← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30147

مسلك الراغب لشرح دليل الطالب - ت تركي النصر

إبراهيم العوفي الصالحي

Полный текст (944 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وكره تقدم صوم رمضان بيوم أو يومين، لا بأكثر، فلا يكره نصاً؛ لظاهر خبر أبي هريرة: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم، أو يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه» (١). أو يكون صومه قضاء عن رمضان، أو نذراً، أو كفارة، فيصومه؛ لوجوبه. وكره أيضاً صوم يوم النيروز، والمهرجان، وهما عيدان للكفار (٢). وكذا صوم كل يوم عيد للكفار، أو يوم يفردونه بتعظيم، ما لم يوافق عادة، أو عن قضاء، أو نذر، أو كفارة، كما تقدم. ولا يكره وصال الصيام إلى وقت السحر؛ لحديث أبي سعيد مرفوعاً: «فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» رواه البخاري (٣). وترك الوصال إلى السحر، أولى من فعله؛ لفوت فضيلة تعجيل الفطر. (ويحرم) ولا يصح (صوم) يومي (العيدين) مطلقاً، فرضاً كان، أو نفلاً؛ لحديث أبي هريرة مرفوعاً: «نهى عن صوم يومين: يوم فطر، ويوم أضحى» متفق عليه (٤).

стр. 492

(و) يحرم، ولا يصح أيضاً صوم (أيام التشريق) لحديث: «وأيام منى أيام أكل، وشرب» (١). إلا إن صام عن دم متعة، أو دم قرآن، لمن عدمه فيصح صومها عنه؛ لقول ابن عمر، وعائشة: «لم يُرَخّص في أيام التشريق أن يصمن، إلا لمن لم يجد الهدي» رواه البخاري (٢). ولا يكره صوم الدهر، إن لم يترك به حقاً، ولا خاف منه ضرراً. (ومن دخل في صيام) تطوع، لم يجب عليه (إتمامه) أي: إتمام الصوم، فله أن يفطر. بخلاف من دخل (في) صيام (فرض) ف (يجب) عليه إتمامه، ولا يجوز له فطره (ما لم يقلبه) أي: يقلب صيام الفرض (نفلاً) فإن قلبه نفلاً، لم يجب عليه إتمامه، وجاز له فطره. تتمة: إذا قطع الصوم، ونحوه، فهل انعقد الجزء المؤدى، وحصل به قربة، أم لا؟ وعلى الأول: هل بطل حكماً، أو لا يبطل؟ اختلف كلام أبي الخطاب. وقطع جماعة ببطلانه، وعدم الصحة (٣). قال الشيخ تقي الدين: «إن الإبطال في الآية (٤) هو بطلان الثواب. - قال: - ولا نسلم بطلان جميعه، بل قد يثاب على ما فعله، فلا يكون مبطلاً لعمله» (٥).

стр. 493

تنبيه: ليلة القدر ليلة عظيمة، يرجى إجابة الدعاء فيها، قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣]. قال المفسرون: أي: قيامها، والعمل فيها، خير من العمل في ألف شهر خالية منها. وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة مرفوعاً: «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» (١)، زاد أحمد: «وما تأخر» (٢). وليلة القدر باقية، لم ترفع، وهي مختصة بالعشر الأواخر من رمضان، فتطلب فيه، [وليالي الوتر آكد]؛ لحديث: «اطلبوها في العشر الأواخر، في ثلاث بقين، أو سبع بقين، أو تسع [٨٢/ ١] بقين» (٣). وأرجاها ليلة سبع وعشرين نصاً، وهو قول أبي بن كعب، وكان يحلف على ذلك، ولا يستثني (٤)، وابن عباس (٥)، ورزين (٦) بن حُبيش قال أبي بن كعب: «والله لقد علم ابن مسعود أنها في رمضان، وأنها ليلة سبع وعشرين، ولكن كره أن يخبركم، فتتكلوا» رواه الترمذي وصححه (٧). وعن معاوية أن النبي ﷺ قال: «ليلة

стр. 494

القدر ليلة سبع وعشرين» رواه أبو داود (١). والحكمة في إخفائها؛ ليجتهدوا في طلبها، ويجدوا في العبادة؛ طمعاً في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة يوم الجمعة. وهي أفضل الليالي ذكره الخطابي إجماعاً (٢)، حتى إنها أفضل من ليلة الجمعة. وذكر ابن عقيل رواية: أن ليلة الجمعة أفضل (٣)؛ لأنها تتكرر، ولأنها تابعة لما هو أفضل، واختاره جماعة (٤) وقال أبو الحسن التميمي (٥): «ليلة القدر الذي (٦) أنزل فيها القرآن أفضل من ليلة الجمعة. وأما أمثالها من ليالي القدر، فليلة الجمعة أفضل» (٧). ويستحب أن ينام فيها متربعاً، مستنداً إلى شيء نصاً (٨).

стр. 495

ويذكر حاجته في دعائه. ويستحب أن يكون من دعائه ما روت عائشة رضي الله تعالى عنها، وهو: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» رواه أحمد (١). ومعنى العفو: الترك، ويكون بمعنى الستر والتغطية، فمعنى: «اعف عني»: اترك مؤاخذتي بجرمي، واستر عليّ ذنبي، وأذهب عني عقابك. وروى النسائي من حديث أبي هريرة مرفوعاً: «سلوا الله العفو والعافية، والمعافاة، فما أوتي أحد بعد يقين خيراً (٢) من معافاة» (٣). فالشر الماضي يزول بالعفو، والحاضر بالعافية، والمستقبل بالمعافاة؛ لتضمنها دوام العافية. وليلة القدر تنتقل في العشر الأخير، لا أنها ليلة معينة، وحكي ذلك عن الأئمة الأربعة (٤)، وغيرهم (٥). ومن نذر قيام ليلة القدر، قام العشر الأخير كله. فائدة: روي عن النبي ﷺ عن أمارة ليلة القدر «أنها ليلة صافية، بَلْجَة؛ كأن فيها قمراً ساطعاً، ساكنة، ساجية، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب أن يُرمى به فيها حتى تصبح» (٦). وإن

стр. 496

من أماراتها أيضاً: ما روي عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الشمس تطلع صبيحتها بيضاء، لا شعاع لها» (١). ومن أماراتها أيضاً: «أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية، ليس فيها شعاع، مثل القمر ليلة البدر» (٢). وفي بعض الأحاديث: «بيضاء، مثل الطَّسْت» (٣) «لا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ» (٤). «ورمضان أفضل الشهور، ويكفر من فضل رجباً عليه»؛ ذكره في «الاختيارات» (٥). وعشر ذي الحجة أفضل من العشر الأخير من رمضان، لياليه وأيامه، ومن سائر العشور. وقد يقال: ليالي العشر الأخير من رمضان أفضل، وأيام ذلك أفضل. قال أبو العباس: «والأول أظهر»؛ ذكره في «الاختيارات» (٦). وعشر ذي الحجة أفضل من أعشار (٧) الشهور كلها؛ لما في «صحيح ابن حبان»، عن جابر مرفوعاً قال: «ما من أيام أفضل عند الله من أيام [عشر] ذي الحجة» (٨). قال ابن رجب في

стр. 497

«اللطائف»: التحقيق: ما قاله بعض أعيان المتأخرين من العلماء: أن يقال: مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا يفضل عليها غيرها. والله أعلم. قال الشيخ تقي الدين: «ليلة الإسراء أفضل في حق النبي ﷺ من ليلة القدر، وليلة القدر أفضل بالنسبة إلى الأمة». ويوم الجمعة أفضل الأيام. قال الشيخ تقي الدين: «أفضل أيام الأسبوع إجماعاً - وقال: - يوم النحر أفضل أيام العام». وظاهر ما ذكره أبو حكيم إبراهيم النهرواني أن يوم عرفة أفضل (١). قال في «الفروع»: «وهو أظهر».

