانب الأيسر على شقه الأيمن، ثم يرد طرفها الأيمن على شقه الأيسر، ثم) يرد (الثانية) من اللفائف (ثم) يرد الثالثة (كذلك) أي: كالأولى، ويجعل ما عند رأسه أكثر مما عند رجليه؛ لشرفه. (و) السنة تكفين (الأنثى في خمسة أثواب بيض من قطن إزار) وهو المئزر، فتؤزر به (وخمار) وهو المقنع، فتقنع به (وقميص) تلبسه (ولفافتين) استحباباً؛ لما رواه أحمد (٢). (و) يكفن الصبي في ثوب واحد (ويباح في ثلاثة) أثواب (و) الأنثى (الصغيرة) تكفن (في قميص، و) في (لفافتين). ويكره التكفين بشعر، وصوف، ومزعفر، ومعصفر، ومنقوش مع القدرة على غيره (ويحرم) التكفين، ولو لامرأة، أو صغير (بجلد، وحرير، ومذهب) ومفضض (٣)، إلا لضرورة.

стр. 352

(فصل) (والصلاة عليه) أي: على الميت (فرض كفاية، وتسقط) الصلاة على الميت (ب) صلاة (مكلف) أي: مميز (ولو أنثى). وتسن جماعة، إلا على النبي ﷺ ، فلا يصلون عليه بإمام؛ احتراماً له، وإكراماً، وتعظيماً له ﷺ ، وفي البزار، والطبراني: «أن ذلك كان بوصية منه ﷺ » (١)، قال ابن عباس: «دخل الناس على رسول الله ﷺ أرسالاً (٢)، يصلون عليه، حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء، حتى إذا فرغوا أدخلوا الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله ﷺ أحد» رواه ابن ماجه (٣). والأولى بالإمامة: وصي بها إن كان عدلاً، ثم السلطان، ثم نائبه. والفذ في هذه الصلاة كغيرها. ويسن أن يقف إمام عند صدر الرجل، ووسط المرأة نصاً. فإن اجتمع من الموتى ذكور فقط، سوي بين رؤوسهم، وقدّم إلى الأمام أفضلهم. وإن اجتمع نساء فقط، سوّي بين رؤوسهم وقدّم أفضلهم كذلك، وأيضاً الخناثي. وإن اجتمع ذكور وإناث، جعل الذكور مما يلي الإمام، وجُعل الإناث خلفهم، ووسطهم عند

стр. 353

صدور الذكور، والخناثى بينهما. وجمع الموتى في الصلاة عليهم أفضل من انفرادهم. ويدعو للميت باسمه إن عرفه، وإلا أشار إليه. (وشروطها) أي: شروط الصلاة على الميت (ثمانية): أحدها: (النية، و) الثاني: (التكليف) أي: العقل، وتقدم الخلاف في المميز والبالغ (١)، (و) الثالث: (استقبال القبلة، و) الرابع: (ستر العورة) مع أحد العاتقين (و) الخامس: (اجتناب النجاسة). (و) السادس: (حضور الميت) قبل الصلاة (إن كان بالبلد) فإن لم يكن بالبلد، وصلي على غائب، صحت. (و) السابع: (إسلام المصلي) بكسر اللام (و) إسلام (المصلى) بفتح اللام (عليه) أي: الميت. (و) الثامن: (طهارتهما) أي: طهارة المصلي، والمصلى عليه (ولو) كانت الطهارة (بتراب) فيتيمم (لعذر) يبيحه. (وأركانها) أي: أركان الصلاة على الميت (سبعة): أحدها: (القيام في فرضها) والفرض يسقط بأول صلاة على الميت، ثم ما بعده نفلا، فيصح النفل من قاعد. (و) الثاني: (التكبيرات الأربع) لما روي عن ابن عباس «أنه ﷺ كبر أربعا» متفق عليه (٢). فإن ترك منها شيئا غير مسبوق عمدا، بطلت. وإن ترك سهوا، يكبر ما ترك ما لم يطل الفصل،

стр. 354

فإن طال الفصل، أو وجد مناف من كلام، ونحوه، استأنف الصلاة. (و) الثالث: (قراءة الفاتحة) على إمام، ومنفرد، ويتحملها الإمام عن المأموم. (و) الرابع: (الصلاة على محمد) ﷺ . (و) الخامس: (الدعاء للميت) لأنه المقصود. (و) السادس: (السلام) لفعله ﷺ (١). (و) السابع: (الترتيب. لكن لا يتعين كون الدعاء في) التكبيرة الثالثة، بل يجوز الدعاء (بعد) التكبيرة (الرابعة) نقله الزركشي عن الأصحاب. قال في «المستوعب»، و «الكافي»، و «التلخيص»، و «البلغة»: تُعيَّن القراءة في الأولى، والصلاة على النبي ﷺ في الثانية (٢). قال في «المبدع»: «وقدم في «الفروع» خلافه» (٣). (وصفتها) أي: صفة الصلاة: (أن ينوي، ثم يكبر الأولى، ويتعوذ، ويُبسمل، من غير استفتاح ويقرأ الفاتحة) فيها (ثم يكبر)

стр. 355

الثانية (ويصلي) فيها (على محمد)، كما (في التشهد) (١) قال في «الكافي»: «لا تتعين صلاة؛ لأن القصد مطلق الصلاة»، ومعناه أيضاً في «الشرح» (٢) (ثم يكبر) الثالثة (ويدعو للميت) فيها سراً (بنحو: اللهم ارحمه) ويسن الدعاء بالمأثور، وهو: «اللهم اغفر لحينا، وميتنا، وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا، وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا ومثوانا، وأنت على كل شيء قدير. اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان» هكذا في «الفروع» (٣)، وهو لفظ حديث أبي هريرة (٤). وقال في «المقنع»، وتبعه في «المنتهى»: «فأحيه على الإسلام والسنة، ومن توفيته فتوفه عليهما» رواه أحمد (٥). ثم يقول: «اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، وأوسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وزوجاً خيراً من زوجه،
следующие страницы →