← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30147

مسلك الراغب لشرح دليل الطالب - ت تركي النصر

إبراهيم العوفي الصالحي

Полный текст (944 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

بين أليتيه، وكذلك يجعل على منافذ وجهه (١)، ومواضع سجوده، وعلى مغابنه كطي ركبتيه، وتحت إبطه، وسرته (ثم يرد طرف) اللفافة (العليا من الجانب الأيسر على شقه الأيمن، ثم يرد طرفها الأيمن على شقه الأيسر، ثم) يرد (الثانية) من اللفائف (ثم) يرد الثالثة (كذلك) أي: كالأولى، ويجعل ما عند رأسه أكثر مما عند رجليه؛ لشرفه. (و) السنة تكفين (الأنثى في خمسة أثواب بيض من قطن إزار) وهو المئزر، فتؤزر به (وخمار) وهو المقنع، فتقنع به (وقميص) تلبسه (ولفافتين) استحباباً؛ لما رواه أحمد (٢). (و) يكفن الصبي في ثوب واحد (ويباح في ثلاثة) أثواب (و) الأنثى (الصغيرة) تكفن (في قميص، و) في (لفافتين). ويكره التكفين بشعر، وصوف، ومزعفر، ومعصفر، ومنقوش مع القدرة على غيره (ويحرم) التكفين، ولو لامرأة، أو صغير (بجلد، وحرير، ومذهب) ومفضض (٣)، إلا لضرورة.

стр. 352

(فصل) (والصلاة عليه) أي: على الميت (فرض كفاية، وتسقط) الصلاة على الميت (ب) صلاة (مكلف) أي: مميز (ولو أنثى). وتسن جماعة، إلا على النبي ﷺ ، فلا يصلون عليه بإمام؛ احتراماً له، وإكراماً، وتعظيماً له ﷺ ، وفي البزار، والطبراني: «أن ذلك كان بوصية منه ﷺ » (١)، قال ابن عباس: «دخل الناس على رسول الله ﷺ أرسالاً (٢)، يصلون عليه، حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء، حتى إذا فرغوا أدخلوا الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله ﷺ أحد» رواه ابن ماجه (٣). والأولى بالإمامة: وصي بها إن كان عدلاً، ثم السلطان، ثم نائبه. والفذ في هذه الصلاة كغيرها. ويسن أن يقف إمام عند صدر الرجل، ووسط المرأة نصاً. فإن اجتمع من الموتى ذكور فقط، سوي بين رؤوسهم، وقدّم إلى الأمام أفضلهم. وإن اجتمع نساء فقط، سوّي بين رؤوسهم وقدّم أفضلهم كذلك، وأيضاً الخناثي. وإن اجتمع ذكور وإناث، جعل الذكور مما يلي الإمام، وجُعل الإناث خلفهم، ووسطهم عند

стр. 353

صدور الذكور، والخناثى بينهما. وجمع الموتى في الصلاة عليهم أفضل من انفرادهم. ويدعو للميت باسمه إن عرفه، وإلا أشار إليه. (وشروطها) أي: شروط الصلاة على الميت (ثمانية): أحدها: (النية، و) الثاني: (التكليف) أي: العقل، وتقدم الخلاف في المميز والبالغ (١)، (و) الثالث: (استقبال القبلة، و) الرابع: (ستر العورة) مع أحد العاتقين (و) الخامس: (اجتناب النجاسة). (و) السادس: (حضور الميت) قبل الصلاة (إن كان بالبلد) فإن لم يكن بالبلد، وصلي على غائب، صحت. (و) السابع: (إسلام المصلي) بكسر اللام (و) إسلام (المصلى) بفتح اللام (عليه) أي: الميت. (و) الثامن: (طهارتهما) أي: طهارة المصلي، والمصلى عليه (ولو) كانت الطهارة (بتراب) فيتيمم (لعذر) يبيحه. (وأركانها) أي: أركان الصلاة على الميت (سبعة): أحدها: (القيام في فرضها) والفرض يسقط بأول صلاة على الميت، ثم ما بعده نفلا، فيصح النفل من قاعد. (و) الثاني: (التكبيرات الأربع) لما روي عن ابن عباس «أنه ﷺ كبر أربعا» متفق عليه (٢). فإن ترك منها شيئا غير مسبوق عمدا، بطلت. وإن ترك سهوا، يكبر ما ترك ما لم يطل الفصل،

стр. 354

فإن طال الفصل، أو وجد مناف من كلام، ونحوه، استأنف الصلاة. (و) الثالث: (قراءة الفاتحة) على إمام، ومنفرد، ويتحملها الإمام عن المأموم. (و) الرابع: (الصلاة على محمد) ﷺ . (و) الخامس: (الدعاء للميت) لأنه المقصود. (و) السادس: (السلام) لفعله ﷺ (١). (و) السابع: (الترتيب. لكن لا يتعين كون الدعاء في) التكبيرة الثالثة، بل يجوز الدعاء (بعد) التكبيرة (الرابعة) نقله الزركشي عن الأصحاب. قال في «المستوعب»، و «الكافي»، و «التلخيص»، و «البلغة»: تُعيَّن القراءة في الأولى، والصلاة على النبي ﷺ في الثانية (٢). قال في «المبدع»: «وقدم في «الفروع» خلافه» (٣). (وصفتها) أي: صفة الصلاة: (أن ينوي، ثم يكبر الأولى، ويتعوذ، ويُبسمل، من غير استفتاح ويقرأ الفاتحة) فيها (ثم يكبر)