стр. 498

[كتاب الاعتكاف] وهو لغةً: لزوم الشيء. وشرعاً: لزوم المسجد؛ لطاعة الله، على صفة مخصوصة. (وهو سنة) كل وقت، قال صاحب «المنتهى» في «شرحه»: «إجماعاً»؛ لأنه ﷺ داوم عليه (١)، وفي رمضان آكد؛ لفعله ﷺ ، (و) آكده عشر رمضان الأخير. إلا إن نذره، ف (يجب بالنذر) على صفة ما نذره، من تتابع، وغيره. وأقله ساعة، إذا كان تطوعاً، أو نذراً مطلقاً، وهو «ما يسمى به معتكفاً، لابثاً»؛ كما قاله في «الإنصاف». «قال في «الفروع»: ظاهره: ولو لحظة، وفي كلام جماعة من الأصحاب: أقله ساعة، لا لحظة، وهو ظاهر كلامه في «المُذْهَب» وغيره». انتهى. وقال الزركشي: «وأقله: أدنى لبث». قال في «الإقناع»: «ولا يكفي عبوره». قال شيخنا في «شرحه على الإقناع»: «يدل على أن المراد بالساعة ما يتناول اللحظة». ويصح الاعتكاف بغير صوم؛ لحديث عمر قال: «يا رسول الله،

стр. 499

إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة بالمسجد الحرام، فقال ﷺ : «أوف بنذرك» رواه البخاري (١)، ولو كان الصوم شرطاً، لما صح اعتكاف الليل. وأما قول عائشة: «لا اعتكاف إلا بصوم» (٢) فموقوف عليها، ومن رفعه فقد وهم؛ قاله في «الشرح»، وغيره (٣). ثم لو صح، فالمراد به الاستحباب. (وشرط صحته) أي: صحة الاعتكاف (ستة أشياء): أحدها: (النية، و) محلها القلب؛ لأنه عبادة مختصة. الثاني: (الإسلام) فلا يصح من كافر (و) لو مرتداً. الثالث: (العقل) فلا يصح من مجنون؛ لفقد النية. الرابع: (التمييز) فلا يصح من طفل؛ لعدم النية (و) أما المميز، فيصح منه. الخامس: (عدم ما يوجب الغسل) فلا يصح من جنب (و) نحوه، ولو متوضئ. السادس: (كونه) أي: الاعتكاف (بمسجد) فلا يصح بغير مسجد (ويزاد في حق من تلزمه) صلاة الجماعة، أن يكون المسجد الذي يعتكف فيه (مما تقام) الجماعة (فيه) أي: في المسجد. ولا يصح الاعتكاف ممن تلزمه الجمعة (٤)، في مسجد تقام فيه الجمعة، دون الجماعة.

стр. 500

(ومن) حكم (المسجد، ما زيد فيه) من البناء (ومن) حكمه أيضاً (سطحه، ورحبته (١) المحوطة به) (ومنارته التي هي) أي: المنارة في المسجد (أو بابها) أي: باب المنارة (فيه) أي: في المسجد. وكذا المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ ، والمسجد الأقصى. وثواب الزائد حكم الأصل. (ومن عين) أي: نذر (الاعتكاف) أو الصلاة (بمسجد) من المساجد (غير المساجد الثلاثة، لم يتعين) ذلك المسجد؛ لأن الله تعالى لم يعين لعبادته موضعاً، فلم يتعين بالنذر، ولو تعين لاحتاج إلى شد رحل، وقد قال ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» متفق عليه من حديث أبي هريرة (٢). قال في «المبدع»: «وعلى المذهب: يعتكف في غير المسجد الذي عينه وظاهره: لا كفارة، وجزم به في «الشرح» (٣). فإن عين الاعتكاف، أو الصلاة في مسجد من الثلاثة مساجد، تعيّن؛ لفضل العبادة فيها على غيرها، وله شد الرحل إليه. وأفضل الثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ثم مسجد النبي ﷺ ، ثم المسجد الأقصى، وهو مسجد بيت المقدس. وإن عين في نذره الأفضل منها، لم يجزئه فيما دونه. فإن عين الأقصى، جاز له الاعتكاف في الاثنين. فإن عين مسجد المدينة،

стр. 501

جاز له في المسجد الحرام. فإن عين المسجد الحرام، فلم يجزئه غره (١). (ويبطل الاعتكاف بالخروج من المسجد لغير عذر) كما يأتي، (و) كذا يبطل الاعتكاف أيضاً (بنية الخروج) من المسجد ولو لم يخرج من المسجد. (و) كذا يبطل الاعتكاف أيضاً (بالوطء في الفرج) في المسجد، ولو ناسياً نصاً (وبالإنزال بالمباشرة دون الفرج) كالمفاخذة، ونحوها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. (و) يبطل أيضاً (بالردة) والعياذ بالله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] (وبالسكر) لخروجه عن كونه من أهل المسجد؛ كالمرأة إذا حاضت. (وحيث بطل الاعتكاف) بما ذكر (وجب) على المعتكف (استئناف) أي: ابتداء الاعتكاف من أوله، إن كان حصل الاعتكاف ب (النذر المتتابع) كمن نذر أن يعتكف عشرة أيام متوالية، فحصل منه ما يبطل الاعتكاف، فيجب عليه أن يبتدئ العشرة من أولها، وما حصل من الاعتكاف، لا يعتد به، هذا إذا كان الاعتكاف (غير مقيد بزمن ولا كفارة) عليه إن ابتدأ من أوله، وإن اختار البناء على ما مضى، أتى بما بقي، وكفّر كفارة يمين؛ لعدم فعله على وجهه. و (إن كان) الاعتكاف (مقيداً بزمن معين) كمن نذر أن يعتكف شهر رمضان، أو يوم العيد،

