← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30147

مسلك الراغب لشرح دليل الطالب - ت تركي النصر

إبراهيم العوفي الصالحي

Полный текст (944 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

[كتاب الصيام] مصدر: صام. وهو لغةً: الإمساك، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦]، وصام الفرس: أمسك عن العلف، مع القيام. وشرعاً: إمساك عن أشياء مخصوصة، - هي مفسداته، كما يأتي - في زمن معين -، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس -، من شخص مخصوص. (يجب صوم رمضان) في كل عام (برؤية هلاله) لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله ﷺ : «صوموا لرؤيته» (١)، والإجماع منعقد على وجوبه. ويستحب لمن رأى الهلال، أن يكبّر ثلاثاً، ويقول ما ورد من حديث طلحة بن عبيد الله (٢): «أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: اللهم أهله علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله» رواه ابن حميد (٣)، ويقول ثلاثاً: «هلال خير ورشد»،

стр. 457

ويقول: «آمنت بالذي خلقك»، ثم يقول: «الحمد لله الذي أذهب شهر كذا، وجاء بشهر كذا». قاله في «الآداب» (١). وهو أحد أركان الإسلام؛ لحديث ابن عمر المتفق عليه: «بني الإسلام على خمس» الحديث (٢). افترض في ثاني سنة الهجرة إجماعاً (٣)، فصام ﵊ تسع رمضانات، منها رمضانان ثلاثون، وسبع رمضانات تسع وعشرون. قاله الدُّميري (٤) في «شرحه على المنهاج» (٥)، وقاله ابن حجر الهيتمي في «شرحه» أيضاً. وسمي رمضان؛ لحر جوف الصائم فيه، ورمضه. والرمضاء: شدة الحر. وقيل: لأنه يحرق الذنوب. وقيل غير ذلك. (على جميع الناس) ممن يلزمهم. (و) يجب صوم رمضان (على) من يلزمهم (ممن حال دونهم ودون مطلعه) أي: مطلع الهلال (غيم، أو قتر) أو دخان. والقتر:

стр. 458

الغبرة (ليلة الثلاثين من شعبان احتياطاً) للخروج من عهدة الوجوب (بنية) أنه من (رمضان) لا يقيناً. اختاره الخرقي (١)، وأكثر شيوخ أصحابنا، وهو المذهب. روي عن ابن عمر مرفوعاً قال: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له» متفق عليه (٢). ومعنى (فاقدروا له) أي: ضيقوا، وهو أن يجعل شعبان تسعاً وعشرين يوماً. ويؤكده قول علي (٣)، وأبي هريرة (٤)، وعائشة (٥): «لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً من رمضان»، ولأنه يحتاط له. تتمة: قال ابن عقيل: «البعد مانع؛ كالغيم، فيجب على كل حنبلي يصوم مع الغيم، أن يصوم مع البعد؛ لاحتماله». انتهى (٦). قال ابن قندس: «المراد بالبعد، البعد الذي يحول بينه وبين رؤية الهلال؛ كالمطمور (٧)، والمسجون، ومن بينه وبين المطلع شيء.

стр. 459

يَحول؛ كالجبل، ونحوه (١). (ويجزئ) صوم يوم الثلاثين من شعبان (إن ظهر) أي: بان أنه (منه) أي: من رمضان. إن نوى صوم يوم الثلاثين من شعبان بلا مستند شرعي، من رؤية هلال، أو إكمال شعبان، وحيلولة غيم، أو قتر، ونحوه من صامه بحساب، ونجوم، وإن كثرت إصابتهما، أو مع صحو، ثم إنه بان من رمضان، لم يجزئه؛ لعدم استناده مما يعول عليه شرعاً. وعنه: تجزئه إن بيت نية اليقين من رمضان. وإن رأى الهلال نهاراً، فهو لليلة المقبلة، سواء كان قبل الزوال، أو بعده. (و) يثبت بقية توابع رمضان بأن (يصلي) في ليلته (التراويح) احتياطاً؛ لأنه ﷺ وَعَدَ من صامه وقامه بالغفران (٢)، ولا يتحقق قيامه كله إلا بذلك. ويجب على من وطئ فيه الكفارة. ولا يجب على من أكل فيه جاهلاً، ولا على من لم يبيت النية، ما لم يتحقق أنه من رمضان. واختار الشيخ تقي الدين، وجمع؛ كأبي الخطاب، وابن عقيل، ذكره في «الفائق»، وابن الجوزي: عدم صوم يوم الثلاثين من شعبان، ولو حال في ليلته غيم، أو قتر، أو دخان. قال الشيخ: «هذا مذهب أحمد المنصوص عنه». وقال: «لا أصل للوجوب في

стр. 460

كلام الإمام». ورد صاحب «الفروع» جميع ما احتج به الأصحاب للوجوب، وقال: «لم أجد عن أحمد صريحاً، ولا أمر به، فلا يتوجه إضافته إليه». انتهى. واستدل بما روى أبو هريرة مرفوعاً: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً» متفق عليه (١)، ولأنه يوم شك، وهو منهي عنه (٢). والأصل بقاء الشهر، فلا ينتقل عنه. والمذهب الأول، كما تقدم. (ولا تثبت بقية الأحكام) احتياطاً (كوقوع الطلاق، والعتق، وحلول الأجل) وانقضاء العدة، ومدة الإيلاء (٣). (وتثبت رؤية) أي: هلال رمضان (بخبر مسلم) واحد؛ لأنه دخول في عبادة، ولأن النبي ﷺ صوم الناس بقول ابن عمر. رواه أبو داود (٤). ولا يعتبر لفظ الشهادة، ولا حكم الحاكم (مكلف) لا مميز (عدل) لا فاسق نصاً؛ لحديث ابن عباس: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: رأيت الهلال، قال: أتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله؟ قال: نعم، قال: يا بلال، أذن في

стр. 461

الناس، فليصوموا غداً» رواه أبو داود (١). ومن رأى هلال رمضان وحده، وردت شهادته؛ لفسق، أو غيره، لزمه الصوم، وجميع أحكام الشهر، من طلاق، وعتق، وغيرهما مما يتعلق به؛ لعموم حديث: «صوموا لرؤيته» (٢). ولا يفطر إلا مع الناس؛ لأن الفطر لا يباح إلا بشهادة عدلين. وإن رآه وحده، لم يفطر؛ لحديث: «الفطر يوم يفطرون» إلى آخره (٣). وقال ابن عقيل: يجب الفطر سراً (٤)، وهو حسن (٥)؛ لتيقنه أنه يوم عيد، وهو منهي عن صومه (٦). وأجيب: بأنه لا يثبت به اليقين في نفس الأمر، إذ يجوز أنه خُيّل إليه، فينبغي أن يتمم؛ احتياطاً للصوم، وموافقة للجماعة. (ولو) كان المخبر (عبداً، أو أنثى) لأنه دخول في عبادة، كما تقدم (وتثبت) بثبوت شهر رمضان بخبر الواحد (بقية الأحكام) كوقوع الطلاق، والعتق، وحلول الأجل، ونحو ذلك (تبعاً) بخلاف بقية الشهور، فلا يقبل فيها إلا رجلان عدلان، بلفظ الشهادة. والفرق: الاحتياط للعبادة. فإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوماً، ولم يروه، لا يفطرون،