стр. 355

الثانية (ويصلي) فيها (على محمد)، كما (في التشهد) (١) قال في «الكافي»: «لا تتعين صلاة؛ لأن القصد مطلق الصلاة»، ومعناه أيضاً في «الشرح» (٢) (ثم يكبر) الثالثة (ويدعو للميت) فيها سراً (بنحو: اللهم ارحمه) ويسن الدعاء بالمأثور، وهو: «اللهم اغفر لحينا، وميتنا، وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا، وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا ومثوانا، وأنت على كل شيء قدير. اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان» هكذا في «الفروع» (٣)، وهو لفظ حديث أبي هريرة (٤). وقال في «المقنع»، وتبعه في «المنتهى»: «فأحيه على الإسلام والسنة، ومن توفيته فتوفه عليهما» رواه أحمد (٥). ثم يقول: «اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، وأوسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وزوجاً خيراً من زوجه،

стр. 356

وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار» رواه مسلم (١)، من حديث عوف بن مالك، وفي رواية: «أهلاً خيراً من أهله» (٢)، «وافسح له في قبره، ونور له فيه» (٣). «اللهم إنه عبدك، ابن أمتك، نزل بك، وأنت خير منزول به، ولا أعلم إلا خيراً. اللهم إن كان محسناً فجازه بإحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه» (٤). «اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده» (٥)، واغفر لنا وله، إنك غفور رحيم (٦). «اللهم إنا جئنا شفعاء له، فشفعنا فيه» (٧).

стр. 357

وإن كان الميت صغيراً، ولو أنثى، أو بلغ مجنوناً، واستمر حتى مات، جعل مكان الاستغفار له، بعد قوله: فتو [فـ] هـ (١) على الإيمان: «اللهم اجعله ذخراً (٢) لوالديه، وفَرَطاً (٣)، وأجراً، وشفيعاً مجاباً. اللهم ثقل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم، وقه برحمتك عذاب الجحيم» (٤)؛ لحديث المغيرة بن شعبة مرفوعاً: «السقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة»، وفي لفظ: «بالعافية والرحمة» رواهما أحمد (٥). ويقول في دعائه لامرأة: «اللهم هذه أمتك، بنت أمتك، نزلت بك، وأنت خير منزول به»، ما تقدم من قوله في دعائه للرجل: «اللهم إنه عبدك … إلى قوله: خير منزول به». ولا يقول: أبدلها زوجاً خيراً من زوجها. ويقول في دعائه للخنثى: «اللهم اغفر لهذا الميت» ونحوه. وإن كان يعلم من الميت غير الخير فلا يقول: ولا أعلم إلا خيراً؛ لأنه كذب. ولا بأس بتأمينه خلف الإمام.

стр. 358

(ثم يكبر) الرابعة ويقف قليلاً، ويسلم عن يمينه، نص عليه. ويسن أن يرفع يديه عند كل تكبيرة و (تجزئ) تسليمة (واحدة) لأنه ﷺ سلم على جنازة تسليمة (١)، وأكثر ما روي في التسليم. ويجوز أن يسلم ثانية عن يساره، واستحبه القاضي (٢) ويجوز أن يسلم تلقاء وجهه، من غير التفات نصاً (و) يجزئ و (لو لم يقل) بعد التسليم: (ورحمة الله)، ويسن وقوف المصلي مكانه حتى ترفع نصاً. ويجوز أن يصلي على الميت من حين (دفنه إلى) مضي (شهر) لما رواه الترمذي (٣)، عن سعيد بن المسيب (٤) قال الإمام: «أكثر ما سمعت هذا»، ولأنه لا يعلم بقاؤه أكثر منه، أي: من شهر، فتقيد به (وشيء) أي: إلى زيادة شيء عن الشهر، قال القاضي:

стр. 359

«كاليومين»، قال في «المبدع»: «فأما إذا لم يدفن، فإنه يصلى عليه، وإن مضى أكثر (ويحرم) الصلاة (بعد ذلك) أي: بعد الشهر وشيء». تتمة: لا تصح الصلاة على جنازة محمولة؛ لأنها كالإمام (١)، ولهذا لا صلاة بدون الميت، إذا كان موجوداً، من غير دفن، كما تقدم. وإن نوى على هذا الرجل، فبان امرأة، أو بالعكس، قال في «الإقناع»: «القياس: الإجزاء». ولا يجوز الزيادة في الصلاة على سبع تكبيرات؛ قاله في «الشرح»، لا يختلف المذهب فيه (٢). ولا تبطل الصلاة بالزيادة عن السبعة، ولو عمداً. ولا يجوز النقص عن أربع. والأولى أن لا يزيد على الأربع. ومن سبق ببعض الصلاة، كبر، ودخل مع الإمام، وتابعه فيما وجده، ولو بعد التكبيرة الرابعة، ويقضي بعد سلام إمامه الثلاث تكبيرات التي فاتته على صفتها.