стр. 502

ونحوه، وحصل ما أبطله، وجب (أن يستأنفه، وعليه كفارة يمين؛ لفوات المحل) وإن كان النذر مطلقاً (١)، غير متتابع، ولا مقيد بزمن معين، فيتمم بلا كفارة. (ولا يبطل الاعتكاف إن خرج من المسجد ل) أجل (بول، أو غائط) وله قصد منزله لقضاء حاجته، إن لم يجد مكاناً يليق به، بلا ضرر، ولا منّة، ويلزمه قصد أقرب منزليه. (و) لا يبطل إن خرج لأجل (طهارة واجبة) كوضوء، وغسل، ولو كان الوضوء قبل دخول صلاة؛ لأنه لا بد للمحدث منه؛ لحديث عائشة قالت: «السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لما لا بد له منه» رواه أبو داود (٢). ولا يخرج لطهارة غير واجبة؛ كغسل جمعة، وتجديد وضوء، ونحوه. (و) لا يبطل الاعتكاف إن خرج لأجل (إزالة نجاسة) بدن، أو ثوب، ونحوه، مما يحتاجه؛ لأنه لا بد للمصلي منه. (أو ل) أجل صلاة (جمعة) ممن (تلزمه) الجمعة. وهو: المسلم، الحر، العاقل، البالغ، غير من يعذر بتركها من أهل الأعذار، كما تقدم في محله. «وله التبكير إليها» نصاً؛ هكذا في «الإقناع». وفي «المنتهى»: «وسن أن لا يبكر» (٣)، يعني: لخروج الجمعة. ويستحب له سرعة الرجوع بعد الجمعة إلى معتكفه. ولا يبطل إن خرج لأجل قيء حصل بغتة.

стр. 503

(ولا) يبطل الاعتكاف (إن خرج ل) أجل (الإتيان بما) يحتاجه من المأكل والمشرب؛ لعدم ال (خادم) نصاً. لا خروجه لأكله، أو شربه في بيته؛ لعدم الحاجة؛ لإباحة ذلك في المسجد. وذكر القاضي أنه يتوجه الجواز، واختاره أبو حكيم؛ لما فيه من ترك المروءة. (وله) أي: للمعتكف، إذا خرج لما لا بد له منه أن يمشي (المشي المعتاد، الذي (على) حسب (عادته) من غير سرعة. (وينبغي لمن قصد المسجد) للبث فيه أن ينوي الاعتكاف مدة لبثه) أي: جلوسه (فيه) أي: في المسجد (لا سيما إن كان صائماً) لأنه أكد. تتمة: إن نذر اعتكاف عشر رمضان الأخير، فنقص رمضان، أجزأه؛ لأنه يسمى بالعشر الأخير. بخلاف إن نذر عشرة أيام من آخر الشهر، فنقص الشهر يوماً، فيقضي يوماً؛ عوض النقص. قال شيخنا في «شرحه على الإقناع»: «قلت: ويكفّر؛ لفوات المحل». ولا يجوز الاعتكاف للمرأة، والعبد، بغير إذن زوج وسيد. وأم الولد، والمدبر، والمعلق عتقه بصفة، حكم العبد. وأما المكاتب، فله أن يعتكف بغير إذن سيده. وللمعتكف غسل يده في المسجد في إناء من وسخ ونحوه، ولا يجوز أن يخرج لغسلهما. ولا يجوز لمعتكف وغيره بول، ولا فصد، ولا حجامة بإناء في المسجد، أو في هوائه. وله الخروج لما يتعين له الخروج، من إطفاء حريق، وإنقاذ غريق، ونحوه، ولنفير متعين إن احتاج إليه، ولشهادة تعين عليه أداؤها، ولخوف فتنة على نفسه، أو حريمه، أو ماله، أو لخوف

стр. 504

نهب، وحريق، ونحوه، ولمرض يتعذر معه المقام، أو لا يمكنه المقام معه إلا بمشقة شديدة، بأن يحتاج إلى خدمة، أو فراش. لا إن كان المرض خفيفاً؛ كصداع، ووجع ضرس، وحُمَّى خفيفة، ولحاجة فصد، أو حجامة، ولعدة وفاة. وإن أُكره على الخروج، أو خوفاً من تغلب لص، وقاطع طريق، فلا يبطل اعتكافه؛ كحائض، ومريض، وخائف من طلب سلطان. وإن أُخرج لاستيفاء حق عليه. فإن أمكنه الخروج منه بلا عذر، بطل اعتكافه، وإلا، فلا؛ لوجوب الخروج عليه. وإن خرج ناسياً لم يبطل اعتكافه. ويبني إذا زال العذر في الجميع. فإن أخر الرجوع مع الإمكان، بطل ما مضى. وليس للمعتكف أن يعود مريضاً، ولا أن يشهد جنازة، إلا بشرط، أو وجوب عليه، بتعين ذلك عليه؛ لعدم غيره. وكذا كل قربة تعينت عليه؛ كتحمل شهادة، وأدائها، وزيارة رحم، أو صديق، ونحوه. ويباح له الخروج لكل ما يشترط له الخروج من القُرب. لا إن اشترط الخروج للوطء، أو للفرجة، أو للنزهة، أو للبيع والشراء؛ للتجارة، أو شرط التكسب بالصناعة في المسجد. وإن قال: متى مرضت، أو عرض لي عارض خرجت، فله شرطه. وله أن يدخل مسجداً قريباً غير الأول، يتم اعتكافه فيه. بخلاف ما لو خرج إلى المسجد الثاني ابتداء، من غير حاجة للخروج، فيبطل اعتكافه. فإن كان المسجدان متلاصقين، بحيث إذا خرج من أحدهما فيصير في الآخر، فله ذلك. ومن نذر أن يعتكف صائماً، لزمه الجمع. وكذا لو نذر أن يعتكف مصلياً، لزمه الجمع.

стр. 505

ويستحب للمعتكف التشاغل بفعل القُرب، كقراءة القرآن، والذكر، والصلاة، ونحوها، واجتناب ما لا يعنيه، من جدال، ومراء، وكثرة كلام، ونحوه. ويستحب للمعتكف ترك لبس الرفيع من الثياب، والتلذذ بما يباح له قبل الاعتكاف، وأن لا ينام مضطجعاً، بل متربعاً، مستنداً. ولا يكره شيء من ذلك. ويكره للمعتكف التطيب. قال أحمد: «لا يعجبني أن يتطيب» (١). تنبيه: يجب بناء المساجد في الأمصار والقرى. ويسن أن يصان المسجد عن وسخ وقذر، ومخاط، وتقليم أظفار، وقص شارب، وحلق رأس، وعانة، ونتف إبط، وعن رائحة كريهة، من بصل وثوم، وكراث، ونحوه؛ لقوله ﷺ : «إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس» رواه ابن ماجه (٢). فإن دخله من أكل ذلك، أو من له صُنَان (٣)، أو بَخَر (٤)، استحب إخراجه؛ لإزالة الأذى (٥). ويصان المسجد من بصاق. والبصاق فيه خطيئة. فإن كانت أرضه تراباً (٦)، فكفارتها دفنها، وإلا، مسحها بثوبه، أو غيره. وتحرم زخرفة المساجد بذهب، أو فضة. وتجب إزالته، إن