стр. 462

فيتمون رمضان، ثم يفطروا (١). ولو صام الناس ثمانية وعشرين يوماً، ورأوا هلال شوال، قضوا يوماً. فلو غُمَّ شعبان ورمضان، وجب تقدير رجب وشعبان ناقصين، فلا يفطرون قبل اثنين وثلاثين بلا رؤية. وكذا لو غُمَّ رجب وشعبان ورمضان، فلا يفطرون قبل ثلاث وثلاثين. وكذا لو غُمَّ جمادى الآخر ورجب وشعبان ورمضان، فلا يفطرون قبل أربعة وثلاثين. قال في «شرح مسلم» للنواوي: «قال - يعني: - العلماء: لا يقع النقص متوالياً في أكثر من أربعة أشهر» (٢). ومن رأى شوال وحده، لم يفطر؛ لحديث: «الفطر يوم يفطرون، والأضحى يوم يضحون» رواه أبو داود (٣). بخلاف من رأى رمضان وحده، ولم يقبل، أو لم يشهد، فيلزمه الصوم. وإن رأى شوال اثنان عدلان، ولم يشهدا عند حاكم، جاز لمن سمع شهادتهما الفطر، إذا عرف عدالتهما، وجاز لكل واحد منهما الفطر بقولهما، إذا عرف عدالة الآخر. ذكره في «المغني»، و «الشرح» (٤). وقدم في «المبدع» عدم الجواز، وأنه قياس المذهب. وإذا ثبتت رؤية الهلال، ولو بمكان واحد، لزم الناس كلهم، ممن يلزمهم الصوم؛ لقوله ﷺ : «صوموا لرؤيته» (٥)، وهو خطاب

стр. 463

للأمة جميعاً، ولو اختلف المطالع. قال الإمام أحمد: «الزوال في الدنيا واحد». تتمة: «ينكر على من أكل في نهار رمضان ظاهراً، وإن كان هناك عذر»؛ قاله القاضي؛ لئلا يتهم. وقيل لابن عقيل: يجب منع مسافر، ومريض، وحائض من الفطر ظاهراً؛ لئلا يتهم؟ فقال: «إن كانت أعذاره خفية، منع من إظهاره، كمريض لا أمارة له، ومسافر لا علامة عليه»؛ للتهمة، بخلاف الأعذار الظاهرة. وهذا كالتقييد لكلام القاضي. وإن شهد عند الحاكم برؤية شوال شاهدان، فرد الحاكم شهادتهما؛ لعدم علمه بحالهما، فلمن علم عدالتهما الفطر؛ لأن رده ها هنا ليس منه، إنما هو توقف؛ لعدم علمه بحالهما، فهو كالوقوف انتظاراً لبيان حالهما. وإن صاموا رمضان بشهادة، أو إخبار واحد، ثلاثين يوماً ولم يروا شوال، لم يفطروا؛ لحديث: «وإن شهد اثنان فصوموا وأفطروا» (١). وإذا اشتبهت الأشهر على أسير، أو مطمور، أو منفرد بمفازة (٢)، أو بدار حرب، ونحوه، اجتهد في معرفة رمضان وجوباً، وصام، وإن وافق رمضان، أو ما بعده أجزأه، لا إن تبين ما قبل شهر رمضان؛ لأنه قبل وجوبه. وإن وافق رمضان السنة

стр. 464

القابلة، فلا يجزئ عن واحد منهما؛ لاعتبار نية التعيين. وفي «المحرر»: «لا يجزئه إن اعتبر نية التعيين، وإن لم يعتبر وقع عن رمضان الثاني، دون الأول» (١). وإن وافق صومه شوال، أو ذي الحجة، فإنه يقضي ما وافق عيداً، أو ما وافق أيام التشريق؛ لأنه لا يصح صومهما. وإن ثبت رمضان نهاراً، أمسكوا، وقضوا. وإن تعمد مقيم الفطر، ولو كان مسافراً في يومه، أو تعمدت طاهرة الفطر، فحاضت، لزمهما الإمساك؛ زجراً لهما، والقضاء. (فصل) (وشرط وجوب الصوم أربعة أشياء). أحدها: (الإسلام) غير حائض، ونفساء؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] (و) يجب على من أسلم من حين إسلامه. والثاني: (البلوغ) فلا يجب على صغير؛ لحديث: «رفع القلم عن ثلاث» (٢). (و) الثالث: (العقل) فلا يجب على مجنون للحديث المتقدم: «رفع القلم» (٣). والرابع: (القدرة عليه) أي: على الصوم (فمن عجز عنه)

стр. 465

أي: عن الصوم (لكبر) كشيخ هرم، وعجوز يجهدهما الصوم، ويشق عليهما مشقة شديدة (أو) عجز عنه ل (مرض لا يرجى زواله، أفطر) إجماعاً وأطعم عن كل يوم أفطره (مسكيناً) لقول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]: «ليست بمنسوخة، هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم» رواه البخاري (١). وعن ابن أبي ليلى: حدثنا أصحابنا، أن رسول الله ﷺ قال: فذكره، وألحق به من لا يرجى برؤ مرضه (٢). طعاماً يجزئ في كفارة (مد بر، أو نصف صاع من غيره) كشعير، وتمر، وأقط، ونحوه. ولا يسقط، بل يطعم متى قدر عليه. وإن أفطر المسافر الكبير العاجز عن الصوم، أو المريض الذي لا يرجى برؤ مرضه، فلا فدية عليه؛ لأنه أفطر بعذر معتاد، ولا قضاء عليه؛ لعجزه عنه. ويعايا بها (٣). (وشرط صحته) أي: صحة الصوم (ستة) أشياء: أحدها: (الإسلام) فلا يصح الصوم من كافر. الثاني: (انقطاع دم الحيض. و) الثالث: انقطاع دم (النفاس). (الرابع: التمييز، فيجب على ولي المميز) من ذكر، أو أنثى