стр. 360

ومن لم يصل، استحب له أن يصلي إذا وُضِعَتْ، قبل الدفن، أو بعده، ولو جماعة على القبر. ويصلي إمام أعظم، وغيره على غائب عن البلد، وكان دون مسافة قصر إلى شهر؛ كالصلاة على القبر، كما تقدم. ومن صلى، كره له الإعادة. ويُصلى على كل عاص، سو قاتل نفسه، والغال من الغنيمة (١)، زجراً لهما، لا تحريماً. فإن صلى عليهما، فلا بأس. وإن وجد بعض ميت، غير شعر، وظفر، وسن، فهو كالكل، فينوي على ذلك البعض، دون الكل. ولا يصلي على ما بان من حي. وتباح الصلاة في المسجد إن أمن التلويث، وإلَّا حَرُم. قال الآجري: «السنة أن يصلي عليها فيه» (٢). فائدة من صلى على جنازة له من الأجر قيراط، وهو معلوم عند الله تعالى، وله بتمام دفنها قيراط آخر، بشرط أن يكون معها من الصلاة إلى أن تدفن؛ لقوله ﷺ : «من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين» (٣)، وفي مسلم: «أصغرهما مثل أحد» (٤)، أي: مثل جبل أحد.

стр. 361

(فصل) (وحمله، ودفنه) فرض كفاية. لكن يسقط الحمل، والدفن، والتكفين بالكافر)، لأنه لا يختص أن يكون الفاعل لما ذكر مسلماً. (ويكره أخذ الأجرة على ذلك، وعلى الغسل). ويوضع على النعش. ويسن ستر النعش بالبياض. ويكره بمنقوش، ويحرم بحرير، وما فيه ذهب، أو فضة. وسن أن يحمله أربع (١). ولا بأس بحمل الطفل على اليدين. وكذا حمل الميت على دابة؛ لبعد، ونحوه. وكذا الدفن ليلاً. ويسن الإسراع بها. (وسن) اتباع الجنازة. وفي «الرعاية»: «فرض كفاية» (٢). وهو حق للميت وأهله. ويكره للمرأة اتباعها. وسن (كون الماشي أمام الجنازة) لما ثبت من مشيه ﷺ ، وأبي بكر، وعمر (٣)، ولأنهم شفعاء، والشفيع يتقدم المشفوع له. ولا يكره خلفها (و) سن كون (الراكب) ولو في سفينة (خلفها) أي: خلف الجنازة؛ لما روي عن المغيرة بن شعبة (٤).

стр. 362

ويكره الركوب، وأن يكون أمامها راكباً، إلا لحاجة (والقرب منها أفضل من البعد عنها. ويكره التقدم لموضع الصلاة عليها. ويكره جلوس من تبعها قبل وضعها؛ للدفن، إلا لمن بعد عنها ويكره القيام لها، ورفع الصوت معها، ولو بالذكر، والقرآن) للنهي عن ذلك (١). والقراءة والذكر سراً، مستحب. ويكره التبسم، والضحك أشد منه والتحدث في أمر الدنيا. ويكره مسحه بيديه، أو بشيء؛ تبركاً (٢). وقول القائل: استغفروا له، بدعة، وحرَّمه أبو حفص (٣). وتحرم النياحة، واللطم، ورفع الصوت بصراخ. ويحرم أن يتبعها مع ذلك، وهو عاجز عن إزالته. (و) اللحد أفضل من الشَّقِّ (٤)؛ لقوله ﷺ : «اللحد لنا، والشق لغيرنا» رواه أبو داود (٥). (سن أن يعمق القبر) بلا حد (و) أن (يوسع) القبر (بلا

стр. 363

(حد) لقوله ﷺ : «احفروا، وأوسعوا، وأعمقوا» (١). وقال الأكثر: «قامة وسطاً، وبسطة» (٢)، وهي بسطة يده قائمة (ويكفي) في التعميق (ما يمنع السباع، والرائحة) وسن أن ينصب عليه اللبن - بكسر الباء الموحدة، واحدة لبنة - وهو ما يضرب من الطين؛ للبناء، قبل أن يشوى، فإذا شوي سمي آجراً. (وكره إدخال القبر خشباً) إلا لضرورة (و) يكره أيضاً إدخال (ما مسته نار) تفاؤلاً (و) كره أيضاً (وضع فراش تحته، وجعل مخدة تحت رأسه) نصاً. (وسن) أن يدخل الميت القبر من عند رجليه، إن سهل، وإلا من حيث سهل. ويسن أن يسجى القبر لامرأة، وهو أن يبسط ثوب على القبر؛ لأنها عورة، وكذا الخنثى لا رجل، إلا لعذر، من نحو مطر. وسن (قول) من (يدخله القبر) عند وضعه فيه: «بسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ ؛ لما روي عن ابن عمر (٣) (ويجب أن يستقبل به) أي: بالميت (القبلة) للحديث (٤)، (ويسن) أن يلحد على جنبه الأيمن لأنه سنة النائم، ووضع لبنة، أو حجر، أو شيء

стр. 364

مرتفع تحت رأسه، ويلصق خده الأيمن بالأرض، ويسند الميت خلفه بتراب؛ لئلا ينقلب، وأمامه؛ لئلا يسقط. ويستحب الدفن فيما فيه الصالحون. (ويحرم دفن غيره عليه، أو معه) في قبر واحد (إلا لضرورة) ككثرة الموتى وقلة من يدفنهم، وخوف الفساد عليهم. فإن شاء سوى بين رؤوسهم، وإن شاء جعل رأس أحدهم عند رجل الآخر. ويسن أن يحجز بينهم بتراب. ومتى علم أن الميت بلي، وصار رميماً، جاز نبش القبر، ودفن غيره فيه. فإن وجد عظاماً في القبر، دفنها، وحفر آخر. وإذا صار الميت رميماً، جاز حرث الأرض، وزرعه (١)، وإلا، فلا. ويحرم أن يدفن مع الميت حلي، أو ثياب، غير كفنه. كما يحرم إحراق ثياب الميت، وكسر أوانيه، ونحوها. ودفن أبي بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما مع النبي ﷺ ، إنما اختارا التشرف والتبرك به. وقد جاءت أخبار تدل على دفنهما معه، كما وقع ذلك (٢). ذكره المجد، وغيره (٣).