стр. 506

تحصل منه شيء بعرضه على النار، وإلا فلا. ويكره نقش المساجد. وإن كان من مال الوقف حرم، ووجب الضمان على فاعله. وفي «الغنية»: «لا بأس بتجصيصه» (١)، أي: تبييضه. وقال في «الشرح»: «ويكره تجصيص المساجد». ويحرم، ولا يصح في المسجد البيع، والشراء، والإجارة. قال في «شرح الإقناع»: «قل البيع، أو كثر، احتاج إليه، أو لا»؛ للخبر (٢). ولا يجوز التكسب بالصنعة؛ كالخياطة، ونحوها، قل، أو كثر، لحاجة، أو غيرها. وسهّل الإمام أحمد الكتابة في المسجد، «ويُخرَّج على ذلك: تعلم الصبيان الكتابة فيه بالأجرة قاله في «الآداب الكبرى» - بشرط أن لا يحصل ضرر، بحبر، ونحوه». ويسن أن يصان عن مجنون، وخصومة، ورفع صوت بمكروه. ويمنع فيه إيذاء المصلين، وغيرهم، بقول، أو فعل. ويمنع السكران من دخوله. ويباح فيه عقد النكاح، بل يستحب، كما ذكره بعض الأصحاب (٣). ويباح فيه القضاء، واللعان، والحكم. ويجب صونه من جلوس الحائض والنفساء فيه. ويسن أن

стр. 507

يصان عن مرورهما فيه، وكذا الجنب إن مر لغير حاجة. ويباح لبثه فيه بوضوء. ويصان من إقامة حد، وسل سيف، ونحوه فيه. ويكره التكلم فيه بحديث الدنيا. ولا يجوز استعمال حصره، وقناديله في الأعراس، ونحوه (١). ومن له الأكل فلا يلوث حصره. ويحرم الجماع فيه. وقال ابن تميم: «يكره الجماع فوقه، والتمسح بحائطه، والبول عليه». وذكر ابن عقيل قال: «أكره لمن بال أن يمسح ذكره بجدار المسجد» (٢). ويباح قتل القمل، والبراغيث فيه، إن أخرجه، وإلا، حرم إلقاؤه فيه. هذا معنى كلامه في «الآداب الكبرى» (٣)، ولعله بني على القول بنجاسة قشرهما، وإلا فصرحوا بجواز الدفن، وأنه لا يكره إن دفنها. وليس لكافر دخول حرم مكة؛ لقوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨]. ولا يمنع الكافر دخول حرم المدينة، والحرم خارج المسجد. فلا يجوز لكافر أن يدخل مسجد الحل، ولو بإذن مسلم. ويجوز للكافر دخول المسجد إن استؤجر؛ لعمارته.

стр. 508

ويكره السؤال في المسجد، والتصدق على السائل فيه. ولا يكره على غير السائل. ويستحب شعل القناديل فيه كل ليلة بحسب الحاجة، ويكره إن زاد عن الحاجة، ويمنع منه. قال القاضي سعد الدين الحارثي (١): «الموقوف على الاستصباح في المساجد يستعمل بالمعروف، ولا يزاد على المعتاد. ومن توهم أن الزيادة قربة: باطل، لا أصل له في الشرع» (٢). وسن للجالس في المسجد أن يستقبل القبلة، وأن يشتغل بالصلاة، والقراءة، والذكر. ويكره أن يسند ظهره إليها. وفي معناه: مد الرجل إليها. ولا يشبك أصابعه فيه. ويباح اتخاذ المحراب فيه. ويحرم أن يبني مسجداً إلى جنب مسجد، إلا لحاجة؛ كضيق الأول، ونحوه». كذا في «الإقناع» (٣). وعبارة «المنتهى»: «ويحرم بناء مسجد يراد به الضرر لمسجد بقربه». ويكره تطيينه، وبناؤه بنجس. وليس لأحد أن يقيم إنساناً من المسجد، ويجلس مكانه. قال

стр. 509

في «التنقيح»: «وقواعد المذهب تقتضي عدم الصحة»، أي: صحة صلاة من أقام غيره، وصلى مكانه، إلا الصبي، فيؤخر عن المكان الفاضل، ويتقدم لمكانه. ومن قام من موضعه لعذر، ثم عاد إليه، فهو أحق به؛ لأنه السابق. وإن كان لغير عذر، سقط حقه، إلا أن يخلف شيئاً مفروشاً في مكانه؛ فليس لأحد غيره رفعه (١). وإن جعل سفل بيته أو علوه مسجداً، صح، وانتفع بالآخر. وقال في «المستوعب»: «إن جعل [أسفل] بيته مسجداً، لم ينتفع بسطحه. وإن جعل سطحه مسجداً، انتفع بسفله. نص عليه أحمد» (٢). قال أحمد: «لأن السطح لا يحتاج إلى سفل» (٣). وقيل: يجوز أن يهدم المسجد، ويجدد بناؤه؛ لمصلحة نصاً. فائدة: يكره الصمت إلى الليل، وإن نذره، لم يلزمه الوفاء به. وأما قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] شرع من قبلنا شرع لنا. وهذه الآية تدل على أن من قبلنا كان في صومه [م] ترك الكلام، ولكن لم يكن ذلك مشروعاً عندنا؛ لأنه منسوخ بتحريم الله تعالى الجماع والأكل والشرب، في أيام الصوم خاصة، وأباح الكلام. قال قتادة: «إنما جعل الله ذلك لمريم وابنها، ولا يحل لأحد أن ينذر صمت يوم إلى الليل» (٤).

стр. 510

[كتاب الحَجَّ] بفتح الحاء المهملة، لا بكسرها، وهو الأشهر، وعكسه: شهرُ الحِجَّة؛ لأنه مكسور الحاء. وترجم في المقنع ب: «المناسِكِ»، وهي: جمع مَنْسَكٍ - بفتح السين وكسرها -، فبالفتح: مصدرُ، وبالكسر: اسم لموضع العبادة، مأخوذ من النسيكة، وهي الذبيحة المتقرب بها، ثم اتَّسِع فيه فصار اسماً للعبادة والطاعة. وقد غلَبَ إطلاقها على أفعال الحج؛ لكثرة أنواعها، ولما تتضمنه من الذبائح المتقرب بها. والحج لغةً: القصد إلى من تعظمه. وشرعاً: «قصد مكةَ للنسك في زمن مخصوص». والعمرة لغةً: الزيارة. وشرعاً: «زيارة البيت على وجه مخصوص». والحج أحد أركان الإسلام ومبانيه؛ لحديث: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ … » (١) وتقدم. وهوَ فَرضُ كفاية (٢) كل عام، على من لم