стр. 466

(المطيق للصوم، أمره به) أي: بالصوم (وضربه عليه) أي: على الصوم إن امتنع لأجل أن (يعتاده). (الخامس: العقل) فلا يصح من مجنون (لكن لو نوى ليلاً، ثم جُن، أو أغمي عليه جميع النهار) لأن الصوم الإمساك مع النية؛ لحديث: «كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي» (١)، فأضاف الترك إليه، وهو لا يضاف إلى المجنون والمغمى عليه. والنية (و) حدها لا تجزئ. فإن (أفاق) أي: المجنون، أو المغمى عليه جزءاً (منه) أي: من النهار، من أي وقت كان، ولو (قليلاً، صح) الصوم، حيث تقدمت النية ليلاً. ويصح صوم من نام جميع النهار. ويقضي المغمى عليه، لا المجنون. وإذا ثبت رمضان في أثناء النهار، لزم الصوم. وكذا إذا طهرت الحائض والنفساء، أو بلغ الصغير، أو عقل المجنون، أو برئ المريض، أو لم تبيت النية، أو قدم المسافر، وقضوه وجوباً. لكن الصغير والمريض والمسافر [لو صاموا بنية من الليل، فبلغ الصغير، وزال عذر المريض والمسافر، فلا قضاء عليهم] (٢). (السادس: النية من الليل ل) صوم (كل يوم واجب) بأن يعتقد أنه يصوم غداً من رمضان، أو من قضائه، أو نذره، أو كفارته؛ لأن صوم كل يوم عبادة مفردة؛ لأنه لا يفسد يوم بفساد يوم آخر،

стр. 467

ولأنه كالقضاء؛ لحديث: «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له» رواه أبو داود (١). وعن الإمام: يجزئ في أول رمضان نية واحدة (٢). (فمن خطر بقلبه ليلاً أنه صائم، فقد نوى) الصوم؛ لأن محل النية القلب (وكذا) يكون قد نوى إذا حصل (الأكل، والشرب) ليلاً (بنية الصوم)، قال الشيخ تقي الدين: «هو حين يتعشى؛ يتعشى عشاء من يريد الصوم. ولهذا يفرق بين عشاء ليلة العيد، وعشاء ليالي رمضان». (ولا يضر إن أتى بعد النية ليلاً بمناف للصوم) كالأكل، والشرب، والجماع. لا إن أتى بمناف للنية، من رفضها، أو تردد فيها، أو في أكل نهاراً، ونحوه فإنه يضر (و) لا يضر إن (قال) عند النية: «إن شاء الله»، غير متردد فيها. وإن كان [قصد] بمشيئته التردد، أي: الشك، فسد صومه؛ لأنه غير جازم (وكذا) لا يضر (لو قال ليلة الثلاثين من رمضان: «إن كان غداً من رمضان، ففرضي، وإلا، فمفطر») لأنه مبني على أصل لم يثبت زواله، ولا يقدح تردده؛ لأنه حكم صومه مع الجزم (ويضر) أي: يفسد الصوم (إن قاله) أي: ما ذكر (في أوله) أي: في أول رمضان؛ لعدم جزمه بالنية. ويصح صوم نفل بنية من أثناء النهار، ولو كانت النية بعد

стр. 468

الزوال نصاً؛ لأنه قول معاذ بن جبل (١)، وابن مسعود (٢)، وحذيفة اليماني (٣). حكاه عنهم إسحاق في رواية حرب؛ لحديث عائشة قالت: «دخل عليَّ النبيُّ ﷺ ذات يوم، فقال: هل عندكم من شيء؟ فقلنا: لا، قال: فإني إذن صائم» رواه الجماعة، إلا البخاري (٤). ويحكم بالصوم الشرعي المثاب عليه، من وقت النية، وما قبله لم يوجد فيه قصد القربة، لكن يشترط أن يكون ممسكاً فيه عن المفسدات؛ لتحقيق معنى القربة. ويصح تطوع من طهرت، أو أسلم في يوم، لم يأتيا فيه بمفسد. ويصح صوم من قلب القضاء إلى النفل، [أو قطع النية، ثم نوى النفل] كما هو في «الفروع»، و «التنقيح»، و «المنتهى» (٥). خلافاً «للإقناع» فإنه مشى على عدم صحة الصوم (٦). وكذا يصح إذا أُقلبت صوم النذر والكفارة نفلاً، أو قطع النية، ثم نوى النفل.

стр. 469

(وفرضه) أي: فرض الصوم (الإمساك عن المفطرات) من أكل، وشرب، وجماع، ونحوه (من) حين (طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس). (وسننه ستة): أحدها: (تعجيل الفطر) إذا تحقق الغروب؛ لحديث أبي هريرة مرفوعاً: «يقول الله: إن أحب عبادي إلي أعجلهم فطراً» رواه أحمد (١)، ويباح الفطر إذا غلب على الظن الغروب، والاحتياط أن تتيقن، والفطر قبل صلاة المغرب أفضل؛ للحديث (٢). الثاني: (تأخير السُّحُور) إن لم يخش طلوع الفجر؛ لحديث زيد بن ثابت قال: «تسحرنا مع رسول الله ﷺ ، ثم قمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان قدر ذلك؟ قال: قدر خمسين آية» متفق عليه (٣). (و) السحور سنة؛ لحديث: «تسحروا؛ فإن في السحور بركة» (٤). وتحصل فضيلة السحور ولو بجرعة ماء. وكمالها الأكل، وأن تكون من تمر؛ للحديث (٥). الثالث: (الزيادة في أعمال الخير) من كثرة قراءة، وصدقة، وكف لسان عما يكره. ويجب كفه عما يحرم، من كذب، وغيبة، ونميمة، وشتم، وغير ذلك. ويجب كل وقت، ولكن في رمضان،

стр. 470

ومكان فاضل، آكد. وذكر الآجري، وجماعة عن الزهري (١). ولا يفطر بالغيبة، ونحوها. نقله الجماعة (٢)، وفاقاً للأئمة الثلاثة. قال الشيخ الموفق: «والنهي عنه؛ ليسلم من نقص الأجر» (٣). وأسقط أبو الفرج ابن الجوزي ثوابه بالغيبة، ونحوها (٤). قال صاحب «المنتهى» في «شرحه»: «ومراده ما سبق، وإلا، فضعيف». انتهى. يعني: ما سبق من مدة صيام اليوم، وإلا إن كان المراد بجميع النهار، فضعيف. ويأتي في الشهادات أن الكذب يباح في مواضع. وتباح الغيبة؛ للتظلم، والاستفتاء، والاستعانة على تغيير منكر، والتحذير، والتعريف (و) نحو ذلك. الرابع: (قوله): يعني قول الصائم (مجهراً) مطلقاً. اختاره الشيخ تقي الدين. وقال في «الرعاية»: «يقوله مع نفسه، ولا يطلع الناس عليه؛ للرياء» (٥) (إذا شتم): أي: إن شتمه أحد: (إني صائم) لحديث «الصحيحين» عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ، ولا يصخب، فإن شاتمه أحد، أو قاتله فليقل: إني صائم» (٦). قال في «النهاية» «الصخب:

стр. 471

الضجة، واضطراب الأصوات» (١). الخامس: (وقوله) يعني: الصائم (عند فطره: «اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم تقبل مني، إنك أنت السميع العليم») لحديث أنس، وابن عباس رضي الله تعالى عنهم: «كان النبي ﷺ إذا أفطر قال: اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبل منا، إنك أنت السميع العليم» رواه الدارقطني (٢). السادس: (فطره) أي: الصائم (على رطب، فإن عدم) الرطب (فتمر، فإن عدم، فماء) لحديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء» رواه الترمذي (٣). وقال شيخنا في «شرحه على المنتهى»: «وفي معنى الرطب والتمر: كل حلو لم تمسه النار». (فصل) (يحرم على) المكلف القادر م (من لا عذر له، الفطر برمضان) وتقدم أصحاب الأعذار. (ويجب الفطر على الحائض والنفساء، و) يجب الفطر (على من يحتاجه) أي: يحتاج الفطر لأجل (إنقاذ) آدمي (معصوم من مهلكة) كغرق، ونحوه؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

стр. 472

(ويسن) الفطر (لمسافر، يباح له القصر) ولو بلا مشقة، ويكره الصوم؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولحديث: «ليس من البر الصوم في السفر» متفق عليه (١)، رواه النسائي وزاد: «عليكم برخصة الله التي رخص لكم، فاقبلوها» (٢). وإن صام، أجزأه نصاً (٣)؛ لحديث: «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فهو حسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» رواه مسلم (٤). وقال المجد: «عندي: لا يكره لمن قوي»، واختاره الآجري (٥). ومن سافر؛ ليفطر، حرم السفر، والفطر. (و) يسن الفطر، ويكره الصوم أيضاً (لمريض، يخاف الضرر) أو حدوث المرض في يومه، أو بزيادته، أو طوله، بقول طبيب مسلم ثقة؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] إلى قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ويباح الفطر لمريض قادر على الصوم، يتضرر بترك التداوي، ولا يمكنه التداوي في الصوم إلا بالفطر. كمن به رمد يخاف بتركه الاكتحال، وكاحتقان، ومداواة مأمومة، [وهي الشجة التي تصل إلى أم الدماغ]، أو جائفة (٦).

стр. 473

وجاز الوطء لمن به مرض ينتفع به في المرض، أو كان به شبق، ولم تندفع شهوته بدون الجماع، ويخاف تشقق أنثييه إن لم يطأ، ولا كفارة عليه. روى إسماعيل بن سعد، عن أحمد، في رجل يأخذه الشبق في رمضان للجماع، فقال أحمد: «يجامع، ولا يكفر، ويقضي مكانه بعدد ما أفطر» (١) ما لم يتعذر عليه القضاء، بمداوم شبق أو مرض. ومتى لا يمكنه دفع الوطء إلا بفساد صوم موطوئته، جاز الوطء ضرورة، ويقضي. وصائمة أولى من حائض. ويتعين إن كان أحد زوجيه غير بالغ، أو إن كانت أحدهما كتابية، أو مجنونة؛ لحرمة إفساد صوم الصائمة حيث لم تدع الضرورة إليه. ومن أبيح له الفطر، فله أن يفطر بما شاء، من جماع، أو غيره، ولا كفارة عليه بالوطء؛ لحصول الفطر بالنية قبل الفعل. (ويباح) الفطر (لحاضر) ببلد قد (سافر في أثناء النهار) طوعاً، أو كرهاً؛ لظاهر الآية، والأخبار، وكالمرض الطارئ، ولو بفعله. بخلاف الصلاة؛ لأنها حيث وجب إتمامها، لم تقصر؛ لآكديتها، وعدم مشقة إتمامها. ويكون فطره عند مفارقته بيوت قريته العامرة، ونحوه، كما تقدم (٢). والأفضل له أن يتم صوم يومه؛ خروجاً من الخلاف (٣).

стр. 474

(و) يباح الفطر، ويكره الصوم (لحامل، ومرضع، خافتا) الضرر (على أنفسهما، أو) خافتا الضرر (على الولد، لكن لو أفطرتا) أي: الحامل والمرضع للخوف على الولد فقط، لزم وليه على الفور؛ قاله في «الفروع» (١). وقال في «المحرر»: «إن أتى به مع القضاء، جاز؛ لأنه كالتكملة له» (٢) (إطعام مسكين لكل يوم) أفطرته الحامل، أو المرضع؛ خوفاً على الولد، مما يجزئ في كفارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «كانت رخصة للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام، أن يفطرا، ويطعما مكان كل يوم مسكيناً، والحبلى والمرضع، إذا خافتا على أولادهما، أفطرتا، وأطعمتا» رواه أبو داود (٣). وتجزئ الكفارة إذا دفعها جملة إلى مسكين واحد. ويقضيان عدد أيام الفطر وجوباً. ومتى قبل رضيع ثدياً غير ثدي أمه، وقدر أن تستأجر له، لم تفطر. وحكم الظئر - بظاء معجمة، وياء تحتية -، وهي المرضعة لولد غيرها، حكمها في إباحة الفطر، وعدمه، والفدية، وعدمها على الرضيع؛ كأم فيما تقدم. (وإن أسلم الكافر، وطهرت الحائض) من الحيض (أو برئ

стр. 475

(المريض) من المرض (وقدم المسافر) من السفر (وبلغ الصغير، وعقل المجنون في أثناء النهار من رمضان (وهم مفطرون، لزمهم الإمساك) في بقية النهار (و) لزمهم أيضاً (القضاء) بعدد ما أفطروا على التراخي. لكن يتعين إذا بقي بقدر ما يسعه من شهر شعبان. تتمة: إذا بلغ الصغير بسن، أو احتلام، وهو صائم، وكان قد نوى الصوم من الليل، فيتم صومه، ويجزئ عنه، ولا قضاء عليه. وإن علم مسافر وهو برمضان أنه يقدم غداً محل قصده، لزمه الصوم نصاً. لا صغير علم أنه يبلغ غداً برمضان، فلا يلزمه الصوم من أول الغد؛ لعدم تكليفه قبل دخول الغد. بخلاف المسافر، فإنه مكلف. (وليس لمن جاز له الفطر برمضان، أن يصوم غيره) من قضاء، أو نذر، أو نفل (فيه) أي: في رمضان. فإن صام، فلغو، ولا يقع عن رمضان؛ لعدم تعيين النية. تتمة: تكره القبلة، ممن تحرك شهوته؛ لأن النبي ﷺ : «كان يقبل وهو صائم» (١). وإن ظن الإنزال، حرم. ويكره شم ما لا يؤمن أن يجذبه نفسه إلى حلقه؛ كسحيق مسك، وبخور، ونحوه. (فصل) (في) أحكام (المفطرات) أي: المفسدات للصوم، وفيما يوجب الكفارة (وهي) أي: المفطرات (اثنا عشر) مفطراً:

стр. 476

الأول: (خروج دم الحيض، و خروج دم (النفاس) من حائض [و] نفساء. (و) الثاني: (الموت) لزوال أهليته. ويُطعم من تركة الميت في نذر، وكفارة صوم، مسكين؛ لفساد صوم يوم موته؛ لتعذر قضائه. (و) الثالث: (الردة) والعياذ بالله تعالى من ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. (و) الرابع: (العزم على الفطر) من صيام يومه. (و) الخامس: (التردد فيه) أي: في الفطر. (و) السادس: (القيء عمداً) بأن استدعى القيء، ولو قل؛ لحديث: «من استقاء عمداً فليقض» (١). وأما من ذرعه بذال معجمة - أي: غلبه القيء، لم يفسد صومه. (و) السابع: (الاحتقان من الدبر) نصاً. وأما لو قطر في إحليله، أو غيب فيه شيئاً، فوصل إلى المثانة، لم يفسد ص (و) مه. الثامن: (بلع النخامة) سواء كانت من دماغه، أو حلقه، أو صدره (إذا وصلت إلى الفم) ويحرم بلعها بعد وصولها إلى الفم. و (التاسع: الحجامة خاصة) سواء كانت في القفا، أو الساق، نص عليه، عامداً عالماً، لصومه، مختاراً، ولو جاهلاً التحريم، وسواء كان (حاجماً، أو محجوماً) فسد صومهما؛ لحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه عن النبي ﷺ أحد عشر نفساً (٢).

стр. 477

وإن لم يظهر دم، لم يفطر، وغير الحجامة؛ كالفصد (١). لا يفسد الصوم. (العاشر: إنزال المني، بتكرار النظر) لأنه إنزال بفعل يتلذذ به، يمكن التحرز منه و (لا) يفطر إذا أنزل (بنظرة) واحدة؛ لأنه لا يمكن التحرز منه (ولا) يفطر إذا أنزل (بالتفكر) لأنه أشبه الاحتلام، ولقوله ﷺ : «عُفي لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل، أو تتكلم به» (٢) أو أنزل ب (الاحتلام. ولا يفطر بإنزال المذي) ما لم يكن استمنى بيده فأمني، أو أمذى، فسد صومه. (الحادي عشر: خروج المني، أو المذي، بتقبيل، أو لمس، أو استمناء) بيده، أو غيرها (أو) ب (مباشرة دون الفرج)، أما الإمناء؛ فلمشابهته بالجماع؛ لأنه إنزال بمباشرة. وأما الإمذاء؛ فلتخلل الشهوة له، وخروجه بالمباشرة، فشبه المني. وبهذا فارق البول. (الثاني عشر) من المفطرات: (كل ما وصل) من أي محل

стр. 478

ينفذ إلى معدته سواء كان ينماع، أو لا؛ كالحصى، والحديد، ونحوه (إلى الجوف، أو الحلق، أو الدماغ، من مائع، أو غيره) من أكل، أو شرب، أو استعاط في أنفه (١)، أو استعمال دواء، ونحوه (فيفطر إن قطر في أذنه ما وصل) مما قطره (إلى دماغه) وكذا يفطر ل (و داوى الجائفة، فوصل) الدواء (إلى جوفه) وكذا يفطر ل (و اكتحل بما) بأي شي (علم وصوله) أي: الكحل (إلى حلقه) لأن العين منفذ (أو مضغ علكاً) فوجد طعمه بحلقه، أفطر به. ويحرم مضغ العلك، إن كان يتحلل منه. ويكره، إن لم يتحلل نصاً؛ لأنه يجلب الريق، ويحلب الفم (٢)، ويورث العطش (أو ذاق طعاماً، ووجد الطعم) أي: طعم ما ذاقه (بحلقه) وكذا يفطر ل (و بلع ريقه، بعد أن وصل) ذلك (إلى بين شفتيه) لأنه صار أجنبياً (٣). (ولا يفطر إن فعل شيئاً من جميع) ما ذكر من (المفطرات ناسياً) لقوله ﷺ : «عفي لأمتي عن الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» (٤)، ولقوله ﷺ في الناسي: «فإنما أطعمه، وسقاه» (٥)، وفي لفظ آخر: «فإنما هو رزق ساقه الله

стр. 479

إليه (١). وكذا لا يفطر ل (و) فعل شيئاً من ذلك (مكرهاً) وكذا إكراه مغمى؛ لمعالجة إغمائه، سواء أكره لفعله، أو فعل به؛ لعموم قوله ﷺ : «وما استكرهوا عليه». (ولا) يفطر (إن دخل الغبار) من غبار طريق، أو نخل دقيق، أو دخان (حلقه، أو الذباب بغير قصده)؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، (ولا) يفطر (إن جمع ريقه فابتلعه) لأنه ليس بأجنبي، ما لم يكن الريق متنجساً، من دم، أو غيره. قال في «الإقناع»: «وإن بصق، وبقي فمه نجساً، فبلع ريقه. فإن تحقق أنه بلع شيئاً نجساً، أفطر، وإلا، لم يفطر؛ لأنه لا فطر ببلع ريقه الذي لم يخالطه نجاسة. تتمة: من أكل أو شرب يظن أو يعتقد أنه ليل، فبان نهاراً، في أوله، أو في آخره. كما لو ظن أو اعتقد أن الشمس غربت، ولم تغرب، لزمه القضاء. وكذا لو أكل أو شرب وهو ناسي (٢)، فظن أنه أفطر، فأكل ونحوه عمداً، لزمه القضاء. ولا يفطر إن تمضمض أو استنشق فوق ثلاث مرات، ولو بالغ فيهما، أو كانا لغسل نجاسة، ونحوها. [وكرها عبثاً، أو سرفاً] (٣) أو لعطش، وحَرِّ نصاً (٤).