стр. 365

(وسن) لكل من حضر الدفن (حثو التراب عليه ثلاث (١)) حثيات، يقول في الأولى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾، وفي الثانية: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾، وفي الثالثة: ﴿وَمِنْهَا تُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]. ذكره ابن المُنجَّا (٢) (ثم يهال) عليه التراب؛ لحديث أبي هريرة (٣). (واستحب الأكثر) أي: أكثر الأصحاب (تلقينه) أي: تلقين الميت (بعد الدفن) (٤) فيقوم الملقن عند رأسه بعد تسوية التراب عليه، فيقول: يا فلان بن فلانة، ثلاث مرات، فإن لم يعرف اسم أمه، نسبه إلى حواء، اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن

стр. 366

لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلةً، وبالمؤمنين إخواناً، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور؛ لحديث أبي أمامة الباهلي (١). وهل يلقن غير المكلف؟ وجهان (٢)، وهو مبني على نزول الملكين إليه. الوجه الأول: قال القاضي، وابن عقيل بعدم السؤال (٣)، وفاقاً للشافعي. وقال أبو

стр. 367

حكيم (١) بإثبات السؤال (٢). ولكن المرجح من المذهب نزول الملكين، فيكون المرجح التلقين (٣)، وصححه الشيخ تقي الدين (٤)، واحتج بما رواه مالك، وغيره، عن أبي هريرة مرفوعاً: «أنه ﷺ صلى على طفل لم يعمل خطيئة قط، فقال: اللهم قه عذاب القبر، وفتنة القبر» (٥)، قال في «الفروع»: «ولا حجة فيه؛ للجزم بنفي التعذيب، فقد يكون أبو هريرة يرى الوقف فيهم». انتهى. وقال أيضاً ابن القيم في كتاب «الروح»: (بأنه ليس المراد بعذاب القبر فيه عقوبة الطفل قطعاً؛ لأن الله تعالى لا يعذب أحداً بلا ذنب عمله. بل المراد الألم الذي يحصل للميت بسبب غيره، وإن لم يكن عقوبة على عمله). وقال القائلون بعدم السؤال: إنما يكون السؤال لمن يعقل الرسول والمرسل، فيُسأل: هل آمن بالرسول وأطاعه أم لا؟ فأما

стр. 368

الطفل الذي لا تمييز له بوجه، ف [كيف] (١)؟ يقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟!، ولو رد إليه عقله في القبر، فإنه لا يسأل عما لم يتمكن من معرفته، والعلم به، فلا فائدة في هذا السؤال. قال ابن عبدوس (٢): «يسأل الأطفال عن الإقرار الأول حين الذرية». انتهى (٣)، والكبار يسألون عن معتقدهم في الدنيا وعن إقرارهم الأول حين الذرية. فائدة: قال بعضهم: سؤال الأطفال سؤال تكريم، وسؤال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إن ثبت سؤال تشريف وتعظيم. كما أن التكاليف في دار الدنيا البعض تكريم، والبعض امتحان ونكال. (وسن رش القبر بالماء) ووضع حصى صغار عليه؛ لما روي عنه ﷺ : «أنه رش على قبر ابنه إبراهيم ماءً، ووضع عليه حصباء» رواه الشافعي (٤). والحصباء: صغار الحصى. (و) سن (رفعه قدر شبر). (ويكره تزويقه) (٥)

стр. 369

وتجصيصه (١)، وتبخيره، وتقبيله، والطواف به (٢)، والاتكاء إليه، والمبيت عند القبر (والضحك عنده، والحديث في أمر الدنيا) عنده، والكتابة عليه، والجلوس عليه، وتخليقه (٣)، وكتابة الرقاع إليه، ودسها في الأنقاب، أي: شقوق القبر، والاستشفاء بالتربة من الأسقام (٤)؛ لأن ذلك كله بدعة. ويحرم التخلي (٥) على القبور، وبينها (٦)؛ لحديث عقبة بن عامر: «لأن أطأ على جمرة، أو سيف أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم، ولا أبالي أَوَسَط القبور قضيت حاجتي، أو وسط السوق» رواه الخلال (٧).

стр. 370

(و) يكره (البناء) على القبر؛ «للنهي ﷺ أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يقعد عليه» رواه مسلم، والترمذي، وزاد: «أن يكتب عليه» (١). تتمة: قال ابن القيم في كتاب «إغاثة اللهفان»: «يجب هدم القباب التي على القبور؛ لأنها أسست على معصية الرسول» انتهى. وكره الإمام أحمد الخيمة على القبر. قال الشيخ: «وتغطية قبور الأنبياء والصالحين ليس مشروعاً»، وقال أيضاً في موضع آخر: «إن هذا منكر إذا فعل بقبور الأنبياء والصالحين، فكيف بغيرهم؟!» (٢). (و) يكره أيضاً (المشي) في المقبرة (بالنعل، إلا ل) حاجة، ك (خوف) ضرر من (شوك، ونحوه) كنجاسة، وتأذ بحرارة أرض. ويكره الوطء عليه، ولو بلا نعل. قال بعضهم: إلا لحاجة. (ويحرم إسراج المقابر) بالسرج، واتخاذ المساجد عليها؛ للنهي عن ذلك، [الحديث: «لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج» رواه أبو داود] (٣).