стр. 511

يجب عليه عيناً. نقله في الآداب (١) عن الرعاية، ثم قال: «هو خلاف ظاهر قول الأصحاب». فُرِضَ سنة تسع من الهجرة عند الأكثر، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٧]. (وَهُوَ) أي: الحجُّ (وَاجِبٌ مَعَ العُمْرَةِ) على من يجب عليه (فِي العُمْرِ مَرَّةً) واحدةً، لحديث ابن عباس قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحجُّ»، فقامَ الأقرع بن حابس فقال: أفي كلِّ عامٍ يا رسول الله؟ فقال: «لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا، وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا. الحجُّ مَرَّةٌ فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعُ» (٢) رواه أحمد. ووجوب العمرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولحديث عائشة قالت: يا رسول الله، هل على النساء من جهاد؟ قال: «نَعَمْ عَلَيْهِنَّ

стр. 512

جِهَادُ لَا قِتَالَ فِيْهِ الحَجُّ وَالعُمْرَةُ» رواه أحمد (١). على الفور نصاً. فإن أخره بلا عذر أثم؛ لخبر ابن عباس مرفوعاً: «تَعَجَّلُوا إِلَى الحَجِّ - يعني: الفَرِيضَة - فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ» رواه أحمد (٢). (وَشَرْطُ الوُجُوْبِ خَمْسَةُ أَشْيَاءٍ) أحدها: الإِسْلَامُ. وَ الثاني: (العَقْلُ). وهما شرطان للوجوب، والصحة، والإجزاء، فلا يصحان من كافر ومجنون. ويعاقب الكافر على الحج والعمرة، وعلى سائر فروع الإسلام؛ كالتوحيد، إجماعاً (٣). ولا يجبان عليه. ومن حج ثُمَّ ارتدَّ ثُمَّ أسلم، وهو مستطيع، لم يلزمه حج ولا عمرة. (وَ) الثالثُ: البُلُوغُ وَ الرابع: (كَمَالُ الحُرِّيَّةِ). وهما شرطانِ للوجوب والإجزاء، لا للصحة، فلا يجب على الصغير، ولا على القن (٤)،

стр. 513

وكذا المكاتب (١)، والمبعضُ (٢)، وأم الولد (٣). (لَكِنْ يَصِحَانِ) أي: الحج والعمرة (مِنَ الصَّغِيرِ، وَالرَّقِيقِ)، وكذا المكاتب والمبعضُ، وأم الولد. (وَلَا يُجْزِئَانِ) أي: الحج والعمرة إذا فعلهما الصغير والرقيق (عَنْ حَجَّةِ الإِسْلَامِ، وَعَنْ عُمْرَتِهِ) أي: عمرة الإسلام. (فَإِنْ) أسلم الكافر الحرُّ المكلف، أو أفاق المجنون المسلمُ الحرُّ، ثمَّ أحرما قبل الدفع من عرفة، أو بعده إن عادا فوقفا في وقته، أو (بَلَغَ الصَّغِيرُ) وهو حر مسلم عاقل، (أَوْ عَتَقَ الرَّقِيقُ) وهو مكلف في الحجّ، سواءً كانَ (قَبْلَ الوُقُوفِ) بعرفة، أَوْ بَعْدَهُ، فَـ (ــإِنْ عَادَ) قبل فوتِ وقتِه (فَوَقَفَ فِي وَقْتِهِ) أي: وقت الوقوفِ (أَجْزَأَهُ) م (عَنْ حَجَّةِ الإِسْلَامِ). ويلزم العود حيثُ أمكن. ومن لم يعد لم يجزه، ويكون ما فعله تطوعاً (٤) لم ينقلب فرضاً؛ قاله الموفق، ومن تبعه (٥)، وقدَّمه في التنقيح (٦).

стр. 514

وقال المجد (١) وغيره من الأصحابِ: «ينعقد إحرامه - أي: الصغير والقنّ - موقوفاً، فإذا تغير حاله إلى بلوغ وحرية تبيَّنَ فرضيته» (٢). (مَا لَمْ يَكُنِ) الصغيرُ أو الرقيقُ (أَحْرَمَ مُفْرِدَاً) بالحجّ، (أَوْ قَارِنَا) بالحج والعمرة، (وَ) قَدْ (سَعَى) الصغيرُ أو الرقيقُ (بَعْدَ طَوَافِ القُدُوْمِ) وقبل الوقوف بعرفة، ولو أعاد السعي بعد البلوغ أو العتق؛ لأنَّ السعي لا يُشرع مجاوزة عدده، ولا تكراره، بخلاف الوقوفِ، فاستدامته مشروعة، ولا قدر له محدود. ويُحرم المميّز بنفسه بإذن وليه. وليس لوليه تحليله إذا أحرم. ولا يصح بغير إذن وليّهِ. وغير المميز يحرم عنه وليه، ولو كان الولي محرماً، ولو لم يكن الولي حج عن نفسه. والولي: من يلي مَالَه من أب، ووصي، وحاكم. ولا يصح مِنْ أقاربه، إذا كان غير ولي. ويصير الصغير محرماً بإحرام وليه عنه. وكل ما أمكن الصغير فعله بنفسه كالوقوف بعرفة ونحوه - لزمه فعله. وما عجز عنه الصغيرُ فَعلَهُ وليه عنه. لكن لا يجوز أن يرمي عنه إلا من رمى عن نفسه، فإن كان الولي محرماً وقع الرمي عن نفسه. وإن أمكن الصغير أن يطوف ماشياً فعل، وإلا طاف به وليه محمولاً أو راكباً. ولا يعتبر كونه طاف عن نفسه. وكفارة حجّ الصغير [من ماله].

стр. 515

والصغير والمجنون عمدهما وخطؤهما لا يجب فيه إلا ما يجب في خطأ مكلف ونسيانه (١). قال المجد: «أو فعله به الولي لمصلحته؛ كتغطية رأسه لبرد، أو تطييبه لمرض، أو حلق رأسه لأذى»، فهو كفعل الصبي، «وأمَّا إن فعله الولي لا لغرض، فكفارته على الولي؛ كحلق رأس محرم بغير إذنه». وإن وجب على الصغير كفارة صوم صام الولي عنه. ووطء الصغير، ولو عمداً؛ كوطء البالغ ناسياً، يمضي في فاسده، ويقضيه إذا بلغ (٢). (وَكَذَلِكَ) أي: كما يجزئ الحجُّ (تُجْزِئُ العمرة) الصبي والعبد عن عمرة الإسلام، (إن بلغ) الصبيُّ، (أو عَتَقَ) العبد (قبل) أن يكونا طافَا (طَوَافَهَا) أي: طواف العمرة. فإن كانا طافا طواف العمرة، فلا تجزيهما، ويلزمهما عمرة الإسلام مع الإمكان. (الخَامِسُ) لوجوب الحج والعمرة: (الاسْتِطَاعَةُ)؛ لقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، والأخبار (٣). (وَهِيَ) أي: الاستطاعة: (ملك زاد) يحتاجه ذهاباً وإياباً، من مأكول ومشروب. فإن لم يحتج إليه، لم يعتبر. وملك وعائه؛ لأنه لا بد منه. ولا يلزمه حمله إن وجد بالمنازل.