стр. 480

(فصل) (ومن جامع) في (نهار) شهر (رمضان) لغير عذر شبق، ونحوه، كمن به مرض ينتفع بالوطء فيه (في قُبل) أصلي (أو دبر) أصلي، بذكر أصلي (ولو) كان الجماع لميت، أو) ل (بهيمة) أو طير، أو سمكة، سواء أنزل، أم لا، ولو كان (في حالة يلزمه فيها الإمساك) كما لو قدم المسافر، فجامع، أو جامع من رأى هلال رمضان لليلته، ورُدَّت شهادته، أو طهرت الحائض، أو النفساء، وجومعت، ونحو ذلك (مكرهاً) كان للجماع (أو ناسياً) للصوم، أو جاهلاً للتحريم، والكفارة، والقضاء. ولو جومع وهو نائم، أو أنزل مجبوب (١)، أو مقطوع ذكره، أو ممسوح ذكره، بمساحقة، أو أنزلت امرأة لمساحقة (لزمه) أي: من صدر منه ذلك (القضاء، والكفارة) أما وجوب الكفارة؛ فلحديث أبي هريرة قال: «بينا نحن جلوس عند النبي ﷺ ، إذ جاءه رجل، فقال: يا رسول الله، قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا. فمكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أُتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر - والفرق: المكتل - فقال: أين السائل؟

стр. 481

فقال: أنا، قال: خذ هذا فتصدق به، فقال: على أفقر مني يا رسول الله، فوالله ما بين لابتيها (١) أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: «أطعمه أهلك» متفق عليه (٢). وأما وجوب القضاء؛ فلقوله ﷺ : للمجامع: «وصم يوماً مكانه» رواه أبو داود (٣). وأما كون المكره كالمختار، والساهي أي: الناسئ كالعامد؛ فلأنه ﵊ لم يستفصل في سؤال الأعرابي، ولو كان الحكم مختلفاً بذلك لاستفصله؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، والسؤال معاد في الجواب؛ كأنه قال: إذا واقعت في يوم رمضان، فكفّر، ولأنه عبادة يحرم الوطء فيه، فاستوى عمده وغيره. وأما كونه لا فرق بين أن ينزل أو لا؛ فلأنه في مظنة الإنزال، أو لأنه باطن؛ كالدبر. (وكذا) يلزم القضاء، والكفارة (من جومع إن طاوع) في الجماع. ومن لم يطاوع، فيلزمه القضاء، لا الكفارة (٤). وقيل: يقضي من فعل، لا من فعل به من نائم، وغيره. وقيل: لا قضاء مع النوم فقط. وذكره بعضهم نص أحمد فيه (٥)؛ لعدم حصول مقصوده. قال صاحب «المنتهى» في «شرحه»: «وإن

стр. 482

فسد الصوم بذلك، فهو في الكفارة؛ كالناسي. وقيل: يرجع بالكفارة على من أكرهه» (١). (غير جاهل) للحكم (أو ناس) للصوم. فإن كان ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً، فلا كفارة، ويلزمه القضاء. ويدفع المكره بالأسهل فالأسهل، وإن أدى إلى القتل. (والكفارة) على الترتيب: (عتق رقبة مؤمنة) سليمة، على ما يأتي في الظهار (فإن لم يجد) رقبة مؤمنة تباع، أو لم يجد ثمنها (فصيام شهرين متتابعين) للخبر (٢). فلو قدر على الرقبة قبل الشروع في الصوم، لزمته، لا بعد شروع فيه (فإن لم يستطع) الصوم (فإطعام ستين مسكيناً) للخبر (٣)، لكل مسكين مد بر، أو نصف صاع من غيره، مما يجزئ في الفطرة (فإن لم يجد) ما يطعمه للمساكين حال الوطء؛ لأنه وقت الوجوب (سقطت عنه) كصدقة الفطر، وكفارة الوطء في الحيض؛ لظاهر خبر أبي هريرة؛ لأنه أمر الأعرابي أن يطعمه أهله، ولم يأمره بكفارة أخرى، ولا بين له بقاءها في ذمته (بخلاف غيرها) من كفارة حج، وظهار، ويمين، وقتل؛ لعموم أدلتها. ويسقط الجميع بتكفير الغير عنه بإذنه؛ لقيامه مقامه، فإن لم يأذنه (٤)، فلا؛ لعدم النية. ولمن وجبت عليه الكفارة، إن ملكه الغير كفارته، فله أن يخرجها عن نفسه، وله أن يأكلها إن كان أهلاً لأكلها؛ للخبر (٥).

стр. 483

(ولا كفارة في) من أفطر في شهر (رمضان بغير الجماع) وإنما يلزمه القضاء فقط (و) لا كفارة بغير (الإنزال (١) بالمساحقة) من مجبوب، أو مقطوع ذكره، أو ممسوح، أو امرأة، كما مشى عليه في «المنتهى»، تبعاً للتنقيح من قوله: «إنزال المجبوب، والمرأتين بالمساحقة؛ كالجماع». خلافاً «للإقناع»؛ لأنه مشى على أنه لا يلزمه بالإنزال إلا القضاء فقط، كما صححه في «المغني»، و «الشرح» فيما إذا تساحقتا، ونقله في «الإنصاف» عن الأصحاب في مسألة المجبوب؛ لأنه لا نص فيه، ولا يصح قياسه على الجماع. فإن أنزل أحد منهم بالمساحقة، لزمه القضاء، والكفارة. تتمة: إن طاوعت الأمة، والمدبرة، وأم الولد، والمكاتبة سيدها على الوطء، فعليها القضاء، والكفارة، لكن تصوم عن التكفير؛ لأنه لا ملك ولا مال لها. ومن جامع في يوم، ثم جامع في يوم آخر، ولم يكن كفر عن الجماع الأول، لزمته كفارة ثانية؛ لأن كل يوم عبادة منفردة، كمن أعاد الجماع في يومه بعد التكفير. ولا تسقط كفارة الوطء عن امرأة حاضت، أو نفست في يوم بعد تمكينها طاهرة، أو مرض ذكر، أو أنثى، أو جُنَّ، أو سافر بعد وطء محرم في يومه. ولا كفارة على مسافر صائم وطء في سفره في رمضان. (فصل) (ومن فاته رمضان) جميعه، أو بعضه (قضى) وجوباً (عدد أيامه) أي: عدد أيام ما فاته (و) لكن (يسن ا) لمبادرة لـ (ـلقضاء

стр. 484

على الفور) نصاً، وفاقاً؛ لبراءة ذمته. ولا بأس بالتفرقة (إلا إذا بقي من شعبان بقدر ما عليه) مما فاته (فيجب) التتابع بالصوم. (ويقدم على صوم نذر لا يخاف فوته؛ لاتساع وقته، فيبدأ بقضاء رمضان وجوباً) قاله في «شرح المنتهى». فإن خاف فوت النذر؛ لضيق وقته، قدمه. قال شيخنا في «شرحه على الإقناع»: «قلت: إلا أن يضيق الوقت عن قضاء رمضان. بأن كان عليه مثلاً عشرة أيام من رمضان، ونذر أن يصوم عشرة أيام من شعبان، ولم يبق سوى العشرة، فيتعين صومها عن قضاء رمضان؛ لتعيين الوقت لها». وهو واضح. ويجوز تأخير القضاء مع اتساع الوقت إلى أن يبقى قدر ما يسعه. فإن حصل عذر فيما بقي، جاز تأخيره بعد رمضان الثاني، فيقضيه بلا كفارة وإن أخر القضاء إلى أن فات رمضانات، فعليه القضاء، وكفارة عن كل يوم كفارة واحدة. وإن أخر من عليه قضاء رمضان، أو بعضه، حتى مات. فإن كان تأخيره لعذر، فلا كفارة عليه. وإن كان لغير عذر، أطعم عنه فقط من تركته إن ثم تركة، وإلا، سقط. وإن مات وعليه نذر صوم في الذمة، أو نذر حج، أو نذر صلاة، أو طواف، أو اعتكاف، لم يفعل منه شيئاً مع الإمكان، سن لوليه فعله، ويجوز لغير الولي فعله. ويجوز صوم جماعة بعدد القضاء في يوم واحد. وإن خلف مالاً، وجب فعل نذره منه. فيفعله وليه عنه، أو يدفع مالاً لمن يفعله عنه. وكذا حجة الإسلام. تنبيه: الصوم الواجب بأصل الشرع، الذي هو رمضان، لا تدخله النيابة في الحياة، فكذا بعد الموت، فلا يصح أن يصوم