стр. 371

(و) يحرم (الدفن بالمساجد) لتعيين الواقف الجهة لغير ذلك (و) يحرم أيضاً الدفن في ملك الغير بلا إذنه؛ لعدم الجواز (وينبش) القبر، ويخرج الميت منه؛ لدفنه بمكان مباح. والدفن بالصحراء أفضل من الدفن بالعمران، سوى النبي ﷺ ، فإنه قبر في بيته، قالت عائشة: «لئلا يتخذ قبره مسجداً» رواه البخاري (١)، وروي أيضاً: تدفن الأنبياء حيث يموتون (٢). (وإن ماتت الحامل) وفي بطنها من ترجى حياته (حرم شق بطنها) لإخراج الحمل (و) تقدم ل (إخراج) (٣) الحمل (النساء) القوابل (٤)، وغيرهن لا الرجال، ولو عدم النساء؛ لما فيه من هتك حرمتها، فيدخلن أيديهن في فرجها، ويخرجن (من ترجى حياته) وهو الذي له ستة أشهر، وكان يتحرك حركة قوية (فإن تعذر) إخراجه (لم تدفن) الحامل (حتى يموت الحمل. ولا يوضع عليه ما يموته، وإن خرج بعضه حياً، شق بطنها (ل) إخراج الباقي) حتى يخرج؛ لتيقن (٥) حياته بعد أن كانت موهومة. فلو مات قبل (٦)

стр. 372

خروجه، أخرج، وغسل. وإن تعذر، ترك، وغسل ما خرج، وصلي عليه معها (١). وإن ماتت ذمية، أو كافرة حامل من مسلم، دفنها مسلم وحدها في مكان غير مقابر المسلمين، وجعل ظهرها إلى غير القبلة، على جنبها الأيسر، وإن لم يمكن دفنها وحدها، فتدفن مع المسلمين. (فصل) (تسن تعزية المسلم) من أهل المصيبة، قبل الدفن، أو بعده، وكذا الصديق، وجار الميت؛ لما رواه الترمذي، عن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ قال: «ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة» (٢). ويبدأ بالتعزية بخيارهم، والمنظور إليه. وحتى من فعل محرماً، ونهيه له حسن. ويستمر ذلك (إلى) مضي (ثلاثة أيام) بلياليها. وكرهها جماعة بعدها (٣). ويكره تكرارها. ويكره

стр. 373

الجلوس لها، والمبيت عند أهل الميت. ويكره [تعزية] الشابة الأجنبية. ومعنى التعزية: التسلية، والحث على الصبر بوعد الأجر، والدعاء للميت المسلم، وللمصاب. ولا يتعين (فيما يقوله، ومنه يقال له): أي: للمصاب: (أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك) فقط، إن كان الميت كافراً (و) إن كان مسلماً قال: (وغفر لميتك) ويحرم تعزية الكافر (ويقول هو) أي: المُعزَّى - بفتح الزاي المعجمة -: (استجاب الله دعاءك، ورحمنا وإياك) ويسن للمصاب أن يسترجع، فيقول: «إنا لله، وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها»، ويصلي ركعتين، قاله الآجري (١). ويسن للمصاب الصبر الكامل. والصبر معناه: حبس النفس. وفي الصبر على موت الولد أجر كبير، وقد وردت الأخبار بذلك، فمنها ما روي في «الصحيحين» من قوله ﷺ : «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم» (٢)، يشير لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، والصحيح من تفسير هذه الآية: أن المراد به: المرور على الصراط. ومن رواية البخاري: أنه ﵊ قال: «يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفيه من أهل

стр. 374

الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة» (١). قال صاحب «المنتهى» في «شرحه»: «اعلم أن الثواب في المصائب على الصبر عليها، لا على المصيبة نفسها، فإنها ليست من كسبه، وإنما يثاب على كسبه، والصبر من كسبه» (٢). والرضى بالقضاء فوق الصبر؛ فإنه يوجب رضى الله . وقد أوضحت أحكام الصبر، وذكرت أقسامه، وفائدته، وأدلته وما ورد في ثوابه، في أكثر من كراسة في باب يخصه. وكذلك أحكام المصيبة في الباب الثالث، وكذلك المصيبة، وما يتعلق بها في الباب الثاني في كتابي: «حقائق العيون الباصرة» فراجعه إن أردت وقوفاً. ويجب من الصبر ما يمنع المصاب عن المحرم. ويكره للمصاب تغير حاله، من خلع ردائه، ونحوه. (ولا بأس بالبكاء على الميت)، روي في «الصحيحين» عن النبي ﷺ : «أنه لما رفع إليه ابن بنته فاضت عيناه، ونفسه تقعقع؛ كأنها في شنة - أي: لها صوت، وحشرجة؛ كصوت ما ألقي في قربة بالية قال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟! قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» (٣). والحشرجة - بحاء مهملة، وشين معجمة، ووراء مهملة، وجيم معجمة -: الغرغرة عند الموت، وتردد النفس.