стр. 516

(وَ) مِلكُ (رَاحِلَةٍ) - بشراء أو كراء - لركوبه، بآلتها، (تَصْلُحُ) أي: الراحلة (المِثْلِهِ) عادةً؛ فإن كانَ ممَّنْ يكفيه الرَّحْلُ (١) والقَتَبُ (٢) ولا يخشى السقوط، اكتفي بذلك، وإن كانَ ممَّنْ لم تجرِ عادته بذلك، أو يخشى السقوط، اعتُبر وجودُ مَحمِل (٣) صالح له، وما أشبهه، مما لا يُخشَى سقوطه عنه، ولا مشقته فيه. وتعتبر الراحلة في مسافة قصْرٍ عن مكة، ولا تعتبر فيما دون المسافة، من مكي وغيره؛ للقدرة على المشي فيها غالباً، إلا لعاجز عن مشي. ولا يلزمه حبواً، ولو أمكنه. وأما الزاد فيعتبر، قرُبَتِ المسافة أو بعدَتْ، مع الحاجة إليه. (أَوْ مِلكُ مَا يَقْدِرُ بِه) من نقد أو عَرْضٍ (٤) (عَلَى تَحْصِيْلِ ذَلِكَ) أي: الزاد والراحلة، وآلتِهما. فمن لم يملك ذلك لم يلزمه حج. لكن يستحبُّ لمن يمكنه المشي والكسب بالصنعة، ويكره الحجُّ لمن حرفتُه سؤالُ الناسِ، (بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ) الزاد والراحلة بآلتِهما (فَاضِلاً عَمَّا يحتَاجُهُ من كُتُبِ) علم. فإنِ اسْتَغْنى بأحَدِ

стр. 517

نسختين باعَ الأخرَى. (وَ) مِنْ (مَسْكَنٍ) لمثله. (وَ) من (خَادِمٍ) لنفسه. قال في «الإقناع»: «وإن لم يقدِرْ عَلَى خِدمة نفسه والقِيامِ بأمره اعتُبر من يخدِمُه» (١). قاله الموفق. قال في «الفروع»: «وظاهره: لو أمكنه لزمَهُ؛ عملاً بظاهر النصّ، وكلام غيره يقتضي أنه كالراحلة؛ لعدم الفرق» (٢). قال في «الفروع»: «وكذا دابته إن كانتْ ملكه، إذا لم يقدر على خدمتها والقيام بأمرها، اعتبر من يخدمها» (٣). وأن يكون فاضلاً عما لا بُدَّ له منه، من لباس مثله، وغطاء، ووطَاء، وأوانٍ، ونحوها. لكن إن فضل عنه المسكن أو كان الخادم نفيساً، يمكن بيعه وشراء ما يكفيه، وكان يفضل ما يحجُّ به، لزمه ذلك وأن يكون فاضلاً عن قضاء دين، حال أو مؤجل، الله أو لآدمي. (وَأَنْ يَكُونَ فَاضِلاً عَنْ مَؤُونَتِه وَمَؤُونَةِ عِيَالِه)؛ لحديث: كَفَى بِالمَرْءِ إِثْماً أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ) (٤)، (عَلَى الدَّوَامِ) حتى بعد رجوعه، من عقارٍ يَكرِيه (٥)، أو بضاعةٍ يتَّجِر فيها، أو صناعة، أو ثمار، أو عَطَاءٍ من ديوان (٦).

стр. 518

ومن الاستطاعة: سعةُ وقت يمكن الخروج والسير فيه حسب العادة؛ لتعذر الحج مع ضيق وقته. (فَمَنْ كَمُلَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ) المتقدم ذكرها (لَزِمَهُ السَّعْيُ) إلى الحجّ (فَوْراً) نصاً (١)؛ لحديث ابن عباس: «تَعَجَّلُوا إِلَى الحَجِّ - يَعْنِي: الفريضة» رواه أحمد (٢)، (إِنْ كَانَ فِي الطَّرِيقِ) الذي يحجُّ منه براً، أو بحراً - والغالب فيه السلامة، معتاداً أو غير معتاد، (أَمْنٌ)، ويمكن سلوكه. وهذا من الاستطاعة أيضاً. فإن لم يمكن سلوكه إلا بخَفَارةٍ (٣)، لم يجب، ولو يسيرةً، في ظاهر كلام صاحب «المنتهى»؛ لأنها رِشْوَةٌ، كما ذكره في «المبدع»، وعليه الجمهور. ومشى في «الإقناع» على أنه يلزمه؛ لما قاله الموفق والمجدُ (٤). وأن يوجد فيه الماء والعلف على المعتاد،

стр. 519

ومن الاستطاعة أيضاً: دليل لجاهل، وقائد الأعمى، ويلزمهما أجرة مثلهما. ويأثم من أخَّرَ الحج بلا عذرٍ، بعد كمال الشروط المذكورة. (فَإِنْ عَجِزَ عَنْ السَّعْي) للحج والعمرة (لِعُذْرٍ كَكِبَرٍ، أَوْ مَرَضِ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ) كسُلٌ، أو لثِقَلٍ لا يقدر معه على ركوب إلا بمشقة شديدة، أو لكونه نِضْوَ الخِلْقَةِ - بكسر النون، وهو: الهُزُولُ - لا يقدر الثبوت على الراحلة إلا بمشقة غير متحملة (لَزِمَهُ) من ذكر أو أنثى (أَنْ يُقِيمَ نَائِباً، حُرّاً)، (وَلَو) كانَ (امْرَأَةً، يَحُجُّ عَنْهُ) لحديث ابن عباس: أنَّ امرأةً من خَثْعَم قالت: إِنَّ أَبي أَدركته فريضة الله في الحج شيخاً كبيراً لا يَستطِيعُ أن يَستَوِيَ عَلى الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «حُجِّي عَنْهُ» متفق عليه (١)، (مِنْ بَلَدِهِ) أَوْ مِنَ الموضع الذي حصل له فيه العذر؛ لأنه وجب عليه كذلك. (وَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ) أي: فعل النائب من حج وعمرة. هذا (مَا لَمْ يَ) حصلْ زَوالُ العُذْرِ قَبْلَ إِحْرَامِ نَائِبِهِ؛ فإن زالَ قبله لم يجزئه؛ لقدرته على المبدل قبل الشروع في البدل. ومنْ يُرجَى برؤه لا يستنيب، فإنْ فَعلَ لم يجزئه. ويسقط الحج والعمرة عمن لم يجد نائباً. ومن لزمه حجّ أو عمرة بأصل الشرع، أ (ق) بإيجابه على نفسه، فَ (مَاتَ) قبل الفعل، فرَّطَ بتأخيره لغير عذر، أو لم يفرط المرض يرجى برؤه، أو لحبس، أو أسر، أو نحوه، أو (قَبْلَ أَنْ يَسْتَنِيْبَ) لعجز، وخلَّفَ مالاً (وَجَبَ أَنْ يُدْفَعَ مِنْ تَرِكَتِه مالاً بقدر الكفاية لِمَنْ يَحُجُّ وَيَعْتَمِرُ عَنْهُ) من بلده؛ لحديث ابن عباس: أن امرأةً