стр. 485

الغير عمن عليه قضاء رمضان. وأما النذر الواجب، فتدخله النيابة؛ لأنه أوجبه على نفسه. ولا يجزئ أيضاً صوم عن كفارة ميت؛ لأنه وجب بأصل الشرع، أشبه قضاء رمضان. لكن لو مات بعد قدرته عليه، أطعم عنه ثلاثة مساكين، لكل يوم مسكين في كفارة يمين. وكذا غيره بعدد أيامه. ويطعم بقدر ما وجد من التركة، إن لم يوجد ما يكفي قَدْر ما عليه. وكذا إن مات، وقد أمكنه صوم بعض ما نذره، قُضي عنه ما أمكنه صومه فقط، وسقط ما لم يمكنه. كمن نذر صوم شهر، ومات قبل مضيه، فيصام عنه ما مضى منه؛ لأنه الذي ترتب بذمته. (ولا يصح) أن (يبتداء) (١) صوم (تطوع من عليه) صوم (قضاء رمضان) بخلاف (ف إن نوى صوماً واجباً) من فرض، أو نذر (ثم قلبه) أي: قلب صومه الذي نواه واجباً (نفلاً، صح) صومه. (ويسن صوم التطوع. وأفضله) أي: صوم التطوع، وهو صوم (يوم، و) إفطار (يوم) نصاً؛ لقوله ﷺ لابن عمرو: «صم يوماً، وأفطر يوماً، فذلك صيام داود، وهو أفضل الصيام، قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك، فقال: لا أفضل من ذلك» متفق عليه (٢). (وسن صوم أيام البيض) وهي أي: أيام البيض: (ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة) لحديث أبي ذر: يا أبا ذر، إذا صمت من الشهر، فصم ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر (٣).

стр. 486

رواه أحمد (١). وهو كصوم الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها وسميت لياليها بالبيض؛ لبياض ليلها كله بالقمر. (و) سن (صوم) يوم (الخميس، و) يوم (الاثنين) لأنه ﷺ كان يصومهما، فسئل عن ذلك، فقال: إن أعمال الناس تعرض يوم الاثنين ويوم «الخميس» رواه أبو داود، عن أسامة بن زيد (٢)، وفي لفظ: «وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» (٣). (و) سن صوم (ستة) أيام (من شوال) والأولى تتابعها عقب العيد؛ لحديث أبي أيوب مرفوعاً: «من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر» رواه أبو داود (٤)؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان شهر بعشرة أشهر، والستة أيام بشهرين، فهو صوم الدهر جميعه. ولا تحصل الفضيلة بصيام الستة أيام من غير شوال؛ لظاهر الأخبار. وظاهره: أنه لا يستحب صيامها إلا لمن صام رمضان. قاله أحمد، والأصحاب. قال في «الفروع»: «إن فضيلتها تحصل لمن صامها، وقضى رمضان، وقد أفطره لعذر» (٥). (وسن صوم) شهر الله (المحرم) لحديث: «أفضل الصلاة بعد المكتوبة [الصلاة في] جوف الليل. وأفضل الصيام بعد رمضان

стр. 487

شهر الله المحرم» رواه مسلم (١)، (وآكده) أي: شهر المحرم - يعني: أفضل صوم يوم فيه - يوم (عاشوراء، وهو) يوم العاشر، وصومه (كفارة سنة) لحديث: «إني لأحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» (٢). ثم يلي عاشوراء في الآكدية، يوم التاسع من المحرم؛ لحديث ابن عباس: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر» رواه الخلال، واحتج به أحمد (٣). «وما روي من الاكتحال، والاختضاب، والاغتسال، والمصافحة، والصلاة، ومسح رأس اليتيم، وأكل الحبوب، والذبح فيه، كذب على النبي ﷺ (٤). ومثل ذلك بدعة، لا يستحب شيء منه عند أئمة الدين». قاله في «الاختيارات». وينبغي التوسعة على العيال فيه (٥). سأل ابن منصور (٦) الإمام

стр. 488

أحمد عنه، فقال: نعم، رواه سفيان بن عيينة، عن جعفر (١)، عن إبراهيم بن محمد المنتشر (٢) - وكان أفضل أهل زمانه - أنه بلغه: «من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته» (٣). قال ابن عيينة: «قد جربناه منذ خمسين سنة، أو ستين، فما رأينا إلا خيراً» (٤). (و) سن (صوم عشر ذي الحجة) أي: التسعة الأول منه؛ لحديث: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر» (٥)، (وأكده) أي: أكد صوم عشر ذي الحجة، صوم

стр. 489

(يوم عرفة، وهو) أي: صومه (كفارة سنتين) لحديث مسلم، عن أبي قتادة (١) مرفوعاً في صومه: «إني لأحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده» (٢). قال في «الفروع»: «والمراد الصغائر. حكاه في «شرح مسلم» عن العلماء. فإن لم يكن (٣) صغائر، يرجى التخفيف من الكبائر، فإن لم تكن، رفعت له درجات». ولا يسن صوم يوم عرفة لمن بعرفة، بل فطره أفضل. وكرهه جماعة؛ للنهي عنه في حديث أبي هريرة: «نهى عن صيام [يوم] عرفة بعرفة» (٤)؛ لأنه يضعفه، ويمنعه الدعاء في الموقف. إلا لمتمتع وقارن عدما الهدي، فيستحب أن يجعلا آخر صيام الثلاثة في الحج يوم عرفة. ويأتي في الحج. ويلي يوم عرفة في الآكدية، يوم التروية، وهو ثامن ذي الحجة؛ لحديث ابن عباس: «صوم يوم التروية كفارة سنة» (٥). (وكره إفراد) شهر (رجب) بالصوم. قال أحمد: «من كان

стр. 490

يصوم السَّنَة صامه، وإلا فلا يصومه متوالياً، بل يفطر فيه، ولا يشبهه برمضان». انتهى. (و) كره إفراد يوم (الجمعة) بالصوم؛ لحديث أبي هريرة مرفوعاً: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يوماً قبله، أو يوماً بعده» متفق عليه (١). (و) كره إفراد يوم (السبت) بالصوم لحديث: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» (٢). فإن صام معه غيره، لم يكره. قال في «الكافي»: «فإن صامهما معاً، لم يكره؛ لحديث أبي هريرة (٣)». قوله: قال في «الكافي»: «فإن صامهما»، يعني: الجمعة والسبت معاً. وكره صوم يوم الشك، وهو يوم (٤) (الثلاثون من) شهر (شعبان، إذا لم يكن) عند الترائي علة من (غيم، أو قَتَر) لأحاديث النهي عنه (٥). إلا إن وافق يوم الجمعة، أو السبت، أو الشك، عادةً من صوم، أو يصل يوم الشك بصيام قبله.