стр. 375

(ويحرم الندب، وهو البكاء مع تعداد محاسن الميت) كقوله: واسيداه، واجبلاه، ونحوه (و) يحرم (النياحة، وهي رفع الصوت بذلك برنة) للنهي عنهما (١) (ويحرم شق الثوب، ولطم الخد، و) ما أشبهه، من (الصراخ) وخمش الوجه، وتسويده، ونتف الشعر، ونشره، وحلقه) لما ورد من النهي عن ذلك، من حديث «الصحيحين» (٢)، ولما في ذلك من إظهار الجزع، وعدم الرضا بقضاء الله تعالى، والسخط من فعله. وفي شق الجيوب إفساد للمال لغير حاجة. وفي «الفصول»: «يحرم النحيب، وتعداد المحاسن» (٣)؛ لأن ذلك يشبه التظلم من الظالم، وهو عدل من الله تعالى. تتمة: جاءت الأخبار الصحيحة أن الميت يعذب بالنياحة، وبالبكاء عليه (٤). فحمله ابن حامد (٥) على من أوصى به، وقال في

стр. 376

«التلخيص»: «يتأذى بذلك إن لم يوص بتركه»، واختار صاحب «المحرر» أن من هو عادة أهله، ولم يوص بتركه عذب؛ لأنه من لم يوص به فقد رضي به (١). وأنكرت عائشة حمل ذلك على ظاهره، ووافقها ابن عباس (٢)، وقالت: «والله ما حدث رسول الله ﷺ إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه. ولكن رسول الله ﷺ قال: إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه» (٣)، وقالت لما بلغها رواية عمر، وابنه في ذلك: «إنكم لتحدثون غير كاذبين، ولا متهمين، ولكن السمع يخطئ» (٤)، وقالت: حسبكم القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٥) [الأنعام: ١٦٤ - الإسراء: ١٥ - فاطر: ١٨]. وقد بسطت الكلام، وبينت ما ورد من الأقوال أحسن بيان في كتابي «حقائق العيون الباصرة»، فراجعه إن أردت إيضاحاً. (وتسن زيارة القبور) من المسلمين (للرجال) نص عليه، وحكاه النووي؛ لقوله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها» رواه مسلم (٦). وتكون الزيارة بلا سفر؛ لحديث: «لا تشد

стр. 377

الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» (١) (وتكره الزيارة (للنساء) للنهي عن ذلك (٢). ما لم يقع منهن محرم، فتحرم. وتسن زيارة قبر النبي ﷺ ، وصاحبيه رضي الله تعالى عنهما للرجال، [٦١/ ب] والنساء؛ لعموم الأدلة (٣). (وإن اجتازت) أي: مرت المرأة بقبر في طريقها، فسلمت عليه، ودعت له، فحسن). ولا بأس بلمسه باليد، لا التمسح به، ولا أن يُقصده؛ لأجل الدعاء، معتقداً أن الدعاء أفضل من الدعاء في غيره، أو النذر له، ونحو ذلك. قال الشيخ: «فليس هذا من دين المسلمين، بل هو مما أحدث من البدع القبيحة التي هي من شعب الشرك». (وسن لمن زار القبور، أو مر بها، أن يقول) معرفاً بالألف واللام: («السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم») للأخبار الواردة بذلك (٤). وله أن يقول غير

стр. 378

ذلك، مما ورد (١). (وابتداء السلام على الحي، سنة) ومن جماعة، سنة كفاية، والأفضل السلام من جميعهم. ويخير بين تعريفه بالألف واللام، فيقول: «السلام عليكم، أو عليك»، ويبين تنكيره من غير ألف ولا لام، فيقول: «سلام عليكم، أو عليك»؛ لورود الأخبار بالأمرين (٢). ورفع الصوت بابتداء السلام سنة. ويسن تكرار السلام على من سلم عليه، ثم لقيه. ولا يترك السلام إذا كان يغلب على ظنه أنَّ المسلَّم عليه لا يرد السلام؛ لعموم: «أفشوا السلام» (٣). وإن دخل على جماعة فيهم علماء، سلم على الكل، ثم سلّم على العلماء ثانياً. ويكره الانحناء في السلام (ورده) فوراً.

стр. 379

على المنفرد المسلّم عليه، فرض عين. وعلى الجماعة (فرض كفاية) ورفع الصوت قدر الإبلاغ، واجب. وتزاد الواو في رد السلام وجوباً، قدمه صاحب «الإقناع» في «شرح منظومة الآداب»، وعزاه للشيخ وجيه الدين (١) في «شرح الهداية» (٢). وقيل: لا يجب، وقدمه في «شرح المنتهى». قال في «الآداب»: «وهو أشهر، وأصح». تتمة: يكره أن يسلّم على غير زوجة، ومحرم، إلا أن تكون عجوزاً. ويكره السلام في الحمّام، وعلى من يأكل، أو يقاتل، وعلى تال القرآن، وذاكر، ومحدّث، وخطيب، وواعظ، وعلى من يسمع لهم، وعلى مدرس، ومن يبحث في العلم، وعلى من هو على حاجة. ويكره ردّه نصّاً. وفي «الرعاية الكبرى»: «لا يكره»، ذكره في «الآداب» (٣). ويكره أن يخص بعض طائفة بالسلام. والهجر المنهي عنه فيمن هجر أخاه ثلاثة أيام (٤)، يزول بالسلام.