стр. 520

قالت: يا رسول الله، إِنَّ أُمِّي نَذرَتْ أن تحجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أفأَحُجُّ عنها؟ قال: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا؛ أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتِيْهِ؟ اقْضُوا اللهَ فَاللهُ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ» (١). رواه البخاري. ويسقط حج عمن وجب عليه ومات قبله بحج أجنبي عنه، بدون مال، ودون إذن وارث. ولا يسقط حج عن حي معضوب - بعين مهملة، فضادٍ معجمة، وهو العاجز عن الحج؛ لكبر أو مرض لا يُرجَى برؤه - إذا حج الأجنبي عنه بغير إذنه. ومن لزمه نسك ومات قبله، وضاقَ ماله عن أدائه من بلده، استنيب بهِ من حيثُ بلغ. أو كان عليه دين، ولزمه الحج، أخذ من ماله للحج عنه بحصته؛ كسائر الديون، وحُجَّ به من حيث بلغ. وإن مات من وجب عليه النسك أو نائبه بطريقه، استنيب عنه من حيثُ مات فيما بقي، نصاً، مسافةً، وفعلاً، وقولاً. وكذا لو صُدَّ عن الطريق، يفعل ما بقي. قال شيخُنا (٢) في «حاشيته على الإقناع»: «وإذا مات النائب في حجّ النفل، فظاهرُ كلامهم - يعني: الأصحاب -: لا تجب الاستنابة فيما بقي، مع أنه يجب بالشروع، ولم أر من تعرض له». تتمةٌ: من أعطي مالاً ليحج به عن شخص بلا إجارة ولا جعالة (٣)، جاز، نصاً (٤)، كالغزو والنائب أمين يركب وينفِقُ

стр. 521

بالمعروفِ منه، أو مما اقترضه، أو استدانه لعذر على ربه (١)، أو ينفق من نفسه وينوي رجوعه. (وَلَا يصح ممن لَم يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ حج عن غيره) فرضاً كان، أو نذراً، أو نافلةً، حيّاً كان المحجوج عنه، أو ميتاً. فإن فعل انصرف الحج عن نفسه عن حجة الإسلام؛ لحديث ابن عباس: أنَّ النبي ﷺ سمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمةَ. قَالَ: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ»؟ قال: لا. قالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَة» رواه أحمد (٢). وقوله: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ» أي: استَدِمه عن نفسك. وكذا يقع عن حجَّةِ الإسلام من أحرم بحج نذر، أو نفل (٣). ويصح أن يحج عن ميت واحدٌ في فرضه، وآخر في نذره، في عام واحد. وأيهما أحرم أولاً فعن فرضه، ولو لم ينوه؛ لأنَّ الحج يُعفّى فيه عن التعيين ابتداءً؛ لانعقاده مبهماً ثم يعيَّنُ. ويصح أن يستنيب قادر على الحجّ، وغير قادرٍ، في نفل حج، وفي بعضه. والنائب أمين فيما أعطيه ليَحُجَّ منهُ أو يعتمر. ويضمن النائب ما زاد على نفقة المعروفِ، أو طريق أقرب، بلا ضرر. ويجب عليه ردُّ ما فضل بعد: نفقة ذهابه، ورجوعه، ونفقة خادمه إن لم يخدم

стр. 522

نفسه مثله. ويرجع نائب بما استدانه لعذر، أو بما أنفقه من ماله بنية رجوعه. وما لزم نائباً بجنايته؛ كفعل محظور، فمِنْ مالِه (١)، وكذا نفقةُ نسك فسَدَ، وقضاؤه. ويلزمُ النائب ردُّ ما أخذه (٢)؛ لأن النسك حيث فسد لم يقع عن مستنيبه؛ لجنايته وتفريطه. (وَتَزيدُ الأُنْثَى) في وجوب الحج والعمرة عليها (شَرْطاً سَادِساً وَهُوَ أَنْ تَجِدَ لَهَا زَوْجاً)، وسُمِّيَ الزوجُ مَحرَماً مع حِلّها له؛ لحصول المقصود من صيانتها وحفظها به، مع إباحة الخلوة بها. (أَوْ مَحرَماً) ذكراً، لا خنثى مسلماً، (مُكَلَّفاً) ولو عبداً، تحرم عليه أبداً؛ بسبب مباح من رضاع أو مصاهرة، أو بنسب؛ كأمه وبنته وأخته وخالته. (وَتَقْدِرَ) أي: الأنثى (عَلَى أُجْرَتِه) أي: أجرة المحرَمِ. قال في «الفروع»: «وظاهِرُ كلامهم - يعني: الأصحاب -: لو أرَادَ - أي: المَحرَم - أجرةً لا يلزمُهَا». قال يعني: صاحب «الفروع» (٣) -: «ويتوجَّه (٤): أنها كنفقته، كما في التغريب في الزنا وفي قائد الأعمى، فدل ذلك كله على أنه لو تبرع - يعني: المحرم -

стр. 523

لم يلزمها؛ للمنَّة». قال: «ويتوجَّهُ: أن يجبَ للمَحْرَمِ أجرةُ مثله، لا النفقة؛ كقائد الأعمى، ولا دليل يخصُّ وجوب النفقة». (وَ) تَقدِرَ (عَلَى) ملكِ (الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ) بالتهما (لَهَا) أي: للأنثى، (وَلَهُ) أي: للمَحرَمِ. ولا يلزم المحرم السفر معها إذا بذلتْ له ذلك، ويكون مع الامتناع كمن لا محرمَ لهَا. (فَإِنْ حَجَّتْ) امرأةٌ (بِلَا مَحْرَمٍ حَرُمَ) سفرها، (وَأَجْزَأَهَا) حجها عن حجةِ الإِسْلامِ. وإن مات محرمها المسافر معها بالطريق، مضَتْ في حجها ولم تصر مُحصَرةً. ومن أيسَتْ من محرم استنابت من يفعل عنها؛ ككبير عاجز. تتمة: قال الشيخ تقي الدين (١): «وإمَاءُ المرأةِ يسافرْنَ معها أي: تبعاً لها، ولا يفتقرن إلى محرم؛ لأنه لا محرم لهنَّ في العادة الغالبة» (٢). انتهى. قال في «الإقناع»: «ويتوجَّهُ في عُتَقَائِها من الإماء مثله، على ما قاله» (٣) الشيخ تقي الدين من أنه لا محرم لهنَّ في العادة. قال شيخُنا في «شرحه على الإقناع»: «ويُحتمل عكسه؛ لانقطاع التبعية، ويملكن أنفسَهنَّ بالعتق». قال في «الفروع»: «وظاهر كلامهم - يعني: الأصحاب -: اعتبار المحرم للكل - أي:

стр. 524

الأحرار وإمائِهِنَّ وعتقائهن -؛ لعموم الأخبار». وأما الخنثى فظاهر كلام الأصحاب أن الخنثى كالرجل. قاله في «الإنصاف» (١). تنبيه: من أراد الحج فليبادر، وليجتهد في الخروج من المظالمِ بردها لأهلها، والودائع والعواري والديون لأربابها، ويستمهل من لا يستطيع الخروج من عهدته. ويجتهد في رفيق صالح يهديه إذا ضلَّ، ويذكره إذا نسي. ويصلي ركعتين، يقرأُ في الركعة الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون]، ويقرأُ في الركعة الثانية بعد الفاتحة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص]. ثم يدعو بعدهما بدعاءِ الاستخارة قبل العزم (٢) وهو: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ - ويسميه - خَيرٌ (٣) لِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ، وَمَعَاشِي، وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، وَفِي الأُمُورِ كُلِّهَا عَاجِلِهَا وَآجِلِهَا، فَاقْدُرْهُ لِي، وَيَسِّرْهُ لِي، وَبَارِكْ لِي فِيْهِ. وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ (٤) لِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، وَفِي الأُمُورِ كُلِّهَا عَاجِلِهَا وَآجِلِهَا، فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ

стр. 525

كَانَ، وَرَضْنِي بِقَضَائِكَ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١). ويستخير هل يحجُّ العام أو غيره أو لا يحج؟ إن كان الحج نفلاً (٢). وأما الفرضُ فواجب فوراً - كما تقدم (٣). ويصلي في منزله ركعتين عند توجهه، ثم يقولُ: «اللهُمَّ هذا ديني وأهلي ومالي وولدي وديعة عندك» (٤)، «اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ وَالمَالِ وَالوَلَدِ» (٥). قال الشيخ (٦): «يدعُو قبل السلام أفضلُ». ويخرج يوم الخميس، أو يوم الاثنين (٧). وقال ابن الزاغُونِي (٨): «أو غيره» (٩). ويبكر في خروجه (١٠).

стр. 526

ويقولُ إذا نزلَ منزلاً: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» (١) وإذا دخل بلداً قالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ السَّمَواتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الأَرْضِينَ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ، أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ القَرْيَةِ، وَخَيْرَ أَهْلِهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ أَهْلِهَا، وَشَرِّ مَا فِيْهَا» (٢). ويقولُ أيضاً إذا ركب، ونحوَه: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ» (٣)، ويقولُ أيضاً: «الحَمْدُ لله، الله أَكْبَرُ، سُبْحَانَكَ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» (٤). وإذا نزل ليلاً قال: «يَا أَرْضُ رَبِّي وَرَبُّكِ الله، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّكِ وَشَرِّ مَا فِيْكِ وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيْكِ وَشَرِّ مَا يَدُبُّ عَلَيْكِ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ أَسَدٍ وَأَسْوَدٍ، وَمِنَ الحَيَّةِ وَالعَقْرَبِ، وَمِنْ سَاكِنِ البَلَدِ، وَمِنَ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ» (٥). وإذا أصبحَ قالَ: «أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ المُلْكُ لله، الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذَا اليَوْمِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذَا اليَوْمِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ». ثم إذا أمسى قالَ: «أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى المُلْكُ لله، الحَمْدُ للهِ الَّذِي

стр. 527

لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا» (١). وكلَّما علا نشزاً من الأرض من جبل أو رابية، كبر. وكلَّما هبط وادياً سبَّحَ (٢). وكلما خاف وحشةً قال: «سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ رَبُّ المَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ» (٣). وكلما وجد كرباً قال: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ العَلِيُّ الْعَظِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ» (٤) وقد ذكرتُ غالب ما ورد في هذا المقام في كتابي شرح المناسك (٥) … (٦) ببُغْيَةِ المتتبع، فعليك به إذا أردت.

стр. 528

(بَابٌ) (الإِحْرَامُ) وهو لغةً: نية التحريم. وشرعاً: «نية الدخول في النسكِ». سمي إحراماً؛ لأنَّ المحرم بإحرامه حرَّمَ على نفسه أشياء كانت مباحةً له. (وَهُوَ) أي: الإحرامُ (وَاجِبٌ مِنَ المِيقَاتِ). والميقات لغةً: الحد. وشرعاً: «مواضع وأزمنة معينة لعبادة مخصوصة». فميقات أهل المدينة المنورة «ذُو الحُلَيْفَةِ» - بضم الحاء، وفتح اللام -، بينها وبين المدينة ستة أميال (١)، وبينها وبين مكة عشرة مراحل (٢)، وتعرف الآن بأبيار علي (٣). وميقات أهل الشام

стр. 529

ومصر والمغرب «الجُحْفَةُ» - بضم الجيم، وسكون الحاءِ المهملة -، قُربَ رابغ (١)، بينها وبين مكة ثلاث مراحل (٢). ومن أحرم من رابغ فقد أحرم قبل الميقات بيسير. وميقات أهل اليمن «يَلَمْلَمُ»، بينه وبين مكة مرحلتان، ثلاثون ميلاً (٣). وميقات أهل نجد الحجاز، ونجد اليمن، والطائفِ «قَرْنُ» - بفتح القاف، وسكون الراء - وهو جبل، وبينه وبين مكة يوم وليلة (٤). وميقات أهل المشرقِ «ذَاتُ عِرقٍ» (٥).

стр. 530

وهذه المواقيتُ لأهلها، ولمن يمر عليها من غير أهلها. (وَمَنْ مَنْزِلُهُ دُونَ المِيْقَاتِ، فَمِيْقَاتُهُ مَنْزِلُهُ) - كأهل عسفان (١)، ونحوه، فميقاته من منزله لحج وعمرة. وهذه المواقيت جميعها ثبتت بالنص؛ لحديث ابن عباس قال: «وقَّتَ رَسُولُ الله ﷺ لأهل المدينةِ ذَا الحُليفة، ولأهل الشام الجُحفة، ولأهلِ نَجْدٍ قَرْن، ولأهل اليمنِ يَلَملَم، «هُنَّ لهنَّ وَلَمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ يُريدُ الحَجَّ وَالعُمرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّه مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا»» متفقٌ عليه (٢). ومن كان له منزلان، جاز أن يُحرم من أقربها إلى مكة، والأولى: من البعيد. ومن بمكة يُحرم (٣) للحج منها، من حيث شاء. ونص الإمام: «من المسجدِ». وفي «الإيضاح» و «المبهج»: «منْ تَحتِ الميزاب (٤)». ويصح من الحلّ، ولا دم عليه. ويُحرم للعمرة من الحل؛ لأنَّ النبي ﷺ أَمَرَ عبد الرحمَنِ بْنَ أَبِي بَكرٍ أَنْ يُعْمِر عائشةَ مِنَ التَّنْعِيمِ. متفق عليه (٥). ومن التنعيم أفضلُ؛ للخبر. و «التنعيم» أقرب الحلّ
следующие страницы →