стр. 491

وكره تقدم صوم رمضان بيوم أو يومين، لا بأكثر، فلا يكره نصاً؛ لظاهر خبر أبي هريرة: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم، أو يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه» (١). أو يكون صومه قضاء عن رمضان، أو نذراً، أو كفارة، فيصومه؛ لوجوبه. وكره أيضاً صوم يوم النيروز، والمهرجان، وهما عيدان للكفار (٢). وكذا صوم كل يوم عيد للكفار، أو يوم يفردونه بتعظيم، ما لم يوافق عادة، أو عن قضاء، أو نذر، أو كفارة، كما تقدم. ولا يكره وصال الصيام إلى وقت السحر؛ لحديث أبي سعيد مرفوعاً: «فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» رواه البخاري (٣). وترك الوصال إلى السحر، أولى من فعله؛ لفوت فضيلة تعجيل الفطر. (ويحرم) ولا يصح (صوم) يومي (العيدين) مطلقاً، فرضاً كان، أو نفلاً؛ لحديث أبي هريرة مرفوعاً: «نهى عن صوم يومين: يوم فطر، ويوم أضحى» متفق عليه (٤).

стр. 492

(و) يحرم، ولا يصح أيضاً صوم (أيام التشريق) لحديث: «وأيام منى أيام أكل، وشرب» (١). إلا إن صام عن دم متعة، أو دم قرآن، لمن عدمه فيصح صومها عنه؛ لقول ابن عمر، وعائشة: «لم يُرَخّص في أيام التشريق أن يصمن، إلا لمن لم يجد الهدي» رواه البخاري (٢). ولا يكره صوم الدهر، إن لم يترك به حقاً، ولا خاف منه ضرراً. (ومن دخل في صيام) تطوع، لم يجب عليه (إتمامه) أي: إتمام الصوم، فله أن يفطر. بخلاف من دخل (في) صيام (فرض) ف (يجب) عليه إتمامه، ولا يجوز له فطره (ما لم يقلبه) أي: يقلب صيام الفرض (نفلاً) فإن قلبه نفلاً، لم يجب عليه إتمامه، وجاز له فطره. تتمة: إذا قطع الصوم، ونحوه، فهل انعقد الجزء المؤدى، وحصل به قربة، أم لا؟ وعلى الأول: هل بطل حكماً، أو لا يبطل؟ اختلف كلام أبي الخطاب. وقطع جماعة ببطلانه، وعدم الصحة (٣). قال الشيخ تقي الدين: «إن الإبطال في الآية (٤) هو بطلان الثواب. - قال: - ولا نسلم بطلان جميعه، بل قد يثاب على ما فعله، فلا يكون مبطلاً لعمله» (٥).

стр. 493

تنبيه: ليلة القدر ليلة عظيمة، يرجى إجابة الدعاء فيها، قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣]. قال المفسرون: أي: قيامها، والعمل فيها، خير من العمل في ألف شهر خالية منها. وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة مرفوعاً: «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» (١)، زاد أحمد: «وما تأخر» (٢). وليلة القدر باقية، لم ترفع، وهي مختصة بالعشر الأواخر من رمضان، فتطلب فيه، [وليالي الوتر آكد]؛ لحديث: «اطلبوها في العشر الأواخر، في ثلاث بقين، أو سبع بقين، أو تسع [٨٢/ ١] بقين» (٣). وأرجاها ليلة سبع وعشرين نصاً، وهو قول أبي بن كعب، وكان يحلف على ذلك، ولا يستثني (٤)، وابن عباس (٥)، ورزين (٦) بن حُبيش قال أبي بن كعب: «والله لقد علم ابن مسعود أنها في رمضان، وأنها ليلة سبع وعشرين، ولكن كره أن يخبركم، فتتكلوا» رواه الترمذي وصححه (٧). وعن معاوية أن النبي ﷺ قال: «ليلة

стр. 494

القدر ليلة سبع وعشرين» رواه أبو داود (١). والحكمة في إخفائها؛ ليجتهدوا في طلبها، ويجدوا في العبادة؛ طمعاً في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة يوم الجمعة. وهي أفضل الليالي ذكره الخطابي إجماعاً (٢)، حتى إنها أفضل من ليلة الجمعة. وذكر ابن عقيل رواية: أن ليلة الجمعة أفضل (٣)؛ لأنها تتكرر، ولأنها تابعة لما هو أفضل، واختاره جماعة (٤) وقال أبو الحسن التميمي (٥): «ليلة القدر الذي (٦) أنزل فيها القرآن أفضل من ليلة الجمعة. وأما أمثالها من ليالي القدر، فليلة الجمعة أفضل» (٧). ويستحب أن ينام فيها متربعاً، مستنداً إلى شيء نصاً (٨).

стр. 495

ويذكر حاجته في دعائه. ويستحب أن يكون من دعائه ما روت عائشة رضي الله تعالى عنها، وهو: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» رواه أحمد (١). ومعنى العفو: الترك، ويكون بمعنى الستر والتغطية، فمعنى: «اعف عني»: اترك مؤاخذتي بجرمي، واستر عليّ ذنبي، وأذهب عني عقابك. وروى النسائي من حديث أبي هريرة مرفوعاً: «سلوا الله العفو والعافية، والمعافاة، فما أوتي أحد بعد يقين خيراً (٢) من معافاة» (٣). فالشر الماضي يزول بالعفو، والحاضر بالعافية، والمستقبل بالمعافاة؛ لتضمنها دوام العافية. وليلة القدر تنتقل في العشر الأخير، لا أنها ليلة معينة، وحكي ذلك عن الأئمة الأربعة (٤)، وغيرهم (٥). ومن نذر قيام ليلة القدر، قام العشر الأخير كله. فائدة: روي عن النبي ﷺ عن أمارة ليلة القدر «أنها ليلة صافية، بَلْجَة؛ كأن فيها قمراً ساطعاً، ساكنة، ساجية، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب أن يُرمى به فيها حتى تصبح» (٦). وإن
следующие страницы →