стр. 380

ويسن السلام عند الانصراف، وعند الدخول إلى أهله. فإن دخل بيتاً خالياً، قال: «السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين»؛ للخبر (١). وإذا دخل بيته، قدم رجله اليمنى، ثم قال: «اللهم إني أسألك خير المولج، وخير المخرج، بسم الله ولجنا، وبسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا»، ثم يسلم على أهله. ويجزئ في الرد: «وعليكم السلام». وتسن مصافحة الرجل الرجل، والمرأة المرأة؛ للخبر (٢). وللرجل مصافحة الزوجة، والمحرم، والعجوز (٣). وإن سلمت شابة على رجل، رده، لا عكسه. ولا بأس بالمعانقة (٤). قال في «الآداب»: «وتباح المعانقة، وتقبيل اليد والرأس (٥)؛ تديناً، وإكراماً، واحتراماً، مع أمن

стр. 381

الشهوة». قال: «وقال أبو المعالي في «شرح الهداية»: تستحب زيارة القادم، ومعانقته والسلام عليه. قال: وإكرام العلماء، وأشراف القوم بالقيام، سنة مستحبة. قال: ويكره أن يطمع في قيام الناس له». انتهى. ويكره القيام لغير سلطان، وعالم، ووالد. ذكره السامري. وزاد في «الرعاية الكبرى»: «ولغير ذي دين، وورع، وكريم قوم، وكبير سن في الإسلام». وقال ابن تميم: «لا يستحب القيام إلا للإمام العادل، والوالدين، وأهل العلم، والدين، والورع، والكرم، والنسب»، وهو معنى كلامه في «المحرر»، و «الفصول» (١)، وكذا ذكره الشيخ عبد القادر (٢)، وقاسه على المهاداة لهم. ويكره لأهل المعاصي والفجور. والذي يقام له لا ينبغي أن تستكبر نفسه إليه، ولا تطلبه. والنهي قد وقع على السرور بذلك الحال (٣). فإذا لم يسر بالقيام إليه، وقاموا إليه، فغير ممنوع منه.

стр. 382

فائدة: مما للمسلم على المسلم: أن يستر عورته، ويغفر زلته، ويرحم عبرته، ويقيل عثرته، ويقبل معذرته، ويرد غيبته، ويديم نصيحته، ويحفظ خلته، ويرعى ذمته، ويجيب دعوته، ويقبل هديته، ويكافئ صلته، ويشكر نعمته، ويحسن نصرته، ويقضي حاجته، ويشفع مسألته، ويشمت عطسته، ويرد ضالته، ويواليه، ولا يعاديه، وينصره على ظالمه، ويكفه عن ظلم غيره، ولا يشتمه، ولا يخذله، ويحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه. ذكره في «الرعاية» (١). قال حنبل (٢): «وليس على المسلم نصح الذمي» (٣). ويسن أن يسلم الصغير على الكبير، والقليل على الكثير، والراكب على الماشي، هذا عند ملاقاتهم لبعضهم. وأما إذا مروا بقاعد، أو قعود، فالصغير والكبير، والقليل والكثير، والراكب، والماشي يبدأ مطلقاً. وإن سلم الغائب برسالة، أو كتابة، وجبت الإجابة عند البلاغ. ويستحب أن يسلم على الرسول، فيقول: «عليك، وعليه السلام»؛ للخبر (٤). ويجب على من تحمل سلاماً، تبليغه للمسلم عليه إن تحمله، وإلا، فلا.

стр. 383

ويستحب لكل من المتلاقيين أن يحرص على الابتداء بالسلام. فإن بدأ كل منهما صاحبه معاً، فعلى كل منهما الإجابة. ولا بأس بالمعانقة، ولا بأس بتقبيل الرأس. وإذا تثاءب، كظم ندباً. فإن غلبه غطى فمه بيده، أو كمه، أو غيره. وإذا عطس، غطى وجهه بثوب، أو يد؛ لئلا يتأذى من عنده ببصاقه، وخفض صوته؛ للخبر (١)، وحمد الله تعالى جهراً، بحيث يسمع جليسه. روى البخاري: «إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب (٢)؛ لأن العطاس يدل على خفة بدن، ونشاط. والتثاؤب غالباً؛ لثقل البدن، وامتلائه، واسترخائه، فيميل إلى الكسل. وتشميته فرض كفاية، فيقول له سامعه: «يرحمك الله، أو يرحمكم الله». ويرد عليه العاطس وجوباً، فيقول: «يهديكم الله، ويصلح بالكم»؛ للخبر (٣)، قال في «شرح المنتهى»:

стр. 384

"يغفر الله لنا ولكم" (١). ويكره أن يُشَمَّت من لم يحمد الله تعالى؛ لما في الحديث من النهي (٢). وتشميت الذمي فيه أقوال: بالإباحة، والكراهة، والحرمة. قاله صاحب «شرح المنظومة» (٣). ويقال للصغير: «بورك فيك، وجبرك الله». وحكم المرأة، كما تقدم في السلام (٤). ويشمّت العاطس إلى ثلاث، وفي الرابعة، دعا له بالعافية؛ لأنه مزكوم، ويعتبر الثلاث من عند تشميته. ويجب الاستئذان على كل من يدخل عليه. قال في «الرعاية الكبرى»: صفة الاستئذان: «سلام عليكم، أأدخل؟» (٥). ففي هذا تقديم السلام على الاستئذان، خلافاً لبعضهم (٦). ويستحب أن

стр. 385

يجلس حيث انتهى به المجلس (١)؛ للأخبار (٢). خاتمة: مذهب السلف، وأئمتها: أن العذاب أو النعيم يحصل لروح الميت وبدنه. وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمَة أو معذّبَة. وأيضاً تتصل بالبدن أحياناً، فيحصل له معها النعيم أو العذاب. ولأهل السنة قول آخر: أن النعيم والعذاب يكون للبدن، دون الروح. وأهل الكلام لهم أقوال شاذة، فلا عبرة بها (٣). وروح الآدمي مخلوقة. وقال في «الآداب»: «وتجتمع أرواح الموتى، فينزل الأعلى إلى الأدنى، لا العكس». تنبيه: تستحب القراءة على القبر، وفي المقبرة؛ لما روى أنس مرفوعاً قال: «من دخل المقابر، فقرأ فيها ﴿يس﴾ خفف عنهم

стр. 386

يومئذ، وكان له بعددهم حسنات (١). قال السامري: «يستحب أن يقرأ عند رأس القبر بفاتحة البقرة، وعند رجليه بخاتمتها». وكل قربة فعلها المسلم، وجعل ثوابها، أو بعضه لمسلم حي، أو ميت، جاز، ونفعه ذلك بحصول الثواب له، حتى لرسول الله ﷺ إذا أهدي له. ذكره المجد (٢)، من تطوع، وواجب، وممن تدخله النيابة، كحج، وصوم نذر، أو لا تدخله النيابة، كصلاة، وصوم، ودعاء، واستغفار، وصدقة، وعتق، وأضحية، وأداء دين، وقراءة، وغيرها. قال الإمام أحمد: «الميت يصل إليه كل شيء من الخير (٣)؛ للنصوص الواردة فيه (٤)، ولأن المسلمين يجتمعون في كل مصر من الأمصار، ويقرؤون، ويهدون لموتاهم، من غير نكير في ذلك، فكان إجماعا». وقال الأكثر: لا يصل إلى الميت ثواب القراءة، وأن ذلك لفاعله (٥). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤]، وبقوله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله» الحديث (٦).

стр. 387

والجواب عن الآية الأولى: بأن ذلك في صحف إبراهيم وموسى. وقال عكرمة: «هذا في حقهم خاصة، بخلاف شرعنا» (١)، بدليل حديث الخثعمية (٢) (٣). أو بأنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطور: ٢١]. أو أنها مختصة بالكافر، أي: ليس له من الخير إلا جزاء سعيه يوفاه في الدنيا، وما له في الآخرة من نصيب. أو أن معناها: ليس للإنسان [إلا] (٤) ما سعى عدلًا، وله ما سعى غيره فضلًا، وأن اللام بمعنى على، كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد: ٢٥]. وعن الآية الثانية: بأنها تدل بالمفهوم (٥)، ومنطوق (٦) السنة بخلافه.

стр. 388

وعن الحديث: بأن الكلام في عمل غيره، لا عمله. ولا يضر جهل الفاعل بالثواب؛ لأن الله تعالى يعلمه. قد أطلت الكلام في هذا المعنى، وذكرت أقوال العلماء والمذاهب، وما استدلوا به في كتابي: «حقائق العيون الباصرة» في الباب الثالث والعشرين، فإن أردت إحاطة فراجعه. تتمة: يسن أن يفعل لأهل الميت طعام يبعث إليهم ثلاثة أيام؛ للحديث (١). ويكره لأهل الميت أن يجعلوا طعاماً ليأكل منه من يجتمع عندهم من الناس؛ لأن في اجتماع الناس عند أهل الميت معونة على حصول المكروه، ويكره الأكل منه. قال الموفق، وغيره: «إلا من حاجة تدعو لذلك، لمن يجيء من أهل القرى البعيدة، ويبيت عندهم» (٢). فإن كان من التركة، وفي الورثة محجور عليه، كقاصر، أو مجنون، حرم فعله، والأكل منه، ولزم المتصرف، وكذا لو كان مكلفاً، وفعل بغير إذنه. ويكره الذبح عند القبر، والأكل منه؛ للخبر (٣). قال الشيخ:

стр. 389

«يحرم التضحية عند القبر. ولو نذر، ولا يلزم الوفاء به. فلو شرطه واقف، فالشرط فاسد». ويكره وضع الطعام والشراب على القبر ليأخذه الناس إن كان من مال غير المحجور عليه بإذنه، وإلا، حرم، ولزم المتصرف فيه. وكذا إخراج الصدقة مع الجنازة، التي يسمونها أهل مصر: الكفارة، بدعة مكروهة إن لم يكن من مال المحجور عليهن وبإذن المكلف، وإلا، فحرام. (ويعرف الميت زائره يوم الجمعة، قبل طلوع الشمس) قاله الإمام (١). وفي «الغنية» للشيخ، المحقق، صاحب الطريقة، والحقيقة (٢)، الشيخ عبد القادر الجيلي تغمده الله تعالى برحمته: «يعرف الميت زائره كل وقت، وهذا الوقت آكد» (٣). روى البيهقي، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «إذا مر الرجل بقبر يعرفه، فسلم عليه، رد عليه¬ السلام، وعرفه. وإذا مر بقبر لا يعرفه، فسلم عليه، رد عليه¬ السلام» (٤)، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «آنس ما يكون الميت في قبره إذا زاره من كان يحبه في دار الدنيا» (٥).

стр. 390

وقد ذكرت جملة أحاديث واردة في هذا المقام، في الباب الثامن عشر، في كتابي: «حقائق العيون الباصرة». وذكرت ما ورد في معرفة الميت من يغسله، ويكفنه، ويصلي عليه، وغير ذلك.
следующие страницы →